مهتدم من قول جميل:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تعرض لي ليلى على كل مرقب ١٠ - باب الاشتراك في اللفظ: وهو أن يشترك الشاعران في شطر بيت، ويتخالفا في الشطر الثاني، فيقول الشاعر مثلاً:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا فيجيء آخر ويقول:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... ترى فرسانها مثل الأسود ١١ - باب إحسان الأخذ: وهنا يذكر الحاتمي عن العلماء بالشعر أن الشاعرين إذا تعاورا معنى أو لفظاً أو جمعاهما. وكان الآخذ منهما قد أحسن العبارة عنه وأختار الوزن الرشيق حتى يكون في النفوس ألطف مسلكاً، كان أحق به وخاصة إذا أخفى الأخذ ونقله من موضوع إلى آخر.
١٢ - باب تكافؤ المتبع والمبتدع في إحسانهما: ومن أمثلته قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت احتسبتها ... ولكنها نفس تساقط أنفسا يكافئه في الإحسان قول عبدة بن الطيب:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما ١٣ - باب تقصير المتبع عن إحسان المبتدع: ومنه قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
стр. 247
أخذه الشاعر الهذلي، فقصر عنه حين قال:
كأن قلوب الطير عند مبيتها ... نوى القسب باق يلقى بعض المآدب ١٤ - باب نقل المعنى إلى غيره: وهو أن ينقل المعنى عن وجهه الذي وجه له واللفظ عن طريقته التي سلك فيها إلى غيره وذلك صنعة راضة الكلام وصاغة المعاني وحذاق السراق، إخفاء للسرق والاحتذاء وتورية عن الاتباع والاقتفاء؟ وأكثر ما يطوع النقل في المعاني خاصة للمحدثين لأنهم فتحوا من نوار الكلام ما كان هاجداً: وأيقظوا من عيونه ما كان راقداً.
١٥ - باب تكافؤ السابق والسارق في الإساءة والتقصير، كقول الفرزدق:
فيا ليتنا كنا بعيرين لا نرى ... على منهل إلا نشل ونقذف وهو سيئ أخذه كثير عزة، فجاء به كذلك:
ألا ليتنا يا عز كنا لذي غنى ... بعيرين نرعى في الفلاة ونعزب ١٦ - باب من لطيف النظر في إخفاء السرقة: قال أوس بن حجر:
ألم تكسف الشمس والبدر ... والكواكب للقمر الواجب فنظر إلى هذا المعنى وأخفاه كل إخفاء النابغة الذبياني فقال:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف يحصن والجبال جنوح ١٧ - باب كشف المعنى وإبرازه بزيادة، ومنه قول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاه نمير الماء غير المحلل أخذه ذو الرمة فقال:
стр. 248
كحلاء في برج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب ١٨ - باب الالتقاط والتلفيق: وهو ترقيع الألفاظ وتلفيقها واجتذاب الكلام من أبيات لنظم بيت واحد فمن ذلك قول أبن هرمة:
كأنك لم تسر بجنوب خلص ... ولم تلمم على الطفل المحيل التقطه من بيتين أحدهما لجرير:
كأنك لم تسر ببلاد نعم ... ولم تنظر بناظرة الجميل والثاني للكميت:
ألم تلمم على الطلل المحيل ... يفيد وما بكاؤك بالطلول ١٩ - باب في منظوم المنثور: وهو نقل المعنى من النثر إلى الشعر؛ قال مؤبن الاسكندر: " حركنا سكونه " فقال أبو العتاهية:
قد لعمري حكيت لي غصص الموت وحركت كل من سكنا ... هذه تسعة عشر باباً، كان يمكن للحاتمي أن يختزلها فيما هو أقل من ذلك، ولكنه شاء التفريع الكثير لإظهار اهتمامه بالموضوع وسبقه إلى تمييز أصنافه، ولا ريب في أن العشرة الأولى من تلك الأبواب تصلح أن تكون أمثلة تاريخية، وأن ما يتعلق بسرق الشعراء على الوجه الذي يعنيه النقاد إنما يشمل الأبواب (١٠ - ١٩) ، وقد يمكن اعتبار بعض الأبواب السابقة كالأهتدام مثلاً مما قد يطل موجوداً متداولاً، ولكن النقاد في عصر الحاتمي وبعده قد كفوا عن عد الانتحال والنحل والإغارة والمرافدة وتوارد الخواطر أنواعاً تندرج تحت باب الأخذ والسرقة، وتصلح رسالته في المقارنة بين بعض معاني أرسطو وبعض أبيات المتنبي مثالاً تطبيقياً كاملاً على الباب التاسع عشر
стр. 249
في نطاق الأفكار الفلسفية، كما تصلح الرسالة " الموضحة " أن تكون تطبيقاً على سائر ضروب السرقة والأخذ، التي تورط فيها المتنبي.
الرسالة الموضحة وسبب تأليفها
والرسالة الموضحة أو " جبهة الأدب " أو " الحاتمية " تعتبر أول رسالة وافية صنفت في نقد شعر أبي الطيب (١) . وهي وليدة لقاء حدث بين الحاتمي والمتنبي تعمده الحاتمي، إثر عودة المتنبي من مصر إلى العراق. وكان الحاتمي حينئذ دون الثلاثين، فهو يذكر في الرسالة أن سن الصبا كان من محاسنه (٢) ، وهو يصرح بان الوزير المهلبي هو الذي حرضه على مهاجمة المتنبي " سامي هتك حريمه وتمزيق أديمه ووكلني بتتبع عواره وتصفح أشعاره وإحواجه إلى مفارقة العراق " (٣) . فالرسالة - أو المجالس التي كانت صورتها الشفوية - لم تكن خالصة لوجه النقد. وإنما اجتمع فيها غرور الشباب وإرضاء صاحب الدولة. ولم تكن الجولة الأولى التي أرضت المهلبي إلا مجلساً واحداً امتد من " رأد الضحى؟ (حتى) نفضت الشمس صبغها وطفلت على الظلام بطفلها "؛ وهذا هو الشكل الأول الذي وقعت فيه المفاوضة وتضمنته الرسالة، كما جاء بها ياقوت - وهي التي وسمها باسم " جبهة الأدب "، فقد حمل ما قيده الكتبة في اللقاء الأول وعاد به إلى البيت وظل ثلاث ليال لا يطعم فيها الكرى حتى صاغ تلك الرسالة، أي (جبهة الأدب) ونالت رضى الوزير المهلبي (٤) . غير أن الحاتمي يزعم انه نازع المتنبي في مجالس أخرى، ثم وقف بالمطالعة على مواضع من اجتلاباته وسرقاته وسقطات أسقطها في شعره، فضم كل ذلك وألف منه رسالة
стр. 250
كبيرة قدمها إلى الوزير ابي الفرج محمد بن العباس الشيرازي (- ٣٧٠) ووسمها باسم " الموضحة ". فقد كتبت الموضحة في شكلها الكامل بعد وفاة المتنبي، لان الحاتمي يتحدث في آخرها عن انتجاع المتنبي حمى عضد الدولة وابن العميد وعن عودته إلى العراق " فاخترم دون ذلك وكان آخر العهد به " (١) وقد وعد بان يؤلف رسالة أخرى تتبع فيها عواره وسرقاته وسقط لفظه وسخيف معانيه مع محاسن شعره وعيون مدائحه - منصفاً ومنتصفاًً - ولكنا لا ندري من أمر هذه الرسالة شيئاً.
اعتماد الموضحة على أربعة مجالس درامية
فالموضحة في شكلها النهائي تتألف من أربعة مجالس: كان أولها في منزل المتنبي، وكان الحاتمي زائراً متعمداً للمماحكة، غاضباً لان المتنبي أهمله ولم يحتفل بمقدمه. مع أنه جاءه في موكب من غلمانه وفي هيئة لافتة وزي معجب وشارة واضحة وعطر فائح؛ وكان شهود هذه الجلسة جماعة من الغلمان الذين يدرسون على المتنبي، وليس لهم باع في الأدب " وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام. وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه وعلى ما يعلقه الرواة مما تجوز فيه " (٢) ؛ وكان المجلس الثاني في حضرة الوزير المهلبي وقد حضره جماعة من أهل العلم منهم أبو علي الحسين ابن محمد الأنباري وهو ممن يقف في صف المتنبي؛ وقد خرج الحاتمي فيه منتصراً وانتهى المجلس بتطيب المهلبي لخاطر المتنبي إذ يقول له: " ومكانك يا أبا الطيب غير مجهول " (٣) ؛ وقد حرص أبو علي الأنباري على عقد المجلس الثالث لأنه ذهب مغيظاً من الثاني، مزمعاً أن ينتصر لصاحبه وان ينتصف من الحاتمي الذي لم يكن يسيغ ابن الأنباري ريقه؛ ولذلك ذهب ابن
стр. 251
الأنباري فجمع أبياتاً اختارها من شعر أبي الطيب واقترح عقد جلسة ثالثة، حضرها - فيما زعم الحاتمي - السيرافي والرماني وأبو الفتح المراغي وأبو الحسن الأنصاري المتكلم وغيرهم من أعلام أهل العلم والأدب، وكان علي بن هارون فيهم من أنصار الحاتمي. ثم كان المجلس الرابع باقتراح المهلبي نفسه ليتم التفاوض بين الحاتمي وأبي الطيب في شعر الطائيين.
التفاوت بين المجالس الأربعة
ومع أن الكشف عن السرقات هو الظاهرة المشتركة بين جميع المجالس، فإن هناك تفاوتاً واضحاً فيما بينها، يدل على تصميم مدروس تقتضيه طبيعة التأليف، وتبعد عن الواقعية التاريخية؛ حتى الجلسة العفوية الأولى لم تظل كذلك، بل عاد عليها الحاتمي بالترتيب والتنسيق، والتقديم والتأخير، وحشد الآراء في تضاعيف الهجوم، ومما يدل على هذا، ذلك الاختلاف بين نص الموضحة في شكلها الأخير وبين النص الذي أورده ياقوت، وهو قد نقله كما وجده.
ويتميز المجلس الأول بوضع القواعد النقدية وشرحها وإيراد الأمثلة عليها ومدى مباينة أبي الطيب في بعض شعره لها. هنالك يضع الحاتمي حد الشعر: " حدود الشعر أربعة وهي اللفظ والمعنى والوزن والتقفيه. ويجب أن يكون ألفاظه عذبة مصطحبة ومعانيه لطيفة واستعاراته واقعة وتشبيهاته سليمة وأن يكون سهل العروض رشيق الوزير متخير القافية، رائع الابتداء بديع الانتهاء " (١) . ويوضح الحاتمي ان التفاوت بين الأبيات عيب كبير يشبه ما عابه النقاد القدامى من انعدام القران؛ فهو يقر لأبي الطيب بأنه يحسن في الصياغة والمعاني إحساناً لا يجهله نقاد الكلام وأرباب البيان " إيجازاً في عبارته وإبداعاً في نظمه وصواباً في معناه وسلامة في لفظه " ولكنه يشفع ذلك بأبيات
стр. 252
يسرق معانيها فتاتي القصيدة على غير شاكلة ولا اتساق ولا اقتران (١) ؛ ويعلمه كيف تكون عناية الشاعر بالقافية: " وسبيل الشاعر أن يعنى بتهذيب القافية فإنها مركز البيت حمداً كان ذلك الشعر أو ذماً وتشبيهاً كان أو نسيباً. ووصفاً كان أو تشبيهاً؟ " (٢) ، ويوضح له مصطلح العيوب الشعرية كالاخلاف والإخلاء والأعذار والهلهلة والبيت الأجوف والبيت المعتل (أي الفاسد الحشو وما اعتل طرفاه) (٣) ، ويشرح له الاستعارة حين يحتج المتنبي بأنه يجري في استعارته على طريقة العرب فينبئه ان " الاستعارة إذا لم يكن موقعها في البيان موقع الحقيقة لم تكن استعارة لطيفة، وحقيقة الاستعارة أنه نقل كلمة من شيء قد جعلت له إلى شيء لم تجعل له " (٤) ، ويدله على أنواعها؛ ويفهمه أن قوله " فغن ظنوني في معاليك تظلع " استعارة قبيحة. من أجل أنه ليس للظن فعل حقيقي يستعار الظلع موضعه وانه لو قال: ظن عازب أو كاذب أو المعي أو مصيب لكان ذلك استعارة واقعة " ولم يسمع من شاعر فصيح ولا عربي صريح ظن ظالع، واستعارة الظلع للريح وإن كانت بعيدة أولى واقرب من اجل انه يقال ريح حسرى وريح مريضة؟ " (٥) . وافاض الحاتمي في الحديث عن الاستعارة ومواضع جمالها المقبول، وسمى نوعاً منها الأرداف وهو " أن يريد الشاعر الدلالة على معنى من المعاني، فلا يأتي اللفظ الذي يدل على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له " (٦) ، ومن ذلك قول امرئ القيس:
وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
стр. 253
(والشاهد في قيد الأوابد) .
ومن اللافت للنظر أن الحاتمي يحاول دائماً أن يكسب رسالته ثوب الواقعية، لا يذكر الأشخاص المعروفين وحسب. بل بأنه يسمح للمتنبي أن يرد عليه وأن يطيل الرد أحياناً. ففي المجلس الأول يورد المتنبي أمثلة من عيوب كبار الشعراء ثم يعتذر عن خطأه بقوله: " فهؤلاء المبرزين في حلبات الشعر السابقون إلى حلو القول ومره والذين وقع الإجماع على تقدمهم في ضروبه وفتحهم ما استغلق من أبوابه ليس منهم غلا من قد طعن في شعره ومن قد أخل بالإحسان مع تناصر إحسانه، والكلام كله لا يجري على سنن واحد ولا يأتي متناصفاً ولا متكافئاً، ولابد من سقطة يهفو بها خاطر وعثرة يزل بها لسان، ومن هذا الذي تناسب كلامه أو سلم من التتبع شعره؟ وما أنا ببدع منهم، وإذا أنصفت من نفسك ألفيتها محجوجة " (١) ، وفي مثل هذا القول من الأنصاف ما يثير الحاتمي إلى الإمعان في تبيان العيوب، لأنه لا يرى من حق المتنبي أن يضع نفسه في مصاف من تقبل منه الهفوة بعد الهفوة لكثرة حسناته، ولأنه يريد أن يلقن المتنبي دروساً، فكلما وضع على لسانه حجة، جعل فيها وهناً لينفذ منه؛ وقد اتهمه المتنبي بأنه يحب الإغراق والمبالغة في الشعر وينكر ما عداه، فاتخذ هذا ذريعة لإفهامه أن الإغراق شيء والمبالغة شيء آخر، ويورد عليه المثال الذي أورده ابن طباطبا من قبل، فمن المبالغة قول عنترة:
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي أما الغلو البعيد عن الحقيقة فهو قول المثقب:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني
стр. 254
أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقي علي ولا يقيني (١) أما المجلس الثاني - وهو قصير نسبياً - فقد تضمن إلى جانب الحديث في السرقة حديثاً عن الخطأ في المعاني، ومن المضحك أن يقول الحاتمي على لسان أبي الطيب: " من أبو تمام والبحتري؟ ما اعلم أني سمعت بذكرهما إلا من هذه الحاضرة " فيكون المجلس الرابع محاولة لإثبات مدى اعتماده في السرقات على شعر هذين الشاعرين. أما الثالث فيثبت قدرة الحاتمي على تزييف ما يعده أصحاب المتنبي من أبكار معانيه وعلى رده إلى المصادر التي سرق منها؛ وهنا يبلغ الحذق في تبيان السرقة ذروته، ولذا اقتضى المقام شرح نظرية الحاتمي في السرقات ومن ثم جعل المتنبي يحتج عليه بان " كلام العرب آخذ بعضه برقاب بعض. وآخذ بعضه من بعض والمعاني تعتلج في الصدور وتخطر للمتقدم تارة وللمتأخر تارة أخرى. والألفاظ مشتركة مباحة. وهذا أبو عمرو ابن العلاء سئل عن الشاعرين يتفقان في اللفظ والمعنى مع تباين ما بينهما وتقاذف المسافة بين بلادهما فقال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وبعد فمن هذا الذي تعرى من الاتباع، وتفرد بالاختراع والابتداع " (٢) فيرد عليه الحاتمي بقوله: " أما قولك عن المعنى يعتلج في الصدر فيخطر للمتقدم تارة وللمتأخر أخرى وان الألفاظ مشتركة فليس الأمر كما تخيلته ولا الكلام كله مشترك، ولا أن الأول ليس بأولى به من الآخر، ولو كان كذلك لسقطت فضيلة السابق ولبطلت مهلة المتقدم ولما قدمت شعراء الجاهلية على شعراء الإسلام، وقدم الصدر الأول من الإسلاميين على الصدر الأول من المحدثين؛ وإنما حكم لهم بالفضل وسلم إليهم خصله من اجل ما ابتدعوه من المعاني وسبقوا إليه من الاستعارات وابتكروه من التشبيهات الواقعة والأمثال الشاردة. وذللوه من طرق الشعر
стр. 255
الحزنة؟ وأما قولك من هذا الذي تعرى من الاتباع والاحتذاء وسلوك الطريق التي تقدم إليها غيره من الشعراء فلعمري إن الأمر على ما ذكرته. إلا أنه لا يحمد من الكلام ما كان غاباً ولا من المعاني ما كان مردداً مكرراً. فلا يتسمح الشاعر بان يكون جمهور شعره عند التصفح مسترقاً ملصقاً ومجموعاً ملفقاً، ولا أن يكثر الاعتماد في شعره ويتناصر السرق في كلامه " (١) العيب إذن ليس في السرقة وإنما في طغيانها أولاً، وفي تقصير السارق عن مرتبة المسروق.
ومع أن المتنبي حسبما زعم الحاتمي أنكر أن تكون له معرفة بابي تمام والبحتري، نراه في المجلس الخامس، يورد نماذج من استعمارات أبي تمام وينحي عليها بالذم ويتهمه بالإحالة، وكأنه يردد أقوال خصوم أبي تمام، فيرد عليه الحاتمي بان يورد عيون شعر حبيب، ويدافع عن بعض استعاراته، ويتهم المتنبي بأنه تأثر حتى بالمعيب من أشعار أبي تمام واحتذاها، ثم يضع على لسان المتنبي السؤال الآتي: " هل تجد لأبي تمامكم هذا لو بحتريكم معنى اخترعاه " (٢) لتكون الإجابة على ذلك إيراد المعاني التي اخترعاها، وكأن هذا المجلس لم يقصد به المتنبي، وإنما قصد به إظهار تفوق الطائيين على كل شاعر، وتفوق أبي تمام على الجميع، وهذا داخل في ما رأيناه قبلاً من تحمس الحاتمي للدفاع عن أبي تمام.
نظرة إجمالية في الموضحة
تلك هي الموضحة: وضحت موقف الحاتمي من قضايا النقد الأدبي، فأظهرت رأيه في حدود الشعر، وفي الاستعارة وفي عيوب المبنى الشعري وفي السرقة، وفي المفاضلة (أو الموازنة) بين المعاني المبتكرة لدى المتنبي من ناحية والطائيين من ناحية أخرى، ودلت على مدى اطلاع الحاتمي وعلى احتفاله الشديد بإبراز قدرته على الحفظ للأشعار واللغة، واستغلال هذه
стр. 256
القدرة في دراسة السرقات؛ ولكنها رسالة موسومة بالانفعال في أكثر مراحلها، ودواعي التحامل فيها مفضوحة، غير إنها كانت الأساس الأول الذي وضع أبيات المتنبي المعيبة أمام أنظار النقاد الآخرين، فكان كثير مما استخرجوه من الأبيات المستهجنة لدى المتنبي هو ما استخرجه الحاتمي. عن هذا لا يدل على وحدة في الذوق العام لدى نقاد القرن الرابع بمقدار ما يدل على وحدة في ذوق الناقمين على المتنبي. وستكون حجج المؤيدين له منتزعة من الحجج التي وضعها الحاتمي على لسانه، كما ان شواهد خصومه هي الشواهد التي استخرجها الحاتمي من شعره، هذا رغم إحساس الفريقين؟ كما أحس الحاتمي نفسه - أن أفنان المتنبي في الشعر " كانت رطبة ومجانيه عذبة " (١) .
أبو العباس النامي (- ٣٧١ أو ٣٩٩) والصاحب بن عباد (- ٣٨٥)
رسالة للنامي في عيوب المتنبي
قبل أن يفد المتنبي على بلاط سيف الدولة كان أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي المصيصي المعروف بالنامي هو شاعره المقدم (٢) ، فلما استأثر المتنبي بالمقام الأول اغتاظ النامي حتى قيل إنه عاتب سيف الدولة في ذلك، ولذا فليس بغريب أن يكتب في المتنبي رسالة يتعقب فيها أخطاءه، وهي رسالة لم تشر إليها المصادر، ولولا ابن وكيع لما عرفنا خبرها، فإنه يشير إليها وينقل عنها في مواضع من كتابه " المنصف " وهذه النقول هي التي جعلتنا نتصور أنها في تبيان مساوئ المتنبي، فهو يقف مثلاً عند قول المتنبي:
إني على شغفي بما في خمرها ... لاعف عما في سراويلاتها
стр. 257
فيعد استعماله لفظة " سراويلاتها " في عيوبه، لان اشتهاءه هذه اللفظة يدل على اشتهائه ما تضمه مع تصريحه بعكس ذلك (١) ، وهو ملمح نفسي جيد. كذلك وقف عند قوله:
ريان لو قذف الذي أسقيته ... لجرى من المهجات بحر مزبد وذكر انه مسروق من قول البحتري:
صديان من ظمأ الحقود لو انه ... (٢) يسقى جميع دمائهم لم ينقع وربما كانت هذه الرسالة مما كتبه النامي في حياة أبي الطيب لانا نراه يوجه إليه الكلام فيها توجيه مخاطبة: " فأين ذهبت، وفي أي ضلالة همت، ومن أي قليب جهالة اغترفت، هذا النوع الذي أكثرت العجب به هو الذي أكثر التعجب منك " (٣) ، يورد هذا كله في التعليق على قول المتنبي:
أني يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد وهذا النقد لم يعجب ابن وكيع فقال: " فلم يزد على سب أبي الطيب سباً من غير إيضاح العيب من قوله ". فإذا صح أن مخاطبة النامي في هذه الفقرة ليست نوعاً من الالتفات، فإن رسالته تعد من اقدم ما كتب في الكشف عما كان يعد خطأ في شعر المتنبي - من حيث سوء اللفظ أو تعمد السرقة أو الغموض في التعبير.
стр. 258
رسالة الصاحب في الكشف عن مساوئ المتنبي
أما ما بين المتنبي والصاحب فيمثل مشكلة من نوع آخر، إذ يقال إن الصاحب كان يتمنى أن يزوره المتنبي باصفهان، عند توجهه إلى فارس، ولكن المتنبي أعرض عنه: " فصيره الصاحب غرضاً يرشقه بسهام الوقيعة، يتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته.. " (١) وإذا كان الصاحب كما وصفه بعض معاصريه بأن " حسده لغيره على فصل حسن ولفظ حر بقدر إعجابه بما يقوله ويكتبه " (٢) . فمن السهل أن نفهم لم كتب رسالته " الكشف عن مساوئ المتنبي " (٣) ؛ من الطريف أن الصاحب يفتتحها بذم الهوى والحمية، لأن تغليب الهوى يطمس أعين الآراء، والميل معه ببهم سبيل الصدق (٤) ، ويجعل سبب إنشائه الرسالة لجاج واحد من المعجبين بالمتنبي في الدفاع عن صاحبه (سيصبح هذا الجدل وسيلة تقليدية للتأليف في عيوب المتنبي) ، وينعى على العصر كثرة المتسورين على حمى النقد الأدبي: " وقد بلينا بزمن زمن يكاد المنسم فيه يعلو الغارب، ومنينا بأغبياء أغمار قد اغتروا بممادح الجهال لا يضرعون لمن حلب الأدب أشطره، ولا سيما علم الشعر، فهو فوق الثريا، وهم تحت الثرى، وهم يوهمون أنهم يعرفون، فإذا تكلموا رأيت بهائم مرسنة وأنعاماً مجفلة " (٥) .
стр. 259
ثناء الصاحب على مقدرة ابن العميد في النقد
ولا ندري ما الذي حدا بالصاحب إلى أن يستطرد في مقدمة رسالته متملقاً ابن العميد بالثناء على مقدرته في النقد، فكل ما أورده هنالك لا يدل على مقدرة نقدية البتة، فابن العميد ينص على سلامة الحروف من الثقل ويكره السناد، ويستطيع أن يدرك في الشعر الكسر واللحن والإحالة (ولو كان لشاعر يعجبه كالبحتري) ويغير اللفظة في بيت يرويه لأنها لا تعجبه، ويرى أن يطابق الشاعر بين غرضه وما يصلح له من وزن وقافية، ويؤمن بحسن المطالع والمقاطع؟ وكل هذا لا يصنع ناقداً. وإذا كانت هذه هي المقاييس التي تعلمها الصاحب فقد كان جديراً أيضاً بالتخلي عن النقد لأربابه. وأحسب أن الصاحب أستطرد للثناء على أبن العميد كأنه يطلب إلى بن العميد إقراره على ما سيقوله في المتنبي، وكأنما يومئ إلى أنه لا يتعمد أن يعيب الشاعر الذي مدحه سيده، إلا لأن ذلك السيد نفسه لا ترضيه طريقته، فأبن العميد مم يكلف بالبحتري، ولا يقدم عليه أحداً من الشعراء؛ والصاحب أيضاً مسرور من نباهة الجاحظ لأنه لم يجد النقد إلا " عند أدباء الكتاب "، والصاحب كاتب أديب، فكأن الجاحظ سلمه راية النقد أيضاً: " فلله أبو عثمان فقد غاص على سر الشعر فاستخرج ما هو أدق من الشعر " (١) .
مساوئ المتنبي كما ذكرها الصاحب
ونريد أن نحمل رسالة الصاحب على محمل جاد - إذا استطعنا ذلك - لنتبين فيها المساوئ التي عدها على المتنبي، فمنها:
١ - استعمال الألفاظ الحوشية والنابية مثل " التوراب " و " مسبطر ".
٢ - الإبهام على طريقة الصوفية في كلام كأنه رقية العقرب (استعمل أبن وكيع أيضاً هذا الوصف " مثل: " سبوح لها منها عليها شواهد ".
стр. 260
٣ - رداءة المطالع، مثل:
أراع كذا كل الأنام همام ... وسح له رسل الملوك غمام ٤ - المبالغ المسرفة مثل:
يا من يقتل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان ٥ - قلة الذوق في عدم مراعاة المناسبة، كقوله في رثاء أم سيف الدولة:
ولا من في جنازتها تجار ... يكون وداعهم خفق النعال ٦ - هجنت الاستعارة في مثل:
في الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا ٧ - الخطأ في العروض، مثل:
تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف ٨ - رداءة التشبيه، مثل:
وشوق كالتوقد في فؤاد ... كجمر في جوانح كالمحاش ٩ - ركوب القوافي الصعبة مثل:
كفرندي فرند سيفي الجراز ... لذت العين عدة للبراز طريقته التهكمية
هذا مجمل ما جاء به، ولكن الأمر في الرسالة ليس في عدد العيوب، وإنما في طريقة إبرازها؛ لقد أفتتح الصاحب رسالته بما يوهم سعة الصدر وانفساح الأفق متذرعاً بمقاييس أبن العميد أستاذه في النقد، فلما حاول النقد لم يعد واسع الصدر، ولم يتقيد حتى بمقاييس أستاذه على قصورها ومحدودية أفقها، وإنما ذهب في التهكم كل مذهب، واستعمل السباب الجارح، وكد
стр. 261
قريحته ليتفنن في التعليق الساخر، فكان نسيج وحده في هذا المضمار لم يبلغ مبلغه الحاتمي في حدة الانفعال، ولا شأى شأوه العميدي في التعليقات التهكمية؛ فمن أمثلة ذلك: " وهذا التحاذق منه كتغزل الشيوخ قبحاً ودلال العجائز السماجة " (١) وفي استعمال لفظة " جبرين " يقول: " وقلب هذه اللام إلى النون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبريل ﵇ يرضى منه بهذه المجازاة " (٢) وقوله في لفظة " المتديريها ": " لو وقعت في بحر صاف لكدرته، أو ألقي ثقلها على جبل سام لهدته، وليس للمقت غاية ولا للبرد نهاية " إلى غير ذلك من التعليقات.
نقد وتعقيب لرسالة الصاحب
وقد تكون أكثر ما عابه صحيحاً، ولكن يجب أن ننتبه إلى أمور: أولها أن هذا القسم المعيب ليس مما استكشفه الصاحب يبالغ حذقه، وإنما هو ما كان يدور على الألسنة من مستغرب ما جاء به المتنبي؛ والثاني أنه كان باستطاعته الكشف عنه دون لجوء إلى ما يشعر بالتحامل فكأنه ليس له في الرسالة إلا هذه التعليقات اللاذعة؛ والثالث أن هذه العيوب جميعاً لا تسقط شاعراً، ورابعها أن النقد ليس محض تعداد للسيئات؛ وخامسها: أن رسالته نفسها معيبة للاضطراب القائم بين طبيعة مقدمتها ومتنها، ثم لعدم بنائها على أصول واضحة، فهي بالخواطر المرسلة أشبه.
стр. 262
رأي الصاحب في السرقات الشعرية
يتخلص الصاحب من التعريج على سرقات المتنبي بتصريح كبير يقول فيه أن السرقة ليست عيباً، ويردد هنا ما شاع كذباً عن المتنبي من أنه كان ينكر معرفة أبي تمام: " وبلغني أنه كان إذا أنشد شعر أبي تمام قال: هذا نسج مهلهل وشعر مولد ولا أعرف طائيكم هذا، وهو دائب يسرق منه ويأخذ عنه ثم يخرج ما يسرقه في أقبح معرض كخريدة ألبست عباءة، وعروس جليت في مسوح، لو آتي على أفراد سرقاته لأطلت في هذا الباب، لكنه عارض في هذا المكان " (١) .
هل الأمانة متوفرة في الرواية
وتثير رسالة الصاحب مشكلة خطيرة تتصلب الأمانة في الرواية، فقد قال في نقد لفظة " سراويلاتها ": كانت الشعراء تصف المآزر تنزيهاً لألفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح، وكثير من العهر أحسن من هذا العفاف؛ قال الواحدي: وسمعت أبا الفضل العروضي يقول: سمعت أبا بكر الشعراني يقول: هذا مما غير عليه الصاحب، وكان المتنبي قد قال: لأعف عما في سرابيلاتها، جمع سربال وهو القميص، وكذا رواه الخوارزمي (٢) .
وأبو بكر الشعراني المذكور كان خادماً للمتنبي ثم قرأ عليه أبو الفضل العروضي شعر أبي الطيب، ويقول الشعراني في موضع آخر - رواه الصاحب - " رواق العز فوقك مسبطر " منكراً لفظة " مسبطر ": قرأنا على أبي الطيب: " رواق العز فوقك مستظل " قال العروضي: وإنما غيره عليه الصاحب ثم عابه به؛ أترانا نصدق هذا، اعني أن الصاحب تعمد تغيير بعض الألفاظ ليتوصل إلى عيبها والتنقص من المتنبي بسببها؟ أم أن هذه
стр. 263
الروايات تشير إلى محاولة بذلها بعض أصدقاء المتنبي والمعجبين به ليخففوا من تيار النقد المتوجه ضده؟ لا نستطيع أن نقطع بذلك ولكنا نميل إلى القول بان رواية الصاحب لو كانت هي المغيرة، لكانت أضعف الروايتين، ولما أثبتت في نسخ الديوان إلا على سبيل الاستعانة. وهذا ابن جني قد جاء بعدة روايات لم يأخذ بها شراح الديوان من بعد، مما قد يشير إلى أن رواية ديوان المتنبي تتطلب دراسة مقارنة مستقلة.
وقد أثارت رسالة الصاحب حنق أنصار المتنبي وهجومهم عليها، فلا نستبعد أن تكون من الأسباب التي حفزت إلى تأليف كتاب الوساطة كما كانت محطاً لهجوم ابن فورجة من بعد، وهذا ما سنعرض له في موضعه.
شرح ابن جني (- ٣٩٢) وما أناره من ردود
أين هم المتعصبون للمتنبي؟
اشتد خصوم المتنبي في الحملة عليه، دون أن تكون دوافعهم خفية أو مأخوذة بشيء من الامداراة، وقد كانوا دائماً يحاولون أن يسوغوا مواقفهم بما يجدونه لدى أنصاره من مغالاة في التعصب له. ومن غريب الأمر أن لا نسمع أصوات أولئك الأنصار ولا نتعرف إلى أشخاصهم ولا نجد لهم آثاراً مكتوبة في الدفاع عن صاحبهم، أثناء القرن الرابع؛ ثم أن نجد المؤلفات تتلاحق في العراق وفارس ومصر للرد على أولئك الأنصار الذين اكتفوا بالموقف الشفوي؛ وليس في الحالين تكافؤ: فأنصار المتنبي يضيعون جهودهم في أحاديث المجالس والحلقات، بينا يخلد خصومه مذمته في الكتب والرسائل. وإذا تحدثنا عن الأنصار هنا فإنما يعني أولئك الذين كانوا - كما زعم الخصوم - يرون في المتنبي شاعراً فاق كل من قبله من الشعراء، وأنه لم يأخذ شيئاً من معاني غيره وإنما كان مبتكراً
стр. 264
مبتدعاً في كل ما قال، فإذا سلموا ببعض الأخذ قالوا: ولكنه زاد فيما أخذ واحسن الأداء؛ فذلك هو الفريق الذي لم نسمع له صوتاً ولم نجد له مؤلفاً. فأما الأنصار المعتدلون الذين يضعون الحسنة إلى جانب السيئة، ويتوسلون بأسباب الموضوعية في النقد، فإن موقفهم واضح بعض الوضوح من خلال ما وصلنا من آثارهم أو ما ذكر منها دون أن يصلنا.
لم ألف ابن جني شرحه للديوان
وفي طليعة هذه الجهود الإيجابية ما قام به أبو الفتح عثمان بن جني فقد كان يرى ان كثيراً من الذين يحملون على المتنبي غنما يفعلون ذلك انه يدق عليهم إدراك معانيه ومراميه، ولذلك اضطلع بشرح ديوانه في ما ينيف على ألف ورقة (١) ، ثم يستخرج أبيات المعاني منه وأفرادها في كتاب " ليقرب تناولها " (٢) وكتب كتاباً ثالثاً في النقض على ابن وكيع في شعر المتنبي وتخطئته (٣) .
أثر صلته بالمتنبي
وقد كان ابن جني صديقاً لأبي الطيب وثيق الصلة به معجباً بشعره أو إن شئت فقل: معجباً بسمته الشعري لأنه جاد في ما يعانيه، يلزم طريق أهل العلم في ما يقوله ويحكيه، ويحمله إعجابه على تجاوز الاعتدال في الأنحاء على الخصوم حتى لنسمعه يقول: " وما لهذا الرجل الفاضل من عيب عند هؤلاء السقطة الجهال وذوي النذالة والسفال إلا انه متأخر محدث، وهل هذا
стр. 265
لو عقلوا إلا فضيلة له ومنبهة عليه، لأنه جاد في زمان يعقم الخواطر ويصدئ الاذهان، فلم يزل فيه وحده بلا مضاه يساميه ولا نظير يعاليه، فكان كالقارح الجواد يتمطر في المهامه الشداد، لا يواضح نفسه إلا نفسه ولا يتوجس إلا جرسه " (١) . ولكن هذا الإعجاب لم يكن ليحجب عن عيني ابن جني أن في شعر المتنبي صعوبتين: إحداهما تعسف في بعض ألفاظه خرج بها عن القصد في صناعة الأعراب، إذ جاء بالشاذ وحمل على النادر، والثانية عمق في معانيه يتطلب إعمال الفكر وطول البحث وتكرار التأمل لأنه شاعر يخترع المعاني ويتغلغل فيها ويستوفيها.
وهاتان الصعوبتان لا يذل لهما إلا شرح الديوان، لان المتنبي لم يتورط فيهما عن جهالة أو غفلة، بل كان عالماً عارفاً بما يصنع، وابن جني نفسه خير من يفي بمتطلبات هذا العمل لا لانه، وحسب، دقيق المعرفة بالنحو واللغة، بل لأن ملازمته لأبي الطيب وقراءته لشعره وسؤاله له عن بعض الدقائق فيه والمحاورة الطويلة بينهما حول كل ما يعرض من شئون في ذلك الشعر، كل ذلك جعله مهيأ لإنجاز تلك المهمة على نحو لم يتح لسواه، يقول ابن جني في توضيح هذا الموقف: " لأننا لم نكن نتجاوز شيئاً من شعره وفيه نظر إلا ويطول القول فيه جداً حتى ينقطع فيه الريب؛ ولقد كان يستدعي تنكيتي عليه ويبعثني على البحث لما كان ينتج بيننا ولما كنت أورده عليه مما لم يكن عنده ان مثله يسأل عنه لينظر فيه ويتأمله قبل أن يضطر إلى الجواب عنه في وقت ضيق أو محفل كبير فلا يكون قدم الروية والنظر فيه فيلحقه خجل وانقطاع لكثرة خصومه وتوفر حساده " (٢) .
стр. 266
ماذا حقق ابن جني في شرحه
ود استطاع ابن جني أن يحقق كثيراً مما رسمه لنفسه في هذا الشرح فجلا غوامض المعاني، ووجه النواحي اللغوية والنحوية التي أخذت على المتنبي، وزود شرحه بشواهد كثيرة ليدل على الشبه بين طريقة المتنبي وطريقة الأقدمين في التعبير، واستجاز الاستشهاد بشعر المحدثين لأنه يستشهد به في المعاني مثلما يستشهد بشعر الأقدمين في الألفاظ، وكانت جوانب من شرحه وثيقة هامة لأنه أثبت فيه ما دار بينه وبين الشاعر من اخذ ورد حول بعض الأمور؛ من ذلك مثلاً: " سألته يوماً عن قوله:
وقد عادت الأجفان قرحاً من البكا ... وعاد بهاراً في الخدود الشقائق فقلت له: أقرحاً منون جمع قرحة أم قرحى - ممال - فقال: قرحاً منون؛ ثم قال: ألا ترى بعده وعاد بهاراً في الخدود الشقائق - يقول - فكما أن بهاراً جمع بهارة. وإنما بينهما الهاء، فكذلك قرحاً جمع قرحة ". ثم يعلق ابن جني على ذلك قائلاً: " فليت شعري هل يصدر هذا عن فكر مدخول أو روية مشتركة! " (١) .
اعتذار ابن جني عن الضعف في بعض الأمور اللغوية
غير أن هذه المفاوضات بين الرجلين تنبئ عن أن موقف المتنبي في بعض الأمور اللغوية لم يكن دائماً موقف القوي، وأن خصومه كانوا يستندون إلى أسباب قوية في نقده من تلك الناحية، ولهذا يبدو ابن جني هنا متشبثاً بالعذر - وهو اضعف الموقفين. من ذلك وقفته عند قول المتنبي " ومصبوحة لبن السائل " فقد قال: " سألت أبا الطيب وقت القراءة عليه فقلت له عن الشائل لا لبن لها، وإنما التي لها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة، فقال:
стр. 267
أردت الهاء وحذفتها "؛ ويتعذر عنه ابن جني بان مثل هذا يجوز للشاعر فقد قال كثير عزة: " وأخلت بخيمات العذيب ظلالها " أراد " اليبة " فحذف الهاء (١) . ومن ذلك أيضاً: " وكلمته في (يتزيا) فقلت: هل تعرفه في شعر قديم أو كتاب من كتب اللغة؟ فقال: لا، فقلت له: كيف استعملته وأقدمت عليه؟ قال: لأنه جرت به عادة الاستعمال، فقلت له: أترضي بشيء تورده باستعمال العامة ومن لا حجة في قوله؟ فقال: فما عندك فيه؟ فقلت: قياسه يتزوى، فقال: من أين لك؟ فقلت: لأنه من الزي، والزي ينبغي ان تكون عينه واواً وأصله زوي؟ ثم قال: لم يرد الاستعمال إلا بتزيا، فقلت له: عن العامة ليست ألفاظها حججاً؟ " (٢) ومع أن ابن جني شديد الاعتراض صلب الموقف إلا انه في نهاية هذا الحوار لجأ إلى الاعتذار فقال: " على انه قد ذكر هذا الحرف صاحب العين، فقال: تزيا فلان بزي حسن "، وكان ابن جني يقول في هذا الموقف: أن " يتزيا " خطأ وهي لفظة عامية، ولكن عن شاء الخصوم أن يلجوا في النقد والهجوم فما عليك إلا أن تستشهد بما ورد في " العين ".
إثارة ابن جني لموضوع الهجاء المبطن في مدائح كافور
ويعد ابن جني أول من فتح باب القول في أن مدائح المتنبي في كافور مبطنة بالهجاء، وأن الازدواج فيها كان مقصوراً، وقد استمد ذلك من قراءته لقول المتنبي:
وشعر مدحت به الكركدن ... بين القريض وبين الرقى كما استمده من إقرار المتنبي عندما قرأ عليه قوله:
وما طربي لما رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
стр. 268
فإن ابن جني قال له: أجعلت الرجل أبا زنة (أي قرداً) فضحك المتنبي، وفهم ابن جني من هذا الضحك أن الشاعر كان يريمي إلى ما وراء المدح من معنى، ولهذا خرج بهذا الاستنتاج: " وهذا مذهبه في أكثر شعره لأنه يطوي المديح على هجاء حذقاً منه بصنعة الشعر وتداهياً في القول " (١) .
اهتداء ابن جني إلى الجرأة النفسية لدى المتنبي
كذلك تنبه ابن جني إلى ظاهرة نفسية هامة تفسر شيئاً كثيراً مما أنكره خصوم المتنبي، ولو درس شعر المتنبي على مستواها لكشف الدرس عن مظاهر متميزة فيه، فقد وقف عند قوله:
يعلمن حين تحيا حسن مبسمها ... وليس يعلم إلا الله بالشنب فقال معلقاً: " وكان المتنبي يتجاسر في ألفاظه جداً؛ ألا تراه يقول لفاتك يمدحه:
وقد يلقبه المجنون حاسده ... إذا اختلطن وبعض العقل عقال أفلا ترى كيف ذكر لقبه على قبحه، وتلقاه وسلم أحسن سلامة، ولولا جودة طبعه وصحة صنعته لما تعرض لمثل هذا؛ وكذلك ذكره مبسمها وحسنه وشنبه، ومفرقها في البيت الذي يتلوه. ومن ذا الذي كان يجسر على تلقي سيف الدولة بذكر مثل هذا من أخته؛ وآل حمدان أهل الأنفة والإباء وذوو الحمية والامتعاض؛ وأكثر شعره يجري هذا المجرى من إقدامه وتعاطيه، فإذا تفطنت له وجدته على ما ذكرت لك " (٢) ؛ فهذا ملمح
стр. 269
يعز نظيره، وهو أحرى أن يتخذ مفتاحاً لنقد جانب من شعر المتنبي لا ما علل النقاد به أنفسهم من بحث عن الأخطاء والسرقات.
موقفه من العلاقة بين الدين والشعر ومن التفاوت في الأحوال النفسية
وكان ابن جني يحور إلى بعض القواعد العامة المتوارثة في مواقفه النقدية كقوله أن الآراء والاعتقادات في الدين لا تقدح في جودة الشعر (١) وإيمانه أن شعر الشاعر يجب أن لا يتناقض بحسب اختلاف الأحوال النفسية، ولهذا ذهب يوفق بين قول المتنبي:
إن كنت ظاعنة فإن مدامعي ... تكفي مزادكم وتروي العيسا وقوله:
ولا سقيت الثرى والمزن مخلفه ... (٢) دمعاً ينشفه من لوعة نفسي ولكنه يتجاوز هذا الموقف إلى الإعجاب بالمبالغة في موضعها وإلى التسامح في طبيعة الألفاظ التي يستعملها الشاعر، فهو يمتدح المتنبي لأنه أدخل في شعره بعض ألفاظه المتصوفة، ويقول: " وقد افتن في ألفاظه كما فاتن في معانيه " (٣) .
اعتزازه بتحبيب شعر المتنبي إلى أستاذه الفارسي
ولكن ربما كان أهم ما حققه ابن جني في نظر نفسه هو انه استطاع أن يحبب شعر المتنبي إلى أستاذه أبي علي الفارسي لما كان لهذا الأستاذ من مكانة في نفسه، قال: " ولقد ذاكرت شيخنا أبا علي الحسن بن أحمد الفارسي بمدينة السلام ليلاً وقد أخلينا، فاخذ يقرظه ويفضله، وأنشدته من حفظي " وأحر قلباه؟ " فجعل يستحسنها، فلما وصلت إلى قوله:
стр. 270
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم لم يزل يستعيده مني إلى أن حفظه وقال: ما رأيت رجلاً في معناه مثله، فلو لم يكن له من الفضيلة إلا قول أبي علي هذا فيه لكفاه، لان أبا علي مع جلالة قدره في العلم ونباهة محله وإقتدائه سنة ذوي الفضل من قبله لم يكن ليطلق هذا القول عليه إلا وهو مستحق له عنده، فماذا يتعلق من غض أهل النقص من فضله وهذا حاله في نظر فرد الزمان في علمه والمجتمع على أصالة حكمه " (١) . وهو يستأنس برأي أستاذه في ما يجيء به الشاعر المحدث من ضرورات قياساً على الضرورات التي كان يركبها القدماء فيقول له:
" نعم لان هذا شعر كما أن ذلك شعر، وكما يجوز أن يؤتى في النثر بما أتوا به فكذلك يجوز في النظم أيضاً " (٢) .
الردود على ابن جني في التفسير
وقد أصبح شرح ابن جني أساساً لكثير من الشروح والدراسات التي ظهرت حول المتنبي من بعد (٣) ، ولكن أكثر الذين تناولوه من بعد وقفوا عند النقاط الضعيفة فيه أو في الكتاب الصغير الذي اشتمل على أبيات المعاني، وهذه النقاط تنقسم في قسمين: فيعضها تفسيري وبعضها نقدي، فأما العيب في الجانب التفسيري، فهو يشمل لجوء أبن جني إلى الاعتذار عن صاحبه في بعض المآخذ، كما يشمل هجوم خاطره على أشياء تنأى به عن المعنى المقصود في السياق وذلك ناشئ من حبه للدقيق والنادر (٤) ، ولذلك كثرت الردود على شرحه من الزاوية التفسيرية، بحيث تكون هذه الردود مجتمعة محاولات
стр. 271
لقراءة شعر المتنبي، من زوايا مختلفة، على مر الزمن (١) . وأكتفي هنا بإيراد مثلين على ذلك: يقول أبن جني في شرح البيت الثاني من هذين البيتين:
(فحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا)
ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا " إن الرجلين ليفعلان فعلاً واحداً فيرزق أحدهما ويحرم الآخر، فكأن الإحسان الذي رزق به هذا هو الذنب الذي حرم به هذا؟ " (٢) فيتعقبه أبو العباس أحمد بن علي الأزدي المهلبي بقوله: " وأقول: إنه لم يفهم معنى البيتين، ولا ترتيب الآخر منهما على الأول، ومعنى البيت الأول أن الجبان يحب نفسه فيحجم طلباً للبقاء، والشجاع يحب نفسه فيقدم طلباً للثناء، والبيت الثاني مفسر للأول يقول: فالجبان يرزق بحبه نفسه الذم لإحجاءه، والشجاع يرزق بحبه نفسه المدح لإقدامه، فكلاهما محسن إلى نفسه بحبه لها، فاتفقا في الفعل الذي هو حب النفس واختلفا في الرزقين اللذين هما الذم والمدح، حتى إن الشجاع لو أحسن إلى نفسه بترك الإقدام كفعل الجبان لعد ذلك له ذنباً، فهذا هو المعنى، وهذا في غاية الإحكام، بل في غاية الإعجاز، لا ما فسره " (٣) ، ومن تأمل الشرحين وجد حقاً أن أبن جني لم يدرك ما أراده أبو الطيب.
стр. 272
وقال ابن جني في شرح البيت:
وترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا " أي إذا رأتك هذه المرأة رأت منك الفضيلة مقبولة غير مردودة، كالشمس إذا كانت مشرقة والسحاب إذا كان كنهورا، وهي القطع من السحاب العظام، يرد وضوح أمره وسعة جوده " (١) .
ويرد عليه أبو القاسم الأصفهاني صاحب كتاب " الواضح في مشكلات شعر المتنبي " بقوله: " وأية أبي الفتح بضم التاء ولا يصح للبيت معنى على هذا، وإنما الرواية الصحيحة التي قالها المتنبي " لا ترد " - بفتح التاء - ومعنى البيت: أن فضيلتك في علوم العرب لا ترد فضلك في علوم العجم لتناسب الفضائل كما أن الشمس تشرق في أفق من السماء والسحاب في أفق آخر؟ " (٢) ، وهو تفسير أنسب للسياق من تفسير أبن جني، وكما أخذ الشراح على أبن جني انصرافه عن إدراك بعض المعاني أخذوا عليه أيضاً إسرافه أحياناً في إيراده مسائل نحوية يستهلك فيها جهده ويغفل عن شرح اللفظ والمعنى، وكذلك شكوا في قوله عند بعض المسائل المحيرة " بهذا أجابني المتنبي عند الاجتماع (به) " (٣) .
стр. 273
رد الوحيد على ابن جني في المنهج النقدي
وأما العيب في الجانب النقدي فإن إبرازه أمر سهل لان ابن جني لم يكتف بالشرح بل تجاوزه في كثير من المواضع إلى التقييم؛ وعلى الرغم من الاجتهادات الطبية التي توصل إليها أحياناً فإنه على وجه العموم لم يكن ناقداً، ولهذا تورط في أحكام كان من السهل تزييفها أو رفضها، ولعل وقفة الوحيد في معارضة تلك الأحكام تكفي لتصور ذلك الصراع النقدي بين أحد أنصار المتنبي وأحد خصومه.
تعريف بالوحيد
والوحيد هو أبو طالب سعد بن محمد الازدي البغدادي، ويقول فيه ياقوت أنه " كان عالماً بالنحو واللغة والعروض بارعاً في الأدب " (١) ويذكر أن له مؤلفاً في شرح ديوان المتنبي، ولا نعرف شيئاً عن هذا الشرح، وإنما نعتمد على تعليقات الوحيد المضمنة في شرح ابن جني مميزة عن الأصل بالحرف (ح) (٢) . ويؤخذ من هذه التعليقات أن الوحيد لم يكن معاصراً للمتنبي وحسبن بل أنه كان بمصر حين كان فيها أبو الطيب (٣٤٦ - ٣٥٠) ، وانه كانت له علاقة بابن حنزانة أحد خصوم المتنبي، وانه كان مطلعاً على ما يحاك حول المتنبي بمصر، قال: " فوقفت من أمره على شفا الهلاك، ودعتني نفسي - لحب أهل الأدب - إلى استحثاثه على الخروج فخشيت على نفسي أن ينهى ذلك عني " (٣) ، بل هو قد شهد المتنبي " ورجل يقرأ عليه شعره فيسأله عن أشياء قريبة، فما كان جوابه إياه جواب متقن، وصاحب
стр. 274
الكتاب نحوي متقن " (١) ، وحيناً نراه بحلب في مجلس سيف الدولة (٢) ، وربما كان ذلك بعد فراق المتنبي لحضرته، كما عرف أبا فراس بمنبج وخاض معه في حديث حول المتنبي (٣) ، وهو قد لقي ناساً ممن عرف المتنبي في مراحل مختلفة من حياته، وسمع أخباره منهم وعارض ببعضها ما عده خطا عند ابن جني (٤) .
كلمة في منهجه عامة تجاه المتنبي
وقبل أن نأخذ في توضيح ردود الوحيد على ابن جني علينا أن نذكر أن موقفه من الشاعر والشارح كليهما ينطوي على تنقيص، وان الغضب كثيراً ما يخرجه عن طوره فيكون منهجاً فاقداً لكل أناة الناقد الموضوعي، مع انه يحاول في البداية أن يرتفع إلى مستوى العدالة في الحكم: فابن جني عالم بالصناعة ذو محل منها، فالطعن عليه في محله من الصناعة ظلم، وإنما الذي ساقه إلى هذا الموقف عناد الخصوم، والمتنبي شاعر ذو فضائل وعيوب، فأما فضائله فهي طول النفس وجزالة الكلام والمبالغة في المعاني، وأما عيوبه فعدم التنقيح للكلام واستعمال الرذل من اللغة والغريب الحوشي وتكرار المعاني وإغماضها إغماضاً يحوج إلى الشرح الطويل ونقل معاني الناس والخطأ في اللغة واللحن في الأعراب، بل هو يذهب إلى ابن جني قد ظلم المتنبي وأنه سيحاول أن ينصفه (٥) . ولكن الإنصاف بعيد عنه - أن لم يكن محالاً - لأنه غير راض عن أعراض المتنبي عن ابن حنزابة وتركه مدحه مع انه من " بيت شريف أهل وزارة ورياسة، ورجل من العلم والأدب بموضع جليل " (٦)
стр. 275
وهو يرى أن المتنبي كان " رجلاً زراقاً شديد الحيلة للمعيشة وكان يصنع الأحاديث لنفسه ويعمل لها الأشعار ليري الناس أن فيه همة تسمو لذلك " (١) وأنه أيضاً كان " نفاخاً بذاخاً يري مخاطبه انه يحسن أضعاف ما يظنه به " (٢) وفي الجملة لا يرضى طريقة المتنبي في عدم المجاملة للرؤساء ومن يجالسهم ولذلك يقول في تعليقه على قصيدة " وأحر قلباه ": " تعتب وتظلم وكان هو الظالم لنفسه؛ كان المتنبي في طبعه استدعاء عداوات الناس لأنه كان عريضاً كثير التعريض والتصريح لندماء سيف الدولة، شديد الزهو والافتخار عليهم، فإذا جاء بمثل هذه المواضع عارضوه وخاضوا فيها؟ وكانوا عصبة، وآل الأمر إلى أن غلبوه وأزعجوه عن حضرة سيف الدولة وأخرجوه من نعمته " (٣) ؛ ثم يقول في موضع آخر: " لو كان موفقاً للزم سيف الدولة، فإنه كان واحد الزمان، ولكن سوء الرأي شبه له وأطعمه في خلف منه، وقد كان كافور كريماً، ولا قياس على سيف الدولة، ولكنه أفسده على نفسه من حيث ظن انه يصلحه " (٤) .
هجومه الشديد على ابن جني
فأما ابن جني فإنه في رأي الوحيد قد تصدى لشيء لا يحسنه، حتى ليقول له في بعض المواطن: " لو كان لنقد الشعر والحكم فيه محتسب لمنعك أيها الشيخ من ذلك لأنه ليس من عملك " (٥) ، وينصحه بعنف وزجر أن يظل معلماً للصبيان: " عليك أيها الشيخ بنفض اللحية وتبريق العينين للصبيان ورفع السير عليهم؟ ولا يحل لك التعرض للشعر " (٦) ، وينسى انه يريد
стр. 276
أن ينصف المتنبي من ابن جني فإذا هو يحط عليهما معاً قائلاً: " وما قرأت ديوان شاعر من المحدثين فيه من العيوب ما في شعره، فهلا اقتصدت في هواك وتجملت ولم تودع كتابك من ألفاظك ما يشينك ولا يزينك؟! " (١) وكل هذا يدل على أن المنطلق النقدي لدى الوحيد سواء في رده على ابن جنى أو في محاكمته لشعر المتنبي لم يكن سليماً من الهوى والعصبية؛ ويمكن أن يقال إن الوحيد في منحاه العام ينتمي إلى صف ابن وكيع، حتى لنلمح لديه قضية يشارك فيها ابن وكيع نفسه، فقد اخذ هذا الناقد على المتنبي كراهته للخمر لأنها تذهب باللب " وذو اللب يكره أنفاقه " وإلى هذا ذهب الوحيد أيضاً حين قال: " فإنما العقلاء احتالوا في إنفاق العقل وقتاً ما ليزول عن النفس صقله، فإنه كالحافظ والرقيب يعترض على متبع الهوى، فيثقل على النفس، فاحتالوا في الراحة منه وقتاً ما تخفيفاً عن النفس " (٢) .
بعض الإصابة فيما تعقب به ابن جني
ولكن الوحيد قد يحسن شيئاً من الرؤية الصحيحة من خلال هذا الضباب الكثيف، يعينه على ذلك بعض المواضع الواهنة في نقد ابن جني، فعندما امتدح ابن جني خلق المتنبي عارضه الوحيد بقوله: " ليس لذكر الأخلاق ها هنا معنى " (٣) ولما ذهب ابن جني يشيد بثناء أستاذه أبي علي الفارسي على المتنبي قال له الوحيد: " النقد لا يحتاج إلى تقليد ولا تساوي الحكايات عند النقد شروري قبيل، فأربع على ظلعك، وأبق إن شئت على نفسك " (٤) وعندما حاول ابن جني التوفيق بين بيتين للمتنبي ظنهما متناقضين رد عليه الوحيد بقوله: " هذا يدل على اعتقاده صاحب الكتاب أن على الشاعر أن يساوي
стр. 277
بين معانيه في جميع قصائده، وهذا باطل، فإن الشاعر قد يحمد الشيء ويصفه بالحسن بكلام حسن مقبول ثم يذمه في قصيدة أخرى؟ ولا سمعت عن أحد من نقاد الشعر أخذ على شاعر مثل هذا، وإنما يؤخذ عليه تناقض كلامه في حال واحدة في بيت واحد، فأما في شعر آخر قد رمى فيه إلى غرض سوى الأول فلا؟ " (١) . وفي هذا الموقف نجد الوحيد يردد ما قال به قدامة بن جعفر من قبل.
المبادئ النقدية العامة التي يعتمدها
وأما المبادئ النقدية العامة التي يحتكم إليها الوحيد فيمكن أن نجملها فيما يلي:
١ - أن الشعر ليس هو الغلو في المعاني، ولو كان الأمر كذلك لكان المحدثون أشعر من الاوئل، وكلما غالى الشاعر في المعاني وعمق بعد من القلوب، ولهذا كان ابن جني مخطئاً حين تناول نقد الشعر من زاوية المعاني وحدها. وهنا يعود الوحيد إلى نظرية الجاحظ القديمة فيقول: " والمعاني يقدر عليها الزنج والترك والنبط فيعبرونها كل بلغته " (٢) ، ولذا كان عيباً على الشعراء المحدثين إيراد ما يتطلب تفسيراً، بل إن تصدي الشارح لتفسير شعر محدث هو في حقيقته طعن على صاحب ذلك الشعر " (٣) .
٢ - أخطأ ابن جني في الثناء على المبالغة المفرطة عند المتنبي إذ المبالغة المفرطة ليست من أفخر الكلام، لأنها لا تقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه؛ والتشكك بين الشبهين كقول الشاعر:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم
стр. 278
خير من المبالغة، ولو قال الشاعر " أنت أم سالم " لما حل قوله من القلوب محل التشكك (١) .
٣ - إيراد ألفاظ الصوفية وألفاظ الطب والفلسفة والكلام يشين الشعر ويعيبه في رأي نقاد الشعر، وإنما دخل هذا العيب إلى شعر المتنبي من انه صحب الصوفية بالشام، وأغلاهم طائفة يقال لهم أهل عين الجمع وهم يرون أن الحركات على اختلافها في الحواس حركة واحدة، وإنما تختلف على قدر الآلة التي تظهر منها الحركة، والفيل عندهم والنملة حركتهما واحدة من الأصل ثم يرمون مرمى لا تجوز حكايته، وكان المتنبي اغرق في قولهم فصحبته ألفاظهم بعد فراقهم، وهو عيب في صناعة الشعر (٢) .
٤ - فرض مواد البادية على عالم حضري غير مستساغ، كالحديث عن الجفان (وعندهم الجفان مكللات) ، فقد ترك شعراء المحدثين هذه الأمور لان ذلك يدل على الجفاء، وكذلك ذكر الطعام، ولكن المتنبي كان يحاول أن يكون بدوياً بين أهل الحاضرة حتى في زيه، وقد عرفه بعض أهل الشام يوم كان في قباء كرابيس وعمامة زرقاء خشنة وزربولين في رجليه متنكباً قوساً عربية وكان يكثر ذكر هذا، ويستعمل التصغير والألفاظ البدوية، وذلك وضع للشيء في غير موضعه (٣) .
٥ - لا يجوز لشاعر يعرف أقدار الناس أن يمدح الملوك بمدح السوق والسوق بمدح الملوك ويحيل في المعاني ويخطئ في اللغة، ويستبيح لنفسه سرقة معاني الآخرين " حتى لا تكاد تسمع له بيتاً إلا وهو مأخوذ من موضع مشهور " (٤) ؛ أما ما عده ابن جني جسارة في ذكر جنون فاتك أو سواد
стр. 279
كافور فلا يراه الوحيد إلا جفاء بلغ به حد الاستخفاف، فإذا قرا قوله في ذكر الله :
وعرف أنك من همه ... وانك في نصره ترفل قال: أحسب ان المتنبي كان محتاجاً إلى أن يدرس شيئاً في التوحيد فينقبض عن مثل هذه الألفاظ ويعلم ما يجب أن يذكر الله به (١) .
٦ - مجمل القول أن الشعر ثلاثة أقسام: مطرب وهو قليل في شعر المتنبي، ومعجب وله فيه كثير، ومضحك؛ وعند المتنبي قسم يخرج عن هذه جميعاً فلا هو مضحك ولا معجب ولا مطرب مثل قوله:
ولمثل وصلك أن يكون ممنعاً ... ولمثل نيلك أن يكون خسيسا ومن تدبر هذه الأحكام عرف أن الوحيد لم يأت فيها بجديد وغنما كان منساقاً مع المقاييس النقدية " الحضرية " في رفض التعمق في المعنى والألفاظ البدوية والألفاظ التي قد تجيء من مصطلحات العلوم والمذاهب، والتعلق بأصول اللياقة الاجتماعية، واعتبار الشعر موسيقى جميلة، وكأنه في كل ذلك يحتذي مذهب ابن وكيع.
стр. 280
أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع التنيسي (- ٣٩٣) (١)
تعريف موجز بابن وكيع
شاعر ولد بمصر ونشأ فيها، غير أن الأخبار التي وصلتنا عن حياته لا تكاد تعرف بشيء من أحواله؛ وهو صاحب كتاب " المنصف للسارق والمسروق في إظهار سرقات أبي الطيب المتنبي "، وفيه يخبرنا أن أبا الحسن المهلبي كان أحد شيوخه وأبو الحسن هذا هو الحسين بن احمد المهلبي صاحب، كتاب في المسالك والمماليك، شهر باسم " العزيزي " لأنه ألفه للعزيز بالله الفاطمي (٢) ، وهو ممن اجتمع بالمتنبي أثناء إقامته بمصر، وتوفي سنة ٣٨٠؛ كذلك كانت له صلة بأبي القاسم علي بن حمزة البصري رواية المتنبي، ومضيفه في بغداد، ولعله لقيه بمصر، إذ أن علي بن حمزة رحل من بغداد وتوفي بصقلية (٣٧٥)(٣) ؛ فابن وكيع قد اتصل بمن عرفوا المتنبي، ولكنا لا نعلم له صلة مباشرة به؛ وهو - فيما يبدو - قد كتب المنصف بعد عام ٣٨٠ لأنه يترحم فيه على شيخه المهلبي.
لم ألف المنصف؟
ويذهب بلاشير إلى أنه ألف ذلك الكتاب انتصاراً لابن حنزابة الذي كان مستاء من المتنبي لترفعه عن مدحه (٤) ؛ وقد عاش ابن حنزابة حتى حدود سنة ٣٩٠، ومعاصرته لابن وكيع قد تبيح شيئاً من هذا التقدير، غير انه ليس فيما وصلنا من كتابه ما يلمح إلى ذلك، وأقوى من هذا أن يقال إن الكتاب كان رد شاعر مغيظ على طبقة من المتعصبين لأبي الطيب، إذ كانت
стр. 281
إقامة المتنبي في مصر قد أوجدت حوله عدداً من الأنصار والمعجبين، وكان لهؤلاء أنفسهم تلامذة يدرسون شعر أبي الطيب، ويذهبون في الإعجاب به مذهباً بعيداً، حتى فضلوه على ما تقدم من الشعراء، وحتى قالوا " ليس له معنى نادر ولا مثل سائر إلا هو من نتائج فكره وأبو عذره، وكان بجميع ذلك مبتدعاً ولم يكن متبعاً، ولا كان لشيء من معانيه سارقاً، ل كان إلى جميعها سابقاً " (١) ، وليس من الضروري أن يقول المعجبون هذا كله، وغنما هم خلقوا من حول ابن وكيع جواً لا يستريح غليه، ولا يلائم ما يرجوه لنسفه من شهرة في الشعر.
موقف المعجبين بابي الطيب ذو شقين
وتنقسم القضية التي أثارها المعجبون حول أبي الطيب في شقين: أولهما أنه افضل من كل من تقدمه؛ والثاني أن معانيه مخترعة؛ ومع ان ابن وكيع لا يسلم بالشق الأول، فانه يرى أن الرد على الثاني أولى: " فكيف بالإغضاء عن نفيهم عنه ما لا يسلم منه بدوي أو حضري، جاهلي أو إسلامي من استعارة الألفاظ النادرة، أو الأمثال السائرة؟ وهذه دعوى لابد من كشف أسرارها وإظهارها، وهي بالعناية أولى من الأولى " إذ لو سلم بها ابن وكيع، لكانت معجزة أو شبيهة بها، وكان من حق أبي الطيب، لو تيقن صدقها، إن يتخذها آية تصحح ما ادعاه من النبوة (٢) ؛ وكأنما كان ابن وكيع يعتقد أن إثبات كثرة المسروق في شعر المتنبي هو رد ضمني على الشق الأول من القضية، لان إثبات الاتكاء الكثير على معاني الآخرين سيفقد أنصاره حماستهم لتقديمه على كل شاعر سابق.
стр. 282
أقسام السرقات
وقبل أن يأخذ ابن وكيع في الكشف عن سرقات المتنبي، يوطئ لذلك بمقدمتين: أولاهما تتناول البحث في السرقات الشعرية عامة، والثانية تتناول فنون البديع.
وهو يقسم السرقات في عشرة أنواع، ثم يجعل لهذه العشرة أضداداً تساويها، فيكون التصنيف شاملاً لعشرين نوعاً، وهذه هي الأنواع العشرة الحسنة:
١ - استفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل.
٢ - نقل اللفظ الرذل إلى الرصين الجزل.
٣ - نقل ما قبح دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه.
٤ - عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد أن كان هجاء (١) .
٥ - استخراج معنى من معنى احتذي عليه وان فارق ما قصد به إليه.
٦ - توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات.
٧ - مساواة الآخذ من المأخوذ منه في الكلام، حتى لا يزيد نظام على نظام، وإن كان الأول أحق به لأنه ابتدع والثاني اتبع.
٨ - مماثلة السارق المسروق منه في كلامه، بزيادة في المعنى ما هو من تمامه.
٩ - رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظه على لفظ من اخذ عنه.
وما عليك في تبين الأضداد إلا أن تعكس فتقول في النوع الثالث مثلاً " نقل ما حسن مبناه ومعناه إلى ما قبح مبناه ومعناه " وتقول في النوع العاشر:
стр. 283
" اخذ اللفظ المدعى ومعناه معاً ". ويقول ابن وكيع: إن هذا القسم الأخير هو أقبح أقسام السرقات، كقول امرئ القيس:
وقوفاً بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل أخذه طرفة فقال:
وقوفاً بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد " وقد زعم قوم أن هذا من اتفاق الخواطر وتساوي الضمائر، وبازاء هذه الدعوى ان يقال بل سمع فاتبع، والأمران سائغان، والأولى أن يكون ذلك مسروقاً " (١) . وخلاصة هذه المقدمة أن في السرقة ما يوصف بالجودة وما يوصف بالرداءة، وأنها شيء عام في الشعر قديماً وحديثاً يكاد لا يعرى منها شاعر، وأن تلك هي حال المتنبي حين يجيء دوره للحديث عن سرقاته. ومصادر أبن وكيع في هذا القسم مصادر عامة، أعني أنه ينقل مما تردد في كتب الأدب والنقد السابقة من أمثلة السرقات، غير أنه مطلع بوجه خاص على أبن قتيبة والصولي، وكتاب السرقات لأبن أبي طاهر.
فنون البديع ومتابعة قدامة والحاتمي
وأما المقدمة الثانية التي تتناول فنون البديع، فهي إقرار صريح بان الناقد الأدبي محتاج إلى أن يعرف هذه الفنون كي يحكم على جمال الاستعارة وصحة المقابلة ويميز الإشارة وغير ذلك؛ وهذه سنة أوجدها قدامة، وسار عليها الحاتمي في الحلية وفي الحالي العاطل وفي الموضحة، وتعلق بها النقاد تعلقاً ضيق الشقة الفاصلة بين النقد وعلم البلاغة، ولكن حاجة ابن وكيع إليها أثناء التطبيق كانت ضئيلة. وقد صرح ابن وكيع عن غايته من الحديث في أنواع البديع بقوله: " وقد قدمت لك من هذه الأقسام ما تقوى به معرفتك بنقد
стр. 284
الشعر، فائقه ومقصره، وأطلعتك على سرائر رذله ومتخيره، لتفاضل بين الشعر الأصيل وتنطق بعدل " (١) . ومن الطريف أن نجد أبن وكيع يتعلق هنا بتحديد أبن أبي عون لأقسام الشعر " أما أقسام الشعر فهي أما مثل سائر أو تشبيه باهر أو استعارة لفظها فاخر " (٢) ، فإذا تجاوزنا هذه اللفتة وجدنا فصله عن البديع مستمداً من ثلاثة مصادر: كتاب البديع لأبن المعتز وكتاب نقد الشعر لقدامة، فهو يورد أولاً مصطلحات أبن المعتز ثم يشفعها بما جاء به قدامة ويخلط ذلك بنقل عن مصدر ثالث لا يسميه وإنما يقول " ذكر ذلك بعض المحدثين " - والمعني هنا هو الحاتمي وكتابه " حلية المحاضرة " إذ ينقل في هذا الموطن قصة الأخفش حول مصطلح المطابقة، وهي ما أشرنا إليه فيما سبق؛ ولا يعجبه المصطلح أحياناً فيحاول أن يبتكر مرادفاً له، فلفظ التسهيم في نظره غير دال، ولذا فهو يسميه " المطمع " (٣) وينتقد " التتبيع " ويقول أنه أدخل في باب الإشارة، ويورد الاستثناء ثم يعلق على ذلك بأن أبن المعتز سماه تأكيد المدح بما يشبه الذم (٤) .
صلته بالحاتمي رغم تجاهله له وموقفه من قضية الكذب في الشعر
ولا ندري لم لا يصرح بذكر الحاتمي في كتابه، فإن صورة الحاتمي واضحة في " المنصف "؛ فقد ضلله الحاتمي بمفهوم " الاستعارة " عند ارسطو حين جعلها تعني " الأخذ " (٥) لا الفن التصويري، كما أن كثيراً من تعريفاته للفنون البديعية منقول عنه، وكشفه عن المعاني المسروقة في شعر أبي الطيب يلتقي فيه، في كثير من الأمثلة، مع الحاتمي. بل أن تقسيماته لضروب السرقة ينظر إلى ما صنعه الحاتمي، مما
стр. 285
أوردناه قبلاً. غير أنه يخالف الحاتمي في قضية " عذب الشعر أكذبه " فلا يتردد إزاءها، وإنما يقف منها بصراحة موقف قدامة، إذ يقول في الغلو أو الإغراق: " وطائفة من الأدباء يستحسنونه ويقولون أحسن الشعر أكذبه، والغلو يراد به المبالغة؟ بما يدخل في المعدوم ويخرج عن الموجود (وهذا قول قدامة) . وقد أبت طائفة من العلماء استحسان هذا الجنس لما كان خلاف الحقائق وخروجه عن اللفظ الصادق، قال أبو محمد: ما أتوا بشيء لأن الشعراء لا يلتمس من الخيار الصالحين وشهود المسلمين " (١) ؛ وقد كان في مقدوره اعتماداً على هذه القاعدة أن يقبل كثيراً من مبالغات أبي الطيب، وهي كثيرة حقاً في شعره، ولكنه وجد نفسه إزاءها مضطراً إلى إيجاد مقياس جديد: " وللشعراء مبالغتان: ممكنة ومستحيلة، والممكن أحسن عند كثير من الأدباء من المستحيل " (٢) مع أنه قبل رأي قدامة قبلاً في أن الغلو خروج عن الموجود إلى المعدوم.
الجهد المضني في البحث عن سرقات المتنبي
وما الحديث عن السرقات عامة وعن فنون البديع إلا توطئة، فأما غاية " المنصف " الأولى فهي إبراز سرقات المتنبي، وتلك غاية يريد ابن وكيع أن يلتزم بتحقيقها التزاماً دقيقاً لولا انه يخشى إذا هو تغاضى عن عيوب أخرى في شعر المتنبي كالغثاثة واللحن والإحالة أن يقال إنه غفل عنها لقلة تمييزه ولذلك فإنه سينبه إلى تلك العيوب، لئلا تلحق به تلك التهمة؛ ويرسم لنسفه منهجاً في الكشف عن السرقات:
١ - فهو لا يقف عند الأبيات الفارغات والمعاني المكررات المرددات إلا قليلاً لكي لا تظن به الغفلة عنها.