إقامة المتنبي في مصر قد أوجدت حوله عدداً من الأنصار والمعجبين، وكان لهؤلاء أنفسهم تلامذة يدرسون شعر أبي الطيب، ويذهبون في الإعجاب به مذهباً بعيداً، حتى فضلوه على ما تقدم من الشعراء، وحتى قالوا " ليس له معنى نادر ولا مثل سائر إلا هو من نتائج فكره وأبو عذره، وكان بجميع ذلك مبتدعاً ولم يكن متبعاً، ولا كان لشيء من معانيه سارقاً، ل كان إلى جميعها سابقاً " (١) ، وليس من الضروري أن يقول المعجبون هذا كله، وغنما هم خلقوا من حول ابن وكيع جواً لا يستريح غليه، ولا يلائم ما يرجوه لنسفه من شهرة في الشعر.
موقف المعجبين بابي الطيب ذو شقين
وتنقسم القضية التي أثارها المعجبون حول أبي الطيب في شقين: أولهما أنه افضل من كل من تقدمه؛ والثاني أن معانيه مخترعة؛ ومع ان ابن وكيع لا يسلم بالشق الأول، فانه يرى أن الرد على الثاني أولى: " فكيف بالإغضاء عن نفيهم عنه ما لا يسلم منه بدوي أو حضري، جاهلي أو إسلامي من استعارة الألفاظ النادرة، أو الأمثال السائرة؟ وهذه دعوى لابد من كشف أسرارها وإظهارها، وهي بالعناية أولى من الأولى " إذ لو سلم بها ابن وكيع، لكانت معجزة أو شبيهة بها، وكان من حق أبي الطيب، لو تيقن صدقها، إن يتخذها آية تصحح ما ادعاه من النبوة (٢) ؛ وكأنما كان ابن وكيع يعتقد أن إثبات كثرة المسروق في شعر المتنبي هو رد ضمني على الشق الأول من القضية، لان إثبات الاتكاء الكثير على معاني الآخرين سيفقد أنصاره حماستهم لتقديمه على كل شاعر سابق.
стр. 282
أقسام السرقات
وقبل أن يأخذ ابن وكيع في الكشف عن سرقات المتنبي، يوطئ لذلك بمقدمتين: أولاهما تتناول البحث في السرقات الشعرية عامة، والثانية تتناول فنون البديع.
وهو يقسم السرقات في عشرة أنواع، ثم يجعل لهذه العشرة أضداداً تساويها، فيكون التصنيف شاملاً لعشرين نوعاً، وهذه هي الأنواع العشرة الحسنة:
١ - استفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل.
٢ - نقل اللفظ الرذل إلى الرصين الجزل.
٣ - نقل ما قبح دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه.
٤ - عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد أن كان هجاء (١) .
٥ - استخراج معنى من معنى احتذي عليه وان فارق ما قصد به إليه.
٦ - توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات.
٧ - مساواة الآخذ من المأخوذ منه في الكلام، حتى لا يزيد نظام على نظام، وإن كان الأول أحق به لأنه ابتدع والثاني اتبع.
٨ - مماثلة السارق المسروق منه في كلامه، بزيادة في المعنى ما هو من تمامه.
٩ - رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظه على لفظ من اخذ عنه.
وما عليك في تبين الأضداد إلا أن تعكس فتقول في النوع الثالث مثلاً " نقل ما حسن مبناه ومعناه إلى ما قبح مبناه ومعناه " وتقول في النوع العاشر:
стр. 283
" اخذ اللفظ المدعى ومعناه معاً ". ويقول ابن وكيع: إن هذا القسم الأخير هو أقبح أقسام السرقات، كقول امرئ القيس:
وقوفاً بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل أخذه طرفة فقال:
وقوفاً بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد " وقد زعم قوم أن هذا من اتفاق الخواطر وتساوي الضمائر، وبازاء هذه الدعوى ان يقال بل سمع فاتبع، والأمران سائغان، والأولى أن يكون ذلك مسروقاً " (١) . وخلاصة هذه المقدمة أن في السرقة ما يوصف بالجودة وما يوصف بالرداءة، وأنها شيء عام في الشعر قديماً وحديثاً يكاد لا يعرى منها شاعر، وأن تلك هي حال المتنبي حين يجيء دوره للحديث عن سرقاته. ومصادر أبن وكيع في هذا القسم مصادر عامة، أعني أنه ينقل مما تردد في كتب الأدب والنقد السابقة من أمثلة السرقات، غير أنه مطلع بوجه خاص على أبن قتيبة والصولي، وكتاب السرقات لأبن أبي طاهر.
فنون البديع ومتابعة قدامة والحاتمي
وأما المقدمة الثانية التي تتناول فنون البديع، فهي إقرار صريح بان الناقد الأدبي محتاج إلى أن يعرف هذه الفنون كي يحكم على جمال الاستعارة وصحة المقابلة ويميز الإشارة وغير ذلك؛ وهذه سنة أوجدها قدامة، وسار عليها الحاتمي في الحلية وفي الحالي العاطل وفي الموضحة، وتعلق بها النقاد تعلقاً ضيق الشقة الفاصلة بين النقد وعلم البلاغة، ولكن حاجة ابن وكيع إليها أثناء التطبيق كانت ضئيلة. وقد صرح ابن وكيع عن غايته من الحديث في أنواع البديع بقوله: " وقد قدمت لك من هذه الأقسام ما تقوى به معرفتك بنقد
стр. 284
الشعر، فائقه ومقصره، وأطلعتك على سرائر رذله ومتخيره، لتفاضل بين الشعر الأصيل وتنطق بعدل " (١) . ومن الطريف أن نجد أبن وكيع يتعلق هنا بتحديد أبن أبي عون لأقسام الشعر " أما أقسام الشعر فهي أما مثل سائر أو تشبيه باهر أو استعارة لفظها فاخر " (٢) ، فإذا تجاوزنا هذه اللفتة وجدنا فصله عن البديع مستمداً من ثلاثة مصادر: كتاب البديع لأبن المعتز وكتاب نقد الشعر لقدامة، فهو يورد أولاً مصطلحات أبن المعتز ثم يشفعها بما جاء به قدامة ويخلط ذلك بنقل عن مصدر ثالث لا يسميه وإنما يقول " ذكر ذلك بعض المحدثين " - والمعني هنا هو الحاتمي وكتابه " حلية المحاضرة " إذ ينقل في هذا الموطن قصة الأخفش حول مصطلح المطابقة، وهي ما أشرنا إليه فيما سبق؛ ولا يعجبه المصطلح أحياناً فيحاول أن يبتكر مرادفاً له، فلفظ التسهيم في نظره غير دال، ولذا فهو يسميه " المطمع " (٣) وينتقد " التتبيع " ويقول أنه أدخل في باب الإشارة، ويورد الاستثناء ثم يعلق على ذلك بأن أبن المعتز سماه تأكيد المدح بما يشبه الذم (٤) .
صلته بالحاتمي رغم تجاهله له وموقفه من قضية الكذب في الشعر
ولا ندري لم لا يصرح بذكر الحاتمي في كتابه، فإن صورة الحاتمي واضحة في " المنصف "؛ فقد ضلله الحاتمي بمفهوم " الاستعارة " عند ارسطو حين جعلها تعني " الأخذ " (٥) لا الفن التصويري، كما أن كثيراً من تعريفاته للفنون البديعية منقول عنه، وكشفه عن المعاني المسروقة في شعر أبي الطيب يلتقي فيه، في كثير من الأمثلة، مع الحاتمي. بل أن تقسيماته لضروب السرقة ينظر إلى ما صنعه الحاتمي، مما
стр. 285
أوردناه قبلاً. غير أنه يخالف الحاتمي في قضية " عذب الشعر أكذبه " فلا يتردد إزاءها، وإنما يقف منها بصراحة موقف قدامة، إذ يقول في الغلو أو الإغراق: " وطائفة من الأدباء يستحسنونه ويقولون أحسن الشعر أكذبه، والغلو يراد به المبالغة؟ بما يدخل في المعدوم ويخرج عن الموجود (وهذا قول قدامة) . وقد أبت طائفة من العلماء استحسان هذا الجنس لما كان خلاف الحقائق وخروجه عن اللفظ الصادق، قال أبو محمد: ما أتوا بشيء لأن الشعراء لا يلتمس من الخيار الصالحين وشهود المسلمين " (١) ؛ وقد كان في مقدوره اعتماداً على هذه القاعدة أن يقبل كثيراً من مبالغات أبي الطيب، وهي كثيرة حقاً في شعره، ولكنه وجد نفسه إزاءها مضطراً إلى إيجاد مقياس جديد: " وللشعراء مبالغتان: ممكنة ومستحيلة، والممكن أحسن عند كثير من الأدباء من المستحيل " (٢) مع أنه قبل رأي قدامة قبلاً في أن الغلو خروج عن الموجود إلى المعدوم.
الجهد المضني في البحث عن سرقات المتنبي
وما الحديث عن السرقات عامة وعن فنون البديع إلا توطئة، فأما غاية " المنصف " الأولى فهي إبراز سرقات المتنبي، وتلك غاية يريد ابن وكيع أن يلتزم بتحقيقها التزاماً دقيقاً لولا انه يخشى إذا هو تغاضى عن عيوب أخرى في شعر المتنبي كالغثاثة واللحن والإحالة أن يقال إنه غفل عنها لقلة تمييزه ولذلك فإنه سينبه إلى تلك العيوب، لئلا تلحق به تلك التهمة؛ ويرسم لنسفه منهجاً في الكشف عن السرقات:
١ - فهو لا يقف عند الأبيات الفارغات والمعاني المكررات المرددات إلا قليلاً لكي لا تظن به الغفلة عنها.
стр. 286
٢ - لا يذكر المعاني التي أكثرت الشعراء استعمالها كتشبيه الوجه بالبدر والريق بالخمر.
٣ - سيحكم عند كل سرقة ان كان المتنبي قصر في الأخذ أو ساوى فيها المأخوذ عنه او استحق المعنى المسروق دون قائله الاول، منبهاً على علة التقصير أو المساواة أو الزيادة.
وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية اتبع لدى التطبيق خطة منظمة، لا تشبه خطة الحاتمي القائمة على التذكر وتداعي الخواطر، وإنما تناول ديوان أبي الطيب قصيدة إثر قصيدة حسب الترتيب التاريخي لنسخة ديوانه المروية؛ وفي هذه الناحية لا يمثل " المنصف " كتاباً نقدياً وحسب، بل هو يفيدنا فائدة جليلة في تحقيق الترتيب الذي رآه للديوان، وهو مختلف عن الصورة التي نشرها الدكتور عبد الوهاب عزام في مواضع؛ يقول ابن وكيع: " أول شعر قاله أبو الطيب:
بأبي من وددته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
وافترقنا حولاً فلما التقينا ... كان تسليمه علي وداعا " وبعد ان ينقد البيتين، يقولك " يتلو هذين البيتين ثلاثة أبيات وهي:
أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني ... (١) . . . . . (الأبيات) وهكذا يستمر في إيراد القصائد على تواليها في النسخة التي كانت بين يديه؛ ولكن النسخة التي وصلتنا من المنصف مضطربة الأوراق، ومع أن إعادة ترتيبها ممكنة فإنها لا تزال تشكو نقصاً آخر، إذ إنها لا تمثل إلا شعر المتنبي حتى جزء من مرحلة السيفيات؛ فكأن هذه النسخة ليست إلا قسماً صغيراً من الكتاب؛ وعلى الورقة ١٤٧ ب إشارة إلى أن الجزء الأول قد كمل وبدا
стр. 287
الجزء الثاني، ولا ندري أهذه تجزئة أصيلة أم إنها من عمل النساخ، ولم يبق مما يمثل هذا الجزء الثاني إلا ورقات قليلة، كذلك نلاحظ أن ابن وكيع بعد بلوغه السيفيات، لم يعد يقف عند كل قصيدة على حدة بل أخذ يستخرج من كل واحدة أبياتاً وينقدها بسرعة، دون أن يشير إلى نقلته لقصيدة تالية.
وعلى الرغم من ذلك كله فإن ما تبقى من الكتاب يستطيع أن يقنعنا بان ابن وكيع قام بجهد مضن وعمل منظم، واستطاع أن يعرض علينا مبلغ محفوظه من الشعر، وهو كثير، ومبلغ اهتدائه إلى المعاني المتشابهة على نحو يفوق به الحاتمي، وكل من تمرسوا بدراسة السرقات الشعرية على نحو يفوق به الحاتيم، وكل من تمرسوا بدراسة السرقات الشعرية حتى عصره، ولكن بعد هذا الجهد المضني يصل القارئ إلى نتيجة محزنة: وهي أن شعر المتنبي (وربما كل شاعر في الكون) نوعان: شعر فارغ لا يوقف عنده، وشعر غير فارغ وهو يمثل المعاني المشتركة بينه وبين غيره من الشعراء، وأن هذا الاشتراك هو الذي يسمى سرقه، وهي ذات مستويات متفاوتة، فبعضها قائم على التقصير وبعضها على المساواة وبعضها على التفوق.
قصور المنهج القائم على تبيان السرقات عن خدمة النقد
ولسنا نقول إلى ابن وكيع وإضرابه قد أسرفوا في الميل إلى إظهار محصولهم من الحفظ لدى الكشف عن الشرقات، ولا أنهم تعسفوا في نسبة السرقة إلى الشعراء، إذ لو قلنا هذا القول لكنا نقر هذا المنهج النقدي، ونقتصر في تعقبه على بعض نتائجه؛ ولكنا نقول أن انتحاء هذا المنهج كان ضلالاً بعيداً في تاريخ النقد الادبي، واستهلاكاً لجهود كان من الممكن أن تثمر فيما هو أجدى واجدر. ذلك أن الانهماك في تبيان السرقة قد حجب عن أعين النقاد أموراً هامة؛ كيف يستطيع ابن وكيع أن يرى
стр. 288
مثلاً قيمة السخرية في قول أبي الطيب يصف رجلين قتلا جرذاً (١) ، وهو يفتش عن المعاني المسروقة فإذا لم يجدها قال " وبعد ذلك أبيات في جرذ قتله رجلان لو كان طرحها من ديوانه لاستغنى عنها، ولا يلتمس لمثلها استخراج سرقة لفراغها " (٢) ، وهل من الممكن أن نبحث من أين جاء المتنبي بقوله:
لا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محارب لا ينام ونحن نرى أن هذا تعبير عن مذهب في الحياة، مستقر في نفسه شاغل للبه فهو يملك عليه وجدانه، ذلك إننا إذا ذهبنا نبحث عن مصدر هذا المعنى فكأننا نقول أن نفس الشاعر لا تصلح أن تكون منبعه الطبيعي، وكأننا نحرم تجربته من أن تتجسد طواعية واختياراً في لون من ألوان التعبير دون إلمام بما قاله الآخرون؛ وإذا سلمنا بان اتساع دائرة المشاركة في المعاني قد جعل معاني الشعر الحقيقة بالنظر - كما يزعم ابن وكيع - هي التي تداولها الشعراء فيما بينهم في ألوان من الصياغة، فإن انصراف الجهد إلى تعقبها هو قصر النقد على البيت والبيتين، أي على جزئيات بأعيانها، وهو نزع للمعنى من سياق القصيدة، وصرف النظر عن قيمته في ذلك السياق، وإبعاد للنقد عن كل ما من شانه ان يقربه من تصور أي وحدة في الأثر الشعري الكامل، وليس عمل الناقد في هذا المقام إلا كعمل من يتناول أوراق الزهرة فيأخذ ينزعها واحدة إثر واحدة قائلاً على سبيل التفاؤل " نعم - لا، نعم لا " - أو (فارغ - مسروق، فارغ - مسروق) ، ولكنه لا يستطيع أن يدرك شيئاً من جمال الزهرة حال تناسق أوراقها، ولا تقع جريرة هذا
стр. 289
الاتجاه على ابن وكيع، غير أن النقاد قبله كانوا يجمعون عدداً من أبيات الشاعر، أما هو فإنه وقف عند كل قصيدة، فكأنه لم يحكم على معان متناثرة عند الشاعر، بل حكم على القصيدة بمقياس واحد لا غير هو السرقة، وجعل القارئ يظن أن هذا المقياس هو مدخله الوحيد لنقد أي عمل فني.
قبول أبي تمام والبحتري معاً لرفض المتنبي
وحين تناول ابن وكيع شعر المتنبي بالنقد، كان النقد الأدبي قد نقل دائرة اهتمامه الكبرى، وكانت هذه النقلة في أكثرها على يد الحاتمي؛ وبيان ذلك أن نقول: ان الصراع في النقد قبل الحاتمي كان قائماً حول المفاضلة بين أبي تمام والبحتري يتعصب لهذا فريق ولذاك فريق، فلما جاء الحاتمي، ووجد شخصية أدبية كشخصية المتنبي تستحق الهجوم في الأقل (مع التسليم بأنه شاعر كبير) ، قبل أبا تمام والبحتري قبول توفيق، وعدهما شاعرين كبيرين يلتقي تقديره عندهما دون تفرقة كبيرة بينهما، ووضع المتنبي إزاءهما ليقول إنه عالة عليهما فيما أحسن فيه، ولم يكن الناقد يحس حينئذ: لا بغرابة الجمع بين أبي تمام والبحتري ولا بمدى الزيف في موقعه من المتنبي لو ظهر على أثر المتنبي شاعر رابع كبير يستقل بطرقة لم يألفها ذوقه كثيراً من قبل، وإذن لكان - قياساً على ما سبق - يضم المتنبي إلى صف أبي تمام والبحتري ليتفرغ لمنازعة الشاعر الرابع المفترض، وهكذا يظل النقد يعبر عن ضيق صدره بكل مظهر جديد يرى فيه أي تزحزح عن مستوى الذوق المألوف مثلما ضاق صدر الآمدي بابي تمام عندما كان النقد يدور حول اثنين لا اكثر. ولقد علل ابن وكيع مغالاة المعجبين بابي الطيب في تفضيله بقوله: " والنفوس مولعة بالاستبدال والنقل، لهجة بالاستطراف والملل، ولكل جديد لذة، فلما كان شعره أجد فيهم عهداً، كانوا له أشد وداً " (١) ، ونسي أن هذا التعليل ذو حدين، وان النفرة من المذهب الجدي
стр. 290
أيضاً تعني الخوف من توسيع دائرة الذوق أو الإحجام عنه تمسكاً بالمألوف المعروف، وذلك لا يكلف صاحبه شيئاً، لأنه لا يضطره إلى جهد جديد.
غير أن ابن وكيع رضي أن يقع في أسر الحاتمي، أو في ذلك المجال الذي تحول فيه الذوق إلى أخذ أبي تمام والبحتري معاً، جملة لا تفصيلاً، ليقول أنهما أشعر من المتنبي: (لكنه بعد هذا لا يستحق التقديم على من هو أقدم منه عصراً وأحسن شعراً كابي تمام والبحتري واشباهما " هذا مع الإقرار - كما أقر الحاتمي - بأنه شاعر كبير: " عن القوم لم يصفوا من أبي الطيب إلا فاضلاً، ولم يشهروا بالتقريظ منه خاملا، بل فضلوا شاعراً مجيداً، وبليغاً سديداً ليس شعره بالصعب المتكلف ولا اللين المستضعف، بل هو بين الرقة والجزالة، وفوق التقصير ودون الإطالة، كثير الفصول، قليل الفضول " (١) ؛ وفي سبيل أن يثبت تدني منزلة المتنبي عن الطائيين أكثر - مثلما أكثر الحاتمي في المجلس الرابع من الرسالة الموضحة - من تبيان المعاني التي رسقها منهما بخاصة، وإذا كان البحتري وهو غزير الشعر لم يتجاوز ما سرقه من أبي تمام أربعمائة بيت حسب إحصاء ابن أبي طاهر، فإن المتنبي أربى على هذا العدد أو ساواه فيما أخذه من معاني أبي تمام وحده، فما ظنك بما أخذه من البحتري ومن غيره، هذا المتنبي ليس من المكثرين إكثار البحتري.
بيان إسفاف المتنبي بسرقة معاني المغمورين
ويمعن ابن وكيع خطوة أخرى وراء ما صنعه الحاتمي حين شاء عامداً أن يورد سرقات لأبي الطيب من شعراء مغمورين لا يدانون أبا تمام (والبحتري) أبداً، ليدل على ان هذا الشاعر كان يتخذ حطبه من أية غابة صادفها في طريقه، فليسمع أصحاب المتنبي الذين يجلون قدر صاحبهم عن السرقة من أبي تمام كيف أنه سرق معاني نصر الخبز أرزي " وأنا اعلم أن الإنكار يقع بي في سرقته من نصر لأنهم إذا كانوا يرغبون به عن السرقة ممن تقدم عصره
стр. 291
وعظم في النفوس قدره، كانوا ممن قارب عصره ولم يتناقل الأدباء شعره ارغب؛ وهذه الطائفة السامية بقدره، المفرطة في تعظيم أمره، عرفته بعد حظوته وارتفاع صيته ورتبته، ولم تعرفه وهو دقيق الخمول، وهو بمنزلة المجهول، وقد كان زمانه في هذه الحال أطول مسافة من زمانه في ارتفاع الحال ووجود المال الذي شهر اسمه، وأبان لهم فضله وعلمه " (١) .
محاولة الربط تاريخياً بين المتنبي والخبزرزي
ويخشى ابن وكيع أن يتهم هنا بالافتئات، فيسند إلى علي بن حمزة البصري رواية تدل على أن المتنبي كان في الدور الأول عالة على معاني الخبزرزي، وانه كان يحاكي قصائده، فيقول: " وأنا أورد عليك من خبره ما خبرني به أبو القاسم علي بن حمزة البصري - وكان من المجردين في صحبته والمغرقين في صنعته - ذكر انه حضر عند أبي الطيب وقت وصوله من مصر إلى الكوفة، وشيخ بحضرته فيه دعابة لا تقتضيها منزلة أبي الطيب في ذلك، قال: فرأيت أبا الطيب محتملاً لما سمعه، فقال له فيما قال: يا أبا الطيب، خرجت من عندنا ولك ثلاثمائة قصيدة، وعدت بعد ثلاثين سنة ولك مائة قصيدة ونيف من القصائد، أفكنت تفرقها على المنقطعتين من أبناء السبيل؟ فقال له: ألا تدع هزلك؟ قال: فأخبرني عن قصيدتك الشاطرية التي خرجت من أجلها إلى البصرة، حتى أظهرت فيها معارضتك الخبزرزي لم أسقطتها؟ فقال: تلك هفوات الصبا؛ قال: فسألت الشيخ: أتحفظ منها شيئاً؟ قال: فأنشدني أبياتاً عدة، قال أبو القاسم: فأمهلت أبا الطيب مدة حسن معها السؤال وخفي المقصد، فقلت له: أدخلت البصرة قط؟ قال: نعم، قلت: فأين كنت تسكن؟ فخبرني عن منزل أعرفه، كان الخبزرزي منه على أدوار يسيرة، أربع أو
стр. 292
خمس، فعلمت بان الشيخ قد صدق " (١) . ولا يضر المتنبي ان نتقبل هذه الرواية كاملة دون تشكيك في شيء منها، فإن دلالتها الهامة في نظرنا هي أن المتنبي ربما مشى في صغره وراء أضواء كاذبة، ولكنه لما نضج وعرف معنى الشعر الصحيح الحقيق بالخلود لم يتورع عن أن يسقط من شعره أكثره. غير أن الأرقام العددية فيها، لو شئنا أن نعدها صحيحة لا يقصد منها المبالغة لما أسعفنا على ذلك حقيقة القصائد الثابتة في ديوان المتنبي، فنحن نجد من شعره منذ ارتحل إلى ديار الشام حتى عودته من مصر إلى العراق ما يبلغ ٢٦٠ قصيدة ومقطعة، أو شيئاً قريباً من ذلك، فإذا كان قد قال ثلاثمائة قصيدة قبل أن يرتحل إلى الشام فمعنى ذلك أن ما قاله بعد رحلته مقارب لما قاله إقامته في الشام ومصر - وكلها سنوات مهيأة لقول الشعر - امتدت قرابة ثلاثين سنة، بينا لا تتجاوز سنوات الشعر في العراق قبل رحيله خمس سنوات، فهل يعقل أن يكون ما طرأ على المتنبي من تغير مفترض جعله يقول في ثلاثين سنة قدر ما قاله في خمس سنوات؟ ذلك أمر مستبعد.
متابعة الحاتمي في إثبات ضعف المتنبي في اللغة
ويقع ابن وكيع في مجال الحاتمي حين يحاول ان يقتفي خطواته في إثبات ضعف المتنبي في اللغة؛ فيعلق على قول المتنبي " أذهب للغيظ " بان افعل التفضيل لا يجوز من " أذهب " وإنما يجوز " اشد إذهاباً للغيظ " ويدلل على ضعفه في العربية برواية يسندها إلى شيخه أبي الحسن المهلبي، قال المهلبي: " حضرته في مجلس لبعض الرؤساء، وجرت مسألة في المذكر والمؤنث فقلت: قد يؤنث المذكر إذا نسبت لمؤنث (مثل: كما سرقت صدر القناة من الدم) فقال: من قال هذا؟ قلت: سيبويه؟. فقال: لا اعرف هذا ولعله مذهب البصريين ولا اعمل على قولهم، قال: فقلت: هذا في كتاب
стр. 293
ابن السكيت في المذكر والمؤنث، فقال: ليس ذلك فيه، فأخرجته من خزانة الرئيس الذي كنا عنده، فلما قرأه قال: ليس هذا بخط جيد، أنا اكتب خيراً منه، فقلت: ما جلسنا للتخاير بالخطوط، فانقطع في يدي " (١) . ويريد ابن وكيع ان يسوغ انصرافه إلى الكشف عن أخطائه في اللغة مع انه ليس أمراً داخلاً في منهجه العام، ولهذا يحدثنا أن موقفه ذلك كان أيضاً رداً على المتعصبين الذين ينكرون الخطأ اللغوي على المتنبي، يقول: " وأنا اعرف رجلاً تزيد محبته أبا الطيب على محبته أمه وأباه وقد ذكره فقال: أما اللغة فكان إماماً لم تضرب العرب بعصاً إلا وعنده منها خبر، وأما الشعر فإنه لسان الزمان لا ينطق أو يستأذنه، وأما النحو فهو فيه على مذهبه في النحو نحوي؟ " (٢) .
إيهامه بالموضوعية واختلافه في ذلك عن الحاتمي
غير انه يخالف الحاتمي في انه اقل منه اندفاعاً وانفعالاً، يتناول الأمور في هدوء يوهم بالموضوعية ويحاول أن يقصر حديثه على السرقة، ولذا تجده حين يروي قول المتنبي " وإن ظنوني في معاليك تظلع " يكتفي بأن يشير إلى موضع الأخذ من بيت لأبي تمام (٣) ، ولكنه لا يوضح موقفه من هذه الاستعارة، كما وضحها الحاتمي.
стр. 294
تشدده في فهم بعض الشعر
ثم هو يتشدد اكثر من الحاتمي في التضييق من حدود الفهم للمعنى، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تعليقه على قول المتنبي:
ورد إذا ورد البحتري شارباً ... بلغ الفرات زئيره والنيلا يقول: " وتعظيم زئيره جيد، وليس لصوت زئيره في الماء إلا ما له في البر مع عدم الماء، فكيف اقتصر على ذكر البحيرة والفرات والنيل، أتراه لا يسمع إلا في ماء " (١) ، وهذا تضييق في الفهم، فإن وحدة الصورة المائية على جمالها في البيت لا تعني أن زئير الأسد لا يسمع إلا في الماء، ولكنه إذا زأر عند بحيرة طبرية وصل صوت زئيره - في البر - حد الفرات شمالاً والنيل جنوباً.
ضيقه بالمغالاة التي تمس الناحية الدينية
وهذا الضيق يتملك ابن وكيع أيضاً إزاء الأبيات التي يلمح فيها شيئاً من المغالاة يمس الناحية الدينية مثل قول المتنبي:
يا أيها الملك المصفى جوهراً ... من ذات ذي الملكوت أسمى من سما
نور تظاهر فيك لاهويته ... فتكاد تعلم علم ما لن يعلمنا يقول في التعليق عليه " هذا مدح متجاوز، وفيه قلة ورع وترك للتحفظ لأنه جعله ذات الباري وذكر انه قد حل فيه نور إلهي " ولكن ابن وكيع نفذ إلى نقد دقيق للبيتين، فإن الألوهية التي حلت في الممدوح تجعل قوله " فتكاد لهم " - باستعمال لفظ المقاربة - قد ضيعت قيمة البيت الاول، والشعراء يبلغون بممدوحيهم عن طريق نسبة الحدس اللطيف إليهم أكثر مما بلغه المتنبي عن طريق إحلال الألوهية في ممدوحه (٢) . ويقف وقفة مشابهة
стр. 295
عند قول المتنبي:
أي محل ارتقي ... أي عظيم اتقي وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق ...
محتقر في همتي ... كشعرة في مفرقي فيقول: " هذه أبيات فيها قلة ورع؛ احتقر ما خلق الله وقد خلق الأنبياء والملائكة والصالحين، وخلق الجن والملوك والجبارين، وهذا يجاوز في العجب الغاية، ويزيد على النهاية؛ وقد تهاون بما خلق الله وما لم يخلق فكأنه لا يستعظم شيئاً مما خلق الله، وهو من خلق الله الذي جميعه عنده كشعرة في مفرقة، وهذا مما لا احب إثباته في ديوانه لخروجه عن وجه الكبر إلى حد الكفر " (١) .
نقده للمتنبي لأنه عاب الخمر، ونقضه لروح التدين التي اصطنعها قبلا
ومن الطريف أن نجد هذا الناقد المتحرج يهاجم المتنبي دفاعاً عن الخمر، فالمتنبي أكره على الشرب ذات مرة، ثم لما عاد إلى بدر بن عمار في الصباح أراده على الصبوح فاعتذر وقال (٢) :
وجدت المدامة غلابة ... تهيج للقلب أشواقه
تسيء من المرء تأديبه ... ولكن تحسن أخلاقه
وانفس مال الفتى لبه ... وذو اللب يكره إنفاقه
وقد مت أمس بها موته ... وما يشتهي الموت من ذاقه فهو يعبر عن مذهب خاص في نظرته إلى الشراب، ولكن ابن وكيع، وكان مولعاً بالخمر، لا يعجبه هذا الموقف، فهو يعلق على البيت الثالث بقوله:
стр. 296
" ولا اعرف شيئاً دعا الناس إلى محبة الشراب إلا ما نعلمه من إنفاق العقل الذي إذا ذهب الليلة عاد غداً، وقد أوجد ربحاً من السرور تنتهز فرصته وتحلو لذته، فقد كره أبو الطيب ما احبه الناس، هذا مع فضائل يكثر عددها، وتتواتر مددها، منها ما يفعله الفرح في الجسم من زيادة اللحم والدم؟. وربما بلغ السكر بالشارب العاقل إلى غاية لا ترضى لصغار الغلمان وخساس العبدان، ولكن لها ساعة تقل هذه البلايا في جنبها، وتحمل على معاودة شربها، وهي الحان التي كرهها أبو الطيب " (١) . وحسبك أن يبلغ النقد الأدبي حد التدخل في هذه الشئون، التي ينكر الناقد فيها على الشاعر تجربته الذاتية، ويحاول أن يضع هو تجربته الخاصة موضعها لتكون مقياساً للآخرين.
الشاعر مطرب ولا يعيبه عدم معرفة اللحن
ومن كانت هذه حاله لا نستكثر عليه أن يضيق أيضاً غاية الشعر جملة فيقول: " وأيضاً فإن أشعار المحدثين لا يراد منها استفادة علم، وغنما تروي لعذوبة ألفاظها ورقتها وحلاوة معانيها وقرب مأخذها؟ وغنما تكتب أشعارهم لقربها من الإفهام، وأن الخواص في معرفتها كالعوام، فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت المطرب يستميل أمة من الناس لاستماعه، وان جهل اللالحان وكسر للأوزان، وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغنى الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت، يعرض عنه إلا من عرف فضله، على انه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس اللذات إنما يجعل معلماً للمطربات من الفتيات يقومهن بحذقه؟ " (٢) ؛ وهذا حكم يدل على نزول الشاعر على روح العصر، فما دام الناس لا يمكن أن يفقهوا الغوص على المعاني، والأساليب التي تنتحل جزالة البداوة (وينتقصها ابن وكيع بتسميتها الشعر الحوشي) فليقدم لهم الشاعر شيئاً سهلاً بسيطاً فيه عذوبة
стр. 297
في اللفظ ورقة وحلاوة وقرب مأخذ؛ ومن الغريب أن يكون صاحب هذا الموقف ممن يقدمون أبا تمام. على أن التشبيه الذي استغله ابن وكيع هنا ذو دلالة قيمة: فالشاعر الذي يريده جمهور النصف الثاني من القرن الرابع المطرب الذي لا يعرف قواعد الألحان، ولكن صوته جميل، والشاعر الآخر كالملحن الذي لا يجمع مع معرفته بالألحان صوتاً جميلاً، وقد قلت حاجة الجمهور إلى الملحن وأصبحت مستغنية بالمطرب، " ولا سيما مع زهد الناس في الأدب في هذا العصر " (١) ، ولأول مرة نجد النقد يتطلب من الشاعر ان يلبي الذوق العام، لا ما أقره العرب - كما فعل الآمدي - ولا ما تريده الطبقة المثقفة - كما نلمح عند قدامة وابن طباطبا والحاتمي.
ما ابعد " المنصف " من الإنصاف
ذلك هو ابن وكيع في مجمل مذهبه النقدي، ونحن إذا استثنينا سلطان الحاتمي على تصوره للسرقات وجدنا مصادره في هذا القسم من كتابه تضم روايته عن ابيه، وما قراه في رسالة ابي العباس النامي، ومروياته عن شيخه المهلبي، وبعض قراءاته لشروح ديوان المتنبي، ومن بينها شرح يرى في تفسيرات صاحبه عقلية نحوية (٢) ، ولعله يشير هنا إلى ابن جني. أما فيما عدا ذلك فإن أكثر نقده دراسة مستأنية لكل قصيدة في نسخة خاصة من ديوان أبي الطيب. ولكل ما سبق لسنا نستغرب ان يقول ابن رشيق في المنصف: " ما أبعد الإنصاف منه " (٣) وان نجد ابن جني يؤلف " النقض على ابن وكيع في شعر المتنبي وتخطئته " (٤) ؛ وأن يصفه ابن القارح بأنه " حاف على المتنبي " (٥) .
стр. 298
ولسنا نقول إن ابن وكيع لم يدفع بالنقد الأدبي إلى الامام، ولكنا نقول إنه كان محكوماً في نقده بمماحكات المعجبين والأنصار، مقيداً بكونه شاعراً ذا مذهب في الشعر والحياة مخالف لمذهب أبي الطيب، مغيظاً بسبب عدم التوازي في الشهرة، ولذلك أقام مقاييسه على نظرة متفاوتة، فهو مثلاً يعذر أبا نواس إذا اخطأ؟ لأنه مطبوع لا يطيل في شعره تكرير نظره ولا يكد فكره، إلا انه لا يعذر من لا تظهر له قصيدة إلا في الزمان الطويل (١) ؛ ولكن من ذا الذي منع ابا نواس من أن يكرر النظر ويصلح الخطأ؟ وكيف يكون موقف ناقد يبذر التسامح هنا ويحرمه هناك، والخطأ موجود في الحالين؟ ان ابن وكيع بحاجة إلى من يسامحه في انتحائه هذا المذهب النقدي.
القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (- ٣٩٢)
اشتداد المعركة حول المتنبي
لم تهدا العاصفة النقدية حول المتنبي، فقد رأينا ما أثاره شرح ابن جني من نقد وردود، ثم ما أثاره " المنصف " لابن وكيع من معاودة ابن جني للكتابة في الموضوع نفسه، ومضى النقاد في ذلك شوطاً آخر فكتب أبو الحسن احمد بن محمد الأفريقي المعروف بالمتيم (٢) كتابه " الانتصار المنبي على فضل المتنبي " وبقية الانتصار وكتاباً ثالثاً سماه " التنبيه على رذائل المتنبي " (٣) وهذا الموقف ربما أشار إلى محاولة في التوسط والإنصاف. وكتب حمزة بن محمد الاصفهاني رسالة في " كشف عيون (٤) المتنبي ". وهذه الكتب المذكورة
стр. 299
لا تزال في صدر الغيب وغنما نذكرها استكمالاً للصورة العامة، دون أن نستطيع الحكم على ما فيها (١) .
ظهور الوساطة في المعركة وعلاقتها بما ألف حول المتنبي
وقد توحي هذه المؤلفات بان الجو كان صالحاً لظهور كتاب " الوساطة " ليكون بمثابة التوفيق بين الطريفين، والاصطلاح بين الخصمين، ولكنا لسنا على يقين من أن هذه المؤلفات جميعاً سبقت " الوساطة " في الظهور؛ كل ما يمكن ان نرجحه أن رسالة النامي وجبهة الأدب للحاتمي ثم الموضحة، ظهرت قبل كتاب القاضي الجرجاني، وقد نضيف إلى هذه الرسائل رسالة الصاحب بن عباد، لان الجرجاني حين اخذ يعد ما أورده خصوم المتنبي من عيوب ادرج جميع ما أورده الصاحب على نحو يوحي بأنه أطلع على تلك الرسالة؛ كذلك نستطيع ان نرجح بان الجرجاني اطلع على شرح ابن جني لديوان المتنبي، فهو يستشهد بما قاله أبو الطيب حول استعماله " سداس "، وهذا مما كان ابن جني يسأل المتنبي عنه؛ كذلك فإنه حين يقف عند لفظة " مخشلب " يعتذر عنها باعتذار يشبه ما جاء به ابن جني (٢) ؛ وإذا صحت نسبة " رسالة في كشف العيون " لحمزة الأصفهاني المؤرخ المعروف فلابد من ان تكون قد ألفت قبل الوساطة لان حمزة توفي سنة ٣٦٠؛ أما كتب المغربي فلا ندري متى كتبت، وأما رد أبي القاسم الاصفهاني على ابن جني فمن الواضح أن الجرجاني لم يطلع عليه، وأنه مما ألف بعد الوساطة. وأما
стр. 300
كتاب المنصف لابن وكيع فقد رجحنا أن يكون مما ألف بعد سنة ٣٨٠ وإذا كان الجرجاني قد أطلع عليه، فيكون تاريخ الوساطة مما تأخر تأليفه، وهنا قد يجوز لنا أن نفترض أنه ألف بعد وفاة الصاحب، ولدينا في المنصف نص يكاد يتكرر في الوساطة، ففي المنصف عند قول المتنبي:
جللاً كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح " هذا بيت فيه عيوب منها: حذف النون من يكن لأنها قوية بالحركة اللازمة لالتقاء الساكنين، وعيب آخر أنه حذفها مع الإدغام وهذا غير معروف، لأنه قيل في بني الحارث بلحارث ولم يقل في بني النجار بلنجار، وها هو قد قال: فليك التبريح فحذف مع الإدغام، ولم يكن علمه بالعربية طائلاً؟ وفي البيت عيب ثالث: وهو تباعد نصفه من نصفه حتى لا جوار بينهما فضلاً عن المناسبة ولا تعلق لهما بشيء غير المقارنة " (١) وقال الجرجاني: " فمما أنكره عليه أهل العلم واستضعفوه قوله (جللاً كما بي؟ البيت) فقال أهل الإعراب: حذف النون من تكن إذا استقبلها اللام خطأ؟ وأنكر أصحاب المعاني قطع المصراع الثاني عن الأول في اللفظ والمعنى؟ " (٢) فإذا لم يكن هذا محصولاً عاماً للنقد الذي دار حول المتنبي في دور مبكر ثم أخذه الجرجاني وأبن وكيع، كل على حدة، فإن أحد الرجلين قد أخذ من الآخر، وليس القول بأسبقية المنصف أحق بالقبول من القول بأسبقية الوساطة في الزمن.
стр. 301
الحاجة ملحة إلى الناقد المعتدل
غير أن الكتب التي ألفت قبل الوساطة، إذا لم تستطع أن توحي بأن الجو كان مهيأً للتوفيق والمصالحة، فإنها لا تنفي أن الجو العام - وعلى الأخص جو المجادلات الشفوية - كان خير تربة صالحة لنمو الناقد المعتدل؛ ونحن نستأنس هنا بشهادة القاضي الجرجاني نفسه، فهو رجل مصدق لأنه يحب أن يأخذ بأسباب النزاهة؛ فالجرجاني يحدثنا أنه منذ أن خالط أهل الأدب وجد الناس في المتنبي فريقين، يكاد التوفيق بينهما يعد صيحة في واد: " من مطنب في تقريضه منقطع إليه بجملته منحط في هواه بلسانه وقلبه يلتقي مناقبه إذا ذكرت بالتعظيم، ويشيع محاسنه إذا حكيت بالتفخيم، ويعجب ويعيد ويكرر ويميل على من عابه بالزراية والتقصير، ويتناول من ينقصه بالإستحقار والتجهيل؟ وعائب يروم إزالته عن رتبته فلم يسلم له فضله، ويحاول حطه عن منزلة بوأه إياها أدبه، فهو يجتهد في إخفاء فضائله وإظهار معايبه وتتبع سقطاته وإذاعة غفلاته " (١) .
أهل الاعتذار
كلا الفريقين كان يحمل للمتنبي اتهاماً، فأهل الانتصار يرفعون المتنبي إلى منصة العصمة، ويخرجونه من نطاق الإنسان الذي يجوز عليه الخطأ، وأهل الإستحقار ينفونه من نطاق الأديب الذي يجوز له الفضل؛ فالموقف يتطلب فريقاً ثالثاً يسمى " أهل الاعتذار "، يردون الشاعر إلى القطيع الإنساني ويعودون به إلى الحظيرة. وقد كان ذلك سهلاً على الناقد إذا كان قاضياً عادلاً، وسهلاً على القاضي إذا كان ناقداً ضليعاً. وكان التوفيق عودة إلى ظلال الهدوء، وإيماناً بالوسط الذهبي في الفضيلة، وإحقاقاً للطبيعة الإنسانية في أرتفاق المحاسن والمساوئ، وعودة إلى مبدأ " ي الرجال المهذب؟ ". ولكن التوفيق يبدأ بالقول: " أي الشعراء لم يغلظ " ويتدرج منه إلى التسليم
стр. 302
بكل الأخطاء التي يوردها الخصوم؛ وبما هو أكثر منها، في سبيل أن يعود هذا الفريق - في حالة من مراجعة الضمير - إلى تقبل ما يسميه فريق الأصدقاء فضائل، دون محاولة إحصائية كالتي حاولها الآمدي، وإنما لإقرار الحق، تكافؤاً كانت النتيجة أو رجحاناً للحسنات أو رجحاناً للسيئات؛ لا فرق، ما دمنا قد وصلنا إلى أن نعترف بكفتي الميزان قائمتين على نحو من التقارب دون انتفاء إحداهما.
لماذا نجح الجرجاني في التوسط حيث أخفق الآمدي
وقد كان المتنبي نفسه - كما صوره الحاتمي - هو الذي فتح هذا الباب ليدخل منه القاضي الجرجاني، فهو يقول للحاتمي: " فهؤلاء المبرزون في حلبات الشعر السابقون إلى حلو القول ومره والذين وقع الإجماع على تقدمهم في ضروبه وفتحهم ما استغلق من أبوابه ليس منهم إلا من قد طعن على شعره ومن قد أخل بالإحسان مع تناصر إحسانه؟ الخ " (١) ؛ ويقول له في موضع آخر: " من هذا الذي تعرى من الاتباع والاحتذاء " (٢) ، ولو لم يكن الحاتمي مأخوذاً بحدة الانفعال لتنبه إلى هذا الذي تنبه له القاضي الجرجاني، وهو موقف نساني ليس من الصعب أن يتنبه المرء له، ولكن ربما كان من الصعب تطبيقه. ولهذا نستطيع أن نقول إن الجرجاني أبدى قدرة فائقة في الموقف النقدي، فكان بذلك جديداً في تاريخ النقد، وبيان ذلك أننا حيث وجدنا النزاع النقدي قائماً حول أديب واحد، أو دائراً في نطاق المفاضلة بين أديبين، فقد طالعنا دائماً العجز عن التوسط بسبب الميل المتأصل في طبيعة الذوق، وقد حاول الآمدي أن يكون منصفاً في الحكومة بين البحتري وأبي تمام فعجز عن ذلك رغماً عنه، وما كان الآمدي إلا معلماً للجرجاني، فنجح الآمدي نظرياً فقط بينا نجح تلميذه في منهجه نظرياً
стр. 303
وعملياً. أما في الآراء والنظرات النقدية فإن الجرجاني لم يأت بشيء جديد، وإنما التقت عنده أكثر الآراء والنظرات السابقة فأحسن استغلالها في التطبيق والعرض.
المقايسة هي المنهج المفضل لا الموازنة
ومثلما كانت " الموازنة " هي مهمة الناقد الكبرى عند الآمدي، كانت " المقايسة " هي المبدأ الكبير في نقد الجرجاني؛ فالناقد الذي يتحرى الإنصاف قبل أن يفرد عيوب شاعر أو حسناته بالتمييز عليه أن يقيسه على ما كان في تاريخ الشعر والشعراء، فلا يستهجن خطأه في اللفظ لأنه قلما تجد شاعراً سلم من هذا الخطأ، ولا يستنكر خطأه في المعنى فكم عدد العلماء من صنوف هذا الخطأ في شعر الأقدمين (١) ، ولا يسقطه بسبب التفاوت في شعره، ولينظر إلى أكابر الشعراء مثل أبي نواس وأبي تمام، وليحكم هل خلا شعرهم من تفاوت (٢) .
موقف الجرجاني من العلاقة بين الدين والشعر
وعلى الناقد أن لا يعيبه بسبب العقيدة الدينية " فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر لوجب أن يمحي اسم أبي نواس من الدواوين ويحذف ذكره إذا عدت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وأبن الزبعري وأظرابهما ممن تناول الرسول ﷺ بالهجاء وعاب من أصحابه بكماً خرساً وبكاء مفجمين، ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر " (٣) ، وهذا الفصل بين الدين والشعر موجود من عهد بعيد في تاريخ النقد العربي، ولكن الجرجاني قد وضعه بشكل واضح لا يتحمل لبساً.
стр. 304
موقف الناقد من الإفراط
كذلك ليس للناقد أن يعيب إقبال المحدثين على الإفراط، لا لأن له وحسب رسوماً إذا لم يتجاوزها الشاعر جمع بين القصد والاستيفاء بل لأن المحدثين يقاسون على ما فعله الأقدمون، فقد رويت عنهم أشعار فيها الإفراط والغلو لو تصدى أحد لجمعها لوصفت بالكثرة ثم " وجد من بعدهم سبيلاً مسلوكاً وطريقاً موطأ فقصدوا وجاروا واقتصدوا وأسرفوا، وطلب المتأخر الزيادة واشتاق إلى الفضل فتجاوز غاية الأول؟ " (١) . ولا يغيبن عن البال أن هذه المقايسة لا تعني قبول الخطأ، وإنما يراد منها التوصل إلى الإقرار بان ذلك الخطأ ظاهرة مشتركة موجودة في كل العصور وعند كل الشعراء: " ولسنا نذهب بما نذكره في هذا الباب مذهب الاحتجاج والتحسين، ولا نقصد به قصد العذر والتسويغ، وإنما نقول إنه عيب مشترك وذنب مقتسم فإن احتمل فللكل وإن رد فعلي الجميع؛ وإنما حظ أبي الطيب فيه حظ واحد من عرض الشعراء، وموقعه منه موقع رجل من المحدثين " (٢) .
مزالق المقايسة وأخطارها
وقد تكون المقايسة ذات غناء كبير في الوصول إلى الحق وإنصاف شاعر مظلوم، اعني أنها قد تنفع في استنزال المتطرفين عن تطرفهم، ولكنها تنطوي على مزالق وأخطار، منها التعميم: فإن امرأ القيس إذا قال " فاليوم اشرب " - بتسكين الباء - لم يكن قوله في زمنه ليعد خطأ، وإنما هو خطا بنسبة ما اقتضاه وضع قواعد النحو بحسب الأغلب من بعد، وكذلك قل في جميع الأمثلة التي أوردها الجرجاني في باب الخطأ اللفظي؛ أما المتنبي فإنه يتعلم اللغة التي حددتها القواعد بعد هذه المرحلة التاريخية، فخطوه
стр. 305
ليس من جنس ما عد كذلك في حال امرئ القيس أو ذي الخرق الطهوي أو الفرزدق. وعد " اشرب " وأمثالها يدل على ان القاضي الجرجاني لم تكن لديه أية فكرة عن اختلاف اللهجات وتطور الاستعمال اللغوي. كذلك فإن كثيراً من الأخطاء المعنوية تشير إلى مرحلة حضارية خاصة: مثل " لو يقوم الفيل أو فياله " فنسبة القوة إلى الفيال توهم خالص ممن لم ير فيالاً أو فيلاً؛ ومثل " ولم تذق من البقول الفستقا "، قول لا يصدر إلا عمن سمع بشيء اسمه الفستق ولم يره، وهذا كثير، لا يقاس عليه حال الشاعر الذي اتسعت لديه مجالات الحضارة. ومن أخطار القياس أيضاً الإيهام المنطقي: كقياس حال العقيدة وعلاقتها بالشعر، فلو أن ناقداً قال للجرجاني من موقف مخالف له: أنا لا أطالب الجاهلين بمقاييس دينية إسلامية وهم قد عاشوا قبل الإسلام ولكني أنكر على المتنبي مثلما أنكر على أبي نواس أن يصدمني أحدهما أو كلاهما في شعوري الديني، لكان موقفه طبيعياً منسجماً تمام الانسجام مع مشاعره، ولما صح للجرجاني قياس المتنبي على الجاهليين. كذلك فإن قياسه على أبي نواس غير مقنع، لان ما يصدم المشاعر الدينية أو الوطنية أو العقائدية إجمالاً ليس من قبيل الخطأ في الاستعارة أو الإفراط في الشعر، إذ الأول يتطلب من الناقد جهداً بالغاً للفصل بين مجالين والثاني يتطلب منه لباقة في التوجيه والتفسير. وقل في الناس من يستطيع أن يتجرد من علاقاته المبدأية ليباشر الحكم على الشعر من زاوية فنية خالصة. فالصدمة في هذا المجال لا تعالج بالمقايسة.
انتهاء المقايسة عند الباب المسدود
وقد تنتهي المقايسة كما انتهت الموازنة عند الحاجز الذي يفصل بين الواقع والغيب، أو بين ما يعلل وما لا يعلل، بل لقد انتهت كلتاهما إلى ذلك حقاً، فوقف الجرجاني، كما وقف الآمدي من قبل - بعد أن أقر يالعيوب في شعر المتنبي وعدد أنواعها من غلط ولحن واختلال وإحالة وتعسف وغثاثة وركاكة وإفراط في الاستعارة وإكثار لذا الإشارية وتعقيد في التركيب؟ الخ؛
стр. 306
وقف وتساءل: كيف يمكن الاتفاق على الجيد من شعر المتنبي؟ أليس في مقدور الخصم أن يلحق بعض ما أعده جيداً بالرديء؟ هذا باب " يضيق مجال الحجة فيه، ويصعب وصول البرهان إليه، وإنما مداره على استشهاد القرائح الصافية والطبائع السليمة التي طالت مارستها للشعر فحذفت نقده وأثبتت عياره وقويت على تميزه وعرفت خلاصه " (١) وهذا عين ما قاله الآمدي أيضاً حين وجد أن بعض الجيد يدق دون تعليل ما فيه من جودة، وقال بأن الناقد هو الذي يرضى قوله في مثل هذا دون أخذ ورد. ولكن الجرجاني اكثر تواضعاً من الآمدي، رجاء البلوغ إلى غايته الكبرى وهي اكتساب ثقة الخصم، ولذلك تراه يعقب على هذه اللفتة الآمدية بقوله: " وما أنكر أن يكون كثير مما عددته من هذه الأبيات ساقطة عن الاختيار غير لاحقة بالإحسان، وان منها ما غلب عليه الضعف، ومنها ما اثر فيه التعسف، ومنها ما خانه السبك فساء ترتيبه وأخل نظمه؟ ولكن الذي أطالبك به وألزمك إياه ألا تستعجل بالسيئة قبل الحسنة، ولا تقدم السخط على الرحمة، وغن فعلت فلا تهمل الإنصاف جملة وتخرج عن العدل صفرا " (٢) ؛ ومن هذا يتضح لنا أن مبدأ " المقايسة " يصلح إلى حد لا يتجاوزه، فإذا جاء الدور الإيجابي في فحص الشعر رجاء استكشاف خواصه ومميزاته الفارقة بطلت المقايسة واضمحلت، وهذا ما كان الجرجاني على وعي تام به حين قال: " والشعر لا يحبب إلى النفوس بالنظر والمحاجة، ولا يحلى في الصدور بالجدال والمقايسة، وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة ويقربه منها الرونق والحلاوة؛ وقد يكون الشيء متقناً محكماً ولا يكون حلواً مقبولاً، ويكون وثيقاً وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً " (٣) ؛ وقد كرر الجرجاني هذا بعبارة أخرى فقال: " وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن وتستوفي أوصاف الكمال وتذهب في الأنفس
стр. 307
كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناصف الأجزاء وتقابل الأقسام وهي أحظى بالحلاوة وأدنى إلى القبول واعلق بالنفس وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم - وان قايست واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً ولما خصت به مقتضياً (١) ".
الناقد البصير هو الذي تحدث عنه الآمدي
ليس الجمال في الاعتدال الذي نص عليه ابن طباطبا، وإنما هو شيء وراء متطلب التعليل، لا يدركه إلا الناقد البصير، وليس من الحق أن نسأله إيراد العلة في كل شيء، وهذا هو الناقد الذي أرادنا الآمدي أن نطمئن إلى حكمه، كما نطمئن في كل صناعة إلى حكم أهلها. ويحتاج هذا الناقد عند الجرجاني - كما احتاج عند الآمدي - إلى الرواية (الثقافة) والدراية (المران والدربة) والفطنة ولطف الفكر (الموهبة) ، أو يحتاج بإيجاز إلى " صحة الطبع وإدمان الرياضة " (٢) . وبهذا يرتفع الناقد على مستوى الرجل العادي الذي يسهل عليه أن يدرك الوزن والأعراب واللغة، والجناس والمطابقة والبديع والمعنى الغامض؟ الخ، ويكون قميناً بالفصل في شيئين (١) العيب الخفي (٢) والجمال الخفي؛ فيهتم " باختلاف الترتيب واضطراب النظم وسوء التأليف وهلهلة النسج " ويقابل بين الألفاظ والمعاني ويسبر النسبة فيها (٣) ؛ ولكنه لن يستطيع ذلك إذا استنام إلى دواعي العصبية، فهي تحجب عن بصيرته مجال الرؤية الصحيحة وتحسن له الميل مع الهوى.
فالناقد عند الجرجاني هو الناقد نفسه عند الآمدي، ومنطقة ما لا يعلل ويتحاكم فيه إلى الطبع النقدي مشتركة عند كليهما، إلا إنها أوسع لدى الجرجاني مما هي لدى الآمدي، وسبب ذلك هو الفرق بين المقايسة والموازنة،
стр. 308
فالمقايسة تمهيد للحكم أما الموازنة فإنها تدخل في طبيعة الحكم نفسه، أو كذلك شاء لها الآمدي. وليس للاختلاف في الطريقة اختلفت النتائج، وإنما لاختلاف طبيعة الرجلين، واختلاف طبيعة الموقفين، فإن حذر الجرجاني وتوفيه ومحاولته التسامح الكثير ونفوره من التعليق الساخر، ومن الاعتداد بالميل الذاتي، هو الذي جعل " الوساطة " تفترق عن " الموازنة ". كذلك فإن طبيعة الوساطة نفسها - رغم احتوائها على عناصر المفاضلة - ليست كالموازنة الخالصة في طبيعتها. لان الموازنة هي قسمة النظر بالتساوي بين شاعرين، أما الوساطة فلا تتطلب ذلك دائماً لان خصوم المتنبي ليسوا دائماً شعراء.
الجرجاني يحدد عناصر عمود الشعر
ومع ذلك فإن دين الجرجاني للآمدي كبير، لأنه قد تمثل آراءه بحذق وذكاء، دون أن يذكر الآمدي مرة واحدة: فقد رأينا كيف حام الآمدي حول ما أسماه " عمود الشعر " وحدده في الأغلب بالصفات السلبية، اعني انه ما جانب كثيراً مما تورط فيه أبو تمام: كالتعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام واستنكراه المعاني والأبعاد في الاستعارة، مما لو عكسته لأصبح صفات للبحتري، فتناول الجرجاني هذا كله ووضعه في صورة إيجابية فإذا عمود الشعر ذو أركان محددة، وهي:
١ - شرف المعنى وصحته.
٢ - جزالة اللفظ واستقامته.
٣ - إصابة الوصف.
٤ - المقاربة في التشبيه.
٥ - الغزارة في البديهة.
٦ - كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة.
стр. 309
قال: " ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض " (١) ؛ وقد كان الآمدي صريحاً في موقفه حين وجد أبا تمام قد خرج في محاولته على عمود الشعر، أما الجرجاني فلم يصرح عن رأيه في صلة المتنبي بعمود الشعر، غير انك تلمح من طرف خفي أن الشروط الستة التي وضعها تنطبق على المتنبي تماماً، فإذا طالعته بمعنى مستكره أو وصف غير مصيب أو استعارة مفرطة، دعاك إلى أن لا تحكم ببيت على أبيات، وبشاذ مفرد على مستو غالب. على أن الآمدي رفض اعتبار توليد المعاني أساساً في الشعر (٢) ، ولو أخذنا رأيه ذاك على علاته، لوجدنا أبا الطيب أربى على أبي تمام وعلى كل شاعر آخر في هذا الباب، ومع ذلك فإن الجرجاني خرج من هذا المأزق بقوله: " شرف المعنى وصحته "، فلم يعد من فرق بين أبي تمام والمتنبي إلا في التزام الأول منهما - في إسراف - كثرة التجنيس والمطابقة والاستعارة المفرطة، وعلى هذا فغن الجرجاني كان يتصور أن الصنعة البديعية هي الفارق الوحيد بين ما يسمى " عمود الشعر " وما هو خارج عنه، أما عند الآمدي فقد كان الفرق بينهما أكبر من ذلك بكثير، إذ لو سلمنا بحكم الآمدي، لكان المتنبي في هذا الموقف كأبي تمام.
اعتماد الجرجاني على الآمدي في قضية السرقات
كذلك اعتمد الجرجاني آراء الآمدي في مشكلة السرقات ولكنه طورها وأمعن في التدقيق والتحليل. وفي سبيل أن نتذكر ما قاله صاحب الموازنة نعيد مجمل رأيه في هذه القضية: فهو قد ذهب إلى أن المعاني المشتركة التي شاعت بين الناس لا يعد تداولها سرقاً، وأن التشابه في الألفاظ ليس من الشرقة في شيء، على أساس هذين المبدأين رد الآمدي كثيراً من السرقات التي
стр. 310
حشدها ابن عمار وابن أبي طاهر وغيرهما. وقد صنع الجرجاني صنيعه فتعقب ما أخرجه أحمد بن أبي طاهر وابن عمار من سرقات أبي تمام وما تتبعه بشر بن يحيى على البحتري ومهلهل بن يموت على أبي نواس، واستخرج من دعاواهم أشياء مضحكة حقاً، لان الشبه فيها عارض أو لفظي أو لأنه لا شبه بين السارق والمسروق إطلاقا (١) ، وقرر ما قرره الآمدي نفسه وما قرره غير الآمدي من أن " السرق - أيدل الله - داء قديم وعيب عتيق وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته ويعتمد على معناه ولفظه، وكان أكثره ظاهراً كالتوارد الذي صدرنا بذكره الكلام وإن تجاوز ذلك قليلاً في الغموض لم يكن فيه غير اختلاف الألفاظ، ثم تسبب المحدثون إلى إخفائه بالنقل والقلب وتغيير المنهاج والترتيب؟ " (٢) ويميل الجرجاني إلى الاعتذار عن المتأخرين لأن المتقدمين استغرقوا المعاني: " ومتى أجهد أحدنا نفسه وأعمل فكره وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريباً مبتدعاً ونظم بيت يحسبه فرداً مخترعاً ثم تصفح عنه الدواوين لم يخطئه ان يجده بعينه أو يجد له مثالاً يغض من حسنه. ولهذا السبب اخطر على نفسي ولا أرى لغيري بت الحكم على الشاعر بالسرقة " (٣) . وقد تعرض الجرجاني لهذه القضية في موضع آخر وهو يدافع عن الشاعر المحدث: " فإن وافق بعض ما قيل أو أجتاز منه بأبعد طرف قيل: سرق بيت فلان، وأغار على قول فلان، ولعل ذلك البيت لم يقرع قط سمعه، ولا مر بخلده، كأن التوارد عندهم ممتنع، واتفاق الهواجس غير ممكن! " (٤) . لقد أوحى الآمدي بأنه يكره الحديث في السرقة لأنه لا يراها - وكذلك من قبله من العلماء - عيباً كبيراً على الشاعر؛ وها هو الجرجاني يرقى إلى القول
стр. 311
بأنه لا يسمح لنفسه ولا لغيره البت في الحكم بالسرقة، فربما قيل إن هذا الشاعر أخذ هذا المعنى من فلان، ولم يكن سمع بفلان هذا ولا معناه؛ وكان حقيقاً بهذين الناقدين الكبيرين ان يطرحا هذا الموضوع من أبواب النقد، ولكنهما انساقا وراء العرف الجاري، وما كانا يدركان أن السرقة ستصبح على يد ابن وكيع والعميدي وأضرابهما هي المحك الأكبر الذي يرتفع به الشاعر أو يسقط.
ولهذا الانسياق وراء العرف وجدنا القاضي الجرجاني يجعل الاهتداء إلى السرقة وتمييز صنوفها من عمل جهابذة الكلام ونقاد الشعر الذين يستطيعون (أن يميزوا بين السرق والغصب والإغارة والاختلاس والإلمام والملاحظة، والمشترك الذي لا يجوز ادعاء السرق فيه، والمبتذل الذي ليس أحد أولى به، وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المعتدي مختلساً سارقاً والمشارك له محتذياً تابعاً؟ " (١) .
فأما المعاني المشتركة التي لا تجوز نسبة السرق إلى صاحبها فمثل التشبيهات المتداولة المبتذلة كتشبيه الجواد بالغيث والبحر والبليد البطيء بالحجر والحمار، ومثل ما كثر تداول من تشبيهات القدماء كتشبيه الطلل المحيل بالخط الدارس. والظعن المتحملة بالنخل، وعلى هذا فالمشترك نوعان: (١) نوع عام يعرفه كل إنسان معرفة بديهة (٢) ونوع عم بعد تخصيص، سبق إليه شاعر قديم (كتشبيه آثار الدار بالخط الدارس) ثم كثر تداوله نفسه بلفظ أعذب من لفظ، وترتيب احسن من ترتيب، وزيادة اهتدى إليها واحد دون الآخر، فيقع التفاضل حتى في هذه المعاني.
وقد يكون السرق باجتماع اللفظ والمعنى ونقل البيت أو المصراع وهذا
стр. 312
قد يسمى غصباً، وليس البحث عنه مما يميز الناقد، كما انه لا يميزه اقتصاره على رؤية السرقة الواضحة مثل قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوماً أن ترد الودائع وقول الافوه:
إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار وإنما يحتاج الناقد إلى الفطنة إذا تفنن الشاعر في السرقة فنقل معنى من النسيب إلى الفخر وعدل عن الوزن والقافية إلى وزن آخر وقافية أخرى، كقول بشار:
خلقت على ما في غير مخير ... هواي ولو خيرت كنت المهذبا وقول أبي تمام:
فلو صورت نفسك لم تردها ... على ما فيك من كرم الطباع والناقد البصير هو الذي يردك حيلة الشاعر في قلب المعنى ونقضه " هذا باب يحتاج إلى إنعام الفكر وشدة البحث وحسن النظر والتحرز من الإقدام قبل التبين والحكم غلا بعد الثقة، وقد يذهب منه الواضح الجلي على من لم يكن مرتاضاً بالصناعة متدرباً بالنقد " (١) ؛ فإذا كان الكشف عن السرق الخفي جزءاً هاماً من عمل الناقد البصير فلم حظر الجرجاني على نفسه وغيره البت في امره؟ ليس في موقفه تناقض، ولكنه يستبشع نسبة السرقة إلى شخص - من الناحية الأخلاقية - فهو قاض متحرج لا يستطيع أن يصدر الحكم إلا إذا تواترت الأدلة وترادفت؛ ولذلك يرى أن يكتفي بالقول: " قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، فأغتنم به فضيلة الصدق
стр. 313
أوسلم من اقتحام التهور "، فبهذا يدل الناقد على تنبهه دون ان يتهم الشاعر اتهاماً لا دليل عليه سوى المشابهة؛ ولا ريب في أن هذا المبدأ لم يأخذ به من جاء بعد الجرجاني، وأكثر ما يشكك القارئ الحديث فيما يوردونه تعسفهم في سوق السرقة، حتى ليعود المرء دائماً إلى قول الجرجاني السابق: " سرق بيت فلان؟ ولعل ذلك البيت لم يقرع سمعه قط ". وقد أحسن الجرجاني صنعاً حين وضح مدى اتساع باب المعاني المشتركة وحين وضحه توضيحاً دقيقاً مؤيداً بالأمثلة، وكان في مقدور النقد العربي من بعده ان يزيد في معنى المشاركة بسبب اتساع كل من التجربة الواقعية والثقافة. ولكن النقاد قلما أفادوا من هذا الذي وضع أسسه القاضي الجرجاني.
ترتيب الجرجاني لأفكار النقاد السابين واستخدامها
وقد دلنا ما تقدم من قول على أن الجرجاني اعتمد بعض الآراء التي وضعت قبل زمنه وحاول ترسيخها بالتوضيح والشرح والتوسعة والتدقيق في التفصيلات فرأينا كيف اخذ موقف الآمدي من الناقد ومن المنطقة التي يقف فيها النقد عاجزاً عن التعليل (وهي سر وجود الناقد نفسه) ومن عمود الشعر ومن مشكلة السرقات؛ ورأينا كيف استمد من الصولي وغيره موقفه من قضية الفصل بين الدين والشعر. ولم يكن اعتماده على الآمدي والصولي بأقل من اعتماده على غيرهما، فقد عاد إلى قضية القديم والمحدث، تلك التي استنفدت جهود أهل التسوية في القرن الثالث من أمثال الجاحظ والمبرد وابن قتيبة وابن المعتز؛؟ صيحة بعيدة في الزمان كدنا ننساها. لولا أن عاد القاضي الجرجاني إلى إحيائها للدفاع عن أبي الطيب، فقد كاد يذهب بها انقسام النقاد حول المحدثين أنفسهم ونسيانهم للصراع بين قديم ومحدث، ولكن يبدو إنها عادت إلى الحياة في النصف الثاني من القرن الرابع إذ اصبح بعض المحدث ذا قدم نسبي (كالبحتري وأبي تمام) وأصبح أمثال المتنبي من متأخري المحدثين؛ فهي قضية لا ينفرد الجرجاني بالإحساس بها، إذ
стр. 314
نجدها لدى ابن جني في مقدمته على شرح الديوان: " وما لهذا الرجل الفاضل من عيب عند هؤلاء السقط الجهال؟. إلا أنه متأخر محدث " ولذلك ذهب ابن جني يعرض في المقدمة نماذج من عصبية العلماء السابقين ضد كل جديد متأخر الزمن، كما فعل القاضي الجرجاني.
عود إلى مشكلة المطبوع والمتكلف
وعاد الجرجاني إلى ذلك الموضوع القديم الذي وضحه ابن قتيبة حين تحدث عن الطبع والتكلف في الشعر، والمطبوع والمتكلف من الشعراء: " الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل واحد من أسبابه " (١) وهو يعني بالطبع هنا ما يسمى " الموهبة الشعرية "، فالموهبة وحدها لا تجدي إلا إذا انضافت غليها الرواية؛ وحاجة المحدث إلى الرواية أشد من حاجة غيره " فإذا استكشفت هذه الحالة وجدت سببها والعلة فيها أن المطبوع الذكي لا يمكنه تناول ألفاظ العرب إلا رواية ولا طريق للرواية إلا السمع، وملاك الرواية الحفظ " (٢) ؛ على أن الرواية وحدها لا تفعل شيئاً فكم من راوية لشاعر جاهلي أو إسلامي لم يقل بيتاً. ويعزز الجرجاني تفاوت الشعر إلى اختلاف الطبائع (ويعني بها هنا الأمزجة) " فإن سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة، وأنت تجد ذلك ظاهراً في أهل عصرك وأبناء زمانك، وترى الجافي الجلف منهم كز الألفاظ معقد الكلام، وعر الخطاب، حتى أنك ربما وجدت ألفاظه في صوته ونغمته، وجرسه ولهجته " (٣) فالطبع (بمعنى الموهبة) هو الذي يجعل هذا شاعراً وأخاه لا صلة له بالشعر. ويقيم التفاوت بين شاعر وشاعر في القبيلة الواحدة. والطبع (بمعنى المزاج
стр. 315
أو تركيب الخلقة) هو سر التفاوت في الأسلوب والأداء؛ ثم يستعير الجرجاني من ثلاثية الجاحظ (البيئة - العرق - الغريزة) وحدة البيئة ويجعلها مسئولية أيضاً عن التفاوت في الشاعر، والبيئة إما بدوية وإما حضرية ولذلك كان عدي بن زيد وهو ابن الحاضرة، على جاهلية، أرق من الفرزدق، ابن البادية، وهو في الإسلام (١) ؛ ولكنه ينكر أن تكون الغريزة (أو الطبع) سبباً للفصل بين قديم ومحدث وجاهلي ومخضرم وأعرابي ومولد، مخالفاً الجاحظ في ذلك، لان الجاحظ عد الأعرابي في أي زمان ومكان اشعر من المولد في أي زمان ومكان (٢) . ويرى الجرجاني أن الجزالة كانت اغلب على القدماء لعاملين هما " العادة والطبيعة " وأضيف إليهما التعمل والصنعة، وقد توجد الجزالة عند المحدثين في أفراد قلائل (٣) . فلما تحضر العرب طرحوا الألفاظ الخشنة واقتصروا على الألفاظ السلسة " وأعانهم على ذلك لين الحضارة وسهولة طباع الأخلاق فانتقلت العادة وتغير الرسم " فرقعوا أشعارهم، فصار ما فيها من اللبن يظن ضعفاً، فإذا رام أحدهم العودة إلى المذهب القديم ظهر على شعره التكلف (٤) . فمقياس تغير الشعر عند الجرجاني هو حدوث التغير في الطبيعة والعادة، ولكن هذا لا يفسر إلا الانتقال من خشونة البداوة إلى رقة الحضارة، فكيف يمكن أن يعلل لتطور الشعر المحدث نفسه في ظل الحياة الحضرية؟ ويتخذ القاضي الجرجاني من أبي تمام مثالاً للحضري الذي عاد يحتذي طريقة أهل البداوة " فحصل منه على توعير اللفظ فقبح في غير موضع من شعره؟. فتعسف ما أمكن وتغلغل في التصعب كيف قدر، قم لم يرض بذلك حتى أضاف إليه طلب البديع فتمحله من كل وجه، وتوصل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخلتين حتى اجتلب المعاني
стр. 316
الغامضة وقصد الأغراض الخفية فاحتمل فيها كل غث ثقيل؟ " (١) . وهذا لا يصيب شعر أبي تمام كله ولا يسقطه جملة، ولذلك يعتذر الجرجاني فوراً إثر هذا الكلام مخافة أن يساء الظن بنده فيقول: " ولست أقول هذا غضاً من أبي تمام ولا تهجيناً لشعره ولا عصبية عليه لغيره، وكيف وأنا أدين بتفضيله وتقديمه وانتحل موالاته وتعظيمه وأراه قبلة أصحاب المعاني وقدرة أهل البديع " (٢) .
سبب التفاوت في أبيات القصيدة، وفي القصيدة
وهذا المذهب من أبي تمام وأمثاله هو الذي جعل أبيات القصيدة الواحدة لديهم متفاوتة، فالشاعر منهم إذا جرى على الطبع الحضري في تضاعيف قصيدة مسبوكة على الطريقة البدوية رق شعره حتى بدا خنثاً بنسبة ما يجاوره من أبيات، فإذا انساق مع طبعه الحضري إلى غاية جاء بأحسن نظام، حتى إذا أدركه الميل إلى البداوة تسنم اوعر طريق فطمس ما قدمه من محاسن ومحا طلاوتها (٣) . وليست السهولة هي الضعيف والركاكة وغنما هي النمط الأوسط المرتفع عن السوقي، النازل عن البدوي الوحشي (٤) .
على أن التفاوت لدى الشاعر الواحد يقتضيه اختلاف الموضوعات، فليس أسلوب الغزل - في ألفاظه وتراكيبه - كأسلوب الفخر، ولا المدح كالوعيد، ولا الهزل كالجد، بل لابد أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني في الشعر والنثر على السواء (٥) . وهذا التفاوت لا يقضي على الاستواء المستمر في الموضوع الواحد فذلك يتحقق " برفض التعمل والاسترسال للطبع وتجنب الحمل عليه والعنف به، ولست اعني بهذا كل طبع، بل المهذب الذي قد
стр. 317
صقله الأدب وشحذته الرواية وجلته الفطنة وألهم الفصل بين الرديء والجيد وتصور أمثلة الحسن والقبح " (١) وأبرز الأمثلة على ذلك تجدها في شعر البحتري وجرير والغزلين من شعراء الأعراب وشعراء الحجاز. وقد نحس هنا ان الجرجاني أصبح كالآمدي شديد الارتياح إلى هذا الشعر الذي يأتي عفو الخاطر مسمحاً منقاداً، وقد استخفه الطرب له، لسهولة مأخذه وقرب متناوله، مؤثراً للبساطة العفوية في مثل:
أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضمار على مثل قول أبي تمام:
دعني وشرب الهوى يا شارب الكأس ... فإنني للذي حسيته حساس (وهي قصيدة لم يخل بيت منها من معنى بديع وصنعة لطيفة وقد أتيح لها الأحكام والمتانة والقوة) (٢) ؛ ولكنه واسع الصدر سمح النفس لا يأخذ شيئاً بديلاً عن شيء، فلكل ذلك في نفسه قبول على تفاوت الشعرين في موقعهما من نفسه، لان لكل منهما جمالاً خاصاً به.
تقدير القاضي لازمة الشاعر المحدث دون حمله على القديم
ولولا شدة تحرز القاضي وتوقيه، لظن قارئ " الوساطة " أنها تحمل راية الدفاع عن الشعر المحدث بل تتضمن شيئاً من الميل غليه وإيثاره على الشعر القديم؛ وخلاصة قول الجرجاني ان الشعر المحدث أقرب إلى طباع أهل العصر " والنفس تألف ما جانسها وتقبل الأقرب فالأقرب إليها " (٣) ، والشاعر المحدث مظلوم إذ ضاق عليه مجال اللفظ (بقدر ما أسقطته الحضارة من
стр. 318
ألفاظ) كما ضاق عليه مجال بعد أن سبقه المتقدمون إليها، فغن هو حاول التجديد عن طريق البديع والاستعارة اتهم بالتكلف، وإن استسلم إلى عفو الخاطر قيل: ان شعره فارغ غسيل " ولو أنصف أصحابنا هؤلاء لوجد يسيرهم أحق بالاستكثار وصغيرهم أولى بالإكبار " (١) ؛ والشاعر المحدث يتهم بالسرقة ولكن الإنصاف يقتضي أن نعذره في ذلك: " ومتى أنصفت علمت أن هل عصرنا، ثم العصر بعدنا أقرب فيه إلى المعذرة وابعد من المذمة " (٢) لأن المعاني قد استغرقها المتقدمون. وهو مبغض إلى بعض الناس أحياناً لشدة طلبه المعنى ولكن كيف غاب عن هؤلاء أن أبيات المعاني التي للأقدمين - وهي غامضة تشبه الألغاز - تؤلف فيها الكتب، ويشتغل بحلها من فرغوا لذلك (٣) ؛ وكذلك يقال في المحدث إنه مفرط ذاهب في الغلو، ولكن الغلو كثير في شعر الأوائل. صحيح عن المحدث قد زاد في ذلك على الاقمدين ولكن من أي وجه يطلب الجدة، إذا لم يطلبها بمزيد من القياس على ما فعله الأسلاف (٤) ؟ وقد كان الجرجاني يحس أن موقفه هذا قد يساء تأويله ولذلك بادر إلى إزالة هذه الشبهة بقوله: " وليس يجب إذا رأيتني امدح محدثاً أو اذكر محاسن حضري أن تظن بي الانحراف عن متقدم أو تنسبني إلى الغض من بدوي، بل أن تنظر مغزاي فيه وان تكشف عن مقصدي منه ثم تحكم علي حكم المنصف المتثبت، وتقضي قضاء المقسط المتوقف " (٥) .
стр. 319
التعاطف مع المحدث تمهيد لإنصاف المتنبي
وهذا حق، فليس في إمكان أحد أن يتهم الجرجاني في حرصه على العدالة ولكن هذا الذي يبدو وكأنه دفاع عن الشعر المحدث والشعراء المحدثين إنما هو تمهيد لإنصاف أبي الطيب. إذ ليست المسألة أن تحاول إقناع من يعم بالنقص كل محدث ولا يرى الشعر إلا القديم الجاهلي، فذلك امرؤ لا يؤمن بأبي الطيب مثلما أنه لا يؤمن بابي نواس وأبي تمام والبحتري؛ وإنما الخصم الذي لا بد من إقناعه هو الذي يقدم أبا تمام ومسلم بن الوليد والبحتري وابن الرومي " حتى إذا ذكرت أبا الطيب ببعض فضائله وأسميته في عداد من يقصر عن رتبته امتعض امتعاض الموتور، ونفر نفار المضيم، فغض طرفه، وثنى عطفه، وصعر خده، وأخذته العزة بالإثم وكأنما زوى بين عينيه عليك المحاجم) (١) ؛ ومثل هذا الراوي أو الناقد لا يمكن إقناعه إلا أن رضي أن يرى أبا الطيب واحداً من المحدثين، فإذا استطاع أن يحتل مركزه بينهم فلا باس من أن نستجلب عاطفة الناقد النافر عنه، بان نسلم له كل ما يورده من عيوب في شعر المتنبي (مقيسة إلى عيوب غيره) لنخرج في النهاية متفقين على أن المتنبي محدث يصيب ويخطئ وفي شعره ما يستحق الإعجاب. فإذا تجاوز الجرجاني هذه المرحلة للدفاع عن أبي الطيب لم يكد يفارق طريقته: كذلك وقف من إفراطه ومن غلوه في استعارته، ثم ناقش من يعيبونه في بعض الأخطاء النحوية وأخطاء المعاني مناقشة هادئة.
القاضي الجرجاني ونظرته إلى الاستعارة
ويستحق موقفه من الاستعارة بعض بيان، فهو يرى أن الشعراء كانت مقتصدة فيها حتى جاء أبو تمام فخرج إلى التجاوز وقلده أكثر المحدثين؛ وقد تجارى الجرجاني مع صديق له الحديث حول بعض استعارات أبي الطيب ومنها:
стр. 320
مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب فعابه صديق الجرجاني بأنه جعل للطيب والبيض واليلب قلوباً، وهذه استعارة لم تجر على شبه قريب أو بعيد، فاستشهد الجرجاني بابن أحمر وقد جعل للريح لباً، وبتصوير الكميت للدهر متمعكاً متقلباً وأورد أبيات شاتم الدهر؛ وأخيراً مال إلى رأي صديقه لأن استعارة المتنبي ليس فيها أدنى علاقة بين الطيب والقلب، وعد أبيات شاتم الدهر - كما عدها الآمدي - نوعاً من الهزل. ولكنه غير يائس من تأويل كلام المتنبي بحيث يصبح المعنى: أن مباشرة مفرقها شرف، ومجاورته زين، والتحاسد يقع فيه فلو كان الطيب ذا قلب لسر به (١) ؛ وكأن موقفه من الاستعارة هنا شبيه بموقف قدامة.
دفاعه عما في معاني أبي الطيب
ومن أمثلة دفاعه عنه في عيوب المعنى تعليقه على البيت الذي عابه الصاحب، وهو:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه فقد قال فيه الصاحب " هذا كلام من أرذل ما يقع لصبيان الشعراء وولدان الأدباء، واعجب من هذا هجومه على باب قد تداولته الألسنة وتناولته القرائح واعتورته الطباع بإساءة لا إساءة بعدها، سقوط لفظ وتهافت معنى، فليت شعري ما الذي أعجبه من هذا النظم وراقه من هذا السبك لولا اضطراب في النقد وإعجاب بالنفس " (٢) .
أما القاضي فقد حكى قول المنتقدين: " قالوا أراد التناهي في إطالة الوقوف فبالغ في تقصيره، وكم عسى هذا الشحيح بالغاً ما بلغ من الشح،