← Адаб

Адаб · id 1015

تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)

إحسان عباس

Полный текст (321 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والفرق بينه وبين أبي الطيب ليس في النغمة العامة، وإنما في ان فلسفة تقوم على قوة نفسية مستمدة من الزهد في الناس ومن القناعة وليس هذا من مذهب المتنبي. وإذا كان ابن عبدون يترسم مبنى المتنبي وحده دون فلسفته فان ابن وهبون يترسم الاثنين معا في مثل قوله (١) : وإني لفي دهر قرائس أسده ... سدى عبثت فيها نيوب كلاب أتخفى على الأيام غر مناقبي ... وقد بز شأوي شأو كل نقاب ويركبني رسم الخمول وقد غدت ... خصال العلا والمجد طوع ركابي سأرقى بهماتي قصارى مراتبي ... وإن كان أدناها يطيل طلابي لتعلم أطراف الأسنة أنني ... كفيل لها عند الصدا بشراب وتشهد أطراف اليراعات أنني ... بهن مصيب فصل كل خطاب وليس نديمي غير أبيض صارم ... وليس سميري غير شخص كتابي مضمخة لا بالمخلوق أناملي ... مزعفرة بابعير حرابي ولكن بنفح بخجل الروض زاهرا ... ولكن بدعس في كلى ورقاب ومن لم يخضب رمحه في عداته ... تساوت به في الحي ذات خضاب ومن لم يحل السيف من بهم العدا ... تحلى بخزي في الحياة وعاب إذا ورق الفولاذ هز تساقطت ... ثمار حتوف أو ثمار رقاب ومن يتخذ غير الحسام مخالبا ... فما هو إلا وارد بسراب ومن غره من ذا الأنام تبسم ... فبالعقل قد أضحى أحق مصاب

стр. 107

ولا ريب في أن عبد الجليل أقل عنفا من المتنبي، ولكن حديثه عن أطراف الأسنة وعن صديقيه الحسام والكتاب وعن المخدوعين بالتبسم إنما هو ترديد لمعاني أبي الطيب، أو إن شئت فقل إنه يرى انعكاس صورة أبي الطيب في مرآة أبي فراس الحمداني. وأما أثر العلاء فواضح كل الوضوح في الاتجاه الفلسفي العام؟ الذي سأتحدث عنه في موضعه - ولكن الأندلسيين أنفسهم يشهدون بمدى إقبالهم على شعره ونثره ومعارضتهما. ولنقف مرة أخرى عند محمد ابن عبد الغفور الكلاعي الذي أورد في كتابه " أحكام صفة الكلام " ثبثا بأسماء ما كان يتداوله الأندلسيون من كتب أبي العلاء. فيحدثنا ابن عبد الغفور كيف اجتمع وصديقا له في بعض المجالس، وأخذا في ضروب الفصاحة فاتهمه صاحبه بأنه لا يعرف كيف يكتب في السلطانيات، فحمله ذلك علي تأليف كتاب على مثال " السجع السلطاني " لأبي العلاء. وكيف تذاكر هو وصاحبه ما لأبي العلاء من تواليف بديعة فقال صاحبه أن ابا العلاء لا يجارى ولا يبارى ولا يعارض في واحد منها، فأحب ابن عبد الغفور ان يثبت تفوقه فكتب رسالة " الساجعة والغربيب " معارضة لرسالة " الصاهل والشاحج " لأبي العلاء، ثم عارضه بتأليف سماه " ثمرة الألباب " مضاهيا بذلك " سقط الزند "، وعرضه في خطبة كتاب الفصيح وهذا جهد معجب واحد من المعجبين بأبي العلاء وهناك آخرون غيره منهم ابن الخصال الذي عارضه في ملتقى السبيل، والسرقسطي الذي تأثر خطاه في المقامات فبناها على لزوم ما لا يلزم، وتأثره ابن خفاجة من حيث الشكل حين استعمل اللزوم في شعره. وليس من السهل ان نمثل على تأثر الأندلسيين بالمبنى الشعري عند ابي العلاء فأن سقط الزند الذي استأثر باهتمامهم فيه الشيء من اثر المتنبي نفسه.

стр. 108

ولكن ليس من العسير أن نمثل على الجو البدوي العام الذي اخذ يتنفس فيه الشعر الأندلسي في ذلك العهد، ذلك لأنا نجد أمثلته حاضرة عند كثيرين من الشعراء، وبخاصة في مقدمات المدائح، فمن ذلك قول ابن حصن أحد شعراء المعتضد (١) : ما هاج برج الهوى إلا مطوقة ... كأنها من نحول شفها جيم أيا حمامة ذا الوادي أثرت جوى ... تنقض منقدة منه الحيازيم إن لا يكن واديا حلت ركابهم ... به فما وإلا فما واديك مأموم نغشى بهن بنات الوخد سابحة ... تهوي وقد هم بالمسار تهويم يقيم سرى الليل تأويب النهار وللهجير من لهب الرمضاء تضريم ... والآل عند هيام القيظ مضطرب كأنه في بساط القاع محموم ... يزاحم الليل والخرقاء موضعه ... والقفز مثل طراد السيف ديموم مرقته وثرياه تلوح كما ... لاحت بأنمل زنجي حواتيم ومن شعر يحيى بن بقي وهو يصف رحلته إلى الممدوح على ناقة ينقل لنا جوا صحراويا في نغمة جزلة بدوية (٢) : أوضعت بي إليه وجناء حرف ... أكلتها السفار أكل القضيم تترك الريح خلفها وهي حيرى ... بين إيضاعها وبين الرسيم ظلت أطوي القفار منها بلام ... طبعتها بالميم بغد الميم فأتته والمرو قد نال منها ... فهي تخطو على وظيف رثيم

стр. 109

وقليلا تمتعت في الفيافي ... بسنام كالعارض المركوم فأنخنا إلى فناء جواد ... ماله نهبة لكل عديم ومن شعر عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني قصيدة افتتحها بوصف الأطلال والأماكن المشرقية (١) : لمن طلل دارس باللوى ... كحاشية البرد أو كالردا رماد ونؤي ككحل العروس ... ورسم كجسم براه الهوى غدا موسما لوفود البلى ... وراح مراحا لسرب المها عجبت لطيف خيال سرى ... من السدر أنى إلي اهتدى وكيف تجاوز جوز الحجاز ... وجوز الخميس وسدر المنى ولم يثنه حر نار الضلوع ... وبحر الدموع وريح النوى نذكر ايامنا بالعقيق ... وليلتنا بهضاب الحمى ولابن البين قصيدة يذكر فيها شيئا من هذا الجو البدوي الحافل بالغزلان ورحلة الجمال (٢) : أفي كلل الأضعان غزلان رملة ... أم احتملت فيها جاذر وجرة ولما تولت بالجمال جمالهم ... تولى جميل الصبر يوم تولت بوادي الكرى لاقيتها وهي عاطل ... فأرسلت در العين لما تجلت إذا نسمت ريح الصبا في جنابها ... ستنكر في سلسالها طعم عبرتي وإذا مضينا في اختيار الأمثلة كثرت وطالت، فحسبنا هذا القدر.

стр. 110

وفي بعض تلك القصائد ما يذكرنا بذلك الاتجاه الذي انتحاه الشريف الرضي في قصائد " الحجازيات " تلك القصائد المبنية على نوع من الحنين المبهم مع الإشارة إلى الأماكن البدوية. وقد اقر ابن خفاجة انه نسج بعض قصائده على منوال قصائد الشريف ومهيار، فمما قاله ناظرا إلى الأول (١) : ألا ليت أنفاس الرياح الرواسم ... يحيين عني واضحات المباسم ويلثمن ما بين الكثيب إلى الحمى ... مواطئ أخفاف المطي الرواسم ويرمين أكناف العقيق بنظرة ... تردد في تلك الربى والمعالم فما أنسه يوما بذي النقا ... أطلنا به للوجد عض الأباهم ومن قوله ناظرا إلى شعر الثاني: ويا بانة الوادي بمنعرج اللوى ... أتصغي على شطح النوى فأقول ويا نفحات الريح من بطن لعلع ... ألا جاد من ذاك النسيم بخيل ويا خيم نجد دون نجد تهامة ... ونجد ووخد للسرى وذميل ويقول ابن خفاجة في التعليق على ذكره لأسماء هذه الأماكن: " وأما اسماء تلك البقاع، وما انقسمت إليه من انقسمت إليه من صفة نجد أو قاع، فإنما جاء بها على أنها خيالات تنصب ومثالات تضرب، تدل على ما يجري مجراها، من غير ان يصرح بذكرها " (٢) ، يعني بذلك انه اتخذها رمزا لا حقيقة للإيماء إلى منازل يهواها وأشخاص يوليهم ثقته وحبه

стр. 111

ولم يكن وحده مجالا لهذا الطبع البدوي، بل كان النثر كذلك ميدانا لصورة، وابرز حشد الأمثال في الرسائل على نحو من الإغراق. وما رسالة ابن زيدون الهزلية إلا مثل واحد من عدة أمثلة، كلها يعتمد على إيراد الأمثال الكثيرة. وإذا كان هذا هو الأثر الذي أصاب المبنى، فأن الأثر البدوي - أو طريقة العرب - لم تقف عند ذلك بل تجاوزته إلى الموضوع، وخاصة موضوع الرثاء، وسنرى حين ندرس معالم التطور في الموضوع مدى ذلك كله. وليس معنى هذا أن طريقة العرب قد طمست ما عداها في الاتجاه الشعري - مبنى وموضوعا - فقد بقيت طريقة المحدثين وعمادها التجديد في الاستعارة - أو الاهتمام بالصورة - واضحة في الشعر، وبخاصة شعر الوصف. وقد حاول ابن خفاجة ان يجمع في القصيدة الوصفية بين التدفق والجزالة من ناحية والصور المحدثة من ناحية أخرى فخرج بضرب من الشعر في الطبيعة، مثقل متزاحم بين الموسيقى القوية والصورة البعيدة. ٍ - ٢ - التطور في الموضوع ١ - الرثاء: هو أوضح موضوع تجلد فيه أثار " طريقة العرب "، وتلك ظاهرة لمحها ابن بسام ووضح رأيه فيها، فقال معلقا على قصيدة لأبي محمد بن عبدون: " وهذه القصيدة طويلة، سلك فيها أبو محمد طريقته في الرثاء

стр. 112

إلى الإشارة والإيماء بمن أباده الحدثان من ملوك الزمان، وقد نسق ذكرهم على توالي أزمانهم؟ واقتفى أبو محمد أثر فحول القدماء من ضربهم الأمثال في التأبين والرثاء بالملوك الأعزة وبالوصول الممتنعة في قلل الجبال والأسود الخادرة في الغياض وبالنسور والعقبان والحيات في طول الأعمار وغير ذلك مما هو في أشعارهم موجود، فأما المحدثون فهم إلى غير ذلك أميل، وربما جروا أيضا على السنن الأولى " (١) . والحق أيضا أن هذه الطريقة قد جرى عليها المعري في نثره وشعره حين كان يرثي أو يعزي، وما رسالته إلى أبي علي بن أبي الرجال يعزيه في ولده أبي الأزهر إلا من هذا النسق؛ ومن أمثلة هذه الطريقة في شعر ابن عبدون: سلني عن الدهر تسأل غير إمعة ... فألق سمعك واستجمع لأيرادي نعم هو الدهر ما أبقت غوائله ... على جديس ةلا طسم ولا عاد ألقت عصاها بنادي مأرب ورمت ... بآل مامة من بيضاء سنداد وأسلمت للمنايا آل مسلمة ... وعبدت للرزايا آل عباد ومن هذا الضرب قصيدته المشهورة المعروفة بالبسامة وهي التي قالها في رثاء بني الأفطس وسرد فيها مصارع المشهورين من الماضين فقال (٢) : هوت بدار أوفلت طائله ... وكان عضبا على الأملاك ذا أثر واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر واتبعت أختها طمسا وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقص المدر وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر

стр. 113

وقد جاراه أيضا في هذا الاتجاه الشاعر الكفيف أبو جعفر التطيلي، فقال من قصيدة (١) : وأعلن صرف الدهر لابني نويرة ... بيوم تناء غال كل تداني وكانا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر لو لم تنصرم لأوان فهان دم بين الدكادك واللوى ... وما كان في أمثالها بمهان ومال على عبس وذبيان ميله ... فأودى بمجني عليه وجان فعوجا على جفر الهباءة واعجبا ... لضيعة أعلاق هناك ثماني وفي أمثال هذا الشعر نحس دائما صوت الرجل " الحكيم " الذي يتمثل العبرة المجسمة في حقيقة الموت ويربط في ذلك بين الماضي والحاضر وربما لم يكن في هذا الاتجاه الشعري شيء من تصوير التأثر الذاتي للحادثة المباشرة وإنما فيه أسى عميق على العظماء من بني الإنسان، فهو بكاء على " العظمة " من خلال تصوير عظمة الموت، رجاء التأسي. ويقترب من هذا الاتجاه نحو آخر تأملي قائم على التفلسف مستوحى أيضاً من أبي العلاء في مثل قصيدته " غير مجد في ملتي واعتقادي " وسنقف عنده أثناء دراسة الاتجاه الفلسفي في هذا العصر. وليس هذا هو اللون الوحيد من الرثاء بل لعله إلا يكون اللون الغالب، ولكنه ظاهرة موجودة تستدعي الالتفات، وهناك إلى جانب الاتجاه الذي يذهب إلى التهويل في الندب والتفجع؟ دون استحضار العبرة، اتجاه آخر يمثل ما يمكن أن نسميه البكاء على زوال " الرقة

стр. 114

والجمال " أن كان النوع الأول يمثل البكاء على " العظمة ". وغالبا ما يتصل هذا اللون ببكاء " الزوجة " وهو بكاء يمتد من فقد الزوجة بالطلاق إلى فقدانها بالموت، وهو لون ذاتي خالص، يعتمد على ميل أصيل في نفس الشاعر إلى البوح، كأنه ترجمة ذاتية قصيرة، فها هنا يطلق الشاعر الأندلسي للعاطفة - التي قد يتحرج كثير من الناس عن التلويح بها - العنان، فيتحدث عن الجمال وحلاوة العشرة، وعن سهره وحزنه، ويمثل في رثائه وبكائه دور المحب المشغوف، وإذا قدرنا هذا السبب الذاتي في صمبم التركيب النفسي لصاحبه، لم نعدم أن نجد هنا لموقف الشاعر الأندلسي تفسيرات اجتماعية، أثارت هذا اللون من الرثاء على نطاق غير قليل، ومن تلك التفسيرات شعور الأندلسي بقيمة المرأة وتقديره لدورها، وقد مر بنا من قبل كيف ان هذا الشعور قد قوي في أيام المرابطين بسبب من نظامهم الاجتماعي، وأسباب ذلك أيضا ذلك التزلزل الذي أصاب شعور الأندلسي المرهف، وجعله يحس في الفقد لا معنى الفقد المباشر نفسه، بل حاجته إلى سكن يأوي إليه، وتمثل المرأة في حياته هذا السكن على نحو عميق، لأنها كانت؟ في الغالب - تشاركه صعوبات الحياة. ومهما تكن أسباب هذه النزعة العميقة الواضحة فأنها ليست قاصرة على وضع حضاري خاص، وفي شعراء البدو من كرس حياته يبكي زوجته ويتحسر لفقدها (١) ، بل هي نزعة مقرونة بأسبابها الفردية والجماعية في كل بيئة على حدة. ومن نماذج هذا الشعر في حال الفراق بالطلاق قصيدة لابن هند الداني

стр. 115

يقول فيها (١) : أبديت سري مذ كتمت سراك ... وعصيت صبري مذ أطعت هواك ونشرت أسلاك الدموع معرضا ... أني بحيث سلكت لا أسلاك أرخيمة الألفاظ، غير رحيمة ... ألدل دلك أم نهاك نهاك لا در در صباك لاستحلاله ... ما لا يحل ودر در صباك هبت ضحى فهببت نحو نسيمها ... حتى عرفت بعرفها مثواك لما أسروا البين أسروا والدجى ... متلفع الأرجاء بالأفلاك فطفقت أنشدهم وأنشد بعدهم ... " يا دار جادك وابل وسقاك " ويبلغ به وجد المحب حدا بعيدا حين يقول: هلا بعثت ولو بفرع بشامة ... عند الترحل أو بعود أراك وقرأت حين قريت ربعك أدمعي ... معنى الجوى والشوق في مغناك والقصيدة نتاج مشكلة اجتماعية، فالشاعر يحب هذه المرأة، ولكن يبدو أنه وقع ضحية يمين، أكد الشهود صدورها عنه، ووافق ذلك هوى في نفس أهلها، فأخذوها منه. والقصة على هذا النحو لا تدل على ان المرأة كانت؟ دائما - ذات رأي في مصير نفسها أو حق في اختيار ما تريد. أما رثاء المرأة التي يسلبها الموت فلعل صورته الكبرى تتجلى في ديوان كامل من الشعر والموشح نظمه ابن جبير في رثاء زوجه أم المجد، وهذا الشاعر يقع في عصر تال للعصر الذي ندرسه وإنما نذكره ليكون

стр. 116

شاهدا واضحا على هذه الظاهرة في الأندلس. أما في عصر الطوائف والمرابطين فنلتقي ثلاثة شعراء وقفوا هذا الموقف الحزين، وأولهم أبو إسحاق الالبيري الشاعر الزاهد في قصيدة له راثية (١) : عج بالمطي على اليباب الغامر ... وأربع على قبر تضمن ناظري فستستبين مكانه بضجيعه ... وينم منه عرف العاطر فلكم تضمن من تقي وتعفف ... وكريم أعراض وعرق طاهر واقر السلام عليه من ذي لوعة ... صدعته صدعا ما له من جابر فعساه يسمح لي بوصل في الكرى ... متعاهدا لي بالخيال الزائر فأعلل القلب العليل بطيفه ... علي أوفيه ولست بغادر إني لأستحييه وهو مغيب ... في لحده فكأنه كالحاضر أرعى أذمته وأحفظ عهده ... عندي فما يجري سواه بخاطري إن كان يدثر جسمه في رمسه ... فهواي فيه الدهر ليس بداثر قطع الزمان معي بأكرم عشرة ... لهفي عليه من أبر معاشر ما كان إلا ندرة لا أرتجي ... عوضا بها فرثيته بنوادر ولو أنني أنصفته في وده ... لفضيت يوم قضي ولم أستأخر وشققت في خلب الفؤاد ضريحه ... وسقيته ابدا بماء محاجري أجد الحلاوة في الفؤاد بكونه ... فيه وأرعاه بعين ضمائري وصدور هذه القصيدة عن قلب رجل زاهد يمنحها لونا خاصا، فإن كون الوفاء فيه أمرا طبيعيا لا ينقصها حظها من هذا البوح الودي الذي يلحق بمعارج العشق والتوله. وليس يخل فنيا بقصيدة الالبيري إلا استطراده فيها لذكر الحور العين وضروة العبادة لمن كان مثله كي ينالهن، وحديثه

стр. 117

" حديثا جنسيا " عن طبيعة الرضى الذي يجده إذا هو قرأ القرآن، ثم انحاؤه على نفسه باللائمة، وانثناؤه إلى مجال الأخلاق وكراهية الثرثارين. وقد بكى ابن حمديس الصقلي أم ولد له تسمى جوهرة، غرقت في البحر، فتغزل كثيرا بجمالها (١) : أيا رشاقة غصن البان ما هصرك ... ويا تألف نظم الشمل من نثرك ويا شؤوني وشأني كله عجب ... فضي يواقيت دمعي واحبسي دررك ما خلت قلبي وتبريحي يقلبه ... إلا جناح قطاة في اعتقال شرك لا صبر عنك وكيف الصبر عنك وقد ... طواك عن عيني الموج الذي نشرك هلا وروضة ذاك الحسن ناضرة ... لا تلحظ العين فيها ذابلا زهرك ويقول الشاعر مخاطبا البحر: هلا نظرت إلى تفتير مقلتها ... إني لأعجب منه كيف ما سحرك ولم يكن ابن حمديس على " جوهرة " حزنا عارضا، بل عاد إليه غير مرة، مما قد يدل على عمق أثر ذلك الفقد في نفسه. وأشد الثلاثة حزنا وتفجعا هو الأعمى التطيلي وأول قصيدته (٢) : ونبئت ذاك الوجه غيره البلى ... على قرب عهد بالطلاقة والبشر ويمتاز في هذه القصيدة إلى جانب الصدق الواري في عاطغته بأنه شديد التمثل بما يريد أن يقوله، بارع في استقصاء كثير من معاني الحزن الخفية:

стр. 118

أمخبرتي كيف استقرت بك النوى ... على أن عندي ما يزيد على الخبر وما فعلت تلك المحاسن في الثرى ... فقد ساء ظني بين أدري ولا أدري يهون وجدي أن وجهك زهرة ... وأن ثراها من دمعي على ذكر ويحزنني أني شغلت ولم أكن ... أسأل عما يفعل الدمع بالزهر دعيني أعلل فيك نفسي بالمنى ... فقد خفت ألا نلتقي آخر الدهر وإن تستطيبي فابدئيني بزورة ... فأنك أولى بالزيارة والبر منى أتمناها ولا يد لي بها ... سوى خطرات لا تريش ولا تبرى وأحلام مذعور الكرى كلما اجتلى ... سرورا رآه وهو في صورة الذعر وما نزال نجد في هذه القصيدة كما وجدنا في القصائد المشابهة تنويها خاصا بذكر جمال المرثية حيث يقول: وهل لعبت تلك المعاطف بالنهى ... كسالف عهدي في مجاسدها الحمر ونبئت ذاك الجيد أصبح عاطلا ... خذي أدمعي إن كنت غضبى على الدر خذي فانظميها أو كليني بنظمها ... حليا على تلك الترائب والنحر ولا تخبري كور الجنان فربما ... غصبنكه بين الخديعة والمكر وتتراوح القصيدة بين المبالغة والحديث العاطفي المباشر، ولكن الجانب العاطفي أقوى وأوضح من الجانب المتكلف. وللأعمى التطيلي قصائد في رثاء نساء ذوات سلطان ونقوذ من نساء المرابطين إلا أنها لا يمكن أن تكون كهذه القصيدة التي استوحاها؟ أو استوحى اكثرها - من موقف عاطفي ذاتي.

стр. 119

٢ - الاتجاه الفلسفي مر الاتجاه الفلسفي حتى هذا العصر في ثلاث مراحل: مرحلة إنكاره ومقاومته ووقوف الشعر ضده؟ كما صورت ذلك في كتاب سابق - ومرحلة التملح بالآراء الفلسفية، بالإيماء إليها في الشعر أو نظمها شعرا، وذلك ما يمثله ابن حزم في مثل قوله (١) : إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه ... فذاك وجود ليس يفنى على الأبد ومثل قوله (٢) : ترى كل ضد به قائما ... فكيف تحد اختلاف المعاني فيا أيها الجسم لا ذا جهات ... ويا عرضا ثابتا غير فان نقضت علينا وجوه الكلام ... فما هو مذ لحت بالمستبان ولكن ابن حزم لم يستطع أن يصهر النظرات الفلسفية في شعره بحيث تصبح صدى للتشرب العميق لها، بل ظلت تبدو مستمدة من ثقافته الجدلية. ثم تجيء الثالثة، وهي مرحلة تم فيها إخضاع الشعر للفكرة الفلسفية، ولا ريب في أن ذلك ناجم عن عاملين: الحرية النسبية في التعبير عن الاتجاه الفكري أولاً ثم تأثير شعر أبي العلاء المعري ثانيا. وقد عاش الاتجاهان الثاني والثالث في هذا العصر الذي ندرسه، فكان ابن

стр. 120

السيد البطليموسي يصوغ بعض الأفكار الفلسفية شعرا، فيقول مثلا (١) : تتيه وقد أيقنت أنك ممكن ... فكيف لو استيقنت أنك واجب وهل لك من عدن إذا مت أو لظى ... محيص يرجى أو عن الله حاجب ويقول أيضا في علم الله للجزيئات: يا واصفا ربه بجهل ... لم يقدر الله حق قدره كيف يفوت الإله علم ... بسر مخلوقه وجهره وهو محيط بكل شيء ... وكله كائن بأمره ومن هذا الباب أيضا تلك المقدمات التي أدرجها أبو طالب عبد الجبار الملقب بالمتنبي في ارجوزته، وضمنها أدلة المعرفة والاستدلال على الصانع تعالى من الصنعة (٢) : والجسم ليس فاعلا في الجسم ... قال بهذا القول أهل العلم وليس أولى برسم العقل ... من ذاك لما استويا في المثل أف لقول الفئة البصرية ... أهل الهوى والقرقة الغوية دانوا معا بقدم الحوادث ... سوف يجازون بخزي كارث وفيها يقول: وكل شيء جوهر أو عرض ... إلا الذي الطوع له مفترض

стр. 121

وتذكرنا هذه الأرجوزة بمنهج ابن حزم في إيراد المقدمات الأولى في علم المنطق كما صوره كتاب " التقريب "، كذلك تذكرنا بقصيدة لابن حزم مطلعها (١) : لك الحمد يا رب والقول ثم ... ويختلط هذا الاتجاه بالمذهب التعليمي من جهة والمذهب الزهدي من جهة أخرى ويتوشح ببعض الآراء الكلامية. أما التيار القائم على التفلسف فقد وجد أيضا أنصاره وبخاصة في مجال الرثاء، وشيخ هذا الاتجاه في ذلك الفن هو عبد الجليل بن وهبون المرسي أحد شعراء الدولة العبادية، وقد انقطع إلى الأستاذ أبي الحجاج الأعلم، مؤدب ولد المعتمد، وقربه المعتمد فاختص هو به ولم يرحل إلى ملك سواه، إلا انه كان يعود كل عام لزيارة أهله في مرسية، فلما خلع صاحبه حاول الخلاص من اشبيلية، وقبل أن يصل مرسية قابلته قطعة من خيل النصارى فلقي منيته حينئذ (حوالي ٤٨٤) . وقد توفي الأعلم الشنتمري يوم كان عبد الجليل ما يزال في كنف المعتمد فرثاه بقصيدة ملأها بالتفلسف حول مشكلة الحياة والموت وهو يجمع فيها اثر المتنبي والمعري معا (٢) : نفسي وجسمي إن وصفتهما معا ... آل يذوب وصخرة خلقاء لو تعلم الأجيال كيف مآلها ... علمي لما امتسكت لها أرجاء انا لنعلم ما يراد بنا فلم ... تعيا القلوب وتغلب الأهواء طيف المنايا في أساليب المنى ... وعلى طريق الصحة الأدواء

стр. 122

يتعاقب الأضداد مما قد ترى ... جلبت عليك الحكمة الشنعاء أيغرني أن يستطيل بي المدى ... وأبي بحيث تواضت الغبراء لم ينكر الإنسان ما هو ثابت ... في طبعه لو صحت الآراء ونظير موت المرء بعد حياته ... أن تستوي من جسمه الأعضاء دنف يبكي للصحيح وإنما ... أمواتنا؟ لو نشعر - الأحياء وسواء أن تجلى اللحاظ من القذى ... أو تنتضى من شخصها الحوباء ما النفس إلا شعلة سقطت إلى ... حيث استقل بها الثرى والماء حتى إذا خلصت تعود كما بدت ... ومن الخلاص مشقة وعناء كذبت حياة المرء عند وجودها ... وجد الحمام ومنه كان الداء وبعد هذه المقدمة يخرج عبد الجليل إلى رثاء شيخه الأعلم، ومن الواضح مبلغ الصلة بين هذه القصيدة وقصيدة المعري التي أشرت إليها آنفا، إلا أن عبد الجليل أكثر اتكاء على النظريات الفلسفية حين تحدث عن أن النفس شعلة (عنصر) يحملها عنصران آخران هما الماء والتراب، وحين ذهب إلى أن حقيقة الموت مائلة في الحياة، وأن الأموات حقا هم الأحياء. والقصيدة بعد ذلك مضطربة الإشارات، وإظهار " التفلسف " فيها أمر مقصود لذاته، ولكنها تمثل محاولة جديدة في الشعر الأندلسي. ومما يجري في مضمارها، ويرتكز على التفلسف في حال النفس والجسد قول أبي عامر الشنتريني (١) : يا لقومي دفنوني ومضوا ... وبنوا في الطين فوقي ما بنوا ليت شعري إذ رأوني ميتا ... وبكوني أي جزأي بكوا

стр. 123

أنعموا جسمي فقد صار إلى ... " مركز التعيين " أم نفسي نعوا كيف ينعمون نفوسا لم نزل ... قائمات بحضيض وبجو ما أراهم ندبوا في سوى ... " فرقة " التأليف إن كانوا دروا وهذه القطعة ادنى في المستوى الشعري من قصيدة عبد الجليل، إلا أنها أدق أخذاً بالمشكلة الفلسفية والمصطلح الفلسفي. على أن هذا الاتجاه لم يعجب ناقدا مثل ابن بسام فوصفه بالهذيان؟ حسبما تقدم القول -. ووقف ابن بسام نفسه من بعض أشعار السميسر التي ذهب فيها إلى التشكك الفلسفي. وقد كان السميسر صاحب مقطعات، وهو يعد في شعراء الهجاء، وتشبه مقطعاته ان تكون نوعا مما يسمى في اللاتينية " الابجرام " epigram اللاذع المستدير، سواء أقصد بها قصد الهجاء العام أو التعبير عن نظرة فلسفية فمن ذلك قوله: لا تغرنك الحياة ... فموجودها عدم ليس في البرق متعة ... لامرئ يخبط الظلم وهو في هذا اللون من التفلسف يلحق بالاتجاه الزهدي العتاهي ولكنه لا يعدم في أثناء ذلك مسحة فلسفية شكية في مثل قوله، يعني ما بعد الموت: هذا على مذهبنا ثم قد ... قيلت مقالات ولا أدري لقد نشبنا في الحياة التي ... نوردنا في ظلمة القبر يا ليتنا لم نك من آدم ... أورطنا في شبه الأسر إن كان قد أخرجه ذنبه ... فما لنا نشرك في الأمر

стр. 124

٣ - الاتجاه الزهدي: عرف الأندلسي الاتجاه الزهدي في العصر السابق على يد ابن أبي زمنين، وكان حينئذ يلتبس كثيرا بالشعر التعليمي أو يصدر عن دواعي الشيخوخة وما تحدثه من خوف الموت وما بعده. أما في هذا العصر فكانت بواعثه مختلفة بعض الاختلاف، فقد شحذته فوضى الحياة السياسية، وزادت في حب الخلاص لدى الفرد من غوائل الحياة، وشجعته على طلب النجاة لنفسه حين كان يرى الأوضاع الاجتماعية تزداد سوءا، واصبح الزهد لدى بعض أصحابه مذهبا أدبيا أخلاقيا معا، كما كان عند أبي العتاهية في المشرق، وانتحاه بعضهم لشعره بالنقمة على حظه من الدنيا وثورته على الناس من حوله. ويعد السميسر، الذي ورد ذكره آنفا، من هذا الصنف الأخير، فقد كان منحرفا في ميوله هجاء للناس؛ وهو إلى ذلك " صاحب مزدوج كأنه حذا فيه حذو منصور الفقيه " (١) ولم يكن امرءا عاملا بمبادئه الزهدية، ومن أمثلة شعره في هذا الاتجاه قوله (٢) : جملة الدنيا ذهاب ... مثلما قالوا سراب والذي فيها مشيد ... فخراب ويباب وأرى الدهر بخيلا ... أبدا فيه اضطراب سالب ما هو معط ... فالذي يعطي عذاب

стр. 125

وليوم الحشر أنعام سؤال وجواب ... وصراط مستقيم ... يوم لا يطوى كتاب فاتق الله وجنب ... كل ما فيه حساب وهو يدعو إلى القناعة والرضى بالكفاف في قوله: دع عنك جاها ومالا ... لا عيش إلا الكفاف قوت حلال وأمن ... من الردى وعفاف وكل ما هو فضل ... فإنه إسراف ولكن هذه النزعة لديه متصلة بسوء ظنه في الناس وعدم الاطمئنان اليهم، ولذلك فهو يرى منافرتهم والابتعاد عنهم، وقد صرح عن هذا الفهم في قوله: تحفظ من ثيابك ثم صنها ... وإلا سوف تلبسها حدادا وميز عن زمانك كل حين ... ونافر أهله تسد العبادا وظن بسائر الأجناس خيراً ... وأما جنس آدم فالبعادا وقد كانت الفلسفة؟ لا التقوى - أحيانا مصدر هذا الزهد، ونحن نعلم ذلك من حال الشاعر ابن الحداد الذي اختص بمدح بني صمادح واستوطن المرية اكثر عمره، وكان شغوفا بالثقافة الفلسفية، ولما اخرج عن المرية ونفض يده من ممدوحيه بني صمادح قال (١) : لزمت قناعتي وقعدت عنهم ... فلست أرى الوزير ولا الأميرا وكنت سمير أشعاري سفاها ... فعدت لفلسفياتي سميرا

стр. 126

وهو صاحب قصيدة سماها " حديقة الحقيقة " ويبدو انه عرض فيها لفلسفته الزهدية، وقد اورد ابن الابار منها هذه الأبيات الثلاثة وفيها المطلع (١) : ذهب الناس فانفرادي لأنيسي ... وكتابي محدثي وجليسي صاحب قد أمنت منه ملالا ... واختلالا وكل خلق بئيس ليس في بحي ولكن ... يلتقي الحي منه بالمرموس وصنف آخر من شعر الزهد يصدر عن علماء أتقياء عاملين يعلمهم مثل ابن الريوالي الفقيه المحدث، وله في مذهبه شبه بابن حزم فقد كان لا يرى التقليد وانما يختار ما يراه الاصلح، ويقول بالعلة المنصوص عليها ولا يقول بالمستنبطة، ومضى ليه دهر وهو يقول بدليل الخطاب ثم نبذه وطرحه (٢) وقد قال فيه الحميدي انه فقيه مشهور عالم زاهد وله أشعار كثيرة في الزهد وغيره (٣) ونموذج شعره قوله: يا معجبا بعلائه وغنائه ... ومطولا في الدهر حبل رجائه كم ضاحك أكنافه منشورة ... ومؤمل والموت من تلقائه وقوله (٤) : ايام عمرك تذهب ... وجميع سعيك يكتب ثم الشهيد عليك منك ... فأين أين المهرب

стр. 127

وهذا نظم يراد به التذكير، وحظه من حرارة الانفعال الذاتي ضئيل. ومن هذه الطبقة احمد الاقليشي (١) الزاهد العازف عن العازف عن الدنيا وله معشرات في الزهد حملت عنه وكتبها الناس، وله قصيدة في صورة مناجاة ذاتية يحاسب فيها نفسه على التورط في الذنوب: ثلاثون عاما قد نولت كأنها ... حلوم تفضلت أو بروق خواطف وجاء المشيب المنذر المرء أنه ... إذا رحلت عنه الشبيبة تالف فيا أحمد الخوان قد أدبر الصبا ... وناداك من سن الكهولة هاتف فهل أرق الطرف الزمان الذي مضى ... وأبكاه ذنب قد قدم سالف فجد بالدموع الحمر جزنا وحسرة ... فدمعك ينبي أن قلبك آسف ولأبي بكر العبدري أحد الزهاد معشرات في الغزل كفرها بمثلها في الزهد وشرحها في سفر ضخم (٢) . وهذا يذكرنا بما فعله ابن عبد ربه في القصائد الممحصات وبما شاع في الموشح نفسه من تكفير حتى اصبح احد ضروب الموشح يسمى المكفر. ومن هذا الفريق من الصلحاء علي بن إسماعيل الفهري القرشي وهو اشبوني شقباني الأصل يكنى بأبي الحسن الطيطل: " قرأ العلم بقرطبة واخذ عن علمائها واكثر من حفظ الآداب والأشعار حتى ليقال انه حفظ شعر عشرين امرأة أعرابية، وكان من الأدباء النبلاء والشعراء المحسنين مطبوع الأغراض سمح القريحة مشاركا في الحديث والفقه، انفذ في التلبس بذلك صدرا من عمره ثم مال إلى النسك والتقشف، ونظم في تلك المعاني أشعارا

стр. 128

رائقة وضروبا من الحكمة تناقلها الناس وحفظوها عنه واتخذ لنفسه رابطة في رقعة من جنة له على بحيرة شقبان عرفت برابطة الطيطل؟ إلى الآن - ولزم العبادة بها إلى أن توفي " (١) وفيه يقول ابن بسام: " ممن نظم الدر المفصل لا سيما في الزهد فان أهل أوانه، كانوا يشبهونه بأبي العتاهية في زمانه " (٢) وأورد له ابن عبد الملك وابن بسام قصيدة في وصف النملة يتأمل في دقة خلفتها بما يشهد على قدرة الله الذي هيأ لها رزقها، ومن قصائده الزهدية قوله (٣) : يا غافلا شأنه الرقاد ... كأنما غيرك المراد والموت يرعاك كل حين ... فكيف لم يجفك المهاد ما حال سفر بغير زاد ... والأرض قفر ولا مزاد ضمر جوادا ليوم سبق ... لمثله يرفع الجواد أين فلان وكم فلان ... قد غيبوا في الثرى فبادوا لا تبغ دنيا فان عنها ... المؤمن المتقي يذاد فأين بها بالتقى بروجا ... تأمن إذا روع العباد واعتبر الأرض كيف مدت ... فهي لهذا الورى مهاد ثم السماء التي أظلت ... قد رفعت مالها عماد كما بناها يبني سواها ... كما بدأنا كذا نعاد

стр. 129

على أن فارسي ميدان الزهد اللذين جريا فيه إلى نهايته وجعلا منه فنا هما ابن العسال وأبو اسحق الألبيري: أما ابن العسال فكان زاهد طليطلة المشهور بالكرامات واجابة الدعوات ولما سقطت طليطلة رحل عنها وسكن غرناطة وتوفي بها (- ٤٨٧) وكان قبره فيها مكرما والناس يزورونه في عصر ابن سعيد (١) وليس كثيرا ما وصلنا من شعره الزهدي ولكن ربما كان من أقوى نماذجه قوله (٢) : انظر الدنيا فان أبصرتها شيئا يدوم ... فاغد منها في أمان إن يساعدك النعيم ... وإذا أبصرتها منك على كره تهيم ... فاسل عنها واطرحها وارتحل حيث تقيم ... وأما أبو اسحق الالبيري فهو إبراهيم بن مسعود التجيبي الغرناطي (- ٤٦٠) وكان من أهل العلم والعمل معروفا بالصلاح، وقد نفي إلى البيرة فأصبح يعرف بالالبيري، وهو يمثل حلقة الوصل المتوسطة في تاريخ الزهد الأندلسي، فقد روى هو مؤلفات ابن أبي زمنين وأشعاره ثم تشبه به ابن العسال وعلى طريقته جرى، وكانا معا فرسي رهان في ذلك الزمان صلاحا وعبادة (٣) ومن اللافت للنظر أن هذين الزاهدين كانا من أشد الناس إحساسا بسوء الأوضاع السياسية في وطنهما، فبكى ابن العسال سقوط بريشتر ثم سقوط طليطلة، وكان الالبيري صاحب الدعوة إلى

стр. 130

ثورة صنهاجة ضد تسلط اليهود بعامة وابن النغريلة بخاصة في شئون دولة بني زيري، وكانت قصيدته: ألا قل لصنهاجة أجمعين ... بدور الزمان وأسد العرين الشرارة التي اذكت نار الثورة يومئذ، وبسبب صراحته ووقوفه وقفة صلبة كان باديس قد نفاه قبل تلك الحادثة من غرناطة إلى البيرة. ولئن وصلتنا نتف يسيرة من شعر ابن العسال، فان لأبي إسحاق ديوانا كاملا قد وصلنا، وهو يحوي اثنين وثلاثين بين مقطوعة وقصيدة، وقد وجدت له مقطعات أخرى لم يحوها ديوانه مما يدل على انه لا يمثل جميع ما خلفه الالبيري من نتاج شعري. وفي قصائده واحدة يعرض فيها بأحد الفقهاء، لأنه كان يطلب الكيمياء وأخرى في رجل يجر ثيابه خيلاء وثالثة يندب فيها خراب البيرة ورابعة يرثي فيها زوجه واثنتان في المدح واثنتان يرد فيهما على تهجم من عاب اثنين من أصدقائه وواحدة في تحريض صنهاجة على اليهود، وكل ذلك يدل على مدى مشاركته في الحياة الاجتماعية يومئذ مثلما يدل على ان انقطاعه الزهدي لم يكن عزلة سالبة الطابع. وقد يكون في قصائده الزهدية تذكير ووعظ وتخويف من الموت ونصح بالتخلي عن المال والجاه، ولكن ذلك لا يقف أبدا في مقابل العنصر الذاتي والتلوم النفسي واستشعار الانقسام بين قوة الموت وحب الحياة، في كثير من قصائده. وعندي أن الالبيري قد وصل بشعره الزهدي في الأدب العربي؟ لا في الأندلسي فحسب - إلى قمة، بما أضفى عليه من حرارة الوجد والانفعال والإقرار بالضعف الإنساني أمام مغريات الحياة ومكافحة الشهوة العارمة. فإذا بكى نفسه أحسست بأنه ينتزع

стр. 131

انتزاعا من هذا العالم الأرضي ويفارقه وروحه معلقة به (١) : فيا إخوتي مهما شهدتم جنازتي ... فقوموا لربي واسألوه نجاتي وجدوا ابتهالا في الدعاء وأخلصوا ... لعل إلاهي يقبل الدعوات وقولوا جميلا إن علمتم خلافه ... وأغضوا على ما كان من هفواتي ولا تصفوني بالذي أنا أهله ... فأشقى، وحلوني بخير صفات ولا نتنا سوني ذكرتكم ... وواصلتكم بالبر طول حياتي بالرغم فارقت الأحبة منكم ... ولما تفارقني بكم زفراتي والحق أن الالبيري كان فنانا في مجاله، فكان يخرج على العرف الشعري المألوف في القافية ويصنع قصائده على نحو من " التسبيحة "، فيبني القصيدة جميعها على قافية واحدة لا يغيرها، فقصيدة بناها على لفظ الجلالة (٢) : يا أيها المغتر بالله ... فر من الله إلى الله ولذ به واسأله من فضله ... فقد نجا من لاذ بالله وقم له والليل في جنحه ... فحبذا من قام لله واتل من الوحي ولو آية ... تكسى بها نورا من الله وهكذا حتى يبلغ بقصيدته ثلاثة وخمسين بيتا، وقصيدة أخرى في ثمانية وثلاثين بيتا بناها على لفظة " النار " (٣) :

стр. 132

ويل لأهل النار في النار ... ماذا يقاسون من النار تنقذ من غيظ فتغلي بهم ... كمرجل يغلي على النار فيستغيثون لكي يعتبوا ... ألا لعا من عثرة النار وكلهم معترف نادم ... لو تقبل التوبة في النار وليس هذا فحسب، بل إنه سخر أصنافا كثيرة من الصور في إبراز المعاني الزهدية، فكان احتفاله بالتجديد في هذا الاتجاه واضحا، فهو يستغل الصور الحربية في قوله (١) : لو كنت في ديني من الأبطال ... ما كنت بالواني ولا البطال ولبست منه لأمة فضفاضة ... مسرودة من صالح الأعمال لكني عطلت أقواس التقى ... من نبلها فرمت بغير نبال ورمى العدو بسهمه فأصابني ... إذ لم أحصل جنة لنضال حتى الصور الجنسية نراه يستغلها لتصوير مدى الصراع النفسي بين الواجب الديني والمرأة (٢) : حسبي كتاب الله فهو تنعمي ... وتأنسي في وحشتي بدفاتري أفتض أبكارا بها يغسلهن من ... يقتضهن بكل معنى طاهر ومن صوره الغريبة تشبهه لسان الثرثار بالناقوس: ولقد عجبت لمؤمن في شدقه ... جرس كناقوس ببيعة كافر

стр. 133

على أنه أحيانا يبلغ حد السذاجة في الاعتراف النفسي حين يقول: ولقد أصبت من المطاعم حاجتي ... ومن الملابس فوق ما هو ساتري وانا لعمرك مكرم في جيرتي ... ومعظم ومبجل بعشائري إلا أن روح الاعتراف هي التي تتحكم في كثير من شعره وتجعله محبوبا حين تجعله سليما من التكلف، وان بلغت منه السذاجة مبلغا كبيرا. ٤ - الهجاء والنقد الاجتماعي: كان مجال الهجاء واسعا في هذا العصر، ولكن ابن بسام وهو المؤرخ الأدبي للحقبة التي ندرسها تذمم من ادراج أشعار الهجاء في كتابه، ولذلك فان صورة الهجاء لا تعد مستوفاة أو واضحة. ولكنا نذكر أهاجي ولادة في ابن زيدون، وأهاجي مهجة القرطبية في صديقتها ولادة، وكلها من النوع الذي ينحو منحى الإفحاش المقذع. واذا صح القياس على ما تم في الحقبة التالية؟ أي عصر الموحدين -. قلنا إن الهجاء ربما أخذ يقل؟ نسبيا - في الشعر التقليدي، ويحتل مكانه هامة في الزجل لأنه ينظم للعامة ويكون أوقع في النفوس وأبعد أثرا. وكان في عصر الطوائف شاعران شهرا بالهجاء هما ابن سارة الشنتريني والسميسر. فأما ابن سارة، فان ابن بسام يذكر أنه " أولع بالقصار فأرسلها أمثالا ورشق بها نبالا لا سيما قوارع كدرها على مردة عصره، وسم بها أنوف أحسابهم، وتركها مثلا في أعقابهم ". وقال أيضا: " ورأيت له عدة مقطوعات في الهجاء تربي على حصى الدهناء، وهو فيه

стр. 134

صائب السهم نافذ الحكم " (١) . وقد أورد ابن بسام أمثلة من هجائه في كتابه الذي سماه " ذخيرة الذخيرة "، وهو كتاب لم يصلنا، ويفهم من كلام الفتح بن خاقان (٢) أن ابن سارة أقلع عن الهجاء بعد فترة من الزمن. ويتصل هجاء ابن سارة بالحاجة المادية، فقد كان محارفا كثير التنقل في طلب الرزق، وكان محترفا لتعليم العربية، ولما سكن أشبيلية تعيش فيها بالوراقة (٣) . وأكثر ما أوردته المصادر من شعره يقع في موضوعات الوصف والمدح والغزل بالغلمان والشكوى من حال الدنيا. ويشبه السميسر صاحبه ابن سارة في انه انتحى المقطوعة واتخذها أداة للهجاء، وكان كثير الهجاء وله كتاب سماه " شفاء الأمراض في اخذ الأعراض " (٤) ؛ وله أهاج فردية منها قوله في ابي عبد الله بن الحداد (٥) : قالوا ابن حداد فتى شاعر ... قلت وما شعر ابن حداد أشعاره مثل فراخ الزنى ... فتش تجد أخبث أولاد وقد رد عليه ابن الحداد بهجاء مقذع. ونمي إلى المعتصم أن السميسر هجاه، فاحتال في طلبه حتى حصل في قبضته، فاستنشده ما هجاه به، فحلف أنه ما هجاه وإنما قال:

стр. 135

رأيت آدم في نومي فقلت له ... أبا البرية إن الناس قد حكموا إن البرابر نسل منك قال إذن ... حواء طالقة إن كان ما زعموا وهما في هجاء بلقين صاحب غرناطة، فاباح بلقين دمه، فهرب لاحقا ببلد ابن صمادح فزعم السميسر ان بلقين دس على لسانه كلاما في هجاء ابن صمادح ليبلغه فيقتل الشاعر، وعندئذ سأله المعتصم عما قاله في هجاء بلقين خاصة فقال: لما رأيته مشغوفا بتشييد قلعته التي يتحصن فيها بغرناطة قلت: يبني على نفسه سفاها ... (١) كأنه دودة الحرير هذه رواية. غير أن السلقي في معجمه جاء برواية أخرى عن موقف السميسر فقال: كان لباديس بن حبوس (والد بلقين) وزير يهودي فهلك واستوزر بعده نصرانيا فقال أبو القاسم خلف بن فرج اللبيري المعروف بالسميسر ثلاثة أبيات وكتب بها نسخا عدة ورماها في شوارع البلد والطرقات، وسار من ساعته إلى المرية معتصما بالمعتصم بن صمادح، وطارت الأبيات في أقطار الأندلس ولما عليها باديس أرسل وراءه أصحاب الخيل ففاتهم ولم يلحقوه (٢) . أما الأبيات ففيها من الإقذاع ما يحول دون إثباتها. واكثر شعر السميسر في الهجاء تعميمي المنزع يدل على قلق وعدم ارتياح لبعض ما يراه من أوضاع كقوله متوقعا تغير الحال (٣) :

стр. 136

رجوناكم فما انصفتمونا ... وأملناكم فخذلتمونا سنصبر والزمان له انقلاب ... وأنتم بالأشارة تفهمونا ومن ذلك أيضا قوله (١) : خنتم فهنتم وكم أهنتم ... زمان كنتم بلا عيون فأنتم تحت كل تحت ... وانتم دون كل دون سكنتم يا رياح عاد ... وكل ريح إلى سكون ويجري على هذا النسق من التشفي في قوله (٢) : وليتم فما أحسنتم مذ وليتم ... ولا صنتم عمن يصونكم عرضا وكنتم سماء لا ينال منالها ... فصرتم لدى من لا يسائلكم أرضا سترجع الأيام ما أقرضتكم ... ألا إنها تسترجع الدين والقرضا وقد كان السميسر في إرسال هذا الضرب من الشعر متأثرا بنقمة فلسفية عامة وشيء من الحقد الذاتي. ولكنه فيه أقرب إلى الروح الناقدة منه إلى الهجاء. ويؤكد هذا الذي أقول أن السيميسر كان يعلن أحيانا عن ثورته في وجه أمراء زمانه بمثل قوله (٣) : ناد الملوك وقل لهم ... ماذا الذي أحدثتم أسلمتم الإسلام في ... أسر العدا وقعد تم وجب القيام عليكم ... إذ بالنصارى قمتم

стр. 137

لا تنكروا شق العصا ... فعصا النبي شققتم ولما انتهت أيام الطوائف وجاء عهد المرابطين اشتد النقد الاجتماعي عامة لسببين: أن قدوم المرابطين أنفسهم إلى الأندلس لم يلبث ان أصبح عبئا على الأندلسيين، فكانت مقاومتهم لذلك تتمثل من بعض جوانبها بالنقد والتندر بأصحاب اللثام؛ وكذلك ارتفع شأن الفقهاء في ايامهم، فأقبل الشعراء على ذم الفقهاء واتهامهم بالرياء لأنهم أصبحوا يجرون اليهم الدنيا متسترين وراء المظهر الديني، فمن شعر ابن خفاجة في نقد الفقهاء (١) : درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم ... فيها صدور مراتب ومجالس وتزهوا حتى أصابوا فرصة ... في أخذ مال مساجد وكنائس وقال ابن البني فيهم (٢) : أهل الرياء لبسوا ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم فملكوا الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتموا الأموال بابن القاسم وركبتموا شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم وقد نسب صاحب النفح هذه الأبيات للشاعر المدعو بالأبيض (٣) ، وأنه قالها في الفقهاء المرائين، وأورد له قطعة أخرى شبيهة بها وهي قوله:

стр. 138

قل للأيام سنا الأئمة مالك ... نور العيون ونزهة الأسماع لله درك من همام ماجد ... قد كنت راعينا فنعم الراعي فمضيت محمود النقيبة طاهرا ... وتركتنا فنصا لشر سباع أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزل ... طاوي الخشا متكفت الأضلاع تشكوك دنيا لم تزل بك برة ... ماذا رفعت بها من الأوضاع والحق أن الأبيض واليكي هما شاعرا الهجاء في عهد المرابطين، وقد مدح اليكي المرابطين أولا ثم هجاهم بمثل قوله (١) : ان المرابط باخل بنواله ... لكنه بعياله يتركم الوجه منه مخلق لقبيح ما ... يأتيه فهو من آجله يتلثم وقال يهجوهم أيضا (٢) : في كل من ربط اللثام دناءة ... ولو انه يعلو على كيوان لا تطلبن مرابطا ذا عفة ... واطلب شعاع النار في الغدران وقد أفرط اليكي في هجاء أهل فاس، فتعسفوا عليه وقدموا من شهد عليه بدين، فسبق إلى السجن سوقا عنيفا وحبس مدة من الزمن، إلا أنه لم يكف عن الهجاء حتى قال فيه صاحب المسهب: " هو ابن رومي عصرنا وحطيئة دهرنا لا تجيد قريحته إلا في الهجاء، ولا تنشط به في غير ذلك من الانحاء " (٣) . وأكثر أهاجيه بذي فاحش.

стр. 139

وأما عصريه أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأبيض فأصله من قرية همدان، وقد درس باشبيلية وقرطبة، وكان إلى جانب شهرته بالشعر من مشهوري الوشاحين. سئل مرة عن كلمة فلم يعرفها، فآلى ان يقيد نفسه ولا يفك قيده حتى يحفظ كتاب " الغريب المصنف " (١) ، وقد نشب في الهجاء وشهر به، وكانت اكثر اهاجيه في الزبير أحد أمراء الملثمين بقرطبة ومن أهاجيه فيه: عكف الزبير على الظلالة جاهدا ... ووزيره المشهور كلب النار ما زال يأخذ سجدة في سجدة ... بين الكؤوس ونغمة الأوتار فإذا اعتراه السهو سبح خلفه ... صوت القيان ورنة الأوتار وكان الأبيض جريئا قوي النفس. أحضره الزبير ووبخه على الهجاء وقال له: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له: إني لم أر أحق بالهجو منك ولو علمت ما أنت عليه من المخازي لهجوت نفسك إنصافا ولم تكلها إلى أحد، فلما سمع الزبير ذلك قامت قيامته وأمر بقتله (٢) . ولم يكن صوت النقد الموجه ضد الحكام قويا جهيرا في أيام ملوك الطوائف مما قد يدل على انسياق الأدب شعره ونثره في ركاب كل واحد من أولئك الأمراء، ولذلك انحصر الأدب بولاء إقليمي قاصر النظرة محدود الأفق، ففقد قوة الحدس التي تتمتع بها النظرة الشاملة العميقة. وكانت ابرز مظاهره النقدية تلك اللذعات التي يوجهها أمثال السميسر في مقطعاتهم القليلة، أو تلك الحسرات المبهمة التي يرددها الأتقياء الزهاد عن سوء الأحوال السياسية والاجتماعية. أما في أغلب الأحوال فان ثورة

стр. 140

الشاعر على الجور أو الإهمال كان فردية. ولابن عبدون قصيدة يتذمر فيها من ملوك زمانه، ولكنا حالما نقرؤها نلمس أن الدافع فيها ذاتي، وان ثورة ابن عبدون إنما انفجرت لان الملوك اغفلوا شأنه (١) : فسلني عن ملوك الأرض تسأل ... خبيرا فاقض حق الإسماع علمت عليهم نفسي ونفسي ... لأوضح غبنهم عند البياع فما اتبعوا دليلا في اجتنابي ... ولا سلكوا سبيلا في اصطناعي وكان رد ابن عبدون على هذه المعاملة ان باعهم ولزم بيته: فبعتهم بتاتا لا بثنيا ... ولا شرط ولا درك ارتجاع ولم أجعل قرابي غير بيتي ... وحسبي ما تقدم من قراع ولعل أشد مظهر أثار نقمة الشعر يومئذ هو تسلط اليهود في دولة غرناطة على الناس وقيامهم بحكم الجماعات الإسلامية وجمع الضرائب وهذا هو الذي دفع بابن الجد إلى إن يقول (٢) : تحكمت اليهود على الفروج ... وتاهت بالبغال وبالسروج وقامت دولة الأنذال فينا ... وصار الحكم فينا للعلوج فقل للأعور الدجال هذا ... زمانك إن عزمت على الخروج وهذه الحساسية تجاه قيام أهل الذمة بتحصيل الضرائب من المسلمين كانت ذات أثر عميق في النفوس لأنها كانت تصور لهم انعكاس الوضع الطبيعي في قوانين الدولة، ولم يحاول أحد منهم أن يتمثل لنفسه بأن

стр. 141

هذه الضرائب إنما تذهب إلى خزينة الدولة لا إلى جيوب الجباة. وقد أحس الشاعر أبو حفص الزكرمي العروضي بالمشكلة من ناحيتين: أولاً لان الذي طالبه بدفع الضريبة جاب يهودي، وثانيا لأنه كان يأمل أن يأخذ لا أن يعطي؛ ولذلك نسمعه يقول في إحدى قصائده (١) : يا أهل دانية لقد خالفتم ... حكم الشريعة والمروة فينا مالي أراكم تأمرون بضد ما ... أمرت، ترى نسخ الإله الدينا كنا نطالب لليهود بجزية ... وأرى اليهود بجزية طلبونا ما إن سمعنا مالكا أفتى بذا ... لا لا. ولا من بعده سحنونا هذا ولو أن الأئمة كلهم ... - حاشاهم - بالمكس قد أمرونا ما واجب مثلي يمكس عدله ... لو كان يعدل وزنه " قاعونا " ولقد رجونا ان ننال بمدحكم ... رفدا يكون على الزمان معينا فالآن نقنع بالسلامة منكم ... لا تأخذوا منا ولا تعطونا وتسلط اليهود هو ما أثار أبا إسحاق الالبيري الزاهد أيام وزارة ابن النغريلة اليهودي في غرناطة وجعله ينظم قصيدته؛ التي ساعدت على الثورة في ذلك البلد (٢) : ألا قل لصنهاجة أجمعين ... بدور الندى واسود العرين لقد زل سيدكم زلة ... تقر بها أعين الشامتين تخير كاتبه كافرا ... ولو شاء كان من المسلمين

стр. 142

فعز اليهود به وانتخوا ... وتاهوا وكانوا من الأرذلين ونالوا مناهم وجازوا المدى ... فحاق الهلاك وما يشعرون وقد اتبع الفقيه الزاهد في هذه القصيدة هذا الأسلوب النثري السهل ليبلغ كلامه الإفهام، ومدح باديس ليكسب ثقته، ثم تحدث عما رآه رأي العين في غرناطة: واني احتللت بغرناطة ... فكنت أراهم بها عابثين وقد قسموها وأعمالها ... فمنهم بكل مكان لعين وهم يقبضون جباياتها ... وهم يخضمون وهم يقضمون ثم عرج على ذكر الترف الذي انصرف إليه الوزير اليهودي فقال: ورخم قردهم داره ... وأجرى إليها نمير العيون فصارت حوائجنا عنده ... ونحن على بابه قائمون ويضحك منا ومن ديننا ... فانا إلى ربنا راجعون والبيت الأخير ربما كان يشير إلى ابن النغريلة عمل رسالة ينتقد فيها بعض ما زعمه تناقضا في القرآن الكريم. وقد تلمس الالبيري كل وسيلة لإثارة النفوس وحرض على قتل اليهودي وافتى بأن ذلك لا يعد عذرا ولتلك الفتوى قيمتها إذ تصدر عن فقيه زاهد: فبادر إلى ذبحه قربة ... وضح به فهو كبش سمين ولا ترفع الضغط عن رهطه ... فقد كنزوا كل علق ثمين ولا تحسبن قتلهم غدرة ... بل الغدر في تركهم يعبثون

стр. 143

وقد نقدر أن حرية التعبير في عصر الطوائف كانت ضيقة الحدود، وان الخوف ألجم الناقمين والمتذمرين عن الإفصاح بما كانوا يحسونه، اذ لم يكد بشعر بعضهم أن وجه المنقذ يطل عليهم من وراء آثام البطل المرابطي حتى اخذوا يتحدثون عن عيوب حكامهم في صراحة. وقد جرت الأحوال المتقلبة بالناس في ظل الحكومات المتعاقبة على استجداء رضى القائمين الجدد والشماتة بالذاهبين، سمة من سمات النفاق في الحياة السياسية تومئ إلى نقصان في الشجاعة النفسية والى أزمة عميقة في الأخلاق، وأمثالها في الحديث والقديم كثيرة. ولا ندري هل نبرى منها أبا الحسن ابن الجد حين وقف يمدح أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ويقول (١) : في كل يوم غريب فيه معتبر ... نلقاه أو يتلقانا به خبر أرى الملوك أصابتهم بأندلس ... دوائر السوء لا نبقي ولا تذر قد كنت أنظرها والشمس طالعة ... لو صح للقوم في أمثالها النظر ناموا وأسرى لهم تحت الدجى قدر ... هوى بأنجمهم خسفا وما شعروا وكيف يشعر من في كفه قدح ... تحدو به مذهلات الناي والوتر صمت مسامعه من غير نغمته ... فما تمر به الآيات والسور تلقاه كالعجل معبودا بمجلسه ... له خوار ولكن حشوة خور وحوله كل مغتر وما علموا ... أن الذي زخرفت دنياهم غرر ولكن من الطبيعي أن تستيقظ النقمة الدينية في نقد الأمراء والملوك لدى قدوم الحكام الجدد الذين جاءوا يحملون معهم دعوة لبعث ديني.

стр. 144

٥ - الاتجاه الهزلي: قلما كان الشعر في العصر الأموي؟ السابق - ممثلا للفكاهة الاندلسية، وكان المشهورون من الأندلسيين بالفكاهة إذا تندروا هجوا. ولما كتب ابن شهيد " شجرة الفكاهة " أو رسالته المعرفة بالتوابع والزوابع لم يكن للفكاهة فيها حظ كبير يناسب مقدار ما فيها من عجب وزهو ذاتيين. أما في هذا العصر - عصر الطوائف والمرابطين - فقد احتلت الفكاهة مكانة واسعة في الشعر والنثر، وزاد الأندلسيين بطبقة القضاة والفقهاء، واستوى لهم في بعض النواحي ما وصلهم من هزليات أبي الشمقمق وأبي الرقعمق وأحيانا مجونيات ابن سكرة وابن حجاج، ففتح ذلك لهم بابا واسعا من الاتباع، وأصبحت طريقة الجاحظ في السخرية مطلبا يحاولون بلوغه. ومن اشهر السلكين لهذا السبيل الأديب أبو عبد الله محمد بن مسعود ويرى ابن بسام انه انتحى في هذه الطريقة منحى ابن حجاج بالعراق فقصر عنه، وقد كان له ابن توجه إلى الغرب، وخلع هنالك عذاره في البطالة والشراب، فكتب إليه أبوه رسالة هزلية يتهكم فيها به على نحو ما تهكم الجاحظ بأحمد بن عبد الوهاب في رسالة التربيع والتدوير. وتبدو المجاكاة في القطعة التالية احتذاء واضحا إذ قال: " وصف لي موقع الشمس في العين الحمئة، وكيف كان مخلصك من تلك البلاد الوابئة وكيف رأيت مدينة يونس وجنة رام، والبركان المونس وجزيرة الغنم، والزاوية، وصخرة العقاب وبئر الهاوية؟ وإيوان كسروان وكفر توثى

стр. 145

والهرمين والمنار، وحكام اللكام والغاز، وغانة السودان وغرائب البلدان " (١) . وقد مارس ابن مسعود الهزل في ضروب مختلف من الأشكال الأدبية فجعله تارة نثرا وتارة في أراجيز وثالثة شعرا من النوع الخفيف السهل. فمن هزلياته في المزدوج أرجوزة خاطب بها الوزير ابن بقنة على لسان جارية كان أهداها إليه، وفيخا تقول الجارية واصفة فقر ابن مسعود وسوء حله: جعلتني أسيرة مملوكه ... لطلعة هائلة صعلوكه يعز - على الفال - إلى مسعود ... وهو شقي ليس بالمحمود ألحن في أشعاره من تيس ... أعجز في البيت من الضر يس ولو ترى يا ذا الندى مثواه ... لقلت سبحان الذي بلاه قطعه لبد دارس الآثار ... قد طرحت حول مكان النار وواضح ان غاية ابن مسعود من هذا التصور الهزلي لنفسه استعطاف الوزير ليرق الحال، ويمنح من العطاء ما يكفل للجارية عيشا حسنا وله قصيدة كأشعار أبي الرقعمق يصور نفسه فيها طبيبا حاذفا عرف الأدوية وبلغ من الحذق ما لم يبلغه السحرة (٢) . هذا الطبيب المداوي ... هذا الحكيم المعاني انا أبط بحذق ... نغانغ الصبيان
следующие страницы →