أسباب ساعدت على استقواء النقد
ولكن كان لابد للطاقات النقدية أن تقوى في الاندلس، على مر الزمن، لأسباب عديدة منها:
(١) الحركة الثقافية التي أوجدها الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦) ، فهذه الحركة بعثت في الأندلسيين شعوراً بالثقة، حين ميزت بين التبعية الكاملة للمشرق والاستقلال الذاتي، وأعانت على النظرة إلى ما يمكن أن يسمى " شعر الأندلسيين " مستقلاً أو متصلاً بالحركة الشعرية عامة في البلاد الإسلامية، مثلما أن الثقافات التي انتشرت بجهود الحكم قد ساعدت على إيجاد الوعي العميق عن طريق المفارقة والمقارنة، وهي أول حوافز النقد.
(٢) إنشاء ديوان للشعراء لا يقيد فيه اسم الشاعر لينال عطاء إلا بعد أن يثبت تفوقه، ونحن وإن كنا نجهل الكثير عن المقاييس النقدية التي كان يستخدمها المحكمون، ولا نستطيع تبرئتهم من الانسياق مع الذوق الذاتي، فإننا نقدر أن المنافسة وحدها كانت كفيلة - عن طريق الأخذ والرد - بإثارة الأذهان للنقد وأحياناً للتجريح أو التهكم. وفي كل ذلك تكمن تربة صالحة لنمو نقد سليم (١) .
(٣) الانهيار الذي أصاب قرطبة (أم الأندلس) بسبب الفتنة البربرية (٣٩٩) ، فقضى على العمران وعلى الوحدة السياسية وأشاع القلق والاختلال في المقاييس، ورمى الشعر - مؤقتاً - في الكساد، وخلق طبقة من أدعياء الثقافة فأدى إلى نقمة الشعراء على أوضاعهم وعلى دعاوى المدعين وإلى محاولة المقارنة بين الماضي والحاضر، وإلى استرداد القيم التي أخذت تتحطم، وكان النقد الأدبي من نتائج ذلك كله.
стр. 457
(٤) انفتاح العقول المثقفة على شيء من المنطق والفلسفة بعد توفر قسط من الحرية النسبية في هذا المجال، ومن اثر ذلك ان تعمق النظرة إلى الظواهر الإنسانية ومن بينها الشعر، والأدب بعامة.
(٥) الأثر المشرقي: فالقرن الخامس في الأندلس جاء بعد النهضة النقدية في المشرق على يد ابن طباطبا والآمدي والحاتمي والجرجاني، وقد وصلت كتبهم إلى أيدي الأندلسيين ففتحت أمامهم مجال القول في النقد.
الوضع الأندلسي والشعر الأندلسي يوجهان النقد الأدبي
فمن طبيعة الوضع الأندلسي وطبيعة الشعر الأندلسي نفسه اتخذ النقد الأدبي وجودة وسماته: أما طبيعة الوضع الأندلسي فكانت تتمثل في احتذاء المشرق، فلما تنبهت الأندلس إلى شخصيتها في المجال العلمي والأدبي، كان النقد الأدبي دفاعاً عن هذه الشخصية ضد الظلم أو التجاهل أو الاتهام بان الأندلس ليس فيها أدباء وشعراء؛ ومن طبيعة الوضع الأندلسي ان يكون الرابط فيها فقيهاً، وأن تكون الصبغة الخارجية للحياة دينية، ولذلك لم يستطع النقد أن يتخلص من الأحكام الأخلاقية؛ وكان مما يزيد الأندلسيين شعوراً بذلك، تلك الفرقة التي نجمت في القرن الخامس، فقسمت الأندلس إلى دول متناحرة يذكى الشعر تناحرها، ويزين لكل أمير فيها أنه وحده ظل الله على الأرض، وكان لابد أن يكون الناقد انفذ بصراً من الشاعر الذي توجهه الحاجة وتحمله المبالغة إلى أقصاها؛ كان يبدو للناظر المتأمل أن الشعر إذن يقترن من ناحية بالضعة والتكسب، مثلما يقترن من ناحية أخرى بترسيخ جذور الانقسامات السياسية والضعف الناشئ عنها، ومن ثم فهو شيء غير أخلاقي إذا نظرنا إليه من زاوية مثالية؛ وقد يقال ألم تكن الحال كذلك في المشرق؟ والجواب على ذلك أن المشارقة نظروا إلى الظاهرة الشعرية - من حيث هي ظاهرة إنسانية -، وفصلوا بين الشعر والحياة نفسها، فاخذوا يتجادلون حول المشكلة - أو المشكلات
стр. 458
التي تمثلها هذه الظاهرة، أو يتناظرون حول شاعر ما بعد أن يفصلوا شعره من ملابسات الأوضاع التي عاشها، ولكن الأندلسيين نظروا إلى حياة الشعر، إلى الشعر في الحياة، ولذلك لم تهمهم المشكلات النقدية الكبرى التي أثارها المشارقة، من زاوية التجريد، ولسنا نقول ان كل ناقد أندلسي فلابد أن يكون اخلاقياً، ولكن يكفي ان نلحظ قوة هذا التيار في النقد الأندلسي.
ومن طبيعة الشعر الأندلسي أول الأمر انه تربى على الذوق المحدث، ونما فيه هذا الاتجاه بقوة، وأسعفت الحضارة الأندلسية على استقوائه، فاهتم بوصف الجمال في الطبيعة والانسان، - كما حدث في شعر المشارقة المحدثين - عن طريق الصورة أو قل الإكثار من التشبيهات، ولذلك كان من أبرز العناصر التي التفت إليها الناقد المتذوق عنصر التشبيه، وحسبنا أن نجد كتابين في أوائل القرن الخامس يكتبان في التشبيهات أحدهما كتاب أبي الحسن علي ابن محمد بن أبي الحسين الكاتب (١) والثاني كتاب ابن الكتاني الطبيب (٢) . وكلاهما مقصور على تشبيهات الأندلسيين دون سواها؛ وكلما تحضر الذوق زاد التفنن في طلب الصورة، وسوف تكون المحاولة في المستقبل قاعدة هامة في الذوق النقدي أثناء القرن الخامس والقرون التالية.
ومن طبيعة الشعر الأندلسي أيضاً أن التيار الذي سمي طريقة العرب. حين جاور مذهب المحدثين، عايشه في هدوء، وسار التياران متوازيين دون صراع، حتى لتجدهما معاً في شعر الشاعر الواحد، وقد كانت حيوية الصراع بين التيار القديم والمحدث سبباً في خصب النقد المشرقي، ولذا فقدت هذه الحيوية في النقد الأندلسي، وأسعف على فقدانها غياب ضروب أخرى من الصراع شهدها المشرق، كالمعركة الخفية حول الشعر والمنطق، أو حول شاعرين متباعدين الطريقة، أو حول شاعر يشذ عما حوله. وليس أدل
стр. 459
على قيمة الصراع في خلق الحركة النقدية من الأندلس نفسها، فإن أبرز النقد الذي تكون فيها غنما كان صراعاً بين الشاعر والمعلم أو بين ابن شهيد وطبقة اللغويين.
وإذا كان الشعر المشرقي بحاجة إلى مقاييس نقدية تنظم الأخذ، فإن الشعر الأندلسي أشد حاجة إلى ذلك، لأن عملية النمو فيه، في كل عصر، كانت تعتمد على الدفقات الجديدة التي تنساب في عروقه آتية من المشرق.
المجالات الكبرى للنقد في الأندلس
فإذا كان النقد الأندلسي نتاج هذا كله، فلا غرابة ان نجده يدور في مجالات: الدفاع عن الأندلس وأدبها، اللجوء إلى حمى الأخلاق، التشبث بالصورة، قوانين الأخذ والسرقة، وأن يكون بعد هذا ولأجل هذا نفسه باهتاً، حتى انه إذا تجاوزنا دنيا الأمثلة الجزئية لم يجد إلا القواعد النظرية المشرقية، متخلياً عن العمق لأنه يكره الفلسفة، قليل التشكل بصورة متكاملة تستدعي تأليفاً مستقلاً.
ابن شهيد وابن حزم طليعة الحركة النقدية
ولعل اعظم اثنين تمرسا بالنقد في القرن الخامس، وربما ظلاً اعظم من نلقاهما في تاريخ النقد هنالك، هما ابن شهيد وابن حزم، وكانا صديقين يلتقيان على بعض شئون الحياة ثم يفترقان كل في سبيل: كلاهما أرستقراطي المنبت، ذهبت الفتنة البربرية بمجد أبيه واهله، فهما يحبان قرطبة ويحنان إلى ماضيها، ويتراءى لهما هذا الماضي بأخيلة العصور الذهبية ومرابع الصبا فيكتب كل منهما ترجمته الذاتية، وكل منهما معجب بما لدى صاحبه من ملكات، شاعران افترقت بهما الطريق: فأما ابن حزم فغاص في لجة الصراع المذهبي متوجهاً إلى الآخرة متنقلاً في البلدان الأندلسية، يجمع حوله التلامذة لينفرهم من التقليد والقياس ويدرس ويناقش ويحتد في المناقشة، ويدعو إلى الفلسفة
стр. 460
والمنطق بحماسة تشبه حماسته المذهبية؛ وأما ابن شهيد فإنه لا يطبق فراق معشوقته العجوز (قرطبة) مقبلاً على لذاته الدنيوية، خائضاً غمرة الصراع الادبي، قانعاً من المعرفة بأطراف يسيرة، مؤمناً أن الاطلاع الواسع ربما خدد وجه القريحة الطبيعية.
ابن شهيد وصلته بالنقد
وابن شهيد أقرب إلى عالم النقد من صاحبه لان إعجابه الذاتي بنفسه وضعه موضع التفرد - في نظر نفسه - إزاء الآخرين، فاحب أن يثبت تفوقه، وكان إعجابه بذاته قد وضعه موضع من ينظر إلى اللغويين من عل، وكانت الخصومة بينه وبينهم تدور حول دعاواهم بأنهم يستطيعون تعليم البيان، فأحب أن يثبت لهم بعد ما بين الموهبة والاكتساب. ولهذا كان العامل الموجه في مذهبه النقدي هو إيمانه بطريقته في الشعر والنثر؛ ومن خلال هذا الأيمان كان يقيس شعر غيره من الشعراء.
مؤلفاته التي يمكن أن تتوفر فيها أحكام نقدية
ومن مؤلفاته ذات الطابع النقدي: كتاب حانوت عطار، ورسالة التوابع والزوابع، ورسائل متفرقة تحدث فيها عن البيان.
فأما الكتاب الأول فإنه لم يصلنا ولكن الحميدي نقل عنه في " جذوة المقتبس "، وتدل نقوله على أن الكتاب تراجم لشعراء الأندلس، فهو سابق لكتاب " الأنموذج " في هذا المضمار، وفيه أحكام نقدية عامة ونماذج مما اختاره بحسب تلك الأحكام؛ فمن ذلك قوله في ابن دراج: " والفرق بين أبي عمر وغيره أن أبا عمر مطبوع النظام شديد أسر الكلام، ثم زاد بما في أشعاره ومن الدليل على المعلم بالخبر واللغة والنسب وما تراه من حوكة للكلام وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره وجيشه بحره، وصحة مقدرته على البديع، وطول طلقه في الوصف، وبغيته للمعنى وترديده، وتلاعبه به
стр. 461
وتكريره، وراحته بما يتعب الناس، وسعة نفسه فيما يضيق الأنفاس " (١) .
المعارضة غير معيبة بل هي أساس التفوق
ولأول مرة نرى ناقداً يقر مبدأ المعارضة معياراً للتفوق، فنجد ابن شهيد ناقماً على النقاد الذين كانوا يتولون ديوان الشعراء لأنهم أخروا عبد الرحمن بن أبي الفهد وقدموا عليه عبادة بن ماء السماء مع ان عبد الرحمن " غزير المادة واسع الصدر حتى انه لم يكد يبقى شعراً جاهلياً ولا إسلامياً إلا عارضه وناقضه، وفي كل ذلك تراه مثل الجواد إذا استولى على الأمد، لا يني ولا يقصر، وكان مرتبته في الشعراء أيام بني أبي عامر دون مرتبة عبادة في الزمام، فاعجب " (٢) . وقد فوت ضياع هذا الكتاب كثيراً من أحكام أبي عامر ابن شهيد النقدية، كما حرمنا التعرف إلى أخبار هامة عن حياة الأدباء الأندلسيين.
قضية الأخذ والتوليد
وأما التوابع والزوابع أو " شجرة الفكاهة " فإنها رسالة كتبها ابن شهيد لصديقه أبي بكر يحيى بن حزم، وهو من بيت آخر غير بيت الفقيه ابن حزم (٣) ، ليعرض فيها أروع نتاجه ويتهكم بمن كان يكايده من أهل قرطبة، وقد احتفظ لنا ابن بسام في الذخيرة بقطع منها؛ وهي تعتمد الفكرة القديمة في أن لكل شاعر تابعاً من الجن يلهمه الشعر؛ ولكن ابن شهيد قد أبطل المعتقد السائد الذي وضحه المرزوقي في إن النثر والشعر لا يتفقان على درجة واحدة في الجودة لشخص واحد، ولذا عرض ابن شهيد شعره على قدامى الفحول حين زار ديار الجن مثل امرئ القيس وطرفة وقيس بن الخطيم وكبار المحدثين مثل أبي نواس وأبي الطيب، فكل أجازه وشهد له بالإجادة؛
стр. 462
ثم عرض نثره على تابعي الجاحظ وعبد الحميد فأجازه كذلك، فاستوت له التقدمة في الصناعتين، وهرب منه تابع بديع الزمان حسداً وكمداً، وقال له صاحبا عبد الحميد والجاحظ: " اذهب فإنك شاعر خطيب " (١) .
وفي قطعة من الرسالة إن أبا عامر تذاكر في مجلس من مجالس الجن اخذ الشعراء للمعاني وتداولهم لها فأنشد بعضهم المعنى الذي جاء به النابغة وغيره:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب وهو معنى تردده في كتب النقد المشرقية، وتعاوره أبو نواس ومسلم وأبو تمام والمتنبي، فاخذ القوم يتجادلون ليقرروا أيهم يفوز بقصب السبق (وهي طريقة من القدرة على تتبع المعنى الواحد المسروق) . ثم تذاكروا المعاني العقم فكان منها قول امرئ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال وكيف أخذه عمر بن أبي ربيعة فأساء؛ وكيف أن ابن شهيد مر بشيخ يعلم بنياً له صناعة الشعر وهو ينصحه بقوله: " إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تركيبه وارق حاشيته فأضرب عنه جملة، وإن لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم غليها ذلك المحسن لتنشط طبيعتك وتقوى منتك " (٢) ، (وهي نصيحة عرفها المشارقة) فحاول ابن شهيد أخذ ذلك المنى متعظاً بنصيحة الشيخ. وهذا يدل على انشغال بال ابن شهيد بوضع قاعدة مقبولة للأخذ.
стр. 463
الروحانية وأثرها في التناسب الذي يعد سر الجمال في الشعر
وقد بنى سائر ما تبقى من رسالة التوابع والزوابع على صور تهكمية فيها من شأن علماء اللغة وبخاصة ابن الافليلي شارح ديوان المتنبي. فأما في رسائله البيانية الأخرى فإنه واجههم بالهجوم السافر، وعنفهم لاعتقادهم أن بضاعتهم وسيلة لتعليم البيان فقال: " وإصابة البيان لا يقوم بها حفظ كثير الغريب واستيفاء مسائل النحو بل بالطبع مع وزنه من هذين؛ ومقدار طبع الإنسان إنما يكون على مقدار تركيب نفسه مع جسمه " (١) ، ويشرح ابن سعيد هذه الفلسفة الجديدة فيبين أن من تغلبت نفسه على جسمه كان مطبوعاً روحانياً فتجيء الصور عنه في أجمل هيأة، وأما الآخر الذي يستولي جسمه على روحه فإن صور الكلام تتكون لديه ناقصة. وأصحاب الروحانية قد يأتون بكلام جميل مؤثر في النفوس دون أن يكون للكلام في ذاته جمال خاص، وهذا هو الغريب وهو أن يتركب الحسن من غير الحسن؛ كقول امرئ القيس:
تنورتها من اذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي (٢) وهذه نظرية طريفة في الجمال " تركب الحسن من غير حسن "، تعد من ابتكار أبي عامر، ولعله يعني بها أن كل جزء على حدة ليس فيه جمال، فإذا تم تركب الأجزاء شعت بجمال ناجم عن التركيب المنسجم. ونظرية أبي عامر في الطبع المؤيد بالثقافة (اللغوية والنحوية) ليست جديدة علينا، ولكن تفسير الطبع بأنه غلبة النفس على الجسم لم يرد عند المشارقة؛ أتراه من تأثير ابن حزم نفسه في تفسير قضية الحب كما عرضها في " طوق الحمامة "؟
وهذا الجمال ناشئ عن الانسجام هو الذي جعل ابن شهيد يمعن في الإلحاح على ان " للحروف انساباً وقرابات تبدو في الكلمات، فإذا جاور
стр. 464
النسيب النسيب ومازج القريب القريب طابت الألفة وحسنت الصحبة " (١) .
ويخلص أبو عامر إلى أن البيان قد يعلم ولكن ليس الذي يقوم بتعليمه طبقة معلمي اللغة، لأنهم في رأي أبي عامر " يرجعون إلى فطن حمئة وأذهان صدئة، لا منفذ لها في شعاع الرقة ولا مدب لها في أنوار البيان " (٢) ، وهم يدركون بالطبيعة ويقصرون بالآلة: أي كأنهم يعرفون بالقوة لا بالفعل، ويعني ابن شهيد بالآلة المقصرة التركيب الفسيولوجي الذي فسد فلم يعد قادراً على تقبل الروحانية لغلظ أعصاب الدماغ وفرطحة الرأس وتسفيطه والتواء الشدق؟ (وخرج هنا إلى التصوير العابث وكأنه يرسم صورة ابن الافليلي) (٣) ، وإنما الذي يستطيع تعليم البيان امرؤ قادر " على تفجير صفاة غيره "، إذا كان المتعلم ذا استعداد نفسي لذلك.
طبقات أصحاب صنعة البيان
وينقسم أصحاب صنعة الكلام في رأيه إلى ثلاثة أقسام:
(١) قسم يخترع المعاني ويعرف جيد الألفاظ ولكن توفيقه بينهما يعتمد على كد القريحة وقد يجيد في المقطعات والقصار، ولكنه يعجز عن " بهاء البهجة " وشرف المنزلة، إذا سمته الاستمرار.
(٢) قسم ماهر في التلفيق والحيلة، فهو يغطي بذلك على نقص الكرة، ويستجلب الرضى الموقت من معاصريه.
(٣) قسم هم أصحاب الحدة البيانية الذين يبنون الكلام على الاندفاع والانصباب مع التوفيق التام بين الفكرة الصعبة ومائية الشكل، والواحد
стр. 465
منهم " كالقوة في المرقب (١) ، سام نظره قد ضم جناحيه ووقف على مخلبه، لا تتاح له جارحة إلا اقتصها ولا تنازله طائرة إلا اختطفها، جرأته كشفرته وبديهته كفكرته " (٢) . ومن خرج عن هذه الفئات الثلاث فلا يدخل في صناعة الكلام.
وهذه القسمة تنظر إلى " القطعة الفنية " وتحكم على الشاعر من خلالها. فالقطعة الفنية الرائعة في نظر ابن شهيد هي التي تتمتع بقوة الانصباب. وتوفق في انسجام تام بين الفكرة والشكل، وتلبك معاني الآخرين في مزيج خفي، وتقتنص كل ما يتاح لها، وتتساوى جودتها في حالتي البديهة والفكرة.
تمجيد ابن شهيد للبديهة
وكان ابن شهيد يرى البديهة محكاً للجودة، ولذلك نسمعه يقول: " إنما يتبين تقصير المقصر وفضل السابق المبرز إذا اصطكت الركب وتزاحمت الحلق واستعجل المقال، ولم توجد فسحة لفكرة ولا امكنت نظرة لروية؟ فترى الجواد السابق إذ ذاك متشوفاً بأذنه، باحثاً لكيدي الإحسان بيده، طامح النظر، صهصلق الصهيل، وأهل الصنعة خرس لا يسمع لهم جرس؟ " (٣) . ومن العجيب أن يطلب ناقد التسوية بين نتاج البديهة ونتاج الروية، ولكن ابن شهيد كان يحس بقدرته على الاثنتين مثلما يحس يتميزه في الصناعتين، ومن هنا وضع المقياس الذي يلائمه، وان عز تطبيقه حين يحاول ناقد أن يوازي بين بديهة ابن شهيد ورويته.
الناقد الحق هو الذي يدرك سر التناسب
وإذا كانت أروع صور البيان هي التي تم فيها التوفيق بين الفكرة الصعبة ومائية الشكل فغن مهمة الناقد الأدبي هي الكشف عن هذا التلاؤم وتمييزه من سائر مراتب الصناعة، ونجد ابن شهيد يصور مهمة الناقد وطبيعة
стр. 466
الشعر صوراً مستمدة حيناً من طبيعة المباني الأندلسية وحيناً من جوها فينص على أن الناقد يجب ألا يستهويه الشكل وينسيه التفتيش عن المعنى: " فقد ترى الشعر فضي البشرة وهو رصاصي المكسر، ذا ثوب معضد أو مهلهل، وهو مشتمل على بهق أو برص. مبنياً بلبن التماثيل وصفوان التهاويل، وهو لا يجن صاحبه عن النسيم فضلاً عن الحرجف، ولا يقيه رقيق الندى فضلاً عن شؤبوب الكنهور " (١) .
الناقد الحق لا ينخدع بالتمويه العاطفي
ولعل أهم خداع تنبه له ابن شهيد هو الخداع العاطفي حيث تضطرم نيران الجوى ويلمع البرق ويستن الودق وتسفح الدموع، والكلام في حقيقته كسراب بقيعة. إذ الفنان الحق في رأيه هو الذي " يتصرف تصرف الملح ويتلون تلون أبي براقش " (٢) ، وهذا الكلام موهم، ولكن ابن شهيد يعني القدرة على القريض رغم تنوع الموضوع، فيبقى كلام الشاعر في الناس على مر الادهار ويتخذونه اتخاذ الملح، ويفسرونه بما يلائم تغير الأزمنة.
أثر تغير الزمن في الشعر والأذواق
وقد أقر ابن شهيد بتغير العادة حسب تغير الأزمنة وبان ما يصلح في عصره ربما لم يبق صالحاً في عصر آخر، كذلك هي الحال في الصناعتين النثر والشعر: " ألا ترى ان الزمان لما دار كيف أحال بعض الرسم الأول في هذا الفن إلى طريقة عبد الحميد وابن المقفع وسهل بن هارون وغيرهم من أهل البيان؟ فالصنعة معهم أفسح باعاً وأشد ذراعاً وأنور شعاعاً، لرجحان تلك العقول واتساع تلك القرائح في العلوم؛ ثم دار الزمان دوراناً، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة إبراهيم ابن العباس ومحمد بن الزيات وابني وهب ونظرائهم، فرقت الطباع وخف
стр. 467
ثقل النفوس، ثم دار الزمان فاعترى أهله باللطائف صلف، وبرقة الكلام كلف، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة البديع وشمس المعالي وأصحابهما؛ وكذلك الشعراء انتقلوا عن العادة في الصنعة بانتقال الزمان وطلب كل ذي عصر ما يجوز فيه وتهش له قلوب أهله فكان من صريع الغواني وبشار وأبي نواس وأصحابهم في البديع ما كان، من استعمال أفانينه والزيادة في تفريع فنونه، ثم جاء أبو تمام فأسرف في التجنيس وخرج عن العادة وطاب ذلك منه وامتثله الناس، فكل شعر اليوم لا يكون تجنيساً أو ما يشبهه تمجه الآذان، والتوسط في الأمر أعدل؛ ولذلك فضل أهل البصرة صريع الغواني على أبي تمام لأنه لبس ديباجة المحدثين على لأمة العرب، فتركب له من الحسن بينهما ما تركب " (١) .
فها هو ابن شهيد يرصد تطور الذوق، ولكنه يدعو إلى الاعتدال في التجنيس، وإلى التوفيق بين طريقة العرب وطريقة المحدثين، هذا على أنه يؤمن بانتقال العادة مع الزمن، وفي هذا طرف من التناقض إذ ما دامت الأذواق هي التي تأخذ وتدع فكيف يمكن توجيه الذوق الذي اخذ يفتن بالإكثار من التجنيس إلى التوسط والاعتدال؟
موجز فيما حققه ابن شهيد في النقد
وقد يتجاوز إعجاب ابن شهيد بذاته وبشعره وبنثره كل حد، ومع ذلك فإن هذا الطريق المضلل قد بلغ به إلى نتائج قيمة، فكان ثانياً لابن طباطبا في وضع مفهوم للجمال الفني، وكان متفرداً في تفسير الطبع على أساس روحاني، وفي اعتبار الطاقة الشعرية واحدة في حالي البديهة والروية، وكان تلميذاً للمشارقة في نظرية الأخذ، وفي تحديد واجب النقاد، وربما كان متأثراً بالجرحاني في النص على تقلب العادات حسب تقلب العصور. أما في إصابة الحكم على من درسهم من الشعراء
стр. 468
فإنه ربما تفوق على ابن رشيق وابن شرف. وربما لم يبلغ أي ناقد أندلسي آخر مبلغه في إرهاف الذوق والإحساس بالجمال الفني، وقد اتخذ من شاعريته وسيلة للتعبير عن آرائه النقدية بطريق التصوير.
ابن حزم والمعوقات دون النقد
وأما ابن حزم فقد كانت مداخله إلى النقد الأدبي كثيرة مثلما كانت الحواجز والسدود دونه كثيرة أيضاً: كانت مداخله إليه سعة اطلاعه وحفظه لتراث الأندلس الشعري وذكاؤه الذاتي وذوقه المرهف ودراسته للفلسفة والمنطق وشعوره بالأندلس وحبه لها ودفاعه دونها، وعدالته إذا شاء الإنصاف وتخلى عن الموقف الدفاعي، واطلاعه على طرائق النقد عند المشارقة؛ وكانت السدود والحواجز دونه انشغاله الكثير بالفقه والمجادلات، وانبهام غاية الشعر دون نظره فهو صالح لكل شيء حتى لشرح المذهب الفقهي والتعاليم الأخلاقية، وإخفاقه في تجاربه الدنيوية، ونبذه كل شيء لا يقرب إلى الله، (والشعر من أشد الظواهر الإنسانية تعلقاً بالدنيا) ، ولهذا اختلط الحال عليه في النقد الأدبي:
وقفته الدفاعية عن الأندلس
فإذا كان المدخل شعوره بالأندلس ودفاعه عنها هو الموجه قرأت له رسالة في فضل الأندلس وضع فيها بعض شعراء بلده في مصاف مشاهير المشارقة: " ونحن إذا ذكرنا أبا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي في الشعر لم نباه به إلا جريراً والفرزدق لكونه في عصرهما، ولو انصف لاستشهد بشعره، فهو جار على مذهب الأوائل لا على طريقة المحدثين؟ ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا احمد بن دراج القسطلي لما تأخر عن شأو بشار وحبيب والمتنبي، فكيف ولنا معه جعفر بن عثمان الحاجب واحمد ابن عبد الملك بن مروان واغلب بن شعيب ومحمد بن شخيص وأحمد بن فرج وعبد الملك بن سعيد المرادي وكل هؤلاء فحل يهاب جانبه، وحصان
стр. 469
ممسوح الغرة " (١) - مباهاة عريضة كما ترى، لعل ابن حزم كان أول من يدرك حقيقتها، ولكن الموقف الذي استدعاها لم يكن يسمح بالتواضع.
الخطابة والشعر تتمة للمنهج القديم
وإذا كان المدخل دراسته المنطقية، كان لابد له من استكمال المنطق الارسططاليسي بفصلين (سابع وثامن) في الخطابة وفي الشعر. ولكن يبدو انه لم يتح له الاطلاع على كتابي أرسطو في هذين العلمين، ولذلك اكتفى بالاتكاء فيهما على نفسه حين كتب " التقريب لحد المنطق " فأوجز القول ولم يشف الغلة؛ فقال في باب البلاغة: " قد تكلم أرسططاليس في هذا الباب وتكلم الناس فيه كثيراً وقد أحكم فيه قدامة بن جعفر الكاتب كتاباً حسناً، وبلغنا حين تأليفنا هذا أن صديقنا أحمد بن عبد الملك بن شهيد ألف في ذلك كتاباً. وهو من المتمكنين من علم البلاغة الأقوياء جداً. ود كتب إلينا يخبرنا بذلك إلا أننا لم نر الكتاب بعد. فغنينا بالكتب التي ذكرنا عن الإيغال في الكلام في هذا الشان، ولكنا نتكلم بإيجاز جامع " (٢) .
تعريف البلاغة
وتعريف ابن حزم للبلاغة لا يخلو من طرافة إذ يقول: " البلاغة ما فهمه العامي كفهم الخاصي، وكان بلفظ يتنبه له العامي لأنه لا عهد له بمثل نظمه ومعناه. واستوعب المراد كله، ولم يزد فيه ما ليس منه، ولا حذف ما يحتاج من ذلك المطلوب شيئاً، وقرب على المخاطب به فهمه، لوضوحه وتقريبه ما بعد، وكثر من المعاني وسهل عليه حفظه لقصره وسهولة ألفاظه " (٣) .
стр. 470
مراتب البلاغة أربع
وينص ابن حزم على الحاجة إلى الطبع والتوسع في العلوم لمن شاء إحراز البلاغة؛ ويضع للبلاغة أربع مراتب:
(١) بلاغة تتكون من الألفاظ المألوفة عند العامة، كبلاغة الجاحظ.
(٢) بلاغة تتكون من الألفاظ غير المألوفة عند العامة كبلاغة الحسن البصري وسهل بن هارون.
(٣) بلاغة تتركب من المرتبة الأولى والثانية كبلاغة ابن المقفع (وربما تركبت من بلاغة الخطب ممتزجة ببلاغة الرسائل كما فعل ابن دراج) .
(٤) بلاغة عادية - (لعلها النثر العادي الذي يراد به الإفهام وحسب) .
أقسام الشعر
وقد تعودنا قسمة الشعر في نوعين مطبوع ومصنوع ولكن ابن حزم جعله أقساماً ثلاثة، فزاد على الاثنين السابقين: شعر البراعة.
(١) فالصناعة هي الجمع بين الاستعارة والتحليق على المعاني. (كشعر زهير وأبي تمام) .
(٢) والطبع ما أشبه المنثور في تأليفه وسهولته ولم يقع فيه تكلف (كشعر جرير وأبي نواس) .
(٣) والبراعة هي التصرف في المعاني الدقيقة البعيدة والإكثار مما لا عهد للناس بالقول فيه وإصابة التشبيه وتحسين المعنى اللطيف (كشعر امرئ القيس وابن الرومي) .
وقد تتركب هذه الأنواع فيخرج منها أقسام جديدة.
стр. 471
أحسن الشعر أكذبه
وابن حزم يأخذ برأي من يقولك أحسن الشعر أكذبه، ولذلك فهو مبني على الإغراق. فإذا أخذ الشاعر في الصدق فقال " الليل ليل والنهار نهار " أصبح محطاً للهزء والسخرية؛ وهذا الإغراق تصدقه الآية القرآنية في الشعراء. ولذلك نهى النبي عن الإكثار منه إلا ما خرج عن حد الشعر، فكان مواعظ وحكماً ومدحاً للنبي ﷺ (١) .
المواعظ والحكم والنبويات خارجة عن حد الشعر
فابن حزم يعتقد ان المواعظ والحكم والمدائح النبوية خارجة عن حد الشعر لأنها تقوم على الصدق، بينا الشعر يقوم على الكذب.
استبعاد الشعر في المنهج التربوي
ولهذا فإنه حين اتخذ مدخله إلى الشعر تربية الشبان تربية خلقية، نهى عن كل نوع من الشعر، ولم يبق إلا المواعظ والحكم وما فيه ذكر الخير: نهى عن الأغزال والرقيق لأنها تحث على الصبابة وتدعو إلى الفتنة وتحض على الفتوة وتصرف النفس إلى الخلاعة واللذات وتسهل الانهماك في الشطارة والفسق؛ ونهى عن الأشعار المقولة في التصعلك وذكر الحروب لأنها تثير النفوس وتهيج الطبيعة وتسهل على المرء موارد التلف في غير حق وقد تؤدي إلى هلاك النفس وخسران الآخرة؛ ونهى عن أشعار التغرب وصفات المفاوز والبيد لأنها تسهل التحول والتغرب؛ ونهى عن الهجاء فهو أفسد أنواع الشعر لأنه يهون على المرء كونه في حالة السفلة. أما المدح والرثاء فهما من المباح المكروه، من المباح لأنه قد تذكر فيهما الفضائل ويتم التذكير بالموت، ومن المكروه لان الكذب يلفهما بردائه، ولا خير في الكذب (٢) .
стр. 472
وقد عاد ابن حزم إلى شيء من هذا الموقف نفسه عندما سأله بعض تلامذته عن القدر الصالح للمرء من العلوم، فحين تحدث عن الشعر قال: وأما علم الشعر فإنه على ثلاثة أقسام: أحدها أن لا يكون للإنسان علم غيره فهذا حرام. يبين ذلك قوله ﵇ " لان يملأ - أو يمتلئ - جوف أحدكم قبحاً حتى يريه خير له من ان يمتلئ شعراً "؛ والثاني الاستكثار منه، فلسنا حبه وليس بحرام، ولا يأثم المستكثر منه إذا ضرب في علم دينه بنصيب. ولكن الاشتغال بغيره أفضل. والثالث: الأخذ منه بنصيب فهذا نحبه ونحض عليه لان النبي ﵇ قد استنشد الشعر، وانشد حسان على منبره ﵇، وقال ﵇، " عن من الشعر لحكماً "، وفيه عون على الاستشهاد في النحو واللغة، فهذا المقدار هو الذي يجب الاقتصار عليه من رواية الشعر، وفي هذا كفاية وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما من قال الشعر في الحكمة والزهد فقد أحسن وأجر، وأما من قال معاتباً لصديقه ومراسلاً له وراثياً من مات من إخوانه بما ليس باطلاً ومادحاً لمن استحق الحمد بالحق فليس بآثم ولا يكره ذلك، وأما من قال هاجياً لمسلم ومادحاً بالكذب ومشبباً بحرم المسلمين فهو فاسق، وقد بين الله هذا كله بقوله " والشعراء يتبعهم الغاوون " (١) (الشعراء: ٢٢٤) . وهنا يتجلى لنا ابن حزم الذي يقر الشعر ما دام يحث على الفضيلة، وينكره ما دام مبايناً للقواعد الدينية والخلقية. ترى هل نعد ابن حزم ناقداً في هذا الموقف؟ إنه أقرب إلى المصلح الاجتماعي ذي النزعة الأفلاطونية، الذي يتحدث عن الفرد الصالح في المجتمع؛ ولله أن يكون قد تأثر بمسكويه أو بأفلاطون مباشرة فطرد اكثر ضروب الشعر من منهجه التعليمي. عن الهجوم على الشعر من حيث أثره السيئ في نفسية الأفراد والجماعات، سيظل دائماً ملاذ المتبررين، ولكنا لا نجد في تاريخ النقد الأدبي عند العرب موقفاً واضحاً من هذه القضية وضوح موقف ابن حزم وصراحته وتناوله المشكلة
стр. 473
بالتفصيل؛ ولقد رأينا النقاد المشارقة يفصلون في النظر بين الشعر والأخلاق، حتى إذا جاءوا إلى التطبيق تملكتهم المقاييس الخلقية وتحكمت في أذواقهم واحكامهم، وما ذلك إلا لأنهم اتخذوا الفصل بين الأمرين حجة للدفاع عن هذا الشاعر أو ذاك، فإذا انتهى الموقف الدفاعي، لم يعد الفصل ممكناً أو ضرورياً.
ابن حزم وفكرة الإعجاز
وقد أخبرنا ابن حزم أن صديقه ابن شهيد كان أثناء تأليفه لكتاب التقريب يكتب كتاباً في البلاغة، لم يره ابن حزم ولم تشر إليه المصادر ولم يصلنا؛ كذلك فغن ابن حزم نفسه كتب رسالة في إعجاز القرآن، ثم ضمها - أو بعضها - إلى كتابه " الفصل في الملل والنحل " (١) ، إلا أن اعتقاد ابن حزم بان الله حال بين العرب وبين معارضة القرآن (وهو رأي النظام بالصرفة) لم يجعل لهذه الرسالة قيمة من الزاوية النقدية؛ وبينا نجد ابن حزم يوافق القائلين بان القرآن معجز بنظمه وبما فيه من إخبار بالغيب، نجده يرد بشدة على من يقول إن إعجاز القرآن إنما هو لكونه في أعلى درج البلاغة " لأن هذا يكون في كل من كان في أعلى طبقة) (٢) ؛ ويعتقد ابن حزم أن لآية مثل " وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وأتينا داود زبورا " لا يمكن أن تكون في أعلى درجات البلاغة لأنه ليس فيها إلا عد الأسماء، ويقول: " فلو كان إعجاز القرآن لأنه في أعلى درج البلاغة لكان بمنزلة كلام الحسن البصري
стр. 474
وسهل بن هارون وشعر امرئ القيس، ومعاذ الله من هذا لان كل من يسبق في طبقته لم يؤمن أن يأتي من يماثله، ضرورة " (١) ؛ وإنما ينفي ابن حزم أن يكون القرآن في أعلى درجات البلاغة في كلام المخلوقين، لأنه يعتقد انه ليس من جنس كلام المخلوقين، لا من أعلاه ولا من أدناه ولا من أوسطه، ومن ثم بطلت المقايسة - حتى في درجات الجودة - بين القرآن وبلاغة المخلوقين.
стр. 475
النقد الأدبي في القرنين السادس والسابع
стр. 476
النقد في الأندلس
في القرنين السادس والسابع
شيوع المؤلفات الأدبية القائمة على أساس جغرافي
قد رأينا أول التفاتة عارضة إلى الأثر الإقليمي في الأدب إنما وردت عند الثعالبي في اليتيمة، ثم توضحت وأصبحت موضع تساؤل عند كل من عبد الكريم النهشلي وابن رشيق؛ ولا بد ان يكون الموقف الدفاعي عند أدباء الأندلس قد غذى ذلك الاتجاه وساعد على تبلوره في النفوس؛ فوجد الإحساس العميق بالتاريخ الأدبي لكل إقليم على حدة، وأصبحت العناية بالمعاصرين لدى مؤرخي الأدب في المشرق والمغرب ظاهرة كبيرة؛ وسلك المؤرخون للأدب في تواليفهم إحدى طريقين: فإما ساروا على طريقة الثعالبي في تأليف موسوعي يضم اشهر شعراء كل إقليم وأدبائه كما فعل العماد الأصفهاني في الخريدة، وابن سعيد في كتابه المغرب والمشرق، وإما اقتصروا على شعراء إقليم واحد، كما هي الحال في " الجنان " لابن الزبير وهو في شعراء مصر، و " زاد المسافر " لصفوان بن إدريس في معاصريه من الأندلسيين و " تحفة القادم " لابن الابار في شعراء الأندلس بعد فترة صفوان، إلى أشباه هذه المؤلفات - وهي كثيرة العدد - خلال القرنين السادس والسابع. ولكن القاعدة النقدية في هذه الكتب ضعيفة، فهي لا تتجاوز القسمة الجغرافية إلا إلى شيء من التعليقات السريعة؛ فأما أن يدرس العماد الأصفهاني أو صفوان بن إدريس بين النقاد فذلك ما لا يحقق شيئاً واضحاً في تاريخ النقد سوى المسئولية التي قد يتحملها هؤلاء المؤرخون للأدب في إثبات ما أثبتوه
стр. 477
ورفض ما رفضوه، ومدى تأثيرهم في توجيه الذوق المعاصر حينئذ أو في توجههم بقوة ذلك الذوق.
فترة الخوف من الضياع
وقد نسمي هذين العصرين في تاريخ الأدب المشرقي والمغربي فترة الخوف من الضياع، إذا تذكرنا الحروب الصليبية في المشرق، وسقوط كثير من المدن الأندلسية واحدة إثر أخرى في القرن السابع، ثم الموجة المغولية التي ظلت تتدحرج في طريقها حتى أبواب سيناء؛ وفي فترات الخوف من الضياع يكثر التسجيل والتقييد ويقل النقد أو يضعف صوته، وتخمد المعارك الأدبية لالتهاء الناس بمعارك تحدد البقاء أو الفناء. فإذا حدث أن ثارت النزعة الإقليمية في قطر ما واستدعت الجدل والمماحكة ضد نزعة أخرى كان اكبر جهد للنقد إبراز المفاخر، وعلاء شان الحسنات.
أثر الخوف من الضياع في كل من الشعر والنقد
ونجم عن الخوف من الضياع ظواهر أخرى في طبيعة الشعر نفسه: منها الميل إلى الإطالة في مبنى القصيدة والإكثار من الشعر؛ وهذا يقد يفسر باسم الرغبة نفسها في التخليد والبقاء، ولكن له في نظري معنى آخر: وذلك أن شقة البعد بين الشاعر وحماة الشعر ورعاته قد زادت، فأصبح الشاعر يتلذذ من ناحية ويملأ وقت فراغه من ناحية أخرى بمطولات شعرية، وهو يعرف ما قاله ابن رشيق من قبل بان المطولات أكثر إثارة للهيبة في النفوس؛ وكانت التفننات البلاغية التي تكاثرت على مر الزمن قد جعلت تسوق القصيدة في طريقها، بدلاً من أن يظل الشاعر هو الذي يتحكم في بناء قصيدته، فكم من أبيات لم تأت إلا لأن الجناس قد خلقها ومثلها أمام عيني الشاعر جميلة، وزاد القصيدة طولاً انحلال صفة الجزالة، وعجز الشاعر تحت وطأة التلاعب أن يوفر لأبياته الاكتناز والامتلاء؛ أقول هذا في الجملة وأنا أعلم أن استثناءات قد تقع هنا وهناك. وزاد من صفة الجزالة ذوباناً انتشار التصوف ومحاولة الشعر أن يعبر عنه وعن تجارب
стр. 478
أصحابه، والشعر الصوفي يمثل استسلام الكلمة لمدلولات جديدة، واتجاه التركيب إلى عدم الدقة لأن التأويل فيه ممكن ميسور، والانسياق المسترسل في المبنى دون حدود صارمة، والحاجة إلى النغمة العذبة، لأن كثيراً من ذلك الشعر كان يغنى في الحلقات.
كساد الشعر في الجملة
وقد كان الشعراء كثيراً ما يذكرون في العصور السابقة " حرفة الأدب "، ويعدون أنفسهم محارفين محدودين؛ وفي القرن الخامس تحدث ابن رشيق عن التكسب بالشعر حديثاً يتصل بعصره؛ ولكن الظاهرة في هذين القرنين تجعل للكساد الذي يشكوه الشعراء معنى فنياً إلى جانب المعنى الاجتماعي؛ ولسنا نقلل من أثر المعنى الثاني فإنه يتصل بصميم الأوضاع الاقتصادية التي واجهها الشعراء على مر الزمن، ولكن يبدو ان وراء هذا العامل عاملاً آخر هو ضعف أثر الشعر في النفوس، وشعور الشاعر بالهزيمة إذا قاس نفسه إلى غيره من المثقفين: وهذا الإعلان بالكساد نسمعه من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، فعنه عبر أبو إسحاق الغزي (- ٥٢٤) (١) حين قال:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشتري ... ويخان فيه مع الكساد ويشرق وعنه عبر الأعمى التطيلي (- ٢٥٢) وشاح الأندلس بقوله يصور سيادة الفقه واندحار الشعر:
أيا رحمتا للشعر أقوت ربوعه ... على انه للمكرمات مناسك
وللشعراء اليوم ثلث عروشهم ... فلا الفخر مختال ولا العز تامك
فيا دولة الضيم اجملي أو تجاهلي ... فقد أصبحت تلك العرى والعرائك
ويا " قام زيد " اعرضي أو تعارضي ... فقد حال من دون المنى " قال مالك "
стр. 479
الانصراف الجماهيري نحو الأشعار العامية وزيادة آمة الشعر الفصيح
فإذا كان هذا حال الشعر بسبب الخوف من الضياع وضعف الصلة بين الشاعر والممدوحين، فإن مما يزيد حاله وهناً اكتفاء الجماهير في المشرق والمغرب بشعرها العامي - اعني بألوان الزجل التي وجدت فيها غذاءها الطبيعي، وبهذا يتضح ان أزمة الشعر ازدادت عما رأينا في القرن الخامس؛ وزاد من وضوحها عدم ظهور الشاعر الذي ينتهج مذهباً يثير من حوله حركة نقدية، فكانت حال الشعر سبباً في ضعف النقد عامة. نعم وجد الوشاح الكبير الذي يستطيع أن يمد برزخاً فوق الهوة القائمة بين طبقات المثقفين وجماهير الشعب، ولكن هذا الوشاح لم يستطع أن يستثير حوله مدرسة نقدية معارضة، لأن الناس استقبلوا الخفة الغنائية في مبتكراته وهم بحاجة إليها - دون ثورة امتعاض أو مغالاة في إعجاب.
الاهتمام بالمصطلح البلاغي الشكلي واعتباره نقداً
وكان الانحراف نحو الشكل قد وصل إلى النتيجة الحتمية وهي الاهتمام في الشعر بالشئون البلاغية التي كانت تسير من قبل في معونة الحركة النقدية، فلما ضعف النقد، انفصلت عنه البلاغة واستقلت واستأثرت بالاهتمام الكلي، وأصبحت جهود أصحابها مقصورة على التفنن في التقسيم والتفريع؛ وتجولت كلمة " نقد " عن معناها الأصلي، فإذا قرأت عنوان كتاب لأسامة ابن منقذ " البديع في نقد الشعر " فقدر أنه تحديد لمصطلحات البديع ليس غير، وانه لا يتعلق من النقد بسبب قوي، وكان ذلك أشد وضوحاً في المشرق، فأنت إذا استثنيت بلاغياً مترسلاً كابن الأثير كانت شخصيته نفسها ذات أثر في تكوين بعض المفهومات النقدية، وجدت أن أكثر جهود المشارقة اتجهت نحو البلاغة؛ وصادف ذلك اشتداد الذوق الفارسي على أثر اليقظة على الشعر الفارسي نفسه، فكان أن وجد ذلك الذوق طلبته الكبرى في مصطلح البديع، وحين تقرأ كتباً مثل ترجمان البلاغة
стр. 480
ودقائق السحر للرشيد الوطواط (- ٥٧٣) تجد ان مفهوم النقد الأدبي لم يعد كما كان عند أبن طباطبا وقدامة والآمدي والجرجاني.
دور الأندلس وتقاعسها عن أداء دورها
ولذلك اضطلعت الأندلس بكثير من مهمة النقد في هذين القرنين؛ مثلما اضطلعت بتطوير فني الموشح والزجل اللذين كانا يتطلبان مقاييس نقدية جديدة ملائمة. ولكن الأندلس لم تكن تعي أنها مهيأة لدور خطير في النقد: نعم إن محاولات ابن بسام وابن خفاجة وابن سعيد وصالح بن شريف الرندي قد تدخل في سياق نقدي، وقد تكون عودة كل من ابن رشد وحازم القرطاجني إلى " كتاب الشعر " عودة إلى منبع أصيل، ولكن الأندلس كانت تعاني احساسات الخوف من الضياع ثم الضياع المحقق، فلما جاء دورها في النقد الأدبي، وجدت اكثر زادها في عمدة ابن رشيق (١) ، وربما قلنا إنها لم تسطع أن تضع المقاييس النقدية التي يتطلبها منها كل من الموشح والزجل، وفات العهد الذي كان يمكنها من الالتفات إلى المشكلات الكبرى.
فإذا تجاوزنا الأندلس لم نجد حيوية نقدية نسبية إلا في مصر. وهي متأثرة بالأدب الأندلسي مثلما هي متأثرة بالتيار البلاغي المشرقي.
ابن خفاجة ومثله الشعرية العليا
وابن خفاجة (- ٥٣٣) شاعر الطبيعة أول من يطالعنا من نقاد الأندلس في القرن السادس؛ وهو يمثل الشاعر الذي وجد طريقته أول الأمر في مثل شعر الرضي ومهيار وعبد المحسن الصوري، ثم ألمت به في الحياة فترة من الانقطاع عن قول الشعر، استمرت حتى دخول المرابطين إلى الأندلس وقدوم الأمير أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أميراً على
стр. 481
المنطقة الشرقية؛ فعندئذ استأنف قول الشعر؛ غير انه حريص على أن يؤكد انه ظل يقوله متعففاً به عن التكسب، كما كان شأنه في عصر الشباب: " فعطفت هنالك على نظم القوافي عناني؟. مطنعاً لا منتجعاً ومستميلاً لا مستنيلاً، اكتفاء بما في يدي من عطايا منان، وعوارف جواد وهاب " (١) .
الشعر مركب ذو طول ولابد أن يعتوره لذلك القوة والضعف
وتبدو قيمة المقدمة التي كتبها ابن خفاجة على ديوانه في أنه تحدث فيها عن جوانب من تجربته الفنية، فهو يعتقد ان الشعر لا يمكن ان يجيء كله مستوي الجودة وغنما ينقسم إلى طرفين ووسط، وفي الطرف الثاني تكل الأذهان وتقل المادة من لفظ وقافية (٢) ؛ ثم إن الشعر يلحق بالأشياء المركبة لأنه يتألف من معنى ولفظ ووزن وروي؛ وكل تركيب فلابد أن يصيب بعض أجزائه اضطراب إذ قد يتعسر إيراد شيء من هذه الأربعة يكون انسجاماً كاملاً مطلقاً، ولذلك تجد التفاوت في الأبيات فبعضها منظومة أي متسقة وبعضها منثورة أي ضعيفة الإيقاع (٣) .
التخييل يساوي الكذب وليس عيباً. مطلب الجوالة عسير لأنه لا يصلح لكل فنون الشعر
وابن خفاجة في ضيق من النقاد الذين يؤاخذون الشاعر بكل ما يقوله، ويحاسبونه من خلال القول على فعله، وهؤلاء في رأيه يغفلون عن طبيعة الشعر الذي يقصد فيه التخييل وليس القصد فيه الصدق ولا يعاب فيه الكذب (٤) . وهو يقسم النقاد إلى فئات: فمنهم من ينتقد نقداً صحيحاً معتمداً على الفهم ومنهم من يحكم خبثه ومنهم من يقصر به ضعف بصيرته. وهذان الأخيران (الخبثاء وضعفاء البصيرة) قد حجروا واسعاً، واقتصروا في مقاييسهم النقدية على مقياس
стр. 482
واحد هو " الجزالة " سواء أكان الموضوع مدحاً أو تغزلاً. جداً أو هزلاً، مع ان فناً كالغزل إنما تصلح له الرقة التي يمثلها شعر عبد المحسن الصوري والرضي ومهيار، أو ان يكون في طريقة أبي الطيب الذي يلف الغزل بالحماسة (١) .
ولا ندري إلى أي النقاد يشير ابن خفاجة حين يقول ان بعضهم اتخذ الجزالة مقياساً لكل شيء، ولعله إنما يتحدث عن بعض معاصريه ممن كان يتعقب شعره بالنقد؛ إذ لا نجد بين من تحدثنا عنهم من نقاد الأندلس من اقتصر على الجزالة وتطلبها في كل موقف؛ ولكن هذا الخبر هام لانه على ان الصراع بين طريقة العرب (وهي تقوم على الجزالة) وطريقة المحدثين (وقد تطورت حتى أصبحت محاكاة لشعر عبد المحسن والشريف ومهيار) كان ما يزال قائماً في القرن السادس.
لماذا لجأ ابن خفاجة إلى مصطلح " التخييل "
كذلك فإن لفظة " التخييل " التي استعملها ابن خفاجة إنما صدرت عن دوائر النقد المتصل بالفلسفة أو المتأثر بها فرأيناها عند الفارابي وابن سينا وعبد القاهر؛ وقد قرنها الشاعر بفكرة الكذب، وحدد هذا الكذب بالخلف بين القول والفعل، ولم يلمح أن فكرة الكذب كانت تتصل عند بعض النقاد (قدامة مثلاً) بالغلو، وهو قد يكون في الصورة أو في الوصف ولا يكون الكذب قاصراً على الفعل وحده، وإنما لجأ غليها الشاعر ليرد على الاتجاه الأخلاقي الذي كان يؤاخذ الشاعر بقوله في شعره " إني فعلت " و " إني صنعت "، إصراراً على ان الشعر بذلك يصور واقع الحياة.
стр. 483
الاشتركويي ومقاماته اللرومية
واتخذ محمد بن عبد الله بن يوسف الاشتركويي (- ٥٣٨) (١) صاحب " المقامات اللزومية " في مقامتين من مقاماته، الشكل الذي جرى عليه ابن شرف من قبل في " رسائل الانتقاد " إلا أن السرقسطي لم يتصد لنقد الاندلسيين، وكان اقل احتفالاً من ابن شرف بالتحليل وذكر العيوب واستقصائها ولا يتعدى ما يورده في المقامة أبرز ما عرف عن الشاعر، أو ما قاله حوله النقاد الأقدمون من أحكام مجملة. فالفرزدق " بنحت من صخر " وجرير " يعرف من بحر " وذو الرمة ماهر في الوصف مقصر في المدح والهجاء: " إذا وصف المنازل والمراحل والظعائن والرواحل، والأوانس والحبائب، والسباسب والركائب، والأحياء والحلال، والافياء والظلال، وطرحته الطوارح، وتعرضته السوانح والبوارح، ثم شبب بمي ونسب، فقد كفى وأحسب، فخذه وصافاً وصداحاً، ولا ترده هجاء ولا مداحاً " (٢) ؛ وتعد وقفته عند ذي الرمة من الوقفات الطويلة في مقامته وإن كان من الممكن إيجاز حكمه في كلمات، وإذا حكمنا بطول الجمل المسجوعة على مدى اهتمامه بالشاعر وجدنا انه أطال الوقوف نسبياً عند عمر بن أبي ربيعة (٢٦ سجعة) وجميل (١٦ سجعة) وكثير (١٠ سجعات) وهؤلاء هم شعراء غزلون، وذو الرمة أحدهم؛ ولا يداني هؤلاء عدداً إلا أبو فراس (٢١ سجعة) وقد يتضح من هذه المقارنة مدى اتساع القول لديه في من يؤثرهم من الشعراء إذا تذكرنا أن أبا نواس لم يفز منه إلا بثماني سجعات؛ غير انه لا يزال يعد الفحولة مقياساً هاماً، ولهذا يعيب عمر ابن أبي ربيعة بأنه " قصر عن مدى الفحول " ولكنه حط كثيراً على بشار " حرم فصاحة الأعراب ولم يفطر على الإعراب " ومزج المدح بالذم حين ذكر أبا تمام " بئس ما أفصح عن المعاني وعبر " وحين ذكر ابن الرومي
стр. 484
" كثيراً ما أقول هو الشاعر ثم أرى أنه الصادح الناعر؟ حاطب ليل وزاعب سيل "؛ وقد ختم حديثه عن الشعراء بمهيار الديلمي. وكانت مقامته مقصورة على تقييم المشارقة حتى عصر مهيار (القرن الخامس) .
عودة مكرورة إلى المفاضلة بين الشعر والنثر
ولما عقد مفاضلة بين الشعر والنثر في المقامة الخمسين، لم يقل شيئاً يستحق أن نتوقف عنده، وغنما كان قوله ترديداً للعموميات التي جاء بها من سبقوه.
إن هاتين المقامتين اللتين اتخذتا النقد موضوعاً لهما، زادتا من يقيننا بان شكل المقامة لم يكن صالحاً للنقد، لا لأنها موجزة وحسب. بل لأن بناءها على السجع كان يزيد في صدرها ضيقاً عن الخروج بآراء دقيقة؛ وبهذا تكون المقامة - فيما عدا استثناءات يسيرة - ارتداداً عن النقد التحليلي وعودة إلى النشاط النقدي الذي كان سائداً في النقد العربي قبل مطلع القرن الثالث.
ابن بسام الشنتريني والعودة إلى ابن حزم
ولعل ابن بسام الشنتريني (- ٥٤٢) صاحب " الذخيرة " هو أكثر النقاد بالأندلس - في القرن السادس - احتفالاً بقواعد النقد وتطبيقها. وهذا ما نلمحه في الأساس النقدي الذي يقوم عليه كتاب الذخيرة، لأن ابن بسام لم يكتب في النقد الأدبي شيئاً مستقلاً. ويمكن ان نقول إن مذهب ابن بسام في النقد يقوم على ركيزتين كلتاهما تتصل بابي محمد ابن حزم: إحداهما ركيزة الدفاع عن تراث الأندلس الأدبي عامة. والثانية: النظرة الأخلاقية في الحكم على بعض الفنون الشعرية؛ وقد شفع ابن بسام هذه الفلسفة بمواقف تطبيقية تناول فيها بعض الشئون الأدبية وخاصة قضية السرقة.
стр. 485
الموقف الدفاعي
ولقد كانت الغاية الأولى من تأليف " الذخيرة " هي جذب الأندلسيين إلى تخليد تراثهم والاعتزاز به، ولهذا ندد بهم ابن بسام في مقدمته لأنهم يهملون ما لديهم من أدب ويقبلون بالتقليد على أدب المشارقة، ويكبرون كل شيء ورد من جهة المشرق: " إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنماً، وتلوا ذلك كتاباً محكماً. وأخبارهم الباهرة وأشعارهم السائرة مرمى القضية ومناخ الرذية، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثماداً مضمحلة " (١) ؛ غير أن ابن بسام - رغم هذه الحماسة لوطنه وما فيه من شعر ونثر - كان من أكثر الناس التفاتاً إلى المشرق، فهو يبني كتابه أولاً وفي ذهنه نموذج اليتيمة للثعالبي، وهو إذا وقف عند كثير من أشعار أهل بلده لم يقف عندها إلا ليبين كيف أن معانيها مأخوذة من أشعار المشارقة. وقد يغتفر هذا الموقف لديه، لأنه كان يريد ان يظهر مبلغ ثقافته، ويربط بين الشعر المشرقي والمغربي على وجه من الدراسة المقبولة في عصره (دراسة السرقة والأخذ) ولكنه لا يعذر في أمر آخر وهو تصديه لتخليد الشعر دون إيمان عميق به، ولا ندري لماذا شاء ان يعلن عن هذه الناحية: أكان حقاً لا يؤمن بالشعر أم كان يداري نظرة سائدة في زمانه إلى الشعر حين قال: " جدة تمويه وتخيل، وهزله تدليه وتضليل، وحقائق العلوم أولى بنا من أباطيل المنثور والمنظوم " (٢) .
стр. 486
الوقفة إلى جانب الأخلاق
أما وقفته إلى جانب الدعوة الأخلاقية التي صرح بها ابن حزم فإنها تتجلى في تجافيه عن فن الهجاء " ولما وصنت كتابي هذا عن شين الهجاء وأكبرته أن يكون ميداناً للسفهاء أجريت هاهنا طرفاً من ملح التعريض ". والهجاء عنده قسمان: هجو الاشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سباباً مقذعاً، ولا هجراً مستبشعاً، والسباب الذي أمعن فيه جرير ومن حذا حذوه. ولهذا اقتصر ابن بسام على إيراد نماذج من النوع الأول؛ ذلك هو ما قرره ابن بسام من حيث المبدأ. ولكن الأمر لم يكن كذلك دائماً لأنه كثيراً ما تورط في إيراد حكايات وأشعار هجائية متصلة بها؛ وربما كان ابن بسام خاضعاً للوازع الأخلاقي الديني في رفضه للهجاء، غير أنا يجب أن نضيف إلى هذا العامل عاملاً اجتماعياً، فقد كان ابن بسام يؤرخ العلاقات بين الأحياء - في الغالب - ولذلك كان حريصاً على ان ينفي من كتابه ما قد يؤذي مشاعرهم رعاية للعلاقات الاجتماعية.
نقمة على الفلسفة والإلحاد
غير أن هذا لا يضعف ما قررناه سابقاً وهو أن العامل الأخلاقي الديني كان قوياً في توجيه النقد لدى ابن بسام، وذلك يتجلى في نفوره من التفلسف في الشعر، ومن إيراد المعاني الإلحادية فيه؛ أورد قصيدة للسميسر يقول فيها:
يا ليتنا لم نك من آدم ... أورطنا في شبه الأسر
عن كان قد أخرجه ذنبه ... فما لنا نشرك في الأمر فحمل عليه بشدة قائلاً: " والسميسر في هذا الكلام ممن اخذ الغلو بالتقليد، ونادى الحكمة من مكان بعيد، صرح عن ضيق بصيرته، ونشر مطوي سريرته، في غير معنى بديع، ولا لفظ مطبوع، ولعله أراد أن يتبع أبا العلاء، فيما كان ينظمه من سخيف الآراء، وهبه ساواه في قصر باعه
стр. 487
وضيق ذراعه، أين هو من حسن إبداعه ولطف اختراعه " (١) .
وأورد أبياتاً فلسفية لأبي عامر ابن نوار الشنتريني، يقول فيها:
يا لقومي دفنوني ومضوا ... وبنوا في الطين فوقي ما بنوا
ليت شعري إذ رأوني ميتاً ... وبكوني أي جزاي بكوا
ما أراهم ندبوا في سوى ... " فرقة التأليف " إن كانوا دروا وعلق عليها بقوله: " وهذا معنى فلسفي قلما عرج عليه عربي، وإنما فزع إليه المحدثون من الشعراء حين ضاق عنهم منهج الصواب، وعدموا رونق كلام الأعراب. فاستراحوا إلى هذا الهذيان استراحة الجبان إلى تنقص أقرانه. واستجادة سيفه وسنانه، وقد قال بعض أهل النقد إنه عيب في الشعر والنثر أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلمة من كلام الأطباء أو بألفاظ الفلاسفة القدماء. وإني لأعجب من أبي الطيب على سعة نفسه وذكاء قبسه، فإنه أطال قرع هذا الباب، والتمرس بهذه الأسباب، وكذلك المعري كثر به انتزاعه. وطال إليه ايضاعه، حتى قال فيه أعداؤه وأشياعه، وحسبك من شر سماعه، وإلى الله مأله، وعليه سؤاله " (٢) .
وخلاصة موقف ابن بسام هنا كراهيته لإدخال الأفكار والألفاظ الفلسفية في الشعر، وإيمانه أن المعاني ضاقت بالمحدثين، فلهذا لجاوا إلى مثل هذه الامور، وخرجوا عن " رونق كلام الأعراب "؛ وهو معجب بابي الطيب وأبي العلاء وخاصة بما يخترعه أبو العلاء، وبسعة النفس لدى أبي الطيب، ولكنه في الوقت نفسه متعجب من إقدامهما على ألفاظ الفلاسفة وأفكارهم،
стр. 488
ويبدو من هذا الموقف ان أبن بسام الناقد النافذ النظر، وابن بسام المتدين في صراع لا يجد له صاحبه حلاً.
الصدق الواقعي مطلب أخلاقي
ابن بسام إذن - رغم سمو ذوقه الأدبي - ناقد محافظ، عن صح التعبير، ولهذه الروح يرفض ان يضمن مؤلفه أي موشح، خضوعاً لما جرت به العادة في المؤلفات المخلدات، وغن كانت الموشحات مطربة إلى حد " أن تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب " (١) ؛ وتمشياً مع هذه الروح ومع حقيقة أندلسية واقعية يمقت الشعر حين يبتعد عن الصدق الواقعي، فإذا سمع أبا بكر الداني يقول لممدوحه ما معناه: إنك تدفع الجزية للروم لأنك تعطيهم نقمة في لبوس نعمة، تعود ضرراً عليهم (٢) ثارت ثائرته لهذه الدعوى الفاجرة، وصرخ احتجاجاً على هذا الزور، ولم يعد لديه حلم الناقد الرحب الصدر: " وهذا مدح غرور وشاهد زور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، وهيهات! بل حلت القاهرة بعد بجماعتهم؟ الخ " (٣) وقد عرض ابن بسام هنا لقضية شائكه، طالما تمرس النقد العربي حولها بمثل قول النقاد: عن الشعر يحسن الباطل ويلبسه ثوب الحق ثم لا يضيره ذلك شيئاً؛ وهذا هو ابن بسام يجد الباطل مزوقاً بتسويغات كاذبة فلا تطاوعه نفسه على السكوت؛ عن الناقد - وإن يكن محافظاً في روحه - يقاس بالإخلاص، وقد كان ابن بسام مخلصاً للحقيقة في وطنه، دون ان يستطيع التمويه الشعري مخادعة نظرة عما يحس. عن هذه الوقفة وحدها من ابن بسام تصحيح لكثير من الأحكام النقدية الخاطئة التي لم تستطع أن تخفي الزيف تحت شعارات " التخييل ".
стр. 489
ثورة على الاستعارات المبتدعة
ومما يؤكد هذه المحافظة ومبدأ الالتزام بالذوق العربي العام الذي يمثله عمود الشعر ثورته على الاستعارات البعيدة لدى بعض شعراء عصره:
" كقول ابن الطلاء: بقراط حسنك لا يرثي على عللي " وقول ابن المصيصي:
إذا كانت جفانك من لجين ... فلا شك فيها ثريد وقد قدح أهل النقد في المتنبي بخروجه في الاستعارة إلى حيز البعد، كقوله:
مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب " (١) حب المألوف من الطريقة الشعرية
وهو ناقد لا ينفك يذكرنا بحيه للمألوف الذي جرت به العادة، ولهذا فإنه يكره الجمع بين التعزية والمدح الكثير للمعزى، " وليس من عادة أئمة الشعراء المقتدى بها الإكثار من مدح المعزي في تأبين حميمه المتوفي، وإنما يلمون به إلماماً بعد التوفر على ندبة ميته والإشباع في ذكر ما فقد من خصاله ثم الكر على تسكين جأشه وحضه على التعزي اتقاء لربه - هذه طريقة قدماء الشعراء " (٢) .
مؤرخ أدبي ناقد في قراءة الشعر وله منهج نقدي
ويستشف من تعليقاته على بعض ما يورده من أشعار انه معجب بالاستعارة الموفقة والعبارة الرشيقة، والإتيان بالتشبيه دون أداة (٣) وهو ماهر في استكشاف الأخذ والسرقة، يدل بذلك على سعة اطلاع، ولهذا فهو محب للتوليد في المعاني (٤) ، وله تعليقات على بعض الأشعار تدل على نفاذ بصر بالنقد، كقوله في التعليق على هذين البيتين:
стр. 490
عليك أبا عبد الله خلعتها ... لها البدر طوق والنجوم غلائل
وما هي إلا الدهر في طول عمرها ... وغن لم يكن فيها الضحى والأصائل " فيا لهذا البيت ما احسن مذهبه، وأبدع مثواه ومنقلبه، إلا انه بالدهر مسلوب الضحى والأصائل، فلم يزد على ان جلاه في زي عاطل، وأبرزه في مسوح شوهاء ثاكل، وليت شعري أي شيء أبقى للدهر المظلوم، بعد ضحاه الناصعة الأديم، وآصاله المعتلة النسيم، هل بقي إلا ليله الأسود الجلباب، وهجيره السائل اللعاب، ولو قال لممدوحه وتلك العلى فيها الضحى والاصائل، لأبرز قصيدته رفاقه البرود، شفافة العقود " (١) . إننا قد نجده تعليقات مثل هذه لدى المتعقبين للشعر بوحي من روح التدقيق، ولكن ابن بسام رغم ذلك يبدو من خير مؤرخي الأدب الذين كان لهم منهج نقدي واضح المعالم، بحيث لا يساميه في هذه المنزلة مرخون كثيرون، إلا أنه كان ابن عصره وقطره: يكره الفلسفة كما كرهتها الاندلس، ويعتقد بان العنصر الأخلاقي ابد ان يكون أساساً في كل نشاط إنساني حتى في الفنون، لان وجوده من علائم التماسك في البيئة الأندلسية، وهو يعيش في عصر يقبل على الزخرف بقدر - في شتى مجالات الحياة - ولذلك نراه يحب البديع في الشعر.
стр. 491
ابن قزمان وقواعد الزجل أول اعتراف نقدي بشعر عامي
وقد استعار ابن قزمان (- ٥٥٥) إمام الزجالين بالأندلس بعض القواعد النقدية التي أجريت على القصيد، فطبقها على الزجل، إما بطريق المقايسة أو القلب: فقد كان يشعر - كما شعر ابن خفاجة - بأن مقياس الجزالة لا يصلح لبعض أنواع الشعر، وهو من ثم أقل صلاحية للزجل؛ وكان من قبله من الزجالين - أو بعضهم في الأقل - ينتحي منحى القوة والمتانة، ومن أشهرهم في ذلك ابن راشد الزجال؛ ولذلك تهكم به بقوله:
زجلك يا ابن راشد قوي متين ... وإن كان هُ للقوة فالحمالين (يعني إن كان مرجع الأمور إلى القوة، فإن الحمالين أقوياء، ولكن هل هذه القوة تعلي من شأنهم؟) ؛ ولذلك دعا ابن قزمان إلى اعتماد الزجل على " انسياب الطبع وسهولة الألفاظ " أي إلى اكتساء الزجل عامة بالرقة. وعاب متقدمي الزجالين بأنهم يأتون بمعان باردة وأغراض شاردة: وأثنى من بينهم على ابن نمارة " فإنه نهج الطريق، وطرق فأحسن التطريق، وجاء بالمعنى المضيء والغرض الشريق: طبع سيال، ومعان لا يصحبه بها جهل الجهال، ويتصرف بأقسامه وقافيه تصرف البازي بخوافيه، ويتخلص من التغزل إلى المديح، بغرض سهل وكلام مليح " (١) . وأكثر ما أعجبه في ابن نمارة طريقته في حكاية التصوير بألفاظ صوتية كقوله " طاق في خدي وبف في القنديل " فلفظة " طاق " صوت القبلة، ولفظة " بف " صوت النفخ لإطفاء الشعلة، وكان ابن قزمان يعني أن هذا اللون من التعبير يجعل الزجل أدق في نقل الحياة الواقعية الشعبية؛ ولكنه أثنى عليه أيضاً لاستخدامه الصور المجسمة من مثل " وجا الليل وامتد مثل القتيل "؛ فدل بذلك على امتيازه في قوة التخيل.
стр. 492
ولما رأى ابن قزمان أن اللحن عيب مستبشع في القصيد عكس القاعدة، فذهب إلى ان الأعراب يشين الزجل. ولذلك افتخر بأنه جعل ديوانه خالياً من الأعراب: " وعريته من الأعراب؟ تجريد السيف عن القراب " وقال: " والأعراب هو أقبح ما يكون في الزجل وأثقل من إقبال الأجل " (١) وقال أيضاً: " ليس اللحن في الكلام المعرب المقيد أو الموضح بأقبح من الأعراب في الزجل " (٢) . وعلى الجملة نستطيع ان نقول إن إحكام ابن قزمان النقدية مستمدة من طريقته، فإذا اعتبرنا أن ابن قزمان أصبح إمام الزجالين في المشرق والمغرب من بعد عرفنا أن أحكامه هذه أصبحت قاعدة عامة، وهو يعتقد لنه بطريقته قد حقق للزجل أن يكون " قريباً بعيداً وبلدياً غريباً، وصعباً هيناً وغامضاً بينا، إذا سمع السامع سباطة أقسامه ومصارعه، همت فترة ان تكون بمشارعه " فإذا حاول أحد أن يحاكيه وجده لا يدرك ولا يلحق وهذه ترجمة لما سماه النقاد في الشعر باسم " السهل الممتنع ".
ابن عبد الغفور ونشاطه النقدي
ويمثل أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي وعياً نقدياً بارزاً بين أقرانه لتوفره على التأليف في النقد، فمن كتبه المتصلة بهذا الموضوع كتاب " ثمرة الأدب " وكتاب (الانتصار لأبي الطيب " ورسالته في " إحكام صنعة الكلام "، وهي التي وصلتنا من مؤلفاته؛ وتدل جهود ابن عبد الغفور على أن أبا الطيب وأبا العلاء قد أصبحا مناط أحلام المنادين بمبدأ الجزالة، وان أبا العلاء في مؤلفاته النثرية " لا يضاهي فيها ولا يجازى، ولا يعارض في واحد منها ولا يباري " (٣) ، وأن النقاد قد حكموا بأنه لم يكن في صنعة النظم والنثر مثله لا قبله ولا بعده، إلا ما كان من أبي الطيب في الشعر وحده " (٤)
стр. 493
أبو الطيب يجد نصيراً في الأندلس
وعنوان كتاب " الانتصار " يدل على إن المؤلف وقف فيه موقف الدفاع عن أبي الطيب ويؤخذ من إشاراته إليه انه تحدث فيه كيف كان أبو الطيب ينحو في غزل قصائده إلى غرض مقاصده (١) ، فيوحد بذلك بين موضوع القصيدة وفاتحتها؛ وإنه دافع عنه فيما تعقبه فيه النقاد من مثل قوله:
بليت بلى الإطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه (٢) واتصل حديثه بالكشف عن بعض عيوب أبي تمام، وبإيراد أخبار سيف الدولة، ومن المحقق انه اطلع على شرح ابن جني وما حوته يتيمة الدهر للثعالبي، ولكنا نقدر انه استخدم مصادر أخرى، وبعضها أندلسي؛ وهو يرد على ابن شهيد الذي أشار في " حانوت عطار " إلى أن الاكتفاء بما لا يتجاوز الأربعين بيتاً في القصيدة يعد ضيق عطن، ودافع عن ابي تمام والجعفي (المتنبي) وذهب إلى أن الطول مملول، مخالفاً في ذلك ما تقدم منقول لابن رشيق (٣) .
إحكام صنعة الكلام وابتكار مصطلح جديد
وأما رسالة " إحكام صنعة الكالم " فإنها تتناول النثر بالقواعد والأمثلة، فبعد مقدمات قسم الرسالة في بابين: الباب الأول في الكتابة وآدابها، والباب الثاني في ضروب الكلام وهي: الترسيل والتوقيع والخطبة والحكم والأمثال والمقامة والحكاية والتوثيق والتأليف (وقد أدرج مع هذه التي تعد أنواعاً على الحقيقة فصلاً في المورى والمعمى) ثم انصرف إلى الأسلوب نفسه فاختار السجع وقسمه إلى المنقاد والمستجلب والمضارع والمشكل. ومن هذه
стр. 494
القسمة يتجلى لنا أن وقفة ابن عبد الغفور عند أنواع النثر تعد هامة في تاريخ النثر العربي، لأنه استطاع من موقفه في الزمان أن يحدد الأنواع بدقة ووضوح، وأن ينصرف عن التحدث في أنواع البديع لان غيره قد أشبعها بحثاً؛ وانصرف هو إلى ابتكار مصطلح جديد لضروب النثر: فالترسيل في نظره أقسام منها:
(١) العاطل: لقلة تحيته بالأسجاع والفواصل، وهو أصل النثر، إذ التجمل بكثرة السجع طارئ.
(٢) الحالي: وهو ما حلي بحسن العبارة ولطف الإشارة وبدائع التمثيل والاستعارة وزادت العناية فيه بالسجع دون غلبة لهذا السجع عليه.
(٣) المصنوع: وهو ما نمق بالتصنيع ووشح بأنواع البديع وحلي بكثرة الفواصل والأسجاع.
(٤) المرصع: وهو ما رصع بالأخبار والأمثال والأشعار والآيات والأحاديث وجرى فيه حل أبيات القريض.
(٥) المغصن: وهو ما كان ذا فروع وأغصان بحيث تتم المقابلة فيه متوازية، فمن مقابلة أربع بأربع (ومن السلام سلام وغن لاح جوهراً، ومن الكلام كلام وإن فاح عنبرا) .
(٦) المفصل: وهو ما تراوح فيه المنثور والمنظوم على التوالي.
(٧) المبتدع: وهو ما يقرأ فيه كلمات من جهتين وثلاث وربما أربع.
وبيننا نجد ابن عبد الغفور يضع قواعد لبعض الأنواع النثرية (كالتوثيق مثلاً) نراه في بعض الأبواب الأخرى يورد مثلة وحسب، كما فعل عندما
стр. 495
عرض للمقامة فهو لم يدرسها، ولم يبين قواعدها ولم يعطنا رأيه فيها. ونصائحه في طريقة الكتابة تشير إلى اهتمام بآدابها وقوانينها الشكلية، وليست ذات قيمة نقدية كبيرة، وأقيم ما في الكتاب من هذه الزاوية مصطلح ابن عبد الغفور في أنواع النثر وألوان السجع، ولكنه لم يتنبه في بعض هذا المصطلح إلى الاضطراب الذي قد ينجم عن استعمال شيء من مصطلحاته في غير ما استعملها.
عودة إلى المفاضلة بين الشعر والنثر
وقد عاد ابن عبد الغفور إلى القضية التي تمرس بها النقد العربي مدة طويلة اعني المفاضلة بين الشعر والنثر، فانحاز إلى جانب النثر، لان النظم لا يعدو أن يكون فرعاً من المنثور، والنثر أسلم جانباً وأكرم حاملاً وطالباً، وقد ذم الرسول الشعر لان الشعر داع لسوء الأدب وفساد المنقلب، فهو يحمل الشاعر على الغلو والكذب، وهو مطية للتكسب، يحمل صاحبه على خطاب الممدوح بالكاف. ومن الغريب أن يتوصل ابن عبد الغفور إلى عيب الشعر بسب الوزن. فالوزن داع للترنم، والترنم من الغناء، والغناء رقية الزنا، يقضي هذا الناقد في النهاية بان الشعر والنثر متنافران لتنافر طبائع أهلهما، ومع انه يقر بان للشعر الفضل نجده يقول: ذلك قد كان فيما مضى " ولكن القوم غير هؤلاء القوم واليوم غير هذا اليوم " (١) . ولا باس أن نلمح في نقد ابن عبد الغفور قاعدة أخلاقية في النظرة إلى الشعر.