← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أما الناظر إلى تلك المشكلة من الزاوية الواقعية فكان لابد أن يتذرع لمواجهتها بشيء من الحيلة، إذ غدا أمراً مستعصياً؛ ولهذا نرى ابن رشيق يتناولها على مستويات مختلفة: فإذا استطاع الشاعر أن يقول الشعر بدوافع ذاتية ولم بقله رغبة أو رهبة أو مدحاً أو هجاء فذلك زائد في أدبه شاهد بفضله؛ ولكنه إذا لم يستطع ذلك وكان ضئيل المنزلة فاحب أن يرتفع فيها فنال بشعره الرتب واتصل بالملوك فليس ذلك بدعاً مستغرباً منه؛ أما المعيب فهو أن يكون الرجل سرياً شريفاً فيصنع الشعر ليتكسب به المال دون غيره وهو يعلم أن الشعر " أبقى من المال وانفس ذخائر الرجال " فذلك إذا مدح من فوقه سمي ضارعاً، وإذا مدح مساويه نزل عن درجة المساواة، وإذا هجا من دونه ضل ضلالة وتم خزيه (١) ؛ ويقرر ابن رشيق مبدأ للتكسب - وهو عارف بفضل التعفف الذي مارسه كثير من الشعراء ممن " وقر نفسه وقارها وعرف لها مقدارها حتى قبض نقي العرض مصون الوجه ما لم يكن به اضطرار تحل به الميتة فأما من وجد البلغة والكفاف فلا وجه لسؤاله بالشعر " (٢) - ويعتمد هذا المبدأ على التساهل في أخذ الشعراء من الملوك والرؤساء الجلة (كما فعل النابغة وزهير) ، والشعراء في ذلك معذورون أكثر من أهل الورع والفتيا، فأما الذميم فهو مسلك الحطيئة (فقبح الله همته الساقطة - على جلالة شعره وشرف بيته - وقد كانت الشعراء ترى الأخذ ممن دون الملوك عاراً فضلاً عن العامة وأطراف الناس " (٣) . وقد كانت هذه الوقفة، سواء في نهكم المعري أو في تسويغ ابن رشيق، يقظة قصيرة المدى على الحال الزرية التي بلغها ارتباط الشعر بعطف السادة والكبراء وكل من يستطيع أن يمد يد الإحسان للشعراء؛ ولذا كانت اضعف من أن تكسر القيود المستحكمة، التي طال عليها الامد، وأصبح الخلاص منها - بحكم الأوضاع الاقتصادية -

стр. 352

شيئاً يشبه المستحيل؛ وإذا كان أثرها في الشعر أوضح فإن أثرها في النقد غير معدوم، وحسبك أن تسمع ناقداً مثل ابن رشيق نفسه ما يزال يبني كثيراً من قواعده النقدية على آداب اللياقة في مجالس الممدوحين، ولو انه آمن بان انكسار الحلقة السحرية ممكن لما كان بحاجة إلى تكرار تلك القواعد؛ كذلك فإنه يوجه آراءه في النقد بوحي من ذلك الموقف الاجتماعي، فينقل عن أستاذه عبد الكريم النهشلي قوله: " قالوا: حسن البلاغة ان يصور الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، ومنهم من يعيب ذلك المعنى ويعده إسهاباً وآخر يعده نفاقاً " ويرد على الجزء الأخير من هذا الحكم بقوله: " والذي أراه أنا أن هذا النوع من البيان غير معيب بأنه نفاق لأنه لم يجعل الباطل حقاً على الحقيقة ولا الحق باطلاً وإنما وصف محاسن كل شيء مرة ثم وصف مساويه مرة أخرى " (١) ؛ وكان ابن رشيق يدرك ان الحرية التي ينالها الشاعر ذات مسئوليات كبيرة ولذلك نجده يسرع إلى إنكار مسئولية الشاعر تجاه ما يؤمن به من مبادئ: " وما للشاعر والتعرض للحتوف، وإنما هو طالب فضل " (٢) فقوله " طالب فضل " يفسر أن الاستمرار في العبودية الاقتصادية مأمنه من كل ثورة على الأخطاء " وكل شيء يحتمل إلا الطعن على الدول " (٣) ؛ وهذا هو التيار النقدي الشعري الذي كتبت له الغلبة في عصر كان أبو العلاء يقول فيه: مل المقام فكم أعاشر أمة ... أمرت بغير صلاحها امراؤها ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... وعدوا مصالحها وهم إجراؤها

стр. 353

عودة إلى التمرس بالقضايا المقدسة القديمة وحين اخفق الشعر في أن يجد طريقه الصحيحة وغايته أخفق النقد في التطور إلى مستويات جديدة، ولذلك كرر الحديث عن عمود الشعر - مع تطوير جزئي فيه - وعن المفاضلة بين النثر والشعر، وعن السرقات - في مجال القواعد والتطبيق - وعن المطبوع والمصنوع، ومبدأ " الكذب والصدق " في الشعر وعن انقسام النقاد في عصبيتهم للفظ أو المعنى وعن شئون البديع وعلاقتها بالمستوى البلاغي، وعن عناصر أخرى شكلية في طبيعة العمل الفني، وبدا ان الوصول إلى نتائج جديدة لا يتعدى أموراً جزئية. انشطار النقاد في قسمين إزاء المشكلات النقدية ومما يلفت النظر هذا التباين الواضح الذي استمر مريره بين النقاد، على شكل يوحي بوجود تيارين متوازيين متباعدين على الدوام، فبينا يقف المرزوق ليبين فضل النثر على الشعر، يقف ابن رشيق ينادي بأفضلية الشعر، فكأنهما يعيدان طبيعة الموقف في القرن الرابع دون أن يحسا بقلة جدوى ما يفعلان؛ وبينا يمعن العميدي في الكشف عن سرقات المتنبي سائراً في خط الحاتمي وابن وكيع، تجد الشريف المرتضي يذهب الجرجاني في تحريم القول بالأخذ والسرقة: " ليس ينبغي لأحد أن يقدم على أن يقول أخذ فلان الشاعر هذا المعنى من فلان، وإن كان أحدهما متقدماً والآخر متاخراً، لانهما ربما تواردا من غير قصد ولا وقوف من أحدهما على ما تقدمه الآخر إليه، وإنما الإنصاف أن يقال: هذا المعنى نظير هذا المعنى ويشبهه ويوافقه، فأما أخذه وسرقه فما لا سبيل إلى العلم به، لأنهما قد يتواردان على ما ذكرناه، ولم يسمع أحدهما بكلام الآخر، وربما سمعه فنسيه وذهب عنه ثم اتفق له مثله من غير قصد، ولا يقال أيضاً أخذه وسرقه إذا لم يقصد إلى ذلك " (١) ؛ وكذلك أشبه المرتضى الجرجاني والآمدي في قوله عن هناك معاني متداولة مألوفة لا تؤخذ ولا

стр. 354

تسرق، وزاد قوله إنه يجب ألا يحكم الناقد لمعنى من المعاني بالسبق والتفرد لأنه لا يأمن أن يكون هذا المعنى قد ورد في شعر لم يبلغه " فإن الخواطر لا تضبط ولا تحصر، ومن ذا الذي يحيط علماً بكل ما قيل وسط وذكر " (١) . وإذ نجد نقاداً مثل ابن شرف يلتمسون كل وسيلة لإلصاق الخطأ بالشاعر نجد الشريف المرتضى ميالاً إلى التساهل لان الشاعر لا يبني كلامه على التحقيق والتحديد " وكلام القوم مبني على التجوز والتوسع والإشارات الخفية والإيماء على المعاني تارة من بعد وتارة من قرب، لأنهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق، وإنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم " (٢) . الاختلاف حول مشكلة اللفظ والمعنى ومع أن اكثر نقاد القرن الخامس يميلون إلى التوفيق بين اللفظ والمعنى فإنك تجدهم في حيرة شديدة من أمرهم لأنهم لم يهتدوا إلى قاعدة صحيحة تنجيهم من التردد، فالمرتضى يقول: " وحظ اللفظ في الشعر أقوى من حظ المعنى " (٣) ، وأخوه الرضي يقول: " إن الألفاظ خدم للمعاني لأنها تعمل في تحسين معارضها وتنميق مطالعها " (٤) ، والمرزوقي ينادي بائتلافهما، وابن رشيق يدرك انقسام الناس حولهما، ثم تجده يقول: " وأما ابن الرومي فأولى الناس باسم شاعر لكثرة اختراعه وحسن افتنانه " (٥) ، حتى إذا أخذ في النقد كان ميله إلى ناحية الشكل أظهر؛ ويمثل ابن الرومي مشكلة يتباين حولها الرأي، فبينا يعتبر ابن رشيق من المعجبين به لكثرة اختراعه

стр. 355

نجد المرتضى يعد أن طريقته مخالفة للطريقة الصحيحة لأنه " يورد المعنى ثم يأخذ في شرحه في بيت آخر وإيضاحه وتشعيبه وتفريعه، فربما اخفق واكدى وربما أصاب فأصمى، لأن الشعر إنما تحمد فيه الإشارة والاختصار والإيماء إلى الأغراض وحذف فضول القول " (١) ، ويمكن القول بأن نقاد القرن الخامس قد أكدوا استكشاف ابن الرومي بعد أن نسيه الناس لانشغالهم بالحديث عن البحتري وأبي تمام والمتنبي (٢) . وعلى الجملة تغلب أنصار نظرية الائتلاف بين اللفظ والمعنى، وفي ظل فكرة الإعجاز دفع عبد القاهر بنظرية الائتلاف إلى نهايتها تحت اسم " النظم ". استقواء التيار الأخلاقي ونجم عن اللامسئولية العابثة في ميدان الشعر استقواء تيار أخلاقي في النقد، وبخاصة حيث اقترن الشعر بالفقه أو اقترن بالفلسفة الأفلاطونية في الأندلس. وفي مثل هذا الجو النقدي يتجلى لنا أن محاولة ابن سينا في توضيح " كتاب الشعر " لأرسطو، ما كان في إمكانها أن تثير شيئاً جديداً، حتى ولو فهمت آراء ارسطو فهماً مقارباً للأصل؛ لقد كان يمكن لابن حزم الأندلسي أن يفيد من هذا الكتاب، لو وصله أو لم فهمه، ولكن يبدو انه لم ير هذا الكتاب، أو انه رآه فاستبعد انطباقه على الشعر العربي. اتساع المجال الجغرافي في نقد القرن الخامس وأياً كان الأمر فإن الناظر إلى النقد الأدبي في القرن الخامس يجد ان المجال الجغرافي أمامه قد اتسع، غذ شاركت فيه الأندلس والقيروان بنصيب؛ وأنه شهد قالباً قد نعده جديداً - إذا استثنينا المقامة الجاحظية للبديع - وهذا هو " المقامة النقدية " - وهي شكل يدل على الضيق بالتحليل ويحاول إيجاز النظرات العامة وترسيخها في نفوس الدارسين؛ ولا ريب في أن بعض

стр. 356

جوانب النقد في هذا القرن تتمتع بقسط من الحيوية غير إنها حيوية نابعة من شخصيات الناقدين أمثال المرزوقي وعبد الكريم النهشلي وابن رشيق وابن شهيد، لا من الجدة في الآراء والنظرات النقدية. منهجنا في دراسة النقد في ذلك القرن وقد كان من الممكن أن نقسم دراستنا لهذا المحصول النقدي تحت مناهج مختلفة ولكن إيثاراً للتبسيط ندرسها حسب الأقاليم، فنتناول النقد في مصر والمشرق وهو يشمل: (١) استمرار المعركة النقدية حول المتنبي. (٢) نظرية عمود الشعر في صورتها المكتملة. (٣) النقد العربي وكتاب الشعر. (٤) النقد وفكرة الإعجاز. فإذا انتهينا من دراسة هذه المظاهر، توجهنا لدرس النقد في كل من الأندلس والقيروان، وبذلك تكتمل صورة النقد في القرن الخامس، إلا أن يجد في مصادرنا شيء جديد.

стр. 357

- ١ - استمرار المعركة النقدية حول المتنبي طبيعة الجهد الذي دار حول المتنبي قد ذكرنا في مقدمة الحديث عن نقد القرن الخامس أن المتنبي ظل محور جهود نقدية متباينة في البيئات الثلاث: البيئة المشرقية (ومنها مصر) ، والأندلس، والقيروان. ولكن المعركة في القرن الرابع كانت قد استغرقت أكثر الأمور الريسية التي أثيرت حوله، فلم يكن جهد النقاد في مطلع القرن الخامس سوى تقرير ما سبق على نحو من التنسيق - كما فعل الثعالبي - أو على نحو من التعميق لمجال سرقاته - كما فعل العميدي -. غير أن ظاهرة الشرح لديوانه هي إبراز الظواهر في هذا القرن فقد تعاقب على شرحه سبعة من أكابر الشراح. وهذه الشروح - بطبيعة الحال - تتعمد توضيح المعاني، ويتفاوت اهتمام أصحابها في توجيه الأعراب والاتيان بالشواهد؛ وأكثرها يتخذ من شرح ابن جني أساساً للرد عليه أو لاستخراج رأي آخر مخالف لرأيه - وخاصة شرحا ابن فورجة فإنهما رد مباشر على ابن جني - ولذا فهي تصلح بعد الدراسة المقارنة للكشف عن طبقات القراءة المتفاوتة لشعر المتنبي. ولكن قل أن نجد فيها أحكاماً نقدية تتعدى النص على جمال استعارة أو خطأ تشبيه أو نقد لغوي أو نحوي. وسنكتفي هنا بدراسة ما يمثل هذه الصورة العامة بين النقاد المتفاوتين الذين اتخذوا المتنبي محوراً لدراستهم:

стр. 358

أبو منصور الثعالبي (- ٤٢٩) أين يقف الثعالبي في النقد؟ لا يعد الثعالبي في النقاد، لأن كتبه التي تتصل بالشعر لا تتصور إلا ذوقاً فردياً خالصاً، من العسير تبين أساس نقدي له، سوى إعجابه باللون الحضري في أشعار معاصريه، على تباين تلك الأشعار في موضوعاتها وصياغتها -؛ وعلى الرغم من انه ذكر شعراء عصره في اليتيمة - وهي أوضح كتبه من حيث الأسس النقدية على حسب الاقاليم، فمن الكثير عليه أن يقال: إنه فعل ذلك إدراكاً منه لاختلاف الشعراء باختلاف بيئاتهم. صحيح أنه ميز شعراء الشام بأنهم أشعر من شعراء عرب العراق وما يجاورها في الجاهلية والإسلام وعلل ذلك بقربهم من خطط العرب، ولا سيما أهل الحجاز، وبعدهم عن بلاد العجمة وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق لمجاورة الفرس والنبط، وبجمعهم بين الفصاحة البداوة وحلاوة الخضارة، وبوجود أمراء شغوفين بالأدب يحبون الشعر وينتقدونه (١) . ولكن هذا (حتى لو أقررنا بصحته) لم يكن هو الأساس الذي جعله يفرد باباً لشعراء الحبال وفارس وجرجان وطبرستان، وآخر لأهل خراسان وما وراء النهر؛ وإنما وجد ان التأليف بحسب القسمة الإقليمية اسهل في حصر أسماء المعاصرين فاعتمده. ولو كان اختلاف البيئة مقياسه في النظرة النقدية لما خلط بين شعراء مصر والمغرب والأندلس وترجم لهم في نطاق واحد. وقد شرط على نفسه ألا يورد - في الصورة الأخيرة من اليتيمة (٢) - إلا " لب اللباب وحبة القلب وناظر العين ونكتة القلب وواسطة العقد " (٣)

стр. 359

إلا أن تكون أبياتاً لا يمكن حذفها لاعتماد المعنى عليها، أو تكون لأحد الكبراء فهي تشرف بالانتساب إليه؛ ومع ذلك فإما أن يكون الثعالبي قد أخل بالشرط، أو تكون الأذواق قد تغيرت، منذ عهده حتى هذا العصر، فلم تعد واسطة العقد كما كانت، بل أصبحت حبة من الخرز الرخيص. إعجابه بالمتنبي ولكنا نتحدث عن الثعالبي - في هذا المقام - لأنه عقد في كتابه فصلاً عن المتنبي، يعد كتاباً قائماً بنفسه، وهو مختلف عن بقية فصول الكتاب، بما جوى من مادة نقدية؛ فالثعالبي معجب بالمتنبي " نادرة الفلك وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر " (١) ، ولكنه كان قد قرا عنه رسالة الصاحب بن عباد، وكتاب الوساطة للجرجاني، وشرح ابن جني للديوان، ولعله قرا كتباً أخرى أيضاً وسمع أخباراً شفوية عنه من الخوارزمي الذي عاش مدة من الزمن في بلاط سيف الدولة. الجديد في دراسة الثعالبي للمتنبي وتمتاز دراسة الثعالبي بأشياء جديدة لم نجدها فيما ألف عن المتنبي من قبل، منها: (١) معانيه التي حلها الكتاب في رسائلهم، مثل الصاحب والصابي والضبي والخوارزمي. (٢) نماذج من المعاني التي سرقها منه الشعراء. (٣) المعاني التي كررها في شعره. (٤) التوسع في ضروب محاسنه، وفي هذه الناحية لم يقف عند حدود حسن المطالع والخروج والتخلص بل لمح أشياء في الموضوع أجاد فيها المتنبي

стр. 360

كالغزل في الأعرابيات، وحسن التصرف في أنواع الغزل، والإبداع في التشبيه والتمثيل والمدح الموجه، ومخاطبة الممدوح مخاطبة المحبوب أو الصديق، واستعمال ألفاظ الغزل في أوصاف الحرب. والمعاني المبتكرة، هذا إلى كثرة الأمثال السائرة والحكم وغير ذلك من مميزات. عيوب المتنبي كما عدها النقاد السابقون أما حديثه عن عيوبه فأكثر اعتماده فيه على رسالة الصاحب ولذا تجده عد من عيوبه: قبح المطالع وإتباع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء: " والإفصاح بذلك في شعره عن كثرة التفاوت وقلة التناسب وتنافر الأطراف وتخالف الأبيات وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة ويعود لهذه العادة السيئة ويجمع بين البديع النادر والضعيف الساقط؟ " (١) ؛ كذلك عد من عيوبه استكراه اللفظ وتعقيد المعنى والخروج عن الوزن واستعمال الغريب الوحشي والإفراط في الاستعارة، والاستكثار من " ذا " الإشارية والإفراط في المبالغة إلى غير ذلك من عيوب استمد تحديدها وأمثلتها من الصاحب والقاضي الجرجاني. هل ضعف العقيدة عيب في الشاعر؟ ولما عد من عيوبه أن في شعره ما بفصح عن ضعف العقيدة ورقة الدين، كرر قول القاضي: " على أن الديانة ليست عياراً على الشعراء، ولا سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر " إلا انه عدل في هذا الحكم الذي كان القاضي قد أطلقه دون تحديد، فدل بذلك على انه يحاول أن يجعل للدين تدخلاً في المقياس الأدبي حين قال: " ولكن للإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به قولاً وفعلاً ونظماً ونثراً، ومن استهان بأمره ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه فقد باء بغضب من الله تعالى وتعرض لمقته في وقته " (٢) .

стр. 361

عيوب أخرى وهناك عيوب أخرى عدها الثعالبي مثل: الغلط بوضع الكلام في غير موضعه، وامتثال ألفاظ المتصرفة، والخروج عن طريق الشعر إلى الفلسفة واستكراه التخلص وقبح المقاطع، وكلها مما تردد عند الصاحب والقاضي الجرجاني. غير أن الثعالبي حين عقد فصلاً لسرقات المتنبي ذكر انه يتحاشى ما جاء به القاضي في الوساطة، وأنه يحاول أن يدل على سرقات أخرى، وربما اعتمد في ذلك على مصدر آخر. من كل ما تقدم نستطيع ان ننصف الثعالبي حين نقول انه ليس يعد في النقاد، ولا حتى في مؤرخي الأدب، ولولا فصله عن المتنبي، لكان أدراجه في باب النقد تزيداً لا يجد له مسوغاً. أبو سعد محمد بن احمد العميدي (- ٤٣٣) (١) لمحة عن جهود العميدي في الأدب والنقد شهر العميدي بالنحو واللغة ولكن توليه ديوان الإنشاء بمصر في أيام المستنصر، وأسماء مؤلفاته كل ذلك يدل على درجة في الكتابة والأدب عامة، فمن كتبه " كتاب تنقيح البلاغة " رآه ياقوت وذكر انه في عشر مجلدات، وكتاب " الإرشاد إلى حل المنظوم والهداية إلى نظم المنثور "؛ كذلك اهتم بالعروض والقوافي وله فيهما مؤلفان؛ وقد انفرد القفطي بذكر كتابه في " سرقات المتنبي " وقال: وهو كتاب حسن يدل فيه على اطلاع كثير.

стр. 362

ما معنى كتابة الإبانة بعد تأليف " المنصف "؟ وهذا الذي ذكره القفطي هو رسالته التي تسمى " الإبانة عن سرقات المتنبي " (١) وهي تجري مجرى " المنصف " في دواعيها وغايتها، فإما أن مؤلفها لم يطلع على كتاب ابن وكيع، وغما أنه اطلع عليه ووحد لدى نفسه زيادة استقصاء في تبيان سرقات المتنبي أحب إثباتها في رسالة؛ وتبرهن هذه الرسالة على أن الإعجاب بابي الطيب في البيئة المصرية لم يؤثر فيه كتاب " المنصف " شيئاً وأنه استمر بعد ابن وكيع سنوات كثيرة، ظل المعجبون بالمتنبي في خلالها مثار نقمة كبيرة لدى خصومهم: " ولقد جرى يوماً حديث المتنبي في بعض مجالس أحد الرؤساء، فقال أحد حاملي عرشه: سبحان من ختم بهذا الفاضل الفحول من الشعراء وأكرمه، وجمع له من المحاسن ما بعثره في كل من تقدمه، ولو أنصف لعلق شعره كالسبع المعلقات من الكعبة، ولقدم على جميع شعراء الجاهلية في الرتبة، ولكن حرفة الأدب لحقته، وقلة الإنصاف محت اسمه من جرائد المتقدمين ومحقته " (٢) ؛ كانت المشكلة التي يريد إقرارها المعجبون بابي الطيب انه " أشعر شاعر " عرفته العربية، فيفزع العميدي - كما فزع ابن وكيع - إلى حكم الذوق المألوف حينئذ فيحطه عن درجة أبي تمام والبحتري، ويزيد على صاحبه بتفضيل مسلم بن الوليد وابن الرومي عليه. هذا مع أنه كصنوه ابن وكيع لا ينكر أنه شاعر قدير: " ولست - يعلم الله - اجحد فضل المتنبي وجودة شعره وصفاء طبعه وحلاوة كلامه وعذوبة ألفاظه ورشاقة نظمه، ولا أنكر استكماله لشروط الأخذ إذا لحظ المعنى البديع لحظاً، واستيفاءه حدود الحذق إذا سلخ المعنى فكساه من عنده لفظاً، ولا أشك في معرفته بحفظ التقسيم الذي يعلق بالقلب موقعه، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه،

стр. 363

ولحاقه في إحكام الصنعة ببعض من سبقه، وغوصه على ما يستصفي ماءه ورونقه، وسلامة كثير من أشعاره من الخطل والزلل والدخل والنظام الفاحش الفاسد والكلام الجامد البارد والزحاف القبيح المستشنع، واللحن الظاهر المستبشع، وأشهد انه على درجة أمثاله غير نازل ولا واقع، وأعرف انه مليح الشعر غير مدافع " (١) . كل ما يريد العميدي أن ينكره ادعاه المدعين أن معانيه مخترعة لم يسبقه إليها شاعر، وهذا ادعاء واه، لان الذي يأتي به مطالب أن يعرف ما لدى الشعراء الآخرين من المعاني ويحيط علماً بدواوين الشعراء، وهو شيء لم يحاوله أنصار أبي الطيب ولا يستطيعونه لو حاولوه. أليس هذا هو المدخل نفسه الذي اعتمده ابن وكيع سبباً لكتابة " المنصف "؟ من هنا نرى أن البواعث تتكرر وان المحاولة تعاد مرة ثانية في مدة ربما لم تتجاوز ربع قرن من الزمان. الحاتمي مسئول عن تهمة يتولى العميدي إثباتها وجانب من هذا الموقف يعود دون ريب إلى الحاتمي، فهو مسئول عن ترويج قالة على المتنبي مؤداها أن المتنبي قال له في الرد عليه: " من أبو تمام والبحتري؟ ما اعلم أني سمعت بذكرهما إلا من هذه الحاضرة " (٢) ثم قال له في مجلس آخر - وهو ينقض القول الأول - " تنكب عن هذا، فهل تجد لأبي تمامكم هذا أو بحتريكم معنى اخترعاه " (٣) وهذا ما أثار ابن وكيع، اعني تهجم المتنبي على الطائيين، وذلك هو ما جعل العميدي يحاول توهينه عند نفسه وعند أصحابه: " ولولا أنه كان يجحد فضائل من تقدمه من الشعراء، وينكر حتى أسماءهم

стр. 364

في محافل الرؤساء (١) ، ويزعم أنه لا يعرف الطائيين، وهو على ديوانيهما يغير، ولم يسمع بابن الرومي وهو من بعض أشعاره يمير؟. لكان الناس يغضون عن معايبه، ويغطون على مساويه ومثالبه " (٢) ، لهذا كان لابد أن يتصدى العميدي له فيفضح سرقاته، وخاصة من ابن الرومي ومن الطائيين كما فعل ابن وكيع من قبله. الخالدين على تهمة الحاتمي وتهمة الحاتمي قد وجدت عليها الرد الطبيعي لخروجها عن حدود المعقول، قال الخالديان: " كان أبو الطيب المتنبي كثير الرواية جيد النقد، ولقد حكى بعض من كان يحسده انه كان يضع من الشعراء المحدثين، ويغض من البلغاء المفلقين، وربما قال: أنشدوني لأبي تمامكم شيئاً حتى اعرف منزلته من الشعر، فتذاكرنا ليلة في مجلس سيف الدولة بميافارقين وهو معنا، لأنشد أحدنا لمولانا أيده الله شعراً له قد ألم فيه بمعنى لأبي تمام؟ فقال أبو الطيب: هذا يشبه قول أبي تمام، فقال: أو يجوز للأديب ألا يعرف شعر أبي تمام وهو أستاذ كل من قال الشعر بعده، فقلنا: قد قيل إنك تقول كيت وكيت، فأنكر ذلك، وما زال بعد ذلك إذا التقينا ينشدنا بدائع أبي تمام وكان يروي جميع شعره " (٣) . فهذه القالة كانت معروفة عن أبي الطيب قل وروده العراق، فما كان من الحاتمي إلا أن زادها رواجاً بحديث خيالي - فيما نقدر - أجراه على لسان المتنبي؛ وظلت هذه الشائعة تفعل فعلها، أو يوهم الناقمون على موجة الإعجاب بالمتنبي أنها كذلك، حتى جاء دور العميدي فجعلها سبباً أكيداً في تبيان عيوب أبي الطيب، وخاصة

стр. 365

في السرقات: " وأنا بمشية الله تعالى وإذنه أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها وادعى الإعجاز لنفسه فيها، لتشهد بلؤم طبعه في إنكاره فضيلة السابقين وتسمه فيما نهبه من أشعارهم بسمة السارقين " (١) . اضطراب العميدي في الحملة على المتنبي ولم يبين العميدي رأيه في السرقات بمقدمة كالتي جاء بها ابن وكيع ولا احتاج أن يقف عند صنوف البديع، وإنما دخل في الموضوع دون تمهيد (سوى المقدمة العامة) ولم يتتبع قصائد المتنبي حسب ترتيبها كذلك، بل كان يورد معنى لشاعر من الشعراء ثم يتبعه بمعنى سرقه المتنبي، ولا تدل قسمة الكتاب في ثلاثة أجزاء على شيء من القسمة الموضوعية وغنما هي تجزئة قد تشير إلى عدد الكراسات وحسب؛ غير أنه بعد ان انتهى من الرسالة، أضاف إليها فصلاً جديدياً في سرقات عثر عليها بعد تمام الجزء الثالث فقال معتذراً " قد كنت اقتصرت على ذكر أبيات وجدتها للشعراء في دواوينهم عند قراءتي لها واشتغالي بالبحث عما أخذ المتنبي بعض ألفاظها ومعانيها وأنكر أسماءهم وفضائلهم فيها، ثم وجدت بعدها أبياتاً أخر لهم ولغيرهم من المتقدمين، فلم أستجز إسقاطها من جملة ما كنت دللت عليه وأوضحت الطريق غليه من أبياته التي ادعى أصحابه انه ابتدعها واقتضبها واخترعها من ذات نفسه وما اغتصبها " (٢) . ولا يزال العميدي عند هذا الحد مضطرب النفس بين أن يقر بشيء من الفضل للمتنبي - كما فعل في مقدمة الرسالة - وبين أن يفضل عليه جميع طبقات المتقدمين، ويثبت سقوطه عن منازل أكثر المحدثين (دع) المخضرمين (٣) ، فإذا كانت الخصائص الحسنة والفضائل التي وجدها العميدي لأبي الطيب (في المقدمة) لا تنسبه إلى طبقة متميزة في المحدثين

стр. 366

بل يظل معها ساقطاً على منازل أكثرهم، فإن العميدي قد أوقع نفسه في ورطة أكيدة، لأنه حين قبل أنصار المتنبي أن يسلموا بأخذه للمعاني إلا أنه يزيد فيها ما " يحلو سماعه وتعذب أنواعه ويلطف موقعه ويخف على القلوب موضعه؟ " (١) أنكر عليهم ذلك، وما أراه إلا منكراً على نفسه ما قرره في البداية، وسبب هذا التناقض هو زيف القاعدة التي بنى عليها النقد، ومتى كان المدخل إلى النقد هو التحامل المورى بالإنصاف المنتحل، فإن مصير هذا التحامل إلى الانكشاف والافتضاح لان الإنصاف حينئذ لا يكون إلا دعوى مزورة ومظهراً كاذباً. منهجه في الغمز العنيف لهذا كان العميدي أشد سخطاً، واظهر نقمة من ابن وكيع، لاذع التعليقات كقوله: " لقد تصبب عرقاً وتقلب أرقاً حتى استنبط هذا المعنى البديع " (٢) لا يكاد يسلم له بحق الإجادة، حيث يجيد، إلا مكرهاً، عنيفاً إذا وجد أدنى مغمز مثل: " وهذا الكلام لا يخرج إلا من سوء أدب وقلة معرفة بخدمة الملوك؟ " (٣) أو كقوله: " بكم الخرس أحسن من هذا الكلام العامي الغث والنظام الفاسد الرث " (٤) . وهو سيئ الظن بالمتنبي، يعتقد - ويبني على اعتقاده نقده - ان المتنبي اطلع على دواوين الشعراء المكثرين فأخذ منها كل معنى جيد، وغنما اعتمد المكثرين لان اشعاره المقلين تعرف وتشتهر بسهولة لقلتها، فإذا أخذ من المكثرين خفيت سرقاته (٥) ، ولو فاء العميدي إلى الإنصاف لحظة لأدراك ان هذا كله لا يصنع قصيدة، فكيف يخلق شاعراً؟

стр. 367

نماذج من السرقات القائمة على التطابق ومن باب الإنصاف أن نقول أن العميدي ربما كان أوسع اطلاعاً من ابن وكيع، واعرق في القدرة على الكيد، فهو يمعن في بيان ما أخذه المتنبي لا من الخبزرزي في المغمورين وحسب، بل من شعراء ربما لم يسمع بهم المتنبي نفسه، أو لم يكن لديه الوقت لتصفح دواوينهم، فضلاً عن الإمعان في قراءتها وسرقة معانيها، وهو يؤثر أن يأتي بسرقات تكاد تكون مطابقة في اللفظ وفي ترتيب أجزاء المعنى الواحد، بينا كان اكثر ما جاء به ابن وكيع يقوم على مشابه قد تكون جزئية، وهذا موقف يستحق أن نمثل عليه: ١ - لمروان بن سعيد غلام الخيل: إن الجياد عرفن معهد دارها ... فصلهن باكية على سكانها للمتنبي: مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشجو الجياد المعاهد ٢ - للمعوج الرقي: لبث دموعي وقد دعتها ... طلول ربع وهن خرس للمتنبي: أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... (١) دعا فلباه قبل الركب والإبل ٣ - لمطيع بن اياس: لو كان للسيف عقل أو محافظة ... لما فرى جيد جاليه وصاقله للمتنبي: ولو حيز الحفاظ بغير عقل ... (٢) تجنب عنق صيقله الحسام

стр. 368

٤ - للناشئ: وتجس بالرفق التراب إذا مشت ... جس الطبيب يد العليل المدنف للمتنبي: يطأ الثرى مترفقاً من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلا ٥ - لناقد بن عطارد (؟) : ذر الخمر تسلم من عيوب كثيرة ... وإياك أن ترتاد ما يورث الجهلا فما عاقل يرضى بإنفاق عقله ... على الخمر إن الخمر تستلب العقلا للمتنبي: وانفس ما في الفتى لبه ... (١) وذو اللب يكره إنفاقه ٦ - لمروان بن أبي حفصة: قاسيت شدة أيامي فما ظفرت ... يداي منها بصاب لا ولا عسل للمتنبي: قد ذقت شدة أيامي ولذتها ... فما حصلت على صاب ولا عسل (٢) ٧ - لبشار بن برد: حظي من الخير منحوس واعجب ما ... أراه أني على الحرمان محسود أغدو وأمسي وآمال قطعت بها ... عمري تخيب وأموال المواعيد واكرم الناس من تأتي مواهبه ... من غير وعد وفيه الجود موجود

стр. 369

للمتنبي: ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أني بما أنا باك منه محسود أمسيت أروح مثر خازناً ويداً ... أنا الغني واموالي المواعيد جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود ويعلق العميدي على الأبيات الأخيرة بقوله: " من قال أن هذه غير مأخوذة من كلام بشار فقد عدم الفطنة والتمييز وحرم الرشاد والتوفيق وجعل مواضع الأخذ، واحتاج أن يسقي شربة تشحذ فهمه وتجلو طبعه وتزيل العمى والغمة عنه " (١) . وهب الدارس أقر بالتشابه نجاة بنفسه من هذه الويلات التي يرسلها العميدي ضد العميان والبلداء الأغنياء شواظاً من نار غضبه. فأن الأمر في نظر الناقد الحديث أيسر مما تصوره العميدي؛ فإذا لم نقل عن كثيراً من التشابه مرده إلى أن هذه الأمور مما يشترك الناس في الإحساس به، قلنا أن شاعراً حافظاً للشعر لا يستطيع أن يكف انسكاب شيء من محفوظه على سن قلمه، وهذا شيء طبيعي لا محل فيه للعجب، لانا لا نتصور أن المتنبي كان - وهو يتحرق ألماً من معاملة كافور له - يفتش أين يجد في ديوان بشار (أو في محفوظه منه) ما يعبر به عما يحسه من موجدة، وهذا لا يمنعنا من ان نقر للعميدي بالبراعة في اقتفاء المعاني، دون أن نتهمه بأنه حرف أو زاد (ودواوين الشعراء أكثرها قد ضاع ولم يصلنا) فيما أورده من شعر منسوب إلى قائلين، بعضهم لم يستحق أن يذكر اسمه في سجل الشعر، فمات دون أن يستطيع العميدي بعث الحياة في جثته الهامدة، اعني شعره.

стр. 370

عيوب المتنبي ويستعمل العميدي بعض المصطلح لبيان أنواع من السرقة، فبعضها يسميه " نسجاً " وبعضها " سلخاً " (١) ؛ ويتهم المتنبي - كما اتهمه الحاتمي وابن وكيع بالضعف في اللغة (لاستعماله: " اسود " في عيني من الظلم) وتسميه المستيقظ في النهار ساهداً " ويخشى ان يراه في السهاد "؟ الخ) ، ويتهمه بالغموض في بعض المعاني، فيعلق على بيته: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بان تسعدا والدمع أشفاه ساجمه بقوله: " والله لو أوقد الإنسان ألف شمعة ليستضيء بنورها إلى اتنباط غوامض هذا البيت مع قلة الفائدة فيه لصعب عليه " (٢) : ويرى انه يعمد إلى استعمال لغة الصوفية، وهو أمر لم ينفرد العميدي بنسبته إلى أبي الطيب، وقد استنكره الصاحب وابن وكيع وغيرهما ولم يحاول أحد منهم أن يدرس أسبابه. والعميدي أيضاً لا يفسح صدره لأي معنى يشتم فيه قلة ورع، شأنه في ذلك شأن ابن وكيع (٣) ، وكأنه في كل محاولته لم يضف شيئاً إلى " المنصف " إلا الإمعان في إظهار مدى الاطلاع، وإلا نقمة ذاتية ثائرة، تجعله أقل من صاحبه تحرياً للأنصاف.

стр. 371

أبو العلاء المعري (- ٤٤٩) تعريفه للشعر من الممكن أن نستشف بعض المفهومات النقدية التي كانت لدى أبي العلاء من " رسالة الغفران " حيث عرف الشعر بأنه " كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، عن زاد أو نقص أبانه الحس " (١) ؛ فاهتمامه بالوزن وتقديمه على كل عنصر آخر مشابه لما وجدناه عند الفارابي؛ ويفهم اعتماده على الغزيرة من قوله في بيت لأبي الطيب " إن فيه زحافاً تنكره الغزيرة "؛ فالغزيرة عنده هي قوة الإحساس التي تميز الزيادة والنقصان، وتتبين قيمة الغزيرة مع توفر الوزن في تمييز أبي العلاء في الشعر بين ما هو " نظم " وحسب لأنه موزون وبين ما هو شعر حقيق بهذا الاسم لتقبل الغريزة له (٢) . ومن الغريب أن لا يذكر صاحب اللزوم في التقفية أمر القافية في هذا التعريف، مع انه مشغول الخاطر بها وبأنواعها وعيوبها حتى ألف فيها كتاباً مستقلاً (٣) . كذلك فإن قوله " على شرائط " هو كما قال الأستاذ محمد سليم الجندي: " إحالة على مجهول لا تمكن الإحاطة به إلا بعد بيانه " (٤) . قرآن إبليس وقد نفى أبو العلاء معرفة الملائكة للشعر وجعله " قرآن إبليس " (٥) ، مشيراً إلى تلك الفكرة العربية القديمة في أن لكل شاعر شيطاناً ينفث على لسانه؛ وقسم البديه في ثلاثة أقسام هي: القبل والتمليط والاعنات (٦) .

стр. 372

حطه على الرجز وكلما تعرض للرجز أزرى منه فقال: والرجز اخفض طبقة من الشعر (١) ، فكأنه لم يجعله شعراً، ثم قال فيه مرة أخرى: والرجز من أضعف الشعر (٢) . فجعله شعراً داني المقام، ويجعل للرجاز في الجنة بيوتاً منخفضة ليس لها سموق أبيات الجنة. لأن الرجز " من سفساف القريض " (٣) ؛ وإذا لقي رؤية في جنته قال له: " ما كان أكلفك بقواف ليست بالمعجبة،؟ لو شبك رجزك ورجز أبيك لم تخرج منه قصيدة مستحسنة، وقد كنت تأخذ جوائز الملوك بغير استحقاق " (٤) . حملته على التكسب بالشعر وفي خطبة الفصيح عاد إلى الإزراء على من يجعلون الشعر وسيلة للتكسب، ودافع عن الشعر فقال: " الشعر إذا جعل مكسباً، لم يترك للشاعر حسباً، وإذا كان لغير مكسب، حسن في الصفات والنسب، ما لم تسب المحصنة، وتعد للعار العصينة (؟) ، فاتق ربك، وإذا رأيت الشاعر فلا تقل (والشعراء يتبعهم الغاوون) فإن الآية وصلت باستثناء وجنى السيئة شر الجني؛ لا تجهلوا فضيلة الشعر فإنه يذكر الناسي ويحل عزمة الفاتك، ويعطف مودة الكاشح، ويشجع الجبان؟ " (٥) . ولا نستخلص مما وصلنا من كتبه آراء نقدية كثيرة، وغنما نراه كثير الانشغال بالنواحي اللغوية والعروضية؛ ولكنا نعلم إن إعجابه بالمتنبي لم

стр. 373

يدفعه وحسب إى حفظ ديوانه في الصغر ومحاكاته. بل جعله يتوفر على شرح ديوانه مرة واختصاره مرة، فكتب اللامع العزيزي ومعجز احمد، كما دافع عنه في شأن الديانة وفي الإكثار من التصغير وذلك في رسالة الغفران (١) ، غير أن شرح اللامع العزيزي (٢) ليس كله انتصاراً لأبي الطيب إذ كثيراً ما نراه يتعقب المتنبي بالنقد ولا يحاول الاعتذار عنه. وهذا جهد في محاولة الإنصاف جميل. إحصاؤه لأوزان أبي الطيب وقد قام المعري بدراسة إحصائية لأوزان الديوان وقوافيه فوجد أن البحور عنده أحد عشر بحراً، ثم ذكر الزحافات والعلل، ووجد انه نظم من أقسام القافية ثلاثة ولم ينظم من المتكاوس شيئاً (٣) . لا يمكن تغيير أية لفظة في شعر أبي الطيب وكانت للمعري في شعر المتنبي وجهة نظر ثابتة لا يحيد عنها؛ تدل عليها الرواية التالية التي تتعلق بانتقاد ابن جني عليه استعمال لفظة " سواك " في قوله: قد شرف الله أرضاً أنت ساكنها ... وشرف الناس إذ سواك إنساناً ويفضل ابن جني عليها " انشاك " فيتعقبه العروضي وابن فورجة ثم المعري وإليك ما جاء فيها: " قال أبو الفضل العروضي فيما املأه علي: سبحان الله أتليق هذه اللفظة بشرف القرآن ولا تليق بلفظ المتنبي؟ يقول الله تعالى (الذي خلق فسوى) وقال: (بشراً سوياً) ثم قال: (فسواك فعدلك)

стр. 374

وقال: ٠ثم سواك رجلاً) . وقال ابن فروجة: نهاية ما يقدر عليه الفصيح أن يأتي بألفاظ القرآن وألفاظ الرسول أو ألفاظ الصحابة بعده؟ قال: وعند أبي الفتح انه يقدر على تبديل ألفاظ هذا الشعر مما هو خير منه؛ وقرأت على أبي العلاء المعري - ومنزلته في الشعر ما قد علمه من كان ذا أدب - فقلت له يوماً في كلمة: ما ضر أبا الطيب لو قال مكان هذه الكلمة كلمة أخرى أوردتها، فأبان لي عوار الكلمة التي ظننتها ثم قال لي: لا تظنن انك تقدر على إبدال كلمة واحدة من شعره بما هو خير منها فجرب إن كنت مرتاباً؟ " (١) . تعقب المتنبي في بعض عيوبه وأحياناً يتعقبه المعري في الغلو، في مثل قوله: هابك الليل والنهار فلو تنسها هما لم تجر بك أيام فقال في تعليق: " يرحم الله أبا الطيب لقد اجتهد في قول الباطل؟؟؟ ولو ان هذا البيت في صفة الله عز سلطانه، لجاز ان ينال بذلك رضوانه " (٢) . وأنكر عليه رداءة الزحاف في قوله: " رب نجيع بسيف الدولة انسفكا " فقال: " لم يزاحف أبو الطيب زحافاً تنكره الغزيزة إلا في هذا الموضع، ولا ريب انه قاله على البديهة، ولو أن لي حكماً في البيت لجعلته " كم من " لان رب تدل على القلة " (٣) . انعكاسه صورة المعري الفيلسوف على شعر المتنبي وأوضح ما في اللامع العزيزي أن الشارح يحمل أبيات أبي الطيب طرفاً من آرائه ونظراته في الكون والناس؛ أو يعترض على أبي الطيب من هذه الزاوية نفسها، ومن ذلك قوله في التعليق على بيت المتنبي:

стр. 375

وجائزة دعوى المحبة والهوى ... وإن كان لا يخفى كلام المنافق " المرأة أن عادة بني آدم ان يظهروا المودة وفي النفوس غيرها، إلا أن ذلك جائز لان العادة جرت به، وادعى أن كلام المنافق غير خاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات، ورب منافق اتخذ (التقية) وحسب انه الصديق المخلص " (١) . ومن ذلك إيمانه بحتمية القدر، فهو يرى أن أبا الطيب لا يغير الطبائع حين يحض على الشجاعة في قوله: وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تموت جباناً قال: " إنما يكون الإنسان كما خلق، فإن كان شجاعاً لم يكن موصوفاً بالجبن، وإن خلق جباناً فليس له إلى الشجاعة سبيل " (٢) . ويعجبه قول أبي الطيب: ولو حيز الحفاظ بغير عقل ... تجنب عنق صيقله الحسام لأنه يفهم منه أن " الناس لا عقول لهم، وغنما يؤدي إلى حفظ المودة عقل الإنسان، ولو جاء الحفاظ من غير ذي عقل لوجب أن يتجنب السيف عنق صيقله، وابن آدم كالسيف لا عقل له صحيح، فكيف يعتمد جميل الأفعال " فقد أخرج المعنى إلى التعميم الكلي، وأبو الطيب لم يرد إلا فقدان الحفاظ حيث لا يكون عقل في بعض الناس. ولكن المعري أشد شيء إعجاباً بما يتصل بالفكر الفلسفي العميق،

стр. 376

ولذا نجده يهتز طرباً لقول المتنبي: ألف هذا الهواء أوقع في الأنفس أن الحمام مر المذاق فيقول: " هذا البيت والذي بعده يفضلان كتاباً من كتب الفلاسفة لأنهما عيار في الصدق وحسن النظام ولو لم يقل شاعر سواهما لكان له فيهما جمال وشرف " (١) . وهذا كله يدل على أن المعري والشراح الآخرين كانوا يتناولون الشعر، كل حسب ميله ونزعته؛ فإذا قلنا إن المعري ميال إلى التفلسف مؤمن بالحبر سيئ الظن بالناس. فلابد ان تنعكس هذه الخصائص في رحه، مثلما تتجلى فيه مقدرته اللغوية والنحوية والعروضية. ولا نعدم أن نجد في أثناء هذا كله موقفاً نقدياً ضمنياً أو صريحاً، إلا انه يتعلق ببيت دون بيت وفكرة دون فكرة. فأما إيمان المعري بان أحداً لا يستطيع أن يغير لفظة في شعر أبي الطيب بلفظة أخرى خير منها. فذلك يدل على موقف نقدي كلي. يبلغ بكلام المتنبي حداً من حدود الإعجاز. ابن فورجة محمد بن حمد البروجردي (- حوالي ٤٥٥) جمهوره في شعر المتنبي ومصادره كان تلميذاً لأبي العلاء وقد أفاد من آرائه وتوجيهاته في دراسته عامة وفي دراسة شعر المتنبي خاصة؛ وقد قرا ديوان المتنبي تصحيحاً ورواية بالعراق على العلماء عدة ورواة ذات كثرة (٢) ؛ ووقعت إليه من الديوان نسخ غير واحدة شاميات (٣) . مكنته من تحقيق الرواية للديوان؛ واطل على الفسر لأبي الفتح ابن جني فكتب حوله كتابين هما " التجني على ابن جني "؛

стр. 377

و " الفتح على أبي الفتح " وفي الأسكوريال مخطوطة عنوانها " شرح مشكلات ديوان شعر أبي الطيب رداً على شرح أبي الفتح عثمان بن جني فيما واخذ به المتنبي " وهو يشير فيها إلى كتابه " التجني " ولعلها أن تكون هي " الفتح على أبي الفتح "؛ وفيها يفسر أبياتاً أشكلت على أبن جني أو أهملها أو أخطأ تفسيرها ويصوب بعض شروحه ويحاول الزيادة عليها، دون أن ينقص أبن جني حقه وقدره، ولذلك تجده يقول في ختام هذه النسخة: " وما توخينا دعوى الفضل على أبي الفتح أبن جني ولا سمت هممنا إلى مباراته وبودنا لو أدركنا القراءة عليه والاستفادة منه " (١) . ويدل هذا الكتاب على أنه أطلع - إلى جانب القمر - على الوساطة للجرجاني وناقشه في بعض المسائل (٢) ، وعلى رسالة الحاتمي التي دون فيها ما أخذه المتنبي من معاني أرسططاليس (٣) ، وعرف رسالة الكشف عن مساوئ المتنبي للصاحب بن عباد. أسباب الغموض في الشعر ولأبن فروجة متكأ نقدي عام، فهو يرى أن الشعر قد يصيبه الغموض من ثلاثة أوجه: (١) فهناك الشعر الذي يصدك جهل غريبه عن تصور غرضه (٢) والشعر الذي يعميه إغرابه لمجاز فيه وحذف في اللفظ أو تقديم وتأخير سوغه الإعراب (وسقط الثالث لسقوط أوراق في المخطوطة) . وشعر أبي الطيب يعتريه الإبهام للأسباب الثلاثة جميعاً؛ ولكن أبن فروجة كأستاذه أبي العلاء يحب شعر أبي الطيب، فهو أميل إلى الدفاع عنه، وعمدته إلى ذلك أحياناً الاحتكام إلى الروايات الصحيحة مثلما يعتمد في الأكثر على الذوق، فإذا وقف عند قول المتنبي:

стр. 378

وأنت أبو الهيجا أبن حمدان يا أبنه ... تشابه مولود كريم ووالد فحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد والبيت الثاني مما عيب على المتنبي، قال: " هذا المعنى من أحسن معاني هذه القصيدة والبيتان من خيار أبياتها وما لأحد من الشعراء قصيدة على هذا الوزن إلا وهذه أحسن منها وأجود فليعلم ذلك " (١) ؛ ولكن هذه الحماسة لا تجعله يغفل عن بعض سيئات المتنبي أو يعتذر عنها، فهو يقول في قصيدته العينية " ملث القطر أعطشها ربوعاً " -: هذه القصيدة كلها من الشعر الرذل الذي لا ينتفع به ولا بتفسيره (٢) . تدقيقه في نسخ الديوان وأثره في نقده وقد إعانته إحاطته الدقيقة بالديوان على توضيح أمور لم يتنبه لها غيره، فالمتنبي مثلاً يقول: " وأني لمن قوم كأن نفوسنا " وكان يجب أن يقول " كان نفوسهم " ويقول " وأنت الذي ربيت ذا الملك " وكان الحق أن يقول " وأنت الذي ربى " ويقول ابن جني: " كلمته غير مرة في هذا فاعتصم بأنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان ابلغ وامدح من ان يرده على لفظ الغيبة؟ ولعمري انه لكما ذكر، ولكن الحمل على المعنى عندنا لا يسوغ في كل موضع ولا يحسن "؛ فيذهب ابن فورجة ويتقرئ كل شعر المتنبي فإذا به يجده متمسكاً بهذا المذهب في المدح، أما في الذم فإنه يرد الكلام إلى حال الغائب " وهذا من أدق ما شعره من الخبث وأدله على حكمته واستيلائه على قصب السبق في شعره " (٣) .

стр. 379

مزيد من تحريه في سبيل فهم شعر المتنبي ويعييه قول المتنبي " أمط عنك تشبيهي بما وكأنه " ولا يجد تفسيراً للتشبيه بما، فيورد ما قاله ابن جني نقلاً عن المتنبي ثم يورد ما حكاه الجرجاني نفسه نقلاً عن المتنبي فيجد النقلين متضاربين " فهذا قاض من قضاة المسلمين يحكي هذه الحكاية عن أبي الطيب، فأي الحكايتين نجعلها الصحيحة وننفي أختها " ثم لا يجد له من ملجأ سوى أستاذه أبي العلاء فيقول له أبو العلاء إنها ما التي تصحب كان إذا قلت كأنما زيد الأسد " وما عندي أن أبا الطيب أراد غيرها والله تعالى اعلم بالغيب " (١) وهذا التحري الشديد يدل على دقة علمية مثلما يلمح إلى حرص ابن فورجة ليجد تفسيراً لبعض ما انتقده العلماء على المتنبي. نموذج من رده على الصاحب ابن عباد ولا ريب في أن هذا الحرص نفسه هو الذي جعله يتعقب الصاحب بن عباد بشده حتى قال في رسالته: " قد ارتكب فيها شيئاً من المزح عجباً، ليس من طريقة العلم ولا مما أفاد غير خيلاء الوزارة وبذخ الولاية، ولعمري إنه لو لم يرد عنه هذا الكتاب لكان، اجمل بمثله أو كان لم يتعد فيه التهزؤ افارغ والكلام اللغو حتى أنه لو ما يكاد ينتقص شيئاً من الأبيات التي نقمها على أبي الطيب بما يفيد معرفة، مخطئاً فيه أو مصيباً، إلا مواضيع يسيرة كأنها عثار منه بالجد لا عمد، فخلط فيها ودل على انه لم يفهم ما رده ولم يحط علماً بما كرهه، وهذه الرسالة عملها في صباه، والنزق حداه على إظهارها وما أجدر مريد الخير له بكتمانها عليه " (٢) ؛ وإليك نماذج من مناقشة ابن فورجة لرسالة الصاحب: ١ - قال الصاحب: ومن أساليبه العجيبة في التسلية عن المصيبة قوله: لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب

стр. 380

ولا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ أبو الطيب بنصيب من القلق، أترى هذه التسلية احسن عند الشعراء أم قول أوي: أيتها النفس أجملي جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا رد ابن فورجة: أخطأ في موضعين أحدهما انه ظن انه يقول: كلما حزن الأمير حزنت فقط فظن أن يحزن رفع لأنه إخبار. ولولا ظنه ذلك لما استفهم فقال: لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا أخذ أبو الطيب بنصيب من القلق، وهذا خطأ، ويحزن جزم والنون مكسورة لالتقاء الساكنين وهو دعاء؟. الثاني انه قال: أترى هذه التسلية احسن أم قول أوس، وأن هذا البيت ليس بتسلية وإنما هو دعاء للمدوح (١) ؟. ٢ - قال الصاحب: ومن تعقيده الذي لا يشق غباره ولا تدرك آثاره قوله: وللترك للإحسان خير لمحسن ... إذا جعل الإحسان غير ربيب وما اشك أن هذا البيت أوقع عند حملة عرشه من قول حبيب: فقلت للحادثات استنبطي نفقاً ... فقد أزلك إحسان ابن حسان رد ابن فورجة: ما أدري أمن قوله تعقيده الذي لا يشق غباره أتعجب أم من تشبيه هذا البيت ببيت أبي تمام، وكلا الأمرين عجيب. أما زعمه انه قد عقد، فوجه التعقيد ما لا نعلمه، فإنه لم يقدم لفظة ولا آخر أخرى عن موضعها ولا غرب في المعنى ولا في اللفظ وغنما قال: ترك الإحسان خير لمحسن إذا لم يرب إحسانه؛ ألا ترانا حين فككنا النظم وجعلناه نثراً أتينا بمثل لفظه سواء، من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير؟ فليت

стр. 381

شعري أين التعقيد؟ وأما قوله ما أشك ان هذا البيت أوقع عند حملة عرشه من بيت حبيب، فلا اعلم ما التجاوز بينهما والتشارك. ولعله رأى اشتراكهما في لفظة الإحسان تشابهاً؟ (١) . ٣ - قال المتنبي: كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفى عليك مل غاش هذا البيت فضح الصاحب أبو القاسم به نفسه في رسالته التي ذم فيها أبا الطيب؛ يقول فيها: " ومن مخازيه التي خلقها خلقاً متفاوتاً تخفيفه الغاش، وهذا ما لا اعلم سامعاً باسم الأدب يسوغه أو يفسح فيه وبجوزه؟. فغن جاز هذا جاز ان يقال عباس بن عبد المطلب وشماخ بن ضرار فلا تشدد الميم ولا الباء، على أن ما أورده أشنع من هذا الذي مثلناه به إذ كان لفظ فاعل بني على لفظ فعل مشدداً ". ورد ابن فورجة بان أبا الطيب لم يرد غاشاً وإنما أراد محل من يغشاك من صنوف الناس (٢) . وهكذا قام ابن فورجة بتزييف كثير من المآخذ التي قيدها الصاحب في رسالته، وقد رأينا من قبل حين تحدثنا عنها إنها رسالة معورة يستطيع الناقد لها أن يصيب منها مقتلاً، لان التحامل أعمى صاحبها عن الرؤية الصحيحة وجعله يتورط في أخطاء فاضحة، وإذا صدقنا خادم المتنبي قلنا عن الصاحب قد اخترع اخطاه ليرد عليها، فزاد موقفه ضعفاً وتحامله انفضاحاً.

стр. 382

- ٢ - نظرية عمود الشعر في صورتها المكتملة حين كتب المرزوقي (- ٤٢١) مقدمة على شرحه لحماسة أبي تمام كانت القضايا التي يود أن يعالجها واضحة تمام الوضوح أمام عينيه، مثلما كان تمثله للنظريات النقدية التي تصدى لها نقاد القرن الثالث والرابع تمثيلاً دقيقاً سليماً، ولذلك كتب في النقد الأدبي مقالة عن نظيرها، تنم عن ذكاء فذ وفكر منظم. المشكلات النقدية الكبرى لقد رأى المرزوقي أن المشكلات التي تسمح له بالخوض فيها مقدمة موجزة على شرح مجموعة من الشعر لا تتعدى ثلاثاً كبرى، تتفرع عن كل منها فروع: الأولى: مشكلة اللفظ والمعنى وأنصار كل منهما، والثانية: مشكلة الاختيار، والثالثة: مشكلة العلاقة بين النظم والنثر. وكان قد أطلع على مشكلة العلاقة بين النظم والنثر. وكان قد اطلع على آراء ابن قتيبة وابن طباطبا وقدامة والجرجاني (وربما الآمدي) ، ولا استبعد ان يكون قد قرا الصاحبي لابن فارس، ولكنه لم يأخذ من آرائهم إلا ما تفرضه حدود موضوعه، وتجنب كثيراً من آرائهم القيمة لأنه لا يريد أن يتجاوز ما رسمه لنفسه. وربما بدا لأول وهلة أن المرزوقي عاد يكرر الثنائيات السابقة: من مثل اللفظ والمعنى والصدق والكذب والطبع والتكلف، وما اشبه، ولكن هذه الثنائيات كانت تقتضيها طبيعة مقدمته أولاً، ثم إنه لم يمض عنها حيث تركها

стр. 383

أصحابها، بل أضاف إليها ما أسعفه به فهمه وتصوره. حتى عن مقدمته لتعد أنموذجاً جيداً في البناء الجديد على أسس قديمة. المشكلة الثالثة، العلاقة بين النظم والنثر وأضعف المشكلات الثلاث في مقدمته هي المشكلة الثالثة؛ لأنها محاولة لتفسير ظاهرة عملية تتفرع في ثلاثة فروع: (أ) المفاضلة بين الشعر والنثر (ب) السبب في قلة البلغاء وكثرة المفلقين (ج) السبب في قلة البلغاء وكثرة الشعراء؛ وقد عاد المرزوقي إلى تلك الخصومة التي عرضها المتفلسفون من نقاد القرن الرابع في المفاضلة بين الشعر والنثر، فذهب إلى ان النثر افضل، مستدلاً على ذلك بان الخطابة كانت لدى الجاهلين أهم من الشعر وانهم كانوا يأنفون من الاشتهار بالشعر ويعده ملوكهم دناءة (وهي قضية سيتصدى لها ابن رشيق بالرد) ، كذلك فإن الشعراء حطوا من قيمة الشعر بتعريضهم للسوقة حتى قيل " الشعر أدنى مروءة السري وأسرى مروءة الدني " (وهو موقف سينقضه ابن رشيق أيضاً) ، وثالث الأدلة على شرف النثر إن الإعجاز بالقرآن لم يقع بالنظم، ولهذه الأسباب كان النثر ارفع شأناً من الشعر ومن ثم تأخرت رتبة الشعراء عن الكتاب (١) ، وقد شهدنا نظائر لهذه التعليلات عند نقاد القرن الرابع، وهي محاولة لتفسير ما كان سائداً في المجتمع من رفعة الكاتب وانخفاض شأن الشاعر، ولكنها لا تتصل عند المرزوقي بالفكرة الفلسفية المحرفة عن صدق الخطابة وكذب الشعر. ويعلل المرزوقي قلة المترسلين وكثرة المفلقين بالفرق بين مبنى الترسل ومبنى الشعر: وخلاصة رأيه في هذه المسألة الدقيقة إن مبنى الترسل فيه " استرسال " لابد من تحقيقه بحيث تصبح القطعة النثرية وحدة كاملة تقبلها الأفهام جميعاً على اختلافها وتباينها، أما الشعر فإنه لا يكلف صاحبه هذا

стр. 384

الجهد لأنه يعمل قصيدته بيتاً بيتاً فلا يتسع في التوضيح وإنما يكتفي بالإشارة واللمح في بيان المعنى (فكل ما يحمد في الترسل ويختار يذم في الشعر ويرفض ". وهذا أول رد على نظرية ابن طباطبا الذي أقام القصيدة على نموذج الرسالة. وبسبب اختلاف المبنيين اختلفت الإصابة فيهما لتباين طرفيهما. وأصبح من الصعب على المرء أن يكون شاعراً كاتباً، حتى الرجز والقصيد ربما لم يتمكن الواحد أن يحسنهما بالتساوي، فكيف بالنثر والشعر وبينهما من التباعد أكثر مما بين الرجز والقصيد (١) . ثم إن ما يطالب به الكاتب أشد صعوبة مما يطالب به الشاعر: فالكاتب مطالب بمراعاة حال من يكتب عنه ومنزلته الاجتماعية وأحوال الزمان ومواضع الإيجاز والإطناب وأحكام الشريعة؛ ومجال ترسله يتناول العهود والإصلاح والتحريض على الجهاد والاحتجاج والمجادلة والنهي عن الفرقة والتهنئة والتعزية؟ ولذلك عز من يستطيع ضبط هذه الأمور، فكانوا قلة ونالت تلك أرفع المناصب لضخامة ما يضطلعون به، أما الشاعر فغير مكلف بشيء من ذلك وغنما هو يصف الديار ويشبب ويمدح ويهجو؟ أي أكثر موضوعاته تنبعث من ذاته ومشاعره، دون أن يطلب غليه ذلك، ولهذا تفاوت حال الكاتب والشاعر. ولا ريب في أن وراء هذا التعمق الذي ينتحيه المرزوقي أشياء تحس انه كان يريد أن يقولها فلم يقلها، ونحن اليوم ربما كنا أقدر منه على تصورها: فالتفرقة بين المبنى النثري والمبنى الشعري وبين موضوعات النثر وموضوعات الشعر، وطريقة معالجة كل منهما هي التفرقة القائمة بين منطقتي التفكير والشعور، ودرجة كل منهما؛ غير أن المرزوقي يقصر حديثه على كاتب الديوان - دون سواه - ويحاول ان يجد تفسيراً فكرياً لما هو قائم حينئذ على نحو عملي.

стр. 385

المشكلة الثانية في التفاوت بين اختيار أبي تمام وشعره وتجيء المشكلة الثانية تالية لهذه في المجال النقدي، وهي تبدأ من منطلق جزئي هو: " لماذا كان اختيار أبي تمام من نسيج مختلف عن شعره؟ " وجواب المرزوقي على هذه المشكلة قد يترجم في لغتنا الحديثة إلى ان الاختلاف بين مختارات أبي تمام وبين شعره ناجم عن التباين بين أبي تمام الناقد وأبي تمام الشاعر: فأبو تمام الناقد " كان يختار ما يختار لجودته " واما أبو تمام الشاعر " فكان يقول ما يقول من الشعر بشهوته " (١) - الإستجادة من عمل القوة الناقدة أما الشهوة فإنها من عمل القوة الشاعرة (ذات الشعور) ، وقد كان أبو تمام حين يختار الشعر يسلط القوة الأولى " وطرق الإحسان والاستحسان لم تستتر عنه " فإذا نظم لجأ إلى القوة الثانية؛ وهذا ما قد يثير سؤالاً آخر: هل من الضروري ان يكون الناقد شاعراً؟ وجواب المرزوقي على هذا لابد أن يكون بالنفي " ولو أن نقد الشاعر كان يدرك بقوله لكان من يقول الشعر من العلماء (يعني النقاد) أشعر الناس. ويكشف هذا أنه قد يميز الشعر من لا يقوله، ويقول الشعر الجيد من لا يعرف نقده " (٢) . وبهذا الفصل الحاسم قضى المرزوقي على قول من قد يقول: الشعراء اعرف الناس بنقد الشعر، ولم يلتفت إلى ما حدث في تاريخ النقد العربي، لم يلتفت إلى ان ابن المعتز وابن طباطبا والآمدي والجرجاني وغيرهم كانوا شعراء.

стр. 386

رد على ابن فارس في قوله: الاختيار موقوف على الشهوات ولكن ابن فارس كان قد قال من قبل: أن اختيار الشعر موقوف على الشهوات (١) ، فيتصدى المرزوقي للرد دون أن يسميه، وذلك بلجوئه إلى القول بوجود مقاييس نقدية عامة يشترك فيها زيد وعمرو وأن من أتقن تلك المقاييس وتدرب على استعمالها " لا ينظر إلا بعين البصيرة ولا يسمع إلا بأذن النصفة ولا ينتقد إلا بيد المعدلة " (٢) ، ولابد لهذا الناقد من معرفة الجيد والرديء، فأما معرفة الجيد وحده فإنها لا تصنع ناقداً، وإذا شئت أن تعرف النواحي السلبية فارجع إلى ما ذكره قدامة (دون أن يذكر المرزوقي اسمه) حول اللفظ الوحشي وقلق القافية وفساد القسمة والتقابل والتفسير والتناقض في المعنى، وارجع إلى ما قاله كل من قدامة والجرجاني (دون أن يذكر المرزوقي اسميهما) حول الخزرج عن العادة والطبع، وحول الحشو؟. وما إلى ذلك. نعم إن الناقد الحاذق قد يحيل أحياناً على طبعه فيقول: " هكذا قضية طبعي " (ويكون ناقداً كالذي وصفه الآمدي والجرجاني) ، ولكن هذا لا يحدث إلا حين نطالبه بالخصائص الإيجابية للشيء المفقود، فأما الخصائص السلبية فإن التنبيه عليها ممكن، وإقامة البرهان فيها مستطاع، وكان المرزوقي يرى ان الكشف عن صنوف الرداءة، سيبقي في مجال الاستحسان كل ما لم يوصم بشيء من الرداءة، فإظهار مساوئ قصيدة كفيل أيضاً بالإبانة عما لا مساوئ فيه، وهذا يعد في باب الجيد فيقبله الذوق السليم، وإن لم يستطع إبراز ما فيه من صفات إيجابية.

стр. 387

المشكلة الأولى: الشكل والمضمون ونقف بعد ذلك عند القضية الأولى وهي أهم القضايا النقدية لأنها ليست في تفسير ظاهرة عملية كالقضية الثالثة، ولا هي في مشكلة جزئية كمسألة الاختيار، وإنما هي تتناول صميم النقد الأدبي حين تتحدث عن أكبر المشكلات وهي ما قد يرقى إلى أن يسمى مشكلة الشكل والمضمون، أو مشكلة أصحاب الشكل وأصحاب المعنى، وما يتفرع عنها من مسائل. أنصار الشكل ثلاث فئات وقد كان المرزوقي هو الناقد الذي ينظر بعين البصيرة ولذلك استطاع أن يرى إن أنصار النظم حتى عصره لم يظلوا فئة واحدة بل أصبحوا على ثلاث درجات متتالية: ١ - فريق يرى أن تحسين نظم الألفاظ وجعلها سليمة من اللحن والخطأ ومما قد يعتري التأليف من جنف، وإيرادها صافية التراكيب، هو المطلوب. ٢ - فريق يتجاوز الحد الأول ويرى أن يضيف إلى ما سبق شيئاً آخر من التحسين مثل تتميم المقاطع وتلطيف المطالع وعطف الأول على الآخر وتناسب الوصل والفصل وتعادل الأقسام والأوزان. ٣ - فريق يتجاوز الحد الثاني ويرى ان كل ذلك يجب أن يضاف إليه أنواع البديع من ترصيع وتجنيس واستعارة وتطبيق وغير ذلك من الصور البديعية (١) .

стр. 388

أنصار المعنى أما أصحاب المعاني فهم الذين يفضلون أن ينقلوا آثار عقولهم أكثر من اهتمامهم بالشكل، ليستفيد المتأمل، ولذلك " طلبوا المعاني المعجمة من خواص أماكنها، وانتزعوها جزلة عذبة حكيمة ظريفة أو رائقة بارعة فاضلة كاملة لطيفة شريفة زاهرة فاخرة، وجعلوا رسومها ان تكون قريبة التشبيه لائقة الاستعارة صادقة الأوصاف لائحة الأوضاع خلابة في الاستعطاف عطافة لدى الاستنفار مستوفية لحظوظها عند الإسهام من أبواب التصريح والتعريض والإطناب والتقصير والجد والهزل والخشونة والليان والإباء والإسماح، من غير تفاوت يظهر في خلال أطباقها ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها؟ الخ " (١) ؛ ومحصل موقف المرزوقي انه لا بد من الائتلاف بين اللفظ والمعنى ائتلافاً تاماً. ولكن الشعر - دون النثر - ليس معنى ولفظاً وحسب، بل هو كما قال قدامة " لفظ موزون مقفى يدل على معنى " وإذن ففيه عنصران آخران يجعلان الكلف فيه أشد ولابد من مراعاتهما عند النقد كما يراعى جانب اللفظ والمعنى. وواضح من هذا التصوير لجانبي اللفظ والمعنى ان المرزوقي في قسمته لمراتب النظم لم ينتبه إلى أن كل معنى قد يمكن التعبير عنه في ثلاثة أنواع من المبنى، وأنه لو سئل هذه المباني أشد وفاء بالمعنى لم يستطع الإجابة أو لتهرب منها باللجوء إلى اختلاف الأذواق. عمود الشعر وإذا كان الحال كذلك رأيناه يسرع إلى تحديد عمود الشعر " ليتميز تليد الصنعة من الطريف "، وقديم نظام القريض من الحديث؟ ويعلم فرق ما بين المصنوع والمطبوع " (٢) ؛ وقد عاد إلى العناصر التي عدها الآمدي

стр. 389

ووضحها الجرجاني (١) من قبل وهي: (١) شرف المعنى وصحته. (٢) جزالة اللفظ واستقامته. (٣) الإصابة في الوصف. (٤) المقاربة في التشبيه. وزاد عليها: (٥) التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. (٦) مناسبة المستعار منه للمستعار له. (٧) مشاكلة اللفظ وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. واستغنى عن " الغزارة في البديهة " وعن (كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة " وعد هذا العنصر الثاني متولداً عن اجتماع العناصر الثلاثة الأولى وقد استخلص ما زاده من نقد قدامة؛ كما انه استخلص عيار كل عنصر منها من الحصول العام المجتمع من آراء الآمدي وقدامة والجرجاني وابن طباطبا، وردد قول ابن أبي عون " أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر وتشبيه نادر واستعارة قريبة " فكانت صياغته لعمود الشعر هي خلاصة الآراء النقدية في القرن الرابع، على نحو لم يسبق إليه ولا تجاوزه أحد من بعده، فلو لم يكن عمود الشعر هو الصيغة التي اختارها شعراء العربية، لكان في أقل تقدير هو الصورة التي اتفق عليها النقاد.

стр. 390

المعايير المعتمدة في عمود الشعر وإليك المعايير التي وضعها للعناصر السبعة: " فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب، فإذا انعطف عليه جنبتا القبول والاصطفاء، مستأنساً بقرائنه، خرج وافياً، وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشته. وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم وهذا في مفرداته وجملته مراعى، لان اللفظة نستكرم بانفرادها، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجيناً، وعيار الإصابة في الوصف الذكاء وحسن التمييز، فما وجداه صادقاً في العلوق ممازجاً في اللصوق، يتعسر الخروج عنه والتبرو منه، فذاك سيماء الإصابة فيه. ويروى عن عمر ﵁ انه قال في زهير: " كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال "، فتأمل هذا الكلام فإن تفسيره ما ذكرناه. وعيار المقاربة في التشبيه الطنة وحسن التقدير. فاصدقه ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبه به وأملكها له، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس. وقد قيل: " أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر، وتشبيه نادر، واستعارة قريبة ". وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن، الطبع واللسان، فما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمراً فيه واستسهلاه، بلا ملال ولا كلال
следующие страницы →