حكم العقل واللون التخييلي إلى نطاق العقلانية وما يستتبع ذلك لذة الكشف، ومن اجل هذا يشبه التخييل في الشعر من حيث قوة تأثيره بالرسوم الجميلة، " والتخييلات التي تهز الممدوحين وتحركهم تفعل فعلاً شبيهاً بما يقع في نفس الناظر إلى التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش أو النحت والنقر " (١) .
أثر الشعر وأثر الدين في النفوس
وبعد أن يوحد الجرجاني بين الشعر والرسم في القدرة على التأثير، ينقل الشعر إلى حيز الدين والرموز الدينية، فيماثل بين أثره في النفوس وأثر الأصنام في عبادها: (فقد عرفت قضية الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها والإعظام لها، كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور ويشكله من البدع ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهم بها الجماد الصامت في صورة الحي الناطق؟ " (٢) ؛ وقد عرف عبد القاهر حين مثل الشعر بالرسم كيف ينقل رأي الجاحظ من ميدان التشابه في الخلق الفني إلى التشابه في التأثير، أما وصله بين الشعر والرموز الدينية عند الوثنيين فإنه خطوة جرئية؛ غير أن مفهومه للتخييل - رغم المقارنة بالرسم - يدل على انه لم يفهم منه سوى درجة من " الحيل " العقلية في التمويه.
موقفه من السرقات الشعرية
وآخر المشكلات النقدية التي تصدى لها عبد القاهر هي مشكلة الآخذ والسرقة (٣) . وتوضيحاً لهذه المشكلة وجدناه يحدد مواطن الاتفاق فيحصرها في ثلاثة:
(١) اتفاق الشاعرين في عموم الغرض، كأن يصف كل منهما ممدوحه
стр. 422
بالشجاعة والسخاء وحسن الوجه والبهاء وهذا لا يدخل في الأخذ والسرقة إطلاقاً.
(٢) اتفاق الشاعرين في تشبيهات معروفة كتشبيه الشجاع بالأسد والجواد بالبحر، وهذا قد مشترك بين الناس، قد استقر في العقول والعادات وليس فيه شيء من الخصوصية، وليس في هذا سرقة أو أخذ.
(٣) اتفاق الشاعرين في ما لا يدرك إلا بالروية والاستنباط والتامل، وفي هذا تجوز دعوى السرقة أو الأخذ.
ولم يجيء عبد القاهر بجديد في هذا الباب، فهو يردد رأي المعتدلين من النقاد السابقين، ولكن عدم وقوفه طويلاً عند " السرقة " يدلنا على انه لم يكن يعد تلك الظاهرة أمراً أساسياً في النقد الأدبي.
استنكاره للعبث في الأمور الدينية
ولابد في ختام هذا الفصل من أن نقف وقفة قصيرة عند نظرة عبد القاهر إلى العلاقة بين الشعر والدين، لا من حيث اشتراكهما في التأثير بل من حيث تعمد الشاعر الاستهانة بالمعتقد الديني، ففي هذا المقام نجد عبد القاهر يمر بهذه المسالة مروراً سريعاً فيقول: " وأبعد ما يكون الشاعر من التوفيق إذا دعته شهوة الأغراب إلى أن يستعير للهزل والعبث من الجد (يعني الدين) " (١) ، ومع أن عبد القاهر قد خالف كثيراً من النقاد السابقين الذين رأوا أن لا يحكم على الشعر والشاعر من الزاوية الدينية، فإنه كان أصرح منهم موقفاً لأن أولئك النقاد وضعوا نظرية دفاعية خالفوها عند التطبيق، أما هو فإنه قد تحرج من إطلاق العنان لنفسه في خوض هذا الموضوع.
стр. 423
- ٥ -
النقد الأدبي في القيروان
في القرن الخامس
في زمن باديس الصنهاجي وابنه المعز بلغت القيروان ذروة النهضة في الحياتين العلمية والأدبية، ويكفي أن نذكر أمثال الرقيق المؤرخ وابن رشيق وابن شرف والحصري صاحب زهر الآداب، هذا إذا لم نعد كثيرين غيرهم. حتى نتصور طرفاً من تلك النهضة التي لم تلبث أن انهارت بانهيار القيروان نفسها على يد قبائل سليم وهلال حوالي منتصف القرن الخامس. لكن قبل النكبة التي حلت بها وجدت الحياة الأدبية والعلمية فيها تشجيعاً كبيراً من باديس وابنه، وأصبحت القيروان ملتقى المهاجرين والرحالة والكتب المهاجرة من المشرق والأندلس، ويكفي أن يرصد الدارس مصادر ابن رشيق في كتاب العمدة حتى يستكشف ان الثقافة المشرقية كانت سريعة الانتقال إلى افريقية، هذا مع أن كتاب العمدة لا يمثل إلا جانباً صغيراً من تلك الثقافة.
انتقال الطرائق الشعرية والنقدية من المشرق
وكانت هذه النهضة الثقافية ذات أثر في نمو حركة النقد الأدبي، كما أن التنافس الشديد بين الأدباء في حاضرة بني زيري قد زاد من نموها؛ وزاد الأمر حدة أن القوم كانت قد وصلتهم من خلال الثقافة المشرقية مذاهب شعرية متعددة، فهذا يحب طريقة ابن أبي ربيعة، وذاك يميل إلى طريقة في التشبيه تشبه طريقة ابن المعتز، وثالث ينحو منحى جاهلياً، ورابع يغرم بطلب
стр. 424
الاستعارة، وتجمعهم المجالس فيتناقشون ويتماحكون، وينقسم الشهود كل على حسب هواه بين كل متحاورين منهم. وكانت الثقافة المشرقية قد نقلت إليهم طرقاً متفاوتة في النقد أيضاً. فعرفوا ابن قتيبة وقدامة وابن وكيع والجرجاني والرماني وكثيرين غيرهم. وهكذا كانت جميع العوامل مسعفة على ظهور حركة نقدية في القيروان؛ فكان من أعلامها أبو عبد الله القزاز الذي ألف كتاباً في ما أخذ على أبي الطيب، وابن ميخائيل محمد بن الحسين القرشي الذي كان شديد الانتقاد على مذهب قدامة (١) ، إلا أنا لا نعرف له مؤلفاً نقدياً؛ وعبد الكريم بن إبراهيم النهشلي صاحب كتاب " الممتع "، وابن رشيق مؤلف العمدة وقراضة الذهب والأنموذج في شعراء القيروان؛ وابن شرف الذي هاجر إلى الأندلس بعد خراب القيروان، وهنالك كتب " رسالة الانتقاد ".
عبد الكريم النهشلي صاحب الممتع
ويمكن أن يعد عبد الكريم النهشلي أستاذاً لابن رشيق ومن ابعد الشخصيات تأثيراً فيه، فكتاب العمدة ينطق بما يكنه له ابن رشيق من تقدير وإجلال؛ وكان إبراهيم كاتباً للمعز بن باديس، يذهب في شعره مذهب التروية والإطالة. ويبدو انه كان طيب القلب لا يفقه شيئاً كثيراً في أمور الدنيا حتى وصفه بعض الناس بالبله، ولما قيل له في ذلك أجاب: هل أنا ابله في صناعتي؟ قيل: لا، فقال: فما على الصائغ أن يكون نساجاً (٢) .
стр. 425
تأثير عبد الكريم في ابن رشيق
ويدل ما تبقى من كتابه " الممتع في علم الشعر وعمله " (١) على أن بعض أبواب العمدة إنما رسمت على مثاله مثل: السؤال بالشعر، في من نوه به المدح وحطه الهجاء، النهي عن التعرض للشعراء، الحديث عن أغراض الشعر من مدح وهجاء؟ الخ ومع أن عبد الكريم كان كاتباً فإنه يقف في صف من يؤثرون الشعر ويرونه " خير بيان العرب " إلا انه يتحدث بشيء من سذاجة عن أسبقية النثر للشعر وكيف أن العرب حين رأت النثر مما لا يستطاع حفظه - وهم ليسوا أهل كتابة - " تدبروا الأوزان والاعاريض فاخرجوا الكلام احسن مخرج بأساليب الغناء فجاءهم مستوياً ورأوا باقياً على مر الأيام فألفوا ذلك وسموه شعراً، والشعر عندهم اللفظة، ومعنى قولهم: ليت شعري أي ليث فطني ".
قسمة الشعر على أساس الفضيلة يتحول به عبد الكريم
وقد لمح عبد الكريم قسمة قدامة للشعر على أساس الفضيلة وضدها فقسم الشعر في " شعر هو خير كله وذلك ما كان في باب الزهد والمواعظ الحسنة والمثل العاد على من تمثل به بالخير وما اشبه، وشعر هو ظرف كله وذلك القول في الأوصاف والنعوت والتشبيه وما يفتن به من المعاني والآداب. وشعر هو شر كله وذلك الهجاء وما تسرع الشاعر به إلى أغراض الناس. وشعر يتكسب به وذلك ان يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها، ويخاطب كل إنسان من حيث هو ويأتي غليه من جهة فهمه ". وفي موضع آخر يقول في أقسام الشعر: " أصناف الشعر أربعة: المديح والهجاء والحكمة واللهو، ثم يتفرع من كل صنف من ذلك فنون فيكون في المديح: المراثي والافتخار والشكر، ثم يكون من الهجاء الذم والعتاب والاستبطاء، ومن الحكمة الأمثال والتزهيد والمواعظ، ويكون من اللهو الغزل والطرب وصفة الخمر
стр. 426
والمخمور "؛ ويبدو أيضاً تأثر عبد الكريم بالآمدي في مواضع من كتابه إلى جانب تأثره بقدامة.
أيهما المقدم؟ اللفظ أم المعنى؟
وكان عبد الكريم في طريقته الشعرية ممن يقدمون اللفظ على المعنى ولذلك يقول في الممتع: " الكلام الجزل أغنى عن المعاني اللطيفة من المعاني اللطيفة عن الكلام الجزل "، وروى قول بعض الحذاق: " المعنى مثال واللفظ حذو، والحذو يتبع المثال فيتغير بتغيره ويثبت بثباته " وفي هذين القولين دلالة على اضطراب الناقد حول هذه القضية.
موقفه من السرقات
وقد كرر في موقفه من السرق آراء النقاد السابقين فذهب إلى أن المتفق عليه هو أن السرق ما نقل معناه دون لفظه وكان مبعداً في الأخذ.
المؤثرات المسعفة على الشعر
وكان عبد الكريم يؤمن بان استجاشة الخاطر على نحو عملي أمر هام في استدعاء الشعر، وقد ذكر ابن رشيق عن من اخبره أنه رأى عبد الكريم في موضع يقال له الكدية قريب من المهدية وهو نزه طيب الهواء، فإذا عبد الكريم على سطح برج هنالك مشرف على ما حوله، فلما سئل عما يصنع قال: ألقح خاطري واجلو ناظري (١) .
الفرق بين الغزل عند العرب والعجم
وقد أثار هذا الناقد بعض الملامح الدقيقة معتمداً على ذكائه: فمن ذلك رأيه في أن عادة العرب في الغزل أن يكون الشاعر متماوتاً مفتوناً، وعادة العجم أن تكون المرأة طالبة راغبة، ولست ادري كيف غاب عن عبد
стр. 427
الكريم غزل عمر بن أبي ربيعة وإضرابه، فإن ملمحه هذا على ما فيه من جدة غنما يعتمد أساساً اخلاقياً، وذلك ليتخذ من هذا دليلاً على " كرم النحيزة في العرب وغيرتها على الحرم " (١) .
أثر البيئة في الشعر
ولكن اعمق ملمح آثاره عبد الكريم هو أثر اختلاف البيئات عامة في الشعر والذوق: " وقد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيحسن في وقت ما لا يحسن في آخر، ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله بد أن لا تخرج من حسن الاستواء وحد الاعتدال وجودة الصنعة، وربما استعملت في بلد ألفاظ لا تستعمل كثيراً في غيره كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس في أشعارهم ونوادر حكاياتهم؟ والذي اختاره أنا التجويد والتحسين الذي يختاره علماء الناس بالشعر ويبقى غابره على الدهر " (٢) . وأصل هذا الرأي موجود عند الجاحظ الذي تحدث عن اختلاف البيئة، كما تحدث في البيان والتبيين عن تباين اللهجات في الأمصار. ولكن عبد الكريم قد نقل هذا إلى مستوى جديد حين تحدث - في أفريقية - عن اختلاف إقليمي يترك أثره في الشعر، وبدلاً من أن يذهب إلى اعتناق هذا الاتجاه الإقليمي يترك أثره في الشعر، وبدلاً من ان يذهب إلى اعتناق هذا الاتجاه الإقليمي رأى ان الشعر الخالد " الذي يبقى غابره على الدهر " ليس هو الذي يتشبث بملاءمة البيئة الاقليمية، وإنما هو الذي ينبني على " التجويد والتحسين " ويستضيء بضوء الأحكام النقدية العامة. وسترى كيف أن ابن رشيق اعتنق مذهب أستاذه ودافع عنه، ولكن قبل أن نمضي عن هذا الرأي
стр. 428
علينا أن نسجل أن اعتماد المقاييس النقدية الكبرى التي وضعها المشارقة قد كان عاملاً - إلى جانب عوامل أخرى كثيرة - في محاربة الإخلاد إلى النزعات الإقليمية الضيقة.
مؤلفات ابن رشيق في النقد
ويمكن أن نعد عمل ابن رشيق في كتبه الثلاثة متكاملاً فقد حاول في دراسته لشعراء القيروان في كتاب " الأنموذج " ان يطبق بعض القواعد النقدية التي حشدها في كتاب " العمدة "، وعرض في أحد الفصول الأخيرة من " العمدة " لقضية السرقة في الشعر مورداً فيها آراء العلماء وبعض أمثلتهم، حتى إذا تعرض هو نفسه لتهمة السرقة عمل رسالة " قراضة الذهب " ليدل على اطلاعه ومقدرته في هذه الناحية، بما يضعه في مصاف من تعرضوا لهذا الموضوع من النقاد.
كتاب العمدة
ولكن كتاب العمدة أهلها وأبعدها أثراً، فهو كتاب جامع من حيث انه معرض للآراء النقدية التي ظهرت في المشرق حتى عصر ابن رشيق، ألفه لأبي الحسن علي بن أبي الرجال الذي كان يعد هو وأهل بيته برامكة أفريقية (١) ، وقد ذكر في مقدمة الكتاب انه رأى الناس قد بوبوا الكلام في الشعر أبواباً مبهمة وضرب كل واحد في جهة، فجمع احسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه: قال: " وعولت في أثره على قريحة نفسي ونتيجة خاطري، خوف التكرار ورجاء الاختصار، إلا ما تعلق بالخبر وضبطته الرواية فإنه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه ولا معناه؟ فكل ما لم أسنده إلى رجل معروف باسمه ولا أخلت فيه على كتاب بعينه فهو من ذلك؟ " (٢) ؛ ويجب أن نفهم أن تعويله على نتيجة خاطره وقريحة نفسه لا يعني الابتكار، وغنما
стр. 429
يعني التصرف في النقل فيما يجوز فيه التصرف، فإذا لم يكن المنقول كذلك من خير أو رواية فعندئذ يورده بنصه، وقد كانت هذه الطريقة أحياناً موهمة لأنها جعلت بعض الدارسين يظن أن الآراء التي لا تسند إلى مصدر فهي من ابتكار ابن رشيق؛ وذلك خطأ لا يتبين إلا بعرض كتابه على ما سبق من كتب وآراء، وقد دلت هذه المعارضة على أن حظ ابن رشيق من الأصالة النقدية ضئيل.
صهر ابن رشيق لآراء الآخرين يخفي أخذه لها
ودارس العمدة معذور إذا هو لم يستطع رد كل رأي إلى صاحبه لأن ابن رشيق ساق الكلام متصلاً أحياناً، بحيث يخفى على القارئ أن خيوط النسج مأخوذة من مواضع مختلفة؛ ولأضرب هنا مثلاً واحداً، قد تجيء له أمثلة في سياق هذا البحث، يقول ابن رشيق: " وأهل صناعة الشعر أبصر به من العلماء بآلته من نحو وغريب ومثل وخبر وما أشبه ذلك؟ وقد يميز الشعر من لا يقوله، كالبزاز يميز من الثياب ما لم ينسجه؟ " (١) هذه العبارة توحي ان الأحكام فيها لابن رشيق؛ ولكنك تقرا في مواضع متباعدة بعض الشيء من مقدمة المرزوقي على شرح الحماسة قوله:
(١) ولو أن نقد الشعر كان يدرك بقوله لكان من يقول الشعر من العلماء أشعر الناس.
(٢) ويكشف هذا أنه قد يميز الشعر من لا يقوله.
(٣) والفرق بين ما يشتهي وما يستجاد ظاهر بدلالة ان العارف بالبز يشتهي لبس ما ليس يستجيده (٢) .
فانظر كيف صهر ابن رشيق هذه الأقوال، فنقض الأول منها،
стр. 430
واقتبس الثاني على حاله، وتصرف باستخراج حكم جديد مستمد من القولة الثالثة، وجمعها معاً في نطاق واحد.
ولكن ابن رشيق رغم ذلك ناقد قدير، لم تضع شخصيته بين آراء عبد الكريم والجمحي والمبرد والجاحظ وابن وكيع والرماني ودعبل والجرجاني والمرزوقي وابن قتيبة وقدامة والحمار السرقسطي وكثير غيرهم - سواء صرح بأسمائهم أو لم يصرح - ولعل ابن رشيق أبرز مثل على الناقد الذي يملك الإعجاب عن طريق شخصيته لا عن طريق الجدة في الرأي، ولو قارنا بينه وبين العسكري صاحب الصناعتين وهما متشابهان في بناء مؤلفيهما من كتب الآخرين وآرائهم لوجدنا العسكري مصنفاً وحسب، باهت الشخصية لا سبيل إلى عده ناقداً، بينا يقف ابن رشيق بحيويته وقفة بارزة بين نقاد القرن الخامس، هذا على الرغم من أن كتاب الصناعتين أدق تبويباً من كتاب العمدة، غير أن العمدة يمتاز بين كتب النقد الأدبي بأنه احتوى ما يريده المتأدب من حديث عن الشعر ومن حديث في الشعر نفسه، فكل فصل فيه مستغن بنفسه حسن الإيراد والاقتصاص للخبر والرأي معاً، ولهذا فيما اعتقد نال الكتاب حظوة واسعة بعد القرن الخامس، وأصبح مثالاً يحتذيه من يكتبون في علم الشعر، ومنهلاً لطلاب النقد الأدبي يدرسه الدراسون ويلخصه الملخصون، حتى نال ثناء عريضاً من ابن خلدون؛ لان المثقف الذي كان يحرص على شيء من المعرفة النقدية لم يعد إذا قراه بحاجة إلى ان يقرأ قدامة والآمدي والحاتمي والجرجاني، إذ استخرج ابن رشيق خير ما عندهم وأودعه كتابه، وهؤلاء هم أئمة النقد، فما ظنك إذا وجد فيه القارئ خلاصة لخير ما عند غيرهم أيضاً.
стр. 431
الانتصار للشعر على النثر
ويطالعنا ابن رشيق بأنه من أنصار الشعر، ولذلك نجده بيداً المفاضلة بين الشعر والنثر، كأن الخوض فيها يعد أمراً لازباً، وما هي إلا مسألة نقدية تجريدية، وفي أثناء تبيانه لفضل الشعر يقول: وكان الكلام كله منثوراً فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها وطيب أعراقها؟ فتوهموا اعاريض جعلوها موازين الكلام فلما تم لهم وزنه سموه شعراً لأنهم شعروا به أي فطنوا " (١) ، (وإنما أوردت هذه العبارة لاشير إلى أن ورودها في تضاعيف الكلام يوهم إنها لابن رشيق، وإنما هي عبارة عبد الكريم التي قدمنا ذكرها قبل قليل، وأمثلة هذا كثيرة في الكتاب) . ثم هو يرد على المحتجين للنثر بان القرآن لم يجيء منظوماً، وكأنه يضع نصب عينه حديث المرزوقي، ورده عليه غاية في الدقة: إذ يرى أن مجيء القرآن منثوراً أظهر في الأعجاز لقوم شعراء، وهو ليس بشعر، كما أنه اعجز الخطباء وليس بخطبة والمترسلين وليس بترسيل، غير ان العرب حين حاروا في أمره سموه شعراً لما في قلوبهم من هيبة الشعر وفخامته، فإذا عرض لحجة المرزوقي بان الشعراء وضعوا من الشعر بمدح السوقة، ذكر أن للسوقة كتاباً " وللتجار الباعة في زمننا هذا وقبله ".
الكذب في الشعر
وأضاف إلى هذا حججاً من عنده في فضل الشعر حين حور معنى الكذب فيه وقال: اجتمع الناس على قبح الكذب ولكنهم وجدوا الكذب في الشعر حسناً، وهذه مغالطة لا تخفى ولكن الموقف الجدلي اضطر ابن رشيق إليها. وتعرض لقول المرزوقي: " الشعر أسنى مروءة الدني وأدنى مروءة السري " فذهب إلى أن بعض الناس غاب عنه معنى هذه الملة، وغنما الشعر لجلالته يرفع من قدر الخامل إذا مدح به، مثلما يضع من قدر
стр. 432
الشريف إذا اتخذه مكسياً؟، " وقد حكي أن امرأ القيس نفاه أبوه لما قال الشعر، وغفل أكثر الناس عن السبب، وذلك انه كان خليعاً متهتكأ شبب بنساء أبيه؟ فهذه العلة قد جاوزت كثيراً عن الناس ومرت عليهم صفحاً " (١) وبهذه الحيوية في المناقشة والدفاع عن الشعر اثبت ابن رشيق قدرته الفذة، وفند كل ما جاء به المرزوقي على مراحل، مع إيراد للأمثلة الموضحة هذا دون أن يذكر اسم المرزوقي مرة واحدة.
مقارنة مكرورة بين القدماء والمحدثين
ولم يأت ابن رشيق بشيء جديد في قضية المقارنة بين القدماء والمحدثين بل أورد أمثلة لمن كانوا يتعصبون للقديم كابي عمرو بن العلاء وابن الأعرابي ومن آمنوا بالتسوية والحكم للجودة كابن قتيبة، واقتبي رأي ابن وكيع في التفرقة بين القدامى والمحدثين وتشبيه الشاعر المحدث بالمغني ذي الصوت الجميل (وهذا التمثيل الذي مثله ابن وكيع من احسن ما وقع) ؛ ثم عرض لرأي عبد الكريم المتقدم في تفاوت الأزمنة والبيئات، واعتز بإيراد هذا الفصل المحكم ثم علق عليه قائلاً " فليس من أتى بلفظ محصور يعرفه طائفة من الناس دون طائفة، لا يخرج من بلده ولا يتصرف من مكانه، كالذي لفظه سائر في كل الأرض، معروف بكل مكان " (٢) ، وبذلك أيد أستاذه في رفض الإقليمية الضيقة، ورأى الصواب في السيرورة والشيوع.
حد الشعر والشاعر
وكذلك هو حاله في حديثه عن حد الشعر (اللفظ والوزن والمعنى والقافية) فإنه شغل بالاقتباس عن الرماني وعبد الكريم والجرجاني وغيرهم، وليس له في هذا المجال إلا طرافة في القول، مثل قوله: " والبيت من الشعر كالبيت من الأبنية،
стр. 433
قراره الطبع. وسمكه الرواية، ودعائمه العلم، وبابه الدربة، وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون " (١) . وهذه الصورة تحوير تصويري لرأي الجرجاني، ومن صنفها قوله في الشاعر: " وغنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ. أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن وليس بفضل عندي مع التقصير " (٢) ؛ وليس في القول من جدة فكرية، ولكنه جامع للآراء السابقة في عبارة موجزة، ولست على يقين من ان هذه العبارة نفسها لابن رشيق.
ثنائية اللفظ والمعنى
فإذا تناول ثنائية اللفظ والمعنى أورد بارة ابن طباطبا " اللفظ جسم وروحه المعنى " وبسطها على طريقة الحاتمي - دون أن يذكر الحاتمي في هذا الموضع غير انه سيعيد قولته في موضع آخر مقترنة بذكر اسمه (٣) - ثم زاد على الحاتمي شيئاً جديداً تفصيلياً في تحليل الفكرة: فمرض اللفظ كالتشويه في الجسم أما اختلال المعنى كله (وهو الروح) فإنه يبقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه، ثم يمثل على الاحتفال باللفظ وحده بقعاقع ابن هانئ الأندلسي ويعلق عليها بقوله: " وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد " (٤) ، ومع هذا فإن موقفه غير واضح، وإن كان قد يستشف من تفضيله لابن الرومي وإيثاره له باسم (الشاعر " انه أتميل إلى جانب المعنى؛ وقد توصل في هذا المبحث من كتابه إلى القول بوجود ألفاظ شعرية لا ينبغي للشاعر أن يعدوها
стр. 434
وأجاز للشاعر التظرف ببعض الألفاظ الأعجمية. ولكنه فصل بين الشعر من ناحية، والفلسفة وجر الأخبار من ناحية أخرى. فلم يسمح لهما بدخول الشعر إلا بقدر يسير: " وإنما الشعر ما اطرب وهز النفوس وحرك الطباع. فهذا هو باب الشعر الذي وضع له وبني عليه لا ما سواه " (١) .
المطبوع والمصنوع
وعندما تحدث عن ثنائية المطبوع والمصنوع لم يعرفهما وإنما قدر انهما قد أصبحا معروفين لكثرة ما دار حولهما من حديث نقدي، ثم اكتفى بالحديث عن بعض المطبوعين والصناع وختم الباب بشعر مطبوع لابن أبي الرجال يشبه شعر الأعراب، وفي أثناء ذلك يستوقفنا رأيه في ابن المعتز: " وما اعلم شاعراً أكمل ولا اعجب تصنعاً من عبد الله بن المعتز فإن صنعته خفية لطيفة لا تكاد تظهر في بعض المواضع غلا للبصير بدقائق الشعر، وهو عندي الطف أصحابه شعراً وأكثرهم بديعاً وافتناناً، وأقربهم قوافي وأوزاناً، ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب، غير أنا لا نجد المبتدئ في طلب التصنيع ومزاولة الكلام أكثر انتفاعاً منه بمطالعة شعر حبيب وشعر مسلم ابن الوليد لما فيهما من الفضيلة لمبتغيها، ولأنهما طرقا إلى الصنعة ومعرفتها طريقاً سابلة، واكثرا منها في أشعارهما تكثيراً سهلها عند الناس وجسرهم عليها " (٢) .
الاستعداد النفسي ضروري لقول الشعر
وعاد إلى الموضوع القديم الذي أثاره بشر بن المعتمر في صحيفته ووضحه ابن قتيبة وهو الاستعداد النفسي لقول الشعر، والأمور المسعفة على إنعاش القريحة، وبعد ان عرض لنا طرق الشعراء في استجلاب الشعر، طالعنا برأي لعله هو رأيه الخاص إذ قال: " ومما يجمع الفكرة من طريق الفلسفة استلقاء الرجل على ظهره؛ وعلى كل حال فليس يفتح مقفل بحار
стр. 435
الخواطر مثل مباكرة العمل بالأسحار عند الهبوب من النوم، لكون النفس مجتمعة لم يتفرق حسها في أسباب اللهو أو المعيشة أو غير ذلك مما يعييها؟ " (١) وهو إنما يردد في الشق الثاني من هذا الرأي نصيحة أبي تمام للبحتري، ويحاول تعليل ذلك.
وينقسم ما تبقى من كتابه في ثلاثة أقسام أكبرها فصول في أنواع البديع ثم في أغراض الشعر، ثم تجيء فصول نافعة في ثقافة الشاعر مثل الحديث عن الأنساب والوقائع والأيام وملوك العرب ومنازل القمر مع بعض فصول في الشعر نفسه كالمعاني المحدثة والسرقات وغير ذلك؛ وليس لبعض فصول القسم الثالث علاقة بالنقد. أما القسمان الأولان فقد كان دوران الحديث عنهما في كتب النقد السابقة قد سهل من مهمة ابن رشيق ولذلك فغن حديثه عن أنواع البديع لا يعدو الترتيب والتمثيل وإيراد ما اختلف فيه النقاد في المصطلح، وهو يتكئ هنا على الحاتمي (في العاطل وفي حليه المحاضرة) وعلى الرماني وقدامة. وفي موضوعات الشعر نجده لجا إلى نظرية قدامة في قيام المدح على الفضائل ثم على ما يتفرع عن ذلك عن تلك النظرية.
مميزات ابن رشيق
ولكن ابن رشيق يظل - رغم ذلك - متميزاً يستثير القارئ ويجذبه إليه، دون ملل، وسر هذا التمييز كامن في:
(١) طرافة التجربة: فهو يقترب من قلب القارئ بان يقص عليه تجاربه في الصنعة الشعرية، فمن ذلك قوله في كيفية عمل القصيدة: " والصواب أن لا يضع الشاعر بيتاً لا يعرف قافيته، غير أني لا أجد ذلك في طبعي جملة ولا اقدر عليه، بل أصنع القسيم الأول على ما أريده ثم التمس في نفسي ما يليق به من القوافي بعد ذلك فابني عليه
стр. 436
القسيم الثاني، أفعل ذلك فيه كما يفعل من يبني البيت كله على القافية، ولم أر ذلك بمخل علي ولا يزيحني عن مرادي، ولا يغير علي شيئاً من لفظ القسيم الأول إلا في الندرة التي لا يعتد بها أو على جهة التنقيح المفرط " (١) .
(٢) الجرأة: وهذه تتمثل في مخالفته للآراء المألوفة المروية عن كبار النقاد. كما تتمثل في أحكام له لا يخاف من الجهر بها. فمن النوع الأول: " ومن الناس من يستحسن الشعر مبنياً بعضه على بعض وأنا استحسن أن يكون كل بيت قائماً بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما بعده. وما سوى ذلك فهو عندي تقصير إلا في مواضع معروفة مثل الحكايات وما شاكلها فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد " (٢) ؛ ومع أن هذا الرأي قد يفضي في النهاية إلى ضياع الوحدة الظاهرية في القصيدة فإن الذي يريده ابن رشيق هو استقلال كل بيت مع وجود الوحدة العامة، أي الاستقلال الظاهري والوحدة الداخلية، - وغن لم يستعمل هذا المصطلح -. ومن النوع الثاني تفضيله الصورة الحضرية لتشبيه البنان بقضبان من الدر على تشبيه البنان بالأساريع: " وكأني أرى بعض من لا يحسن إلا الاعتراض بلا حجة قد نعى علي هذا المذهب وقال: رد على امرئ القيس، ولم أفعل، ولكني بينت أن طريق العرب القدماء في كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله " (٣) .
ولهذا نجده ينصح المعاصرين بان يختاروا للوصف الموضوعات الحضرية الموجودة في بيئتهم كصفات الخمر والقيان وما شاكلها ثم صفات البرك والقصور وصفات الجيوش وما اتصل بها؟ الخ (٤) .
стр. 437
(٣) طرافة الرأي: كحديثه عن الصلة بين الفقر والشعر: " والفقر آفة الشعر. وإنما ذلك لان الشاعر إذا صنع القصيدة وهو في غنى وسعة نقحها وانعم النظر فيها على مهل، فإذا كان مع ذلك طمع غنى قوي انبعاثها من ينبوعها وجاءت الرغبة بها في نهايتها محكمة. وإذا كان فقيراً مضطراً رضي بعفو كلامه وأخذ ما أمكنه من نتيجة خاطره ولم يتسع في بلوغ مراده ولا بلوغ مجهوده نيته؟. ومنهم من تحمي الحاجة خاطره وتبعث قريحته فيجود فإذا أوسع انف وصعب عليه عمل الأبيات اليسيرة فضلاً عن الكثيرة. وللعادة في هذه الأشياء فعل عظيم، وهي طبيعة خامسة كما قيل فيها " (١) .
(٤) تأثره بالإقليمية رغم ثورته عليها: قد رأينا في تكرهه لصورة أوردها أمرؤ القيس كيف أن ذوقه كان حضرياً. ولذا كان يحاول أن يخضع النقد لما تتطلبه الحاضرة التي يعيش فيها. فبعد أن بين اثر الحاضرة والبادية في النسيب واختلاف كل منهما عن الأخرى. استنكر أن يذكر ابن الحاضرة ركوب الناقة إلى الممدوح " وليس في زماننا هذا ولا من شرط بلدنا خاصة شيء من هذا كله؟ لا سيما إذا كان المادح من سكان بلد الممدوح يراه في أكثر أوقاته، فما أقبح ذكر الناقة والفلاة حينئذ " (٢) . غير أنه من ناحية أخرى ثائر على بعض المقاييس النقدية السائدة في بلده: " ورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم ولا يقضي له بالعلم إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير. وأنا استثقل ذلك من جهة ما قدمت " (٣) كذلك هو ثائر على كثرة الأدعياء في الميدان الأدبي: (وكم في بلدنا هذا من الخفاث قد صاروا ثعابين. ومن هذا البغاث قد صاروا شواهين: أن البغاث بأرضنا يستنسر، ولولا أن يعرفوا بعد اليوم بتخليد ذكرهم في هذا
стр. 438
الكتاب ويدخلوا في جملة من يعد خطله ويحصى زلله لذكرت من لحن كل واحد منهم وتصحيفه وفساد معانيه وركاكة لفظه ما يدلك على مرتبته من هذه الصناعة التي أدعوها باطلاً وانتسبوا إليها انتحالاً " (١) .
ثورته على بعض أنواع البدع المستخدمة في الشعر
وعلى الرغم من تحضر الذوق عنده فإنه لم يستطع ان يستسيغ ألواناً جديدة من الشعر مثل المسمطات والمخمسات: " وقد رأيت جماعة يركبون المخمسات والمسمطات ويكثرون منها، ولم أر متقدماً حاذقاً صنع شيئاً منها لأنها دالة على عجز الشاعر وقلة قوافيه وضيق عطنه " (٢) ، وقياساً على ذلك لو أن الموشح بلغ القيروان في زمانه لأنكره ولعده كما عد هذه الألوان ألهية عروضية يتلهى بها أهل الفراغ وأصحاب الرخص.
(٥) اتساع نطاق الفهم النفسي لوظيفة الشعر: فهو لا يكتفي بذكر ما ذكره السباقون من أثر نفسي لمقدمة القصيدة وغنما يشير إلى أن هذا الأثر لابد من أن يبلغ بالنفس منزلة الارتياح والسكنة بإيراد الخاتمة الصالحة: " ومن العرب من يختم القصيدة فيقطعها والنفس بها متعلقة وفيها راغبة مشتهية. ويبقي الكلام مبتوراً كأنه لم يتعمد جعله خاتمة " ثم يعرج على الخواتم المفتعلة من مثل الدعاء " لأنه من عمل أهل الضعف إلا للملوك " (٣) ، كذلك فغن تمييزه التريض على التصريح في الهجاء يشير إلى فهم نفسي دقيق: " وأنا أرى به والبحث عن معرفته وطلب حقيقته، فإذا كان الهجاء تصريحاً أحاطت به النفس علماً وقبلته يقيناً في أول وهلة فكان كل يوم في نقصان
стр. 439
لنسيان أو ملل يعرض " (١) ؛ كذلك فأنه في الحديث عن التطويل في الشعر يؤثره على المقطعات لان " المطيل من الشعراء أهيب في النفوس من الموجز " (٢) .
(٦) إيمانه بقيمة التجربة الحسية: وهذا جعله يرى أن التشبيه اصعب شيء في الشعر؛ " واشد ما تكلفه الشاعر صعوبة التشبيه لما يحتاج إليه من شاهد العقل واقتضاء العيان " (٣) ، ويقول في موضع آخر: " وإنما خصصت التشبيه لأنه أصعب أنواع الشعر وأبعدها متعاطى؟ وصفة الإنسان ما رأى يكون لاشك أصوب من صفته ما لم ير، وتشبيهه ما عاين بما عاين افضل من تشبيهه ما ابصر بما لم يبصر " (٤) .
إيمانه بسياسة القول
تلك مميزات إذا أضيفت إلى طريقته السهلة اليسيرة المشوقة في عرض الآراء والموضوعات تفسر سر القبول الذي حظي به كتاب العمدة. ورغم أن بعض تلك المميزات قد تجعل من ابن رشيق ناقداً متفرداً فإنه لم يستطع إلا أن ينزل على حكم العصر. وان يؤمن بمبدأ " سياسة القول " فبينا يريد للشاعر عدم الازدواج - أي يطالبه بان يحوز كل مكرمة ويتخلق بما يطالب به الناس ويكون جاداً " إذا الجد هو الغاية " تجده يفرق غير مرضية منه بين شعر الذات وشعر المناسبات: فهو يرى أن شعر الذات قد يقبل فيه عفو الكلام، أما شعر المناسبات فلابد أن يكون منقحاً محككاً لأنه يواجه به أصحاب المناصب، وعليه أن يميز كل ذي منصب بما يلائمه من القول. وما ذلك إلا لأن ابن رشيق يتحدث هنا عن واقع الشاعر الذي لا تغتفر له الابتداءات التي يتطير منها وما أشبه مما يوجبه التأدب للملوك وحسن
стр. 440
السياسة (١) ؛ وما يلام ابن رشيق على ذلك. فقد كان هذا أمراً متصلاً بحياة الناس وقواعد معاملاتهم. ولكن ناقداً مثله. ما كان يجدر به أن يتسامح في شعر الذات. فان النوعين أمام الناقد شيء واحد.
رسالة قراضة الذهب والقول في السرقات
ولابد في ختام حديثنا عن كتاب " العمدة " من وقفة عند باب السرقات فضي بنا إلى دراسة رسالة " قراضة الذهب ": ففي هذا الباب اعتد ابن رشيق على حيلة المحاضرة للحاتمي في تبيان أنواع السرقة، وشرحها كما شرحها الحاتمي وجاء بأمثلته وان انتقد مصطلحاته بأنها " ليس لها محصول إذا حققت " (٢) ؛ وأورد رأيي الجرجاني وعبد الكريم في السرقات، وانتقد ابن وكيع بشدة " فقد قدم في صدر كتابه على أبي الطيب مقدمة لا يصح لأحد معها شعر إلا الصدر الأول " (٣) . وليس لابن رشيق في الباب كله رأي ذاتي أو تمثيل جديد. والظن قوي بان لابن رشيق لم يعر مبحث السرقات اهتماماً، لإيمانه بأن السرقة قد أصبحت قاعدة عامة في الحياة الشعرية لعصره، فلما اتهم بأنه في قوله.
إذا ضربت فيه الطبول تتابعا ... به عذب يحكي ارتعاد الأصابع
تجاوب نوح بات بندب شجوه ... وأيدي ثكالى فوجئت بالفواجع سرق المعنى من قول عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي:
قد صاغ فيه الغمام ادمعه ... دراً ورواه جدول غمر
تجيش فيه كأنما رعشت ... إليك منه أنامل عشر كتب رسالته " قراضة الذهب " إلى أبي الحسن علي بن القاسم اللواتي، ليحدد
стр. 441
المقصود بالسرقة في الشعر، وليبين أن اشتراكه مع عبد الكريم في ذكر ارتعاد الأصابع او ارتعاشها لا يعد سرقاً؛ ولهذا ذهب يستشهد بتكرر هذه الصورة في الشعر منذ امرئ القيس " كلمع اليدين في حبي مكلل " حتى عصره هو: " ولما كثر هذه الكثرة وتصرف الناس فيه هذا التصرف لم يسم آخذه سارقاً، لأن المعنى يكون قليلاً فينحصر ويدعى صاحبه سارقاً مبتدعاً، فإذا شاع وتداولته الألسن بعضها من بعض، تساوي فيه الشعراء إلا المجيد، فإن له فضله، أو المقصر، فإن عليه درك تقصيره، إلا أن يزيد فيه شاعر زيادة بارعة مستحسنة يستوجبه بها ويستحقه على مبتدعه ومخترعه " (١) .
إعلاء شأن امرئ القيس لابتكاره المعاني
هذا هو القسم الأول من الرسالة، فأما في القسم الثاني منا فإن ابن رشيق ابتع طريقة جديدة أفادت استخراج المعاني المبتكرة عن امرئ القيس " لأنه المقدم لا محالة؟. فالمميز الحاذق بطرق البلاغة يجد لكلامه من الفضيلة في نفسه ما لا يجد لغيره من كلام الشعراء " (٢) - وكيف أخذ الشعراء من بعده يتداولونها، فكان هذا القسم دراسة لشعر امرئ القيس وإظهار فضله في الابتكار إلى جانب الكشف عن تداول المعاني، وبذلك أظهر تفوقه في الاستعارة والتشبيه والمبالغة والتتميم والاحتراس وانه الذي اهتدى إلى هذه الأمور أولا وفتق للشعراء هذه الفنون وكان هذا تطبيقاً لما قاله فيه في العمدة: " وله اختراعات كثيرة يضيق عنها الموضع، وهو أول الناس اختراعاً في الشعر وأكثرهم توليداً " (٣) .
стр. 442
المعاني المخترعة عند شعراء آخرين
فإذا انتهى من الحديث عن امرئ القيس انتقل إلى ضروب من المعاني المخترعة عند غيره من الشعراء، والمعاني التي أخذت حقها من اللفظ فلم يبق فيها فضلة تلتمس (١) ؛ والتحيل على السرقة بالزيادة أو الإيجاز أو العكس أو النقل من موضوع إلى موضوع؛ ثم وجد ان الشاعرين يتفقان أحياناً في قسم من قسمي البيت وأحياناً في البيت كله وهذا أقل؛ ثم بين رأيه في هذه الناحية بقوله: " والذي اعتقده وأقول به أنه لم يخف على حاذق بالصنعة أن الصانع إذا صنع شعراً ما وقافية ما، وكان لمن قبله من الشعراء شعر في ذلك الوزن وذلك الروي وأراد المتأخر معنى به فأخذ في نظمه، أن الوزن يحضره والقافية تضطره وسياق الألفاظ يحدوه حتى يورده نفس كلام الأول ومعناه حتى كأنه سمعه وقصد سرقته وإن لم يكن سمعه قط " (٢) فابن رشيق هنا يحيل على الحفظ، فالشاعر الذي يحفظ قصائد كثيرة، ثم يحاول أن يضع قصيدة على وزن ما وروي ما، فلابد ان تضطره طبيعة التركيب والإيقاع من أن يكرر ما عند غيره تكريراً لفظياً أحياناً؛ وهذا نوع مختلف عما يسمى توارد الخواطر، يشبه ان يكون شيئاً محتوماً في طبيعة الوزن والقافية في اللغة العربية.
شاهد على التوارد في تجربته الذاتية
ويحدثنا ابن رشيق في هذه الرسالة عن بعض تجاربه الخاصة، إذ يرى إن بعض ما يقع اتفاقاً لا يعد سرقة، فهو قد نظم قصيدة في رثاء السيدة الجليلة، فذكر حلق الشعور ولبس المسوح ورثى آخر فذكر الكسوف، وهذا لا يعد سرقاً. ولا أدري ما الفرق بين هذا الذي يقوله ابن رشيق وبين ما سماه النقاد المعاني المتداولة. كذلك حدثنا انه صنع ذات يوم وقد
стр. 443
خرج الناس للاستسقاء فرجعوا وقد طغت رجل من جراد، هذين البيتين:
بينما نرتجي سحابة مزن ... غشيتنا سحابة من جراد
ليس من قلة ولا بخل رب ... إنما ذاك من ذنوب العباد وهو يشير إلى ان هذا المعنى عند أبي الحسن التهامي ثم يعجب من كثرة مواردته لأبي الحسن " حتى اتهم نفسي فيما أعلم ويعلم الناس إني سبقته علم ضرورة وبحضرة التاريخ " (١) .
التلفيق الذي يشبه الاختراع
وآخر مظهر من السرقات تحدث عنه ابن رشيق هو ما سماه " التلفيق "، وهو أن يأخذ الشاعر المعاني المتقاربة ويستخرج منها معنى مؤكداً يكون له كالاختراع، وينظر به جميعها فيكون وحده مقام جماعة من الشعراء وهو مما يدل على حذق الشاعر وفطنته " ولم أر ذلك أكثر منه في شعر أبي الطيب وأبي العلاء المعري فإنهما بلغا فيه كل غاية " (٢) ؛ وتقدم رسالة " قراضة الذهب " أول دراسة نقدية لشعر المعري وطريقته في تلفيق المعنى الواحد من عدة أبيات لشعراء مختلفين، وهو ملمح عن صح دل على ذكاء ابن رشيق، وبهذا النوع الذي سماه الملفق تفوق على كل من بحث أمر السرقات من قبل. والمعري في نظر ابن رشيق " شاعر العصر بلا مدافعة " (٣) ، وهذا دليل على أن هذا الناقد كان أصيل الذوق عمي النظرة؛ وانه سبق جميع النقاد إلى رؤية ميزة أبي العلاء في الشعر بين جميع شعراء عصره.
стр. 444
ابن شرف القيرواني
وثالث هؤلاء النقاد القيروانيين أبو عبد الله محمد ابن شرف (١) ، الذي كانت بينه وبين ابن رشيق ملاحاة ومنافسة ومهاجاة، ثم طوحت به الغربة بعد خراب القيروان إلى الأندلس فتردد على ملوك الطوائف شاكياً الزمان حتى استقر أخيراً عند المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة؛ وقد كتب رسالته " أبكار الأفكار " أولاً لباديس بن حبوس صاحب غرناطة، ثم طرزها باسم عباد صاحب إشبيلية، وهي رسالة تحتوي على منثور مسجوع وقصائد وتشتمل على مائة نوع من مواعظ وأمثال وحكايات قصار كلها من تأليفه.
مؤلفاته ذات الصلة بالنقد
ولابن شرف رسالة نقدية نشرت باسم " أعلام الكلام " (٢) كما نشرت باسم " رسائل الانتقاد " (٣) أو " مسائل الانتقاد "؛ وقد ذكر ابن بسام كتابه المسمى " أعلام الكلام " وأورد شيئاً من مقدمته، وهذه المقدمة غير موجودة في الرسالة التي نشرت تحمل هذا الاسم، وليس ثمة ما يمنع أن يكون " أعلام الكلام " رسالة في النقد ولكن هل هي نفس الرسالة التي تدعى " مسائل (أو رسائل) الانتقاد "؛ ذلك ما لا نستطيع القطع به اعتماداً على المقدمة التي أوردها ابن بسام (٤) ؛ كذلك فإن صاحب الذخيرة لم يورد اسم " رسائل (أو مسائل) الانتقاد " وإنما قال: " ولابن شرف مقامات عارض بها البديع في بابه وصب فيها على قالبه، منها مقامة فيها بعض طول لكنه غير مملول
стр. 445
آخذة بطرف مستطرف من أخبار الأدباء وذكر الشعر والشعراء " فدل على أن ما سمي باسم مستقل ليس إلا مقامة واحدة من عدد من المقامات (١) .لا نظن إنها دارت جميعاً حول الموضوعات النقدية.
قصور المقامة عن النقد
فإذا استثنينا المقامة الجاحظية لبديع الزمان وهي التي يدور قسم منها على نقد الجاحظ عددنا رسالة أبن شرف أول قالب نقدي في صورة مقامة طويلة. بطلها أسمه أبو الريان الصلت بن السكن بن سلامان؛ وقد كانت هذه النقلة إلى هذا القالب غير موفقة لأن المقامة في أساس مبناها تعتمد السجع، ولأنها - مهما تطل - سيقتصر النقد فيها على اللمح السريع، وخصوصاً إذا تذكرنا أن مقامة أبن شرف قد تعرضت بالنقد لما لا يقل عن أربعة وأربعين شاعراً (عدا شعر الغزل العذري الذين تحدث عنهم مجتمعين) . وربما لم يزد حديثه فيها عن بعض الشعراء على كلمات، وقد تكون هذه الكلمات غير ذات جدوى في باب النقد كقوله في الراعي " وأما الراعي عبيد فجيل على وصف الإبل، وشغله هواها عن الشعر في سواها، سوى التعلل بالنزر القليل فصار بالراعي يعرف ونسي ما له من الشرف " (٢) .
نقده لأبي نواس
غير أن أبن شرف لم يلتزم أسلوب المقامة في جميع رسالته، بل وسع من أعطاف القول، فجاءت رسالته في قسمين واضحين: أولهما المقامة نفسها التي تحدث فيها عن الشعراء، والثاني: بيان سقطات عدد من الشعراء وبعض العيوب في الشعر، وعني في القسم الأول بإبراز أهم ما يتميز به كل شاعر في الشعر وفي غيره، على نحو تعميمي يتضمن الحكم والخبر على السواء؛ وقد أطال الوقوف في هذا القسم عند أبي نواس نسبياً فأبان أنه " ترك السيرة
стр. 446
الأولى ونكب عن الطريقة المثلى وجعل الجد هزلاً والصعب سهلاً " وتعليل ذلك عنده أن أبا نواس وظهر وقد انحلت أسباب العربية وملت الفصاحة، فنزل بالشعر إلى مستوى الإفهام في عصره فرغب الناس في شعره " وشغفوا بأسخفه وكلفوا بأضعفه " وهو قادر على الشعر القوي، ولكنه عني بما يتفق في سوق الجماهير يومئذ " فشعر أبي نواس نافق عند هذه الأجناس، كاسد عند أنقد الناس "، وقد فطن أبو نواس نفسه إلى ذلك فحاول أن يستدرك ما فاته بالطرديات؛ وعلى الجملة فإن من شاء نقده بحق، وجد الناس ضده لأنهم يتعلقون بخفة روحه وسهولة كلامه الملحون (١) . وهذا حكم جديد على أبي نواس، يخالف ما عهدناه من آراء النقاد، ولا أحد ينكر أن في شعر أبي نواس شيئاً كثيراً من السخف والمجون واعتماد الأسلوب السهل الذي يبلغ في سهولته حد الركاكة أحياناً، ولكن شتان بين ما يقوله أبن شرف وبين قول القاضي الجرجاني بأن في شعره تفاوتاً؛ ذلك أن أبن شرف ينكر - من طرف خفي - أكثر شعره، سوى الطرديات، ويراه مسئولاً عن النزول بالشعر إلى مستوى العامة.
الاهتمام بشعراء المغرب والأندلس
ويتميز هذا القسم الأول بظهور شعراء المغرب فيه إلى جانب المشارقة، حين تحدث أبن شرف عن أبن عبد ربه وأبن هانئ وأبن دراج القسطلي وعلي التونسي؛ كما يتميز بالوقوف عند الصنوبري والخبزأرزي في سياق يضم أبا تمام والبحتري وأبن الرومي والمتنبي، بل ألمح إلى التهمة التي رددها أبن وكيع حين زعم أن المتنبي سرق معاني الخبزأرزي: " حتى أن بعض كبراء الشعراء أهتدم شيئاً من مبانيه، وأهتضم طرفاً من معانيه، وهو من معاصريه، فقل من فطن لمراميه " (٢) . وتومئ أحكامه على أبن هانئ
стр. 447
إلى أن الأساس الديني هام لديه في الحكم ولذلك تجده يقول فيه: " من رجل يستعين على صلاح دنياه بفساد أخراه، لرداءة عقله ورقة دينه وضعف يقينه. ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر حتى يستعين عليها بالكفر " (١) .
وهذه النظرة الدينية ستتضح في القسم الثاني من رسالته، ويتألف هذا القسم من مقدمة تحتوي على توجيهات عامة في النقد يشفعها ببيان عيوب شاعرين من كبار الجاهليين هما أمرؤ القيس وزهير، ثم بيان أنواع من العيوب تقع في الشعر:
توجيهات عامة في النقد
فمن توجيهاته العامة أن الناقد بحاجة إلى التأني الشديد قبل إصدار الحكم، أي أن هذا تحذير له من الاستسلام للتأثير الأول المباشر، فقد يسمع شعراً يملأ لفظه المسامع، ولكن عليه أن يتريث مفتشاً عما وراء ذلك من معنى: " فإن كان في البيت ساكن فتلك المحاسن " وقد يسمع أبياتاً ذات ألفاظ مبتذلة فعليه ألا يعجل باستضعافها فكم من معنى عجيب في لفظ مألوف مبتذل " والمعاني هي الأرواح والألفاظ هي الأشباح " فالقبح في المعنى أشد منه في اللفظ. كذلك على الناقد أن يحترز من الإعجاب بالقديم دون تمييز للجيد فيه من الرديء، وأن ينأى عن إصغار المعاصر، بل يحاول أن يضعف في نفسه التشبث بالقدم رجاء إنصاف المعاصرين، فإن التشبث بالقديم يكاد يكون صفة ملازمة للناس ذكرها القرآن الكريم في عده مواضع (٢) .
سقوط امرئ القيس
وليس الحديث في هذه التوجيهات إلا مقدمة للكشف عن سقطات شاعر يعد رأس القدماء، يقدمه النقاد لقدمه ولحسناته حتى يخيل للمرء أنه لم يجئ في الشعر بسيئة؛ إن المماحكة بين أبن شرف وأبن رشيق تعود في هذا الموقف
стр. 448
إلى الظهور من خلال شعر امرئ القيس، فابن رشيق اتخذه في قراضة الذهب مثلاً أعلى للشاعر المبتكر المبتدع، وها هو ابن شرف يتناوله من ناحية عيوبه.
اعتماده في عيب امرئ القيس على موقف أخلاقي
ويذكرنا نقد ابن شرف لشعر امرئ القيس بموقف الباقلاني منه، فهو يعتمد على النظرة الأخلاقية قبل كل شيء؛ من ذلك انه يورد قوله:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي ويقول في نقده له: " فما كان أغناه عن الإقرار بهذا، وما أشد غفلته عما أدركه من الوصمة به، وذلك أن فيه أعداداً كثيرة من النقص والنجس: منها دخوله متطفلاً على من كره دخوله عليه، ومنها قول عنيزة له: لك الويلات، وهي قولة لا تقال إلا لخسيس ولا يقابل بها رئيس؟ " (١) ؛ وفي هذه الأثناء يطرح الناقد جانباً كل ما يمكن أن يتم خارج نطاق العلاقات الأخلاقية، فيذهب إلى أن امرئ القيس لم يكن عاشقاً للمرأة حتى يقبل منها قولها " لك الويلات " لأنها كانت امرأة رجل آخر، والعاشق الصحيح لا يقبل المشاركة في حبه، وقد وصفها بأنها حبلى، والحبل علة تشبه الاستسقاء، فلم يزهد في امرأة هذه حالها، مع ان الحيوانات تزهد في إنائثها أيام الحمل " ومع الحبل كمود اللون وسوء الغذاء وفساد النكهة سوء الخلق وغير ذلك، ولا يميل إلى هذا من له نفس سوقي دع نفس ملوكي "، ثم ذكر أنها كانت أيضاً في بعض أحوالها مرضعاً " وفيها من التلويث بأوضار رضيعها ومن اهتزالها واشتغالها عن أحكام اغتسالها "، ومن كانت مرضعاً ليس لديها من ترضع ابنها بالنيابة عنها فهي فقيرة حقيرة، وفي أبيات أخرى يقول:
سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال
стр. 449
فقالت لحاك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي وهذه استقبلته بقولها " لحاك الله " فهو إذن هين القدر عند النساء، يطردنه ويكرهنه، هذا إلى انه خبر عن نفسه الرضي بالفجور " وهذه أخلاق لا خلاق لها " (١) ؛ وليس هذا الموقف جديداً، ولكن زيفه شديد الوضوح؛ ونحن نلمح إلى جانب المقياس الخلقي محاولة أخرى من ابن شرف، وهي تشبثه بأن الشعر الصحيح لابد أن يعبر عن نفسية صاحبه، وما دام صاحب هذا الشعر ملكاً فلابد أن تكون للملك نفسية ترفعه عن مثل هذه الأقوال، والشق الأول من هذا الفرض صحيح، فأما الثاني يدل على جهل بأحوال النفوس.
إخفاق امرئ القيس مع المرأة جعله يبالغ في التعبير عن الاستهتار
نقول هذا مع أن ابن شرف قد استغل بعض المفهومات النفسية لتفسير ظواهر شعرية على نحو طريف. فقد اعتمد على الأخبار التي تقول إن ارمأ القيس كان مفركاً لدى النساء، وإذن فإنه كان محروماً من وصلهن وتعشقهن؛ وفي سبيل إشباع هذا الحرمان لجا إلى اختلاف القصص، وجعل هذه القصص صريحة مكشوفة تعطية لما كان يحسه من نقص، وذلك شيء تجده كالقانون العام، وإن شئت أمثلة أخرى استشهد ابن شرف بالفرزدق وسحيم عبد بني الحسحاس، وقصة الأول في افتخاره بالفتك والزنا معروفة، فأما الثاني " صاحب الثوب الدنس القمل الذي لا يؤاكله الغرثان تقززاً "، فإنه يقول:
توسدني كفا وتحنو بمعصم ... علي وترمي رجلها من ورائيا ولو خلت الأرض من الرجال " لم يكن هذا العبد زلمة عند أرذال السودان إلا كبعرة بعير في معرس عير "، ولكن الحرمان هو المحرك له على هذا
стр. 450
التصريح " والممنوع من الشيء حريص عليه مدع فيه " (١) ؛ ولو وقف ابن شرف عند ظاهرة الحرمان أو الإخفاق أساساً لتعليله التصريح بالفجور، لكان خير من استغل هذا الموقف النفسي في فهم لون من ألوان الأدب أو ظاهرة من ظواهره، ولكنه تخطى ذلك إلى الحكم على النفسيات المختلفة بمقياس واحد، فزعم أن كل النساء لابد ان يكن من بابة واحدة في الطبيعة النفسية، حين خيل إليه أن عبداً مثل عبد نبي الحسحاس لا يجد امرأة تعشقه أو تتشهاه، مثلما ظن ان الملوك لابد أن يكون لهم مستوى نفسي خاص، وحديث ابن شرف في هذه الناحية يسخر من نفسه، ولا حاجة به إلى مزيد من النقد والتعليق.
مرقش يمثل النقيض
وإمعاناً منه في إثبات نظريته استشهد بالأضداد، فذكر ان مرقشاً كان من اجمل الرجال وكانت للنساء فيه رغبة، ولم يكن محروماً من وصالهن، ولهذا تجده مستغنياً عن التظاهر بالإفصاح عما كان يجري له معهن.
اعتقاد ابن شرف ان الحديث الأخلاقي هنا جزء هام من تقييم الشعر
فدافع عن ذلك بقوله: عن امرؤ القيس إنما أراد أن يفخر بما صنع، فضل الطريق شعرياً، حين ابرز ما ينقض الغاية التي وجه إليها شعره، ولهذا فإن الحكم يقع على التناقض بين ما رسمه من غاية وبين ما استطاع شعره تصويره؛ وكان ابن شرف يريد أن يقول إن حديثي عن أخلاقه ليس مقياساً أخلاقياً وإنما هو طريق إلى التقدير الفني؛ ولكنه لم يتنبه إلى أن مقياساً أخلاقياً وغنما هو طريق إلى التقدير الفني؛ ولكنه لم يتنبه إلى أن افتراض " الفخر " إنما هو من وضعه، ولو قلنا له أن امرؤ القيس تغزل وحسب، وساق صورة من تجربة - واقعية أو متخيلة - لضاق ذرعاً بذلك
стр. 451
لأنه لا يكف عن النظر إلى غاية أخرى وراء الغاية الفنية، والفخر غاية اجتماعية - في بعض الأحوال.
حطه من شاعرية زهير رد على النقاد الأقدمين
فإذا تحدث عن عيوب زهير عمد إلى كثير مما عده النقاد السابقون نموذجاً في شعره وكشف عما فيه من نقائص، متحدياً بذلك عدداً كبيراً من النقاد، لا ابن رشيق وحده. ونقده لزهير - وإن كانت القاعدة الأخلاقية لم تنتف فيه جملة - يدل على نفاذ بصره إلى مستويات أخرى. فهو ينتقده لأنه عبر عن إصابة المنية للناس بقوله " خبط عشواء " ويقول: لسنا نطالبه هنا بحكم ديني، بل نطالبه بحكم العقل، إذ لو كان ضرب المنية خبط عشواء لمات بعض الناس ونجا بعض، وإنما وقع زهير في الخطأ لأنه رأى بعض الناس يموتون في حال الهرم وبعضهم في حال الشباب فدعا ذلك خبط عشواء، ولكن المنية لا تبقي أحداً إلا وتصيده حين تريد ذلك " ولو أن الرماة تهتدي كاهتدائها لملئت أيديهم بأقصى رجائهم " (١) ؛ ثم أن زهير خالف العادة حين قال: " ومن لا يظلم الناس يظلم " وقد ينقم الضعيف المظلوم من الظالم بالحيلة، وقد يأتي من يغلبه في ظلمه - بظلم اكبر - فيكون سبب هلاكه؛ والنقاد يستحسنون له قوله:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله وهل يكون الممدوح ذا نفس سامية إذا كان يتهلل لان يعطى؟ لقد تعارف الناس على إن إظهار التهلل في مثل هذا الموطن سقوط همة وصغر نفس. ثم عمد ابن شرف إلى بيت لزهير جعله قدامة نموذجاً من نماذج المدح الموفق، وهو قوله:
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
стр. 452
فعابه بان الشاعر قد ذم هؤلاء الناس حين أخبر أن فيهم مكثرين ومقلين، " ولو كان مكثروهم كرماء ليذلوا لمقليهم الأموال حتى يستووا في الحال " (١) ، ثم هم ضيعوا القريب واعتنوا بالغرباء وصلة الرحم أولى، ثم إن البيت يدل على أن المقلين أسخى نفوساً من المكثرين لان البذل مع الإقلال مثل أعلى في الكرم (٢) ؛ ورغم هذا التدقيق الذي يطالعنا به ابن شرف، فإن نقده ينتحي منحى مثالياً، لم يخرج به عن طبيعة النقد القديم الذي سادت مقاييسه في العصر الإسلامي والأموي وظلت آثاره ملموسة في النقد على مر الزمن؛ فالإقرار بوجود مكثرين ومقلين في مجتمع ما أمر واقعي، ولكن ابن شرف يرى أن هذا مخل بالمدح؛ والاعتناء بالغرباء لا ينفي صلة الرحم، ولكن الناقد يريد النص هناك من تفوق للمقلين على المكثرين؛ وهكذا يمكننا أن ننسب هذا اللون من التدقيق للتعنت، ولكنا لا نؤاخذ ابن شرف من هذه الزاوية، لان هذا اللون من التمحك بالأقاويل كان شائعاً في النقد، وإنما نأخذ عليه أنه وهو الذي كان في مقدوره أن يسلك الطريق النفسي لاعتناق الواقعية، أخطأ مرتين: أولاهما انه لم يحاول توسيع مفهوماته النفسية فوقع في التناقض في هذا المجال، والثانية انه عاد فخضع للتيار المثالي الذي ينكر كل الاحتمالات ما عدا واحداً في تصرفات الناس وفي مقاييسهم المختلفة.
عيوب عامة
وليس في القسم الأخير من هذه الرسالة شيء جديد: هنالك ذكر الناقد عدداً من العيوب مثل اللحن وخشونة الكلمات وتعقيد وكسر الوزن ومجاورة الكلمة ما لا يناسبها والافتتاحات الثقيلة والمتطير بها، وقلق القافية، والجفاء في النسيب، والسرقة، واتى بأمثلة طال ترديد النقاد لها. وقد قسم السرقات في أنواع: منها سرقة ألفاظ وسرقة معان (وهي أكثر) ومن النوع الثاني سرقة
стр. 453
بعض المعنى أو كله أو سرقته باختصاره أو بزيادة فيه، أو سرقته دون زيادة أو اختصار، وكان في ذلك كله يعبد تقسيمات من سبقوه.
عيوب في شعر المتنبي
وقد خصصت خاتمة الرسالة للحديث عن بعض عيوب المتنبي، وهي شبيهة بما أثاره غيره من قبل مع تدقيقات خاصة ينفرد بها. وعند هذا الحد أحس ابن شرف أنه استطاع ان يضع قواعد لتبيان ما هو سيئ في الشعر، شأنه في ذلك شأن كل من ألف في النقد قبله. فانتهى إلى النهاية التي بلغها المرزوقي وهي " أن ما مسلم من جميع ما أوردناه فهو في حيز السالم " (١) على ان يذكر المتأدب أن الجودة ليست مرتبة واحدة وغنما هي مراتب متفاوتة.
تقييم لنقد ابن شرف
ويمكن أن يقال إن ابن شرف في نقده دوم قليلاً ثم وقع. فقد مد أجنحة من النقد النفسي لم تستطع حمله إلا إلى آفاق قريبة، ثم عاد من جديد يلحق بالقافلة النقدية ماشياً؛ كان زاده من النظر الدقيق مضيعاً في مماحكات لا علاقة لها بالشعر، ولكنه كان يعي انه يحاول ان يشذ حتى عن ما اجمع عليه النقاد، وانه يريد أن يضع تفسيرات جديدة، ولكن الوعي وحده لا يكفي إذ قد يكون قوة لتسويغ المخالفة الخاطئة.
مجمل لمميزات مدرسة القيروان
ومرة ثالثة - بعد الوقفة عند عبد الكريم وابن رشيق - نرى أن ما حققته مدرسة القيروان يتميز بحيوية أشخاصها الذين منحتهم النهضة الأدبية في إقليمهم بعض السمات الإقليمية. ومكنت من القول بأثر البيئة والدعوة لتجاوز ذلك الأثر في سبيل الخلود، كما اشتملت محاولاتهم على تعليل المؤثرات النفسية، بعد إذ كانت هذه المؤثرات تؤخذ جملة كأنها قضية تقبل بالتسليم.
стр. 454
- ٦ -
النقد الأدبي في الأندلس
في القرن الخامس
ابتداء الشعر الأندلسي بمحاكاة المحدث أولا
تربى الذوق الأندلسي مدة طويلة على الشعر المحدث، شعر أبي تمام والبحتري وابن الرومي وابن المعتز وأبي العتاهية، وعلى الشعر الأندلسي نفسه الذي كان يترسم خطى الشعر المحدث المشرقي؛ ولكنا لا نسمع أن المعركة النقدية حول أبي تمام والبحتري انتقلت إلى الأندلسيين، إلا ما يقال من ان أبا حفص عمر بن يوسف الخيطي (- ٣٣٨) أحد أهل العلم بمعاني الشعر كان يتعصب للبحتري (١) ؛ فأما العصبية لهذا أو ذاك من شعراء المشرق كانت موجودة فأمر واضح من أخبار عن إعجاب هذا بابي تمام وإعجاب ذاك بأبي نواس. وعن احتذاء بعض الشعراء الأندلسي لطريقة مشرقية دون أخرى، وأما ان هذه العصبية أثمرت مواقف نقدية فشيء قد ضنت المصادر بالحديث عنه إن كان له وجود.
القالي وتلامذته والعودة إلى الشعر القديم
وقد ظل الذوق الأندلسي مأخوذاً بالشعر حتى دخل القالي إلى قرطبة سنة ٣٣٠ جالباً معه دواوين الجاهلين والإسلاميين مقروءة مصححة على الأئمة، وأخذ الطلاب يتتلمذون عليه في دراستها، فوجد نهج القدامى ونهج المحدثين
стр. 455
وعاشا معاً جنباً إلى جنب، ولكن الذوق العام كان أميل إلى الاتجاه المحدث. ولما رثى الرباحي أحمد بن موسى بن حدير بقصيدة بناها على " مذاهب العرب " وخرج فيها عن " مذاهب المحدثين ". لم يرضها العامة (١) .
بدايات نقدية ساذجة
ولم يستطع النقد الأدبي في الأندلس قبل القرن الخامس ان يرتفع إلى مستوى المشكلات الكبرى التي دارت في النقد المشرقي من حديث عن الطبع والصنعة، واللفظ والمعنى، والنظم، والصدق والكذب، وما أشبه، بل ظل بسيطاً في مجالي المستوى والتطبيق، لا ينفك عن التمرس ببعض الأخطاء اللغوية والنحوية، إذ كان القائمون على تدريس الشعر من طبقات المؤدبين لا يتجاوزون - في أحسن حال - التوفر على علم معاني الشعر، وبعض الدراسات اللغوية والنحوية.
ابن عبد ربه ينقل في العقد حصيلة آراء المشارقة في عصر الرواة
وقد نجد وقفات نقدية عند ابن ربه في العقد، ولكنها جميعاً مقتبسة مما عرفه عند المشارقة من حديث عن عيوب الشعر وعدم تفضيل القدماء على المحدثين وتوفر الملكة والدربة، وهو يقول للشاعر انه لا يفيده أخذ ألفاظ الناس وكلامهم " فإن ذلك غير مثمر لك ولا مجد عليك ما لم تكن الصناعة ممازجة لذهنك وملقحة بطبعك " ويسمي السرقة باسم " الاستعارة " ويرى أن أخفاها وأدقها ما كان ينقل المنثور إلى المنظوم أو العكس (٢) . وكل هذه الأمور قد مرت بنا عند الحديث عن النقد المشرقي وتكاد تكون منقولة دون تصرف أو تحوير.
стр. 456
أسباب ساعدت على استقواء النقد
ولكن كان لابد للطاقات النقدية أن تقوى في الاندلس، على مر الزمن، لأسباب عديدة منها:
(١) الحركة الثقافية التي أوجدها الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦) ، فهذه الحركة بعثت في الأندلسيين شعوراً بالثقة، حين ميزت بين التبعية الكاملة للمشرق والاستقلال الذاتي، وأعانت على النظرة إلى ما يمكن أن يسمى " شعر الأندلسيين " مستقلاً أو متصلاً بالحركة الشعرية عامة في البلاد الإسلامية، مثلما أن الثقافات التي انتشرت بجهود الحكم قد ساعدت على إيجاد الوعي العميق عن طريق المفارقة والمقارنة، وهي أول حوافز النقد.
(٢) إنشاء ديوان للشعراء لا يقيد فيه اسم الشاعر لينال عطاء إلا بعد أن يثبت تفوقه، ونحن وإن كنا نجهل الكثير عن المقاييس النقدية التي كان يستخدمها المحكمون، ولا نستطيع تبرئتهم من الانسياق مع الذوق الذاتي، فإننا نقدر أن المنافسة وحدها كانت كفيلة - عن طريق الأخذ والرد - بإثارة الأذهان للنقد وأحياناً للتجريح أو التهكم. وفي كل ذلك تكمن تربة صالحة لنمو نقد سليم (١) .
(٣) الانهيار الذي أصاب قرطبة (أم الأندلس) بسبب الفتنة البربرية (٣٩٩) ، فقضى على العمران وعلى الوحدة السياسية وأشاع القلق والاختلال في المقاييس، ورمى الشعر - مؤقتاً - في الكساد، وخلق طبقة من أدعياء الثقافة فأدى إلى نقمة الشعراء على أوضاعهم وعلى دعاوى المدعين وإلى محاولة المقارنة بين الماضي والحاضر، وإلى استرداد القيم التي أخذت تتحطم، وكان النقد الأدبي من نتائج ذلك كله.
стр. 457
(٤) انفتاح العقول المثقفة على شيء من المنطق والفلسفة بعد توفر قسط من الحرية النسبية في هذا المجال، ومن اثر ذلك ان تعمق النظرة إلى الظواهر الإنسانية ومن بينها الشعر، والأدب بعامة.
(٥) الأثر المشرقي: فالقرن الخامس في الأندلس جاء بعد النهضة النقدية في المشرق على يد ابن طباطبا والآمدي والحاتمي والجرجاني، وقد وصلت كتبهم إلى أيدي الأندلسيين ففتحت أمامهم مجال القول في النقد.
الوضع الأندلسي والشعر الأندلسي يوجهان النقد الأدبي
فمن طبيعة الوضع الأندلسي وطبيعة الشعر الأندلسي نفسه اتخذ النقد الأدبي وجودة وسماته: أما طبيعة الوضع الأندلسي فكانت تتمثل في احتذاء المشرق، فلما تنبهت الأندلس إلى شخصيتها في المجال العلمي والأدبي، كان النقد الأدبي دفاعاً عن هذه الشخصية ضد الظلم أو التجاهل أو الاتهام بان الأندلس ليس فيها أدباء وشعراء؛ ومن طبيعة الوضع الأندلسي ان يكون الرابط فيها فقيهاً، وأن تكون الصبغة الخارجية للحياة دينية، ولذلك لم يستطع النقد أن يتخلص من الأحكام الأخلاقية؛ وكان مما يزيد الأندلسيين شعوراً بذلك، تلك الفرقة التي نجمت في القرن الخامس، فقسمت الأندلس إلى دول متناحرة يذكى الشعر تناحرها، ويزين لكل أمير فيها أنه وحده ظل الله على الأرض، وكان لابد أن يكون الناقد انفذ بصراً من الشاعر الذي توجهه الحاجة وتحمله المبالغة إلى أقصاها؛ كان يبدو للناظر المتأمل أن الشعر إذن يقترن من ناحية بالضعة والتكسب، مثلما يقترن من ناحية أخرى بترسيخ جذور الانقسامات السياسية والضعف الناشئ عنها، ومن ثم فهو شيء غير أخلاقي إذا نظرنا إليه من زاوية مثالية؛ وقد يقال ألم تكن الحال كذلك في المشرق؟ والجواب على ذلك أن المشارقة نظروا إلى الظاهرة الشعرية - من حيث هي ظاهرة إنسانية -، وفصلوا بين الشعر والحياة نفسها، فاخذوا يتجادلون حول المشكلة - أو المشكلات
стр. 458
التي تمثلها هذه الظاهرة، أو يتناظرون حول شاعر ما بعد أن يفصلوا شعره من ملابسات الأوضاع التي عاشها، ولكن الأندلسيين نظروا إلى حياة الشعر، إلى الشعر في الحياة، ولذلك لم تهمهم المشكلات النقدية الكبرى التي أثارها المشارقة، من زاوية التجريد، ولسنا نقول ان كل ناقد أندلسي فلابد أن يكون اخلاقياً، ولكن يكفي ان نلحظ قوة هذا التيار في النقد الأندلسي.
ومن طبيعة الشعر الأندلسي أول الأمر انه تربى على الذوق المحدث، ونما فيه هذا الاتجاه بقوة، وأسعفت الحضارة الأندلسية على استقوائه، فاهتم بوصف الجمال في الطبيعة والانسان، - كما حدث في شعر المشارقة المحدثين - عن طريق الصورة أو قل الإكثار من التشبيهات، ولذلك كان من أبرز العناصر التي التفت إليها الناقد المتذوق عنصر التشبيه، وحسبنا أن نجد كتابين في أوائل القرن الخامس يكتبان في التشبيهات أحدهما كتاب أبي الحسن علي ابن محمد بن أبي الحسين الكاتب (١) والثاني كتاب ابن الكتاني الطبيب (٢) . وكلاهما مقصور على تشبيهات الأندلسيين دون سواها؛ وكلما تحضر الذوق زاد التفنن في طلب الصورة، وسوف تكون المحاولة في المستقبل قاعدة هامة في الذوق النقدي أثناء القرن الخامس والقرون التالية.
ومن طبيعة الشعر الأندلسي أيضاً أن التيار الذي سمي طريقة العرب. حين جاور مذهب المحدثين، عايشه في هدوء، وسار التياران متوازيين دون صراع، حتى لتجدهما معاً في شعر الشاعر الواحد، وقد كانت حيوية الصراع بين التيار القديم والمحدث سبباً في خصب النقد المشرقي، ولذا فقدت هذه الحيوية في النقد الأندلسي، وأسعف على فقدانها غياب ضروب أخرى من الصراع شهدها المشرق، كالمعركة الخفية حول الشعر والمنطق، أو حول شاعرين متباعدين الطريقة، أو حول شاعر يشذ عما حوله. وليس أدل
стр. 459
على قيمة الصراع في خلق الحركة النقدية من الأندلس نفسها، فإن أبرز النقد الذي تكون فيها غنما كان صراعاً بين الشاعر والمعلم أو بين ابن شهيد وطبقة اللغويين.
وإذا كان الشعر المشرقي بحاجة إلى مقاييس نقدية تنظم الأخذ، فإن الشعر الأندلسي أشد حاجة إلى ذلك، لأن عملية النمو فيه، في كل عصر، كانت تعتمد على الدفقات الجديدة التي تنساب في عروقه آتية من المشرق.
المجالات الكبرى للنقد في الأندلس
فإذا كان النقد الأندلسي نتاج هذا كله، فلا غرابة ان نجده يدور في مجالات: الدفاع عن الأندلس وأدبها، اللجوء إلى حمى الأخلاق، التشبث بالصورة، قوانين الأخذ والسرقة، وأن يكون بعد هذا ولأجل هذا نفسه باهتاً، حتى انه إذا تجاوزنا دنيا الأمثلة الجزئية لم يجد إلا القواعد النظرية المشرقية، متخلياً عن العمق لأنه يكره الفلسفة، قليل التشكل بصورة متكاملة تستدعي تأليفاً مستقلاً.
ابن شهيد وابن حزم طليعة الحركة النقدية
ولعل اعظم اثنين تمرسا بالنقد في القرن الخامس، وربما ظلاً اعظم من نلقاهما في تاريخ النقد هنالك، هما ابن شهيد وابن حزم، وكانا صديقين يلتقيان على بعض شئون الحياة ثم يفترقان كل في سبيل: كلاهما أرستقراطي المنبت، ذهبت الفتنة البربرية بمجد أبيه واهله، فهما يحبان قرطبة ويحنان إلى ماضيها، ويتراءى لهما هذا الماضي بأخيلة العصور الذهبية ومرابع الصبا فيكتب كل منهما ترجمته الذاتية، وكل منهما معجب بما لدى صاحبه من ملكات، شاعران افترقت بهما الطريق: فأما ابن حزم فغاص في لجة الصراع المذهبي متوجهاً إلى الآخرة متنقلاً في البلدان الأندلسية، يجمع حوله التلامذة لينفرهم من التقليد والقياس ويدرس ويناقش ويحتد في المناقشة، ويدعو إلى الفلسفة
стр. 460
والمنطق بحماسة تشبه حماسته المذهبية؛ وأما ابن شهيد فإنه لا يطبق فراق معشوقته العجوز (قرطبة) مقبلاً على لذاته الدنيوية، خائضاً غمرة الصراع الادبي، قانعاً من المعرفة بأطراف يسيرة، مؤمناً أن الاطلاع الواسع ربما خدد وجه القريحة الطبيعية.
ابن شهيد وصلته بالنقد
وابن شهيد أقرب إلى عالم النقد من صاحبه لان إعجابه الذاتي بنفسه وضعه موضع التفرد - في نظر نفسه - إزاء الآخرين، فاحب أن يثبت تفوقه، وكان إعجابه بذاته قد وضعه موضع من ينظر إلى اللغويين من عل، وكانت الخصومة بينه وبينهم تدور حول دعاواهم بأنهم يستطيعون تعليم البيان، فأحب أن يثبت لهم بعد ما بين الموهبة والاكتساب. ولهذا كان العامل الموجه في مذهبه النقدي هو إيمانه بطريقته في الشعر والنثر؛ ومن خلال هذا الأيمان كان يقيس شعر غيره من الشعراء.
مؤلفاته التي يمكن أن تتوفر فيها أحكام نقدية
ومن مؤلفاته ذات الطابع النقدي: كتاب حانوت عطار، ورسالة التوابع والزوابع، ورسائل متفرقة تحدث فيها عن البيان.
فأما الكتاب الأول فإنه لم يصلنا ولكن الحميدي نقل عنه في " جذوة المقتبس "، وتدل نقوله على أن الكتاب تراجم لشعراء الأندلس، فهو سابق لكتاب " الأنموذج " في هذا المضمار، وفيه أحكام نقدية عامة ونماذج مما اختاره بحسب تلك الأحكام؛ فمن ذلك قوله في ابن دراج: " والفرق بين أبي عمر وغيره أن أبا عمر مطبوع النظام شديد أسر الكلام، ثم زاد بما في أشعاره ومن الدليل على المعلم بالخبر واللغة والنسب وما تراه من حوكة للكلام وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره وجيشه بحره، وصحة مقدرته على البديع، وطول طلقه في الوصف، وبغيته للمعنى وترديده، وتلاعبه به