← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الغامضة وقصد الأغراض الخفية فاحتمل فيها كل غث ثقيل؟ " (١) . وهذا لا يصيب شعر أبي تمام كله ولا يسقطه جملة، ولذلك يعتذر الجرجاني فوراً إثر هذا الكلام مخافة أن يساء الظن بنده فيقول: " ولست أقول هذا غضاً من أبي تمام ولا تهجيناً لشعره ولا عصبية عليه لغيره، وكيف وأنا أدين بتفضيله وتقديمه وانتحل موالاته وتعظيمه وأراه قبلة أصحاب المعاني وقدرة أهل البديع " (٢) . سبب التفاوت في أبيات القصيدة، وفي القصيدة وهذا المذهب من أبي تمام وأمثاله هو الذي جعل أبيات القصيدة الواحدة لديهم متفاوتة، فالشاعر منهم إذا جرى على الطبع الحضري في تضاعيف قصيدة مسبوكة على الطريقة البدوية رق شعره حتى بدا خنثاً بنسبة ما يجاوره من أبيات، فإذا انساق مع طبعه الحضري إلى غاية جاء بأحسن نظام، حتى إذا أدركه الميل إلى البداوة تسنم اوعر طريق فطمس ما قدمه من محاسن ومحا طلاوتها (٣) . وليست السهولة هي الضعيف والركاكة وغنما هي النمط الأوسط المرتفع عن السوقي، النازل عن البدوي الوحشي (٤) . على أن التفاوت لدى الشاعر الواحد يقتضيه اختلاف الموضوعات، فليس أسلوب الغزل - في ألفاظه وتراكيبه - كأسلوب الفخر، ولا المدح كالوعيد، ولا الهزل كالجد، بل لابد أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني في الشعر والنثر على السواء (٥) . وهذا التفاوت لا يقضي على الاستواء المستمر في الموضوع الواحد فذلك يتحقق " برفض التعمل والاسترسال للطبع وتجنب الحمل عليه والعنف به، ولست اعني بهذا كل طبع، بل المهذب الذي قد

стр. 317

صقله الأدب وشحذته الرواية وجلته الفطنة وألهم الفصل بين الرديء والجيد وتصور أمثلة الحسن والقبح " (١) وأبرز الأمثلة على ذلك تجدها في شعر البحتري وجرير والغزلين من شعراء الأعراب وشعراء الحجاز. وقد نحس هنا ان الجرجاني أصبح كالآمدي شديد الارتياح إلى هذا الشعر الذي يأتي عفو الخاطر مسمحاً منقاداً، وقد استخفه الطرب له، لسهولة مأخذه وقرب متناوله، مؤثراً للبساطة العفوية في مثل: أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضمار على مثل قول أبي تمام: دعني وشرب الهوى يا شارب الكأس ... فإنني للذي حسيته حساس (وهي قصيدة لم يخل بيت منها من معنى بديع وصنعة لطيفة وقد أتيح لها الأحكام والمتانة والقوة) (٢) ؛ ولكنه واسع الصدر سمح النفس لا يأخذ شيئاً بديلاً عن شيء، فلكل ذلك في نفسه قبول على تفاوت الشعرين في موقعهما من نفسه، لان لكل منهما جمالاً خاصاً به. تقدير القاضي لازمة الشاعر المحدث دون حمله على القديم ولولا شدة تحرز القاضي وتوقيه، لظن قارئ " الوساطة " أنها تحمل راية الدفاع عن الشعر المحدث بل تتضمن شيئاً من الميل غليه وإيثاره على الشعر القديم؛ وخلاصة قول الجرجاني ان الشعر المحدث أقرب إلى طباع أهل العصر " والنفس تألف ما جانسها وتقبل الأقرب فالأقرب إليها " (٣) ، والشاعر المحدث مظلوم إذ ضاق عليه مجال اللفظ (بقدر ما أسقطته الحضارة من

стр. 318

ألفاظ) كما ضاق عليه مجال بعد أن سبقه المتقدمون إليها، فغن هو حاول التجديد عن طريق البديع والاستعارة اتهم بالتكلف، وإن استسلم إلى عفو الخاطر قيل: ان شعره فارغ غسيل " ولو أنصف أصحابنا هؤلاء لوجد يسيرهم أحق بالاستكثار وصغيرهم أولى بالإكبار " (١) ؛ والشاعر المحدث يتهم بالسرقة ولكن الإنصاف يقتضي أن نعذره في ذلك: " ومتى أنصفت علمت أن هل عصرنا، ثم العصر بعدنا أقرب فيه إلى المعذرة وابعد من المذمة " (٢) لأن المعاني قد استغرقها المتقدمون. وهو مبغض إلى بعض الناس أحياناً لشدة طلبه المعنى ولكن كيف غاب عن هؤلاء أن أبيات المعاني التي للأقدمين - وهي غامضة تشبه الألغاز - تؤلف فيها الكتب، ويشتغل بحلها من فرغوا لذلك (٣) ؛ وكذلك يقال في المحدث إنه مفرط ذاهب في الغلو، ولكن الغلو كثير في شعر الأوائل. صحيح عن المحدث قد زاد في ذلك على الاقمدين ولكن من أي وجه يطلب الجدة، إذا لم يطلبها بمزيد من القياس على ما فعله الأسلاف (٤) ؟ وقد كان الجرجاني يحس أن موقفه هذا قد يساء تأويله ولذلك بادر إلى إزالة هذه الشبهة بقوله: " وليس يجب إذا رأيتني امدح محدثاً أو اذكر محاسن حضري أن تظن بي الانحراف عن متقدم أو تنسبني إلى الغض من بدوي، بل أن تنظر مغزاي فيه وان تكشف عن مقصدي منه ثم تحكم علي حكم المنصف المتثبت، وتقضي قضاء المقسط المتوقف " (٥) .

стр. 319

التعاطف مع المحدث تمهيد لإنصاف المتنبي وهذا حق، فليس في إمكان أحد أن يتهم الجرجاني في حرصه على العدالة ولكن هذا الذي يبدو وكأنه دفاع عن الشعر المحدث والشعراء المحدثين إنما هو تمهيد لإنصاف أبي الطيب. إذ ليست المسألة أن تحاول إقناع من يعم بالنقص كل محدث ولا يرى الشعر إلا القديم الجاهلي، فذلك امرؤ لا يؤمن بأبي الطيب مثلما أنه لا يؤمن بابي نواس وأبي تمام والبحتري؛ وإنما الخصم الذي لا بد من إقناعه هو الذي يقدم أبا تمام ومسلم بن الوليد والبحتري وابن الرومي " حتى إذا ذكرت أبا الطيب ببعض فضائله وأسميته في عداد من يقصر عن رتبته امتعض امتعاض الموتور، ونفر نفار المضيم، فغض طرفه، وثنى عطفه، وصعر خده، وأخذته العزة بالإثم وكأنما زوى بين عينيه عليك المحاجم) (١) ؛ ومثل هذا الراوي أو الناقد لا يمكن إقناعه إلا أن رضي أن يرى أبا الطيب واحداً من المحدثين، فإذا استطاع أن يحتل مركزه بينهم فلا باس من أن نستجلب عاطفة الناقد النافر عنه، بان نسلم له كل ما يورده من عيوب في شعر المتنبي (مقيسة إلى عيوب غيره) لنخرج في النهاية متفقين على أن المتنبي محدث يصيب ويخطئ وفي شعره ما يستحق الإعجاب. فإذا تجاوز الجرجاني هذه المرحلة للدفاع عن أبي الطيب لم يكد يفارق طريقته: كذلك وقف من إفراطه ومن غلوه في استعارته، ثم ناقش من يعيبونه في بعض الأخطاء النحوية وأخطاء المعاني مناقشة هادئة. القاضي الجرجاني ونظرته إلى الاستعارة ويستحق موقفه من الاستعارة بعض بيان، فهو يرى أن الشعراء كانت مقتصدة فيها حتى جاء أبو تمام فخرج إلى التجاوز وقلده أكثر المحدثين؛ وقد تجارى الجرجاني مع صديق له الحديث حول بعض استعارات أبي الطيب ومنها:

стр. 320

مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب فعابه صديق الجرجاني بأنه جعل للطيب والبيض واليلب قلوباً، وهذه استعارة لم تجر على شبه قريب أو بعيد، فاستشهد الجرجاني بابن أحمر وقد جعل للريح لباً، وبتصوير الكميت للدهر متمعكاً متقلباً وأورد أبيات شاتم الدهر؛ وأخيراً مال إلى رأي صديقه لأن استعارة المتنبي ليس فيها أدنى علاقة بين الطيب والقلب، وعد أبيات شاتم الدهر - كما عدها الآمدي - نوعاً من الهزل. ولكنه غير يائس من تأويل كلام المتنبي بحيث يصبح المعنى: أن مباشرة مفرقها شرف، ومجاورته زين، والتحاسد يقع فيه فلو كان الطيب ذا قلب لسر به (١) ؛ وكأن موقفه من الاستعارة هنا شبيه بموقف قدامة. دفاعه عما في معاني أبي الطيب ومن أمثلة دفاعه عنه في عيوب المعنى تعليقه على البيت الذي عابه الصاحب، وهو: بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه فقد قال فيه الصاحب " هذا كلام من أرذل ما يقع لصبيان الشعراء وولدان الأدباء، واعجب من هذا هجومه على باب قد تداولته الألسنة وتناولته القرائح واعتورته الطباع بإساءة لا إساءة بعدها، سقوط لفظ وتهافت معنى، فليت شعري ما الذي أعجبه من هذا النظم وراقه من هذا السبك لولا اضطراب في النقد وإعجاب بالنفس " (٢) . أما القاضي فقد حكى قول المنتقدين: " قالوا أراد التناهي في إطالة الوقوف فبالغ في تقصيره، وكم عسى هذا الشحيح بالغاً ما بلغ من الشح،

стр. 321

وواقعاً حيث وقع من البخل، أن يقف على طلب خاتمه، والخاتم أيضاً ليس مما يخفى في الترب إذا طلب ولا يعسر وجوده إذا فتش " ثم قال: " وقد ذهب المحتجون عنه في الاعتذار له مذاهب لا أرضى أكثرها، وأقرب ما يقال في الإنصاف ما أقوله عن شاء الله تعالى: أقول عن التشبيه والتمثيل قد يقع تارة بالصورة وتارة بالصفة وأخرى بالحال والطريقة، فإذا قال الشاعر - وهو يريد إطالة وقوفه - إني اقف وقوف شحيح ضاع خاتمه لم يرد التسوية بين الوقوفين في القدر والزمان والصورة، وإنما يريد لأقفن وقوفاً زائداً على القدر المعتاد خارجاً عن حد الاعتدال، كما ان وقوف الشحيح يزيد على ما يعرف من أمثاله، وعلى ما جرت به العادة في إضرابه " (١) . كتاب الوساطة يرمز إلى اكتمال القضايا النقدية ذلك هو " الوساطة " مثل فذ على نزاهة الحكم، وقد أصبح لاعتداله مصدراً جامعاً لعيوب المتنبي ومحاسنه؛ ويبدو من حشد المؤلف لأهم الآراء النقدية السابقة أن القضايا النقدية الكبرى قد استدارت واكتملت؛ صحيح عن الجرجاني لم يتعرض لبعض القضايا الهامة مثل العلاقة بين اللفظ والمعنى، ولا استطاع أن يضع مقاييس إيجابية للجودة كالتي وضعها ابن طباطبا وقدامة، ولكن وقفته أمام القضايا التي عرض لها تدل على أن النقد العربي أصبح بحاجة إلى منافذ جديدة، فغن لم يستطع الاهتداء إليها أخذ يدور على نفسه. لماذا لم يحل كتاب الوساطة المشكلات حول المتنبي ومع أن الموازنة استطاعت - على نحو تقريبي - أن يختم الصراع حول أبي تمام والبحتري، فإن الوساطة عجزت عن أن تكون الجواب الشافي في موقف الخصوم والأنصار من المتنبي، وليس السر في الكتابين وإنما هو في الظروف، فبعد ظهور كتاب الآمدي ظهر المتنبي فشغل الناس عن المعركة الأولى وحول أنظار النقاد إلى معركة جديدة، ولكن لم يظهر بعد

стр. 322

المتنبي من ينقل رحى المعركة إلى ميدان آخر. وأكبر الظن ان وساطة الجرجاني نالت احترام النقاد، ولكنها لم تقنعهم كثيراً، فأما الأنصار فكانوا يؤثرون للمتنبي أن يظل خارج القطيع، لتكون هذه " الغربة " تفسيراً لتفرده، إذ لم يزد الجرجاني على أن طلب من الخصوم أن يكفوا من غلوئهم فيحسبوه واحداً من المحدثين، وينصفوه كما انصفوا غيره، ولكن الأنصار لم يكن يرضيهم هذا النوع من الإنصاف. فأما الخصوم فكانوا أيضاً عاجزين عن أن يربوا لأنفسهم هذا الذوق الرحب الذي واجههم به الجرجاني، الذوق الذي يحتضن البحتري وجريراً بنفس الحماسة التي يلاقي بها أبا تمام والمتنبي ومسلم بن الوليد. وسيكثر انشغال الناس بالمتنبي بعد عصر الجرجاني، وكأنهم ما سمعوا حديثه عن السرقات ولا قرأوا كتابه، وسيتصدون من جديد للحط منه بالكشف عن سرقاته، وسيكمل آخرون عمل ابن جني في العكوف على ديوانه، متخذين إبراز معانيه وسيلة من وسائل تقريبه إلى الناس، وذلك حتماً من كتابة نقد أدبي يتناول شعره، وكيف يفعلون وهم قد رأوا ناقداً كبيراً مثل الجرجاني يحجم عن تفسير أية ظاهرة من ظواهر تفوقه وامتيازه على الشعراء. وبين الحين والحين سنجد أناساً أجراً من الجرجاني على التعليل، وإن كانوا أقل قدرة منه على تمثل المبادئ النقدية ونزاهة الموقف النقدي.

стр. 323

- ٥ - النقد وفكرة الإعجاز لماذا وجد الباحثون في الأعجاز متكأهم لدى الجاحظ والآمدي لم يكن النقد في مساقه العام موجهاً - كما أصبحت البلاغة موجهة - إلى خدمة فكرة الاعجاز، على نحو عامد، ولكن عدم انفصاله عن البلاغة كان من الطبيعي أن يقف به عند تلك الفكرة ذات يوم، أو يجعل وسائله صالحة للوقوف عندها. فقد أثار قدامة - دون أن يشير إلى القرآن - مسألة " نهاية الجودة " على نحو نظري، دون أن يستطيع الخوض في مراحل الجودة لدى التطبيق. ووضع ابن طباطبا نظرية " الصدق الذي يحقق الجمل " مستغلاً مختلف مدلولات الصدق في بناء نظريته، ولكنه لم يتنبه إلى " منتهى الصدق " المؤدي إلى " غاية الجمل "، لان تفكيره كان عالقاً بمصير الشعر المحدث، وكان من الممكن أن يتطور النقد حتى كان عالقاً بمصير الشعر المحدث. وكان من الممكن أن يتطور النقد حتى يتمرس بمشكلة الإعجاز، من هاتين الطريقين، فلم يفعل، لان الجاحظ كان قد سبق جميع النقاد إلى اعتبار النظم سر الإعجاز. ولهذا كانت أقرب النظريات النقدية التي يمكن أن تخدم البحث في الإعجاز هي نظرية الآمدي، ذلك أن هذا الناقد حين احتكم إلى ما سماه طريقة العرب، كان يهتدي بذوقه إلى أن حسن التأليف في شعر البحتري هو التزام بهذه الطريقة، فكأنه التقى مع الجاحظ في جعل جمال النظم مقياساً للشعر الجميل. وصادف أن كان في اتجاه الآمدي ثورة صريحة وخفية على الاتجاه إلى الفكر اليوناني في استنباط مقاييس نقدية تعرف بها مستويات الجودة، وكان الحزام العلمي

стр. 324

الضيق الذي شد قدامة به النقد (لا نستثني إلا جهده في ابتكار مصطلح جديد) مما باعد الأذواق عن طريقته، فأبعد تلك الأذواق بالتالي عن الاطمئنان إلى النظريات المستمدة من الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني، ولم يكن في مقدور نظرية المحاكاة التي شرحها الفارابي - حتى لو فهمت على وجهها الصحيح - أن تخدم فكرة الاعجاز؛ وقد كان أبو سليمان المنطقي وهو يتحدث عن نوع من البلاغة سماه " بلاغة التأويل " يشير إلى القرآن، ولكن أبا سليمان وزمرة الفلاسفة من حوله لم يكونوا ذوي " شعبية " كبيرة في أوساط المثقفين، وكانت " بلاغة التأويل " تتجه نحو طبقات المعانين فانهزمت أمام " صفحة التأليف " التي نادى بها الآمدي. الآمدي أوصل النقد إلى منطقة " اللا تعليل " وكانت نظرية الآمدي النقدية تعتمد على ركنين كبيرين: أولهما إمكان الموازنة بين أثرين أدبيين متفقين في الموضوع - مهما تتباعد الطريقتان فيهما - وإبراز دور الناقد الكفؤ الذي يجب أن يصغي الآخرون إلى حكمه سواء استطاع التعليل أو لم يستطع. وهذا ما جر إلى القول بان في الشعر مجالاً يدركه الناقد بالطبيعة التي وهبها دون غيره، وبهذه الطبيعة يحكم على ما لا يستطيع أن يورد فيه علة واضحة، وذلك يعني أن هناك دائرة في الشعر يحس فيها الجمال ولا يستطاع التعبير عنها بلم وكيف؛ وهي وقفة أمام اثر " يعجز " الناقد وغيره في كلام البشر، فلم لا تكون تلك الوقفة أمام القرآن؛ وقد رأينا كيف ألح القاضي الجرجاني على هذه الفكرة غير مرة في كتاب الوساطة، فكأن نظرية الآمدي رسخت في النصف الثاني من القرن الرابع وتمكنت عناصرها المختلفة في النفوس، ولهذا نجد لدى بلاغيي القرن التالي ونقاد نظرة إكبار للآمدي لأن ذوقه وطريقته انتصرا في السياق البلاغي والنقدي في تاريخ الأدب العربي.

стр. 325

الوقفة المعهودة أمام الرائع في أدب المخلوقين يمكن أن تتكرر أمام المعجز وإذا كانت منطقة " اللاتعليل " هي التي تقبل فيها شهادة الناقد العدل فمن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى نتيجتين: أولاً أن يقال لكل من يتصدى لإنكار الجمال في أثر ما - بعد ورود شهادة الناقد - إنه جاهل لا يطمئن أحد إلى ذوقه وحكمه على المستوى النقدي؛ وثانياً أن يلح النقد إلحاحاً كلياً على التأثير الذي يتلقاه القارئ أو السامع من الأثر الفني، ويوضح فعل القول الجميل في النفوس. وهذا شيء طبيعي في كل محاولة لتعليل جمال ما يكسب الخلود في الأدب، وهي الوقفة التي وقفها لونجينوس مما سماه " الرائع " Sublime فإنه تحدث عن الهزة ekstasis التي يولدها هذا الأدب في النفوس، وذهب إلى أن الروعة إنما هي صدى روح عظيمة، وقد حاول لونجينوس - رغم ذلك - أن يضع للروعة مصادر خمسة هي: (١) القدرة على تكوين فكر عظيمة (٢) العاطفة الجياشة (٣) استخدام ضروب المجاز (٤) استخدام الألفاظ الرفيعة (٥) التأليف السامي الجليل (١) . وواضح من هذه العناصر الخمسة أن الاثنين الأولين منها يتصلان اتصلاً وثيقاً بنفسية الشاعر بينا تتعلق الثلاثة الأخرى بالأثر الأدبي نفسه؛ فإذا نقلنا فكرة " الرائع " خطوة ابعد وسميناه " المعجز " - وخصصنا به القرآن - سقط العنصران الاولان، ولم يبق في مجال البحث إلا الثلاثة الأخرى؛ فإذا كشفنا عن مواطن الإعجاز فيها بي أن نتحدث عما يحدثه اجتماعها معاً في نفس القارئ أو السامع، فننتقل من مرحلة التعليل إلى مرحلة يتساوى فيها الناس في عجزهم عن التعليل. وعلى هذا المنهج - في خطوتيه المتعاقبتين - تمرس النقد الأدبي بفكرة الإعجاز.

стр. 326

الرماني والإعجاز ويبدو ان الرماني (- ٣٨٦) الذي كان شديد التأثر بالمنطق اليوناني (١) - اطلاعاً عليه أو تشبهاً بطريقة المناطقة - قد عرق شيئاً من قسمة بعض الباحثين اليونانيين للأسلوب في ثلاثة أنواع: رفيع ومتوسط وعادي، فنقل هذه القسمة إلى البلاغة فقال: " فأما البلاغة فهي على ثلاث طبقات: منها ما هو في أعلى طبقة ومنها ما هو في أدنى طبقة، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة، فما كان في أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس " (٢) ثم يعرف البلاغة بأنها " إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ " (٣) فمنذ الخطوة الأولى نجد الرماني قد لمح الأثر النفسي للبلاغة لكي يجعل المعجز منها اشدها تأثيراً. ثم قسم البلاغة في عشرة أقسام هي: الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان (٤) ، وأفرد لكل نوع فصلاً على حدة. ومن الواضح ان هذه القسمة لأنواع البلاغة تنتمي إلى مصادر مختلفة فبعضها في الصورة وبعضها في النظم وبعضها في المعنى، ومنها ما يتصل باللفظة الواحدة (كالفواصل) ، ولاختلاف مصادرها كانت قسمة متداخلة غير منطقية؛ ويكثر الرماني من الحدود والتعريفات الجزئية معتمداً أيضاً أسساً مختلفة في التقسيم: فالإيجار عنده على وجهين: حذف وقصر؛ والإيجاز على وجهين: أحدهما إظهار النكتة بعد الفهم لشرح الجملة، والثاني إحصار المعنى بأقل

стр. 327

ما يمكن من العبارة؛ والإيجاز أيضاً على ثلاثة أوجه: إيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد وإيجاز باعتماد الغرض دون ما تشعب، وإيجاز بإظهار الفائدة بما يستحسن دون ما يستقبح؟ فهذه قسمة أولى وثانية وثالثة للإيجاز مع تغيير زاوية النظر في كل مرة. ويتفاوت شرح الرماني لهذه الأرقام العشرة، كما تتفاوت قدرته في تطبيقها على القرآن، فبينا نجده على خير أحواله عند الحديث عن الإيجاز والتشبيه والاستعارة. واثقاً من نفسه مكثراً من الامثلة، نجد حديثه في التلاؤم عاماً لا تطبيق فيه، وكذلك هو حديثه في التضمين والتصريف. أما حديثه عن المبالغة فإنه يدل على انه جعل ضمنها التشكيك والتهويل. ولم يأت بما يدل على المبالغة حسب المفهوم المتعارف للبلاغيين. وفي غير موطن من كتاب النكت نجد الرماني يقف عند الأثر النفسي للكلام البليغ، فإيجاز الحذف مثلاً جميل بليغ " لان النفس تذهب فيه كل مذهب " - أو كما نقول اليوم إنه يفسح المجال لخيال المتلقي. كذلك يدرك ما في التشبيه من مؤثرات نفسية كالتخويف والتشويق وما إلى ذلك، أما التلاؤم فغايته " تقبل المعنى في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة " (١) . غير أن للرماني آراء يخالف بها المفهومات العامة في سبيل الوصول إلى فكرته، منها: إسقاطه الإطناب من أنواع البلاغة، فإذا سئل عن ذلك قال: " إذا كان الإطناب لا منزلة غلا ويحسن اكثر منها فالإطناب حينئذ إيجاز " (٢) . ومن ذلك إطلاقه الحكم على أن السجع غيب، وقصره الاستشهاد عليه بسجع الكهان إمعاناً في تقرير عيبه، وذلك ليثبت أن الفواصل هي

стр. 328

البلاغة، لأنها تابعة للمعاني، أما الأسجاع فالمعاني تابعة لها " (١) . ولا ينكر الرماني أن بعض العبارات - من غير القرآن - تبلغ حداً بعيداً من البلاغة، ولكن حكم الإعجاز لا يجري عليها غلا حتى ينتظم الكلام بحيث يكون كأقصر سورة او أطول آية، وعند ذلك يظهر حكم الإعجاز (٢) . وإذا كان الرماني قد استطاع إجراء المقارنة بين بعض صور الإيجاز في كل من القرآن وكلام البلغاء وبين فضل الإيجاز في القرآن على غيره فإنه لم يفعل ذلك عندما درس بقية الأقسام البلاغية، فلم يبين مثلاً لماذا كانت هذه الاستعارة القرآنية خيراً من تلك في كلام شاعر أو خطيب، ولم يتحدث عن فضل التشبيه القرآني على غيره. واكثر التشبيهات التي أوردها تمثيلات. وإنما اكتفى بشرح كل استعارة أو تشبيه وبيان بلاغته درجة أو درجات فوق التعبير الحقيق. ولجأ إلى التعليل العام في قوله: " وظهور الإعجاز في الوجوه التي نبينها يكون باجتماع أمور يظهر بها للنفس أن الكلام من البلاغة في أعلى طبقة " (٣) ، وكأنه فاء إلى القول بان ليس هناك من تعليل واضح المعالم والسمات. إن محاولة الرماني لم تتعد الاستعانة بالمصطلح البلاغي شيئاً كثيراً إلا في جانب التأثير النفسي ولذلك وقف عند الباب المغلق بقوله: " فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية ولهذا صح التحدي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة، ولو قال قائل: قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن أحداً أن يأتي بقصيدة إلا وقد قيلت فيما قيل، لكان ذلك باطلاً، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية " (٤) ، وهذا أمر منوط بالتصور، وهو خطا كما يرى، إذ لابد من

стр. 329

نهاية منطقية ليكون المعجز نفسه هو " نهاية الحسن ". وقد اختلف تقبل الناس لكتاب النكت، فاعترض كثيرون على الحدود فيه، وتأثر بعض البلاغيين به ونقلوا آراءه وأمثلته، ووقف الباقلاني من تعليله لإعجاز القرآن عن طريق أنواع البديع موقف الحذر، ورفض ابن سنان الخفاجي أن يقبل حكمه على السجع ورد على قوله " أن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا وغيره في الطبقة الوسطى " فقال: ليس الأمر على ذلك، ولا فرق بين القرآن وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية، ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد أن في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه، ولعل أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه الدعوى الفاسدة، والأمر بحمد الله أظهر من أن بعضه بمثل هذه الدعوى الفاسدة، والأمر بحمد الله أظهر من أن يعضده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كل من علق من الأدب بشيء أو عرف من نقد الكلام طرفاً " (١) . الخطابي والإعجاز وهب أبو سليمان الخطابي (- ٣٨٨) في " بيان أعجاز القرآن " مذهب الرماني في قسمة أجناس الكلام في ثلاث مراتب: فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الحائز المطلق الرسل؟ فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه والثاني أوسطه وأقصده والثالث أدناه وأقربه (٢) . غير أن الخطابي لم يقل كما قال الرماني أن بلاغة القرآن تقتصر على النوع الأول وحده، بل ذهب إلى أنها أخذت حصة من كل نوع من الأنواع الثلاثة، فكان من امتزاج تلك الأنماط نمط جديد بين صفتي الفخامة والعذوبة - الفخامة تنتج عن الجزالة والعذوبة تنتج عن السهولة، وهما صفتان كالمتضادتين، فالتوفيق بينهما على نحو لا يحدث نبوة لا يتيسر إلا في القرآن.

стр. 330

كذلك فإن الكلام يقوم بثلاثة أشياء: لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وقد حاز القرآن في هذه الثلاثة معاً غاية الشرف والفضيلة: ففيه أفصح الألفاظ وأعذبها وأجزلها، واحسن التأليف وخير المعاني. " وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير؟ " (١) وبعد أن يبين الخطابي كيف تفنن القرآن في تنويع المعاني مدرجة في أحسن نظوم التأليف وقف عند الألفاظ وقفة دل بها على أن كلاً من التأليف والمعنى يعتمد على اللفظ، أو بعبارة أدق على وضع كل نوع من الألفاظ موضعه الأخص الأشكل به (٢) ؛ ولهذا عرج على بعض الألفاظ المتشابهة في المعنى (مثل الشح والبخل.. الخ) ودل على أن اللفظة الواحدة تصلح في موضع لا تصلح فيه الأخرى، فإذا تغيرت أو انتقلت عن موضعها اختل التأليف وتفاوت المعنى. واعتمد الخطابي على تفاوت الشاعرين إذا هما تنازعا معنى واحداً، وعلى تميز كل شاعر في ناحية كالأعشى والاخطل في وصف الخمر وذي الرمة في صفة الأطلال والدمن؛ إلا انه استغل هذه المسألة لدحض المعارضة للقرآن وبيان قصورها، ولم يستغلها على طريقة الباقلاني، كما سنرى من بعد. ولجأ الخطابي كما لجأ الرماني من قبله إلى الأثر النفسي فقال: " في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه غلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فانك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً إذا قرع السمع خلص له القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى، ما يخلص منه إليه،

стр. 331

تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها؟ " (١) ؛ إلا ان الخطابي يلمح تنوع هذا الأثر وتردده بين إثارة البهجة وإثارة الخوف والفزع عن طريق الائتلاف بين الثلاثة: المعنى واللفظ والرباط الناظم، وليس هو تأثيراً مستمداً من التشبيه أو الاستعارة أو ما أشبه من نكت بلاغية. الباقلاني والإعجاز وتعد جهود الرماني والخطابي على هامش النقد الأدبي إذا هي قيست بجهد الباقلاني (- ٤٠٣) لأنه الوحيد الذي استطاع أن يفيد إفادة تفصيلية من جهود النقاد السابقين، وأن يطور أثناء بحثه لقضية الإعجاز بعض النواحي النقدية. فبعد أن أطلع على الجاحظ وابن قتيبة وابن المعتز وقدامة والآمدي اتضح لديه أن فكرة الإعجاز لدى نقاد الأدب قد سارت في طريقين (وتعددت تعليلات الإعجاز من طرق أخرى غير الطريقة الأدبية) : إحداهما الطريق التي سار فيها ابن المعتز وقدامة وتبعهما فيها الرماني وهي تعليل الإعجاز عن طريق البديع، أو دراسة الصور البيانية في القرآن، وكان ابن قتيبة قد ألم بأطراف هذه الطريقة في كتابه " مشكل القرآن "، وأما الطريقة النقدية الثانية فهي مذهب القائلين بالنظم والتأليف وهي طريقة الجاحظ والآمدي وفيها سار الخطابي عندما تحدث عن الإعجاز، وكان الجاحظ قد ألف في فكرة الإعجاز كتاباً سماه " نظم القرآن ".

стр. 332

ليس الإعجاز من جهة البديع وتساءل الباقلاني: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تصمنه من البديع (١) ؛ وبعد أن سرد أنواع البديع - كما أوردها ابن المعتز وقدامة وربما ما عداه الحاتمي أيضاً - قال: " وقد قدر مقدرون انه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه، وليس كذلك عندنا، لان هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له وأمكنه نظمه؛ والوجوه التي نقول عن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال " (٢) . فالباقلاني لا يرى هذا الفن طريقاً لإثبات الإعجاز لأنه ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف بل انه شيء يمكن أن يحذقه المرء بالتعلم. ولكن ربما قيل أن أنواع البديع تمثل نوعاً من البراعة، وبهذا المعنى قد توجد في القرآن (٣) . رد على الرماني وكان أهم من استغل هذه الطريقة لابراز مدى الإعجاز في بلاغة القرآن هو الرماني، ولذلك عاد إليها الباقلاني قائلاً: " ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام: الإيجاز والتشبيه والاستعارة؟ الخ " (٤) ولخص كتاب النكت؛ ثم رجع إلى رأيه الذي لا يحيد عنه وهو ان الإعجاز لا يثبت من هذه الطريق: " وإنما ننكر أن يقول قائل إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الإعجاز من غير أن يقارنه ما يتصل به من الكلام ويفضي إليه مثل ما يقول: عن ما أقسم به وحده بنفسه معجز

стр. 333

وإن التشبيه معجز، وإن التجنيس معجز والمطابقة بنفسها معجزة؛ فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فإني لا أدفع ذلك وأصححه ولكن لا ادعي إعجازها لموضع التشبيه، وصاحب المقالة التي حكيناها (يعني الرماني) أضاف ذلك إلى موضع التشبيه وما قرن به من الوجوه؟ " (١) . تقصير الجاحظ في استقلال فكرة النظم، وإيثار موقف ابن قتيبة والآمدي وأما الطريقة النقدية الثانية التي تتحدث عن حسن التأليف فقد رأى الباقلاني أن الجاحظ قصر في استغلالها: " وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتاباً لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى " (٢) ، ولذلك فغن الباقلاني وجد الوسائل التي تسعفه على إثبات فكرة الإعجاز لدى ابن قتيبة والآمدي، وربما لدى الخطابي نفسه. الانتقال من التفاوت في الشعر إلى القول بعدم التفاوت في القرآن فإما ابن قتيبة فإنه كان قد شرح فكرة التفاوت بين قصائد الشاعر الواحد، كما شرح التفاوت بين الشعراء، فكانت هذه الفكرة مدخل الباقلاني إلى القول بان عدم التفاوت في نظم القرآن يرتفع به عن مستوى أي شعر أو نثر، لأنه لا بد من أن يخضع هذان عند البشر للتفاوت. " إن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام؟ ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور: فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين؟.

стр. 334

ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه؟ ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلاً ومنهم من ينظم القصيد؟ ولا ينظم الرجز؟ الخ " (١) . وأعجبت الباقلاني فكرة التفاوت هذه فشقق منها ضروباً جديدة إذ رأى أيضاً إن كلام الفصحاء يتفاوت في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد، وقد يحسن الشاعر النظم ويقصر في الخروج من معنى إلى غيره أو يختلف انتقاله أحياناً إذا اختلف الموضوع (٢) . ناقد الآمدي والتفاوت وهذا التفاوت نفسه منحك الناقد البارع لأنه لا يخفى عليه شيء من أمره، فهو يميز طرائق الشعراء بحيث لا تخفى عليه صنعة أبي نواس من سبك مسلم ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري، بل يستطيع ان يميز طرائق الكتاب، غلا حيث يغمض ذلك جداً في حال الشعر والنثر، وهذا الناقد هو الذي تقبل كلمته ولا يرد حكمه في النقد، - هو الناقد الذي وصفه الآمدي - وسبيل ذلك في إعجاز القرآن كالحال في الشعر والنثر، فإذا اشتبهت على الناشئ أو المتشاعر بلاغة القرآن فليس هو ممن يصار إلى رأيه فالبليغ يعرف علو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه، ولا غنى لمن قصر في هذا عن التسليم للناقد العارف كذلك (٣) .

стр. 335

الإعجاز في النظم بعد إدراك عدم التفاوت النظم إذن هو الطريق التي اختارها الباقلاني لإثبات الإعجاز، وليس انعدام التفاوت هو المظهر الوحيد الدال على إعجاز ذلك النظم، بل هناك عنصران آخران: أحدهما الطول الذي استوعبه ذلك النظم دون تفاوت، مع إن المعروف في حال الشعر والنثر إن الشاعر لا يجيد إلا في أبيات أو قصائد وأن الحكيم ليست له إلا كلمات معدودة (١) ؛ وثانيهما أن هذا النظم قد ورد على غير المعهود من نظم الكلام جميعه عند العرب، وذلك أن كلام العرب يقع تحت النماذج الآتية: ١ - أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه. ٢ - أنواع الكلام الموزون غير المقفى. ٣ - أصناف الكلام المعدل المسجع. ٤ - أصناف الكلام المعدل الموزون غير المسجع. ٥ - أنواع الكلام المرسل (٢) . فإذا تدبرنا نظم القرآن وجدنا أنه لا يسير على واحد من هذه النماذج، ولذلك ذهب الباقلاني ينفي أن يكون فيه شعر أو سجع، دونما حاجة إلى نفي الإرسال لأن ذلك واضح في أسلوبه لا يتطلب نفياً.

стр. 336

عرض نماذج من نثر البلغاء وشعر الشعراء لأدراك التفاوت ولإثبات ذلك - اعني تميز نظم القرآن - عرض الباقلاني نماذج من النثر فيها خطب للنبي والصحابة وغيرهم من مشهوري الخطباء دون أن يستثير أحكاماً على تلك الخطب وإنما اقتصر على أن يطلب إلى القارئ أن " يحس " مدى التفاوت بين ما يعد بليغاً من كلام البشر وبين نظم القرآن؛ وكان هذا العمل يقتضيه أن يتقدم خطوة أخرى فيعرض نماذج من الشعر ويبين ما فيها من عيوب ليدل على أن ما استأثر بتفضيل النقاد في الشعر لا يبلغ شيئاً بجانب بلاغة القرآن. وقد وقع اختياره على معلقة امرئ القيس وعلى قصيدة للبحتري، وأدته هذه اللفتة إلى القيام بدراسة كل من القصيدتين فكان من أول من تنبهوا إلى إجراء نقد تطبيقي على قصيدة كاملة، اعتماداً على التحليل المتدرج لأبياتها، وإزاء ذلك وقف عند سورة من سور القرآن فيبين ما فيها من وجوه البراعة المعجزة. تفاوت قصيدة امرئ القيس نتيجة مفروضة ابتداء وقد اتعب القاضي نفسه في تحليل القصيدتين ليصل إلى نتيجة كان قد فرضها ابتداء وهي تفاوت أبيات القصيدة الواحدة ولذلك انتهى في قصيدة امرئ القيس إلى وله: " اعلم أن هذه القصيدة قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذلة وأبيات متوسطة وأبيات ضعيفة مرذولة وأبيات وحشية غامضة مستكرهة وأبيات معدودة بديعة؟ ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة ويذوب تارة ويتلون تلون الحرباء ويختلف اختلاف الأهواء ويكثر في تصرفه اضطرابه وتتقاذف به أسبابه، وبين قول يجري في سبكه على نظام وفي رصفه على منهاج، وفي وضعه على حد، وفي صفائه على باب، وفي بهجته ورونقه على طريق " (١) .

стр. 337

طريقة الباقلاني في نقد قصيدة امرئ القيس وفي سبيل الوصول إلى هذه النتيجة الواضحة منذ استغل الباقلاني طرائق نقدية من تحليل ومقارنة وغير ذلك، وتمحل تمحلاً كثيراً وركب ضروباً من التعسف، دون أن يضطره إلى ذلك شيء لإثبات بديهة من بدائه القدرة الإنسانية في فن الشعر. وإليك أمثلة من تعليقاته ونقده: ١ - قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل أنت تعلم انه ليس في البيتين شيء قد سبق في ميدانه شاعراً، ولا تقدم به صانعاً، وفي لفظه ومعناه خلل، فأول ذلك: انه استوقف من يبكي لذكر الحبيب، وذكراه لا تقتضي بكاء الخلي وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا على أن يبكي لبكائه ويرق لصديقه في شدة برحائه فأما أن يبكي على حبيب صديقه وعشيق رفيقه فأمر محال؟ وفسد المعنى من وجه آخر: لأنه من السخف أن لا يغار على حبيبه وأن يدعو غيره إلى التغازل عليه والتواجد معه فيه. ثم في البيتين ما لا يفيد من ذكر هذه المواضع وتسمية هذه الأماكن؟. وقوله " لما نسجتها " كان ينبغي ان يقول: " لما نسجها " ولكنه تعسف فجعل (ما " في تأويل تأنيث؟ وقوله " لم يعف رسمها " كان الأولى أن يقول: " لم يعف رسمه " لأنه ذكر المنزل؟ ولو سلم من هذا كله ومما نكره ذكره كراهية التطويل، لم نشك في أن شعر أهل زماننا لا يقصر عن البيتين بل يزيد عليهما ويفضلهما. ٢ - كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل أنت لا تشك بان البيت الأول قليل الفائدة ليس له مع ذلك بهجة، فقد يكون الكلام مصنوع اللفظ وإن كان منزوع المعنى، وأما البيت الثاني فوجه

стр. 338

التكلف فيه قوله " إذا قامتا تضوع المسك منهما " ولو أراد أن يجود أفاد ان بهما طيباً على كل حال، فأما في حال القيام فقط فذلك تقصير. ثم فيه خلل آخر لأنه بعد أن شبه عرفها بالمسك شبه ذلك بنسيم القرنفل، وذكر ذلك بعد ذكر المسك نقص. ٣ - ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي تقول وقد مال الغبيط بنا معاً ... عرت بعيري يا امرؤ القيس فأنزل قوله " دخلت الخدر خدر عنيزة " ذكره تكيرياً لإقامة الوزن لا فائدة فيه غيره ولا ملاحة له ولا رونق. وقوله " فقالت لك الويلات؟ " كلام مؤنث من كلام النساء، نقله من جهته إلى شعره وليس فيه غير هذا؟ وفي مصراع الثاني أيضاً تأنيث من كلامهن. ٤ - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول (الأول) فيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من مثله ويأنف من ذكر (والثاني) غاية في الفحش ونهاية في السخف وأي فائدة لذكره لعشيقه كيف كان يركب هذه القبائح ويذهب هذه المذاهب ويرد هذه الموارد، عن هذه ليبغضه إلى كل من سمع كلامه ويوجب له المقت؛ وهو؟ لو صدق - لكان قبيحاً، فكيف ويجوز أن يكون كاذباً؟ ثم ليس في البيت لفظ بديع ولا معنى حسن " (١) . وهكذا يظل الباقلاني متنقلاً في الكشف عن عيوب امرئ القيس، فبعض كلامه غير بديع وبعضه حشو؛ وفيه تناقض، وركاكة، وتأنث في التعبير ولكن أكثر ما يهيج غضبه خروج الشاعر عن الجادة الخلقي إلى ما يأنف منه الكريم.

стр. 339

خطورة المنهج منهج الباقلاني على فكرة الإعجاز وهذا المنهج الذي سار فيه الباقلاني اعني تحليله للقصيدة الواحدة وبيان مبلغ التفاوت فيها غير سليم النتائج لأنه يوحي بالموازنة بين شيئين متباعدين رغم ان الباقلاني حاول جاهداً ان ينفي الموازنة بقوله: (عن الكلام في الشعر لا يجوز أن يوازن به القرآن " (١) ؛ وإنما تأتي خطورة هذا المنهج من محاولة بسط حديث إيجابي عن حقيقة الاعجاز؛ وقد قلنا في غير هذا الموطن أن تبين النواحي السلبية أمر سهل فأما تقرير الصفات الإيجابية فإنه شيء بالغ الصعوبة؛ ولهذا لا أرى الباقلاني جاء بشيء ذي بال وهو يحاول أن يبين خصائص الآيات القرآنية التي درسها. هل كل تفاوت معيب؟ وهناك أمر لم يتنبه له الباقلاني حين عاب جميع أنواع التفاوت، وذلك إن بعض التفاوت في طبيعة النظم نفسه مما يقتضيه اختلاف الأحوال النفسية، بين موقف وموقف؛ وهذا هو الذي لم يمكن الباقلاني مثلاً من فهم " قيمة التأنث " فيما ينقله امرؤ القيس من حدي النساء، هذا إذا لم يكن ناقماً عليه من الزاوية الأخلاقية. رجوع إلى منطقة اللاتعليل إن طبيعة هذا النقد تصل دائماً إلى مجال " اللاتعليل " بسهولة ويسر، وذلك هو ما وقف إزاءه العقد عند الآمدي والجرجاني حتى أمام بعض الآثار الشعرية التي لا يمكن ان ينسب لها الإعجاز، ولذلك بقيت لدى الباقلاني خطوة أخرى هي التمييز بين " المعجز " من كلام الخالق، وبين " الرائع " من كلام المخلوق، إذ يبدو أن الإحالة فيهما على الناقد البارع والاطمئنان إلى حكمه لا يبين الفرق بينهما.

стр. 340

ناقد الآمدي مرة أخرى واللجوء إلى حمى التأثير النفسي وأخيراً فلابد لهذا النقد ان يلجا في النهاية إلى التأثير النفسي، مجملاً دون تفصيل أو توجيه، فيقول كما قال الباقلاني: " فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرفه وأبوابه من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته وحسن موقعه في السمع وسهولة اللسان ووقوعه في النفس موقع القبول؟. وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما يذهل ويبهج ويقلق ويؤنس ويطمع ويؤيس ويضحك ويبكي ويحزن ويفرح ويسكن ويزعج ويشجي ويطرب؟. وله مسالك في النفوس لطيفة ومداخل إلى القلوب دقيقة " (١) ، وفي هذا تلتقي الطريقان، طريق أهل البديع وطريق أنصار التأليف والنظم ويكون الباقلاني قد ربط بين نتائج الرماني والخطابي، وجمع إلى ذلك كله صنوفاً من المواقف النقدية. رعي الباقلاني بقضايا النقد على عصره كان الباقلاني على وعي دقيق بقضايا النقد الأدبي حسبما بلغت في تصورها حتى عصره، وقد مس كثيراً من القضايا عابراً دون توقف، من ذلك مثلاً فكرة العلاقة بين التصوير والشعر، وكيف ان الشعر هو " تصوير ما في النفس للغير " (٢) ؛ ومن ذلك لمحه أن " الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصر " (٣) . وأمثال هذا من لمحات؛ ولكنا لم نعرض لما ألمح إليه مسرعاً، كما لم نعرض للمشكلات الكلامية التي ناقشها حول فكرة الإعجاز وإنما قصرنا الحديث على المسائل النقدية الكبرى التي استخدمها في كتابه.

стр. 341

كتاب الصناعتين نموذج للكتاب المدرسي الذي لم يأتي بجديد إطلاقاً ومع أن كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري (- ٣٩٥) لم يؤلف لإثبات الإعجاز، فإن هذه الفكرة كانت من العوامل الكبيرة التي وجهت المؤلف إلى تصنيف ذلك الكتاب، فهو في نهاية المطاف بلاغي الطابع، وإن لم يفصل كثيراً بين البلاغة والنقد مثلما مزج شواهده وقواعده كي تكون صالحة لقياس الصناعتين معاً، أي الشعر والنثر؛ وفي المقدمة يتحدث المؤلف حديثاً عن العلاقة بين البلاغة والإعجاز حين يقول: " إن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ - بعد المعرفة بالله جل ثناؤه - علم البلاغة ومعرفة الفصاحة الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى؟ " وهو على مذهب القائلين بان الإعجاز إنما يكمن في حسن التأليف وبراعة التركيب، ولكنه ليس كالباقلاني في الفصل بين الحديث عن نظام التأليف وعن صور البديع، وإنما يرى أن الكشف عن وجوه البديع وصور البيان وسيلة لإدراك حسن النظم والتأليف، أي انه يريد ان يتعلم الناس البلاغة ليتكون لديهم الذوق والفهم المسعفان على إدراك الإعجاز " وقبيح لعمري بالفقيه المؤتم به والقارئ المهتدي بهديه والمتكلم المشار غليه في حسن مناظرته وتمام آلته في مجادلته، وشدة شكيمته في حجاجه، وبالعربي الصليب والقرشي الصريح ألا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي والنبطي أو من يستدل عليه بما استدل بها الجاهل الغبي " (١) . وكتاب الصناعتين حسن التبويب حافل بالأمثلة، سهل المأخذ للدارس، ويحتل البديع فيه أكثر من ثلثه؛ ولكنه صورة عجيبة لعدم الاستقلال بأي رأي ذاتي؛ وليس لأبي هلال فيه إلا تنسيق المادة وترتيبها في فصول والاستكثار من الأمثلة؛ ولقد ينخدع القارئ بالكتاب لأول وهلة لأن المؤلف لم

стр. 342

يشر من مصادره في المقدمة إلا إلى البيان والتبيين للجاحظ، ولا يذكر في درج الفصول سوى قدامة؛ ولكن من يعرف مصادر النقد الأدبي معرفة وثيقة يستطيع أن يرد كل راي في هذا الكتاب إلى مصدر سابق. ولست أشير إلى ما نقله من البيان والتبيين ولكن حسبي أن أذكر أمثلة أخرى: ص ٩٨ - ١٠٤ نظرية قدامة في قيام المدح على الفضائل ونظريته في الهجاء، والأمثلة نفسها مستمدة من قدامة. ١١٩ - ١٢٧ حديث عن عيوب أبي تمام في المعاني وأمثلة ذلك، وكله مستمد من الموازنة للآمدي ١٢٨ - ١٣١ عودة إلى كتاب " نقد الشعر " لقدامة. ١٣٩ - ١٤٢ نقل من عيار الشعر لأبن طباطبا، وهناك نقول أخرى منه (مثلاً ص ٥٧، ١٤٧، ٢٤٥، ٢٥٠) . ١٤٢ - عودة إلى النقل من قدامة. ١٤٨ - نقل من رسالة الصاحب في الكشف عن مساوئ المتنبي. ١٤٨ - ١٥٢ نقل عن ابن قتيبة. ١٦٣ - ١٦٤ شرح المعاظلة، ونقل رد الآمدي على قدامة في تحديدها. ١٩٦ - سائر الحديث عن السرقات وأمثلتها مستمد من مصادر متعددة. ١٩٧ - رأي قدامة في الاستطراف. ٢٤٣ - نقل عن " الوساطة " للجرجاني.

стр. 343

ص ٣٠٣ الاستعارات الرديئة عند أبي تمام منقولة عن الموازنة. وهذه أمثلة وحسب، ولو كنا نتصدى لتحقيق كتاب الصناعتين في هذا المقام لرددنا كل ما فيه إلى مصادره، ولهذا السبب لا نرى لهذا الكتاب في تاريخ النقد أية قيمة جديدة، لان صاحبه لم يضف إلى الآراء السابقة أي شيء من لدنه، وكتابه علامة على أن ترتيب الآراء وتنسيقها أصبح حاجة ملحة لدى طلاب النقد والبلاغة في أواخر القرن الرابع، وما أمتع أن تكون فائدته هي ترسيخ الآراء النقدية التي جاء بها نقاد القرنين الثالث والرابع في نفوس الدارسين على نحو واضح مبسوط مزود بكثير من الأمثلة.

стр. 344

النقد الأدبي في القرن الخامس

стр. 345

النقد الأدبي في القرن الخامس طريق الشعر في القرن الخامس حين شبه ابن وكيع الشاعر الذي يتطلبه العصر (أواخر القرن الرابع) بالمطرب ذي الصوت الجميل دون الحجة به إلى معرفة الألحان، وعلل ذلك بزهد الناس في الأدب " في هذا العصر "، كان يشير إلى حقيقتين: إحداهما أن التيار الذي يراد للشعر أن يسير فيه - عن شاء أن يجد قبولاً - هو المضي في طريق السهولة والسطحية والعفوية والملاحة الموسيقية ومباشرة الموضوعات القريبة إلى النفوس والافهام، والثانية أن الذوق الأدبي في أواخر القرن الرابع كان يعاني أزمة تحول، وان هذه الأزمة ستشتد في القرن الخامس؛ ولن تكون هذه الأزمة في معظمها حول هذا الشاعر أو ذاك بل ستكون حول مجموع الخصائص التي تمثل حقيقة الشعر. لماذا خلق المتنبي أزمة في الشعر والنقد وكان المتنبي نفسه هو سر تلك الأزمة: فقد كان المنتظر حسب طبيعة الأشياء أن يكون شعراء القرن الرابع - أو المتميزون منهم - (بالإضافة إلى من قبلهم من شعراء العصور السابقة) هم محور النقد الذي سيدور في القرن الخامس؛ ولكن حقيقة النقد في هذا القرن تشير إلى ان ذلك الحشد الكبير الذي جمعه الثعالبي في اليتيمة لم ينل من النقاد إلا إشارات عابرة، تصلح أحياناً للتمثيل أو المقارنة السريعة، ولكن لم يصب أحداً منهم دراسة، ولا قامت أية موازنة بين اثنين منهم، ولا استكشف لهم شيء من المحاسن؛

стр. 346

وظل المتنبي يسيطر على تصور النقاد: إما وحده وإما مقترناً بابي تمام والبحتري، وغما مقترناً بقدامى الفحول من جاهليين وإسلاميين. وإذا كان ابن وكيع صادقاً في تصوره لأزمة عصره، فأن هذه الظاهرة نفسها تقول إن القرن الخامس سيشهد انفصالاً أوسع من ذي قبل بين الشعر والجماهير، وأن الجمهور الذي سيظل اهتمامه بالأدب حياً يمثل قلة من طبقة المثقفين بالثقافة الأدبية، وأن الذوق العام سيتطلب بعد ذلك غذاءه الأدبي في تيار شعري آخر (أو تيارات أخرى) ؛ فأما تقلص الجمهور فيكفي في تصويره أن نتذكر أن أبا العلاء المعري كان يمثل القطب الأدبي في النصف الأول من القرن وان الحريري كان هو القطب في النصف الثاني منه؛ وأما غذاء الذوق العام في تيارات شعرية أخرى فيقتضي النظر لا في القرن الخامس وحده بل في القرن التالي وما بعده؛ حيث يطالعنا ناقد يلمس بإحساسه العميق أن الشعر قد فقد محوره منذ قرنين، ذلك هو حازم القرطاجي الذي يقول: "؟ هو الذي ران على قلوب شعراء المشرق المتأخرين وأعمى بصائرهم عن حقيقة الشعر منذ مائتي سنة، فلم يوجد فيهم على طول هذه المدة من نحا الفحول ولا من ذهب مذاهبهم في تأصيل مبادئ الكلام وإحكام وضعه وانتقاء مواده التي يجب نحته منها، فخرجوا بذلك عن مهيع الشعر ودخلوا في محض التكلم " (١) . وحين نقول إن المتنبي سر تلك الأزمة لا نعني انه صنعها عامداً، ولكنها حدثت بسببه من ناحيتين، اولاهما انه لم يأت بعده من يخلفه في وقفته الأدبية الشاهرة، صحيح إن المعري كان عبقري خلاقة برى، ولكن طبيعة أدبه باعدت بينه وبين الكثيرين، فعمقت الأزمة بدلاً من أن تحلها، وكانت الغرابة سوراً بينه وبين المثقف الوسط، كما كانت تهمة الزندقة - وهي تهمة باطلة - حجازاً بينه وبين نفسية الجماهير، فإذا قلنا إن موقف المعري كان

стр. 347

تمسكاً مجدداً بالمتنبي أدركنا لماذا لم يستطع أن يساعد على حل الأزمة في القرن الخامس؛ وأما الناحية الثانية: فهي أن ما حققه المتنبي كان خطير النتائج، يشبه الورطة المنطقية، ولبيان ذلك أقول إنه حقق - في أقل تقدير - ثلاثة أمور: ١ - عودة إلى النزعة البدوية في الروح وإلى البداوة في الأسلوب (وكانت هذه إحدى طرقه لليقظة العربية) . ٢ - تمثيل منتهى ما بلغه عصره من عمق فكري (تجريبي أو فلسفي تجريدي) . ٣ - محو الفارق بين الشعر والخطابة بتساو عجيب دون تغليب أحدهما على الآخر. وتتفاوت هذه العناصر في ظهورها في قصائده، ولكنك حين تقرا مثل قوله يستعطف سيف الدولة عل بني كلاب تحس بها مجتمعة في تساند لا يختل. ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب وكم ذنب مولده دلال ... وكم بعد مولده اقتراب وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب وكان هذا يجتمع إلى إحساس داخلي بان الشعر لا يمكن ان يتفوق على ذاته بعدها، ولو كنا نضع على ألسنة متذوقي شعره مصطلحنا النقدي لقلنا إن الإحساس بالوحدة والتكامل الذي كان يحسه قارئ قصيدته، كان يدفع إعجاب القارئ إلى منطقة الحيرة والذهول، وما لنا نبعد في تصوير هذه الحقيقة وهي التي ملكت على المعري وجدانه حتى سمى ديوان المتنبي " معجز احمد ". وقد حاول كل من الشريف الرضي والمعري أن يقتفي

стр. 348

آثاره في نزعته البدوية، وحاول المعري أن يحاكيه في نقل فلسفته من خلال الشعر، فنجح نجاحاً اقل، لضيق نطاق التجربة " الحياتية ". ولهذا لا نستغرب أن يظل النقد في مطالع القرن الخامس يتخذ المتنبي محوراً، فيكتب محمد بن جعفر القزاز القيرواني (- ٤١٢) كتابه " ما اخذ على المتنبي "، ويدرسه الثعالبي ويهاجمه العميدي، ويشرح ابن فورجة والمعري لنشوء النظرية والتبريزي وابن الافليلي وابن القطاع ديوانه؛ ثم أن يكون الموجه لنشوء النظرية النقدية الجديدية في القرن الخامس هو طبيعة شعره؛ اعني مقياس " البداوة " الذي نجده عند الشريف المرتضى، فأبيات أبي نواس " كان الشباب مطية الجهل " يقال فيها: " وعلى هذا الكلام طلاوة ومسحة من أعرابية ليست لغيره " (١) ؛ وما نظن أبا نواس الذي كان يمقت الأعراب يرضى عن هذا المقياس لو سمع به. أو يقول المرتضى في أبيات لأخيه: " هذه أبيات ناصعة رائقة عليها مسحة من أعرابية وعبقة من بدوية " منهاج البلغاء: ١٠. (٢) . نمو التضايق من غلبة الذوق المحدث وتحت وطأة هذا الاتجاه غلب الإحساس الذي أحسه الخالديان ذات يوم في أواخر القرن الرابع بالضيق من طغيان الذوق المحدث، والدعوة للعودة إلى القدماء، وكان للمعري أثره في هذا النطاق، فاقبل الناس على تدارس الشعر الجاهلي والمخضرم، وتصدى الشراح لشرحه، فقام المرزوقي بشرح الحماسة وقام التبريزي بشرح الحماسة والمعلقات والمفضليات، وشرح الزوزني المعلقات السبع؛ ووصلت هذه الموجة إلى الأندلس، فقام علماؤها بشرح الحماسة والأشعار الستة، وألف الأعلم حماسة جديدة تمثل الشعر القديم. وعبر المعري الناقد - من خلال انشغاله باللغة والنحو والعروض - عن بعض ضيقه بالشعر المحدث: " وقد سمعت في أشعار المحدثين إلي وعلي وهو دليل

стр. 349

على ضعف المنة وركاكة الغريزة " (١) ؛ وعندما رأى كلمة " نودي " بتسكين الياء قال: لا احب ذلك وإن كان جائزاً، وإنما يوجد في أشعار الضعفة من المحدثين (٢) ؛ بل إنه عندما تحدث عن العروض فرق في ذلك بين الفحول وشعراء المدن فذهب إلى أن البسيط والطويل اشرف الأوزان وعليهما جمهور شعراء العرب؛ وان المديد وزن ضعيف لا يوجد في اكثر دواوين الفحول؟ وإن الأوزان القصار إنما توجد في أشعار المكيين والمدنيين كعمر بن أبي ربيعة ومن جرى مجراه كوضاح اليمن والعرجي ويشاكلهم في ذلك عدي بن زيد لأنه كان من سكان المدر بالحيرة (٣) . إحساس الناقد بأزمة في الابتكار والتوليد وعلى ضوء هذا التاريخ الأدبي الذي ينتهي بأبي الطيب ولا يعدوه إلا قليلاً أحس بعض النقاد بان القرن الخامس يعاني فقراً في الابتكار والتوليد (والمعري خارج هذه الصورة) ؛ قال ابن رشيق: " وان قال قائل ما بالكم يا معشر المتأخرين كلما تمادى بكم الزمان قلت في أيديكم المعاني وضاق بكم المضطرب؛ قلنا: أما المعاني فما قلت، غير أن العلوم والآلات ضعفت، وليس يدفع أحد أن الزمان كل يوم في نقص وان الدنيا على آخرها، ولم يبق من العلم إلا رمقه، معلقاً بالقدرة، ما يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع إلى الأرض غلا بإذنه " (٤) . فبان رشيق يرى أن ضعف الطلب (أي قلة إقبال الناس على الثقافة، وضعف الآلة (أي تخلي الطبع والدربة والذكاء عن أصحابها) هما السبب في ندرة التجديد في المعاني. ويحتج ابن رشيق لرأيه هذا بأن المعاني ظلت تتوسع على مر الزمن، فكانت معاني الإسلاميين زائدة على معاني القدماء والمخضرمين حتى كثرت الابتداعات والتوليدات

стр. 350

في شعر جرير والفرزدق، ثم جاء بشار وأصحابه فزادوا معاني لم تخطر ببال جاهلين ثم كان ابن الرومي وشانه في المعاني شأنه، ويعقب على ذلك بقوله: "؟ إنني ذممت إلى المحدثين أنفسهم في أماكن من هذا الكتاب وكشفت لهم عوارهم ونعيت لهم أشعارهم، ليس هذا جهلاً بالح ولا ميلاً إلى بنيات الطريق، لكن غضاً من الجاهل المتعاطي والمتحامل الجافي الذي إذا أعطى حقه تعاطى فوقه، وادعى على الناس الحسد، وقال: أنا ولا أحد، وإلى كم أعيش لكم. وأي علم بين جنبي لو وجدت له مستودعاً، فإذا عورض في شعره بسؤال عن معنى فاسد، أو طولب بحجة في لجنة أو شاذ، أو نوظر في كلمة من ألفاظ العرب مصحفة أو نادرة. قال: هكذا اعرف، وكأنما أعطى جوامع الكلم؛ حاش لله، واستغفر الله، بل هو العمى الأكبر والموت الأصغر، وبأي إمام يرضى، أو إلى أي كتاب يرجع وعنده أن الناس أجمعين بضعة منه، بل فضلة عنه " (١) . القلق من الربط بين الشعر والتكسب وازداد إحساس الناقد الشاعر في القرن الخامس، بمشكلة طال بها الغناء، أهدرت كثيراً من الجهد في تاريخ الشعر العربي، وأعني بها العلاقة بين الشعر والتكسب؛ حتى أصبحت عنصراً من العناصر التي يسوقها من يهجنون الشعر ويفضلون عليه النثر، في حجاجهم؛ وقد كان النظر إليها من الزاوية المثالية سهلاً على شاعر ناقد كالمعري، لم يبتذل شعره من اجل الكسب، والتزم الزهد والتعفف مبدأ صارماً، ولذلك تجده يسخر من هذا الموقف في حياة الشعر، فيدفع بطل رسالة الغفران (الشيخ ابن القارح) إلى ممارسة المدح على مختلف القوافي ليكون شعره شفيعاً له لدى رضوان وزفر الواقفين على بابين من أبواب الجنة، فإذا سئل الشيخ: ما الشعر - بلهجة الاستغراب - قال: " كان أهل العاجلة يتقربون به إلى الملوك والسادات " (٢) ؛

стр. 351

أما الناظر إلى تلك المشكلة من الزاوية الواقعية فكان لابد أن يتذرع لمواجهتها بشيء من الحيلة، إذ غدا أمراً مستعصياً؛ ولهذا نرى ابن رشيق يتناولها على مستويات مختلفة: فإذا استطاع الشاعر أن يقول الشعر بدوافع ذاتية ولم بقله رغبة أو رهبة أو مدحاً أو هجاء فذلك زائد في أدبه شاهد بفضله؛ ولكنه إذا لم يستطع ذلك وكان ضئيل المنزلة فاحب أن يرتفع فيها فنال بشعره الرتب واتصل بالملوك فليس ذلك بدعاً مستغرباً منه؛ أما المعيب فهو أن يكون الرجل سرياً شريفاً فيصنع الشعر ليتكسب به المال دون غيره وهو يعلم أن الشعر " أبقى من المال وانفس ذخائر الرجال " فذلك إذا مدح من فوقه سمي ضارعاً، وإذا مدح مساويه نزل عن درجة المساواة، وإذا هجا من دونه ضل ضلالة وتم خزيه (١) ؛ ويقرر ابن رشيق مبدأ للتكسب - وهو عارف بفضل التعفف الذي مارسه كثير من الشعراء ممن " وقر نفسه وقارها وعرف لها مقدارها حتى قبض نقي العرض مصون الوجه ما لم يكن به اضطرار تحل به الميتة فأما من وجد البلغة والكفاف فلا وجه لسؤاله بالشعر " (٢) - ويعتمد هذا المبدأ على التساهل في أخذ الشعراء من الملوك والرؤساء الجلة (كما فعل النابغة وزهير) ، والشعراء في ذلك معذورون أكثر من أهل الورع والفتيا، فأما الذميم فهو مسلك الحطيئة (فقبح الله همته الساقطة - على جلالة شعره وشرف بيته - وقد كانت الشعراء ترى الأخذ ممن دون الملوك عاراً فضلاً عن العامة وأطراف الناس " (٣) . وقد كانت هذه الوقفة، سواء في نهكم المعري أو في تسويغ ابن رشيق، يقظة قصيرة المدى على الحال الزرية التي بلغها ارتباط الشعر بعطف السادة والكبراء وكل من يستطيع أن يمد يد الإحسان للشعراء؛ ولذا كانت اضعف من أن تكسر القيود المستحكمة، التي طال عليها الامد، وأصبح الخلاص منها - بحكم الأوضاع الاقتصادية -

стр. 352

شيئاً يشبه المستحيل؛ وإذا كان أثرها في الشعر أوضح فإن أثرها في النقد غير معدوم، وحسبك أن تسمع ناقداً مثل ابن رشيق نفسه ما يزال يبني كثيراً من قواعده النقدية على آداب اللياقة في مجالس الممدوحين، ولو انه آمن بان انكسار الحلقة السحرية ممكن لما كان بحاجة إلى تكرار تلك القواعد؛ كذلك فإنه يوجه آراءه في النقد بوحي من ذلك الموقف الاجتماعي، فينقل عن أستاذه عبد الكريم النهشلي قوله: " قالوا: حسن البلاغة ان يصور الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، ومنهم من يعيب ذلك المعنى ويعده إسهاباً وآخر يعده نفاقاً " ويرد على الجزء الأخير من هذا الحكم بقوله: " والذي أراه أنا أن هذا النوع من البيان غير معيب بأنه نفاق لأنه لم يجعل الباطل حقاً على الحقيقة ولا الحق باطلاً وإنما وصف محاسن كل شيء مرة ثم وصف مساويه مرة أخرى " (١) ؛ وكان ابن رشيق يدرك ان الحرية التي ينالها الشاعر ذات مسئوليات كبيرة ولذلك نجده يسرع إلى إنكار مسئولية الشاعر تجاه ما يؤمن به من مبادئ: " وما للشاعر والتعرض للحتوف، وإنما هو طالب فضل " (٢) فقوله " طالب فضل " يفسر أن الاستمرار في العبودية الاقتصادية مأمنه من كل ثورة على الأخطاء " وكل شيء يحتمل إلا الطعن على الدول " (٣) ؛ وهذا هو التيار النقدي الشعري الذي كتبت له الغلبة في عصر كان أبو العلاء يقول فيه: مل المقام فكم أعاشر أمة ... أمرت بغير صلاحها امراؤها ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... وعدوا مصالحها وهم إجراؤها

стр. 353

عودة إلى التمرس بالقضايا المقدسة القديمة وحين اخفق الشعر في أن يجد طريقه الصحيحة وغايته أخفق النقد في التطور إلى مستويات جديدة، ولذلك كرر الحديث عن عمود الشعر - مع تطوير جزئي فيه - وعن المفاضلة بين النثر والشعر، وعن السرقات - في مجال القواعد والتطبيق - وعن المطبوع والمصنوع، ومبدأ " الكذب والصدق " في الشعر وعن انقسام النقاد في عصبيتهم للفظ أو المعنى وعن شئون البديع وعلاقتها بالمستوى البلاغي، وعن عناصر أخرى شكلية في طبيعة العمل الفني، وبدا ان الوصول إلى نتائج جديدة لا يتعدى أموراً جزئية. انشطار النقاد في قسمين إزاء المشكلات النقدية ومما يلفت النظر هذا التباين الواضح الذي استمر مريره بين النقاد، على شكل يوحي بوجود تيارين متوازيين متباعدين على الدوام، فبينا يقف المرزوق ليبين فضل النثر على الشعر، يقف ابن رشيق ينادي بأفضلية الشعر، فكأنهما يعيدان طبيعة الموقف في القرن الرابع دون أن يحسا بقلة جدوى ما يفعلان؛ وبينا يمعن العميدي في الكشف عن سرقات المتنبي سائراً في خط الحاتمي وابن وكيع، تجد الشريف المرتضي يذهب الجرجاني في تحريم القول بالأخذ والسرقة: " ليس ينبغي لأحد أن يقدم على أن يقول أخذ فلان الشاعر هذا المعنى من فلان، وإن كان أحدهما متقدماً والآخر متاخراً، لانهما ربما تواردا من غير قصد ولا وقوف من أحدهما على ما تقدمه الآخر إليه، وإنما الإنصاف أن يقال: هذا المعنى نظير هذا المعنى ويشبهه ويوافقه، فأما أخذه وسرقه فما لا سبيل إلى العلم به، لأنهما قد يتواردان على ما ذكرناه، ولم يسمع أحدهما بكلام الآخر، وربما سمعه فنسيه وذهب عنه ثم اتفق له مثله من غير قصد، ولا يقال أيضاً أخذه وسرقه إذا لم يقصد إلى ذلك " (١) ؛ وكذلك أشبه المرتضى الجرجاني والآمدي في قوله عن هناك معاني متداولة مألوفة لا تؤخذ ولا

стр. 354

تسرق، وزاد قوله إنه يجب ألا يحكم الناقد لمعنى من المعاني بالسبق والتفرد لأنه لا يأمن أن يكون هذا المعنى قد ورد في شعر لم يبلغه " فإن الخواطر لا تضبط ولا تحصر، ومن ذا الذي يحيط علماً بكل ما قيل وسط وذكر " (١) . وإذ نجد نقاداً مثل ابن شرف يلتمسون كل وسيلة لإلصاق الخطأ بالشاعر نجد الشريف المرتضى ميالاً إلى التساهل لان الشاعر لا يبني كلامه على التحقيق والتحديد " وكلام القوم مبني على التجوز والتوسع والإشارات الخفية والإيماء على المعاني تارة من بعد وتارة من قرب، لأنهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق، وإنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم " (٢) . الاختلاف حول مشكلة اللفظ والمعنى ومع أن اكثر نقاد القرن الخامس يميلون إلى التوفيق بين اللفظ والمعنى فإنك تجدهم في حيرة شديدة من أمرهم لأنهم لم يهتدوا إلى قاعدة صحيحة تنجيهم من التردد، فالمرتضى يقول: " وحظ اللفظ في الشعر أقوى من حظ المعنى " (٣) ، وأخوه الرضي يقول: " إن الألفاظ خدم للمعاني لأنها تعمل في تحسين معارضها وتنميق مطالعها " (٤) ، والمرزوقي ينادي بائتلافهما، وابن رشيق يدرك انقسام الناس حولهما، ثم تجده يقول: " وأما ابن الرومي فأولى الناس باسم شاعر لكثرة اختراعه وحسن افتنانه " (٥) ، حتى إذا أخذ في النقد كان ميله إلى ناحية الشكل أظهر؛ ويمثل ابن الرومي مشكلة يتباين حولها الرأي، فبينا يعتبر ابن رشيق من المعجبين به لكثرة اختراعه

стр. 355

نجد المرتضى يعد أن طريقته مخالفة للطريقة الصحيحة لأنه " يورد المعنى ثم يأخذ في شرحه في بيت آخر وإيضاحه وتشعيبه وتفريعه، فربما اخفق واكدى وربما أصاب فأصمى، لأن الشعر إنما تحمد فيه الإشارة والاختصار والإيماء إلى الأغراض وحذف فضول القول " (١) ، ويمكن القول بأن نقاد القرن الخامس قد أكدوا استكشاف ابن الرومي بعد أن نسيه الناس لانشغالهم بالحديث عن البحتري وأبي تمام والمتنبي (٢) . وعلى الجملة تغلب أنصار نظرية الائتلاف بين اللفظ والمعنى، وفي ظل فكرة الإعجاز دفع عبد القاهر بنظرية الائتلاف إلى نهايتها تحت اسم " النظم ". استقواء التيار الأخلاقي ونجم عن اللامسئولية العابثة في ميدان الشعر استقواء تيار أخلاقي في النقد، وبخاصة حيث اقترن الشعر بالفقه أو اقترن بالفلسفة الأفلاطونية في الأندلس. وفي مثل هذا الجو النقدي يتجلى لنا أن محاولة ابن سينا في توضيح " كتاب الشعر " لأرسطو، ما كان في إمكانها أن تثير شيئاً جديداً، حتى ولو فهمت آراء ارسطو فهماً مقارباً للأصل؛ لقد كان يمكن لابن حزم الأندلسي أن يفيد من هذا الكتاب، لو وصله أو لم فهمه، ولكن يبدو انه لم ير هذا الكتاب، أو انه رآه فاستبعد انطباقه على الشعر العربي. اتساع المجال الجغرافي في نقد القرن الخامس وأياً كان الأمر فإن الناظر إلى النقد الأدبي في القرن الخامس يجد ان المجال الجغرافي أمامه قد اتسع، غذ شاركت فيه الأندلس والقيروان بنصيب؛ وأنه شهد قالباً قد نعده جديداً - إذا استثنينا المقامة الجاحظية للبديع - وهذا هو " المقامة النقدية " - وهي شكل يدل على الضيق بالتحليل ويحاول إيجاز النظرات العامة وترسيخها في نفوس الدارسين؛ ولا ريب في أن بعض
следующие страницы →