← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

دراسة الشعر. واكتفى بهذا الموقف النظري، وقد جاء بنظرات تصلح أسساً للفهم العميق، كالتفرقة الارسططاليسية بين الشعر والخطابة، والمفاضلة بين المحاكاة والوزن في الشعر. تعريف الطراغوذيا والقوموذيا أما تعريفه لطراغوذيا وقوموذيا ففيه شيء يسير من حديث أرسططاليس وأكثره يدل على اختلاط المفهومات في ذهن الفارابي. فقوله في الطراغوذيا إنه نوع من الشعر له وزن معلوم. كلام صحيح؛ وقوله: " يلتذ به كل من سمعه من الناس أو تلاه " فإنه ينظر إلى قول ارسطو في المأساة " وإذ ليس لنا أن نتطلب في المأساة كل نوع من اللذة ولكن لنا أن نتطلب فيها كل لذة واقعة في نطاق الفن التراجيدي " (١) وأما إشارته إلى اللذة عن طريق التلاوة فقد ذكره ارسطو في قوله: " وبان المأساة قادرة على أن تبلغ غايتها دون حركة أو تمثيل؟. فنحن نستطيع أن نحكم على الرواية ونتبين خصائصها بالقراءة " (٢) وقوله: " يذكر فيه الخير والأمور المحمودة " فإنه ترجمة لفكرة ارسططاليس عن أن الشخصية يجب ان تكون خيرة (٣) . وأما قوله " يمدح بها مدبرو المدن " فهو ينظر إلى نشأة المأساة على شكل مدائح وترانيم إلهية. وأما غناء الموسيقاريين بها بين يدي الملوك فلعله يشير إلى هذه النشأة أو لعله إشارة إلى الجوق. ومن هذا يتضح لنا أن الفارابي لم يخطئ الفهم ولكن قصر به التصور عن الطبيعة الدقيقة للمأساة.

стр. 212

مواطن الأخذ من أرسطو والخطأ في ذلك وفي حديثه عن المحاكاة وأهميتها طرف غير قليل من آراء ارسطو، ولكن بعضه خاطئ أو محرف.. فقوله " ويعرض لنا عند استماعنا الأقاويل الشعرية عن التخييل الذي يقع عنها في أنفسنا شبيه بما يعرض عند نظرنا إلى الشيء الذي يشبه ما نعاف فإنه من ساعتنا يخيل علينا في ذلك الشيء انه مما يعاف، فتنفر أنفسنا منه فنتجنبه " (١) وهو تحريف لقول أرسطو: " والناس يجدون لذة في المحاكاة، وتؤيد التجربة صدق هذه المسألة، فقد تقع أعيننا على أشياء يؤلمنا أن نراها كجثث الموتى وأشكال أحط الحيوانات وأشدها إثارة للتقزز، ومع ذلك فنحن نسر حين نراها محكية حكاية صادقة في الفن وتزداد متعتنا بها حين تتوفر الإصابة في المحاكاة " (٢) وأما تباين الشعراء في قدرتهم على المحاكاة، فإنه مأخوذ من قول ارسطو: " وعلى ذلك انقسم هذا الشعر قسمين مختلفين لتباين شخصيات أصحابه الشعراء، فمن كانت نفوسهم وقورة شامخة اختاروا للمحاكاة أعمال الشخصيات السامية ومغامراتها، بينا صور الشعراء الفكهون شخصيات الأراذل والمحتقرين، ونظم هؤلاء في البدء شعراً هجائياً ساخراً، كما نظم الأولون المدائح والترانيم الإلهية " (٣) ولكن ليس في كتاب الشعر أي قسمة للشعراء كالتي جاء بها الفارابي، وليس فيه حديث عن الموانع التي تعوق عمل الشعر، مما تصدى ابن قتيبة لشيء منه في مقدمته على " الشعر والشعراء " وكلمة " طبع " مضطربة الدلالة عند الفارابي، ولكن التفرقة بين جبل على المدح ومن جبل على الهجاء تشير إى اختلاف " شخصيات الشعراء " في العبارة السابقة آنفاً.

стр. 213

اكتفاء الفارابي بالنظر دون التطبيق ومن الغريب أن الفارابي (وهو يعيش في عصر النهضة الشعرية) لم يلابس الشعر العربي كثيراً، ولا ألف فيه كما ألف في صنعة الكتابة؛ إلا أن تكون رسالته في الشعر والقوافي، ذات صلة بالشعر العربي؛ وكم كنا أسعد حظاً لو أن شخصاً عميقاً حاد الذكاء مثل الفارابي لم يمنعه إجلاله لأرسطو من إتمام القول في الصناعة الشعرية. إذ كانت المقارنة بين أدبين - أو على الأقل بين التقاليد العامة والمقاييس المعتمدة في كل منهما - كفيلة بأن توفر له من المجال ما لم يتوفر لأرسططاليس نفسه، إذ كان الحكيم يستمد أحكامه من تصور مقصور على الأدب اليوناني دون غيره. وقد رأينا كيف كانت هذه المقارنة جليلة الفائدة لدى الفارابي في الأمور العامة؛ فهي التي جعلته يتنبه إلى ما غفل عنه قدامه من أمر القافية، وأنها شيء يجد اهتماماً خاصاً من العرب دون كثر الأمم الأخرى، وهي التي حمته من أن يتورط تورط الجاحظ الذي كان يظن أن " الوزن " هو السر المعجز في الشعر العربي؛ وهي التي جعلته يدرك كيف خلط الخطباء والشعراء في الأدب العربي بين الشعر والخطابة أحياناً، ويرى الفرق بين الشعر العربي على التلحين، وعدم دخول اللحن في الإيقاع الشعري - نظرات أصيلة مفيدة إذا أضفتها إلى ما اقتبسه من المعلم الأول، كانت حقيقة بتوسيع آفاق النقد، لو كانت لدى الفارابي شجاعة قدامه في وضع منهج نقدي متكامل.

стр. 214

أبو حيان التوحيدي وأصحابه من مفكري القرن الرابع ذوق أبي حيان وثقافته وصلتهما بالنقد الأدبي كان أبو حيان يجمع إلى ذوقه الدقيق في إدراك الجمال في النثر والشعر اطلاعاً على ما كتب في النقد الأدبي، فقد قرأ نقد الشعر للناشئ وعيار الشعر لابن طباطبا ونقد الشعر والكلام الخالص بالنثر في كتاب الخراج لقدامه، وعرف الكتب التي تتصل بعض مادتها بالنقد الأدبي ككتب الجاحظ والمرد وابن قتيبة وابن المعتز، وكان مهيأ بحكم ذلك الذوق النافذ والإطلاع الواسع ليكون في طليعة النقاد، ولكنه، لأمر ما، كان يتهيب النقد أو كما يسميه علم " الكلام على الكلام " ويحس بصعوبته: لان " الكلام على الكلام؟ يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعض، ولهذا شق النحو وما أشبه النحو من المنطق، وكذلك النثر والشعر " (١) ؛ وهو يحكم إمعانه في النثر كان يحب الشعر محبة المتذوق له. ولذلك فإنه أعتذر عن نقد الشعراء المعاصرين حين سأله الوزير أبن سعدان أن يصف له ما تميز به كل واحد منهم فقال: " لست من الشعر والشعراء في شيء، وأكره أن أخطو على دحض وأحتسي غير محض " (٢) ، إلا أنه من خلال هذا التواضع لم يكن يهدف إلا إلى تقديم العذر وحده، فأما معرفته بالشعر والشعراء فقد تجاوزت حدود ذلك التواضع بكثير، وهو رغم صعوبة الكلام على الكلام أيضاً كان يزمع أن يكتب رسالة مستقلة في هذا الموضوع (٣) ، ولكنا لا ندري هل وفى بوعده أو لم يف.

стр. 215

مجالات جهود أبي حيان في النقد وإذا استثنينا هذه الرسالة وجدنا جهد التوحيدي في النقد، رغم انه جهد عارض، قد تناول ثلاثة مظاهر: (أ) إرسال أحكام الموجزة حول الشعراء والكتاب المعاصرين. (ب) تقرير أصول البلاغة نظرياً وتطبيقها عملياً. (ج) استثارة المعاصرين إلى الإجابة عما يتعلق بالمشكلات النقدية. (أ) إرسال الأحكام الموجزة حول الشعراء والكتاب المعاصرين: تناولت أحكام التوحيدي عدداً من أدباء عصره، فمن الشعراء: السلامي والحاتمي وابن جلبات والخالع ومسكويه وابن نباتة وابن حجاج. وإنما خص هؤلاء لأن المقام كان يستدعي الحديث عن شعراء بغداد دون غيرهم، وكانت ملاحظاته مجملة، تنبني عما كونه من رأي في كل واحد منهم بعد أن عرف شعره، ومن ذلك قوله: " أما السلامي فهو حلو الكلام متسق النظام كأنما يبسم عن ثغر الغمام، خفي السرقة لطيف الأخذ واسع المذهب لطيف المغارس، جميل الملابس، لكلامه ليطة بالقلب وعبث بالروح وبرد على الكبد، وأما الحاتمي فغليظ اللفظ كثير العقد، يحب أن يكون يدوياً قحاً وهو لم يتم حضرياً، غزير المحفوظ، جامع بين النظم والنثر، على تشابه بينهما في الجفوة وقلة السلامة، والبعد عن المسلوك، بادي العورة فيما يقول: لكأنما يبرز ما يخفي ويكدر ما يصفي، له سكرة في القول إذا أفاق منها خمر وإذا خمر سدر، يتطاول شاخصاً فيتضاءل متقاعساً، إذا صدق فهو مهين، وإذا كذب فهو مشين " (١) ؛ وقد يبدو هذا الكلام مرسلاً لأنه غير مؤيد بالشواهد، مثلما يتحمل الخلط بين تقدير أبي حيان

стр. 216

للشاعر وتقديره للشعر في آن معاً، وإذا كانت المعاصرة تتحمل الوجه الثاني، فإن التدقيق في هذه العبارات قد ينفي القول بأن كلام أبي حيان تعميمي، لأن كل حكم يرسله يدل على تعمق في الدراسة، مع انتحاء الناحية التصويرية أحياناً في هذه الأحكام. وحسبك أن تقرأ قوله مثلاً " وأما أبن جلبات فمجنون الشعر " حتى تحس أن جملة مثل هذه تستوعب كثيراً مما لو أخذ بالتحليل لأفردت له دراسة كاملة، ولكن هل كانت هذه الأحكام تنطبق على هؤلاء الشعراء تماماً؟ ذلك أمر يعز اليوم القطع به، وحسبنا أن أبا حيان فذ في هذه " الطريقة التصويرية " في النقد؛ تلك الطريقة التي استخدمها أيضاً في الحديث عن الناثرين فقال في الصابي مثلاً: " لا يثب ولا يرسب، ولا يكل ولا يكهم، ولا يلتفت وهو متوجه، ولا يتوجه وهو ملتفت " (١) . وقد حاول من كتبوا " المقامات النقدية " من بعد - كما سنوضح ذلك في موضعه - أن يحتذوا هذه الطريقة، فلم يكن لهم ذكاء أبي حيان ولا جمال تصوره وتصويره. (ب) تقرير أصول البلاغة وتطبيقها عملياً: تقرير مفهوم البلاغة أورد أبو حيان قول إبراهيم الإمام " يكفي من خط البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع " ثم علق عليه بقوله: " وهذا الحكم من إبراهيم مبتور لان الإفهام قد يقع من الناطق ولا يكون بما أفهم بليغاً، والفهم قد يقع للسامع ممن ليس ببليغ ولا يكون بليغاً، وليس اشتراكهما في التفاهم بلاغة " (٢) . وذهب التوحيدي يحدد البلاغة بأنها تعتمد على الطبع أو على الصناعة أو على الاثنين معاً، وعلى هذا تجيء البلاغة في ثلاثة مستويات؛ بلاغة المطبوع ولا يخلو

стр. 217

من صناعة، وبلاغة المصنوع ولا يخلو من طبع، وفن ثالث مسلسل يبتدر في أثناء هذين المهذبين، والسر كله " أن تكون ملاطفاً لطبعك الجيد ومسترسلا في يد العقل البارع ومعتمداً على رقيق الألفاظ وشريف الأغراض مع جزولة في معرض سهولة، ورقة في حلاوة بيان، مع مجانبة المجتلب وكراهة المستكره " (١) ويقف التوحيدي في هذا الصدد، موقفاً خاصاً من السجع الذي أكثر منه كتاب القرن الرابع، فيرى ألا يشتط الكاتب في اعتماده، فأنه أن فعل لحق كلامه بكلام الكهان والنسأة أو كلام المستعربين من العجم؛ وليس للكاتب أيضاً أن يهجر السجع البتة، وإنما أن يكون في إنشاءه كالطراز من الثوب، والعلم من المطرف، والخال من الوجه " وقد يسلس السجع في مكان دون مكان، والاسترسال أدل على الطبع، والطبع أعفى، والتكلف مكروه والمتكلف معنى " (٢) . كيف يكون المرء كاتباً ويجيب التوحيدي على السؤال العملي: " كيف يكون المرء كاتباً " فينص في ذلك على الإخلاص والاستهانة بالجهد وعدم الانقياد لسحر اللفظ قبل الوثوق من حدود المعنى، وعلى العناية بالجمال في التأليف، وعلى التوفيق بين الشكل والمحتوى توفيقاً متلاحماً لا انفصال فيه، ومما جاء في وصيته هذه: " فمن أوائل تلك العناية جمع بدد الكلام، ثم الصبر على دراسة محاسنه، ثم الرياضة بتأليف ما شاكله كثيراً أو وقع قريباً إليه، وتنزيل ذلك على شرح الحال: ان لا يقتصر على معرفة التأليف دون معرفة حسن التأليف، ثم لا يقف مع اللفظ وأن كان نازعاً شيقاً حتى يفلي المعنى فلياً، ويتصفح المغزى صفحاً، ويقضي من حقه ما يلزم في حكم العقل، ليبرأ من عارض سقم، ويسلم من ظاهر استحالة، ويعمد حقيقته أولاً ثم يؤسسه ثانياً، ليترقرق

стр. 218

عليه ماء الصدق ويدنو من لآلاء الحقيقة " (١) ؛ وقد نقول أن أبا حيان يتحدث هنا عن تجربته الذاتية، ولكن قد يكون أيضاً متأثراً بما قاله ابن طباطبا في كيفية نظم الشعر، فالكلامان في طبيعة المعاناة متشابهان. (ج) استثارة المعاصرين إلى الإجابة عما يتعلق بالمشكلات النقدية: المفاضلة بين النظم والنثر ويتميز أبو حيان بذلك الظمأ العقلي الذي كان يحفزه إلى التساؤل الذاتي وإلى إلقاء الأسئلة عما يعتلج في ذهنه ونفسه من مشكلات، ومن أهم المشكلات التي كانت تجول في ذهنه واذهان المفكرين من حوله مشكلة العلاقة بين النظم والنثر. ثم إمكان المفاضلة بينهما، ومنشأ هذه المشكلة فلسفي الطابع، فقد عرف هؤلاء المفكرون ما حام حوله الفكر الفلسفي من أمر التفاوت بين الخطابة والشعر في حظهما من الصدق والكذب وان الخطابة - وهي اقناعية - متساوية الصدق والكذب، أو صادقة بالمساواة - كما قال الفارابي (٢) - وان القول الشعري كاذب بالكل (٣) ؛ وعلى هذا الأساس فيما أتصور - كتب أبو زيد البلخي كتابه " أقسام العلوم " وجعل العلوم مراتب يفضل بعضها بعضاً (٤) ، ونقدر أن في هذا الكتاب حديثاً عن علم الشعر، يلحق بهذا الباب الذي نتحدث فيه؛ وكتب أبو إسحاق الصابي رسالة في تفضيل النثر والنظم (٥) ، ولكن الأمر تعدى هذا الحد الفلسفي (الذي قد يساء فيه فهم معنى الصدق والكذب) إلى المناظرات الجدلية، وذهب كل فريق من المتجادلين يستعين في تفضيل الشعر أو النثر بأمور

стр. 219

خارجة عن طبيعتهما أحياناً، فكان أبو سليمان المنطقي وأبو عابد الكرخي صالح بن علي وعيسى الوزير وابن طراراة الجريري وابن هندو الكاتب ممن يفضلون النثر، وتتفاوت حججهم بين السطحية والعمق: فمن حجج أبي عابد الكرخي أن النثر أصل الكلام والنظم فرعه والأصل اشرف من الفرع وبالنثر نزلت الكتب السماوية والوحدة فيه أظهر، وهو طبيعي في البدأة لان الناس يتكلمون فيه ابتداءً، وهو غير محتاج إلى الضرورات كالشعر (١) ، وكرر أبو سليمان المنطقي أمر ظهور الوحدة في النثر: " النثر اشرف جوهراً والنظم اشرف عرضاً؟ لأن الوحدة في النثر أكثر، والنثر إلى الوحدة اقرب، فمرتبة النظم دون مرتبة النثر، ولان الواحد أول والتابع له ثان " (٢) . وذهب عيسى الوزير إلى أن النثر من قبل العقل، والنظم من قبل الحس (٣) ، وكأنه يكرر بهذا ما قيل حول حظ الشعر من التخييل وحظ الخطابة من الإقناع؛ ونضرب صفحاً عن حجج الآخرين الذين يفضلون النثر، لأنها قليلة القيمة في ميدان الجدل. أما الذين يفضلون الشعر فهم في الغالب من طبقة الشعراء: وهم يرون ان الشعر صناعة قائمة بذاتها، بينما النثر (أي الكلام) يستطيعه كل إنسان، وكذلك ذهب هؤلاء إلى ذكر أمور عارضة تبين فضل الشعر كاحتوائه الحكم والشواهد، ونيل الشعراء الجوائز من الممدوحين؟ الخ (٤) . وواضح ان هذه الخصومة ما كانت لتصل إلى هذا المستوى لولا تعصب كل فريق لما يحسنه، ومع ذلك فان أبا حيان كان يرى أن الأكثرية يقدمون النظم على النثر، دون ان يحتجوا فيه بظاهر القول، وان الاقلين قدموا النثر

стр. 220

وحاولوا الحجاج فيه، ولذلك سال صيقه مسكويه عن مرتبة كل منهما فكان مجمل جوابه: أن النظم يزيد على النثر بالوزن فهو أفضل من هذه الجهة، أما إذا اعتبرت المعاني فأنها مشتركة بينهما " وليس من هذه الجهة تميز أحدهما من الآخر، بل يكون كل واحد منهما صدقاً مرة وكذباً مرة وصحيحاً مرة وسقيماً أخرى " (١) . أيهما أشد تأثيراً في النفس الشعر أم النثر وسبب تفاوتهما في الإطراب ثم حدد أبو حيان هذا السؤال على نحو ادق، فبدلاً من أن يسال عن أفضلية أحدهما على الآخر ألقى على أستاذه أبي سليمان سؤالاً حول أشدهما تأثيراً في النفس، فكان جواب أبي سليمان شبيهاً بما قاله عيسى الوزير، حين قال: " النظم أدل على الطبيعة لان النظم من حيز التركيب، والنثر أدل على العقل لان النثر من حيز البساطة وإنما تقلبنا المنظوم بأكثر مما تقبلنا المنثور لانا للطبيعة أكثر منا بالعقل، والوزن معشوق للطبيعة والحس، ولذلك يفتقر له عندما يعرض استكراه في اللفظ، والعقل يطلب المعنى، فلذلك لاحظ للفظ عنده وإن كان متشوقاً معشوقاً " (٢) . وكان مفهوم التركيب والبساطة، أو التكثر والوحدة مفزع أبي سليمان المنطقي كلما سئل عن تصوره لأثر الشعر والنثر، ولذلك نجده يلجأ إلى هذا المفهوم عندما أعاد عليه التوحيدي السؤال في صيغة أخرى وقال: " لم لا يطرب النثر كما يطرب النظم؟ " فقال في الجواب " لأننا منتظمون (أي ذوو تركيب) فما لاءمنا أطربنا، وصورة الواحد (أي الوحدة) فينا ضعيفة ونسبتنا إليه بعيدة " (٣) ، وخلص المنطقي من هذا إلى تعليل الأعجاز في القرآن بان صاحب الرسالة " غلبت عليه الوحدة فلم ينظم من

стр. 221

تلقاء نفسه، ولم يقتطعه، ولا ألقى إلى الناس عن القوة الإلهية شيئاً على ذلك النهج المعروف، بل ترفع عن كل ذلك، وخص في عرض ما كانوا يعتادونه ويألفونه بأسلوب حير كل سامع؟ " (١) . أثر اختلاف الألفاظ واتفاق المعاني في النفس واشتق التوحيدي من صلة جرس اللفظ بالحس وصلة المعنى بالعقل سؤالاً جديداً، فسال ابا بكر القومسي - أحد تلامذة يحيى بن عدي، وكان أبو بكر هذا كبير الطبقة في الفلسفة - " ما معنى قول بعض الحكماء: الألفاظ تقع في السمع فكلما اختلفت كانت أحلى، والمعاني تقع في النفس فكلما اتفقت كانت أحلى " فكان جواب القومسي يدور على مفهوم التبدد (التكثر) والتوحد، فالحس من صفاته التبدد وهو تابع للطبيعة، فاختلاف الألفاظ يوافق خاصة التكثر في الحس؛ والنفس متقبلة للعقل، فكلما ائتلفت حقائق المعاني عند ورودها على العقل وافقت نزعة التوحد، وكانت انصع وأبهر (٢) . جواب أبي سليمان عن ماهية البلاغة ويبدو ان أبا حيان لم يقرأ كتاب الخطابة لارسططاليس وإن كان يعلم انه أحد كتاب الفيلسوف، وأراه حين سال أستاذه أبا سليمان عن ماهية البلاغة كان يعتقد ان أبا سليمان سيجيبه مستمداً من اطلاعه على ما قاله اليونان إذ " بحثوا عن مراتب اللفظ واللفظ وطبائع الكلمة والكلمة موصلة ومفصلة وخواتيم (هي) أحق ما اعتمد " ولكن أبا سليمان اكتفى بقوله " هي الصدق في المعاني مع ائتلاف الأسماء والأفعال والحروف وإصابة اللغة، وتحري الملاحة والمشاكلة، برفض الاستكراه ومجانبة التعسف " (٣) . ولو

стр. 222

كان أبو حيان يعرف كتاب الخطابة، لاحس أن أستاذه ذا المقام الكبير في نفسه قد خيب ظنه، في هذا المقام. ويسال أبو زكريا الصميري وهو حاضر ذلك المجلس: " وقد يكذب البليغ قد البس لباس الصدق وأعير عليه حل الحق، فالصدق حاكم، وغنما رجع معناه إلى الكذب الذي هو مخالف لصورة العقل الناظم للحقائق ". هل بلاغته أحسن من بلاغة العرب؟ وعند هذا الكلام يندفع أبو حيان بقوة حبه للغة العربية إلى أن يسال: " هل بلاغة احسن من بلاغة العرب؟ فيجيبه أستاذه، وهو في هذا الموقف علمي الدقة: " هذا لا يبين لنا إلا بان نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق، ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها واقصاها، ثم نحكم حكماً بريئاً من الهوى والتقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمع فيه إلا ذو عاهة " (١) . غير أن أبا سليمان يهون الأمر على تلميذه، أو يهونه أبو حيان نفسه على نفسه بان ما عرف من اللغات يدل على ان اللغة العربية " أوسع مناهج وألطف مخارج وأعلى مدارج وحروفها أتم وأسماؤها اعظم ومعانيها أوغل ومعارفها أشمل؟ ". صنوف من مستويات البلاغة ولم يكتف أبو حيان بتحديد ماهية البلاغة تحديداً كلياً، بل كان يسال أحياناً بعض النقاد رأيهم في بلاغة هذا الكاتب أو ذاك؟ ولم يكن الباعث لسؤاله عن كتابة خصمه اللدود الصاحب بن عباد ومنزلتها من البلاغة، هو محض الرغبة في الفهم، بل كان أبو حيان يحاول كما يعبها هو، فقد سال ابن عبيد الكاتب النصراني (وكان سهل البلاغة حلو اللفظ حسن الاقتضاب غريب

стр. 223

الإشارة مليح الوصل والفصل) : كيف ترى كتابة ابن عباد؟ فكان جواب ابن عبيد مطابقاً لما ذكره أبو حيان نفسه في مستويات البلاغة إذ عابه ابن عبيد باللهج في السجع وقال إن " السجع يجب أن يكون كالطراز في الثوب؟ والخال في الوجه " ثم ذكر ما يسمى " المسلسل " الذي توجد منه أمثلة في كلام الجاحظ ثم قال: " والذي ينبغي أن يهجر رأساً ويرغب عنه جملة التكلف والإغلاق واستعمال الغريب والعويص وما يستهلك المعنى أو يفسده أو يحيله، ويجب ان يكون الغرض الأول في صحة المعنى، والغرض الثاني في تخير اللفظ، والغرض الثالث في تسهيل النظم وحلاوة التأليف واحتلاب الرونق "؟ ثم قال: " فخير الكلام - على هذا التصفح والتحصيل - ما أيده العقل بالحقيقة، وساعده اللفظ بالرقة، وكان له سهولة في السمع، ووقع في النفس، وعذوبة في القلب، وروح في الصدر؟ يجمع لك بين الصحة والبهجة والتمام؛ فأما صحته فمن جهة شهادة العقل بالصواب، وأما بهجته فمن جهة جوهر اللفظ واعتدال القسمة، وأما تمامه فمن جهة النظر الذي يستعير من النفس شغفها ويستثير من الروح كلفها " (١) ، فهذا كله يعبر عن رأي التوحيدي نفسه، على وجه يكاد يكون طابقاً. ويجب ألا ننخدع بثناء أبي حيان على ابن عبيد هنا، فإنه إنما مدحه ليجعل لرأيه مكانه مقبولة وإلا فإنه قد أنحى عليه في موضع آخر بقوله جاعلاً هذا القول على لسان ابن سعدان: " وأما ابن عبيد فكلفه بالخطابة والبلاغة والرسائل والفصاحة قد طرحه في عمق لج لا مطمع في انتقاده منه. ولا طريق إلى صرفه عنه، هذا مع حركات غير متناسبة وشمائل غير دمثة " (٢) ؛ غير أن هذا الكلف بقواعد الخطابة والبلاغة يجعل سؤاله إياه عن رأيه في بلاغة أحد الكتاب أمراً طبيعياً.

стр. 224

لم يكون شعر العروضي رديئاً وكذلك كان أبو حيان مشغول الخاطر بأمور مستمدة من التجربة العميقة تتصل بالشعر، فمن ذلك ما لاحظه من أن " العروضي " يكون شعره في الغالب ردئياً، مع أن العروض ميزان؛ وكأني بابي حيان أيضاً ينظر هنا إلى رأي الفلاسفة من حوله بأن " علم " المنطق ميزان الفكر، فمن عري منه لم يبن له وجه الخطأ في أقيسته وفكره. ولذلك يتوجه إلى مسكويه بهذا السؤال: " لم صار العروضي رديء الشعر قليل الماء والمطبوع على خلافه؟ ألم تبن العروض على الطبع؟ أليست هي ميزان الطبع؟ فما بالها تخون؟ قد رأينا بعض من يتذوق وله طبع يخطئ ويخرج من وزن إلى وزن، وما رأينا عروضياً له ذلك، فلم كان هذا - مع هذا الفضل - انقض ممن هو افضل منه " (١) ؟ وخلاصة رد مسكويه أن العروض صناعة، وصاحب الصناعة لا يجري ذي الطبع الجيد الفائق. أما المطبوع من المولدين فإنه أحياناً يكسر العروض لأنه لا يعرف الزحافات، فيخلق بها المنكسر، ويتحقق للشاعر المولد أن يلزم وزناً لا يحيد عنه، فيتجنب بذلك الخروج على قواعد العروض. وقد نفد مسكويه من هذا إلى الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر المولد، فزعم أن بعض الأوزان الجاهلية لم تعد تقبلها الأذواق، مع إنها كانت موزونة عند أصحابها، إلا أن طباع المولدين نفرت منها، كقصيدة المرقش: لابنة عجلان بالطف رسوم ... لم يتعفين والعهد قديم ويعلل ذلك بان الشعر الجاهلي كان مصحوباً بالنغمات، فكانت الألحان تجبر ما فيه من زخارف، غير أن الشعر المولد أصبح يقرأ ولذا فلا بد ان يكون خالياً من الحافات حتى تستسيغه الأذواق (٢) .

стр. 225

تعريف العامري الفيلسوف للشعر، وتحديد المنطقي لأنواع البلاغة ولهؤلاء المفكرين الذين اتصل بهم التوحيدي، حدود وآراء في بعض ما يتصل بالنقد، كتعريف أبي الحسن العامري للشعر بأنه " كلام مركب من حروف ساكنة ومتحركة. بقواف متواترة، ومعاني معادة، ومقاطع موزونة، ومتون معروفة " (١) وهو تعريف لايزيد شيئاً على ما تقدم من تعرفيات ولأبي سليمان المنطقي تحديد لأنواع البلاغة يجعلها سبعة أضرب وهي: بلاغة الشعر وبلاغة الخطابة وبلاغة النثر وبلاغة المثل وبلاغة العقل وبلاغة البديهة وبلاغة التأويل: " فأما بلاغة الشعر فأن يكون نحوه مقبولاً، والمعنى من كل ناحية مكشوفاً، واللفظ من الغريب بريئاً. والكناية لطيفة، والتصريح احتجاجاً، والمؤاخاة موجودة، والمواءمة ظاهرة؛ وأما بلاغة الخطابة فأن يكون اللفظ قريباً والإشارة فيها غالبة، والسجع عليها مستوياً، والوهم في أضغافها سابحاً، وتكون فقرها قصاراً، ويكون ركابها شوارد ابل؛ وأما بلاغة النثر فأن يكون اللفظ متناولاً والمعنى مشهوراً والتهذيب مستعملاً والتأليف سهلاً والمراد سليماً والرونق عالياً والحواشي رقيقة والصفائح مصقولة والأمثلة خفيفة المأخذ والهوادي متصلة والإعجاز مفصلة؛ وأما بلاغة المثل فان يكون اللفظ مقتضباً والحذف محتملاً والصورة محفوظة والمرمى لطيفاً، والتلويح كافياً والإشارة مغنية والعبارة سائرة؛ وأما بلاغة العقل فأن يكون نصيب المفهوم من الكلام أسبق إلى النفس من مسموعه إلى الأذن، وتكون الفائدة من طريق المعنى أبلغ من ترضيع اللفظ وتقفية الحروف، وتكون البساطة فيه اغلب من التركيب، ويكون المقصود ملحوظاً في عرض السنن، والمرمى يتلقى بالوهم لحسن التركيب؛ وأما بلاغة البديهة فان يكون انحياش اللفظ للفظ في وزن انحياش المعنى للمعنى، وهناك يقع التعجب للسامع، لأنه يهجم بفهمه على ما

стр. 226

لا يظن أنه يظفر به كمن يعثر بمألوفه على غفلة من تأميله، والبديهة قدرة روحانية في جبلة بشرية. كما أن الروية صورة بشرية في جبلة روحانية؛ وأما بلاغة التأويل فهي التي تحوج لغموضها إلى التدبر والتصفح وهذان يفيدان من المسموع وجوهاً مختلفة كثيرة نافعة. وبهذه البلاغة يتسع في أسرار معاني الدين والدنيا وهي التي تأولها العلماء بالاستنباط من كلام الله وكلام رسوله؟ ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الروح كله، وبطل الاستنباط أوله وآخره، وجولان النفس واعتصار الفكر إنما يكونان بهذا النمط في أعماق هذا الفن، وها هنا تنثال الفوائد وتكثر العجائب. وتتلاقح الخواطر، وتتلاحق الهمم، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات المتقدمة بالصفات الممثلة حتى تكون معينة ورافدة في إثارة المعنى المدفون وإنارة المراد المخزون " (١) . نقد لرأي أبي سليمان وواضح أن أبا سليمان المنطقي غير منطقي في هذه القسمة، لأنه ينظر من زوايا مختلفة، فحيناً ينظر إلى النوع فيقسم الكلام إلى شعر ونثر. ثم ينظر إلى النثر نفسه بحسب اختلاف وجوهه فيقسمه إلى خطابة ونثر ومثل. ثم يتحدث عن المحتوى المعنوي ويسميه بلاغة العقل، ثم ينظر إلى طبيعة الإبداع نفسه فيعد شيئاً يسميه " بلاغة البديهة "، ثم يقف وقفة طويلة عند نوع من النثر يتحمل أوجههاً من التأويل، ويفرده بالأهمية. ويرى ان سائر فنون البلاغة إنما تكون في خدمته. وتكاد بلاغة الشعر والخطابة والنثر تتفق في اللفظ عنده. ثم تختلف في بعض الجزئيات، فالوضوح في المبنى الشعري يقابله الإشارة واللمح في الخطابة والإيجاز الشديد في المثل، والسهولة في المبنى النثري. فأما الحديث عن بلاغة العقل والبديهة والتأويل، فليس حديثاً عن الشكل وإنما هو حديث عن المضمون، والمضمون شركة بين فنون القول؛ ولكن من تدبر ما قاله المنطقي وجده يحوم حول تفضيل المعنى، الذي يتطلب

стр. 227

من الفكر غوصاً. حتى البديهة تعجب بالعمق نفسه لان عنصر الاجتذاب فيها يقوم على المفاجأة التي لم يكن القارئ يتصور إمكانها. ومهما يكن من شيء فتلك أحكام نظرية متداخلة، لم يحاول المنطقي أن يجعلها موضعاً للتطبيق والتأييد بالشواهد، معتذراً عن ذلك بان مثلتها موجودة في الكتب وهو لا يحب التكرار، وبان الناس قد زهدوا في هذه الأمور لان طلب القوت قد شغلهم عنها، ويأسف على العهود الذهبية أيام عز الخلافة ورونق الديانة وشيوع الخير ونفاق سوق الأدب والعلم. تقارب النثر والنظم في الإيقاع وعلى الرغم من أن المشكلة الكبرى التي شغلت أذهان هؤلاء المفكرين هي التمييز بين الشعر أو التفضيل بينهما، فإن أبا حيان يخلص إلى القول بان خير الكلام " ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر ونثر كأنه نظم، يطمع مشهوده بالسمع، ويمتنع مقصوده على الطبع " (١) ؛ ولم يكن هذا التقارب بين الفنين جيداً، فقد رأيناه عند ابن طباطبا، ولكن أبا حيان يلمح إلى شيء من التقارب في الايقاع؛ وهو شيء كفله نثر القرن الرابع، فإن النغمة الموسيقية فيه ارتفعت حتى قاربت نغمة الشعر، وغلبت قوة المحاكاة على الخطابة واختلط الفنان، كما قال الفارابي، ولكن أبا حيان لم يكن يعني الاقتراب بينهما في التصوير؛ غير أنه وجد في القرن الرابع، من يعيب الجاحظ بقلة التشبيهات والاستعارات، بل من يعيبه بأنه بعيد عن " معتاص الكلام " وغريبه (٢) ؛ مع أن أبا حيان وأصحابه قد شددوا كثيراً على خلو الشعر والنثر من الغريب وما أشبهه، ولكن نثر القرن الرابع لم يحفل كثيراً بهذا المقياس.

стр. 228

مسكويه وأثر أفلاطون إن انشغال هؤلاء المفكرين بالإجابة عن أسئلة تتعلق بمستوى البلاغة - نظرياً وعملياً - وبالعلاقة والفروق بين النظم والنثر قد أبعدهم من التساؤل عن صلة الشعر بالأخلاق، ذلك لأنهم في أكثر تصوراتهم كانوا يفيئون إلى أرسطو أو إلى القياس على آرائه؛ وينفرد مسكويه من بينهم بأنه وقع - إلى جانب تأثره بأرسطو - تحت تأثير أفلاطون، فإذا هو يتبنى رأيه في ما يجره الشعر من ضرر في تربية الناشئين، وخاصة ذلك اللون من الشعر الفاحش المليء بالأكاذيب المشجع على اللذات كبعض شعر امرئ القيس والنابغة وأشباههما، يقول مسكويه بعد أن يثني على من أتفق له أن يرد على أدب الشريعة وكتب الأخلاق والحساب والهندسة ويتدرج إلى صدق القرن وصحة البرهان " ومن لم يتفق له ذلك في مبدأ نشوئه ثم أبتلي بأنه يربيه والدال على رواية الشعر الفاحش وقبول أكاذيبه واستحسان ما يوجد فيه من ذكر القبائح ونيل اللذات كما يوجد في شعر امرئ القيس والنابغة وأشباههما، ثم صار بعد ذلك إلى رؤساء يقربونه على روايتها وقول مثلها ويجزلون له العطية؟ واشتغل بها عن السعادة التي أهل لها فليعد جميع ذلك إلى شقاء لا نعيماً، وخسراناً لا ربحاً " (١) . ولكن مسكويه لا ينفي الشعر جملة وإنما يستبقي منه في منهاجه التربوي ما يتلاءم والصحة النفسية والجسمانية: " ثم يطالب بحفظ محاسن الأخبار والأشعار التي تجري مجرى ما تعوده بالأدب، حتى يتأكد عنده بروايتها وحفظها والمذاكرة بها جميع ما قدمناه، ويحذر النظر في الأشعار السخيفة وما فيها من ذكر العشق وأهله وما يوهمه أصحابها أنه ضرب من الظرف ورقة الطبع، فإن هذا الباب مفسدة للأحداث جداً " (٢) وسنصادف هذه النظرة إلى الشعر أو ما يشبهها كلما جرى الحديث عن العلاقة بينه وبين التربية.

стр. 229

وقد رأينا فيما عرضناه من آراء هؤلاء المفكرين أن الناحية التطبيقية ضعيفة لديهم باستثناء قدامه بن جعفر؛ وقد كان أبو حيان أصلح بحكم موقفه ليؤدي دوراً في الربط بين الثقافتين، ولكن نظرته إلى الشعر كانت تركيبية، أي كان يدرس ثم يجمل دراسته في كلمات يسيرة. الحاتمي والعلاقة بين الفلسفة والشعر وقد حاول الحاتمي - وهو أيضاً ممن عرفهم أبو حيان - أن يقيم صلة بين الشعر والفلسفة لا بين الفلسفة وطرائق النقد، فدل بذلك على نوع جديد من ثقافة الناقد الأدبي في عصره، وإنما أشير في هذا الموطن مثلما تصلح أن تدرس بين الجهود النقدية التي دارت حول المتنبي، وأول ما يثور في النفس إزاء هذه الرسالة نسبتها إلى الحاتمي، لأمرين أولهما: إثبات صلة الحاتمي بالثقافة الفلسفية نفسها، والثاني روح الإنصاف التي تتجلى فيها بالنسبة لما قاله عن المتنبي في غيرها، فأما عن الأمر الأول فنحن نعلم أنه كانت للحاتمي صلة بأبي حيان التوحيدي وببعض المتفلسفين الذين كان يضمهم مجلس الوزير أبن سعدان، ولكن هذه الصلة مهجنة بالأنحاء على الحاتمي ووصفه بثقل الروح والمغالاة بالنفس " وكأنه لا علم إلا عنده ولا فائدة إلا هي معه " (١) ، وكأنه يقول كلما جاء بفائدة لغوية " تنح فقد جاء الأسد وغلب الطوفان وخرج الدجال وطلعت الشمس من المغرب ". وأبو حيان يعلل هذه الخيلاء فيه بغلبة حفظ اللفظ والتصريف عليه، وأنه بعد عن المعاني ومن بعد عنها قل نصيبه من العقل (٢) ، ولكن هذا الموقف لا ينفي صلته بالفكر الفلسفي حينئذ، وهاهو في رسالة غير الرسالة موضوع البحث، يقول للمتنبي: أن الناجم إنما نظم أحد المعاني من قول أرسططاليس

стр. 230

" وقد تكلمت بكلام لو مدحت به الدهر لما دارت صروفه " (١) ، كذلك يشير إلى أرسطو في كتاب حلية المحاضرة في باب " نظم المنثور " وانه ندب الاسكندر عند موته، ونظم معناه صالح بن عبد القدوس " (٢) وذكر إن أرسططاليس يذهب إلى أن " من البلاغة حسن الاستعارة " (٣) ، ومن الغريب أن الحاتمي ظن إن حسن الاستعارة تعني هنا إجازة اخذ الشاعر معاني من تقدمه. وهذا فهم في غاية الغرابة. فمن الممكن أن يكون هذا الملمح المبكر هو الذي هداه إلى أن يتتبع التشابه بين معاني المتنبي ومعاني أرسطو. وأما الإنصاف فإنه يتجلى في قوله في مقدمة رسالته: " والذي بعثني على تصنيف هذه الألفاظ المنطقية والآراء الفلسفية التي أخذها أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي منافرة خصومي فيه، لما رأيت من نفور عقولهم عنه وتصغيرهم لقدره؟. ووجدنا أبو الطيب؟ قد أتى في شعره بأغراض فلسفية ومعان منطقية، فإن كان ذلك منه عن فحص ونظر وبحث فقد أغرق في درس العلوم، وإن يك ذلك منه على سبيل الاتفاق فقد زاد على الفلاسفة بالإيجاز والبلاغة والألفاظ الغريبة، وهو في الحالتين على غاية من الفضل وسبيل نهاية من النبل. وقد أوردت من ذلك ما يستدل على فضله في نفسه وفضل علمه وأدبه وإغراقه في طلب الحكمة؟ " (٤) ، ومن عرف هجوم الحاتمي على المتنبي في مواقف أخرى استكثر منه هذا الإنصاف. حتى ليشك في نسبة هذه الرسالة إليه، ولكنا يجب أن نتذكر أن الحاتمي كان مدفوعاً إلى التهجم على المتنبي في بعض الفترات بدوافع ذاتية وأخرى خارجية، وإنه ربما هدأت ثائرته، فأحب

стр. 231

أن يظهر جانباً من تميز المتنبي. كذلك فإن كل من تأمل الرسالة الموضحة وهي أشد هجوم وجهه الحاتمي إلى المتنبي سيرى أن ذلك الناقد لم يكن غافلاً عن حسنات أبي الطيب. وإن كان مغيظاً منه، أضف إلى ذلك أن الحاتمي عرف بالثلب والشتم (١) . كما عرف به أبو حيان، ولكن ساعات الرضى كانت توجهه وجهة الإنصاف؛ على أنه ليس بمستبعد أن يساء الظن حتى في انتحال الحاتمي للإنصاف؛ فيقرأ الباحث في رسالته خبثاً كميناً. كان يدفعه لفضح المتنبي. في نطاق الحكمة نفسها، وهي ميزته التي كفلت له التفوق على الشعراء. ونحن إن لم نستطع أن نجد جواباً حاسماً في نسبة هذه الرسالة، لا نستكثر أن تكون للحاتمي، لأنها لا تتطلب من منشئها ثقافة فلسفية واسعة. إذ كل ما تتضمنه أقوالاً حكمية لأرسطو. كانت أمثالها معروفة بين الدارسين في القرن الرابع، ولا تحتوي نظرات فلسفية دقيقة ومثلها منثور في كتب أبي حيان والعامري. وجاويدان خرد لمسكويه، والكلم الروحانية في الحكم اليونانية لأبي الفرج ابن هندو (- ٤٢٠) ثم تمثلت على نحو أتم في القرن الخامس في كتاب " مختار الحكم ومحاسن الكلم " للمبشر بن فاتك. على أن إثبات نسبة هذه الأقوال لأرسطو ليس بأسهل من إثبات الرسالة للحاتمي، لا نستثني من ذلك الرسائل المنحولة لأرسطو، إذ مدار الأمر هنا أن نثبت اعتقاد الحاتمي بان ما كان يورده من أقوال إنما كان متصلاً بالمعلم الأول في نظر المثقفين في القرن الرابع. وقد حاولت جاهداً أن أرد هذه الأقوال إلى مظانها فوجدت هذا القول: " روم نقل الطباع عن ذوي

стр. 232

الأطماع شديد الامتناع " (١) يشبه قول أرسطو: " وكل شيء يستطاع نقله إلا الطباع " (٢) والقول: " من لم يقدر على فعل الفضائل فلتكن فضائله ترك الرذائل " (٣) يشبه قول أرسطو: " من لم يقدر على فعل فضيلة فليكن همه ترك رذيلة " (٤) ؛ فالتشابه في هذين الموضعين يكاد يكون كاملاً. أما قول أرسطو فيما نقله أفلاطون: " إن من التوقي ترك الإفراط في التوقي " (٥) ؛ وأورد الحاتمي لأرسطو أيضاً: " الفرق بين الحلم والعجز أن الحلم لا يكون إلا عن قدرة، والعجز لا يكون إلا عن ضعف؟ " (٦) ، وهذا لا يشابه قول أفلاطون: " الحلم لا ينسب إلا من قدر على السطوة، والزهد لا ينسب إلا من ترك بعد القدرة " (٧) . ومن أقوال أفلاطون: " ليس الحكيم التام من فرح بشيء من هذا العالم أو جزع بشيء من مصيباته واغتم له " (٨) وقريب من هذا ما نسبه الحاتمي لأرسطو وهو: " من علم الكون والفساد يتعاقبان الأشياء لم يحزن لورود الفجائع لعلمه أنه من كونها؟ " (٩) . ومما أورده الحاتمي لأرسطو وهو أشبه بنظرات ذيوجانس الكلبي: " قال الحكيم وقد نظر إلى غلام حسن الوجه فاستلطفه فلم يجد عنده علماً: نعم الدار لو كان فيها ساكن " (١٠)

стр. 233

فمن أقوال ذيوجانس بذلك قوله حين رأى رجلاً شريراً حسن الوجه: " نعم البيت وبئس الساكن " (١) . إذن فإن نسبة الأقوال إلى أرسطو تعتمد على نوع من التجوز، وهو شيء لا نعد الحاتمي مسئولاً عنه، لأن أقوال أولئك الحكماء اختلطت إذ كان المقصود منها محتواها، لا مدى الصحة في نسبتها؛ بل إن بعض الأقوال التي أوردها الحاتمي لا يمكن أن يصدر عن أرسطو مثل " الظلم من طبع النفوس " أو " ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك: ولدك وزوجك ومملوكك، فسبب صلاحهم التعدي عليهم ". ولكن الرسالة على وجه الإجمال تضعنا في جو حكمي فلسفي إذ إنها تتناول شئون الطباع والنفس والشهوة والعقل والزمان والأخلاق، من جبن وغلبة وظلم وحلم وعجز وفضل وحكمة ومحبة وعشق وحرص على المال. وبعضها واضح الصلة بالفلسفية الأفلاطونية مثل: " إذا تجوهرت النفوس الفلسفية لحقت بالعالم العلوي " ومثل: " موت النفوس حياتها وعدمها وجودها لأنها تلحق بعالمها العلوي " كما ان بعضها قد يصوغه المرء المجرب اعتماداً على خبرته في الحياة، دون حاجة إلى أن يعتمد فيه على أفلاطون أو أرسطو، مثل: " إذ كان البناء على غير قواعد كان الفساد أقرب إليه من الصلاح ". ومثل: " إذا لم ترفع عن قدر الجاهل، رفع الجاهل قدره عليك " ولولا أن الحاتمي كان مشغولاً بالاستكثار من التشابه بين شعر المتنبي والفلسفة لأرجع كثيراً من تلك الأقوال - وهو امرؤ كثير المحفوظ - إلى ما عرفه من حكمة العرب. وهذا الاستكثار جعل الحاتمي يفرق الأقوال المتصلة بموضوع واحد، على تقاربها أحياناً، وحسبك أن تقرأ ما أورده حول الفناء وفعل الزمان لتجد هذا التقارب والتشابه في مثل: تعاقب أيام الزمان مفسد لحال الحيوان - الزمان ينشئ ويلاشي -

стр. 234

الكون والفساد يتعاقبان الأشياء - ترداد حركات الفلك يحل الكائنات؛ وكذلك قل في حديثه عن الشهوة وعلاقتها بأنواع النفوس. والرسالة - في باب النقد - قد تقع في نطاق السرقات، وتجيء تتمة لذلك الموضوع الذي شغف به الحاتمي، ولكنه خفف هنا من وقع السرقة في المقدمة حين قدر ان يكون المتنبي قد اهتدى غليها من خلال نظراته الخاصة وتجربته. ثم هي تشير إلى العلاقة بين المعاني التي ترد في النثر ويستطيع ان يجعلها الشاعر منظومة، وتخص من تلك المعاني المتنبي، كما جعلتها ثقافة منشئها صورة من صور اللقاء بين الفكرة والشعر. ولما حملت الأفكار فيها اسم أرسطو كانت صورة للقاء بين الفكر اليوناني والشعر العربي، ومن هذا استمدت قيمتها فوق المباحث في باب الأخذ والسرقة. وقد يكون التوافق بين الحكمة النثرية وبيت الشعر توافقاً واضحاً تاماً فمن ذلك: " إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغها ". وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام ومن ذلك أيضاً: روم نقل الطباع؟ شديد الامتناع: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل (١) وأحياناً يجيء التشابه تعسف من الناقد، فقول ارسطو: " الذي لا تعلم علته لا يوصل إلى برئه " لا يشبهه قول المتنبي: ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... (٢) ويجهل علمي انه بي جاهل

стр. 235

وقوله: " من كان همه الأكل والشرب والنكاح فهو بطبع البهائم؟ الخ " لا صلة تربطه بقول المتنبي: أرى أناساً ومحصولي على غنم ... وذكر جود ومحصولي على الكلم (١) وقد بلغت الأقوال التي أوردها الحاتمي مائة، وهي على تفاوتها وتكرار بعضها تفيد شيئاً واحداً يعد تحصيل حاصل في حقيقة الأمر. اعني أن أبا العلمية أو من ثقافته؛ ومن شاء أن يزيد عدد تلك الأقوال فعل: ففي قول أفلاطون: " الفقير إذا تشبه بالغني في الهيئة كان مثل الوارم الذي يوهم الناس أنه سمين؟ " (٢) قد يوحي للقارئ أن يقرنه بقول المتنبي: أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم وتعريف أرسطو للصديق: " الصديق هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك " يشير إلى ان المتنبي تلاعب بالتعريف في يأسه من الأصدقاء حين قال: صديقك أنت: (لا من قلت خلي ... وإن كثر التجمل والكلام) والمصطلح الفلسفي الشائع في القرن الرابع كان معروفاً تماماً للمتنبي، فحديث المفكرين عن اللذة والأذى بهذا الشكل (دون أن يقال: اللذة والألم) هو الذي يوحي بهذه المطابقة: (تلذ له المروءة وهي تؤذي) ؛ وكذلك قل في أشعاره ذات الصلة الواضحة بنزعات فلسفية مما عده القدماء في مؤلفاتهم. وقد كان أثر هذه الفلسفة في شعره يتطلب ناقداً ذا ثقافة فلسفية، وسنجد

стр. 236

عند الحديث عن النقد الذي دار حوله، ان هذا الجانب لم ينل عناية كبيرة من النقاد، وان أثره لم يدرس إلا في مواضع قليلة، منها رسالة الحاتمي التي وقفنا عندها في هذا الفصل. الحاتمي والمفاضلة بين النظم والنثر وقد شارك الحاتمي أيضاً في الإجابة عن تلك المسالة التي دار الجدل كثيراً حولها في حلقات أولئك المفكرين واعني بها قضية المفاضلة بين النظم والنثر، فكان من القائلين بتفضيل الأول على الثاني، إذ نسمعه يقول: " وأولى هذين بالمزية والقدم المتقدمة، المنظوم، فإنه أبدع مطالع وأنصع مقاطع وأطول عناناً، وأفصح لساناً، وأنور انجماً، وانفذ أسهماً، وأشرد مثلاً، وأسير لفظاً ومعنى " (١) . ويتحدث الحاتمي أيضاً عن المنظوم فيميزه برشاقة في الانسجام وبالخلود وبأنه اجمع للبديع، وانه أبلغ أثراً في النفس من المنثور؛ غير أن النثر خير منه إذا جاء الشعر " غير معتدل النظم ولا متناسب القسمة ولا مقبول العبارة وكانت معانيه بعيدة وألفاظه شريدة " (٢) بل أن المنثور " مطلق من عقال القوافي فإذا صفا جوهره، وطاب عنصره، ولطفت استعارته ورشقت عبارته كاد يساوي المنظوم " (٣) . الحاتمي وقضية الصدق والكذب في الشعر ولم يكن الحاتمي موقف حاسم من قضية " أعذب الشعر أكذبه " تلك القضية التي رأينا صلتها بالفكر الفلسفي، فحين تحدث عن الإغراق (وبعضهم يسميه الغلو) قرر ان العلماء في هذا مختلفون، فبعضهم يرون أبيات الغلو من إبداع الشعر الذي يوجب له الفضيلة اعتماداً على ما قيل " أحسن الشعر أكذبه "، وهذا الفريق يقول: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج به

стр. 237

عن الموجود ويدخل في باب المعدوم، فإنما يراد به المثل وبلوغ الغاية " وهذا نص كلام قدامة نفسه؛ وفريق آخر يعيب هذا المذهب لمنافاته الحقيقة. أما الحاتمي فلا يرى باساً من إيراد نماذج من الغلو في كتابه يسمى كل بيت منها " أبدع بيت قيل في الإغراق " (١) ، دون أن يكون منتمياً إلى أحد الفريقين بجرأة ووضوح.

стр. 238

- ٤ - المعركة النقدية حول المتنبي المتنبي في طريقته وشخصه يمثل مشكلة كبرى للنقاد حوالي منتصف القرن الرابع. ركدت ريح الخصومة حول أبي تمام أو المحدث. ويقبل أبا تمام مثلما يتقبل البحتري، ولكن الظاهرة الجديدة، اعني ظهور المتنبي، كانت مصدر حيرة كبيرة للذوق والنقد معاً. فها هو شاعر يجمع بين القديم والحديث، يجيء بالجزالة والقوة والبيان على خير ما كان يجيء به القدماء، ويغوص على معاني الحياة الإنسانية غوصاً بعيداً، ويضمن شعره فلسفة حياة وثقافة. تنتمي إلى القرن الرابع؛ كذبت المقاييس: أين ما كان يتحدث به الناد عن الصراع بين القديم والمحدث؟ بل أين ما كانوا يتحدثون به من ميل إلى أبي تمام أو نزوع إلى طريقة البحتري؟ إنهم أمام طريقة جديدة قديمة لا ينفع فيها ما اعتمدوه من مقاييس " عمود الشعر ". وصدم المتنبي الذوق مرتين: مرة بشخصه المتعالي المتعاظم، ومرة بجرأته في الشعر: جرأته التي تركب المبالغة حتى تمس العقيدة الدينية، وتنتحل آراء فلسفية غريبة، وتستخف بأصول اللياقة والعرف في مخاطبة الممدوحين ورثاء النساء. وتتصرف باللغة تصرف المالك المستبد،؟ الخ، ونشبت المعركة بين الأنصار والخصوم، ولكن حصادها كان قليل الغناء، لأن

стр. 239

الخصوم أرادوا تحطيم شعر المتنبي انتقاماً من شخصه وتعاظمه وتعاليه، ولذلك كان اكثر همهم منصرفاً إلى التأكيد على أن شعره " مرقعة " مصنوعة من معاني الآخرين؛ ولم تكن الوسائل النقدية عند الأنصار قد تطورت بما يناسب الجدة التي طلع بها المتنبي على الناس، فاكتفوا إما بتصوير الإعجاب المشدوه أو تفسير المعاني أو الدوران حول حسن الابتداء وحسن التخلص وما أشبه من الأمور الشكلية؛ ولكن الأنصار والخصوم كانوا متفقين على أن المتنبي ليس شاعراً صغيراً. ولذلك يمكن أن يقال إن النقد الذي دار حول المتنبي كان في أكثره هجوماً على المتنبي الإنسان من خلال الشعر؛ وحين شاء هذا النقد أن يحتكم إلى الإنصاف استعار الوسائل القديمة لدراسة ظاهرة جديدة. ولكن لا مجال للإنكار بان النقد في القرن الرابع وما بعده لم ينشغل بشيء انشغاله بالمتنبي وشعره. ولولا إحساس النقاد بكبر الظاهرة. لما وجدت في نفوسهم ذلك الصدى البعيد. فلنتقدم لدراسة هذا النقد في القرن الرابع، في هذا المقام، على أن نولي ما ظهر بهد هذا القرن ما يستحقه من العناية اللازمة حين يرد في موضعه من هذا السياق التاريخي. محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي (- ٣٨٨) نظرة عامة إلى جهد الحاتمي في النقد كان النقد ميدانه الاكبر، ومعقد جهده الأعظم، فلم يكن جهده فيه قاصراً على المتنبي، ولكن ظهور المتنبي في العراق بعد مغادرته مصر، أثار لديه نحيزته الهجومية، إذ كان طبعه النقدي ينقدح الاحتكاك والصراع، ولذلك جاءت آثاره في النقد متفاوتة تتراوح بين تقرير القواعد ووضع الأصول وبين الحدة الثائرة في تعقب السقطات؛ وفي كلا الطرفين يبدو الحاتمي متفرداً بين النقاد بكثرة الحفظ وتوفر الشواهد، على نحو لا يجاريه فيه معاصروه أو من بعدهم، ولذا كانت نظراته أساساً صالحاً يتعلم منه

стр. 240

الدارسون؛ ومن مؤلفاته التي تتصل بالنقد (١) : ١ - كتاب المعيار والموازنة (لم يتممه) . ٢ - كتاب المجاز في الشعر. ٣ - كتاب الهلباجة في صنعة الشعر، كتبه للوزير ابن سعدان في رجل ذمه بمجلس وسمى الرجل الهلباجة من غير ان يصرح باسمه. ٤ - كتاب سر الصناعة في الشعر أيضاً. ٥ - كتاب الحالي العاطل في صنعة الشعر: ويستفاد من إشاراته إليه في كتبه الأخرى أنه عرض فيه لأصناف البديع كالتجنيس والتطبيق والاستعارة والإشارة والوحي والتشبيه والتبليغ والتصدير والتسهيم والتقسيم والتقريب والرتصيع والتوشيح والموازنة والمقابلة والاستطراد والمماثلة والمكافأة والمبالغة والالتفات والمساواة؟ الخ (٢) مع قسط من التفصيل والإطناب. ٦ - كتاب حلية المحاضرة: وقد عاد فيه إلى الموضوعات التي عرضها في الكتاب السابق، مع مراعاة الإيجاز، ليكون كتاباً صالحاً للمحاضرة والمذاكرة لدى من يطالعه، فهو يقول في فاتحة هذا الكتاب: " وقد رأيت أن اخترع كتاباً أشرع فيه لمحاسن الشعر شريعة ترد الفرائح قراح مائها، وترود منها قطر اندائها، وتشيم بروق أنوائها، وتستهدي بنجوم سمائها، وأقصره على فقره النادرة، وغرر معانيه السافرة، ولمعه البارعة، وكواكبه الصادعة، وأقسامه المختارة وهي ثلاثة؛ مثل شرود وتشبيه رائع واستعارة واقعة، وأودعه من ذلك ما وقع إجماع نقاد الكلام والعلماء بسرائر الشعر

стр. 241

على أنه أشعر ما قيل في معناه من كل نوع تتناوله المحاضرة وتتهادى جواهره المذاكرة؟ " (١) . ويبدو أنه كتب هذا الكتاب قبل منتصف القرن إذ لا تعثر فيه على أية إشارة للمتنبي، وإنما هو محاولة لإرساء القواعد والمصطلحات السابقة في الشعر بأمثلة كثيرة، ولدى الاطلاع على ما وصلنا من هذا الكتاب تجد المؤلف قد أثبت فيه بعد المقدمة، مادة غزيرة تتناول الأمور الآتية: (أ) فصول في المصطلح الشعري البلاغي مثل الاستعارة والتقسيم والمجانسة والمقابلة والتتميم والاستطراد والتشبيه والحشو والإغراق والابتداء والتخلص، وفيها يتضح أن الحاتمي أطلع على مصطلح قدامة وأفاد منه وأورد أمثلته ولكنه زاد عليه في المصطلح والأمثلة معاً. (ب) فصول في الأبيات التي تمثل الحكمة والأمثال الشاردة واحسن بيت وأصدق بيت وأكذب بيت وانصف بيت وأهجى بيت؟ وهلم جرا، ثم أشعر بيت في السودد، والاستحقار؟. وأوجز شعر تضمن قصصاً، وأوجز ما ورد في التعريض، وما جرى هذا المجرى في استقصاء لشتى الموضوعات الشعرية. وكما كانت الفصول الأولى ذات سمة شكلية كانت هذه الفصول متصلة بالموضوع. (ج) باب في مجاز الشعر ومعرض الكلام على أنواع السرقات ومراتبها مما تتناوله المحاضرة وتتعلق به المذاكرة، وهنا يتحدث المؤلف عن الاستعارة المستكرهة والكناية والانتحال والإغارة وألوان من السرقة ودرجاتها المتفاوتة. (د) أبيات المعاني في موضوعات شتى، وهو يعتمد فيها على مثل كتاب المعاني الكبير لابن قتيبة.

стр. 242

(هـ) عود إلى أحسن ما قيل في موضوعات مختلفة. (و) فصل يسميه المؤلف " الفصل التاسع في السابق والمصلي " وهو عود إلى قضية تداول المعاني وبيان ما سبق إليه الشعراء، واخذ اللاحق عن السابق. ومن هذا يتبين أن حلية المحاضرة قد جمع جهود قدامة وابن المعتز في المصطلح، وجهود ثعلب والنقاد السابقين في تبيان أشعر بيت واغزل بيت؟ الخ، وجهود ابن قتيبة في حصر أبيات المعاني، ثم أضاف الحاتمي باباً كان شديد الشغف به وهو الحديث عن السرقات، ذلك الموضوع الذي عالجه كثيرون من قبله، إلا أنه ميز حدوده بمصطلح جديد. ٧ - الرسالة الموضحة في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره. ٨ - رسالة فيما وافق ارسطو من شعر المتنبي، وقد عرضنا لها في الفصل السابق. موقفه النقدي قائم على العموميات ومن الطبيعي أن نكرر القول هنا بان صورة الحاتمي الناقد لا يكتمل قبل العثور على سائر آثاره النقدية، فأما ما وصلنا من كتبه فإنه لا يومئ إلى موقف نقدي متفرد كالذي رأيناه عند ابن طباطبا أو قدامة، أو حتى الآمدي نفسه؛ وإذا نحن طالعنا تصوره لطبيعة الإجادة في فن القول وجدنا ما يلتزمه هنالك غير خارج عما قاله النقاد السابقون، وذلك حيث يقول: " فإذا كان اللفظ فصيحاً والمعنى صريحاً، واللسان بالبيان مطرداً، والصواب مجيداً، والآلة مسعدة، والبديهة مسعفة، والألفاظ لائحة غير مفتقرة إلى تاويل، والمعاني متعاقبة غير مضطرة إلى دليل، والحجج عند الحاجة ماثلة والأسماع قابلة، والقلوب نحو الكلام منعطفة، والإفهام للمخاطب على قدر فهمه واقعاً، والذهن مجتمعاً، والبصيرة قادحة، والقائل موجزاً في موضع الإيجاز مطيلاً إذا

стр. 243

صحت الإطالة. واقفاً عند الكفاية. وكان اللبس ماموناً، وشمائل القول حلوة. والقدرة على التصرف عاضدة، والطبع الذي هو دعامة المنطق شريفاً، والفصول ملتحمة. والفضول محذوفة والفصول مقسومة، وموارد الكلام عذبة ومصادره؟ خارجة عن الشركة، نقية من تكلف الصنعة، فتلك هي البلاغة وهنالك انتظام شمل الإبانة " (١) . مبدأ التناسب في الشعر وصورة الجسد وهو يتابع ابن طباطبا في أن القصيدة يجب أن تكون في تناسب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة. غير أنه لا يفيض إفاضته في هذا الربط بين القصيدة والرسالة. إلا أنه بنفذ من ذلك إلى تصور عجيب لا نجده من سبقه من النقاد، وهو أول تصور من نوعه لوحدة قد تعد عضوية: " فإن القصيدة مثلها خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر أو باينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتحيف (٢) محاسنه وتعفي معالم جلاله " (٣) ، إلا أنها وحدة عضوية لا تؤدي معنى النمو، وإنما تؤدي معنى التكامل والاعتدال والانسجام، ومن الطريف أن الحاتمي إنما يهتدي إلى هذه الصورة لينادي بوحدة المختلفة لا إلى اشتراكها في طبيعة واحدة، وهو يميز المحدثين بهذه الميزة لأنهم يحسنون الربط الصناعي بين أجزاء القصيدة، ومرة أخرى تتعثر فكرة الوحدة عند النقاد القدماء، وتقتصر على التناسب الخارجي.

стр. 244

جهد الحاتمي منصرف إلى الاستكثار الأمثلة وتبيان السرقات ولا نجد لدى الحاتمي مقاييس كبرى في مجال نقده التطبيقي. أو لنقل إن مقاييسه في الأغلب ضمنية أو تعميمية، فإذا تجاوز وضع المصطلحات وإيراد الأمثلة، والقطع الحاسم - دون تعليل - بما هو جيد وما هو رديء. لم يكن شغله الشاغل إلا الحديث في الأخذ والسرقة وما يتصل بهذا الموضوع من شئون، والحق أن الحاتمي رتب أصول هذا الباب وميز مصطلحه، وكان هو يحس بذلك، فلذا نسمعه يقول: " وفرقت بين أصناف ذلك فروقاً لم أسبق إليها ولا علمت أن أحداً من علماء الشعر سبقني في جمعها " (١) ، وقبل أن نمضي في تبيان ما حققه الحاتمي في هذا الموضوع علينا أن نتذكر أنه أستعمل هذا المصطلح نفسه في صدر كتابه بالمعنى البياني المتعارف الذي جرى عليه أبن المعتز وغيره، وهو ينكر على قوم ذهبوا إلى أنه ليس في الشعر " اجتلاب أو استعارة ". أبواب السرقة وهذه هي الأبواب التي وضعها الحاتمي في تعداد أنواع الأخذ: ١ - باب الانتحال؛ وهو أن يأخذ الشاعر أبياتاً لشاعر آخر كما فعل جرير حين أخذ قول المعلوط: إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلاً بعينك ما يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا ٢ - باب الأنحال: وهو أن يقول شاعر أو رواية قصيدة ثم ينحلها شاعراً آخر، وقد أعاد الحاتمي هنا حديث أبن سلام عما كان يفعله حماد الراوية؛ وتحدث عن خلف الأحمر وعن نحله الشعر لتأبط شراً والشنقري

стр. 245

٣ - باب الإغارة: وهو أن يسمع الشاعر المفلق والفحل المتقدم الأبيات الرائعة بدرت من شاعر في عصره وباينت مذاهبه في أمثالها من شعره، وتكون الأبيات بالشاعر المغير وطريقته أليق، فيستنزل قائلها عنها، ومن أمثلتها ما فعله الفرزدق مع ذي الرمة حين سمعه ينشد: أحين أعاذت بي تميم نساءها ... وجردت تجريد الحسام من الغمد ٤ - باب المعاني العقم: وهي الأبكار المبتدعة، ومن أمثالها قول امرئ القيس: إذا ما استحمت كان فضل حميمها ... على متنتيها كالجمان على الحالي ٥ - باب المواردة: وهو التقاء الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ ولم يلق واحد منهما صاحبه ولا سمع بشعره. ٦ - باب المرافدة: وهو أن يتنازل الشاعر عن بعض أبيات له يرفد بها شاعراً آخر ليغلب خصماً له في الهجاء. ٧ - باب الاجتلاب والاستلحاق: وهو أن يجتذب الشعر بيتاً لشاعر آخر لا على طريق السرق، بل على طريق التمثل به. ٨ - باب الاصطراف: وهو أن يصرف الشاعر بيتاً أو أبياتاً إلى إحدى قصائده من شاعر آخر لحسن موقع ذلك البيت أو تلك الأبيات في سياق تلك القصيدة. ٩ - باب الأهتدام - بوزن افتعال من الهدم - وهو أن يأخذ شاعر بيتاً لآخر فيغير فيه تغييراً جزئياً، فقول الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تعرض ليلى بكل سبيل

стр. 246

مهتدم من قول جميل: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تعرض لي ليلى على كل مرقب ١٠ - باب الاشتراك في اللفظ: وهو أن يشترك الشاعران في شطر بيت، ويتخالفا في الشطر الثاني، فيقول الشاعر مثلاً: وخيل قد دلفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا فيجيء آخر ويقول: وخيل قد دلفت لها بخيل ... ترى فرسانها مثل الأسود ١١ - باب إحسان الأخذ: وهنا يذكر الحاتمي عن العلماء بالشعر أن الشاعرين إذا تعاورا معنى أو لفظاً أو جمعاهما. وكان الآخذ منهما قد أحسن العبارة عنه وأختار الوزن الرشيق حتى يكون في النفوس ألطف مسلكاً، كان أحق به وخاصة إذا أخفى الأخذ ونقله من موضوع إلى آخر. ١٢ - باب تكافؤ المتبع والمبتدع في إحسانهما: ومن أمثلته قول امرئ القيس: فلو أنها نفس تموت احتسبتها ... ولكنها نفس تساقط أنفسا يكافئه في الإحسان قول عبدة بن الطيب: وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما ١٣ - باب تقصير المتبع عن إحسان المبتدع: ومنه قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي

стр. 247

أخذه الشاعر الهذلي، فقصر عنه حين قال: كأن قلوب الطير عند مبيتها ... نوى القسب باق يلقى بعض المآدب ١٤ - باب نقل المعنى إلى غيره: وهو أن ينقل المعنى عن وجهه الذي وجه له واللفظ عن طريقته التي سلك فيها إلى غيره وذلك صنعة راضة الكلام وصاغة المعاني وحذاق السراق، إخفاء للسرق والاحتذاء وتورية عن الاتباع والاقتفاء؟ وأكثر ما يطوع النقل في المعاني خاصة للمحدثين لأنهم فتحوا من نوار الكلام ما كان هاجداً: وأيقظوا من عيونه ما كان راقداً. ١٥ - باب تكافؤ السابق والسارق في الإساءة والتقصير، كقول الفرزدق: فيا ليتنا كنا بعيرين لا نرى ... على منهل إلا نشل ونقذف وهو سيئ أخذه كثير عزة، فجاء به كذلك: ألا ليتنا يا عز كنا لذي غنى ... بعيرين نرعى في الفلاة ونعزب ١٦ - باب من لطيف النظر في إخفاء السرقة: قال أوس بن حجر: ألم تكسف الشمس والبدر ... والكواكب للقمر الواجب فنظر إلى هذا المعنى وأخفاه كل إخفاء النابغة الذبياني فقال: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف يحصن والجبال جنوح ١٧ - باب كشف المعنى وإبرازه بزيادة، ومنه قول امرئ القيس: كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاه نمير الماء غير المحلل أخذه ذو الرمة فقال:

стр. 248

كحلاء في برج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب ١٨ - باب الالتقاط والتلفيق: وهو ترقيع الألفاظ وتلفيقها واجتذاب الكلام من أبيات لنظم بيت واحد فمن ذلك قول أبن هرمة: كأنك لم تسر بجنوب خلص ... ولم تلمم على الطفل المحيل التقطه من بيتين أحدهما لجرير: كأنك لم تسر ببلاد نعم ... ولم تنظر بناظرة الجميل والثاني للكميت: ألم تلمم على الطلل المحيل ... يفيد وما بكاؤك بالطلول ١٩ - باب في منظوم المنثور: وهو نقل المعنى من النثر إلى الشعر؛ قال مؤبن الاسكندر: " حركنا سكونه " فقال أبو العتاهية: قد لعمري حكيت لي غصص الموت وحركت كل من سكنا ... هذه تسعة عشر باباً، كان يمكن للحاتمي أن يختزلها فيما هو أقل من ذلك، ولكنه شاء التفريع الكثير لإظهار اهتمامه بالموضوع وسبقه إلى تمييز أصنافه، ولا ريب في أن العشرة الأولى من تلك الأبواب تصلح أن تكون أمثلة تاريخية، وأن ما يتعلق بسرق الشعراء على الوجه الذي يعنيه النقاد إنما يشمل الأبواب (١٠ - ١٩) ، وقد يمكن اعتبار بعض الأبواب السابقة كالأهتدام مثلاً مما قد يطل موجوداً متداولاً، ولكن النقاد في عصر الحاتمي وبعده قد كفوا عن عد الانتحال والنحل والإغارة والمرافدة وتوارد الخواطر أنواعاً تندرج تحت باب الأخذ والسرقة، وتصلح رسالته في المقارنة بين بعض معاني أرسطو وبعض أبيات المتنبي مثالاً تطبيقياً كاملاً على الباب التاسع عشر

стр. 249

في نطاق الأفكار الفلسفية، كما تصلح الرسالة " الموضحة " أن تكون تطبيقاً على سائر ضروب السرقة والأخذ، التي تورط فيها المتنبي. الرسالة الموضحة وسبب تأليفها والرسالة الموضحة أو " جبهة الأدب " أو " الحاتمية " تعتبر أول رسالة وافية صنفت في نقد شعر أبي الطيب (١) . وهي وليدة لقاء حدث بين الحاتمي والمتنبي تعمده الحاتمي، إثر عودة المتنبي من مصر إلى العراق. وكان الحاتمي حينئذ دون الثلاثين، فهو يذكر في الرسالة أن سن الصبا كان من محاسنه (٢) ، وهو يصرح بان الوزير المهلبي هو الذي حرضه على مهاجمة المتنبي " سامي هتك حريمه وتمزيق أديمه ووكلني بتتبع عواره وتصفح أشعاره وإحواجه إلى مفارقة العراق " (٣) . فالرسالة - أو المجالس التي كانت صورتها الشفوية - لم تكن خالصة لوجه النقد. وإنما اجتمع فيها غرور الشباب وإرضاء صاحب الدولة. ولم تكن الجولة الأولى التي أرضت المهلبي إلا مجلساً واحداً امتد من " رأد الضحى؟ (حتى) نفضت الشمس صبغها وطفلت على الظلام بطفلها "؛ وهذا هو الشكل الأول الذي وقعت فيه المفاوضة وتضمنته الرسالة، كما جاء بها ياقوت - وهي التي وسمها باسم " جبهة الأدب "، فقد حمل ما قيده الكتبة في اللقاء الأول وعاد به إلى البيت وظل ثلاث ليال لا يطعم فيها الكرى حتى صاغ تلك الرسالة، أي (جبهة الأدب) ونالت رضى الوزير المهلبي (٤) . غير أن الحاتمي يزعم انه نازع المتنبي في مجالس أخرى، ثم وقف بالمطالعة على مواضع من اجتلاباته وسرقاته وسقطات أسقطها في شعره، فضم كل ذلك وألف منه رسالة

стр. 250

كبيرة قدمها إلى الوزير ابي الفرج محمد بن العباس الشيرازي (- ٣٧٠) ووسمها باسم " الموضحة ". فقد كتبت الموضحة في شكلها الكامل بعد وفاة المتنبي، لان الحاتمي يتحدث في آخرها عن انتجاع المتنبي حمى عضد الدولة وابن العميد وعن عودته إلى العراق " فاخترم دون ذلك وكان آخر العهد به " (١) وقد وعد بان يؤلف رسالة أخرى تتبع فيها عواره وسرقاته وسقط لفظه وسخيف معانيه مع محاسن شعره وعيون مدائحه - منصفاً ومنتصفاًً - ولكنا لا ندري من أمر هذه الرسالة شيئاً. اعتماد الموضحة على أربعة مجالس درامية فالموضحة في شكلها النهائي تتألف من أربعة مجالس: كان أولها في منزل المتنبي، وكان الحاتمي زائراً متعمداً للمماحكة، غاضباً لان المتنبي أهمله ولم يحتفل بمقدمه. مع أنه جاءه في موكب من غلمانه وفي هيئة لافتة وزي معجب وشارة واضحة وعطر فائح؛ وكان شهود هذه الجلسة جماعة من الغلمان الذين يدرسون على المتنبي، وليس لهم باع في الأدب " وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام. وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه وعلى ما يعلقه الرواة مما تجوز فيه " (٢) ؛ وكان المجلس الثاني في حضرة الوزير المهلبي وقد حضره جماعة من أهل العلم منهم أبو علي الحسين ابن محمد الأنباري وهو ممن يقف في صف المتنبي؛ وقد خرج الحاتمي فيه منتصراً وانتهى المجلس بتطيب المهلبي لخاطر المتنبي إذ يقول له: " ومكانك يا أبا الطيب غير مجهول " (٣) ؛ وقد حرص أبو علي الأنباري على عقد المجلس الثالث لأنه ذهب مغيظاً من الثاني، مزمعاً أن ينتصر لصاحبه وان ينتصف من الحاتمي الذي لم يكن يسيغ ابن الأنباري ريقه؛ ولذلك ذهب ابن
следующие страницы →