غير هؤلاء. ولا ريب في ان هذه الصبغة الشعرية هي التي تجعل حظ اشبيلية من العظمة الادبية مثل حظ اختها قرطبة في العصر السابق. هذا إلى جانب ضروب اخرى من التشجيع الادبي، فللمعتضد ألف الاعلم الشنتمري شرح الاشعار الستة وشرح الحماسة، وألف غيره دواوين وتصانيف لم تخرج إلى الناس (١) ، وباسمه طرز ابن شرف تأليفه المسمى " أبكار الأفكار " وبعث به إليه دون ان يلتحق ببلاطه، وكان من قبل قد وسمه باسم بن حبوس (٢) .
غير اننا يجب ان نتذكر ان هذه الصورة قاصرة، لأنها لا تمثل لإلا علاقة الادب بالحكام، وهي لذلك تعجز ان تنقل لنا مدى النشاط الأدبي والفكري الذي نشأ مستقلا بقوة التطور في هذا العصر وفي أبعاده الحضارية. فهناك الشعر الذي لم يتصل ببلاط الملوك، وهناك المؤلفات الدينية والفلسفية التي انبثقت دون حافز مادي أو تشجيع من ذوي السلطان. وقد كانت العادة ان يؤلف المؤلف كتابا ثم يحاول ان يرفعه إلى أحد الأمراء رجاء الصلة، وهذا شيء مختلف عن اندفاع الأمير نفسه عامدا ليكون حاميا لحركة التأليف. ولو كان الأمر في هذه الناحية معلقا بالرغبة في التقرب من اولي الامر وفي خدمتهم لكان ما ألف في شتى العلوم بحافز من رغبة الحكم المستنصر وإشرافه؟ في العصر الاموي - يفوق كل ما بعث عليه أمراء الطوائف مجتمعين. إلا أن الشعر ينفرد بحكم خاص لأنه شديد الارتباط بالكسب، ولذلك كان اكثر اصحابه بحاجة إلى عطايا الأمراء.
ولما قامت دولة المرابطين، لم يبلغ لديهم تشجيع الادب والتأليف
стр. 72
عامة، والشعر خاصة، ما بلغه الحال في بلاط بني عباد، غير أن الوضع في عهدهم لم يكن أسوأ حالا مما كان لدى بقية دول الطوائف. ولعل الصورة العامة في تميز عصر الطوائف على عصر المرابطين في هذا الصدد، مستوحاة من العصبية الأندلسية التي يمثلها أثر أدبي، كرسالة أبي الوليد الشقندي. فقد أسرف الشقندي في الثناء على امراء الطوائف وزعم أنه: " ما كان أعظم مباهاتهم إلا قول العالم الفلاني عند الملك الفلاني " والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني؟ وقد سمعت ما كان من الفتيان العامرية: مجاهد ومنذر وخيران، وسمعت عن الملوك العربية: بنو عباد وبنو صمادخ وبنو الأفطس وبنو ذي النون وبنو هود، كل منهم قد خلد فيه من الأمداح ما لو مدح به الليل لصار أضوأ من الصباح، ولم تزل الشعراء تتهاوى بينهم تهادي النواسم بين الرياض، وتفتك في أموالهم فتكة البراض " (١) . وإزاء هذا الثناء أنحى باللأئمة والذم على أمراء المرابطين فقال: " وبالله إلا ما سميت لي بمن تفخرون قبل هذه الدعوة المهدية: أبسقوت الحاجب، أم يصالح البرغواطي، أم بيوسف بن تاشفين الذي لولا توسط ابن عباد بشعراء الأندلس في مدحه، ما أجروا له ذكرا، ولا رفعوا لملكه قدرا، وبعدما ذكروه بواسطة المعتمد فإن المعتمد قال له، وقد أنشدوه: أيعلم أمير المسلمين ما قالوه؟ قال لا أعلم، ولكنهم يطلبون الخبز ". ولما انصرف المعتمد إلى حضرة ملكه، كتب ليوسف رسالة ليقول فيها:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
стр. 73
فلما قرىء عليه هذان البيتان قال للقارىء: يطلب منا جواري سودا وبيضا؟ قال: لا يا مولانا، ما أراد إلا أن ليلة كان بقرب أمير المسلمين نهارا، لأن ليالي السرور بيض، فعاد نهاره ببعده ليلا لأن ليالي الحزن ليال سود. فقال: والله جيد، اكتب له في جوابه إن دموعنا تجري عليه، ورؤوسنا توجعنا من بعده " (١) .
تلك هي الصورة التي رسمها الشقندي لحال المرابطين، وليوسف ابن تاشفين خاصة؟ من حيث علاقتهم بالشعر وتقديره وتذوقه. ونحن نعلم أن الشقندي يكتب رسالته ليفخر بالاندلس على بر العدوة - موطن المرابطين الأصلي؟ وفي موقف المفاخرة والمباهاة تهجين وتزيين، والأمر لا يعدو أن يكون نادرة تقال على سبيل الضحك والتسلية. لأن ابن تاشفين لم يكن يحسن العربية. وما من شك في أن أهل المغرب كانوا أقل حضارة وأقل نصيبا من تقدير الشعر من أهل الأندلس ولكن هذه الاخبار تدل على نقمة الأندلسيين على المرابطين باكثر مما تدل على تغير في حال الادباء والشعراء يومئذ، فالشعراء الذين ادركوا عصر المرابطين هم الشعراء الذين كانوا في ظلال امراء الطوائف. ثم إذا كان هذا القول يصدق على يوسف بنتاشفين فأنه لا يصدق على من جاءوا بعده أو على امراء المغاربة الذين عاشوا في الأندلس وتشبهوا بالأندلس في تقريب الشعراء والادباء. والحق هنا في ما قاله الاستاذ غومس: " بيد ان الشعر الاندلسي لم يمت في عصر المرابطين وكل ما حدث انه كيف نفسه بما يلائم الظروف الجديدة التي احاطت به. بيد انه من الانصاف ان تقرر ان خلفاء يوسف بن تاشفين لم يلبثوا ان استسلموا لسلطان الثقافة الاندلسية القاهر واصبحوا اقرب إلى الاندلسين منهم إلى الأفارقة فحفلت
стр. 74
دواوين إنشائهم بالناثرين والكتاب ممن تخلفوا عن عصر الطوائف "، ثم عد الاستاذ غومس بعض الكتاب والشعراء الذين عاشوا في ظل المرابطين (١) .
نعم إن بعض الشعراء؟ كما يقول ابن بسام - ولما صمت ذكر ملوك الطوائف بالأندلس طوى الشعر على غره وبرىء من حلوه ومره الا نفثة مصدور والتفاتة مذعور " (٢) ، ولكن هناك شعراء آخرون مثل ابن خفاجة كانوا قد صمتوا في عصر الطوائف وانطلقت شاعريتهم ثانية في عصر المرابطين. ولست انكر أن الق الصبغة الشعرية الذي كان يزين بلاط بني عباد قد ضاع، وأنه ضاع لذلك مجد من يمكن أن نسميه " شاعر البلاط "، أو الشاعر الذي كان يبلغ منصبا كبيرا في الدولة تقديرا لشعره، أما سائر الشعراء فلم يتغير بهم الحال كثيرا. ولسنا نعرف حال الأدب والشعر في عصر المرابطين معرفة شاملة من دراستنا للعلاقة بين الأدب وتشجيع الدولة، فقد رأينا خطأ هذا التصور حين عرضنا لموقف امراء الطوائف من الحياة الادبية والشعر. وكل ما يمكن ان نقوله في هذا المقام ان عصر المرابطين حفل بابن خفاجة وابن الزقاق والأعمىالتطيلي وابن بقي من الشعراء، وأن الموشح بلغ فيه الذروة، وان الزجل على يد ابن قزمان اكتمل صورة وموضوعا - من هذا يحق لنا ان نقول إننا في دراستنا للظاهرة الأدبية يجب أن لا نرى في تشجيع الأمراء للأدب، سر العلة الكبرى في ازدهاره.
стр. 75
الحال الاجتماعية للشاعر
إنما أفرد الشاعر حيت تصدى لدراسة الحالة الاجتماعية عن الكاتب، لأن الكاتب في الغالب كان " رجل دولة " أي لم تتمثل في حياته " العقدة السياسية " مثلما تمثلت في حياة الشاعر. وقد اتصلت حياة الشعر العربي منذ امرئ القيس بمشكلة العلاقة بين الشاعر والحياة السياسية، وتحطم على صخرة هذه المشكلة كثير من الشعراء في المشرق، وكانت هذه " العقدة " وراء كثير من المظاهر الشعرية والأدبية. أما في الأندلس فيبدو انها حلت على نحو ما، إذ كان وصول الشاعر إلى المشاركة في توجيه السياسة ببلده أمرا مألوفا، ومما ساعد على ذلك كون بعض الأمراء شعراء يحبون الشعر ويقدرونه ويؤمنون بأنه مقياس للكفاءة وليس هذا المجال صالحا للحديث عن أثر هذه النظرة في الحياة السياسية بالأندلس، ولكن لا ريب في أن " الطبيعة الشعرية " كانت ذات أثر في نوعية الحياة السياسية في البلاد الأندلسية وبخاصة في عصر ملوك الطوائف. فإن التخلي عن العاطفة الحارة في توجيه العلاقات الفردية والاجتماعية ليس امرا ميسورا دائما وقد التبست سياسة ذلك العصر بشيء من العواطف
стр. 76
والمنازعات الفردية والكيد الذي تثيره المنافسات من اجل المجد (السياسي - الادبي) . على انا يجب ان تحذر مما قد يسبق إليه الوهم فنظن ان الشعر هو الاداة الأولى التي كانت تمنح صاحبها حق التوقل في المناصب العليا في الدولة، حتى في دولة المعتمد بن عباد الذي يقول فيه المراكشي: " وكان لا يستوزر وزيرا إلا ان يكون أدبيا شاعرا حسن الأدوات فاجتمع له من الوزراء الشعراء ما يجتمع لأحد قبله " (١) ذلك ان مهمة الوزارة تتصل؟ قبل أي شيء آخر - بالكتابة، فإذا كان الكاتب مثل ابن زيدون وابن عمار وابن عبدون على مقدمة شعرية ممتازة صح له أن يبلغ مرتبة الوزارة ويكون شعره ميزة تعينه على ذلك، لمنه لو انفرد بالشعر دون الكتابة لما استطاع ان يبلغ تلك الوظيفة. ولو استعرضنا فهرست كتاب " قلائد العقيان " للفتح بن خافان لوجدنا طبقة الوزراء دائما تتصل بذكر الكتابة، أما الذين يلقبون بذوي الوزارتين، أي يحسنون النظم والنثر معا، فهم عشرة في العدد بين ثمانية وعشرين وزيرا.
ومن ثم يمكننا أن نتصور كيف كان الشعراء يتفاوتون في وضعهم الاجتماعي تفاوتا يجعلهم على وجه التقريب في ثلاث طبقات:
أ؟ - طبقة الشعراء الذين بلغوا أعلى مناصب الدولة، مثل ابن زيدون وابن عمار وابن عبدون. وكان هؤلاء ينالون رواتب ضخمة وبذلك يقفون في مستوى الطبقة الارستقراطية العالية.
ب - " شعراء منتمون "، أي يلزم الواحد منهم بلاط احد الأمراء وينتمي إليه، ويأخذ منه رسما شهريا (أو سنويا) مقررا، أو جوائز غير موقوتة بوقت، وأنما هي منحة تعطى القصيدة الواحدة. ويبدو أن " ديوان الشعراء " لم يعد له وجود لدى
стр. 77
كل أمراء الطوائف، إذ لا نسمع عن وجوده إلا في ظل بني عباد، كما نسمع أنه كان لدى المعتضد دار مخصوصة بالشعراء، وانه كان للشعراء يوم مخصوص يدخلون فيه عليه (١) وأكثر الأمراء سخاء في تقدير الجوائز والرسوم المعتمد ابن عباد غير ان اذا قسنا ما كان يعطيه بالأرقام التي تروى عن جوائز الشعر لدى المشارفة وجدناه شيئا قليلا. وفي هذا ما قد يطمئننا إلى صلة الأندلسيين بالواقع، فقد روي انه أعطى عبد المجيد بن وهبون الف مثقال حين بلغه قوله:
قل الوفاء فما تلقاه في أحد ... ولا يمر بمخلوق على بال
وصار عندهم عنقاء مغرية ... أو مثلما حدثوا عن ألف مثقال (٢) وأجازه مرة بثلاثة آلاف درهم عندما سمع قصيدة اللامية (٣) :
محل ألبس الدنيا جمالا ... وأن فضح المقاصر والخلالا ومدحه مرة بقصيدة فيها تسعون بيتا فأجازه بتسعين دينارا فيها دينارا مقروض، فلم يعرف العلة في ذلك إلى أن تأملها، وإذا هو قد خرج من العروض الطويل في بيت إلى العروض الكامل، فعرف حينئذ السبب (٤) .
ولما وصل إليه ابن حمديس وقع له بمائة دينار (٥) وجعل له رسما شهريا
стр. 78
فأصبح ابن حمديس بذلك من المنتمين إلى بلاطه.
ولما استقر أبو الفضل البغدادي ند المأمون بن ذي النون بطليطلة أحرى له ستين مثقالا في الشهر، واستمر يدفع هذا الرسم لحاشيته بعد وفاة البغدادي (١) .
ج - الشعراء الجوالون: وهم الذين يطوفون على الأمراء مادحين متكسبين بأشعارهم، وهم أكثر عددا من الطبقتين السابقتين، وقد يتحول احدهم من حال التجوال إلى حال الاستقرار والانتماء، فيضمن بذلك رزقا دائما مقدرا، كما فعل ابن شرف القيرواني، فانه بعد ان طاف على ملوك الأندلس آوى إلى كنف المأمون ابن ذي النون. وربما قيضت له شخصيته وظروفه أن يرتفع من هذه الطبقة إلى الطبقة الاولى، وهذا نادر، وأبرز مثل على ذلك حال ابن عمار، فقد كان قبل ارتقائه قمة الحياة السياسية شاعرا خاملا قد " امترى اخلاف الحرمان، وقاسى شدائد الزمان، وبات بين الدكة والدكان، واستجلس دهليز فلان وابي فلان " (٢) ، وقد روى ابن بسام كيف تصدى ابن عمار بالمدح إلى أحد أعيان شلب فأجازه بمخلاة شعير وقال له: خذ ما حضر، وأنت احق من عذر (٣) . ومن الغريب ان يقول ابن بسام ان الشعر كان ايام نشأة ابن عامر نافقا وانه كان طريقا إلى الجاه والمال.
وقد كان بعض هؤلاء الجوابين يمعن في تطوافه مستجديا مكديا كما
стр. 79
حدث لأبي عامر بن الأصيلي فانه كان؟ كما يقول ابن بسام - جوابة آفاق؟ مشحوذ المدية في الكدية، وهي التي بلغته بلاد النصارى (١) ومن الجواربين عبد الرحمن بن مقانا الاشبوني الذي رجع إلى بلده " القبذاق " يعمل في الزراعة بعد ان شبع من التطواف (٢) ومن الشعراء المنتجعين الأسعد بن بليطة (٣) فانه تردد على ملوك الطوائف؛ ومنهم الجلماني فانه كان متجولا مستجديا بالأشعار (٤) .
وربما بلغ الفقر بهؤلاء الطوافين حدا بعيدا لاخفاقهم في استخراج الارزاق بالمدح؛ فقد انتجع أبو محمد بن مالك القرطبي المرية واميرها ابن صمادح، ورفع إليه قصائد كثيرة فلم يحظ منه بطائل، وظل يشكو الفقر دون ان يبلغ به شكواه إلى ما يسد العوز، فأخذ من ثم يتحدث عن غناه، فقال له بعض اصحابه ومن اين هذا الغنى وقديما تشكو الفقر؟ ومضوا معه إلى منزله فما وجدوا غير قلة فخار وقدح للماء ونح ثمانية أرطال دقيق في مخلاة (٥) . ومثل آخر على ما كان يعانيه شعراء هذه الطبقة من ضنك يتجلى في سيرة أبي بكر بن ظهار الشاعر، فقد انتجعه أحد الشعراء مادحا له فلم يجد ابن ظهار ما يعطيه فباع ثوبه ووجه إلى ذلك الشاعر بثمنه (٦) .
ويلحق بهذه الطبقة، وإن لم يكن من صميمها، صنف من المداحين
стр. 80
أطلق عليهم في الأندلس " القوالين " وهم من المكدين الذين لا يصنعون شعرا وإنما يقفون على الأبواب مرددين قصائد غيرهم. فكان هؤلاء القوالون؟ مثلا - يتداولون بعض شعر السرقسطي لعذوبته وسلاسته (١) ، كما كاموا يرددون قصيدة ابن مقانا الاشبوني (٢) :
ألبرق لائح من أندرين ... ذرفت عيناك بالدمع المعين وهذا الوضع القائم على التجواب يجعلنا نفهم ثلاث ظواهر أدبية في هذا العصر: أولاها صلاحية الجو لفن المقامات والتهيئة لها على نحو ما، وثانيها ملاءمة التكسب التجوابي للنمو في فني الزجل والموشح (٣) ؛ والظاهرة الثالثة كثرة الرسائل التي تكتب في الشفاعات والوساطات من أجل أولئك الشعراء، فقد كان الواحد منهم يحتاج رسالة توصية من أحد المشهورين حتى يستطيه أن يبلغ مأمله، وربما كانت الحدود السياسية الكثيرة عاملا آخر في اللجوء إلى مثل تلك الرسائل. فمن رسائل أبي الحسن بن يشفع لبعض الشعراء: " لا غرو أن يقصدك؟ أثل الله سؤددك - مهدي حمد ومقتضي رفد، ويلم بك مستوجب معروف ومعاني صروق، فقديما غشيت منازل الكرماء، ونثبت فضائل العلماء، وهزت اعطاف الكبراء، بنغم الثناء والاطراء،؟.. وموصله؟ وصل الله اعتلاءك وحرس ارجاءك - (فلان) وهو ممن اضطره كلب الحرمان، ونوب الزمان، إلى اعتماد الكرام واسترفاد الأعيان،؟ وحسبه ما يرقع جانب خلته وينقع بعض غلته " (٤) . ولابن الجد أيضا رسالة اخرى من هذه البابة
стр. 81
يقول فيها: " من دفعته الأيام؟ أعزك الله - إلى التقلب في الأقطار، والتكسب بالأشعار، لم يخف عليه موضع الاحرار، في النجود والاغوار، على أن رسم الشعر قد درس أو كاد، ومرتاد البر قد عدم المراد "؟ وفي كل هذه الرسائل تصوير لاختلال أحوال هؤلاء الشعراء وحاجتهم إلى تميمة يستفتحون بها مغالق الكبراء؛ بل أن مثل هذه التوصية كان يحتاجها شعراء مشهورون ذوو سهم نافذ في الشعر والكدية، كتوصية كتبها أبو الفضل بن حسداي من اجل الحسن الحصري، واخرى كتبها أبو الربيع سليمان القضاعي عناية بالشاعر ابن ارقم (١) .
وكان شعراء آخرون يستغنون عن الارتحال بإرسال قصائدهم إلى الممدوحين مكتوبة، منتظرين ان تبلغهم الصلات إلى منازلهم. وعلى الرغم من أن ابن شرف انتجع كثيرا من الأمراء إلا أنه تحاشى الوفود على المعتضد، وعز عليه في الوقت نفسه أن لا ينال جوائزه، فكان يكتب إليه الشعر وينفذه على أيدي الرسل؟ بعث إليه خمس قصائد ورسالة إلى ابن زيدون ليرفع إليه تلك القصائد فأجازه بثلاثين مثقالا (٢) ، وارتقب المعتضد وفوده إليه، ولكن ابن شرف كان يتخوف جنابه فأرسل إليه كتابه " أعلام الكلام " بعد أن وسمه باسمه فجاءته صلة مقدار مائة مثقال (٣) . وكتب عبادة القزاز قصيدة يمدح بها المعتمد بن عباد ثم رفعها إلى أبي بكر الخولاني المنجم ليقدمها بدوره إلى الممدوح، وقال له في أثناء رسالة: " فلك الفضل في توصيل ذلك إليه وتقبيل الكريمتين؟ أعني يديه -، فان نجح السعي وساعد فمن عندك أرى ذلك، فأنت
стр. 82
المشارك المشكور على اهتبالك، ولولا جوانح جرت علي، فقصت جناحي، وسلبت ما لدي، لأمضيت عزمي، وكنت مكان نظمي " (١) .
بعد ذلك نصادف فئتين من الشعراء لعلهم قلة بين شعراء ذلك العصر فمنهم من يتجول حقا على ملوك الطوائف ولكن دون ان يتخذ الشعر وسيلة للكسب، وهذا أغرب الفئتين، ومن ذلك حال ابن عيطون اللخمي الطلطلي فقد قال فيه ابن بسام (٢) : إنه " قال الشعر متحببا لا متكسبا " مع ان اكثر ما ورده من شعره فهو في المدح، وقال ابن سعيد بعد أن وصفه بإباء النفس وعدم التكسب انه " حال على ملوك الطوائف " (٣) وها هنا مقام نفرق به إذن بين اتخاذ الشعر وسيلة للارتزاق وبين عدم تعليقه بما قد يجيء من فائدة مادية، دون رفضها إن جاءت؛ أما الفئة الثانية فهي فريق الشعراء الذي يترفع عن التجوال ويبتعد عن المدح ما استطاع إلى ذلك سبيلا خضوعا لمذهب ذاتي فلسفي أو ديني أو لعله خاصة. ومن هذا الفريق الشاعر المتفلسف الملقب بالمتنبي " فقد استتر ببلغة، واقتصر على طريقة، فلم يطرأ على الدول " (٤) ومنهم شعراء الزهد كالالبيري وابن العسال ومن جرى على المذهب. وقد كان ابن خفاجة يمثل هذا الفريق أيضا في عهد ملوك الطوائف فلما دخل المرابطون جزيرة الأندلس تخلى عن عزلته وشارك في مدح أمراء الملثمين ولكنه ظل يؤكد في قصائده أنه يمدح تقديرا لا استجلابا لعرض نادي.
وخلاصة ما هنالك أن الشاعر في عصر الطوائف إن لم يكن من
стр. 83
طبقة السياسيين أو من الشعراء المنتمين (أو من المنقطعين) كان يكابد في سبيل الرزق صعابا جمة، وجهده في الكسب هو شعره في التزلف والمدح والكدية السافرة، وأولئك هم الجمهور الأعظم. ولم يكن الشاعر يستطيع، حتى وهو في أعلى درجاته، أن يتنافس الكاتب في المكانة الاجتماعية أو السياسية، وفي بعض الإمارات لم يكن يعد شيئا إلى جانب رجل السيف (ومن هنا كتبت رسائل في المفاضلة بين السيف والقلم حيث كان رجال السيف يتبوؤن الصدارة) . ولذلك تضاعف شأن الحامي الراعي للشعراء وأصبح بالنسبة للشاعر الذي يعتمد عليه يمثل " رابطة حياة ". ولعل ما حدث عند سقوط المعتمد يدل على الناحيتين معا: يدل على ما كان يمثله المعتمد لمن يرعاهم، كما يدل على تغلغل الكدية في نفوس جمهور كبير من الشعراء، فإن المكدين لم يعفوه وهو أمير مقيد من الإلحاح عليه بمدائحهم رجاء جوائزه فتعرض له الحصري في طريقه بالعودة: " ولم يلقه باكيا على خلعه من ملكه؟ بل بأشعار قديمة له، صدرها في الرباب وفرتني، وعجزها في طلب اللهى " فقاسمه المعتمد ما بيده (١) . وتجمعت حوله زعنفة من شعراء الكدية كلهم طامع في صلته وإلى هذا يشير بقوله (٢) :
شعراء طنجة كلهم والمغرب ... ذهبوا من الأغراب أبعد مذهب
سألوا العسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق منهم فأعجب
стр. 84
لولا الحياء وعزة لحمية ... طي الحشى لحكاهم في المطلب
قد كان إن سئل الندى يجزل وإن ... نادى الصريح ببابه اركب يركب حتى إذا حل المرابطين تراجعت منزلة الشاعر أكثر من ذي قبل، وأصبح التصريح بكساد الشعر أشد وأوضح؟ ذلك أن الشاعر حتى في أسمى ما غدا يستطيع بلوغه من مكانه لم يعد في طوقه منافسة رجل السيف (وهو من الملثمين) والفقيه والكاتب (وهو في الغالب من الأندلسيين) ولعل الأعمى التطيلي قد عبر في بعض لحظات الأحساس بالتعاسة عن هذا المعنى بأجلى عبارة حين قال: إن " قال مالك " قد طردت " قام زيد " إي أن الفقه قد أبعد الأدب واللغة، وأصبحت الكلمة العليا ففقهاء (١) :
أيا رحمتا الشعر أقوت ربوعه ... على أنها للمكرمات مناسك
وللشعراء اليوم ثلث عروشهم ... فلا الفخر مختال ولا العز تامك
إذا ابتدر الناس الحظوظ أشرفت ... مطالب قوم وهي سود حوالك
رأيتهم لو كان عندك مدفع ... كما كسدت خلف الرئال الترائك
فيا دولة الضيم أو تجاملي ... فقد أصبحت تلك العرى والعرائك
ويا " قام زيد " أعرضي أو تعارضي ... فقد حال من دون المنى " قال مالك " وفي ذلك العصر نجد ابن قزمان صورة أخرى من أبي الشمقمق وأبي الشمقمق وأبي الرقعمق والأحنف العكبري في تحديد ما يطلبه من قمح أو شعير أو جبة أو غفارة أو خروف للعيد، حتى أن المقامات في الأندلس لم تعبر عما بلغته روح الكدية مثلما فعل الزجل.
стр. 85
ومهما نحاول أن ننصف عصر المرابطين بالمقارنة مع عصر الطوائف فلا بد من أن نقر بأن شيئا من الاهتزاز قد أصاب القيم التي ينظر بها رعاة الأدب للشعراء، وان هذا الاهتزاز يرجع إلى عدة عوامل منها الاختلال السياسي في عصر ملوك الطوائف نفسه، ومنها الالتفات إلى الجهاد في عصر يوسف بن تاشفين بخاصة واعتباره الغاية الأولى في الدولة، واصطباغ الدولة بالصبغة الدينية، وضعف الرابطة بين الممدوح الذي لا يحسن تذوق الشعر البليغ وبين الشعر نفسه؛ ولكنا أيضا يجب أن نقدر إن هذا قد أصاب النظرة إلى الشعر والأدب في عصر الطوائف وبدأ قبل حلول المرابطين، ولعل شهادة رجل جواب مثل الحجاري الكبير تؤخذ دليلا على هذا الإحساس بالتغيير، فالحجاري أبو محمد بن عبد الله بن إبراهيم عم صاحب المسهب يقارن بين الماضي والحاضر - ماضيه مع أمراء الطوائف وحاضره مع الباقين الذين أدركهم وهو في سن عالية فيقول: " لم يقدر أن يقضي لي الأمتصار لهم في شباب أمرهم وعنفوان رغبتهم في الكلام، ولكن أجتمعت بهم وأمرهم قد هرم وساءت بتغير الأحوال ظنونهم، وملوا من الشكر وضجروا من المروة، وشغلتهم المحن والفتن فلم يبق فيهم فضل للافضال، وكانوا كما قال أبو الطيب:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم وأن يكن أتاه على الهرم فانا اتيناه وهو في سياق الموت ". ثم قال: ومع هذا فان الوزير ابا بكر ابن عبد العزيز؟ ﵀ كان يحمل نفسه ما لا يحمله الزمان، ويبسم في موضع القطوب، ويطهر الرضى في حال الغضب، ويجهد ألا ينصرف عنه أحد غير راض، فان لم يستطع
стр. 86
الفعل عوض عنه القول، (أي الحجاري صاحب المسهب) : فالمعتمد ابن عباد كيف رأيته؟ فقال: قصدته وهو مع أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في غزوته للنصارى المشهورة فرقعت له قصيدة؟ قال: أما ما ارتضيته لك فلست أقدر في هذا الوقت عليه، ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان، وأمر خادما له فأعطاني ما أعيش في فائدته إلى الآن (١) .
стр. 87
النقد الأدبي
لم يصل مؤلف نقدي كامل مستقل بمثل اتجاها واضحا في النقد الأندلسي لهذا العصر سوى كتاب " أحكام صنعة الكلام " لمحمد بن عبد الغفور الكلاعي وهو ممن صحب ابن بسام وكان من طبقته (١) ، بل ولم تكن هنالك نظرات نقدية جامعة كالتي وجدناها عند ابن شهيد وابن حزم إلا أن المادة النقدية التي نسمع عن تداولها هي: مؤلف في نقد الشعر لأبي بكر حزم بن محمد أهذه عنه سليمان بن راشد اللخمي بطليطلة، كتبه سنة ٤٥٧، كما روى عن ابن شرف كتابه أعلام الكلام (٢) ، واختصر محمد بن عبد الملك الشنتريني (- ٥٤٥) كتاب العمدة لابن رشيق ونبه على أغلاطه (٣) .
ولذلك فان مصادرنا إذا شئنا تصور الحركة النقدية في هذا العصر تقع في أربع فئات:
стр. 88
١ - الروايات المتنائرة التي تمثل آراء جزئية مبنية على التذوق المحض.
٢ - المقامة النقدية ولدينا منها " أعلام الكلام " لابن شرف، ورسالة لابن فتوح في معارضتها، والمقامتان والخمسون من المقامات اللزومية للسرقسطي.
٣ - كتاب إحكام صنعة الكلام للكلاعي.
٤ - الآراء النقدية التي بني عليها مؤرخو الشعر (أو الشعراء) أحكامهم وفي طليعة ذلك كتاب الذخيرة لابن بسام وكتابا الفتح بن خاقان القلائد والمطمح؟ ومقدمة ابن خفاجة التي صدر بها ديوانه.
فمن الروايات المتناثرة؟ مثلا - ان نقرأ كيف مدح الحجازي الكبير المعتمد بن عباد وبعد أن سمع منه القصيدة تناول البطاقة فأخذ ينظر فيها، قال الحجازي: " وانا مترقب لنقده، لكونه في هذا الشأن من أتمته، وكثيرا ما كان الشعراء يتحامونه لذلك، إلا من عرف من نفسه التبريز، ودقق بها إلى أن انتهى إلى قولي:
ولا سقاهم على ما كان من عطش ... إلا ببعض ندى كف ابن عباد فقال: لأي شيء بخلت عليهم أن يسقوا بكفه؟ (١) ". وواضح من هذه الرواية ان مفهوم النقد هو التعليق على المعنى ومدى ملائمته للمدح وللمقام أو عدم ملائمته.
ومما يلحق بهذه الروايات المتناثرة تلك المجالس الأدبية التي كان يشهدها مثل بلاط المعتمد. ومن ذلك أن ابن عمار كتب إليه قصيدته:
سجاياك أن عافيت أندى وأسجح ... وعذرك أن عاقبت أجلى وأوضح
стр. 89
وختمها بقوله:
وبين ضلوعي من هواه تميمة ... ستنفع لو أن الحمام يجلح فجعل من بالحضرة من أعداء ابن عمار ينتقدون الشعر ويطلبون له عيبا ويقولون: أي معنى أراد؟ ما قال شيئا ولا كاد: فقال لهم المعتمد: مهما سلبه الله من المروءة والوفاء، فلم يسلبه الشعر، إنما قلب بيت الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع فسكبت القوم إلا أبا سالم العراقي فانه جعل يتمضغ بقوله في القصيدة:
ولم لا وقد أسلفت وداً وخدمة ... يكران في ليل الخطايا فيصبح ويقول: ما معناه، وهلا بدل هذا اللفظ بسواه، فتعبث به المعتمد متحديا أن يغير العبارة (١) . والحكاية تصور إيمان المعتمد بشاعرية ابن عمار ودفاعه عنها، ومعرفته بنواحي الجودة في الشعر، دون أن تؤثر العداوة السياسية في أحكامه، كما تصور حال الانتهازيين الذين يتخذون من النقد وسيلة البلوغ إلى رضى المعتمد، وهو يعلمون ما بينه وبين صديقه القديم من " ود مفقود ".
وتتشابه المقامات النقدية في إرسال أحكام مجملة حول عدد من الشعراء، وفي كل وقفة قصيرة عند شاعر إثر شاعر يختار الناقد؟ مؤلف المقامة - ان يقول في عبارة مسجوعة أبرز ما عرف عن ذلك الشاعر وشهر به،
стр. 90
وإنما تفاوت المقامات إحداهما عن الأخرى بعدد من يتصدى الكاتب لنقدهم، ولنمثل على ذلك بما يقوله كل من اشرف والسرقسطي في المتنبي:
يقول ابن شرف: " وأما المتنبي فقد شغلت به الألسن، وسهرت في أشعاره الأعين، وكثر الناسخ لشعره والآخذ لذكره، والغائص في بحره، والمفتش في قعره عن جمانه؛ وقد طال فيه الحلف وكثير عنه الكشف، وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعايا في جرحه، والذي أقول: إن له حسنات وسيئات، وحسناته اكثر عددا وأقوى مددا، وغرائبه طائرة، وأمثاله سائرة، وعلمه فسيح، وميزه صحيح، يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر (١) .
ويقول السرقسطي فيه: " قلت فالكندي أبو الطيب؟ قال ذو الطبع الصيب، والكلم الطيب، ألم يتقدم ذكره، وشهر عرفه ونكره؟ لهجت بأمثاله الأفواه، وعذبت بأشعاره الأمواه، وسارت بذكره الرفاق، ووقع على تفضيله الاصفاق، أغص القائلين وأشرق، وأضاء كوكب فأشرق " (٢) .
ومن مقارنة هذين المثالين يتضح تقاربهما في تأكيد شهرة المتنبي وقدرته وإعجازه لمن يريدون تقليده، ومثل هذا الأحكام يمس السطح مسا دون أن يكون حقيقا بأسم النقد. على ان مقامة ابن شرف تمتاز عن مقامة السرقسطي في أنها تصدت لذكر بعض الأندلسيين بينا أغفلهم السرقسطي تماما. ومن الأندلسيين المذكورين فيها ابن عبد ربه القرطبي وابن هانيء والقسطلي. وهذه الناحية هي التي اهتم بها ابن فتوح في القطعة التي
стр. 91
تبقت لدينا مقامته بحيث أعطى أحكاما سريعة في أدباء عصره وبلده فقال: " فقال من أعذبهم لفظا وأرجحهم وزنا؟. الرقيق حاشية الظرف، الأنيق ديباجة اللطيف أبو حفص بن برد قال: فمن أقواهم استعارات وأصحهم تشبيهات؟ قلت البحر العجاج والسراج الوهاج أبو عامر بن شهيد. قال: فمن أذكرهم للأشعار وأنظمهم للأخبار؟ قلت: الحلو الظريف، البارع اللطيف، أبو الوليد ابن زيدون. قال: فمن أكلفهم للبديع، وأشغفهم بالتقسيم والتنبيع؟ قلت: الرائع في روضة الحسب، المستطيل بمرجة الأدب أبو بكر بن إبراهيم الطبني " (١) .
وفي الحق أن جميع هذه المصادر لا تسعفنا بالعثور على أحكام نقدية ذات وزن سوى " الذخيرة " لابن بسام أما كتابا الفتح بن خاقان فقد بنيا على التقريظ والثناء المسجوع على طريقة المقامة النقدية. فإذا سمعنا قوله في أبي القاسم بن الجد: " وله أدب لو تصور شخصا، لكن بالقلوب مختصا، ولو كان له السماك نجدا والمجرة غورا " (٢) . لم نفرق بين هذا القول وبين الأحكام الموجزة التي تتضمنها المقامات، وإن أعجبنا بصوره ملكته الأسلوبية. وكذلك هي حال الفتح إذا ذم، فقال في ابن باجة: " رمد جفن الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا " (٣) ، فكل هذا حديث عن الشاعر لاعن الشعر؛ غير انا نقدر فيه جنوحه إلى الإنصاف حين يقول في شعر
стр. 92
ابن باجة: " وله؟ مدائح انتظمت بلبات الأوان، ونظمت كل شتيت من الإحسان " (١) .
وأما احكام صغة الكلام لابن عبد الغفور فأنه لاحق بكتب البلاغة لا بكتب النقد في جملته، وفيه يظهر طغيان شخصية أبي العلاء المعري على نثر الأندلس - وهذا ما سأعرض له في موضع آخر - ويتحدث الكتاب عن أحكام الكتاب والخطابة والتوقيعات والحكم المرتجلة والأمثال أي عن القواعد الشكلية في ميدان النثر وفنونه المختلطة من ترسل وتوقيع ومقامة ووثائق وأكثر الأمثلة فيه مشرقة مع قليل من النثر الأندلسي. ويحتاج المصطلح الذي يستعمله ابن عبد الغفور إلى أن يعرض على المصطلح المشرقي ليظهر مدى مباينته له، فهو يقسم السجه مثلا في ثلاثة أقسام: المنقاد والمستجلب والمشكل. وهناك نوع من الكتابة سماه " المغصن " ولعله استوحى هذه التسمية من التوشيح الأندلسي، قال: " وسميانا هذا النوع المغصن لأنه ذو فروع وأغصان، وقلما يستعمله إلا المحدثون من أهل مصرنا، وهو نحو قولي: وقد يكون من النعم والإحسان، ما يصدر من الفم واللسان، ومن النعماء والمعروف ما ييسر بالأسماء والحروف، فقابلت سجعتين، كل سجعة موافقة لصاحبها، وقد يقابل في هذا الفصل ثلاث بثلاث؟. " (٢) .
وإذا كان ابن بسام هو الناقد الذي يستأثر باهتمامنا في هذه الفترة فعلينا، لكي نتفهم موقفه، أن نعود فتتمثل الدعوة النقدية التي دعا إليها ابن حزم. ويمكننا أن نقول على وجه الإيجاز إن دعوته كانت ذات شقين الأول: موقف دفاعي عن تراث الأندلس الفكري عامة؟ والأدبي
стр. 93
خاصة - والثاني: نظرة أخلاقية في الحكم على فنون الشعر.
ويمثل ابن بسام هذين العنصرين ويزيد عليهما عناصر أخرى تطبيقية. فالفكرة التي قام عليها كتاب " الذخيرة " هي إفهام الأندلسيين ان لديهم موروثا يستحق ان يعتزوا به ويفاخروا سواهم. ولأول مرة نسمع ناقدا أندلسياً يندد بأهل بلده لأنهم ينظرون إلى المشرق نظرة تقليد: " إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتابا محكما. وأخبارهم الباهرة وأشعارهم الثائرة مرمى القصية، ومناخ الرذية، لا يعمر بها خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيره لهذا الأفق الغريب ان تعود بدوره أهله، وتصبح بحاره ثمادا مضمحلة " (١) .
وقد وقع ابن بسام عند التطبيق في خطأين: أولهما انه بعد ان عاب التقليد في أهل بلده عاد في أثناء كتابه يعرض أشعارهم وأساليبهم ومعانيهم في نثرهم على أشعار المشارقة وكتابتهم، ليدل على الأخذ والمحاكاة فكان يثبت لديهم مظاهر التقليد فيما هو يحاول أن يبرز ما لديهم من طارف جديد. والخطأ الثاني كامن في أساس نظرته النفسية إلى الشعر، فهو يجهد نفسه في الاختيار والتقليب بينا هو يرى ان الشعر: " جده تمويه وتخيل، وهزلة تدليه وتضليل، وحقائق العلوم اولى بنا من أباطيل المنثور والمنظوم " (٢) .
стр. 94
ويقف ابن بسام في وصف الدعوة الخلقية التي نادى بها ابن حزم؟ سواء أكان تأثره به مباشرا أو غير مباشر - وذلك حين يحاول ان يخلي كتابه من الهجاء: " ولما صنت كتابي هذا عن شين الهجاء، وأكبرته أن يكون ميدانا للسفهاء، أجريت هاهنا طرفا من ملح التعريض ". ثم قسم ابن بسام الهجاء في قسمين: قسم يسمى هجو الاشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سبابا مقذعا، ولا هجرا مستسشعا، والقسم الثاني هو السباب الذي أحدثه جرير وطبقته، وقد آثر ابن بسام أن يورد أمثلة من النوع الأول (١) ولكن تجنب ابن بسام لإيراد الهجاء في كتابه أمر نظري، إذ أن طبيعة بعض الأشعار والحكايات المتصلة بها لا تمكنه من أن يبر بوعده تماما. ومن الطريف أن التعفف عن الهجاء وجد طريقه إلى الشاعر لا إلى الناقد فحسب، فصدف عنه ابن خفاجة وابن حمديس، ومهما نقل بعجز الشاعر عن مزاولة هذا الفن بد من أن نجد له أساسا دينيا في نفسه، أما لدى ناقد يؤرخ أدب عصره مثل ابن بسام فقد نفترض عاملا آخر في إقصاء الهجاء، وذلك هو حرص الناقد على المواضعات والعلاقات الاجتماعية وهو يؤرخ للأحياء من معاصريه.
غير أننا نجد قوة العامل الديني لدى ابن بسام في موضع آخر وهو مقته لمعاني الإلحاد في الشعر وحملته على بعض الشعراء الذين يتفلسفون في افكارهم، أو يستعملون المصطلح الفلسفي، فعندما أورد قصيدة للسميسر جاء فيها:
يا ليتنا لم نكُ من آدم ... أورطنا في شبه الأسر
ان كان قد أخرجه ذنبه ... فما لنا نشرك في الأمر
стр. 95
حمل عليه بشدة وقال: والسميسر في هذا الكلام ممن اخذ الغلو بالتقليد، ونادى الحكمة من مكان بعيد، صرح عن ضيق بصيرته، ونشر مطوي سيرته، في غير معنى بديع، ولا لفظ مطبوع، ولعله أراد أن يتبع أبا العلاء، فيما كان ينظمه من سخيف الآراء، وهبة ساواه في قصر باعه وضيق ذراعه. اين هو من حسن إبداعه ولطف اختراعه؟ (١) .
وأورد أبياتاً فلسفية لأبي عامر بن نوار الشتريني يقول فيها:
يا لقومي دفنوني ومضوا ... وبنوا في الطين فوقي ما بنوا
ليت شعري إذ رأوني ميتا ... وبكوني أي جزأي بكوا
ما أراهم ندبوا في سوى ... " فرقة التأليف " إن كانوا دروا فشفعها بهذا التعليق: " وهذا معنى فلسفي، قلما عرج عليه عربي، وإنما فزع إليه المحدثون من الشعراء، حين ضاق عنهم منهج الصواب، وعدموا رونق كلام الاعراب، فاستراحوا إلى هذا الهذيان، استراحة الجبان، إلى تنقص أقرانه، واستجادة سيفه وسنانه. وقد قال بعض أهل النقد: انه عيب في الشعر والنثر أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلمة من كلام الأطباء، أو بألفاظ الفلاسفة القدماء، وأني لأعجب من أبي الطيب على سعة نفسه، وذكاء قبسه، فأنه أطال قرع هذا الباب، والتمرس بهذه الأسباب، وكذلك المعري: كثر به انتزاعه، وطال إليه إيضاعه، حتى قال فيه أعداؤه وأشياعه، وحسبك من شر سماعه، وإلى الله مآله، وعليه سؤاله ". ثم نقل في أثر ذلك أبياتاً لأبي غسان المتطبب وقال:
стр. 96
" وهذا كلام من الإلحاد، على غاية الاضمحلال والفساد (١) "
ويلحق بهذه النزعة الدينية سخط ابن بسام على الشعر حين يبتعد به صاحبه عن " الصدق " الواقعي، فقد أورد أبياتاً لأبي بكر الداني يتحدث فيها الشاعر عن تضحية ممدوحه في سبيل الدين:
في نصرة الدين لا أعدمت نصرته ... تلقى النصارى بما تلقى فتنخدع
تنيلها نعما في طيها نقم ... سيستضر بها من كان ينتفع أي أن الممدوح يدفع الجزية للروم من اجل نصرة الدين فيخدعهم بها ويطيعهم اياها في شكل نعمة وهي في حقيقتها نقمة عليهم. فيثور ابن بسام لهذا الادعاء الفاجر ويقول: " وهذا مدح غرور، وشاهد زور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، وهيهات! بل حلت الفاقرة بعد بجماعتهم، حين أيقن النصارى بضعف المنن، وقويت أطماعهم بافتتاح المدن، واضطرت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم " (٢) .
لذلك نرى في ابن بسام ناقدا يسلك محجة المحافظة والتمسك بالمقاييس الموضوعة، فهو يأبى أن يدرج الموشحات في كتابه، وينفر من الاستعارات البعيدة لدى شعراء عصره: " كيف لو سمع الصاحب استعارات أهل وقتنا، كقول المهدوي ابن الطلاء: " بقراط حسنك لا يرثي على عللي " وقول حسان بن المصيصي:
إذا كانت جفانك من لجين ... فلا شك الغنى فيها ثريد
стр. 97
وقد قدح أهل النقد في المتنبي بخروجه في الاستعارة إلى حيز البعد كقوله:
مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب (١) وهو يحس معنى الشذوذ في الجمع بين التعزية والمدح الكثير للمغزى فيقول: " وليس من عادة أئمة الشعراء المقتدى بها الإكثار من مدح المعزى في تأبين حميمه المتوفى، وإنما يلمون به إلماماً بعد التوفر على ندبة ميته والإشباع في ذكر ما فقد من خصاله، ثم الكر على تستكين جأشه، وحضه على التعزي اتقاء لربه؟ هذه طريقة قدماء الشعراء " (٢) .
ويتكئ ابن بسام في اكثر نقده على إظهار اطلاعه في ميدان الشعر، ولذلك تجده يرد المعاني إلى أصولها، ويحسن استكشاف الأخذ والسرقة مهما تكن دقيقة، ولا يزال يعتقد؟ مع ابن شهيد - أن أفضل ضروب الأخذ ما غير فيه الشاعر الآخذ القافية والروي بحيث يخفى معناه (٣) . ويستحق الشاعر لديه الثناء الكثير إذا وقع له بيت أحسن توليده؟ أورد بيتا لحسان بن المصيصي ثم قال: " وهذا البيت لحسان من حسنات شعره، وأبين آيات ذكره، فيه توليد، شهد انه شاعر مجيد " (٤) . وله على بعض الأبيات تعليقات فذة، فمن ذلك قوله معلقا على بيت لشاعر يصف فيه قصيدته التي قدمها للممدوح:
عليك أبا عبد الإله خلعتها ... لها البدر طوق والنجوم غلائل
وما هي الا الدهر في طول عمرها ... وإن لم يكن فيها الضحى والأصائل
стр. 98
" فيا لهذا البيت ما أحسن مذهبه، وأبدع مثواه ومنقلبه، إلا إنه أتى بالدهر مسلوب الضحى والأصائل، فلم يزد على أن جلاه في زي عاطل، وأبرزه في مسوح شوهاء ثاكل، وليت شعري أي شيء أبقى للدهر المطلوم، بعد صحاه الناصعة الأديم، وآصاله المعتلة النسيم، هل بقي إلا ليله الأسود الجلباب، وهجيره السائل اللعاب! ولو قال لممدوحه: وتلك العلى فيها الضحى والاصائل، لأبرز قصيدته رفافة البرود شفافة العقود (١) ".
وأثنى على قصيدة لأبي الحسن بن اليسع فدل على المقياس العام الذي يحكم به على الشعر إذ قال: " وهذا رداء الديباج الخسرواني، ورونق العصب اليماني، ولمثله فلتنشرح الصدور، ويتشوف السرور، ويذعن المنظوم والمنثور، ألا ترى ما آنق استعاراته وأرشق إشاراته، وأقدره على الإتيان بالتشبيه دون أداته (٢) ".
وفي كل خطوة نحس أن ابن بسام يأخذ بأسباب الإنصاف محققا بذلك قوله في المقدمة: " وما قصدت به، علم الله، الطعن على فاضل ولا التعصب على قائل " (٣) كما انه يصرف اهتمامه إلى ناحيتين، بشكل خاص، هم: البديع " الذي هو قيم الأشعار وقوامها، وبه يعرف تفاضلها وتباينها " (٤) والوقوف عند مظاهر البديهة والارتجال " فهي نحوي في هذا المجموع الذي انتحيت، وطلقي الذي إليه جريت " (٥) ، وانا لنشهد إنصافه
стр. 99
ودقة حكمه حين أورد أمثلة من بدائه المشارقة وشفعها بمرتجلات للأندلسيين ثم أكد " أن البديه والارتجال في هذه الأشعار الأندلسية لم يلحق بالأشعار المشرقية، ولا فيها كبير طائل " (١) .
ولسنا نستطيع أن نحدد عند غير ابن بسام؟ على قصور في آرائه جملة - " موقفا " نقديا ذا شمول إلا أن ابن خفاجة كان أوضح الشعراء مذهبا قي النقد حين وقف يدافع عن مذهبه الشعري؛ فهو يقرر أن الشعر، وأن جوده صاحبه، منقسم في طرفين ووسط، وأن كلال الشاعر يظهر في الطرف الثاني أي خاتمة القصيدة. ويقول: " والشعر يأتلف من معنى ولفظ وعروض وحرف روي، فقد يتعاصى في بعض الأمكنة جزء من هذه الأجزاء أو أكثر، فطورا ينظم البيت وآونة ينثر " (٢) . ويرى ابن خفاجة أن الشعر، جيدا كان أم رديئا، يجد من يطعن عليه، سواء أكان الطاعن منصفا أو متحيفا. ويذكر أن في بلده ناسا ليس لديهم مقياس نقدي سوى مقياس " الجزالة "، وأنهم يستعملون هذا المقياس وحده في كل موضوع مدحا كان أو غزلا أو مجونا، ويدافع ابن خفاجة عن الرقة التي استمدها من محاكاة عبد المحسن الصوري والشريف الرضي ومهيار الديلمي، كما يقر بأنه حاكى أبا الطيب في بعض شعره، إلا أن له أشعاراً أخرى أصيلة ساقها على غير مثال.
ويحاول في بعض المواقف أن يشير إلى المصدر الذي استقى منه هذا المعنى أو ذاك فيقول ان قوله: " ونزلت اعتنق الأراك مسلما " ينظر إلى قول أبي الطيب:
نزلنا عن الاكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه ان نلم به ركبا
стр. 100
وينتقد لفظة " من " في بيت المتنبي، ويتعذر عنه بأنه كان يحفل بالمعنى ولا يبالي بالألفاظ، ويخشى ان يظن ظان انه يفضل نفسه على المتنبي فيستدرك قائلا: " وربما حمل علينا حامل فقال ان هذا الرجل يتعاطى رتبة في الشعر فوق رتبة المتنبي، وليس الأمر كذلك، لأنه لم يعترضه في جملة شعره وإنما اعترضه في لفظة، وهذا ليس بمستنكر ولا مستكبر " (١) ويبدو لنا أن ابن خفاجة شديد الإحساس بما يتطلبه نقاد عصره، فهو لا يكاد يأخذ في الرقة حتى يتلافاها: " بأوصاف الجزالة وألفاظ البسالة والجلالة، تلافيا أرسى قواعدها، وقوى معاقدها " (٢) .
تلك صورة مجملة لما تيسره المصادر عن حياة النقد الأدبي في هذا العصر الذي نؤرخه، ومنها يتبدى لنا أن النقد الأندلسي لم يستقل بكيان واضح، شأنه في ذلك شأن النقد في العصر السابق، وأن المسؤول عن ضعفه انحياز مؤرخي الأدب إلى جانب المقامة في إظهار براعتهم الأسلوبية، وتأثره بالقواعد الأخلاقية والدينية وثورته على الإلحاد والفلسفة واللفظة " غير الشعرية ". وما يزال هذا النقد يدور حول تعميم الأحكام أو معالجة البيت الواحد بل اللفظة الواحدة، ولكنه؟ على أي حال - اعتمد بعض مصطلحات جديدة ووضح موقفه من المقاييس المعتمدة، فأنكر الاستعارات البعيدة وأعلى من قيمة البديع ومن عمل البديهة، وحاول ان يترسم الموروث. ووقع في صراع مع تعميم مقياس واحد كالجزالة أريد فرضه على كل موضوع شعري.
стр. 101
دراسة مظاهر التطور الأدبي
نظرة عامة:
شهد الأدب في هذا العصر تطورا واسعا من نواحيه المختلفة، حتى ليصح القول بأن صور الأدب الأندلسي في عهد الطوائف والمرابطين، قد اكتملت أو كادت، وبلغت مرحلة من التطور لا بد لها بعدها من جنوح أو هبوط أو جمود. فقد اتسع النطاق المكاني لهذا الأدب وتعددت أسماء الأدباء الذين يستوقفون الدارس الأدبي، وبعد أن كانت قرطبة من قبل هي الدائرة الكبرى التي ينجذب إليها الأدباء من شتى النواحي، تكاثرت المراكز الأدبية، وكثر الممدوحون وحماة الأدب ورعاته، وكثرت دواوين الإنشاء، وتعدد الوزراء الكتاب الشعراء، وأصبحت المنافسة أشد وأقوى. على أنا يجب أن نحذر في هذا المقام من الخلط بين النوع والكم في حال الأدب حينئذ، فتلك الزيادة المستفيضة في كميته لم يلازمها اطراد في جودة النوع. وقد نفينا من قبل أن تكون الجودة وليدة التشجيع " الرسمي " وحده، بل لعل التطور الطبيعي للأدب، إنما تم
стр. 102
تحت وطأة الظروف المحلية والمؤثرات الخارجية على نحو لا يحتاج إلا قليلا من التشجيع، فالحركة الطبيعية في لتطور هي رائدنا في تقدير ما بقي لدينا من أدب ذلك العصر، وإبراز معالم الجدة أو التغير هو سبيلنا إلى دراسة ذلك التطور، وهذا يعني أننا قد نقف في الأكثر عند المعالم الجديدة أو الأخرى التي أصابها ضرب من التحول بأكثر من وقوفنا عند العناصر الثابتة التي يعتورها تبدل أو تجدد.
- ١ -
التطور في الشكل
أو
الصراع بين طريقة العرب وطريقة المحدثين
حاولت في كتاب سابق أن أترسم حال المذهب الأدبي العام بين ما سماه الأندلسيون طريقة المحدثين وما سموه طريقة العرب، وبينت كيق أن التنافس اشتد بين المذهبين، وبخاصة بعد أن كثر تلامذة القالي في الأندلس، وكان من ثمرات ذلك التنافس أن شهد هذا العصر الذي أؤرخه هنا اشتداد مذهب العرب في مبنى الشعر وموضوعه. ويقوم مذهب العرب من حيث مبناه على قاعدتين هامتين تتصلان بموسيقاه العامة وهما: الجزالة وشدة التدفق؛ ومن ثم نفهم قول ابن بسام إن أكثر أهل وقته وجمهور
стр. 103
شعراء عصره يذهبون إلى طريقة ابن هانيء وعلى قالبه يضربون (١) فليست تعدو طريقة ابن هانيء؟ من حيث المبني - الركنين المذكورين من جزالة وتدفق. على أنه إن كانت طريقة ابن هانيء مشمولة بجلبة لفظية عامة حتى شبه المعري شعره برحى تطحن قرونا، فليس معنى ذلك أن اجتماع الجزالة والتدفق يفترض دائما ان تكون الموسيقى المدوية جوفاء ليس وراءها طائل كثير. وقد استطاعت طريقة العرب أن تمسح عن اكثر الشعر الأندلسي ما وجدناه؟ من قبل - من خشونة في التركيب ناجمة عن عدم خلوص التعبير من اصطناع التقليد المباشر، كما أنها أكسبت الشعر الجديد خشونة الموضوع البدوي، مما قد لا يتلاءم وطبيعة الاتجاه الحضاري الذي كانت الأندلس آخذة بأسبابه، ولكن الشعر في هذا المجال يمثل جانبا من الثورة على الإغراق في الحضارة، فإذا لم نعد ذلك ثورة صريحة عددنا تكاملا لا بد منه من أجل خلق التعادل بين منحيين متطرفين.
ولنا أن نعزو هذا الاتجاه إلى طبيعة الدراسات التي جنحت إليها مدرسة القالي، وهذا يتجلى بوضوح من مراجعة الكتب التي اهتمت بتدريسها وشرحها وتقريبها للطلبة، وكلها من النوع الذي يقدم نماذج من طريقة العرب أو نماذج تحتذيها. هذا الاعلم الشنتمري شرح الأشعار الستة، وشرح أبو عبيد البكري أمالي القالي نفسها، وتوفر البكري وغيره على شرح الأمثال، واخذ ابن السيد البطليموسي إلى جانب شروحه اللغوية بشرح سقط الزند لأبي العلاء وديوان المتنبي. وقد كانت هذه الشروح تقريرا لطريقة العرب في الشعر.
وكان أن خضع الشعر نفسه لقوة مؤثر خارجي جديد تمثل في ديوان
стр. 104
المتنبي وشعر المعري، وهما اللذان ارتدا إلى المعين البدوي ومزجا ما اغترفا منه بالتجربة العميقة والآراء الفلسفية، فكان ما حققاه في هذا المجال تجديدا من داخل المحافظة على الشكل القديم. وكان لهذين الأديبين مكانة سامية في نفوس الأندلسيين في هذا العصر الذي أؤرخه. ومن تصفح الذخيرة لابن بسام استطاع أن يرى مدى اتكاء الشعراء الأندلسيين في توليد المعاني على هذين الشاعرين، فأما معارضة قصائدهما فشيء واضح للعيان. وقد أصبحت معارضة المتنبي محكما للجودة عند الأندلسيين منذ أيام ابن شهيد وظلت كذلك حتى عهود متأخرة، حتى أن ابن شرف طلب في مجلس المأمون ابن ذي النون أن يشير المأمون إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب ليعارضه بقصيدة " تنسي اسمه وتعفي رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه، علما بضيق جنابه، وإشفاقا من فضيحته وانتشا به " ولكنه بعد إلحاح طلب إليه أن يعارض: " لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي " - وفيها البيت:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق (١) والقصة تروى أيضا بمثل هذا النحو في المشرق، ولا يبعد أن تكون البيئة الأندلسية هي مصدرها فإن مكانة المتنبي في الأندلس لم تكن لتقل عنها في المشرق.
وأشد الشعراء الأندلسيين نسجا على طريقة المتنبي في السياق والبناء مع استقلال غير ضئيل في العناصر الذاتية: أحدهما هو عبد المجيد ابن عبدون الذي عاش في كنف المتوكل صاحب بطليموس، بعد أن حاول الحظوة لدى المعتمد بن عباد، فلم يجد لديه قبولا، فلما انتهى
стр. 105
عهد الطوائف قضى بقية حياته ببلده يابرة (١) .
فمن شعره الذي يذكر بطريقة أبي الطيب:
هيهات لا أبتغي منكم هوى بهوى ... حسبي أكون محبا غير محبوب
فما أراح لذكرى غير عالية ... ولا ألذ بحب دون تعذيب
ولا أصالح أيامي على دخن ... ليس النفاق إلى خلقي بمنسوب
يا دهر أن توسع الأحرار مظلمة ... فاستثني إن غيلي غير مقروب
ولا تخل أنني ألقاك منفردا ... إن القناعة جيش غير مغلوب ذلك إنه يبنيه على القوة، ويستأنف بعد قطع الكلام بإرسال الحكمة والمثل، إلا أنه قد يخالف المتنبي في فلسفته إذ يقول: " ولا ألذ بحب دون تعذيب "، كما يخالفه ويبتعد عن طريقه في قوله: " إن القناعة جيش غير مغلوب "، ولكن السياق العام في القصيدة فيه احتذاء شديد لأبي الطيب.
ومن نغماته التي يعيد فيها بعض التدفق في أسلوب المتنبي قوله (٢) :
فما أبقوا ولا هموا ببقيا ... ونقل الطبع ليس بمستطاع
فلو سقت السماء الشري أريا ... لما احلولت مراعيه لراع
بدهر ضاعت الأحساب فيه ... ضياع الرأي في السر المذاع
فبعتهم بتاتا لا بثنيا ... ولا شرط ولا درك ارتجاع
ولم أجعل قرابي غير بيتي ... وحسبي ما تقدم من قراع
стр. 106
والفرق بينه وبين أبي الطيب ليس في النغمة العامة، وإنما في ان فلسفة تقوم على قوة نفسية مستمدة من الزهد في الناس ومن القناعة وليس هذا من مذهب المتنبي.
وإذا كان ابن عبدون يترسم مبنى المتنبي وحده دون فلسفته فان ابن وهبون يترسم الاثنين معا في مثل قوله (١) :
وإني لفي دهر قرائس أسده ... سدى عبثت فيها نيوب كلاب
أتخفى على الأيام غر مناقبي ... وقد بز شأوي شأو كل نقاب
ويركبني رسم الخمول وقد غدت ... خصال العلا والمجد طوع ركابي
سأرقى بهماتي قصارى مراتبي ... وإن كان أدناها يطيل طلابي
لتعلم أطراف الأسنة أنني ... كفيل لها عند الصدا بشراب
وتشهد أطراف اليراعات أنني ... بهن مصيب فصل كل خطاب
وليس نديمي غير أبيض صارم ... وليس سميري غير شخص كتابي
مضمخة لا بالمخلوق أناملي ... مزعفرة بابعير حرابي
ولكن بنفح بخجل الروض زاهرا ... ولكن بدعس في كلى ورقاب
ومن لم يخضب رمحه في عداته ... تساوت به في الحي ذات خضاب
ومن لم يحل السيف من بهم العدا ... تحلى بخزي في الحياة وعاب
إذا ورق الفولاذ هز تساقطت ... ثمار حتوف أو ثمار رقاب
ومن يتخذ غير الحسام مخالبا ... فما هو إلا وارد بسراب
ومن غره من ذا الأنام تبسم ... فبالعقل قد أضحى أحق مصاب
стр. 107
ولا ريب في أن عبد الجليل أقل عنفا من المتنبي، ولكن حديثه عن أطراف الأسنة وعن صديقيه الحسام والكتاب وعن المخدوعين بالتبسم إنما هو ترديد لمعاني أبي الطيب، أو إن شئت فقل إنه يرى انعكاس صورة أبي الطيب في مرآة أبي فراس الحمداني.
وأما أثر العلاء فواضح كل الوضوح في الاتجاه الفلسفي العام؟ الذي سأتحدث عنه في موضعه - ولكن الأندلسيين أنفسهم يشهدون بمدى إقبالهم على شعره ونثره ومعارضتهما. ولنقف مرة أخرى عند محمد ابن عبد الغفور الكلاعي الذي أورد في كتابه " أحكام صفة الكلام " ثبثا بأسماء ما كان يتداوله الأندلسيون من كتب أبي العلاء. فيحدثنا ابن عبد الغفور كيف اجتمع وصديقا له في بعض المجالس، وأخذا في ضروب الفصاحة فاتهمه صاحبه بأنه لا يعرف كيف يكتب في السلطانيات، فحمله ذلك علي تأليف كتاب على مثال " السجع السلطاني " لأبي العلاء. وكيف تذاكر هو وصاحبه ما لأبي العلاء من تواليف بديعة فقال صاحبه أن ابا العلاء لا يجارى ولا يبارى ولا يعارض في واحد منها، فأحب ابن عبد الغفور ان يثبت تفوقه فكتب رسالة " الساجعة والغربيب " معارضة لرسالة " الصاهل والشاحج " لأبي العلاء، ثم عارضه بتأليف سماه " ثمرة الألباب " مضاهيا بذلك " سقط الزند "، وعرضه في خطبة كتاب الفصيح وهذا جهد معجب واحد من المعجبين بأبي العلاء وهناك آخرون غيره منهم ابن الخصال الذي عارضه في ملتقى السبيل، والسرقسطي الذي تأثر خطاه في المقامات فبناها على لزوم ما لا يلزم، وتأثره ابن خفاجة من حيث الشكل حين استعمل اللزوم في شعره. وليس من السهل ان نمثل على تأثر الأندلسيين بالمبنى الشعري عند ابي العلاء فأن سقط الزند الذي استأثر باهتمامهم فيه الشيء من اثر المتنبي نفسه.
стр. 108
ولكن ليس من العسير أن نمثل على الجو البدوي العام الذي اخذ يتنفس فيه الشعر الأندلسي في ذلك العهد، ذلك لأنا نجد أمثلته حاضرة عند كثيرين من الشعراء، وبخاصة في مقدمات المدائح، فمن ذلك قول ابن حصن أحد شعراء المعتضد (١) :
ما هاج برج الهوى إلا مطوقة ... كأنها من نحول شفها جيم
أيا حمامة ذا الوادي أثرت جوى ... تنقض منقدة منه الحيازيم
إن لا يكن واديا حلت ركابهم ... به فما وإلا فما واديك مأموم
نغشى بهن بنات الوخد سابحة ... تهوي وقد هم بالمسار تهويم يقيم سرى الليل تأويب النهار وللهجير من لهب الرمضاء تضريم ... والآل عند هيام القيظ مضطرب كأنه في بساط القاع محموم ...
يزاحم الليل والخرقاء موضعه ... والقفز مثل طراد السيف ديموم
مرقته وثرياه تلوح كما ... لاحت بأنمل زنجي حواتيم ومن شعر يحيى بن بقي وهو يصف رحلته إلى الممدوح على ناقة ينقل لنا جوا صحراويا في نغمة جزلة بدوية (٢) :
أوضعت بي إليه وجناء حرف ... أكلتها السفار أكل القضيم
تترك الريح خلفها وهي حيرى ... بين إيضاعها وبين الرسيم
ظلت أطوي القفار منها بلام ... طبعتها بالميم بغد الميم
فأتته والمرو قد نال منها ... فهي تخطو على وظيف رثيم
стр. 109
وقليلا تمتعت في الفيافي ... بسنام كالعارض المركوم
فأنخنا إلى فناء جواد ... ماله نهبة لكل عديم ومن شعر عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني قصيدة افتتحها بوصف الأطلال والأماكن المشرقية (١) :
لمن طلل دارس باللوى ... كحاشية البرد أو كالردا
رماد ونؤي ككحل العروس ... ورسم كجسم براه الهوى
غدا موسما لوفود البلى ... وراح مراحا لسرب المها
عجبت لطيف خيال سرى ... من السدر أنى إلي اهتدى
وكيف تجاوز جوز الحجاز ... وجوز الخميس وسدر المنى
ولم يثنه حر نار الضلوع ... وبحر الدموع وريح النوى
نذكر ايامنا بالعقيق ... وليلتنا بهضاب الحمى ولابن البين قصيدة يذكر فيها شيئا من هذا الجو البدوي الحافل بالغزلان ورحلة الجمال (٢) :
أفي كلل الأضعان غزلان رملة ... أم احتملت فيها جاذر وجرة
ولما تولت بالجمال جمالهم ... تولى جميل الصبر يوم تولت
بوادي الكرى لاقيتها وهي عاطل ... فأرسلت در العين لما تجلت
إذا نسمت ريح الصبا في جنابها ... ستنكر في سلسالها طعم عبرتي وإذا مضينا في اختيار الأمثلة كثرت وطالت، فحسبنا هذا القدر.
стр. 110
وفي بعض تلك القصائد ما يذكرنا بذلك الاتجاه الذي انتحاه الشريف الرضي في قصائد " الحجازيات " تلك القصائد المبنية على نوع من الحنين المبهم مع الإشارة إلى الأماكن البدوية. وقد اقر ابن خفاجة انه نسج بعض قصائده على منوال قصائد الشريف ومهيار، فمما قاله ناظرا إلى الأول (١) :
ألا ليت أنفاس الرياح الرواسم ... يحيين عني واضحات المباسم
ويلثمن ما بين الكثيب إلى الحمى ... مواطئ أخفاف المطي الرواسم
ويرمين أكناف العقيق بنظرة ... تردد في تلك الربى والمعالم
فما أنسه يوما بذي النقا ... أطلنا به للوجد عض الأباهم ومن قوله ناظرا إلى شعر الثاني:
ويا بانة الوادي بمنعرج اللوى ... أتصغي على شطح النوى فأقول
ويا نفحات الريح من بطن لعلع ... ألا جاد من ذاك النسيم بخيل
ويا خيم نجد دون نجد تهامة ... ونجد ووخد للسرى وذميل ويقول ابن خفاجة في التعليق على ذكره لأسماء هذه الأماكن: " وأما اسماء تلك البقاع، وما انقسمت إليه من انقسمت إليه من صفة نجد أو قاع، فإنما جاء بها على أنها خيالات تنصب ومثالات تضرب، تدل على ما يجري مجراها، من غير ان يصرح بذكرها " (٢) ، يعني بذلك انه اتخذها رمزا لا حقيقة للإيماء إلى منازل يهواها وأشخاص يوليهم ثقته وحبه