← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

رد على ابن فارس في قوله: الاختيار موقوف على الشهوات ولكن ابن فارس كان قد قال من قبل: أن اختيار الشعر موقوف على الشهوات (١) ، فيتصدى المرزوقي للرد دون أن يسميه، وذلك بلجوئه إلى القول بوجود مقاييس نقدية عامة يشترك فيها زيد وعمرو وأن من أتقن تلك المقاييس وتدرب على استعمالها " لا ينظر إلا بعين البصيرة ولا يسمع إلا بأذن النصفة ولا ينتقد إلا بيد المعدلة " (٢) ، ولابد لهذا الناقد من معرفة الجيد والرديء، فأما معرفة الجيد وحده فإنها لا تصنع ناقداً، وإذا شئت أن تعرف النواحي السلبية فارجع إلى ما ذكره قدامة (دون أن يذكر المرزوقي اسمه) حول اللفظ الوحشي وقلق القافية وفساد القسمة والتقابل والتفسير والتناقض في المعنى، وارجع إلى ما قاله كل من قدامة والجرجاني (دون أن يذكر المرزوقي اسميهما) حول الخزرج عن العادة والطبع، وحول الحشو؟. وما إلى ذلك. نعم إن الناقد الحاذق قد يحيل أحياناً على طبعه فيقول: " هكذا قضية طبعي " (ويكون ناقداً كالذي وصفه الآمدي والجرجاني) ، ولكن هذا لا يحدث إلا حين نطالبه بالخصائص الإيجابية للشيء المفقود، فأما الخصائص السلبية فإن التنبيه عليها ممكن، وإقامة البرهان فيها مستطاع، وكان المرزوقي يرى ان الكشف عن صنوف الرداءة، سيبقي في مجال الاستحسان كل ما لم يوصم بشيء من الرداءة، فإظهار مساوئ قصيدة كفيل أيضاً بالإبانة عما لا مساوئ فيه، وهذا يعد في باب الجيد فيقبله الذوق السليم، وإن لم يستطع إبراز ما فيه من صفات إيجابية.

стр. 387

المشكلة الأولى: الشكل والمضمون ونقف بعد ذلك عند القضية الأولى وهي أهم القضايا النقدية لأنها ليست في تفسير ظاهرة عملية كالقضية الثالثة، ولا هي في مشكلة جزئية كمسألة الاختيار، وإنما هي تتناول صميم النقد الأدبي حين تتحدث عن أكبر المشكلات وهي ما قد يرقى إلى أن يسمى مشكلة الشكل والمضمون، أو مشكلة أصحاب الشكل وأصحاب المعنى، وما يتفرع عنها من مسائل. أنصار الشكل ثلاث فئات وقد كان المرزوقي هو الناقد الذي ينظر بعين البصيرة ولذلك استطاع أن يرى إن أنصار النظم حتى عصره لم يظلوا فئة واحدة بل أصبحوا على ثلاث درجات متتالية: ١ - فريق يرى أن تحسين نظم الألفاظ وجعلها سليمة من اللحن والخطأ ومما قد يعتري التأليف من جنف، وإيرادها صافية التراكيب، هو المطلوب. ٢ - فريق يتجاوز الحد الأول ويرى أن يضيف إلى ما سبق شيئاً آخر من التحسين مثل تتميم المقاطع وتلطيف المطالع وعطف الأول على الآخر وتناسب الوصل والفصل وتعادل الأقسام والأوزان. ٣ - فريق يتجاوز الحد الثاني ويرى ان كل ذلك يجب أن يضاف إليه أنواع البديع من ترصيع وتجنيس واستعارة وتطبيق وغير ذلك من الصور البديعية (١) .

стр. 388

أنصار المعنى أما أصحاب المعاني فهم الذين يفضلون أن ينقلوا آثار عقولهم أكثر من اهتمامهم بالشكل، ليستفيد المتأمل، ولذلك " طلبوا المعاني المعجمة من خواص أماكنها، وانتزعوها جزلة عذبة حكيمة ظريفة أو رائقة بارعة فاضلة كاملة لطيفة شريفة زاهرة فاخرة، وجعلوا رسومها ان تكون قريبة التشبيه لائقة الاستعارة صادقة الأوصاف لائحة الأوضاع خلابة في الاستعطاف عطافة لدى الاستنفار مستوفية لحظوظها عند الإسهام من أبواب التصريح والتعريض والإطناب والتقصير والجد والهزل والخشونة والليان والإباء والإسماح، من غير تفاوت يظهر في خلال أطباقها ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها؟ الخ " (١) ؛ ومحصل موقف المرزوقي انه لا بد من الائتلاف بين اللفظ والمعنى ائتلافاً تاماً. ولكن الشعر - دون النثر - ليس معنى ولفظاً وحسب، بل هو كما قال قدامة " لفظ موزون مقفى يدل على معنى " وإذن ففيه عنصران آخران يجعلان الكلف فيه أشد ولابد من مراعاتهما عند النقد كما يراعى جانب اللفظ والمعنى. وواضح من هذا التصوير لجانبي اللفظ والمعنى ان المرزوقي في قسمته لمراتب النظم لم ينتبه إلى أن كل معنى قد يمكن التعبير عنه في ثلاثة أنواع من المبنى، وأنه لو سئل هذه المباني أشد وفاء بالمعنى لم يستطع الإجابة أو لتهرب منها باللجوء إلى اختلاف الأذواق. عمود الشعر وإذا كان الحال كذلك رأيناه يسرع إلى تحديد عمود الشعر " ليتميز تليد الصنعة من الطريف "، وقديم نظام القريض من الحديث؟ ويعلم فرق ما بين المصنوع والمطبوع " (٢) ؛ وقد عاد إلى العناصر التي عدها الآمدي

стр. 389

ووضحها الجرجاني (١) من قبل وهي: (١) شرف المعنى وصحته. (٢) جزالة اللفظ واستقامته. (٣) الإصابة في الوصف. (٤) المقاربة في التشبيه. وزاد عليها: (٥) التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. (٦) مناسبة المستعار منه للمستعار له. (٧) مشاكلة اللفظ وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. واستغنى عن " الغزارة في البديهة " وعن (كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة " وعد هذا العنصر الثاني متولداً عن اجتماع العناصر الثلاثة الأولى وقد استخلص ما زاده من نقد قدامة؛ كما انه استخلص عيار كل عنصر منها من الحصول العام المجتمع من آراء الآمدي وقدامة والجرجاني وابن طباطبا، وردد قول ابن أبي عون " أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر وتشبيه نادر واستعارة قريبة " فكانت صياغته لعمود الشعر هي خلاصة الآراء النقدية في القرن الرابع، على نحو لم يسبق إليه ولا تجاوزه أحد من بعده، فلو لم يكن عمود الشعر هو الصيغة التي اختارها شعراء العربية، لكان في أقل تقدير هو الصورة التي اتفق عليها النقاد.

стр. 390

المعايير المعتمدة في عمود الشعر وإليك المعايير التي وضعها للعناصر السبعة: " فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب، فإذا انعطف عليه جنبتا القبول والاصطفاء، مستأنساً بقرائنه، خرج وافياً، وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشته. وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم وهذا في مفرداته وجملته مراعى، لان اللفظة نستكرم بانفرادها، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجيناً، وعيار الإصابة في الوصف الذكاء وحسن التمييز، فما وجداه صادقاً في العلوق ممازجاً في اللصوق، يتعسر الخروج عنه والتبرو منه، فذاك سيماء الإصابة فيه. ويروى عن عمر ﵁ انه قال في زهير: " كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال "، فتأمل هذا الكلام فإن تفسيره ما ذكرناه. وعيار المقاربة في التشبيه الطنة وحسن التقدير. فاصدقه ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبه به وأملكها له، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس. وقد قيل: " أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر، وتشبيه نادر، واستعارة قريبة ". وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن، الطبع واللسان، فما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمراً فيه واستسهلاه، بلا ملال ولا كلال

стр. 391

فذاك يوشك ان يكون القصيدة منه كالبيت. والبيت كالكلمة تسالماً لأجزائه وتقارناً. وألا يكون كما قيل فيه: وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل وكما قال خلف: وبعض قريض الشعر أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ وكما قال رؤبة لابنه عقبة وقد عرض عليه شيئاً مما قاله، فقال: قد قلت لو كان له قران ... وغنما قلنا " على تخير من لذيذ الوزن " لأن لذيذة يطرب الطبع لإيقاعه، ويمازجه بصفاته، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه، واعتدال نظومه. ولذلك قال حسام: تغن في كل شعر أنت قائله ... عن الغناء لهذا الشعر مضمار وعيار الاستعارة الذهن والفطنة، وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به، ثم يكتفى فيه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له. وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، طول الدربة ودوام المدارسة، فإذا حكما بحسن التباس بعضها ببعض، لا جفاء في خلالها ولا نبو، ولا زيادة فيها ولا قصور، وكان اللفظ مقسوماً على رتب المعاني: قد جعل الأخص للأخص، والاخس للاخس، فهو البرئ من العيب. وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود المنتظر، يتشوفها المعنى بحقه واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقلة في مقرها، مجتلبة لمستغن عنها ".

стр. 392

ولا بد من تعليق على هذا الذي قاله المرزوقي: فكل عنصر عنده له عيار وحدود يقبلها العيار؛ فأما الحدود فنستطيع أن نردها إلى ما قاله قدامة في الأغلب، وأما أنواع العيار فإنها تمثل ما جاء به الجرجاني حين تحدث عن العناصر الأربعة اللازمة للشاعر، وما قاله ابن طباطبا حول قبول " الفهم "، وهذه هي العيارات التي استعملها المرزوقي: ١ - العقل الصحيح والفهم الثابت. ٢ - الطبع. ٣ - الرواية. ٤ - الاستعمال. ٥ - الذكاء وحسن التمييز. ٦ - الفطنة وحسن التقدير. ٧ - الذهن والفطنة. ٨ - طول الدربة ودوام المدارسة. ولا ريب في أن العقل والفهم والذكاء والفطنة والذهن تعبير عن حقيقة واحدة كما أن الاستعمال وطول الدربة شيء واحد؛ وإذن فإن معايير المرزوقي هي الطبع - الرواية - الذكاء - الدربة. وهي ليست شيئاً سوى ما جاء به الجرجاني (١) ؛ إلا أن الجرجاني افترض وجود هذه العناصر في الشاعر، أما المرزوقي فإنه يتحدث عن توفرها في المتلقي أو المتذوق أو الناقد. ولو سئل المرزوقي: أين يضع أبا تمام مثلاً أو المتنبي؟ هل أحدهما أو

стр. 393

كلاهما خارج عن عمود الشعر أو ملتزم به؟ لما كان الجواب عن ذلك قاطعاً حاسماً: فأبو تمام في المبنى من الفريق الثالث، وفي المعنى من أصحاب المعاني، ولكن استعارته أحياناً لا تناسب فيها بين المستعار والمستعار له، وفي بعض ألفاظه إذا عرضت على الطبع والرواية والاستعمال هجنة، وكثير من العناصر الأخرى المشترطة في عمود الشعر متوفر لديه، ولذا فلا يمكننا أن نقول إن أبا تمام خرج عن عمود الشعر إطلاقاً، وإنما يمكننا أن نقول إنه في بعض أبياته فعل ذلك، ومثل ذلك قد يقال في أبي نواس وفي مسلم والبحتري والمتنبي، لا خلاف في ذلك، إذ أن المرزوقي لم يقل لنا: إن العرب يشترطون اجتماع هذه العناصر كلها معاً دون هوادة، بل قال " ومن لم يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان " (١) فإذا اجتمعت كلها - وهذا أمر عسير - كان الشاعر محسناً مقدماً. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول إن نظرية " عمود الشعر " رحبة الأكناف واسعة الجنبات، وأنه لا يخرج من نطاقها شاعر عربي أبداً، وإنما تخرج قصيدة لشاعر أو أبيات في كل قصيدة، وقد أساء الناس فهم هذه النظرية وحملوها من السيئات الشيء الكثير، ولكنها أساس " كلاسيكي " رصين، فالثورة عليها لا تكون إلا على أساس رفض الشعر العربي جملة. بل أن المرزوقي زاد من أتساع هذه النظرية حين جعلها ذات وسط وطرفين، فإما أن يعمد الشاعر إلى تحقيق هذه العناصر عن طريق الصدق، وإما أن يذهب مذهب الغلو، وإما أن يكون مقتصداً بين بين، ولكل جانب أنصاره الذين يؤثرونه، وإذا كان النقاد قبل المرزوقي قد انقسموا في فئتين: فئة تقول: أحسن الشعر أكذبه، وفئة تقول: أحسن الشعر أصدقه، فإنه قد زاد فئة ثالثة تقول: " أحسن الشعر أقصده ".

стр. 394

فهم جديد للمطبوع والمصنوع وقد عدل المرزوقي عن قسمة أبن قتيبة للشعر في مطبوع ومتكلف فسمى القسمين " المطبوع والمصنوع ". فالمطبوع: هو ما كان وليد جيشان في النفس وحركة في القريحة، فإذا نقل ذلك بصورة تعبير خلي الطبع المهذب بالرواية المدرب بالدراسة كي يضع ذلك الجيشان وتلك الحركة في ما يختاره من قوالب وألفاظ. والمصنوع: هو ما كان وليد جيشان في النفس وحركة في القريحة، فإذا شاء الشاعر نقل ذلك بصورة تعبير نحي الطبع المهذب بالرواية والدربة عن العمل وحل محله الفكر، فأخذ (ذهنياً) يقبل ما يقبل ويرد ما يرد فتجاوز المألوف إلى البدعة وتلذذ بالأغراب فخرج الكلام مصنوعاً. والقدامى أقرب إلى الطبع، أما المحدثون فحظهم من الطبع متفاوت: فيعضهم يقوى لديه ويحكمه في الإبداع، فيجيء كلامه أقرب إلى طرائق الأعراب؛ وبعضهم يحب الإغراب وإظهار الاقتدار لأنه يدل على كمال البراعة، ولذلك يلجأ إلى الفكر لا إلى الطبع فيحمله على الإكثار من البديع. ولسنا بحاجة إلى التعليق على هذه التفرقة بين المطبوع والمصنوع فإنها رغم غموض كل ما يتصل بفكرة الإبداع الفني - حتى اليوم - من أدق ما جاء به النقد العربي

стр. 395

- ٣ - النقد العربي في كتاب الشعر في القرن الخامس لا نجد لكتاب الشعر - أو للأثر اليوناني عامة - أي صدى بين نقاد القرن الخامس (إذا استثنينا إشارة طفيفة لأبن حزم الأندلسي) ، ويعود هذا إلى طبيعة النقاد وطبيعة الشعر، وكلتاهما أصبحت تنأى عن الأثر لدى الآمدي والجرجاني، دون أن يخلق التيار الشعري - المتجه نحو الشكلية العامة أو الصورة الجزئية - أية مشكلة جديدة تتطلب تعمقاً في النظر وتأنياً في الحل. دراسة كتاب الشعر جزء من دراسة المنطق ولذلك اقتصرت الصلة بكتاب الشعر على إعادة وضعه في موضعه بين كتب المعلم الأول وفاء باستكمال المنهج الفلسفي؛ وكان من الطبيعي لهذا أن لا يحدث تلخيص أبن سينا لكتاب الشعر أي أثر في النقد الأدبي حينئذ، ومن الكثير أن نحمله جل المسئولية في هذا التقصير (١) ، مهما تكن حماستنا للأثر المفترض الذي كان متوقعاً لهذا الكتاب، ومهما يكن رجاؤنا كبيراً في مقدرة أبن سينا.

стр. 396

نص ابن سينا ظهر حين ابتعد النقد عن الثقافة اليونانية وقد يكون ابن سينا قام بتخليص هذا الكتاب في أواخر القرن الرابع أو أوائل الخامس، وتلك حقيقة أخرى جعلتنا نتحدث عنه في نقد القرن الخامس، أعني أن الكتاب تأخر عن موعده - إذا صح هذا القول - فجاء بعد ذلك الازدهار في حياة النقد الأدبي، ولم يجد قدامة ثانياً ليفيد منه، بعد إذ أصبح الوضوح فيه أشمل واقرب منالاً. ولكن لم تكن محاولة ابن سينا هي الوحيدة، إذ يذكر ابن أبي أصيبعة أن ابن الهيثم (حوالي - ٤٣٢) لف " رسالة في صناعة الشعر ممتزجة من اليوناني والعربي " (١) ، إلا أن هذه الرسالة لا تزال محجوبة لم تنلها يد الكشف بعد. الميزة العامة لغرض ابن سينا ويمثل كتاب الشعر كما أورده ابن سينا أوضح صورة - فيما نعرفه حتى اليوم - من صور هذا الكتاب، فهو يرتفع عن غموض ترجمة ابي بشر متى بن يونس وركاكتها ورداءتها، وهو أوسع نطاقاً من اللمحات الخاطفة التي جاء بها الفارابي، وهو أسلم من محاولة ابن رشد من بعد، لان ابن سينا لم يتورط كثيراً في تطبيقات خاطئة؛ ومن الحق ان نفترض انه اعتمد على ترجمة جيدة قام بها يحيى بن عدي أو غيره (٢) . تعريفه للشعر ويبدأ ابن سينا بمقدمة ليست من أصل كتاب الشعر يتحدث فيها عن تعريف الشعر وأنه " كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة ". ثم يشرح هذا التعريف ويدل على أن المنطقي لا يهمه منه إلا الحديث عن التخييل، فالكلام المخيل (هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار وبالجملة تنفعل له

стр. 397

انفعالاً نفسانياً غير فكري سواء كان القول مصدقاً به أو غير مصدق " (١) . ويقارن بين أثر المحاكاة - وهو التخييل - وبين التصديق، فيرى أن كليهما إذعان، إلا أن التخييل إذعان للتعجب والالتذاذ بنفس القول، والتصديق إذعان لقبول أن الشيء على ما قيل فيه (٢) ، ويمضي في تبيان المحاكاة وضروبها، وكيف يكون إحداث التعجب صادراً عن حيلة في اللفظ أو المعنى، ويفرع أنواع الحيل التي بها تتعدد الصيغات الشعرية، ثم يعرج على أنواع الشعر عند اليونان معتمداً - في اغلب الظن - على ما أورده الفارابي من قبل. صورة كتاب الشعر في نفسه حتى إذا انتهى من هذه المقدمة بدأ النظر في كتاب الشعر نفسه فلم يدع انه يفهم كل شيء فيه وإنما حدد غايته بالتعبير عن القدر الذي فهمه من المعلم الأول: " إذا أكثر ما فيه اقتصاص أشعار ورسوم كانت خاصة بهم ومتعارفة بينهم يغنيهم تعارفهم إياها عن شرحها وبسطها " (٣) . إدراكه الفرق بين الشعر اليوناني والعربي وحين يقف ابن سينا عند قول أرسطو: " واعمال الناس هي موضوعات المحاكاة " (٤) أو كما يقول في تلخيصه: " والشعر اليوناني إنما كان يقصد فيه في أكثر الأمر محاكاة الأفعال والأحوال لا غير " (٥) يلمح الفرق بين الشعر اليوناني والعربي على نحو يدل على انه يعي طبيعة كل منهما دون غموض، فالشعر العربي يحاكي الذوات، لا الأفعال: " وكانت (العرب)

стр. 398

تقول الشعر لوجهين: أحدهما ليؤثر في النفس أمراً من الأمور تعد به نحو فعل أو انفعال، والثاني للعجب فقط فكانت تشبه كل شيء لتعجب بحسن التشبيه، وأما اليونانيون فكانوا يقصدون أن يحثوا بالقول على فعل أو يردعوا بالقول عن فعل، وتارة كانوا يفعلون ذلك على سبيل الخطابة وتارة على سبيل الشعر، فلذلك كانت المحاكاة الشعرية عندهم مقصورة على الأفاعيل والأحوال والذوات من حيث لها تلك الأفاعيل والأحوال " (١) . لقد أدرك ابن سينا تخالف طبيعتي الشعر اليوناني والشعر العربي، ولكنه حين حاول التفسير أخطأ، فنقل معنى المحاكاة في عملية الخلق إلى أثرها في النفوس وبهذا لم يعد من فرق بين الشعر الذاتي القائم على المحاكاة لان كليهما يتوسل الإثارة عن طريق الانفعال النفسي، وهو شيء قاله ابن سينا قبل قليل ثم نسيه. سبب الانتقاد بالمحاكاة وندهش أحياناً لهذا الوضوح في ذهن ابن سينا وهو يتحدث عن سبب التذاذنا بالمحاكاة فهو هنا لا يخطئ كما اخطأ الفارابي بل يقول " والدليل على فرحهم بالمحاكاة انهم يسرون بتأمل الصور المنقوشة للحيوانات الكريهة والمتقذر منها، ولو شاهدوها أنفسها لتنكبوا عنها " (٢) ؛ ونعجب بحديثه كيف صار التعليم - لأنه متولد عن المحاكاة - لذيذاً لا للفلاسفة فقط بل للجمهور، إلى غير ذلك من مواضع لا يتفوق تعبيرنا فيها - حين نريد ان ننقل كلام أرسطو - عن تعبير ابن سينا، فإذا جئنا إلى تعريف الطراغوذيا وجدناه أيضاً سليماً في جملته: " عن الطراغوذية هي محاكاة فعل كامل الفضيلة عالي المرتبة بقول ملائم جداً، لا يختص بفضيلة فضيلة جزئية، تؤثر في الجزئيات لا من جهة الملكة بل من جهة الفعل - محاكاة تنفعل لها

стр. 399

الأنفس برحمة وتقوى " (١) . مصطلح ابن سينا في كتاب الشعر ويختلف مصطلح ابن سينا عن المصطلح الذي نؤثره اليوم، فيضع " الاشتمال " مكان ما قد نسميه " الانقلاب أو التحول " و " الاستدلال " مكان ما قد يسمى " الانكشاف أو التعرف " ولكنه دقيق في استعمال مصطلحي " الحل والربط " وفي كثير من المصطلحات الأخرى. تضليل المصطلح عند التطبيق والمقارنة غير إننا نقرأ قوله: " وأجزاء الخرافة جزءان: الاشتمال وهو الانتقال من ضد إلى ضد، وهو قريب من الذي يسمى في زماننا " مطابقة " ولكنه كان يستعمل في طراغوذياتهم في أن ينتقلوا من حالة غير جميلة إلى حالة جميلة بالتدرج، بان تقبح الحالة الغير جميلة وتحسن بعدها الجميلة، وهذا مثل الخلف والتوبيخ والتقرير، والجزء الثاني الدلالة وهو أن يقصد الحالة الجميلة بالتحسين لا من جهة تقبيح مقابلها " (٢) ؟ أقول: حين نقرأ مثل هذا ندرك أن ابن سينا قد وقع في متاهة مضلة، لأنه ليست لديه أدنى فكرة عما يسمى (بطل الطراغوذيا) لظنه ان كل ما يتحدث به ارسطو هنا ينصرف إلى الشاعر نفسه، ونستبعد أن تكون لفظة " المنافق " التي يستعملها للدلالة على " الممثل " ولفظة " المسكن " التي تقابل لفظة " المسرح " قادرتين على هدايته إلى مدلولهما الصحيح. وهذا هو الجانب الذي يتصل بالعمل المسرحي نفسه، ومن هنا أنبهم الأمر على ابن سينا وغيره، فأما إذا كان الحديث عن كيان المأساة نفسها مثل كونها تتألف من فاتحة ووسط وخاتمة، وما أشبه ذلك فهذا لا يغمض على ابن سينا، أو على الأقل، يجيء تعبيره عنه واضحاً لأنه متصل بفكرة فلسفية أو منطقية. ولهذا كانت معرفة العمل المسرحي وحدها

стр. 400

هي القادرة على أن تجعل كتاب الشعر واضحاً وأن تخلق له أثراً في البيئة العربية، ولعل الدكتور بدوي حين استبعد هذه الحقيقة (١) وشبه حال الشرق بحال أوروبة في العصور الوسطى قد نسي أن أوروبة من خلال مسرحيات الأسرار، كانت تعرف شكلاً مسرحياً ما، وإن كان هذا الشكل مخالفاً للقواعد التي جاء بها أرسطو (٢) . إذ الأمر هنا غير داخل في مدى صلاحية النظرية أو عدم صلاحيتها بل هو ادخل في باب الفهم، وهذا الفهم لا يتأتى إلا من تصور الأنموذج، فما دام الأنموذج مفقوداً فالفهم غير متيسر. وأما استشهاده بخيال الظل عند ابن دانيال وانه أرقى من مسرحيات الأسرار فإنه استشهاد من يدري تماماً أن أرسطو كان في عصر ابن دانيال قد أصبح شبه منسي، إلا أثرات من هجوم ابن تيمية على منطقه. عن ابن سينا حين كان يحاول أن يبسط كلام ارسطو، لاجئاً إلى ما يعرف من نماذج، كان يبذل كل جهده للإفهام والتوضيح، ولكن نماذجه كانت تخونه في أكثر الأحيان: فالمقابلة التي أقامها ارسطو بين الشاعر والمؤرخ لا يستطيع أن يقيمها ابن سينا غلا بين الشعر والقصص والامثال، لانه لم يتعود ان يقارن بين الشعر والتاريخ، لذلك تجده يستشهد على ما يوازي الشعر بقصص " كلية ودمنة " وبينا يقول أرسطو: " يتضح إذن - مما تقدم - انه ليس يقع في دائرة الشاعر أن يقص الأشياء التي وقعت فعلاً ولكن عليه أن يصف تلك التي كان من الممكن أن تقع، أي يذكر ما هو ممكن على انه محتمل أو ضروري. إذ ليس بالتأليف

стр. 401

نظماً أو نثراًً يفترق الشاعر والمؤرخ، فكتاب هيرودوت قد يصاغ نظماً، ولكنه مع ذلك يظل ضرباً من التاريخ، بيد أنهما يفترقان في أن أحدهما يروي ما حدث والآخر يروي ما يحتمل أن يحدث، وعلى هذا الاعتبار كان الشعر شيئاً أكثر فلسفة وأبدع من التاريخ وأكبر منه قيمة لان الشعر يضطلع بالحقيقة العامة بينما يضطلع التاريخ بالخاصة؛ وأنا اعني بالحقيقة العامة ما يمكن ان يقوله أو يفعله نوع من الناس يتمتع بهذه الصفات أو بتلك - على وجه الاحتمال أو الضرورة - ذلك شيء عام وهو موضوع الشعر حتى حين يطلق أسماء خاصة على من يقولون الحقائق العامة، أما ما فعله الكبيادس أو ما حدث له فذلك حقيقة خاصة " (١) - بينا يقول أرسطو هذا القول على هذا النحو من الوضوح نجد ابن سينا قد حوره فجعل الفرق بين الشعر وبين المحاكاة التي تكون بالأمثال والقصص، ككتاب كليلة ودمنة؛ صحيح إنه فهم أن الوزن - لو نظم كليلة ودمنة - لا يصنع من ذلك الكتاب ما يسمى شعراً، ولكنه عاد إلى ان الشعر يراد به التخييل، وأمثال كليلة ودمنة يراد بها إفادة الآراء، دون ان يقصر حديثه كما قصره أرسطو في هذا المقام على الفرق بين شيء يتناول الأحداث الجزئية " فأحد هذين يتكلم فيما وجد ويوجد والآخر يتكلم فيما وجوده في القول فقط " (٢) . أما لماذا اختار ابن سينا كتاب كليلة ودمنة ولم يجر المقارنة بين الشعر والتاريخ فلهذا أسباب: أولها أن كلمة historia نفسها قد ذهبت به إلى معناها الاشتقاقي (أسطورة) ، وثانيها أنه لم يتعود في المفهومات المشرقية إيراد صلة بين الشعر والتاريخ، وثالثها وهو الأهم: أن كتاب كليلة ودمنة كان قد نظمه ابن الهبارية، فهو يريد ان يثبت ان الوزن وحده لا يصنع منه شعراً، كما يقول أرسطو، فهو أوضح " نموذج " متوفر لديه، مما يحكي " قصة " في شكل شعري؛ وفي هذا دلالة أخرى على قيمة الأنموذج نفسه.

стр. 402

وليس حديثه عن الشعر البطولي الملحمي (الأفي Epic) أوضح من حديثه عن الطراغوذيا، فقد لخصه تلخيصاً سريعاً مخلاً، وحذف الأمثلة لانعدام دلالتها في نفسه. خاتمة الكتاب ووعد لم يتحقق وختم الكتاب بقوله: " هذا هو تلخيص القدر الذي وجد في هذه البلاد من كتاب الشعر للمعلم الأول، وقد بقي منه شطر صالح، ولا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق وفي علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان كلاماً شديد التحصيل والتفصيل " (١) . وهذه الخاتمة تؤكد أن ابن سينا كان يحس أن هناك بقية لكتاب الشعر لم تصل؛ فأما ما لخصه منه فإنه يشمل كل ما لدينا اليوم من هذا الكتاب؛ وأما ما وعد به فإنه يتناول شيئين: الكتابة في النظرية الشعرية عامة، والكتابة في نقد الشعر كما يعرفه العرب، وليس هناك شيء مما وعد به ابن سينا في ما وصلنا من مؤلفاته.

стр. 403

- ٤ - النقد وفكرة الإعجاز الانطلاق من فكرة الإعجاز إلى إقرار قواعد النقد والبلاغة كان النقد والبلاغة لدى المحدثين عن الإعجاز في القرن الرابع مركبتين اتخذوهما للوصول إلى " منطقة " الإعجاز، ثم إفراد تلك المنطقة عما حولها، ولكن عبد القاهر الجرجاني (- ٤٧١) (١) - أكبر متحدث منطلقه فكرة الإعجاز نفسها، وعن هذه الطريق أسهم في توضيح مفهوم البلاغة - على نحو لم يسبق له مثيل - كما أسهم في معالجة كثير من النظريات النقدية بمعدات جديدة من الفحص الدقيق والتغلغل النافذ إلى بواطن الأمور. الإعجاز في النظم فلقد قرر عبد القاهر في نفسه منذ البداية ان القرآن معجز، وحاول أن يستكشف فيه مواطن الإعجاز، هل هو في الالفاظ؟ فرد هذا القول رداً حاسماً لان الألفاظ المفردة موجودة في الاستعمال قبل نزول القرآن، ولا يجوز

стр. 404

أن يكون الإعجاز في ترتيب الحركات والسكنات، أي في طبيعة الإيقاع لان ذلك قد ينطبق على مثل حماقات مسيلمة في قوله " إنا أعطيناك الجماهير فصل لربك وجاهر "، ولا يتحقق الإعجاز بالفواصل لان الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وذلك أمر كان العرب قد أتقنوه فلم يعد معجزاً لهم. فإذا بطل ان يكون الإعجاز متأنياً من هذه الأمور، فهل الإعجاز آت من الاستعارة؟ ذلك أيضاً ممتنع " لأن ذلك يؤدي أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة " (١) ، وإذا كانت كل هذه الأمور مجتمعة أو منفردة لا تحقق الإعجاز " فلم يبق إلا أن يكون (الإعجاز) في النظم والتأليف " (٢) . تحديد معنى النظم بالتزام الأوضاع النحوية ما المقصود بالنظم والتأليف - وهما مترادفان في رأي عبد القاهر -؟: يقرر الجرجاني أولاً أنه ليس للفظة في ذاتها، لا في جرسها ولا دلالتها، ميزة أو فضل أولي، وليس بين أية لفظة وأخرى في حال انفراد كل منهما عن أختها من تفاضل؛ لا يحكم على اللفظة بأي حكم قبل دخولها في " سياق " معين، لأنها حينئذ وحسب ترى في نطاق من التلاؤم أو عدم التلاؤم؛ وهذا السياق هو الذي يحدث " تناسق الدلالة " ويبرر فيه " معنى " على وجه يقتضيه العقل ويرتضيه. وربط الألفاظ في سياق يكون وليد الفكر لا محالة، والفكر لا يضع لفظة إزاء أخرى لأنه يرى في اللفظة نفسها ميزة فارقة، وإنما يحكم بوضعها لان لها معنى ودلالة بحسب السياق نفسه، ولهذاكانت " المعاني " لا الألفاظ هي المقصودة في إحداث النظم والتاليف، فلا نظم في الكلم ولا تأليف حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض، وبهذا يكون اللفظ تابعاً للمعنى، بحسب ما يتم ترتب المعنى في النفس (٣) .

стр. 405

ويخلص عبد القاهر من هذا إلى وضع نظريته التي لا يسأم من تردادها في تحديد المراد من النظم فيقول: " وعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها " (١) ، ويؤكد ما تقدم بقوله: " فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطوه - عن كان خطأ - إلى النظر ويدخل تحت الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع في حقه أو عوامل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له " (٢) ، أي أن من شاء أن يحكم على مدى الصواب والخطأ في النظم فلابد له من أن يعالج قضايا التقديم والتأخير والفصل والوصل والإظهار والإضمار والاستفهام والنفي أو ما أصبح من بعد عبد القاهر يسمى " علم المعاني ". وعند هذا الحد انتهى نظر عبد القاهر في " قضية الإعجاز " لان هذا " النظم " هو أساس الجمال أيضاً في الشعر والنثر، ولم يقل لنا عبد القاهر إلى أي حد سما " نظم القرآن " - كماً وكيفاً - على ما عداه من صور " النظم " الجميل في الفنون الأدبية؛ وبهذه النظرة اتجه عبد القاهر إلى النقد والبلاغة يضع فيهما أحكاماً، دون التفات كثير إلى أن " قضية الإعجاز " تتطلب شيئاً أبعد من حد المشاركة في الجمال المشاع بين صور التعبيرات الأدبية المختلفة. ولما كانت الآراء النقدية هي ما يهمنا في هذا الفصل فإننا سنتجاوز الأحكام البلاغية الخالصة، لنرى دور عبد القاهر في النقد الأدبي وحده:

стр. 406

حملته على المنحازين إلى اللفظ كانت الرواقد النقدية التي التقت في ذهن الجرجاني متعددة ولعلها كانت تبدو له متضاربة، كما تعددت وتضاربت الآراء حول فكرة الإعجاز نفسها، فقد أزعجه أولاً أن يرى ذلك التقدير للألفاظ وتقديمها على المعاني عند من سبقه من النقاد، حتى إنهم جعلوا للفظة المفردة مميزات وصفات لم يستطع أن يتقبلها ذهنه المتمرس بتفاوت الدلالات، وقيمة التعبير عن ذلك التفاوت، وكان يحس بوعي نقدي فذ أن ثنائية اللفظ والمعنى التي تبلورت عند ابن قتيبة قد أصبحت خطراً على النقد والبلاغة معاً: أما على المستوى النقدي فإن الانحياز إلى اللفظ قتل " الفكر " الذي يعتقد الجرجاني انه وراء عملية أدق من الوقوف عند ميزة لفظة دون أخرى؛ وأما على المستوى البلاغي فإن الجرجاني لم يستطع أن يتصور الفصاحة في اللفظة وإنما هي في تلك العملية الفكرية التي تصنع تركيباً من عدة ألفاظ (١) ؛ وقد يجد الجرجاني عذراً للقدماء الذين أقاموا تلك الثنائية ففخموا شأن اللفظ وعظموه وتبعهم في ذلك من بعدهم حتى قالوا: المعاني لا تتزايد وغنما تتزايد الالفاظ، وعذرهم في ذلك أن المعاني تتبين بالألفاظ ولا سبيل لمن يرتبها إلى أن يدلنا على ما صنع في ترتيبها إلا بترتيب الألفاظ، لهذا تجوز القدماء فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ نفسها، ثم تحدثوا عن الألفاظ وحذفوا كلمة " ترتيب " ثم اسبغوا على الألفاظ صفات فارقة فقالوا: لفظ متمكن ولفظ قلق؟ الخ وإنما مقصودهم المعنى (٢) ؛ ورغم هذا العذر الذي يجده للأقدمين فإنه يرى ان النقاد قد تورطوا في الجهل الفاحش حين لجأوا إلى هذه القسمة أو حين احتموا بذلك التصور، وأصبح اقتلاعه من نفوسهم أمراً عسيراً، وعاب ابن قتيبة - دون أن يسميه - لأنه قسم الشعر في أنواع: منه ما حسن لفظه ومعناه ومنه ما حسن لفظه دون معناه ومنه ما حسن معناه دون لفظه،

стр. 407

فإذا لم يكن ابن قتيبة - وهو أحد القدماء - معيباً فيما صنع، فإن من جاء بعده قد ضل ضلالاً بعيداً حين اخذ هذه القسمة على ظاهرها (١) ، واعتقد باستقلال اللفظة ومنحها صفات خاصة بها. حملته على المنحازين إلى جانب المعنى من جهة ثانية نجد عبد القاهر قد خطأ المنحازين إلى جانب المعنى بشدة لا تقل عن شدته في تخطئته من ذهبوا إلى إبراز مميزات اللفظة المفردة فقال: " واعلم أن الداء الدوي والذي اعيا أمره في هذا الباب غلط من قدم الشعر بمعناه وأقل الاحتفال باللفظ وجعل لا يعطيه من المزية إن هو أعطى إلا ما فضل عن المعنى، فيقول: ما في اللفظ لولا المعنى؟ وهل الكلام إلا بمعناه؟ فأنت تراه لا يقدم شعراً حتى يكون قد أودع حكمة وأدباً واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر " (٢) . وظاهر الأمر دون تمعن كبير، قد يكون في جانب من يذهب هذا المذهب، ولكن عند البحث عن الحقائق نجد أن جميع البلاغيين المتفهمين قد عابوا هذا المذهب، حتى قال الجاحظ قولته المشهورة " المعاني مطروحة في الطريق؟ ". تفسير لفكرة المعاني المطروحة ما معنى قول الجاحظ " المعاني مطروحة في الطريق "؟ أترى هذا حطاً من قيمة المعنى الذي يجعل له الجرجاني المقام الأول؟ هنا ينفذ الجرجاني بفهم دقيق إلى سر مشكلة طال حولها الأخذ والرد، فوجه رأي الجاحظ توجيهاً ملائماً لما نعتقد أن الجاحظ رمى إليه: فمصطلح " معنى " كما استعمله الجاحظ ذو دلالة دقيقة، وهو في رأي الجرجاني إنما يتحدث به عن " الأدوات الأولية "، وتفسيراً لذلك يقارن الجاحظ بين الكلام ومادة الصائغ، فهو يصنع من الذهب أو الفضة خاتماً، فإذا أردت الحكم على

стр. 408

صنعته وجودتها نظرت إلى الخاتم من حيث انه خاتم، ولم تنظر إلى الفضة أو الذهب الذي صنع منه، فهذه المادة الأولية تشبه المعنى المطروح وليس فيها تفاضل عن شئت أن تحكم على جودة الصنعة نفسها، ولهذا قال الجاحظ بعد أن أورد رأيه في شيوع المعاني (وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير " (١) ؛ وإنما الذي دعا الجاحظ وإضرابه إلى تبني هذا المذهب خوفهم على فكرة الإعجاز: فلو أن الفضل كان قاصراً على تلك " المادة الأولية " التي سميت " معنى " بطل أن يكون " لنظم " فضل تتفاوت به المنازل " وإذا بطل ذلك فقد بطل أن يكون في الكلام معجز وصار الأمر إلى ما يقوله اليهود " (٢) . أي أصبح الإعجاز أن يحتوي الكلام على حكمة وأدب واستخراج معنى غريب أو تشبيه نادر، وفي هذا تسوية بين القرآن وأية مهارة ذهنية إنسانية. وعلى أساس هذا التفسير يكون الناس الذين ظنوا أن " المعنى " في نظرية الجاحظ يشير إلى عدم التفاوت في " العملية الفكرية " القائمة وراء البناء الفني، قوماً مخطئين في تصورهم، فهم قد أساءوا فهم ما رمى إليه الجاحظ، لانهلم يتجاوز بما يعنيه " المادة الاولية " التي تتولاها " الروية " بالصياغة، فخلطوا - بذلك - بين تلك المادة الضرورية المشاعة وبين " الروية " الفكرية التي تؤسس " وحدة كاملة " من اللفظ والمعنى تأسيساً متفاوتاً في القدرة على التأثير، فرجعوا الفضيلة إلى اللفظ وحده " ولما أقروا هذا في نفوسهم حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى اللفظ على ظاهره، وأبوا ان ينظروا في الأوصاف التي اتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى اللفظ؟.. ولكن جعلوا كالمواصفة بينهم ان يقولوا اللفظ وهم يريدون

стр. 409

الصورة التي تحدث في المعنى والخاصة التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال: وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني والمعاني مطروحة وسط الطريق؟ الخ " (١) فالذي يعنيه الجاحظ وأمثاله هو تلك " الصورة " لا مجرد اللفظ نفسه. إلى أي مدى يصح تصور الشعر كالصياغة أو إلا برسيم لقد لجا عبد القاهر كثيراً، وهو يشرح هذه الفكرة حول " الصورة " المجتمعة من اللفظ والمعنى، إلى التمثيل عليها ومقايستها بعملية الصياغة أو بالوشي والابرسيم ولكنه كان في كل مرة متنبهاً إلى ما تجره هذه المقايسة من تضليل، فالذي يتصور الشعر صياغة قد يرستم في ذهنه أن الصائغين يصنعان سوارين لا يكون الفرق بينهما واضحاً، فهل يمكن أن يحدث مثل ذلك في " النظم "؟ ويجيب عبد القاهر على هذا التساؤل بتقرير مبدأ التفاوت دائماً، ولكن الناس درجوا على ان يقولوا هذا شاعر قد أتى بالمعنى بعينه، على طريق التساهل والتجوز، ولا يمكن لشاعر آخر أن يأتي بالمعنى بعينه، إلا كان ذلك تكراراً تاماً لعبارات الشاعر الأول، وفي هذا نفسه ما يدل على ميزة النظم لأنها هي التي تحقق ذلك التفاوت (٢) . أما التشبيه بالابريسم فإنه أيضاً قاصر لأنه قد يوحي أن " النظم " ضم للكلمات بعضها إلى بعض كما يحدث في ضم الألفاظ يتبع نسقاً قرره النحو، فإذا ضمت الألفاظ إلى بعضها البعض دون ان تتوخى فيها معاني النحو لم يكن ذلك نظماً، فالفرق إذن بين النظم والابريسم هو فرق في " العامل العمدي " في إنشاء سياق ما (٣) .

стр. 410

التفاوت بين الصور رغم تشابه المعاني وقد أمعن عبد القاهر في تمييز التفاوت بين صورتين يظنهما الناس ممثلتين لمعنى واحد حين أورد مزدوجات من الأبيات، كل اثنين منهما لشاعرين، والصورة في أحد البيتين أدنى بكثير من الصورة في البيت الثاني، ثم شفع ذلك بنماذج أخرى من المعاني المتحدة، إلا أن الصورة - أو الصياغة - فيها قد بلغت في كل بيتين مستوى فائقاً، ومع ذلك ظل التفاوت موجوداً (١) ؛ ثم وضح لم أختار مصطلح الصورة بقوله: " وأعلم أن قولنا الصورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة فكان بين إنسان من إنسان وفرس من فرس بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك، وكذلك كان الأمر في المصنوعات فكان بين خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقاً، عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك، وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئاً نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء ويكفيك قول الجاحظ: وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير " (٢) . التفاوت في الصور هو الطريق لإثبات الإعجاز كما كان عند الآمدي والقاضي ويتجلى من هذا كيف حاول عبد القاهر أن يظل في بحثه عن " الصورة " منسجماً مع محاولته في تبيان حقيقة الغعجاز، فالتفاوت في الصور - مهما تتقارب - شيء لا يكاد يقف عند حد، فإذا بلغ الأثر الأدبي درجة من التمييز لا يلحقه فيها أي اثر آخر صح أن يسمى معجزاً، ومثل هذا التفاوت

стр. 411

يتحقق في المعنى، أي القضايا الخارجية مهما يكن حظها من الجد والسمو، كأن تكون مما أيد العقل صحته المطلقة، ثم أن التركيز على الصورة وحدها يبعد عبد القاهر من الخوض في العلاقة بينها وبين " الفاعل " لها أو " القوة الفاعلة "، إذ أن تلك العلاقة لا يمكن بحثها في إطار الإعجاز القرآني، وما دام هم الناقد أن يستكشف الجمال الفني (أيا كانت درجته) في الصورة، فإن درجة ذلك الجمال - بالنسبة لغيره - هي التي تشير إلى طبيعة القدرة التي تمكنت من إبراز تلك الصورة - أي أن النتيجة تتخذ دليلاً على الفاعل دون أن تربط به، أو تفضي إلى التحدث عن مدى العلاقة بينها وبينه. الوحدة في مقياس عبد القاهر لذلك كانت نظرية النظم (أو التأليف) عند عبد القاهر إنكاراً لتلك الثنائية المضللة وعودة إلى الوحدة، أي ان يعنى الناقد برؤية الصورة مجتمعة من الطرفين معاً دون فصل بينهما؛ وتلك هي فيما يبدو نظرية الجاحظ، حتى حين يمثل عبد القاهر بين الشعر والصياغة والتصوير. وقد كان عبد القاهر يحس أن أخذه بتلك النظرية يخدم فكرة الإعجاز، ويقلل من الانحياز إلى اللفظة المفردة، ويمنح المعنى - من داخل الصورة المركبة - قيمة كبرى، غير إن مصطلح " المعنى " لديه لم يبق كما كان عند الجاحظ بل أصبح يعني " الدلالة " الكلية المستمدة من الوحدة، لا " المادة الأولية " أو الحقائق الخارجية التي تحدث الجاحظ عنها، ولا ندري إلى أي حد استغل عبد القاهر كتاب الجاحظ في نظم القرآن، لترسيخ نظريته، ولكنا نجده يفيء إلى كتاب آخر للجاحظ هو كتاب " النبوة " فينقل عنه قوله: " ولو أن رجلاً قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة لتبين له في نظامها

стр. 412

ومخرجها من لفظها وطابعها أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدى بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها لغة ولفظاً " (١) ، فالذي يريده الجاحظ هنا هو مبدأ " النظم " وإن عبر عن موقفه بالحديث عن اللغة واللفظ. وإذا كان عبد القاهر قد استمد نظرية " النظم " من الجاحظ في خطوطها العريضة، فربما كان تفسيره للنظم بأنه " إذا رفع معاني النحو وأحكامه مما بين الكلم حتى لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل خرجت الكلم المنطوق ببعضها في أثر بعض، في البيت من الشعر والفصل من النثر من غير أن يكون لكونها في مواضعها التي وضعت فيها موجب ومقتض " (٢) - أقول: ربما كان هذا التفسير هو مما اهتدى إليه عبد القاهر نفسه في نطاق تلك النظرية العامة. الانتقال من المعنى إلى معنى المعنى وليس من همنا هنا أن نناقش عبد القاهر في نظريته هذه، فذلك يتطلب عرضاً مفصلاً لدقائق كتابيه - الدلائل والأسرار - ولكنا نعتقد إن اتخاذه لهذه الفكرة منطلقاً هو الذي نقله بعد قليل إلى أدق ما نفذ إليه في سياق تلك النظرية، فقد انتقل من تفاوت الدلالات إلى مرحلة لم ينتبه إليها أحد قبله من النقاد؛ وقد أسعفته نظرية الجاحظ في " المعاني المطروحة " على ذلك؛ فقد خيل إليه أن الناس حين أساءوا فهم نظرية الجاحظ، لم يلحظوا تفاوت الدلالات الناجم عن طريق الصياغة، فقولك، خرج زيد، قول تصل منه إلى المقصود بدلالة اللفظ وحده، ولكنك حين تقول: هو كثير رماد القدر، أو: رأيت أسداً، وأنت تريد رجلاً شجاعاً، أو: بلغني أنك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإنك في مثل هذه الأقوال تطرح أولاً دلالة أولية

стр. 413

تنتقل منها إلى دلالة ثانية تصل بها إلى غرض جديد: " وإذ قد عرفت هذه الجملة فهاهنا عبارة مختصرة وهي أن تقول المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم بفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر " (١) ، فمرحلة " معنى المعنى " هي المستوى الفني من الكتابة والاستعارة والتشبيه، وفي هذه المرحلة يكون التفاوت أيضاً في الصورة أو الصياغة، لأنه تفاوت في الدلالة المعنوية أيضاً، مثلما يحدث أيضاً تفاوت في الدلالة في المرحلة الأولى بين قولك: قام زيد، زيد قام، قائم زيد؟ الخ؟ ومن مرحلة المعنى يتكون " علم المعاني " ومن مرحلة " معنى المعنى " يجيء علم البيان، ولهذا نستطيع أن نقول إن عبد القاهر بعد أن انتهى من كتابه دلائل الإعجاز الذي تحدث فيه حول المعنى، حاول " أن يخصص كتاباً لدراسة " معنى المعنى " فكان من ذلك كتابه " أسرار البلاغة ". التحليل للنماذج من الزاوية الجمالية ميزة متفردة عند عبد القاهر وهذا الكتاب الثاني ربما كان أدق كتاب باللغة العربية في الحديث عن ضروب البيان، وفيه من التفسيرات الجمالية ما يدل على ذوق نقدي أصيل، وربما كان عيب الكتب التي اعتمدت عليه في البلاغة من بعد أنها جردته من تلك المسحة الجمالية، وجعلت قواعده أحكاماً صارمة، ليس فيها إحساس الناقد الأصيل، ولا قوة التعليل الذوقي أو الكري، فهنا يدرس الجرجاني التشبيه والتمثيل والاستعارة وهو يلمح دائماً أن " معنى المعنى " يقوم على مستويات متفاوتة في الدلالة والتأثير معاً، بنظرة عميقة شاملة تدل على عمق نفسي فكري في آن، وحسبنا أمثلة منه ذات صلة وثيقة بالمنهج النقدي.

стр. 414

وقفته عند التناوب بين المكنى والصريح وقيمة التمثيل في ذلك يقرر عبد القاهر - مثلاً - ان التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني كساها أبهة ورفع من أقدارها وشب من نارها وزادها قوة في التأثير النفسي (فإن كان مدحاً كان أبهى وأفخم؟ وإن كان ذماً كان مسه اوجع وميسه ألذع؟ وغن كان حجاجاً كان برهانه أنور وسلطانه أقهر؟ " ثم يتساءل عن السر في ذلك فيجد العلة فيه أن النفوس تأنس إذا هي خرجت من خفي إلى جلي ومكني إلى صريح لأنها حينئذ تنتهي إلى حال تكون بها أكثر وثوقاً، كأنما تنتقل من العقل إلى الإحساس، ومما يعلم بالفكر إلى ما هو معلوم بالطبع، وهذا التمثيل قد يكون إزالة للريبة بعد مقدمة غريبة كما في قول المتنبي: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال أو قد يكون مبيناً للمقدار وإيراد قياس من غيره يكشف عن حده، كما في قول الشاعر: فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع ومعلوم أن قوة التمثيل في الأول تزيل الغرابة، وان قوته في الثاني تكشف عن مقدار الحال. قوة التمثيل من الزاوية العقلية وقد نذهب إلى الظن بان الجرجاني حين قرن التمثيل بقوة إيراد الشاهد الحي بعد وضع الحكم العقلي إنما يرى أن هذه هي السبيل الضرورية أمام الشاعر، ولكن هذا الظن ما يلبث أن يزول حين نعود فنجد الجرجاني هو ذلك الناقد " العقلاني " الذي يرفع دائماً من قيمة " الفكرة " ويرى الاهتداء إليها من أهم ضروب اللذة النفسية في تتبع صور الجمال؛ فالتمثيل الذي

стр. 415

يحوج القارئ إلى طلب معناه بالفكرة ويحرك الهمة والخاطر لطلبه لا يقل إمتاعاً عن التمثيل الذي ينتقل بالقارئ من منطقة العقل إلى منطقة الحس: " ومن المركوز في الطبع ان الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى وبالمزية أولى فكان موقعه من النفس أجل والطف " (١) هل هذه دعوة إلى التعقيد والتعمية وتعمد ما يكسب المعنى غموضاً؟ نعم إنها كذلك من وجه واحد، أعني إنها تعمية فنية وتعقيد فني، وليست تعقيداً ناشئاً عن اختلاف في النظم، فهي تكلف القارئ مشقة، غلا أنها مشقة الغائص الذي يبحث عن اللؤلؤة في جوف الصدفة، أما التعقيد المؤرق الذي لا يخرج الإنسان منه بجدوى فذلك هو الشيء المذموم (٢) ، ويرى عبد القاهر أن البحتري هو فارس حلبة التعمية الجميلة لأنه يكد في سبيلها ويضع المعاني الدقيقة في صور مقربة: " وإنك لا تكاد تجد شاعراً يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب ورد البعيد الغريب إلى المألوف القريب ما يعطي البحتري ويبلغ في هذا الباب مبلغه فإنه ليروض لك المهر الارن رياضة الماهر حتى يعنق تحتك أعناق القارح المذلل، وينزع من شماس الصعب الجامح حتى يليين لك لين المنقاد الطيع " (٣) ولذة النفس كبيرة إذا انقادت لها الفكرة الدقيقة، فالدقة في الشعر ليست بأي حال تعقيداً سيئاً: " وهل شيء أحلى من الفكرة إذا استمرت وصادفت نهجاً مستقيماً ومذهباً قويماً وطريقة تنقاد في الفكرة لها الغاية فيما ترتاد؟؟ قال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكرة والنظر من الفضيلة: " وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة ولذة السبع بلطع الدم واكل اللحم من سرور الظفر بالأعداء ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه، وبعد فإذا مدت الحلبات لجري الجياد ونصبت الأهداف لتعرف فضل الرماة في الإنفاذ والسداد فرهان العقول التي تستبق ونضالها

стр. 416

الذي يمتحن قواها في تعاطيه هو الفكر والروية والقياس والاستنباط " (١) ، وإيراد هذا الرأي للجاحظ رد ضمني على من أساءوا فهم نظرته في المعاني، حين خيل إليهم انه يعني بالمعاني " المستوى الفكري " في حقائق الحياة. الجرجاني " عقلاني " في نظريته إلى الجمال وتتغلب هذه النظرة " العقلانية " على الجرجاني الناقد، فهو من خلالها ينظر إلى الجمال ويزن مقدار التأثير في الفن الأدبي، فأعلى صور التشبيه عنده " أن تجمع أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة وتعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة " (٢) لأن ذلك يستدعي من المتفنن دقة الفكر ولطف النظر، والفنان الأصيل هو الذي يتجاوز ما يحضر العين إلى ما يستحضر العقل، ولا يعني بما تنال الرؤية بل يعني بما تعلق بالروية (٣) ، وإذا تذكرنا أن لفظة الخيال غير مألوفة في النقد الفكري وحسب، بل ما يتصل بقوة على " الروية " لا ما يتصل بالعمل الفكري وحسب، بل ما يتصل بقوة الحدس وقوة التخيل أو الطاقة التي تجمع بين " غير المتشابهات " أو التي ترى بين شيئين، مشابهة خفية تدق على الروية المجردة وتنأى عنها، ولهذا كان حكمه على التشبيه " أن كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو هيئة من شانها ان ترى وتبصر أبداً، فالتشبيه المعقود عليه نازل مبتذل، وما كان بالضد من هذا وفي الغاية القصوى من مخالفته فالتشبيه المردود غليه غريب نادر بديع، ثم تتفاضل التشبيهات التي تجيء واسطة لهذين الطرفين بحسب حالها منهما، فما كان منها إلى الطرف الأول اقرب فهو أدنى وانزل، وما كان إلى الطرف الثاني أذهب فهو أعلى وافضل، وبوصف الغريب أجدر " (٤) .

стр. 417

الاهتمام بغرابة التشبيه هنا تصبح " غرابة " التشبيه مقياساً فنياً لجماله ولو وقف الجرجاني عند هذا الحد لكان قول ابن المعتز في تشبيه البنفسج: كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت وقوله في البرق: وكان البرق بصحف قار ... فانطباقاً مرة وانفتاحا صنوين لأنهما ينتحيان الغرابة. اقتران الصور بالحركة ولكن الجرجاني يدرك ان الغرابة نفسها تتفاوت في التصوير، فهذان التشبيهان لا يبلغان شأو قول ابن المعتز نفسه: كانا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غراباً ذا قوادم جون والسر في ذلك هذا الذي تمثله لفظة " نطير " في الدلالة، ومن هذا التدرج يستمد الجرجاني حكماً جديداً في التشبيه وهو أن سحره يزداد إذا جاء " في الهيئات التي تقع عليها الحركات "، (١) فاقتران الصورة بالحركة أو بتحريك الساكن من الوسائل التي ترفع من تأثيرها في النفس؛ ولكن الجرجاني لا يجعل الحركة قاعدة فريدة، وإنما هو يلمح ما يناقضها في أحداث الغرابة وذلك بتسكين المتحرك كما في قول المتنبي في صفة الكلب: يقعي جلوس البدوي المصطلي ... أو قول آخر في مصلوب: " مواصل لتمطيه من الكسل ". وأرى أن

стр. 418

الجرجاني هنا لم يلمح أن التسكين أيضاً قائم على الحركة، فجلسة البدوي تصور السكون المتحفز - إن صح التعبير، وهيئة المصلوب الساكنة قد تحركت حركة منسجمة حين أصبحت في رأي البصيرة " تمطياً مستمراً "، كذلك فات الجرجاني أن يبين أن الصورتين: المتحركة من سكون أو الساكنة بعد تحرك هي أعمق أثراً في النفس، ومهما يكن من شيء فإن ما لحظه الجرجاني من قيمة الحركة في الصورة يجعل منه ناقداً حصيفاً دقيق الملاحظة قريباً إلى النقد الجمالي الحديث في نظراته. الغرابة ليست خاصة أزلية ومما يقوي هذا الحكم أن الجرجاني يؤمن بتجدد الصور وبان الغرابة ليست خاصة أزلية، وإنما هي لون يبوخ مع الزمن ويعتوره الابتذال، يرى الجرجاني ذلك، دون أن يزايله الإيمان بان الصورة هي أساس الشعر بل هي الشعر نفسه، مستشهداً على ذلك بحادثة حسان وابنه، فقد قال ابن حسان لأبيه " لسعني طائر " فقال حسان: صفه يا بني، فقال: " كأنه ملتف في بردي حبرة " فقال حسان: " قال ابني الشعر ورب الكعبة "، فجعل الصورة - أو التشبيه - مقياساً لقوة الطبع وعياراً في الفرق بين " الذهن " المستعد للشعر وغير المستعد له (١) . كيف يكون الناقد الجمالي عقلانياً؟ وليس من تناقض بين وصف الجرجاني بالعقلانية وانه ناقد جمالي، فهو يتخذ منهجاً عقلياً في إدراك " أسرار " القول البليغ، ولكن منهجه العقلي يختلف عن ناقد عقلاني آخر هو قدامة، ذلك أن قدامة اهتم بالشكل المنطقي في تركيب منهجه وتقسيماته، وليس الأمر دائماً كذلك عند الجرجاني، فان هذا اعتمد فكره في النفاذ إلى بواطن الأمور، فكانت " عقلانيته نوعاً

стр. 419

من الذكاء الخصب المقترن بإحساس فني دقيق بمواطن الجمال في فن القول، ولم يهتم كثيراً بالمبنى المنطقي الذي وضعه قدامة. ومن هذا الموقف استطاع الجرجاني أن يصحح كثيراً من الآراء النقدية التي سبقت عصره، بل لعله لم يقصد عامداً إلى إقامة نظرة نقدية جديدة وإنما كان موقفه من محاكمة الآراء السابقة هو الشيء الجديد في منهجه النقدي، وهو بذلك يختلف عن القاضي الجرجاني الذي جعل النظرات السابقة متكأً له، ويشابه المرزوقي الذي لجا في نقده إلى إعادة تفسير النظرات السابقة، مع فرق أصيل بين الرجلين، وهو ان المواقف النقدية لدى عبد القاهر إنما جاءت صدى لنظراته البلاغية، لا غاية في نفسها. علاقة الشعر بالصدق والكذب وعلى أساس ذلك المنهج العقلاني الجمالي تناول الجرجاني مشكلة من مشكلات النقد القديمة، استغرقت كثيراً من جهد النقاد من قبله ومن بعده، أعني بذلك علاقة الشعر بالصدق والكذب، فنفى ان يكون كل من الصدق والكذب عند الحديث عن الشعر متعلقين بالصدق أو الكذب في الخبر أو واردين بالمعنى الأخلاقي، فمن قال كما قال البحتري: " في الشعر يغني عن صدقه كذبه " أو قال " خير الشعر أكذبه " فإنه لا يعني منح الممدوح صفات ليست فيه، أو وصف الجواد بالبخل والطائش بالحلم والسداد؛ ومن قال خير الشعر أصدقه فإنما يعني انه يميل إلى ترك الإغراق والمبالغة فيه. الاحتكام إلى العقل أيضاً في المشكلة والقول الفصل عند الجرجاني في هذه المشكلة أن المعاني - وحقه أن يقول " الحقائق " (وهنا نراه زحزح كلمة " معنى " مرة جديدة عن مدلولها العام في نظرته) - تنقسم قسمين فهناك معان يشهد العقل بصحتها كقول المتنبي: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم

стр. 420

ومعان يتوصل إليها الشاعر بطريقتين: بالاحتجاج أو التعليل القائمين على التخييل، وهذا النوع الثاني من المعاني هو الأكثر وروداً في الشعر، وفيه يخيل الشاعر للسامع انه يورد حكماً ينطبق على العقل، ولكنه لا يمثل معرفة يقينية، وفي هذا يشترك الشعر والخطابة " ولا يؤخذ الشاعر بان يصحح كون ما جعله أصلاً وعلة كما ادعاه فيما يبرم أو ينقض من قضية، وان يأتي على ما صيره قاعدة وأساساً بينة عقلية بل تسلم مقدمته التي اعتمدها بلا بينة " (١) ، ولهذا انقسم الناس ذوقياً في إيثار ما يؤثرون من الشعر، فبضعهم يريد من الشعر ما حفل بالمعاني التي يشهد بصحتها العقل، وبعضهم يريد منه ما عملت فيه الصنعة ونشرت عليه من شعاعها فأقيم على التخييل والتقريب والتمثيل، وهذا الفريق لا يبدي نفوراً من المبالغة والإغراق واختراع الصور، لأنه يرى أن الشعر لا يطلب فيه صدق الخبر أو يقين العقل. فإذا سئل الجرجاني: ماذا تعني بالتخييل قال: " ما يثبت فيه الشاعر أمراً هو غير ثابت أصلاً ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها ويقول قولاً يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى " (٢) ، وذلك ضرب من التزويق لا ينصره العقل، لان العقل يؤثر ما يمكن تلقيه باليقين. وقد جعلنا الجرجاني نعتقد أن " عقلانيته " تقدر هذا النوع العقلي الخالص تقديراً خاصاً حين قال " والعقل بعد على تفضيل القبيل الأول وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه، وما كان العقل ناصره والتحقيق شاهده فهو العزيز جانبه " (٣) ، ولكنه لم يطرح ما قام على التخييل لأنه أدل على القدرة الفنية؛ وإنما اختار من التخييل النوع الشبيه بالحقيقة، وهو الذي تبلغ فيه قوة التعليل درجة عالية، أي يسمح لقوة الاستدلال العقلي أن تستكشف درجة التمويه فيه، أي يمثل لذة عقلية في التدقيق والغوص والاستنتاج، وبذلك رد اللونين من الشعر: اللون القائم على

стр. 421

حكم العقل واللون التخييلي إلى نطاق العقلانية وما يستتبع ذلك لذة الكشف، ومن اجل هذا يشبه التخييل في الشعر من حيث قوة تأثيره بالرسوم الجميلة، " والتخييلات التي تهز الممدوحين وتحركهم تفعل فعلاً شبيهاً بما يقع في نفس الناظر إلى التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش أو النحت والنقر " (١) . أثر الشعر وأثر الدين في النفوس وبعد أن يوحد الجرجاني بين الشعر والرسم في القدرة على التأثير، ينقل الشعر إلى حيز الدين والرموز الدينية، فيماثل بين أثره في النفوس وأثر الأصنام في عبادها: (فقد عرفت قضية الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها والإعظام لها، كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور ويشكله من البدع ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهم بها الجماد الصامت في صورة الحي الناطق؟ " (٢) ؛ وقد عرف عبد القاهر حين مثل الشعر بالرسم كيف ينقل رأي الجاحظ من ميدان التشابه في الخلق الفني إلى التشابه في التأثير، أما وصله بين الشعر والرموز الدينية عند الوثنيين فإنه خطوة جرئية؛ غير أن مفهومه للتخييل - رغم المقارنة بالرسم - يدل على انه لم يفهم منه سوى درجة من " الحيل " العقلية في التمويه. موقفه من السرقات الشعرية وآخر المشكلات النقدية التي تصدى لها عبد القاهر هي مشكلة الآخذ والسرقة (٣) . وتوضيحاً لهذه المشكلة وجدناه يحدد مواطن الاتفاق فيحصرها في ثلاثة: (١) اتفاق الشاعرين في عموم الغرض، كأن يصف كل منهما ممدوحه

стр. 422

بالشجاعة والسخاء وحسن الوجه والبهاء وهذا لا يدخل في الأخذ والسرقة إطلاقاً. (٢) اتفاق الشاعرين في تشبيهات معروفة كتشبيه الشجاع بالأسد والجواد بالبحر، وهذا قد مشترك بين الناس، قد استقر في العقول والعادات وليس فيه شيء من الخصوصية، وليس في هذا سرقة أو أخذ. (٣) اتفاق الشاعرين في ما لا يدرك إلا بالروية والاستنباط والتامل، وفي هذا تجوز دعوى السرقة أو الأخذ. ولم يجيء عبد القاهر بجديد في هذا الباب، فهو يردد رأي المعتدلين من النقاد السابقين، ولكن عدم وقوفه طويلاً عند " السرقة " يدلنا على انه لم يكن يعد تلك الظاهرة أمراً أساسياً في النقد الأدبي. استنكاره للعبث في الأمور الدينية ولابد في ختام هذا الفصل من أن نقف وقفة قصيرة عند نظرة عبد القاهر إلى العلاقة بين الشعر والدين، لا من حيث اشتراكهما في التأثير بل من حيث تعمد الشاعر الاستهانة بالمعتقد الديني، ففي هذا المقام نجد عبد القاهر يمر بهذه المسالة مروراً سريعاً فيقول: " وأبعد ما يكون الشاعر من التوفيق إذا دعته شهوة الأغراب إلى أن يستعير للهزل والعبث من الجد (يعني الدين) " (١) ، ومع أن عبد القاهر قد خالف كثيراً من النقاد السابقين الذين رأوا أن لا يحكم على الشعر والشاعر من الزاوية الدينية، فإنه كان أصرح منهم موقفاً لأن أولئك النقاد وضعوا نظرية دفاعية خالفوها عند التطبيق، أما هو فإنه قد تحرج من إطلاق العنان لنفسه في خوض هذا الموضوع.

стр. 423

- ٥ - النقد الأدبي في القيروان في القرن الخامس في زمن باديس الصنهاجي وابنه المعز بلغت القيروان ذروة النهضة في الحياتين العلمية والأدبية، ويكفي أن نذكر أمثال الرقيق المؤرخ وابن رشيق وابن شرف والحصري صاحب زهر الآداب، هذا إذا لم نعد كثيرين غيرهم. حتى نتصور طرفاً من تلك النهضة التي لم تلبث أن انهارت بانهيار القيروان نفسها على يد قبائل سليم وهلال حوالي منتصف القرن الخامس. لكن قبل النكبة التي حلت بها وجدت الحياة الأدبية والعلمية فيها تشجيعاً كبيراً من باديس وابنه، وأصبحت القيروان ملتقى المهاجرين والرحالة والكتب المهاجرة من المشرق والأندلس، ويكفي أن يرصد الدارس مصادر ابن رشيق في كتاب العمدة حتى يستكشف ان الثقافة المشرقية كانت سريعة الانتقال إلى افريقية، هذا مع أن كتاب العمدة لا يمثل إلا جانباً صغيراً من تلك الثقافة. انتقال الطرائق الشعرية والنقدية من المشرق وكانت هذه النهضة الثقافية ذات أثر في نمو حركة النقد الأدبي، كما أن التنافس الشديد بين الأدباء في حاضرة بني زيري قد زاد من نموها؛ وزاد الأمر حدة أن القوم كانت قد وصلتهم من خلال الثقافة المشرقية مذاهب شعرية متعددة، فهذا يحب طريقة ابن أبي ربيعة، وذاك يميل إلى طريقة في التشبيه تشبه طريقة ابن المعتز، وثالث ينحو منحى جاهلياً، ورابع يغرم بطلب

стр. 424

الاستعارة، وتجمعهم المجالس فيتناقشون ويتماحكون، وينقسم الشهود كل على حسب هواه بين كل متحاورين منهم. وكانت الثقافة المشرقية قد نقلت إليهم طرقاً متفاوتة في النقد أيضاً. فعرفوا ابن قتيبة وقدامة وابن وكيع والجرجاني والرماني وكثيرين غيرهم. وهكذا كانت جميع العوامل مسعفة على ظهور حركة نقدية في القيروان؛ فكان من أعلامها أبو عبد الله القزاز الذي ألف كتاباً في ما أخذ على أبي الطيب، وابن ميخائيل محمد بن الحسين القرشي الذي كان شديد الانتقاد على مذهب قدامة (١) ، إلا أنا لا نعرف له مؤلفاً نقدياً؛ وعبد الكريم بن إبراهيم النهشلي صاحب كتاب " الممتع "، وابن رشيق مؤلف العمدة وقراضة الذهب والأنموذج في شعراء القيروان؛ وابن شرف الذي هاجر إلى الأندلس بعد خراب القيروان، وهنالك كتب " رسالة الانتقاد ". عبد الكريم النهشلي صاحب الممتع ويمكن أن يعد عبد الكريم النهشلي أستاذاً لابن رشيق ومن ابعد الشخصيات تأثيراً فيه، فكتاب العمدة ينطق بما يكنه له ابن رشيق من تقدير وإجلال؛ وكان إبراهيم كاتباً للمعز بن باديس، يذهب في شعره مذهب التروية والإطالة. ويبدو انه كان طيب القلب لا يفقه شيئاً كثيراً في أمور الدنيا حتى وصفه بعض الناس بالبله، ولما قيل له في ذلك أجاب: هل أنا ابله في صناعتي؟ قيل: لا، فقال: فما على الصائغ أن يكون نساجاً (٢) .

стр. 425

تأثير عبد الكريم في ابن رشيق ويدل ما تبقى من كتابه " الممتع في علم الشعر وعمله " (١) على أن بعض أبواب العمدة إنما رسمت على مثاله مثل: السؤال بالشعر، في من نوه به المدح وحطه الهجاء، النهي عن التعرض للشعراء، الحديث عن أغراض الشعر من مدح وهجاء؟ الخ ومع أن عبد الكريم كان كاتباً فإنه يقف في صف من يؤثرون الشعر ويرونه " خير بيان العرب " إلا انه يتحدث بشيء من سذاجة عن أسبقية النثر للشعر وكيف أن العرب حين رأت النثر مما لا يستطاع حفظه - وهم ليسوا أهل كتابة - " تدبروا الأوزان والاعاريض فاخرجوا الكلام احسن مخرج بأساليب الغناء فجاءهم مستوياً ورأوا باقياً على مر الأيام فألفوا ذلك وسموه شعراً، والشعر عندهم اللفظة، ومعنى قولهم: ليت شعري أي ليث فطني ". قسمة الشعر على أساس الفضيلة يتحول به عبد الكريم وقد لمح عبد الكريم قسمة قدامة للشعر على أساس الفضيلة وضدها فقسم الشعر في " شعر هو خير كله وذلك ما كان في باب الزهد والمواعظ الحسنة والمثل العاد على من تمثل به بالخير وما اشبه، وشعر هو ظرف كله وذلك القول في الأوصاف والنعوت والتشبيه وما يفتن به من المعاني والآداب. وشعر هو شر كله وذلك الهجاء وما تسرع الشاعر به إلى أغراض الناس. وشعر يتكسب به وذلك ان يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها، ويخاطب كل إنسان من حيث هو ويأتي غليه من جهة فهمه ". وفي موضع آخر يقول في أقسام الشعر: " أصناف الشعر أربعة: المديح والهجاء والحكمة واللهو، ثم يتفرع من كل صنف من ذلك فنون فيكون في المديح: المراثي والافتخار والشكر، ثم يكون من الهجاء الذم والعتاب والاستبطاء، ومن الحكمة الأمثال والتزهيد والمواعظ، ويكون من اللهو الغزل والطرب وصفة الخمر
следующие страницы →