← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ابن قزمان وقواعد الزجل أول اعتراف نقدي بشعر عامي وقد استعار ابن قزمان (- ٥٥٥) إمام الزجالين بالأندلس بعض القواعد النقدية التي أجريت على القصيد، فطبقها على الزجل، إما بطريق المقايسة أو القلب: فقد كان يشعر - كما شعر ابن خفاجة - بأن مقياس الجزالة لا يصلح لبعض أنواع الشعر، وهو من ثم أقل صلاحية للزجل؛ وكان من قبله من الزجالين - أو بعضهم في الأقل - ينتحي منحى القوة والمتانة، ومن أشهرهم في ذلك ابن راشد الزجال؛ ولذلك تهكم به بقوله: زجلك يا ابن راشد قوي متين ... وإن كان هُ للقوة فالحمالين (يعني إن كان مرجع الأمور إلى القوة، فإن الحمالين أقوياء، ولكن هل هذه القوة تعلي من شأنهم؟) ؛ ولذلك دعا ابن قزمان إلى اعتماد الزجل على " انسياب الطبع وسهولة الألفاظ " أي إلى اكتساء الزجل عامة بالرقة. وعاب متقدمي الزجالين بأنهم يأتون بمعان باردة وأغراض شاردة: وأثنى من بينهم على ابن نمارة " فإنه نهج الطريق، وطرق فأحسن التطريق، وجاء بالمعنى المضيء والغرض الشريق: طبع سيال، ومعان لا يصحبه بها جهل الجهال، ويتصرف بأقسامه وقافيه تصرف البازي بخوافيه، ويتخلص من التغزل إلى المديح، بغرض سهل وكلام مليح " (١) . وأكثر ما أعجبه في ابن نمارة طريقته في حكاية التصوير بألفاظ صوتية كقوله " طاق في خدي وبف في القنديل " فلفظة " طاق " صوت القبلة، ولفظة " بف " صوت النفخ لإطفاء الشعلة، وكان ابن قزمان يعني أن هذا اللون من التعبير يجعل الزجل أدق في نقل الحياة الواقعية الشعبية؛ ولكنه أثنى عليه أيضاً لاستخدامه الصور المجسمة من مثل " وجا الليل وامتد مثل القتيل "؛ فدل بذلك على امتيازه في قوة التخيل.

стр. 492

ولما رأى ابن قزمان أن اللحن عيب مستبشع في القصيد عكس القاعدة، فذهب إلى ان الأعراب يشين الزجل. ولذلك افتخر بأنه جعل ديوانه خالياً من الأعراب: " وعريته من الأعراب؟ تجريد السيف عن القراب " وقال: " والأعراب هو أقبح ما يكون في الزجل وأثقل من إقبال الأجل " (١) وقال أيضاً: " ليس اللحن في الكلام المعرب المقيد أو الموضح بأقبح من الأعراب في الزجل " (٢) . وعلى الجملة نستطيع ان نقول إن إحكام ابن قزمان النقدية مستمدة من طريقته، فإذا اعتبرنا أن ابن قزمان أصبح إمام الزجالين في المشرق والمغرب من بعد عرفنا أن أحكامه هذه أصبحت قاعدة عامة، وهو يعتقد لنه بطريقته قد حقق للزجل أن يكون " قريباً بعيداً وبلدياً غريباً، وصعباً هيناً وغامضاً بينا، إذا سمع السامع سباطة أقسامه ومصارعه، همت فترة ان تكون بمشارعه " فإذا حاول أحد أن يحاكيه وجده لا يدرك ولا يلحق وهذه ترجمة لما سماه النقاد في الشعر باسم " السهل الممتنع ". ابن عبد الغفور ونشاطه النقدي ويمثل أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي وعياً نقدياً بارزاً بين أقرانه لتوفره على التأليف في النقد، فمن كتبه المتصلة بهذا الموضوع كتاب " ثمرة الأدب " وكتاب (الانتصار لأبي الطيب " ورسالته في " إحكام صنعة الكلام "، وهي التي وصلتنا من مؤلفاته؛ وتدل جهود ابن عبد الغفور على أن أبا الطيب وأبا العلاء قد أصبحا مناط أحلام المنادين بمبدأ الجزالة، وان أبا العلاء في مؤلفاته النثرية " لا يضاهي فيها ولا يجازى، ولا يعارض في واحد منها ولا يباري " (٣) ، وأن النقاد قد حكموا بأنه لم يكن في صنعة النظم والنثر مثله لا قبله ولا بعده، إلا ما كان من أبي الطيب في الشعر وحده " (٤)

стр. 493

أبو الطيب يجد نصيراً في الأندلس وعنوان كتاب " الانتصار " يدل على إن المؤلف وقف فيه موقف الدفاع عن أبي الطيب ويؤخذ من إشاراته إليه انه تحدث فيه كيف كان أبو الطيب ينحو في غزل قصائده إلى غرض مقاصده (١) ، فيوحد بذلك بين موضوع القصيدة وفاتحتها؛ وإنه دافع عنه فيما تعقبه فيه النقاد من مثل قوله: بليت بلى الإطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه (٢) واتصل حديثه بالكشف عن بعض عيوب أبي تمام، وبإيراد أخبار سيف الدولة، ومن المحقق انه اطلع على شرح ابن جني وما حوته يتيمة الدهر للثعالبي، ولكنا نقدر انه استخدم مصادر أخرى، وبعضها أندلسي؛ وهو يرد على ابن شهيد الذي أشار في " حانوت عطار " إلى أن الاكتفاء بما لا يتجاوز الأربعين بيتاً في القصيدة يعد ضيق عطن، ودافع عن ابي تمام والجعفي (المتنبي) وذهب إلى أن الطول مملول، مخالفاً في ذلك ما تقدم منقول لابن رشيق (٣) . إحكام صنعة الكلام وابتكار مصطلح جديد وأما رسالة " إحكام صنعة الكالم " فإنها تتناول النثر بالقواعد والأمثلة، فبعد مقدمات قسم الرسالة في بابين: الباب الأول في الكتابة وآدابها، والباب الثاني في ضروب الكلام وهي: الترسيل والتوقيع والخطبة والحكم والأمثال والمقامة والحكاية والتوثيق والتأليف (وقد أدرج مع هذه التي تعد أنواعاً على الحقيقة فصلاً في المورى والمعمى) ثم انصرف إلى الأسلوب نفسه فاختار السجع وقسمه إلى المنقاد والمستجلب والمضارع والمشكل. ومن هذه

стр. 494

القسمة يتجلى لنا أن وقفة ابن عبد الغفور عند أنواع النثر تعد هامة في تاريخ النثر العربي، لأنه استطاع من موقفه في الزمان أن يحدد الأنواع بدقة ووضوح، وأن ينصرف عن التحدث في أنواع البديع لان غيره قد أشبعها بحثاً؛ وانصرف هو إلى ابتكار مصطلح جديد لضروب النثر: فالترسيل في نظره أقسام منها: (١) العاطل: لقلة تحيته بالأسجاع والفواصل، وهو أصل النثر، إذ التجمل بكثرة السجع طارئ. (٢) الحالي: وهو ما حلي بحسن العبارة ولطف الإشارة وبدائع التمثيل والاستعارة وزادت العناية فيه بالسجع دون غلبة لهذا السجع عليه. (٣) المصنوع: وهو ما نمق بالتصنيع ووشح بأنواع البديع وحلي بكثرة الفواصل والأسجاع. (٤) المرصع: وهو ما رصع بالأخبار والأمثال والأشعار والآيات والأحاديث وجرى فيه حل أبيات القريض. (٥) المغصن: وهو ما كان ذا فروع وأغصان بحيث تتم المقابلة فيه متوازية، فمن مقابلة أربع بأربع (ومن السلام سلام وغن لاح جوهراً، ومن الكلام كلام وإن فاح عنبرا) . (٦) المفصل: وهو ما تراوح فيه المنثور والمنظوم على التوالي. (٧) المبتدع: وهو ما يقرأ فيه كلمات من جهتين وثلاث وربما أربع. وبيننا نجد ابن عبد الغفور يضع قواعد لبعض الأنواع النثرية (كالتوثيق مثلاً) نراه في بعض الأبواب الأخرى يورد مثلة وحسب، كما فعل عندما

стр. 495

عرض للمقامة فهو لم يدرسها، ولم يبين قواعدها ولم يعطنا رأيه فيها. ونصائحه في طريقة الكتابة تشير إلى اهتمام بآدابها وقوانينها الشكلية، وليست ذات قيمة نقدية كبيرة، وأقيم ما في الكتاب من هذه الزاوية مصطلح ابن عبد الغفور في أنواع النثر وألوان السجع، ولكنه لم يتنبه في بعض هذا المصطلح إلى الاضطراب الذي قد ينجم عن استعمال شيء من مصطلحاته في غير ما استعملها. عودة إلى المفاضلة بين الشعر والنثر وقد عاد ابن عبد الغفور إلى القضية التي تمرس بها النقد العربي مدة طويلة اعني المفاضلة بين الشعر والنثر، فانحاز إلى جانب النثر، لان النظم لا يعدو أن يكون فرعاً من المنثور، والنثر أسلم جانباً وأكرم حاملاً وطالباً، وقد ذم الرسول الشعر لان الشعر داع لسوء الأدب وفساد المنقلب، فهو يحمل الشاعر على الغلو والكذب، وهو مطية للتكسب، يحمل صاحبه على خطاب الممدوح بالكاف. ومن الغريب أن يتوصل ابن عبد الغفور إلى عيب الشعر بسب الوزن. فالوزن داع للترنم، والترنم من الغناء، والغناء رقية الزنا، يقضي هذا الناقد في النهاية بان الشعر والنثر متنافران لتنافر طبائع أهلهما، ومع انه يقر بان للشعر الفضل نجده يقول: ذلك قد كان فيما مضى " ولكن القوم غير هؤلاء القوم واليوم غير هذا اليوم " (١) . ولا باس أن نلمح في نقد ابن عبد الغفور قاعدة أخلاقية في النظرة إلى الشعر.

стр. 496

المواعيني والريحان والريعان وممن يمكن التوقف عند بعض محاولاتهم النقدية من رجال القرن السادس (١) أبو القاسم محمد بن إبراهيم ابن خيرة المواعيني (- ٥٦٤) (٢) ، وهو قرطبي سكن اشبيلية وكتب عن أميرها أبي حفص، وله من المؤلفات: كتاب الأمثال، وكتاب الوشاح المفصل، وكتاب ريحان الألباب وريعان الشباب، وهذا الأخير جمع فيه الفنون التي يستمدها من عني بمزاولة المنثور والموزون وجعله في سبع مراتب: في كل مرتبة مراقب وثنايا، فالمرتبة تساوي الكتاب، والمراقبة بمثابة الباب، والثنية بمنزلة الفصل. المرتبة الرابعة في الريحان والريعان ومن مراتبه التي تهمنا هنا المرتبة الرابعة. وهي " مرتبة الفصاحة والبلاغة وجامع في لوازم إنشاء الصناعة ". وقد كان المؤلف درس كتاب البيان والتبيين للجاحظ واعجب به وخطر له أن يختصره، ثم عدل عن ذلك، وألف كتابه هذا لمنفعة المتأدب، وظل اثر البيان والتبين فيه واضحاً؛ إلا انه مطلع على كثير من المصادر المشرقية.

стр. 497

تباين الألوان أوقع من تقاربها في النفس وقد شرح أولاً نقد الألفاظ المفردة (أي الفصاحة) فوضع لها سبعة شروط منها " أن يكون تأليف اللفظ من حروف متباعدة المخارج متباينة في الأسماع، وعلة ذلك أن الحروف التي هي أصوات تجري من السمع مجرى الألوان التي هي أصوات تجري من السمع مجرى الألوان من البصر، ولا شك ان الألوان المتباينة إذا جمعت كانت في النظر أحسن من الألوان المتقاربة؟ ولا ريب أن الأزهار الربيعية المتفننة الألوان، وصناعة الديباج أجمل من البساط الأغبر أو الأخضر أو من الثوب الناصع المصمت، وهذه علة يقع لكل أحد فهمها وحجة لا يمكن منازعاً جحدها " (١) والشرط الذي ذكره المواعيني قد أورده البلاغيون المشارقة، ولكن التمثيل عله هو الشيء الجديد عنده. ومن الشروط (في فصاحة اللفظة أيضاً) " أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسناً ومزية على غيرها وإن تساويا في التأليف من الحروف المتاعدة، كما انك تجد لبعض النغم والالوام حسناً يتصور في النفس ويدرك بالبصر والسمع والحس، مثال ذلك من الحروف ع ذ ب فغن قدمت بعض هذه الحروف على بعض ذهبت حلاوة الكلمة ولم تجد حسنها على الصفة؛ فإن قالوا فاتونا بكلام يتبين موقع حسنه بلفظ يشف رونقه على غيره، فمثال ذلك مما يختار قول أبي القاسم ابن المغربي من رسالة: فرعوا جميعاً قد تأنفت روضته ورادوا مسرحاً مسحوا عن أعطاف نباته قطر نداه، ونشروا من لباته عقد طله، ف " تأنفت " كلمة لاخفاء بموقعها وحسن موضعها؟ " (٢) ويؤكد المواعيني هنا التلاؤم بين اللفظ والمعنى، ولكنك تجده يخرج إلى استطرادات لافتة مثل قوله في أعقاب ذلك: " ولما لم تجد الصوفية كلاماً أهز للنفوس البشرية وأبعث لإطرابها وأبث لأشواقها من أشعار في النسيب ووصف

стр. 498

المحبوب، تناشدتها وتفانت على أعراضها وهامت بظواهر ألفاظها، لكنهم يعنون المحبوب الذي لا يوجد منه الاضطراب، ولا الصدود إذا صد الأحباب " (١) . الإجماع لا الشذوذ معاذ الشاعر المولد ويؤمن المواعيني أن الشاعر المولد يجب ألا يشذ عن الإجماع والجماعة، وليس له ان يكسر الشعر ويحتج بأشعار عبيد بن الأبرص ولا أن يزاحف ولا أن يخرم ولا ان يخزم، ويقول: " وأنت ترى أن أهل البديع تحذقوا حتى التزموا لزوم ما لا يلزم، فاوكد عليهم ان لا يتجنبوا الضرائر؛ والكلام النقي الصافي الناصع؟. هو الذي يؤدي المعنى المقصود من غير زيادة ولا إخلال ولا حشو ولا فصول؛ وثم لطيفة هي روح التحبير وهي ان يكون اللام كثير الرونق والمائية والنعمة " (٢) . لقد كان الشعر آخذاً بالتشدد وعدم التسامح في شئون الزحاف، كما كان ينتحل قيوداً جديدة من البديع، ولذلك أدرك المواعيني أن التساهل ناب عن طبع العصر، ولم يعد الناس يقبلونه. تمثيل الكلام بالصنائع فإذا توصل إلى الحديث عن الكلام المؤلف، جاء بتمثيل من الصنائع فذكر أن كل صنعة تحتوي على خمسة أشياء: الموشوع - كالخشب، والصانع - النجار، والصورة - وهي الشكل المخصوص إن كان المصنوع كرسياً، والآلة - المنشار والقدوم، والغرض - وهو المقصود من الكرسي: فإذا كان تأليف الكلام صناعة وحب اعتبار الأقسام الخمسة فيه، فالموضوع هو الكلام، والصانع هو المؤلف ناثراً كان أن ناظماً، والصورة كالفصل من كتاب والبيت من الشعر، والآلة: هي طبع المؤلف للكلام، والعلوم

стр. 499

المؤدية لطبعه، وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلف، فإن كان مدحاً جاء الحديث عن جلالة الممدوح ورفعه إلى مصاف النجوم. وغن كان هجواً فبالضد؛ ومن الدليل على أن المواعيني لم يدرك من التمثيل إلا صورته الخارجية أنه لم يستغله - على نحو منطقي واضح - في دراسة كل عنصر منه على حدة، فهو لم يدرس الشاعر أو الناثر ولم يدرس كيف تجتمع الآلة من طبع المؤلف، ومن العلوم المؤيدة لذلك الطبع، واخطأ في فهم الغرض الكلي للشعر أو دراسة مهمته من جميع النواحي. أطيب الشعر أكذبه، والفرق بين الخطابة والشعر ويردد المواعيني رأي أهل المذهب القائل بان " أطيب الشعر أكذبه " (ويضيف: في غالب الأمر) ؛ أما الخطابة فإنها تختلف عن الشعر فهي أكثر اقتصاداً وأذهب في سبيل التحقيق، وإن كانت لا تخلو من الفخامة وإبراز الصورة. عيوب الكلام التي يجب اجتنابها وفي تأليف الكلام لابد من تجنب المعاظلة، وان يضع الأديب الألفاظ في مواضعها دون تقديم وتأخير يؤديان إلى فساد الكلام أو اضطراب إعرابه، كقول المتنبي: وفاوكما كالربع أشجاه طاسمه ... بان تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وان لا يكون الكلام مقلوباً كقول الفرزدق " رفعت لناري " يريد " رفعت له ناري ". وأن يتجنب الحشو، وألا يستعمل في المدح ألفاظاً تستعمل في الذم كقول أبي تمام " ما زال يهذي بالمكارم ... "؟ إلى أن تبلغ شروط التأليف سبعة، وهو عدد الشروط في اللفظة المفردة.

стр. 500

وليست تهمنا هنا تلك الفصول التي استوعبت نماذج كثيرة من الخطب وحديثاً عن أدوات الكاتب وصفاته وأحكام صنعته. وأسماء المشهورين من الكتاب. ووصف الخط والأقلام والدواة والحبر مما يشغل حيزاً كبيراً في المرتبة الرابعة يعود بعده إلى الحديث عن مرتبة نظام القريض. فيورد أقوال المتقدمين في قيمته وأهميته ويقف عند قوله تعالى " وما علمناه الشعر وما ينبغي له ". وعند قوله: " وانهم يقولون ما لا يفعلون "، فيعلق بقوله: " ومثل هذه المبالغات المحالية والدعاوى الانتخالية مثل قولهم: قالت لي وقلت لها فيمن لم يكن رآها قط أو كلمها، فمن صدق هذا واتبعه فقد غوى " (١) . التأثير يتم بالتلازم بين الموضوع ونفسية السامع وتأثير الشعر في رأي المواعيني إنما يتم بسبب التلاؤم بين الموشوع ونفسية السامع. كالمدح في حال المفاخرة والمنافرة، والهجاء في حال المنابذة. والنسيب في حال شكوى العاشق واهتياج شوقه ولوعته، " فإذا واقعت هذه المعاني هذه الحالات تضاعف حسن موقعها عند مستمعها؛ ومن ثم يكون الشعر سبباً في تحريك المشاعر المتشابهة وإثارتها، فيحترق العاشق ويشرف الجواد ويمرح المسرور ويترح الحزين (٢) . ولا جديد عنده في قسمة الشعراء إلى مطبوع ومثقف متكلف أو في الحديث عن البديهة والروية، أو عن الجزالة الأعرابية والليونة الحضرية. وهو يرى الجمع المتوسط بين الجزالة والرقة (٣) ، كأنه كان يرجو التوفيق بين المذهبين المتباعدين في الأندلس.

стр. 501

شعر لا يربطه بالشعر إلا الوزن ونقف عند تمييزه لنوع أخرجه ابن حزم من حد الشعر، إذ يقول المواعيني: " ومن الشعر نظم خبر أو تقرير حجة أو ذهاب مع مقاصد الشريعة أو تخليد كلمات حكمة، وغنما سمي شعراً بالوزن وإلا فالخطبة أولى الأسماء به " (١) وهذا حكم جميل، يدل على أن النقاد كانوا أشد وعياً لمعنى الشعر مما نظن. أقسام الشعر - قسمة غريبة وقسمته للشعر لا تتناول أغراضه وفنونه بل تتناول طبيعة التعبير فيه، فمن أقسام الشعر: ١ - الشعر المتين الصلب. ٢ - الشعر الغامض كشعر العتابي وابن نباتة والهذليين. ٣ - الشعر الرطب السهل كشعر البحتري وأبي العتاهية وعمر، وهو المطمع الممتنع. وينفذ المواعيني إلى إفراد أبي نواس وابن الرومي بشيء يتفوقان فيه على كل شاعر سواهما، فالطبع للحسن (أبي نواس) والبراعة لابن الرومي (راجع ابن حزم) يجعلان أشعارهما " إذا قيسا بالشعراء كما قيل في عقل إياس والحجاج في العقلاء " (٢) . غثاثة الشعر الرطب وخاصة عند الزجالين ويرى المواعيني - ورأيه غريب - ان الشعر السهل الرطب قد ينزل عن حده فيصبح غثاً " مثل أشعار كثرت في زماننا هذا من أقوال للبطليين (؟) والاميين على طريقة التوسع (؟) الذي يسمى الازجال، وهي معان شعرية

стр. 502

بألفاظ عامية لإفهام الجهال؛ ولقد أنشد بعض علية الكتاب شعر زجال، ويعد في شعراء الخواص، وهو قوله: يمسك الفارس رمحاً بيد ... وأنا أمسك فيها قصبه فكلانا بطل في حربه ... عن الأقلام رماح الكتبه فقال: وإلى الآن إنما نحن من شعره في زجل " (١) (يريد صوتاً لا يفهم) . وهذا النص هام لأنه يظهر جانباً آخر من الذوق الأندلسي غير الذي عرفناه عندما تحدثنا عن ابن قزمان؛ ولا ريب في أن اعتبار الزجل من الشعر الذي نزل من السهولة إلى الغثاثة إنما يعد خطأ في التصور والحكم؛ ولكن السهولة التي توخاها ابن قزمان قد أتاحت للنقاد المحافظين أن يصدروا مثل القول. تفاوت الشعراء: نعم تفاوت الشعر لشاعر واحد متغرب ويقر المواعيني أن تفاوت الشعراء أمر طبيعي ولكنه يتعجب من أن يكون لشاعر واحد تارة شعر مستغلق وتارة منيسط، ويقول: " ولا أدري فائدة لغامض المعاني والألفاظ إلا لمعنى سبر إفهام الناس، أو أن يدل الشاعر على اتساع موارده واحتفال حفظه لكلام العرب ولغاتها شعيرها وغريبها " (٢) . إتكاؤه على ابن طباطبا وابن المعتز وقدامة والحاتمي فإذا تحدث عن تسهل الشعر وتصعبه بين حين وحين نقل كل ما جاء عند ابن قتيبة، وإذا تحدث عن الأشعار الرصينة والمموهة والمستكرهة، أو شبه بعض الشعر بالقصور وبعضه بالخيام المتقوضة، وإذا نص على أن عيار الشعر أن يعرض على الفهم الثاقب كما تعرض المحسوسات على الحواس المختلفة، فلذلك كله منقول من " عيار الشعر " لابن طباطبا. وبعد أن يورد

стр. 503

نماذج من جيد الشعر يتحدث عن أنواع البديع - متبايناً ابن المعتز وقدامة والحاتمي وغيرهم - من استعارة وتشبيه وتمثيل وتكافؤ وطباق وتجنيس وتقسيم ومقابلة وتوشيح وتسهيم وترديد وتصدير واستثناء واستطراد وتصريع وترصيع ومبالغة وإيغال وغلو وإغراق وقلب ونظم المنثور ونثر المنظوم. الموشح من الوزن المركب، وجماله في سهولة النظم وتحدث من بينها عن قسم سماه الوزن المركب؛ ثم قال " ولعل الملاعب والتوشيح فيما أخالها من هذا المقصد المركب " ثم مثل على غريب التوشيح بموشحه لعبادة بن ماء السماء: بأبي ظبي حمى ... تكنفه أسد غيل يستبي لبي بما ... يعطفه إذ يميل " وهي من ستة أبيات، فتأمل أيدك الله إحكام نسجه وإتقان نظمه - أربع تضمينات في كل غصن؟ وفي الخرجات (ست) تضمينات في كل بيت ثمانية عشر بيتاً وأكثرها سهل، وليس هذا من قصدنا وإنما ذكرنا منها هذه النكتة لكونها مسندة من تلقاء بعض شيوخنا، ولأنها فذة في نظمها، وتنظيمها سهل مكين فغصونها لا تكاد تشعر بها " (١) ؛ وهذا النص القيم في التعليق على شكل الموشح، وعده من الوزن المركب، يفيدنا حقائق أخرى في المصطلح، فالمواعيني لا يستعمل كلمة " قفل " وإنما يضع بدلها كلمة " غصن " ثم يستعمل كلمة " الخرجات " للدلالة على ما يسميه غيره " الأغصان ". ولو ان المواعيني لم يكثر النقل والتلفيق من الكتب المشرقية لكان في مقدوره من خلال تمثيلاته وصوره، ومعرفته بطبيعة الأندلس ورقة ذوقه

стр. 504

ان يكون ذا مكانة أوضح في تاريخ النقد الأدبي، ولكنه لم يسمح لشخصيته إلا بشيء يسير من الاستقلال والتفرد. ابن رشد وكتاب الشعر ويبدو أن الأندلس لم تعرف " كتاب الشعر " قبل ابن رشد (- ٥٩٥) سوى التماعات يسيرة لعلها جاءت بالواسطة؛ فأما حين تناول ابن رشد هذا الكتاب فإنه جرى فيه على غير ما وجدناه عند الفارابي وابن سينا. هذان تهيبا الكتاب على تفاوت فيما بينهما؛ أما ابن رشد فإنه رأى أن الكتاب لا يمكن أن يكون ذا جدوى للقارئ العربي إذا هو لم يطبق ما يمكن تطبيقه من آراء أرسطو على الشعر العربي؛ كانت مهمة الشارح المبسط تدفعه إلى ان يجعل الكتاب واضحاً مفهوماً ذا فائدة عملية، بحيث لا يبقى غريباً عن النقد العربي. خروج الشعر العربي عن مفهوم الشعر لدى اليونان وكان يعلم حق العلم أن كثيراً من قوانينه خاص بأشعار اليونان، أو بأشعار " الأمم الطبيعية "؛ وكان يدرك أن الشعر العربي يبتعد عن مدح الفضائل، وأن ما فيه منها إنما يجيء مجيء الفخر بها لا بالحث عليها، ويوافق الفارابي في قوله: إن أكثر أشعار العرب إنما هي في النهم والكريه (١) . فالنسيب عند العرب حث على الفسوق " ولذلك ينبغي أن يتجنبه الولدان، ويؤدبون من أشعارهم بما حث على الشجاعة والكرم " (وهما الفضيلتان الوحيدتان اللتان يتحدث عنهما الشعر العربي بطريق الفخر لا الحث) (٢) . ويقول في موضع آخر: " إذ كانت مدائح الفضائل ليس توجد في أشعار العرب، وإنما توجد في زماننا هذا في السنن المكتوبة " (٣) ؛ وكان يدرك كذلك أن قوانين النقد

стр. 505

التي تداولها العرب لا تمثل إلا شيئاً يسيراً بالنسبة إلى ما وجد في كتابي الخطابة والشعر لأرسطو - مردداً بذلك قول الفارابي (١) -؛ وهو يؤكد القول بان كتاب الشعر نفسه ناقص لم يتكلم فيه أرسطو إلا عن صنف المديح وانه وعد بالتكلم في صناعة الهجاء، وإن كان من الممكن استنباط قوانين صناعة الهجاء إذ كانت الأضداد يعرف بعضها ببعض (٢) . المديح والهجاء - التراجيديا والكوميديا وواضح أن ابن رشد يعني بالمديح فن المأساة (التراجيديا) وبالهجاء فن الملهاة (الكوميديا) وأنه يعيد استعمال المصطلحين كما وردا عند أبي بشر متى، لا كما ورد عند ابن سينا؛ ولكن شرحه لا يدل على انه عرف هذين الكتابين، فهو يشير إلى الفارابي، وليس ما يشير إليه مما ورد في " قوانين صناعة الشعر "، ولابد أن نفترض أن الفارابي قد تحدث عن الشعر حديثاً مسهباً بالاعتماد على كتاب ارسطو، وان هذا الكتاب الذي وضعه الفارابي كان معتمد ابن رشد. عدم فهمه للمحاكاة وقد كانت الغاية التي وضعها ابن رشد نصب عينه هي السبب في انحرافه بعيداً بمدلولات كتاب الشعر، فهو لم يختر المصطلح الخاطئ (كالمدح والهجاء) اعتباطاً، وغنما اختاره لأنه اقرب إلى الربط بالشعر العربي، وهو لم يكتف باختيار المصطلح الخاطئ، وإنما انحرف بالمعاني والمدلولات، لكي يسوق أمثلة تقربها إلى القارئ، ولعل أكبر خطأ وقع فيه هو انه لم يفهم المحاكاة، كما فهمها الفارابي وابن سينا، فظن المحاكاة " وجهي التشبيه " في الصورة، فقال " وأصناف التخييل والتشبيه ثلاثة: اثنان بسيطان وثالث مركب منهما، أما الاثنان البسيطان فأحدهما تشبيه شيء بشيء وتمثيله به،

стр. 506

وذلك يكون في لسان بألفاظ خاصة عندهم مثل كأن وأخال، وما أشبه ذلك في لسان العرب وهي التي تسمى عندهم حروف التشبه، وإما أخذ الشبيه بعينه بدل الشبيه، وهو الذي يسمى الإبدال في هذه الصناعة وذلك مثل قوله تعالى " وأزواجه أمهاتهم " ومثل قول الشاعر " هو البحر من أي النواحي أتيته ". " وينبغي أن تعلم أن في هذا القسم تدخل الأنواع التي يسميها أهل زماننا استعارة وكتابة؟ " وأما القسم الثاني فهو أن يبدل التشبيه مثل أن تقول: الشمس كأنها فلانة أو الشمس هي فلانة؟ ومن العكس قول ذي الرمة " ورمل كأوراك العذارى "، والصنف الثالث من الأقاويل الشعرية هو المركب من هذين " (١) ؛ وحين تصبح المحاكاة هي عملية التشبيه الجزئي في رسم صورة، تصبح درجات المحاكاة (وهي تصوير الناس أحسن مما هم عليه أو أسوأ أو كما هم بالضبط) درجات للتشبيه نفسه، فالتشبيه يكون للتحسين أو التقبيح أو المطابقة (٢) . الخطأ يجر إلى خطأ آخر من طريق المصطلح وبعد أن سمى ابن شد ما يعرف عندنا اليوم بالعقدة باسم " القول الخرافي " وسمى جزءي الانقلاب والانكشاف باسمي " الإدارة والاستدلال " عاد يسمي هذا القول الخرافي محاكاة " فالمحاكاة البسيطة هي التي يستعمل فيها أحد نوعي التخييل؟ اعني النوع الذي يسمى الإدارة - أو النوع الذي يسمى الاستدلال، وأما المحاكاة المركبة فهي التي يستعمل فيها الصنفان جميعاً " (٣) وعرف الإدارة (الانقلاب أو التحول) بأنها: محاكاة ضد المقصود مدحه؛ والاستدلال (الانكشاف) محاكاة الشيء فقط. فخرج عن مدلول ابن سينا ومصطلحه وقد كان اقرب إلى الأصل؛ ذلك أن ابن

стр. 507

سينا قد قال: وأجزاء الخرافة جزءان، الاشتمال وهو الانتقال من ضد إلى ضد؟ وكان يستعمل في طراغوذياتهم في أن ينتقلوا من حالة غير جميلة إلى حالة جميلة بالتدريج؟ والجزء الثاني: الدلالة، وهو ان يقصد الحالة الجميلة بالتحسين " (١) . حقاً إن ابن سينا ليس دقيقاً، ولكن ابن رشد أبعد منه كثيراً عن نص ارسططاليس. وقد زاد ابن رشد بعداً انه اخطأ معنى " الاستدلال " فظنه الحالة العقلية التي تتمكن من استقراء الأدلة فقال: " وهذا النوع من الاستدلال الذي ذكره هو الغالب على أشعار العرب، اعني الاستدلال والإدارة في غير المتنفسة (من الأشياء) وهو مثل قول أبي الطيب: كم زورة لك في الأعراب خافية ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثني وبياض الصبح يغري بي فإن البيت الأول هو استدلال والثاني إدارة، ولما جمع هذان البيتان صنفي المحاكاة كانا في غاية الحسن " (٢) فأين هذا الحديث عن معنى الإدارة؟ أي التحول في مقدورات بطل المأساة - والاستدلال - أي وجود علائم تنكشف بها حقائق كانت خافية في طبيعة المأساة ويتبع ذلك تحول في الشعور بالكره أو الحب نحو شخصيات المسرحية؟ البطل المسرح عنده هو الممدوح وحين تحدث عن الشخصية (مجموعة الخصائص التي تكون في الفرد) سماها " العادات " وجعل شخص البطل المسرحي هو " الممدوح " وربط ما يطلبه ارسطو من مواءمة بين تصوير شخصيات أعلى من المستوى العادي وبين المحافظة على درجة من الواقعية - ربط ذلك بان الشاعر يصور كل

стр. 508

شيء بحسب ما هو عليه حتى يحاكي الأخلاق والنفس، ومثل على ذلك بقول أبي الطيب: أتاك يكاد الرأس يجحد عنفه ... وتنقد تحت الذعر منه المفاصل يقوم تقويم السماطين مشيه ... (١) إليك إذا ما عوجته الأفاكل صرف الاستدلالات إلى معنى التشبيه أما حين تحدث عن أنواع الاستدلالات (الانكشافات) فإنه ابتعد فيها عن نص ارسطو ابتعاداً كلياً، فزعم أنها أنواع، منها: (١) مجيء المحاكاة لأشياء محسوسة بأشياء محسوسة؟ " وجل تشبيهات العرب راجعة إلى هذا الموضع، ولذلك كانت حروف التشبيه عندهم تقتضي الشك ". (٢) مجيء المحاكاة لأمور معنوية بأمور محسوسة كقولهم في المئة: إنها " طوق العنق " وهذا كثير في أشعار العرب، وما كان منها غير مناسب في أشعار الحدثين فيجب أن يطرح كقول أبي تمام " لا تسقني ماء الملام "، كلك يطرح التشبيه بالخسيس ويكون الأشياء الفاضلة؛ ومن التشبيه الخسيس قول الشاعر في تشبيه الشمس " كأنها في الأفق عين الأحول ". وهناك أشعار هي في باب التصديق والإقناع أدخل منها في باب التخييل كقول أبي الطيب: " ليس التكحل في العينين كالكحل ". (٣) المحاكاة بالتذكر، وهو مثل قول متمم بن نويرة: وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادكك فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك ومنه ما جاء في شعر العرب من ذكر الطيف، وتصرفهم فيه كثير التفنن.

стр. 509

(٤) أن تكون المحاكاة بذكر شخص شبيه بشخص آخر من ذلك النوع، مثل قول امرئ القيس " وتعرف فيه من أبيه شمائلا ". (٥) ما يستعمله السوفسطائيون وهو الغلو الكاذب كقول أبي الطيب: عدوك مذموم بكل لسان ... ولو كان من أعدائك القمران. وهذا كثير في أشعار العرب غير موجود في القرآن الكريم لأنه ينزل من الشعر منزلة الكلام السوفسطائي من البرهان. (٦) هذا النوع يستعمله العرب وهو إقامة الجمادات في مخاطبتهم مقام الناطقين كقول المجنون: وأجهشت للتوباد لما رأيته ... وكبر للرحمن حين رآني فقلت له أين الذين عهدتهم ... حواليك في أمن وخفض زمان فقال مضوا واستودعوني بلادهم ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثان منه مخاطبتهم الديار والأطلال ومجاوبتها (١) . ومن عرف ما قاله أرسططاليس عن أنواع الاستدلال (الانكشاف) وهي: الانكشاف بالإشارات والعلامات المرئية (كالجروح والعقود) والانكشاف المتعمد، والحادث بواسطة الذاكرة (حين تهيج الذكرى مثلاً بعولس فيبكي فينكشف حاله) والانكشاف الحادث بطريق الاستنتاج وكلها تدل على التعرف إلى حال الشخص الذي تدور حوله القصة - من عرف ذلك كله أدرك أن أبن رشد قد نقل المعاني إلى مجالات أخرى، وقياساً على ذلك زاد من عنده عليها أشياء لا صلة لها بالمعنى الذي يريده مؤلف " كتاب الشعر ".

стр. 510

الحل والربط في المسرحية هما حسن التخلص كذلك نقل الحل والربط في المسرحية عن حقيقتهما حين فهم منهما أن الربط يشبه البيت الرابط بين الغزل والمدح أي بيت التخلص، وأن الحل هو عدم إيراده والاكتفاء بقول: " دع ذا " و " عد عن ذا " (١) . مثال من الشعر البطولي عند العرب أما الشعر البطولي فقد أقر بأنه قليل في لسان العرب، ولكن أورد عليه قول الأسود بن يعفر: ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد أياد وهي قصيدة يتحدث فيها عن فناء الأمم الماضية (٢) . وقد كان السبب الأكبر في خطأ أبن رشد أنه لم يفهم معنى المحاكاة حين ظنها التشبيه. وحيثما وقع الحديث عنها عاد إلى التمثيل عليها بالتشبيهات المستمدة من الشعر العربي، وزاده إمعاناً في ذلك إن النماذج التي يمثلها كتاب أرسطو لا وجود لها في ذهن أبن رشد، فانساق مع المصطلح حسب مدلوله الظاهري؛ فكان شديد البعد عن النظرية الشعرية الأرسططاليسية. تأثره بأفلاطون حتى هذا الحد رأينا أبن رشد في نطاق التأثير الأرسططاليسي، يلخص ويفسر؛ وقد كان لابد له وقد لخص جمهورية أفلاطون من أن يتعرض لرأي ذلك الفيلسوف في الشعر وصلته بمنهاجه التربوي في نطاق الجمهورية. وما يزال تلخيصه للجمهورية - في صورته باللغة العربية - مفقوداً إلا أن الأيام قد احتفظت منه بترجمة عبرية قام بها صموئيل بن يهوذا المرسيلي وترجمها الأستاذ إ. روزنتال إلى الإنجليزية، ويقع هذا التلخيص في ثلاث مقالات يرد فيها الحديث عن الشعر في المقالتين الأولى والثالثة: فيقرر

стр. 511

ابن رشد أولاً متابعاً لأفلاطون أن المحاكاة كانت تتم لدى الأقدمين بالصوت والشكل (الصورة) ثم تحولوا إلى المحاكاة بالكلمات إذ هذا النوع من المحاكاة أكثرها مناسبة لفن الشعر، ويعلق أبن رشد على هذا قائلاً " وغالباً ما يتبع الشعراء العرب هذه الطريقة الأخيرة في المحاكاة أي المحاكاة التي تتم عن طريق الكلمات " وبعد أن يورد رأي أفلاطون في إبعاد حماة الجمهورية (Guardians) عن المحاكاة جملة إذ الإنسان منوط باستكمال فعالية واحدة في تلك الجمهورية، يميز بين أنواع القابليات فيقول إن بعض الناس مهيأون بالطبع لإجادة " الهجاء " Satire بينما آخرون مهيأون للرثاء فقط كما روي عن أبن العجاج (١) الذي كان يستطيع أن يمدح فقط ولا يستطيع أن يهجو. وبما أن المحاكاة تصبح طبيعة ثانية فإنه لابد أن يمنع " الحماة " من محاكاة أعمال النساء وأصواتهن في مختلف شئون الحياة ولا أن يحاكوا الدباغين أو غيرهم من ذوي الحرف؟. وهنا يعلق أبن رشد بقوله: " قلت: لابد من أن تستبعد القصائد التي تجري على سياق ما عرف لدى العرب من وصف هذه الأمور ومن محاكاة أمور مماثلة لها " (٢) . ويشفع ذلك بقوله: " لكل هذه الأسباب ليس من المناسب أن نسمح للشعراء في هذه الجمهورية بمحاكاة كل شيء، لأسباب عدة، أولها أن عمل المحاكي يجيء حسناً إذ أقتصر المرء على المحاكاة ضمن مقولة واحدة كما هي الحال في الفنون والصنائع، وثانيها أنه ليس من اللائق أن نسمح بمحاكاة الأشياء الحقيرة أو محاكاة ما ليس له تأثير (؟) (٣) على قبول الأمور ورفضها كما هي الحال لدى كثير من القصائد العربية، التي يعد وجودها في الجمهورية بوصف حكايات النساء (؟) وطريقة تحسينها وبعامة القيم الأخلاقية " (٤) .

стр. 512

وحين تحدث أفلاطون عن الحكم القائم على الطغيان بطريقة خاصة، أفاد أبن رشد أن حديثه على هذا النحو إنما جاء كلك لأنه رأى قصائد تمدح الطغاة، ثم أردف لك بقوله: " وقد رأيت كثيراً من الشعراء وممن نشأوا في تلك الدول يؤثرون هذا النوع من الحكم، يظنونه الهدف الأسمى وأن في روح الطغيان تفوقاً وهم ينصاعون لذلك الحكم " (١) . لعل أبن رشد لم يضف شيئاً كثيراً هنا إلى ما قاله أفلاطون، ولكن ارتباط ذهنه دائماً بالواقع في الشعر العربي مما يلفت النظر، سواء أكان ذلك في تفسيره لكتاب الشعر أو في تعليقاته على ما جاء في الجمهورية، وقد كان في كل ذلك خاضعاً لمنهجه العام، وهو ربط الآراء الفلسفية بما يجده في الواقع عامة، لا في الشعر وحده، ولهذا تجده يبارح التلخيص في الجمهورية مثلاً ليربط بين ما يقوله أفلاطون وما يعرفه من واقع عصر المرابطين في السياسة (٢) أو مما صنعه أبن غانية (٣) . وهو في كشفه لنقائص الشعر العربي بالنسبة للجمهورية يعيد الموقف الذي وجدناه عند مسكويه " (٤) .

стр. 513

طرح النقاد بعد أبن رشد جانب الأخلاق وتمسكوا بالموقف الدفاعي ومع أن أبن رشد حاول أن يجعل لكتاب الشعر فائدة عملية، لدى كل من الشاعر والناقد، فإن أكثر الذين تحدثوا عن قضايا الشعر من الأندلسيين في القرن السابع لم يلتفتوا إلى ما صنع، وغلبت عليهم نزعة التأريخ الأدبي القائم على التصنيف أولاً ثم على قاعدة بسيطة من النظر النقدي؛ وبما أن أكثرهم هاجروا من موطنهم إلى بلاد أخرى فإن النزعة الدفاعية عن الأندلس وأدبها استقوت لديهم، كما قوي إحساسهم بالفوارق القائمة بين الشعر الأندلسي والشعر في الأقطار الأخرى، فهم من هذه الناحية استمرار للتيار الذي بدأه أبن حزم وتابعه فيه أبن بسام، ولكنهم طرحوا النظرة الأخلاقية جانباً وتعلقوا بنظرة فنية قائمة على تذوق " الصورة الشعرية ". الشقندي ورسالته في المفاضلة بين الأندلس والمغرب وفي طليعة هؤلاء أبو الوليد إسماعيل بن محمد الشقندي (١) (- ٦٢٩) ولم يكن من المهاجرين، ولكن إثارة المقارنة بين الأندلس والمغرب في الشعر والمآثر عامة هي التي حفزته إلى وقفته الدفاعية. فقد تنازع مع أبن أبي يحيى أبن المعلم الطنجي حول أي العدوتين أفضل، في مجلس أمير سبتة أبي يحيى أبن أبي زكريا، فطلب الأمير إليهما أن يعمل كل واحد منهما رسالة في تفضيل بره؛ فكتب الشقندي رسالة أفتخر فيها بعظماء الملوك والعلماء والمؤرخين والبلاغيين من الأندلس وبالكتب الأندلسية، ثم أخذ يعدد أكابر الشعراء أمثال أبن زيدون وأبن وهبون وأبن دراج، واستشهد بقطع متميزة للأندلسيين بعضها في ذكر الغربة والعفة وجمال التشبيه وصفة الخمرة ووصف الرياض والغزل والهجاء وغير ذلك من موضوعات الشعر، وافتخر ببعض النساء الشواعر، حتى إذا انتهى من ذلك عرج على ذكر الفرسان وشمائل الأندلسيين وفضائل إشبيلية وقرطبة وجيان وغيرها من المدن، فما

стр. 514

يتعلق بالنقد من هذه الرسالة قد سبق في قالب الحمية للدلالة على فضل الأندلس في الشعر؛ وأكثر ما أورده من مقطعات إنما رجع فيه إلى ما استحسنه الأندلسيون واعجب به الذوق العام، وأكثره يعتمد على الصور الجميلة، وليس مما يستقل به ذوق الشقندي أو ما يوشحه بأحكام نقدية صريحة، ولكن دلالة هذه المختارات قوية، فكأن الشقندي قد أورد على أبن المعلم نماذج من الشعر لا يستطيع أبن المعلم نفسه أن ينكر جمالها، كذلك فإن سكوته عن بيان خصائصها يفترض ضمناً أن أبن المعلم - إن كان سليم الذوق - سيدرك خصائصها الفنية دون حاجة إلى توضيح، وعلى هذا تدل النماذج الشعرية التي أوردها الشقندي على شيئين أولهما: طبيعة الذوق المغربي في القرن السابع وثانيهما وحدة هذا الذوق في كل من المغرب والأندلس. الموقف الدفاعي عند أبن دحية وكتاب المطرب وفي هذا الصف الذي يمثله الشقندي يقف أبن دحية الكلبي (- ٦٣٣) فإنه كتب " المطرب " للملك الكامل الأيوبي ليعرف المشارقة بالشعر الأندلسي والمغربي فجمع في كتابه صوراً من " الغزل والنسيب والوصف والتشبيب، إلى غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة؟ الخ " (١) واسترسل في كتابه مع الخاطر، دون تبويب أو ترتيب، ولذا فإنه لم يراع فيه التدرج الزمني. وهو يعلق على ما يختار بتقريظات قائمة على المبالغة، ولكن موقفه الدفاعي واضح في قوله بعدما أورد أبياتاً للغزال: " وهذا الشعر لو روي لعمر بن أبي ربيعة أو لبشار بن برد أو لعباس بن الأحنف ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لاستغرب له، وإنما أوجب أن يكون ذكره منسياً ان كان أندلسياً، وإلا

стр. 515

فما لها أخمل وما حق مثله أن يهمل؟. هل وصفه إلا الدر المنتظم، وهل نحن ألا نظلم في حقنا ونهتضم؟ يا لله لأهل المشرق قولة غاص بها شوق، ألا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، واقصروا عن استهجان الكريم الهجان، ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان " (١) . وابن دحية ليس من النقاد، وهو مثل الشقندي اعتمد الذوق العام في تدوين ما دونه من شعر؛ ولكن من الطريف أن نجده حين يصف شاعراً بالبراعة في الشعر يقول فيه: " شاعر المغرب الأقصى ومفخره في صناعة المحاكاة والتخييل " (٢) فانظر إلى هاتين اللفتين اللتين كانتا من مصطلحات ذوي الثقافة الفلسفية كيف درجتا، حتى ليستعملهما شخص بعيد عن ذلك اللون من الثقافة، وقد مرت بنا اللفظة الثانية منهما عند ابن خفاجة. ابن سعيد يستمر في الموقف الدفاعي ولم يكن نقد ابن سعيد (- ٦٨٥) سوى حلقة تجمع بين موقف الشقندي وابن دحية، فهو تبنى الموقف الدفاعي مثلهما عن الشعر الأندلسي، وإن كان أقل منهما حدة واكثر مجاملة للمشارقة، واقدر على استيضاح الفروق القائمة بين المشرق والمغرب في العادات والتقاليد والأخلاق لطول تمرسه بالرحلة والتنقل، ولهذا كان نقده يرتكز في البداية: على أن الإنصاف لا يقصر الفضل على مصر دون مصر، كما انه لا يقصره على مصر دون عصر (٣) (وكان هذا الشق الثاني من القاعدة قد أصبح تكأة للشق الأول وحسب) ؛ ولهذا كان ابن سعيد أول وصوله إلى مصر والشام معنياً بتعريف الناس فيهما إلى أدب الأندلس، ومن اجل تلك الغاية ألف المغرب في برنامجه ليكون تاريخاً أدبياً للشرق والغرب على السواء، فألف " المشرق في

стр. 516

حلى المشرق "، وعاد يمزح بين الغايتين في " جامع المرقصات والمطربات " (١) وفي " المقتطف من ازاهر الطرف " و " القدح المعلي في التاريخ المحلي ". الشعر مرقص ومطرب ومراتب دونهما ثم هو يجمع بين ابن دحية والشقندي من وجه آخر فهو يشترك والأول في الوقوف عند نوع من الشعر سمي " المطرب " كان هو النوع الهام الذي يستأثر بإعجاب ابن دحية وبه سمى كتابه " المطرب من أشعار أهل المغرب ". وهو يشترك مع الشقندي في اللون الشعري المفضل، الذي عده الشقندي في رسالته تميزت به الأندلس. ولهذا نجد أن ابن سعيد لا يرى حرجاً في أن يعد المختارات والنماذج التي أوردها الشقندي في رسالته ملكاً له، يوردها للتمثيل على نوع من الشعر سماه " المرقص " ولو أن دارساً قارن الأمثلة التي أوردها الشقندي في رسالته لكل من المعتد وابنه الراضي وابن زيدون وابن دراج واللمائي وأبي حفص ابن برد وابن شهيد وابن اللبانة وابن وضاح وابن الزقاق وابن خفاجة وابن بسام والرصافي وابن حنون (أو حيون) من شعراء الأندلس، لوجد تلك الأمثلة هي عينها التي أوردها ابن سعيد في " عنوان المرقصات والمطربات " ثم أوجد ابن سعيد يكرر هذه الأمثلة في " رايات المبرزين "، فإذا أضفنا إلى ذلك أن للشقندي كتاباً اسمه " ظرف الظرفاء " وأنه من المصادر الهامة التي يعتمدها ابن سعيد عرفنا كم كان الشقندي موجهاً لذوق ابن سعيد (أو إن شئت فقل: لقلمه) في اختيار الشعر الأندلسي، ثم في اختيار الشعر المشرقي قياساً على ذلك.

стр. 517

الغرابة تخلص من السأم الناشئ عن التكرار وهؤلاء النقاد الثلاثة صورة للذوق الغالب على الأندلس، فمن الواضح أن ابن دحية لم يصنع شيئاً سوى تقييد ما كان طلاب الأدب يعجبون به من أشعار أندلسية على مر الزمن، وربما كانت النماذج التي أوردها الشقندي في رسالته هي أيضاً زاد البيئات الأندلسية في المجالس والحلقات؛ وكلا الرجلين، وخاصة الثاني منهما، سهل على ابن سعيد تناول تلك النماذج؛ وأكبر الظن أن ابن سعيد نفسه وهو الذي جاب الأندلس بصحبة أبيه، كان موجه الخاطر إلى تلك النماذج لا بتأثر من أبيه (الذي كان أكبر موجه له) بل بتأثير من البيئة عامة، وهي بيئة لم يكن ذوقها - من ناحية الأدب - حضرياً وحسب، بل كان قد أصبح " حضرياً متزمتاً " - عن صح التعبير - يطلب تحت وطأة السام جديداً يتعلق به؛ يطلب " الغرابة " وهي إكسير كان يسعى إلى العثور عليه نقاد المشرق منذ زمن بعيد، حين كانوا يحسون بالشبع من تكرار المألوف، ومن تواتر الأشكال المتشابهة، فلا غرابة حينئذ أن يسمي ابن سعيد كتابه الكبير - وهو ميراث عدد من الناس نحوا هذا المنحى - بأم " المغرب ". والغرابة الجدة المصاحبة للابتكار أو الجدة المرافقة لتوليد شيء جديد من أمور لم تعد جديدة، وإذا عثر عليها المتذوق اشتد به الطرب إلى درجة التعبير عنه بالرقص، ولذلك سمى ابن سعيد ما تمتع بالجدة - من حيث الابتكار أو التوليد - باسم " المرقص " وسمى ما دونه مما عليه إثارة من الابتداع لا تبلغ بالمتذوق حد الرقص وإنما تثير في النفس هزة ارتياح ونشوة طرب باسم " المطرب ". ومن الأول ذلك البيت الذي ملك على ابن شهيد - أبي النقد الأندلسي - إعجابه وأسهره حتى استطاع أن يولد منه معنى، وذلك هو قول امرئ القيس: سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال فليس المرقص هو الشعر القائم على التشبيه بل على " غريب التشبيه " أو غريب

стр. 518

" الصورة " - استعارة كانت أو تشبيهاً أو غير ذلك؛ فهناك تشبيه جميل ولكنه لا يبلغ حد المرقص، وهناك " التشبيهات العقم "، وهي أيضاً شيء غير المرقص - فيما يبدو لان ابن سعيد لا يخلطها به؛ وأما المطرب فمثاله قول زهير: تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله (١) المرقص والمطرب يرجحان الشعر المحدث على القديم ومن درس النماذج التي أوردها ابن سعيد على هذين اللونين من الشعر وجد المرقص والمطرب يترددان معاً في أشعار الجاهلين والإسلاميين والمحدثين - مع غلبة في المطرب على المرقص - وأن الاستشهاد بالمطرب يقل كثيراً في المائة الرابعة (٢) ، حتى إذا وصلنا المائة الخامسة والسادسة والسابعة اختفى الاستشهاد بالمطرب، ولم تبق إلا الأمثلة على المرقص؛ وليس معنى هذا أن المطرب لم يعد له وجود، بل إن كثرة المرقص قد أغنت عن إيراده. وفي الشعر بعد هذين النوعين نوع ثالث يسمى " المقبول " وهو ما " لا يكون فيه غوص على تشبيه وتمثيل " (٣) . كقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود فإذا كان المقياس هو " الغوص على التشبيه والتمثيل " فمعنى ذلك أن شعر الأقدمين يقل فيه المرقص ويكثر فيه المطرب، ولكن أكثره مقبول أو مسموع (وهو ما لا يأباه الطبع) أو متروك (وهو ما كان قائماً على خشونة ينفر منها الذوق) ؛ وكان اكثر شعر الشعراء في القرون الثلاثة الأخيرة من المرقص والمطرب واقله من المقبول والمسموع والمتروك؛ وهذا يعني حقيقة

стр. 519

واحدة وهي المتأخرين للغوص على التشبيهات، وميل الأذواق إلى طريقتهم، وليس إنكاراً للأنواع الأخرى من الشعر نظرياً، غير أنه من الناحية العملية يعني تقديم الأهم على المهم؛ ومن هنا يتبين تجافي الذوق المتنوق عن شعر عمر بن أبي ربيعة لان أكثره في طبقة المقبول (١) ، وعن تشبيهات الأعشى لأنها إعرابية جافية (٢) ، وعن شعر علقمة لان معاني الغوص معدومة في شعره (٣) ؛ وعن نثر الأقدمين جملة لأنه عار من السجع والصور فهو داخل في درجة المقبول والمسموع والمتروك (٤) ، حتى عن نثر الصابي لان معظم ترسله في طبقة المقبول (٥) ؛ وبهذا المقياس يرتفع نثر العتبي صاحب " اليميني " والقاضي الفاضل وابن خاقان وابن أبي الخصال لاعتماد نثرهم على السجع والغوص على الصور؛ بل يصبح قول المتنبي: وعدت إلى حلب ظافراً ... كعود الحلي إلى العاطل هو مقياس الإيثار في شعره، ويتضاءل إلى جانبه مثل قوله: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بد لان الأول غوص على تشبيه فهو من المرقص، والثاني حكمة فهو من النمط المقبول، إذ أكثر الحكم والأمثال من هذا النمط.

стр. 520

المرقص والمطرب انتصار لفكرة المتعة على الفكرة الأخلاقية وفي استعمال هذه المصطلحات الخمسة (المرقص - المطرب - المقبول - المسموع - المتروك) نظر ابن سعيد إلى الشعر من ناحية " التأثير " وحسب، أي نظر إلى فعل الشعر في نفس المتلقي وإلى رد الفعل لديه حين يتلقى الشعر؛ وقصر النظر على هذه الناحية دون سواها، مع استبعاد الأمثال والحكم من باب المرقص والمطرب، وذلك انحياز إلى جانب المتعة في الشعر، وانصراف عما أهتم به النقاد الأندلسيون السابقون من الزاوية الأخلاقية، ونتيجة لذلك انحصرت براعة الشعر (أو براعة الشاعر) في إبراز وجه جديد من القول قائم على الصورة؛ ومن الواضح أن اعتماد " التوليد " صنواً للابتكار هو نظر إلى الشعر من زاوية " قضية السرقات "، وكان ذلك قد أصبح قانوناً للشعر في الأندلس منذ ابن شهيد؛ غير انه من الغريب أن نجد هذا التفاوت في الذوق الأندلسي في فترة واحدة، فبينا يتأخر المتنبي عن شعراء القرون الثلاثة الأخيرة في قدرته على الإبداع التصويري لدى ابن سعيد (وربما لدى المدرسة الاشبيلية كلا) نجده اكبر شاعر في نظر حازم (ابن المنطقة الشرقية في الأندلس) ، وبينا يفوز المتاخرون عند ابن سعيد بقصب السبق في الاختراع والتوليد، نجد حازماً يعدهم نموذجاً لانحراف الشعر عن خطه الصحيح (منذ أكثر من قرنين) . غير انه من الجدير أن نشير إلى أن مقياس ابن سعيد سريع إلى الاختلال عند الفحص، لا من حيث النظرة والذوق لدينا اليوم، بل من حيث شمول النظرة لو حاولها ابن سعيد نفسه، ولهذا نجد اضطراباً داخلياً لدى ابن سعيد في الأخذ بمقياسه، فهو يحب شعر المجنون وقيس بن ذريح وكثير (١) (دون ان تكون صلة ذلك الشعر قوية بالغوص على الصور) وهو يرى في المعري " اشعر من ملك طريق التخييل) (٢) ؛ ومرة أخرى يقف الدارس حائراً في تقلب هذا

стр. 521

الذوق الأندلسي في فترة زمنية قصيرة، فبعد سنوات سنستمع أشياخ ابن خلدون يخرجون المعري - وأستاذه المتنبي - من دائرة الشعر، لأنهما لا يجريان على طريقة العرب، وتلك عودة لا إلى الصورة ولا إلى الحكمة، وإنما هي عودة إلى البحتري، أي إلى جمال الموسيقى (١) . الرندي مصنف مدرسي لآراء النقاد المشارقة وقد كان من الممكن ان نقف قليلاً عند أبي البقاء الرندي (- ٦٨٥) من أدباء هذا العصر وسعرائه، فقد خلف كتاباً سماه " الوافي في نظم القوافي "؛ ولم يكن الرندي من المهاجرين الأندلسيين فلهذا لم يكن بحاجة إلى الموقف الدفاعي، وكتابه لا يضيف شيئاً جديداً إلى القضايا والآراء النقدية، وإنما هو ذو منحى تعليمي خالص، جمع فيه بين ما جاء في كتاب العمدة وما جاء في الفصل الخاص من " العقد " حول الشعر والشعراء، واستقل بزيادة بعض الأمثلة أو بحشد التقسيمات الواردة في المصادر المختلفة، فليست له قضية نقدية يدافع عنها أو يتبناها، وإنما هو يكتب بصيغة تقريرية خالصة " وقد أوردت في كتابي هذا جملة كافية في صنعة الشعر لمن أحب أن يأخذ بأزراره ويطلع على أسراره ويتفنن في بديعه ويتبين سقطه من رفيعه "، وهو يردد ما قاله معاصروه وكثير ممن سبقهم من أن المتأخر ربما بلغ " بشرف الاطلاع ما لم يبلغ المقدم بفضل الاختراع "؛ وقد نقول إن شعوره بهوان الشعر في عصره هو الذي جعله يتحدث عن فضل الشعر وأن كثيراً من الخلفاء والأمراء قالوه " وهم القدوة "، ولكن

стр. 522

الأمر لا يعدو ما قاله صاحب العقد قبل قرون كثيرة: فكتاب " الوافي " مثل آخر على مدى تأثير العمدة في النقد في الأندلس. حازم القرطاجني ملتقى الروافد العربية واليونانية جميعاً وربما كانت آخر صلة بين كتاب أرسطو والنقد العربي متمثلة في كتاب حازم القرطاجني " منهاج البلغاء وسراج الأدباء "؛ وحازم ينتمي إلى شرق الأندلس، غير انه غادر وطنه حين سقط بلده في يد الرومس أو قبيل لك وعاش في ظل الدولة الحفصية، وفي مهاجره الجديد كتب كتابه المذكور. الناقد الغريب الضائع يحس بضياع الشعر ولم يكن غريباً على حازم الذي فقد وطنه ان يحس بالضياع، وان ينعكس إحساسه هذا على حال الشعر والنقد في عصره؛ أما الشعر فإنه منذ مائتي عام يعاني خروجه عن مذهب الفحول في الإحكام والانتقاء (١) ؛ وقد تضاءل جمهوره وقل المقبلون عليه، بل أصبح كثير من أنذال العالم - وما أكثرهم - يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة، مع أن القدماء كانوا يعظمون صناعة الشعر حتى كانوا يرون في الشاعر كما يقول ابن سينا: نبياً يعتقد قوله وتصدق حكمته ويؤمن بكهانته؛ وغنما تردى الشعر إلى هذه الدرجة من الهوان لعجمة في ألسنة الناس (٢) واختلال في طباعهم، ثم رأى هؤلاء ما ركبه الاخساء الذين اتخذوا " الأشباح الشعرية " وسيلة لاستدرار الاعطيات من السوقة، دون أن يعرفوا حقيقة الشعر، ظانين أن كل ما ركب على وزن وقافية يعد شعراً، وضاعت التفرقة بين الشعر الحق وهذا " الشبح "

стр. 523

الذي يرسم صورة الشعر دون حقيقته، واستنكف الذين يعرفون قدر الشعر عن أن يسلكوا أنفسهم في هذه الموجة من الانحطاط الفني، خوفاً من أن يظن الناس أن الفريقين - من النظامين والشعراء - على مستوى واحد، بل لعلهم ظنوهم كذلك، فعاملوهم بنفس القدر من الاستهانة، وشاع بين الناس أن الشعر زور وكذب، جهلاً منهم بحقيقة الشعر أيضاً، أو حسداً للشعراء أدى بهم إلى تنقص الشعر والزراية به، وبهذا لم يفقد الناس تقديرهم للشعر وحسب، بل انهم فقدوا الهزة التأثرية عند سماعه (١) . وبضياع النقد وأما النقد فإنه صناعة سحب عليها الخمول أذياله، ولهذا يحس حازم باليأس من الاستقصاء فيه، لان العناية بالشيء تكون على قدر المستفيدين، وقد اصبح المستفيدون قلة، هذا مع أن " النقد " أو " تعليم صناعة الشعر " أمر لا يستغني عنه عصر من العصور، حتى العرب على ما اختصت به من جودة الطباع في عصور ازدهار الشعر لم تكن تستغني في نظم القصائد عن التعليم والإرشاد، والتنبيه على العيوب وعلى الجهات التي قد تدخل منها. والدليل على ذلك أن كل شاعر ناشئ كان يلزم أحد الشعراء المحنكين، ويتعلم منه قوانين النظم ويتدرب على يديه في شئون البلاغة؛ أما في عصر حازم فإن الذي يريد أن يتقن الفن الشعري يرى أن طبعه يهديه إلى ذلك دون حاجة إلى معلم، فإذا أتقن الكلام الموزون المقفى ظن انه قد أصبح واحداً من الفحول، ذلك لأنه يعتقد " أن الشعرية في الشعر إنما هي نظم أي لفظ اتفق كيف اتفق نظمه، وتضمينه أي غرض اتفق، على أي صفة اتفق، لا يعتبر عنده في ذلك قانون ولا رسم موضوع " (٢) .

стр. 524

المصلح المنتظر ناقد يجمع بين الثقافتين الشعر والنقد كلاهما قد انحدر إلى الحضيض؛ ولابد لهما من امرئ مؤمن بهما معاً ينقذهما من هذا الانحطاط الذي ترديا في مهاويه، وهذا الإنقاذ لا يحسنه إلا ناقد يستطيع ان يجمع بين الثقافتين: العربية واليونانية، فإن الشعر بعد اليوم لا يستطيع أن يعتمد على رجل واحدة، بل لابد له، كما حاول النقاد في العصور السابقة، من رجلين اثنتين، وبدأ حازم من هذا الموقف يرسم الطريق التي يعتقد صحتها، وهو ينطلق من موقف إصلاحي، وإن كنا نحس ان حماسته للإصلاح لم تكن لتخفي عنه " يلقي ترنيمه في أرض غريبة "، وإمامه تراث كبير من النقد القائم على الطريقة العربية، وبين يديه تلخيص ابن سينا لكتاب الشعر، ومن المزاوجة بين هذين التراثين، حاول أن يرسم " منهاجاً " للبلغاء وان يوقد " سراجاً " للأدباء؛ وحين نظر في كتاب الشعر كما لخصه ابن سينا أزداد اقتناعاً بان القواعد اليونانية وحدها لا تستطيع ان تستغرق الشعر العربي، بالحكم والتفسير، وكان ابن سينا نفسه هو الذي أوحى غليه بذلك، ولهذا آمن بان الحكيم أرسططاليس، رغم عنايته بالشعر وكلامه على قوانينه، قصر أحكامه على أشعار يونان، وهي محدودة الأغراض والاوزان، تدور على خرافات موضوعة، يهدفون منها إلى أن تكون أمثلة لما قد يقع في الوجود، ولهم طريقة يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه وتنقل الدول، ولكن ليس لديهم تشبيه الأشياء بالأشياء، وإنما لديهم التشبيه بالأفعال لا في ذاتها، ولو أن أرسطو عرف الحكم والأمثال والاستدلالات واختلاف ضروب الإبداع في الشعر العربي لكان بحاجة إلى التوسع في القوانين التي وضعها؛ إذن فالطريق مهيأ أمام حازم ليزيد على ما جاء به أرسطو، وهذا أيضاً من وحي ما اقترحه ابن سينا، فإنه ختم تلخيصه بقوله " ولا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق وفي علم الشعر بحسب عادة الزمان كلاماً شديد

стр. 525

التحصيل والتفصيل " (١) . ويبدو أن ابن سينا لم يبتدع شيئاً من عند نفسه في هذا الموضوع، وشغلته عنه ظروفه، فليقم حازم بما قصر فيه أو شغل عنه ذلك الفيلسوف. غير انه - وربما كان هذا من قبيل الحيطة - لم يحاول الاستقصاء إلى النهاية في هذه " البويطيقيا " الجديدة، وإنما ترك أشياء كثيرة مكتفياً بان يعرض الظواهر الكبرى في صناعة الشعر، ثم ما يليها من أمور تقع على عمق غير بعيد عن الظاهر، فأما الدقائق والخفايا، فقد اعرض عنها لعسرها أولاً، ولأنها تتطلب إطالة كثيرة ثانياً، ثم لأن من احكم الظواهر الكبرى وما بعدها من " المتوسطات " استطاع ان يهتدي بنفسه إلى الدقائق والخفايا (٢) . اليأس من الحال لم يقلل من الإخلاص في محاولة الانتقاد وحقيقة الحال أن اليأس الذي كان يتسلل إلى حازم بسبب وضع الشعر والنقد في عصره، لم يمنعه من ان يكون مخلصاً في رسم منهجه النقدي، إلا أن قلة ثقته في المستوى الثقافي لأبناء ذلك العصر لم يحفزه على النزول إلى مستواهم، فكتب، منتحلاً خطة كان الشكل الذي اختاره، يناقض الغاية العملية من الإصلاح الذي ارتاه، فذهب جهده صيحة في واد، ولم يستطع أن ينقد الشعر، أو يوجه النقد، ولو أن كتاب حازم ظهر يوم ظهر نقد الشعر لقدامة أو الموازنة للآمدي لكان له - فيما أقدر - في توجيه النقد الأدبي دور آخر.

стр. 526

عرض متسلسل لمنهج حازم وفي سبيل الاطلاع على ما قاد به حازم لابد من أن تقيم ترتيباً جديداً للخطوات التي سار فيها، متذكرين في كل خطوة، إن هذا الناقد أسلم نفسه إلى وضع القواعد ولم يحاول التمثيل إلا في النادر، فجاء كلامه نظرياً، ولكنه سلم مما تورط فيه ابن رشد من التباين بين القاعدة والمثال؛ وقد نمر أثناء إعادة الترتيب على أمور لها ما يشابهها عند النقاد الآخرين، ولكن الرغبة في الكشف عن " التصور الكلي " لمنهج حازم يجعلنا نتغاضى عن هذا التكرار. ما هو الشعر لم ينف حازم أن الشعر كلام موزون مقفى (١) ، ولكنه وقف من هذا التعريف عند ناحية التأثير أي فعل الشعر في التحبيب والتنفير، وذلك لأن الشعر يعتمد على عناصر تكفل له هذه القدرة منها: حسن التخييل أو المحاكاة أو الصدق أو الأغراب (٢) ولكن " أحسن الشعر ما حسنت محاكاته وهيأته وقويت شهوته أو صدقه أو خفي كذبه وقامت غرابته " (٣) ، وأردأ الشعر ما كان بضد ذلك، وهذا النوع الرديء جدير بألا يسمى شعراً؛ ذلك هو تعريف الشعر بالنسبة لتأثيره، أما من حيث الإبداع فإنه وليد حركات النفس أي وليد انفعالات تتناوب النفوس بين قبض وبسط (نزاع إلى ونزوع عن) وحركات النفس بين بسائط ومركبات، تتضمن الارتياح والاكتراث وما تركب منهما - وهي الطرق الشاجية، وتحت هذه يقع الاستغراب والاعتبار والرضى والغضب والنزوع والخوف والرجاء، ومن قيام الشعر بوصف هذه الانفعالات، تتولد المعاني الشعرية التي سنتحدث عنها فيما

стр. 527

بعد (١) ؛ ولا بد لإبداع الشعر في أكمل الوجوه من ثلاثة عوامل خارجية: (أ) المهيئات: وأهمها البيئة ذات الهواء المعتدل والمطعم الطيب والمناظر الجميلة، والنشأة بين الفصحاء الذين دربوا على الإحساس بالإيقاع، وحفظ الكلام الفصيح. (ب) الأدوات: وهي العلوم التي تتناول الألفاظ والأخرى التي تتناول المعاني. (ج) البواعث: وهي نوعان: إطراب وآمال (فالإطراب كعوامل الحنين والآمال كالاستشراف إلى العطاء وما أشبه) . ولهذا قلما يبرع في الشعر إلا من نشا في بقعة فاضلة وفي أمة فصيحة (ليجود اللفظ) وحدته آمال إلى التجويد وإعمال الروية، وخلق لديه الحنين رقة في الأسلوب. ولا بد لكمال الإبداع من عوامل داخلية، وهي توفر ثلاث قوى لدى الشاعر: (أ) القوة الحافظة: وذلك بان تكون خيالات الفكر منتظمة متمايزة، نعرف طبيعة الموضوع الذي يقبل عليه الشاعر فترفده بالتصور المناسب، دون أن يعتكر خياله فيقع في التخليط وعدم انتظام الصور. (ب) القوة المائزة: وهي التي تعين الشاعر على ان يميز ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض مما لا يلائم. (ج) القوة الصانعة: وهي التي تتولى ربط أجزاء الألفاظ والمعاني

стр. 528

والتركيبات النظمية والمذاهب الأسلوبية إلى بعض مع الاحتفاظ بالتدرج. فإذا اجتمعت هذه القوى معاً في شاعر أطلق عليها " الطبع الجيد ". ويبدو لنا من هذا المدخل إلى الشعر معظم الخصائص التي يتصف بها منهج حازم، فهو منهج قائم على الانتقاء والتنسيق والقياس؛ فهو قد انتقى من نقاد الفلاسفة تعريفه لماهية الشعر وعلاقته بحركات النفس، ومن الجاحظ القول بأثر البيئة والعرق (وذلك شيء شارك في جانب منه ابن قتيبة) ، ووقف مع جميع النقاد القائلين بحاجة الشاعر إلى الثقافة (العلوم) وكذلك هو في حديثه عن البواعث؛ أما حديثه عن القوى الحافظة والمائزة والصانعة فإنها قياس على ما وجده لدى الفلاسفة (وخاصة ابن سينا) من الحديث عن قوى النفس: قوة الفنطاسيا والقوة المصورة والقوة المخيلة والقوة الوهمية والقوة الحافظة الذاكرة (١) ؛ وتبدو قيمة هذا الجمع في سيطرة حازم على مختلف الجوانب التي نجدها مبعثرة هنا وهناك - على مر الزمن - عند كثير من النقاد. الفرق بين الشعر والخطابة وقضية الصدق والكذب ومما يزيد حد الشعر وضوحاً إقامة التفرقة بينه وبين الخطابة، وقد كان لابد لحازم من أن يتصدى لهذا الموضوع خضوعاً للأثر الفلسفي الذي استوحاه من الفارابي وابن سينا، ويبدو انه هنا لم يحاول أن يجري في مضمار من تقدموه وإنما انفرد باستنتاجات جديدة. فقد قرر هنا أن الشعر قائم على التخييل وإن الخطابة قائمة على الإقناع، وكان الفارابي قد قال إن الأقاويل الشعرية كاذبة بالكل لا محالة لأنها قائمة على التخييل، ورغم ذلك فإنها ترجع إلى نوع من أنواع السولوجسموس (القياس) وأن لهذا التخييل قيمة

стр. 529

البرهان في العلم. وسمى هذا التخييل باسم المحاكاة، وان المحاكاة لذلك أهم عنصر في الشعر، ولكنها ليست عنصراً في الخطابة، إذ تقوم الأقاويل الخطابية على الإقناع فهي صادقة بالمساواة (أي أن الصدق والكذب فيها متساويان) ؛ ولكن حازما ذهب من الأسس التي وضعها - أو صاغها - الفارابي في منحى آخر. فالخطابة تقوم حقاً على الإقناع ولكنها تعتمد على تقوية الظن لا على إيقاع اليقين ومن ثم كانت غير صادقة إلا أن عدل بها عن الإقناع إلى التصديق؛ أما التخييل في الشعر فإنه - كما قال الفارابي - قد ينقل الشيء على ما هو عليه أو يخيله على غير ما هو عليه، فهو أحق بأن يقال فيه: إن مقدماته تكون (إذا نقل الشيء على ما هو عليه) صادقة وتكون (إذا خيل الشيء على غير ما هو عليه) كاذبة (١) . وبعد أن يحدد حازم طبيعة السولوجسموس الشعري وهو أنه يرد دائماً محذوف إحدى المقدمتين أو النتيجة لأنه لا حاجة به إلى الإطالة في التفصيل (إذ في قوة القول نفسه ما يدل على المحذوف) يتجه حازم إلى القول بأن ما كان من الأقاويل القياسية مبنياً على تخييل وفيه محاكاة فهو قول شعري سواء كانت مقدماته برهانية أو جدلية أو خطابية، يقينية أو مشتهرة أو مظنونة؛ وعلى هذا فالقول الشعري يقبل من الخطابة بمقدار، ويظل على ذلك قولاً شعرياً. فالأقاويل الصادقة تقع في الشعر ولكنها لا يصح أن تقع في الخطابة لان الإقناع بعيد من التصديق، إذ هو مبني على الظن الغالب، والظن مناف لليقين (٢) . وقد تقع فيه الأقاويل الكاذبة لأنه قد يبدأ بمقدمات مموهة وهو شعر في الحالين، لأنه لا يسمى شعراً بمقدار ما فيه من عنصري الصدق والكذب وإنما بمقدار ما فيه من محاكاة أو تخييل (٣) .

стр. 530

على أنا إذا نظرنا نظرة تفصيلية إلى الشعر من زاوية الصدق والكذب وجدنا الصدق يتعين في أحوال منها تحسين حسن ليس له نظير، فهذا يجب أن تكون الأقوال فيه صادقة، وتقبيح قبيح ليس له نظير، وهو في حكمه كالاول، وتحسين حسن له نظير، ويقع الصدق فيه كثيراً وخاصة لأنه يعتمد مبدأ التوسط في المحاكاة، وتقبيح قبيح له نظير، وهو كسابقه، أما من ناحية الكذب فالقول قد يبنى على الاختلاق الإمكاني كأن يصف الشاعر حبه وشجاه من غير أن يحب أو يحس بالشجى، وهذا لا يعلم كذبه من ذات القول، ولا يحكم عليه بالكذب، وقد يبنى على الاختلاق الإمتناعي والإفراط الإمتناعي والإستحالي وفي هذه جميعاً يكون القول كاذباً. أما الإفراط الإمكاني فلا يتحقق ما هو عليه من صدق أو كذب لا من ذات القول ولا من بديهة العقل، ولذلك لا يوصف بالكذب. يتبين من هذا إن الأقاويل الشعرية بعضها واقع (حاصل) وبعضها مختلق، وكلا القسمين يكون في ثلاث حالات اقتصار أو تقصير أو إفراط، فالأقاويل الحاصلة صادقة في حالي الاقتصاد والتقصير، وما كان إمكانياً فإنه يتحمل الصدق والكذب، ثم تكون الأصناف التالية كاذبة: الحاصل الممتنع، والحاصل المستحيل، والمختلق المقصر، والمختلق الاقتصادي والمختلق الإمكاني، والمختلق الإمتناعي، والمختلق الإستحالي. وإذا أنعمنا النظر في هذا الإحصاء وجدنا أن ما يدخل فيه الكذب أكثر عدداً مما يدخله الصدق، إلا إن حازماً بعد هذا كله يرجع من حيث بدأ فيرى أن الاعتبار في الشعر ليس بالنظر إلى الصدق والكذب بل بالنظر إلى التخييل، وأن الصدق والكذب أمران يرجعان إلى المفهومات لا إلى الدلالات، بل يخطو خطوة أبعد فيزعم أن الصدق أقدر على التحريك من الكذب، إذ التحريك في الصدق عام والتحريك في الأقوال الكاذبة خاص، ولخصوصيته كان ضعيفاً؛ ومن ثم فإن الصدق في المواد الشعرية أفضل. ويستنتج من
следующие страницы →