← Адаб

Адаб · id 1015

تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)

إحسان عباس

Полный текст (321 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هذه الضرائب إنما تذهب إلى خزينة الدولة لا إلى جيوب الجباة. وقد أحس الشاعر أبو حفص الزكرمي العروضي بالمشكلة من ناحيتين: أولاً لان الذي طالبه بدفع الضريبة جاب يهودي، وثانيا لأنه كان يأمل أن يأخذ لا أن يعطي؛ ولذلك نسمعه يقول في إحدى قصائده (١) : يا أهل دانية لقد خالفتم ... حكم الشريعة والمروة فينا مالي أراكم تأمرون بضد ما ... أمرت، ترى نسخ الإله الدينا كنا نطالب لليهود بجزية ... وأرى اليهود بجزية طلبونا ما إن سمعنا مالكا أفتى بذا ... لا لا. ولا من بعده سحنونا هذا ولو أن الأئمة كلهم ... - حاشاهم - بالمكس قد أمرونا ما واجب مثلي يمكس عدله ... لو كان يعدل وزنه " قاعونا " ولقد رجونا ان ننال بمدحكم ... رفدا يكون على الزمان معينا فالآن نقنع بالسلامة منكم ... لا تأخذوا منا ولا تعطونا وتسلط اليهود هو ما أثار أبا إسحاق الالبيري الزاهد أيام وزارة ابن النغريلة اليهودي في غرناطة وجعله ينظم قصيدته؛ التي ساعدت على الثورة في ذلك البلد (٢) : ألا قل لصنهاجة أجمعين ... بدور الندى واسود العرين لقد زل سيدكم زلة ... تقر بها أعين الشامتين تخير كاتبه كافرا ... ولو شاء كان من المسلمين

стр. 142

فعز اليهود به وانتخوا ... وتاهوا وكانوا من الأرذلين ونالوا مناهم وجازوا المدى ... فحاق الهلاك وما يشعرون وقد اتبع الفقيه الزاهد في هذه القصيدة هذا الأسلوب النثري السهل ليبلغ كلامه الإفهام، ومدح باديس ليكسب ثقته، ثم تحدث عما رآه رأي العين في غرناطة: واني احتللت بغرناطة ... فكنت أراهم بها عابثين وقد قسموها وأعمالها ... فمنهم بكل مكان لعين وهم يقبضون جباياتها ... وهم يخضمون وهم يقضمون ثم عرج على ذكر الترف الذي انصرف إليه الوزير اليهودي فقال: ورخم قردهم داره ... وأجرى إليها نمير العيون فصارت حوائجنا عنده ... ونحن على بابه قائمون ويضحك منا ومن ديننا ... فانا إلى ربنا راجعون والبيت الأخير ربما كان يشير إلى ابن النغريلة عمل رسالة ينتقد فيها بعض ما زعمه تناقضا في القرآن الكريم. وقد تلمس الالبيري كل وسيلة لإثارة النفوس وحرض على قتل اليهودي وافتى بأن ذلك لا يعد عذرا ولتلك الفتوى قيمتها إذ تصدر عن فقيه زاهد: فبادر إلى ذبحه قربة ... وضح به فهو كبش سمين ولا ترفع الضغط عن رهطه ... فقد كنزوا كل علق ثمين ولا تحسبن قتلهم غدرة ... بل الغدر في تركهم يعبثون

стр. 143

وقد نقدر أن حرية التعبير في عصر الطوائف كانت ضيقة الحدود، وان الخوف ألجم الناقمين والمتذمرين عن الإفصاح بما كانوا يحسونه، اذ لم يكد بشعر بعضهم أن وجه المنقذ يطل عليهم من وراء آثام البطل المرابطي حتى اخذوا يتحدثون عن عيوب حكامهم في صراحة. وقد جرت الأحوال المتقلبة بالناس في ظل الحكومات المتعاقبة على استجداء رضى القائمين الجدد والشماتة بالذاهبين، سمة من سمات النفاق في الحياة السياسية تومئ إلى نقصان في الشجاعة النفسية والى أزمة عميقة في الأخلاق، وأمثالها في الحديث والقديم كثيرة. ولا ندري هل نبرى منها أبا الحسن ابن الجد حين وقف يمدح أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ويقول (١) : في كل يوم غريب فيه معتبر ... نلقاه أو يتلقانا به خبر أرى الملوك أصابتهم بأندلس ... دوائر السوء لا نبقي ولا تذر قد كنت أنظرها والشمس طالعة ... لو صح للقوم في أمثالها النظر ناموا وأسرى لهم تحت الدجى قدر ... هوى بأنجمهم خسفا وما شعروا وكيف يشعر من في كفه قدح ... تحدو به مذهلات الناي والوتر صمت مسامعه من غير نغمته ... فما تمر به الآيات والسور تلقاه كالعجل معبودا بمجلسه ... له خوار ولكن حشوة خور وحوله كل مغتر وما علموا ... أن الذي زخرفت دنياهم غرر ولكن من الطبيعي أن تستيقظ النقمة الدينية في نقد الأمراء والملوك لدى قدوم الحكام الجدد الذين جاءوا يحملون معهم دعوة لبعث ديني.

стр. 144

٥ - الاتجاه الهزلي: قلما كان الشعر في العصر الأموي؟ السابق - ممثلا للفكاهة الاندلسية، وكان المشهورون من الأندلسيين بالفكاهة إذا تندروا هجوا. ولما كتب ابن شهيد " شجرة الفكاهة " أو رسالته المعرفة بالتوابع والزوابع لم يكن للفكاهة فيها حظ كبير يناسب مقدار ما فيها من عجب وزهو ذاتيين. أما في هذا العصر - عصر الطوائف والمرابطين - فقد احتلت الفكاهة مكانة واسعة في الشعر والنثر، وزاد الأندلسيين بطبقة القضاة والفقهاء، واستوى لهم في بعض النواحي ما وصلهم من هزليات أبي الشمقمق وأبي الرقعمق وأحيانا مجونيات ابن سكرة وابن حجاج، ففتح ذلك لهم بابا واسعا من الاتباع، وأصبحت طريقة الجاحظ في السخرية مطلبا يحاولون بلوغه. ومن اشهر السلكين لهذا السبيل الأديب أبو عبد الله محمد بن مسعود ويرى ابن بسام انه انتحى في هذه الطريقة منحى ابن حجاج بالعراق فقصر عنه، وقد كان له ابن توجه إلى الغرب، وخلع هنالك عذاره في البطالة والشراب، فكتب إليه أبوه رسالة هزلية يتهكم فيها به على نحو ما تهكم الجاحظ بأحمد بن عبد الوهاب في رسالة التربيع والتدوير. وتبدو المجاكاة في القطعة التالية احتذاء واضحا إذ قال: " وصف لي موقع الشمس في العين الحمئة، وكيف كان مخلصك من تلك البلاد الوابئة وكيف رأيت مدينة يونس وجنة رام، والبركان المونس وجزيرة الغنم، والزاوية، وصخرة العقاب وبئر الهاوية؟ وإيوان كسروان وكفر توثى

стр. 145

والهرمين والمنار، وحكام اللكام والغاز، وغانة السودان وغرائب البلدان " (١) . وقد مارس ابن مسعود الهزل في ضروب مختلف من الأشكال الأدبية فجعله تارة نثرا وتارة في أراجيز وثالثة شعرا من النوع الخفيف السهل. فمن هزلياته في المزدوج أرجوزة خاطب بها الوزير ابن بقنة على لسان جارية كان أهداها إليه، وفيخا تقول الجارية واصفة فقر ابن مسعود وسوء حله: جعلتني أسيرة مملوكه ... لطلعة هائلة صعلوكه يعز - على الفال - إلى مسعود ... وهو شقي ليس بالمحمود ألحن في أشعاره من تيس ... أعجز في البيت من الضر يس ولو ترى يا ذا الندى مثواه ... لقلت سبحان الذي بلاه قطعه لبد دارس الآثار ... قد طرحت حول مكان النار وواضح ان غاية ابن مسعود من هذا التصور الهزلي لنفسه استعطاف الوزير ليرق الحال، ويمنح من العطاء ما يكفل للجارية عيشا حسنا وله قصيدة كأشعار أبي الرقعمق يصور نفسه فيها طبيبا حاذفا عرف الأدوية وبلغ من الحذق ما لم يبلغه السحرة (٢) . هذا الطبيب المداوي ... هذا الحكيم المعاني انا أبط بحذق ... نغانغ الصبيان

стр. 146

انا أشق بلطف ... مني على السرطان انا المرجى المسمى ... مشمر الأجفان انا دللت البرايا ... على خفي المعاني انا تكلفت صيد ... العنقاء بالورشان ويتحدش في اخرى عن شهوته إلى المطاعم الطيبة فيقول: وإذا قيل لي بمن انت صب ... وعلام انسكاب دمع المافي قلت بالسكباج والجمليات ... ورخص الشوا معا بالرقاق وجشيش السميذ أعذبُ عندي ... من ضاب الحبيب عند القناق ويؤخذ مما قاله ابن بسام ان شعرابن مسعود هذا غزير في التندر من حالته البائسة وشكوى الفقر، وهو شعر شبيه بشعر الكدائين في المرق. واذا كان لهذا الظاهرة من معنى. فانها تدل على حال بعض تلك الطبقة من الشعراء التي جعلت الشعر وسيلة للكسب وعصا في التجواب. لكن يبدو ان النثر في هذا العصر كان أحفل بالسخرية من الشعر، - أو مما وصلنا من شعر على وجه الدقة - فكان الاديب أبو عبد الرحمن ابن طاهر، وكان صاحب مرسية فترة من الزمن، من أقدر الناس على النادرة، وله " عدة نوادر أحر من الجمر وأدمغ من الصخر " وله رسائل " في الدعابة والهزل " (١) أورد ابن بسام مقتطفات منها، ولكن روح السخرية فيها غير قوية. ولعل الاجتزاء ببعضها في الاختيار هو الذي أبهم ما فيها من مداعبات، ومن أوضحها تهكمه بصديق له حضر محاضرة شاطبة: " وحدثت انه دعيت نزال فكنت اول نازل، فقلت

стр. 147

لمحدثي: أمجد أنت أم هازل؟ سيدي أشد بأسا، وأعز نفسا من ان يرى يوم جلاء إلا ظهر جواد، فان لبس زغفا هزم ألفا، وأن تقلد صمصامة، لم يبق هامة، ولكن أذكره بهذه الشهامة قول أبي دلامة: ولو أن برغوثا على ظهر نملة ... (١) يكر على صفي تميم لولت وجرت بين أحمد بن عباس الكاتب وابي المغيرة ابن حزم مفاكهات حول رسول أرسله ليؤدي رسالة للأول، وقد تفنن ابن عباس في التصوير الهزلي لذلك الرسول صورة مضحكة كاريكاتورية دقيقة، فمن ذلك قوله فيها: " أنهى الي كتابك رجل طويل القامة، صعل الهامة، بعينيه ليانة، وعلى أسنانه طرامة، وفي شاشيته وضارة، وفي منطقة لكنه صعبة، وعلى أنفه عقدة كالكبة، وفي أطواقه سعة يخرج منكاه من أقطاره، كأنها ثياب واله، أو شبارق راهب تائه، وفي مشيته تفحج قبيح كأنه عائم في يبس، وعليه غفارة شفافة شبكية السيدارة، وأظن العمالقة غزلت صوفها زمن الفطحل؟. " (٢) . ويمعن عباس في الإضافة حواشي هذه الصورة ليخرجها اكثر غرابة واشد إضحاكاً فيقول: " فوحق الطرب، وحرمة الأدب لقد هممت أن أوفي الشطارة حقها، واسم الخلاعة وسمها، فأجعل في يده عكاز قصبة خضراء، وفي رأسه قلنسوة بيضاء، وأضع على عاتقه خرجا بنخالة، وأقيم من نفسي ومن حضر عرافة وآلة، وآخذ به من طرق بني مردخاي، واقلده سيف الباجي أبي القاسم " (٣) أي انه يريد ان يجعله في

стр. 148

زي لعاب حاو من الحواة. ويجيبه أبو المغيرة مستغربا أن يكون صاحبه المرسل على هذا النحو من الوصف لأنه يعرف أن " جبينه كالصفحة الصقيلة، وخذه كمرآة الغريبة، وعينيه كناظر صقر طاو على مقرب، وضفدع ينظر من خلال طحلب "؟؟ " فكيف انقلبت العين، وانسلخت من ذلك الزين، وصارت آبدة تلهي، ونادرة تجري "، ولم يكن أبو المغيرة مهيأ النفس للإجابة على الدعابة بمثلها نسقا، فاعتذر عن ذلك في آخر رسالته. على أن للمرء أن يسأل: ما هي غاية ابن عباس من دعابته تلك؟ يبدو أن لا غاية له وراء محض الدعابة وإظهار صورة مضحكة. وقد شهرت لدى المشارقة رسالة لابن زيدون عرفت بالرسالة الهزلية كتبها على لسان ولادة إلى ابن عبدوس منافسة في حبها، ولست ادري من أطلق ذلك الاسم على تلك الرسالة، فان ابن بسام لم يشر إليها في الذخيرة، ولعل الناس من تعارفوا على أنها هي الهزلية تميزا لها عن رسالة أخرى جدية كتبها ابن زيدون إلى ابن جهور من السجن، واعتقد أن ابن زيدون قصد ان يحقق منها غايتين الأولى: معارضة الجاحظ في رسالة التربيع والتدوير، والثانية: عرض معارضة ونواحي ثقافة، وان شخصية ابن عبدوس لم يأت في هذه الرسالة إلا لخدمة هذين الغرضين، ولم يكن ابن زيدون يهتم كثيرا؟ فيما ارى - بأن تجد الرسالة طريقها إلى الشخص المهجو فيها، وإنما كان يرسم أنموذجا أدبياً يدل به مقدرته واتساع معارفه. ولذلك بنى الرسالة على الإشارات التاريخية والاستشهاد بالمروي من الشعر وحل الأبيات وحشد ما حفظه من أمثال المشارقة، وما تلقاه من أسماء ومصطلحات في ثقافته الفلسفية المنطقية: " وأن هرمس أعطى بلينوس ما اخذ منك، وأفلاطون

стр. 149

أورد على ارسطوطاليس ما نقل عنك، وبطليموس سوى الاصطرلاب بتدبيرك، وصور الكرة على تقديرك،؟.. وانك الذي أقام البراهين، ووضع القوانين، وحد الماهية، وبين الكيفية والكمية، وناظر في الجوهر والعرض، وميز الصحة من المرض، وفك المعمى، وفصل بين الاسم والمسمى؟ ". وليس في الرسالة سخرية بالمعنى الدقيق إلا من جانب واحد هو التكثير من نسبة الأشياء البعيدة المطلب وإثباتها في غير موضعها إلى شخص واحد، كأنما اجتمعت فيه ضروب المقدرة والمعرفة والإحاطة والشمول، وهذا هو عين ما جرى عليه الجاحظ في التربيع والتدوير فأما اكثر الرسالة فانه سباب محض، أو هو سباب متراوح تتخلله استطرادات يبرز بها الكاتب مدى اطلاعه. وأول الرسالة منبئ عن طبيعة الغيظ القاتم التي تتخللها: " أما بعد ايها المصاب بعقله، المورط بجهله، البين سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الاعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش على الشهاب ". وفي تضاعيف الرسالة قسط وافر من مثل هذا السب أو اشد مثل: " هجين القذال، ارعن السبال، طويل العنق والعلاوة، مفرط الحمق والغباوة، سيء الجابة والسمع، يغيض الهيئة، سخيف الذهاب والجيئة ". على أن الرسالة، بعد ذلك، مبنية بناء متعمدا، ولبست قائمة على الفوضى، وان أوهمت أنها كذلك؟ إلا انه بناء مقارب لا دقيق متلاحم في دقته: فبعد الفاتحة تجيء الإشارات إلى أشخاص من أبناء الأمم القديمة كيوسف وقارون وكسرى وقيصر والاسكندر واردشير، ثم إشارات إلى ملوك الجاهلية ورجالاتها كجذيمة وبلقيس وكليب والسليك وقيس بن زهير - وع بعض التجوز في ذكر شخصيات إسلامية - ثم يعرج على ذكر أسماء

стр. 150

العلماء والفلاسفة القدماء اولا ويتبعهم ذكر بعض المشهورين من علماء العرب. وإذا استشهد بالشعر ذكر بيتا لأبي نواس ثم بيتا لأبي تمام وثالثا للمتنبي، مراعيا في ذلك التدرج الزمني. ثم يجيء قسم مبني على مجموعة من الأمثال والأبيات التي يحلها أو يستشهد بها؛ ومن تأمل الرسالة على هذا النحو وجد بين الفاتحة والخاتمة قسمين كبيرين: قسم الإشارات إلى أشخاص ذوي اتجاهات متعددة ومنازل متباينة، وقسم أكثره سرد للأمثال وربط بينها لتظهر في وحده كلية. ولم يكن إبراز الثقافة وقفا على ابن زيدون في هذه الرسالة، فهذه الطريقة قد شاعت في النثر الأندلسي حتى اصبح عماده أحياناً حل الشعر وإيراد المثل وتضمين أبيات. ويبدو من هذه النماذج التي أوردتها أن السخرية في الأدب الأندلسي عادت فتبددت بين رغبة في التصوير ورغبة في الهجاء. ولكن مهما يكن من شيء فان اثر الجاحظ في الرسائل ما يزال فيها ظاهرا وسيتجلى جانب آخر من هذه السخرية عندما ندرس الرسائل في فصل مستقل عن النثر، كما أن اتجاها هزليا في الشعر يقف الشاعر عليه جهده وقريحته وربما لم يتعده إلى سواه. ٦ - الغزل: لم يكن للغزل في العصر الأموي السابق شاعره المتفرد، ولكن الشعر الغزلي كان غزيرا، وكتاب " الحدائق " لابن فرج يمثل هذه الغزارة، وتسيطر على ذلك الغزل كثرة التذلل والشكوى وذكر الدموع والسهر وامتحان صدق الحب بتمني الموت وإظهار الغيرة الشديدة وغير ذلك من المظاهر التي منحها ابن حزم في " طوق الحمامة " دراسة قائمة على شيء من التجربة والتفلسف. وقد دلنا ابن حزم عل شيء من نظرة الأندلسيين؟ في عصره

стр. 151

إلى الحب والغزل، وعلى شيء من عوائدهم وأساليبهم فيهما، وحدثنا عن غرام بعضهم بالجمال الأشقر، وعن اتخاذ الحمائم لتبليغ الرسائل، وعن التهادي بخصل الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء الورد وقد جمعت في اصلها بالصطكي وبالشمع الأبيض المصفى ولفت في تطاريف الوشي والخز وما أشبه لتكون تذكرة للمحبين، وحدثنا عن ضروب من الحب عندهم أدت إلى الجنون وأخرى أدت إلى الانتحار. ويستشف من أقوال ابن حزم سيطرة الجارية على دنيا الغزل، في الأكثر، وقد يكون من الأخبار ذات الدلالة العميقة قوله: ان المنصور بن أبي عامر قتل جارية تغنت بغزل قيل فيه " صبح " أم مؤيد، وان آلا مغيث استؤصلوا ولم يبق منهم إلا الشريد الضال لأن أحمد بن مغيث تغزل بإحدى بنات الخلفاء (١) ، مما يدل على قيام حدود صارمة تجعل نساء الأشراف في منزلة خاصة لا تتطاول إليها، أولاً يجب أن تتطاول، عيون الشعراء المتغزلين. على ان ابن حزم ربط الحب في رسالته بالنظرة الأفلاطونية أو قل وثق العلاقة بينه وبين الاخلاق، ولم يكن جاريا في هذا على طبيعته المتدينة فحسب، بل كان أيضاً يصور تيارا قويا في شعر الحب بالأندلس، وجد قبل ان يكتب طوق الحمامة. إذ كانت علاقة الشعر بالأخلاق قد أخذت تتحدد لا على نحو رومنطيقي إعرابي كما حدث في نسيب المشارقة إبان العصر الأموي بل على نحو من الإيمان بالعفاف عند المقدرة وانه سمة أخلاقية ملازمة للفتوة نفسها، تلك الفتوة النابعة أيضاً من النظرة الدينية. وكان ابن فرج صاحب الحدائق نفسه من خير من يمثلون هذا الاتجاه في مقطوعتين من شعره وصلتا إلينا، يقول في إحداهما:

стр. 152

وطائعة الوصال صددت عنها ... وما الشيطان فيها بالمطاع بدت في الليل سافرة فبانت ... دياجي الليل سافرة القناع فملكت الهوى جمحات شوقي ... لأجري في العفاف على طباعي وبت بها مبيت الطفل يظمأ ... فيمنعه الفطام عن الرضاع كذاك الروض ما فيه لمثلي ... سوى نظر وشم من مناع ولست من السوائم مهملات ... فاتخذت الرياض من المراعي ويقول في الأخرى: بأيهما أنا في الحب بادي ... بشكر الطيف أم شكر الرقاد سرى فازداد بي أملي ولكن ... عففت فلم أنل منه مرادي وما في النوم من حرج ولكن ... جريت من العفاف على اعتيادي ومن الغريب أن يذهب في هذا الاتجاه نفسه شاعر كالرمادي، وصورته لدينا في الإقبال على اللذات والاستهتار صورة واضحة تلحقه بالنواسي؛ فهو يقول في إحدى مقطوعاته: وكان في تحليل أزراره ... أقود لي من ألف شيطان فتحت الجنة من جيبه ... فبت في دعوة رضوان مروة في الحب تنهى بأن ... يجاهر الله بعصيان وقد فلسف ابن حزم هذا الصراع بين الشهوات والإقلاع عنها، فذهب إلى القول بأن في الإنسان طبيعتين متضادتين: إحداهما هي العقل وهو الذي يشير بخير ويحض عليه، والثانية هي النفس وهي التي لا تشير

стр. 153

إلا الشهوات، والروح واصل بين هاتين الطبيعتين وموصل ما بينهما وحامل الالتقاء بهما (١) . وأنكر ابن حزم قول الناس في عصره وبلده، إن الوفاء في قمع الشهوات في الرجال دون النساء، وقال: الرجال والنساء في الجنوح إلى هذين الشيئين سواء (٢) . وذهبت هذه النظرة في هذا الموقف " الحبي " بعد عصر الرمادي وابن فرج، في ازدواج، فأصبح الشاعر في هذا العصر الذي نتحدث عنه يتخذ من التحدث عن العفاف أو عن التمكن من الشهوات مذهبا أدبيا، دون أن يعبر في ذلك عن حقيقة أخلاقية مائلة في نفسه. وممن سلك هذه الخطة فقسم شعره بين مذهبي العفاف والمجون الشاعر أبو جعفر أحمد بن الابار أحد شعراء دولة المعتضد، فقد عبر عن القناعة في الحب في مقطوعات كثيرة منها قوله (٣) : حتى اذا غازلت أجفانه سنة ... وصيرته يد الصهباء طوع يدي أردت توسيده خدي وقل له ... فقال: كفك عندي أفضل الوسد فبات في حرم لا غدر بذعره ... وبت ظمآن لم يصدر ولم أرد وتنسب هذه القطعة أيضا لإدريس بن اليمان ومن تلك المقطعات قول أبي جعفر بن الأبار (٤) : حتى إذا ما السكر مال بعطفه ... وعتا يحكم الوصل في نشواته هصرت يدي منه بغصن ناعم ... لم أجن غير الحل من ثمراته

стр. 154

وأطعت سلطان العفاف تكرما ... والمرء مجبول على عاداته ويقول في مقطوعة ثالثة: فورعت عن جني الجنى ... وكففت عن فوق الكفاف وعصيت سلطان الهوى ... وأطعت سلطان العفاف هذا، مع أن لأبي جعفر بن الابار قطعا مجونية فاحشة جرى على منواله في بعضها عبد الجليل بن وهبون وأبو بكر الداني والمتنبي الاشبيلي وغيرهم، وهذا يؤكد انقسام الغزل في هذا العصر، في الاتجاهين المذكورين عند الشاعر الواحد، إلى جانب انقسامه منذ عهد مبكر بين غزل بالمؤنث وآخر بالمذكر. ومما يميز الغزل في هذا العصر الذي ندرسه؟ بالنسبة للعصر السابق - وضوح شخصيات بعض النساء اللواتي يدور حولهن الغزل أو؟ في الأقل - دوران الغزل حول امرأة معروفة. فمثلا كان ابن السراج المالفي شاعر بني حمود يتعشق جارية تدعى " حسن الورد " وجارية أخرى تدعى " أزهر " وله فيهما عدة مقطوعات اوردما ابن بسام في الذخيرة (١) وكان ابن الحداد قد شغف في صباه بصبية نصرانية ذهبت بلبه كل مذهب، وركب إليها اصعب مركب، وكان يسميها في شعره " نويرة " واسمها على الحقيقة " جميلة " (٢) وقد تضمنت أشعاره فيها الإشارات الكثيرة إلى الطقوس والشعائر المسيحية، كما أن فيها ألغازاً كثيرة باسمها. ومن شعره فيها: ورأت جفوني من نويرة كاسمها ... نارا تضل وكل نار ترشد

стр. 155

والماء أنت وما يصح لقابض ... والنار أنت وفي الحشا تتوقد وله فيها ايضا: عساك بحق عيساك ... مريحة قلبي الشاكي فان الحسن قد ولاك ... إحيائي وإهلاكي وأولعني بصلبان ... ورهبان ونساك ولم آت الكنائس عن ... هوى فيهن لولاك ويتلاعب ابن الحداد بالمعاني المستمدة من الجو المسيحي من تثليث واعتراف وزنار وأنجيل ومحبة، ويبدو في ما اختاره ابن بسام من شعره، انه كان جادا في حبه صادقا في التعبير عن عاطفته، وان نصيب شعره من حرارة الوجد يتميز على كثير من سائر الغزل الأندلسي. وقد تظهرنا المقارنة بين قصة ابن الحداد وصاحبته " نويرة " وبين قصة ابن زيدون وصاحبته " ولادة " (والقصة الثانية من أشهر قصص الحب في الأندلس) على فروق كثيرة، فقد أصبحت صورة ابن زيدون وولادة طاغية على ما سواها من قصص الحب والغزل الأندلسيين، وسبب ذلك أنها قصة تمثل العلاقة الأرستقراطية بين اثنين من السادة، أحدهما مخزومي النسب، وصاحبته أموية من بيت الخلافة، ولذلك خلدت قصة ابن زيدون ونسي ابن الحداد. ثم إن ابن الحداد كان قد تورط في حب فتاة على دين غير دينه، وأكثر في شعره من التحدث عن المعاني المتصلة بذلك الدين، وما أظن أن مثل ذلك الشعر يحدث صدى كبيرا في بيئة محافظة. هذا إلى فرق كبير في ما أحرزه الرجلان من الطريقة الشعرية: فابن زيدون بحتري الموسيقى والسياق سهل سائغ، أما ابن

стр. 156

الحداد فانه يمثل الشاعر المثقف الفلسفية والعلمية، وفي شعره ميل إلى التعمق الفكري يبعد به عن المستوى العام الذي يألفه الناس ويتطلبونه. ثم إن لولادة شخصية واضحة لأنها تكمل قصة الحب بالاستجابة الفنية من جانبها. أما نويرة، فنكاد لا نعرف شيئا من موقعها سوى الصد المطلق أو السلبية الكاملة، وهذا ترك أثرا في شعر كل من الرجلين، فقصائد ابن الحداد، زفرات ملتاع يشكو ويتشبث بالوصول ويتحرق بالوجد، فالحب فيها من جانب واحد، أما قصائد ابن زيدون فأنها غيوم أسى احتشدت بعد الفراق والتغير، فهي حسرة على ما فات، وبكاء على عهود انقضت وأحلام تبددت، أي هي حكاية قصة كاملة ذات طرفين. ويبدو أن ابن زيدون أضفى على هذا الحب شيئا حين سجله في مذكرات أو ترجمة ذاتية، أو رواه متلذذا بذكريات الماضي، فقد قال ابن بسام راويا عنه: " قال أبو الوليد: كنت في أيام الشباب، وغمرة التصاب، هائما بغادة، تدعى ولادة، فلما قدر اللقاء، وساعد القضاء، كتبت إلي: ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فأني رأيت الليل أكتم للسر وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا ... وبالليل ما أدجى وبالنجم لم يسر (١) " ويحكي ابن زيدون حكايات أخرى تدل على غيرة ولادة، حين سأل المغنية وهو في بيتها أن تعيد الغناء دون اذن منها " فخبأ منها برق التبسم وبدا عارض التجهم " (٢) ، وأنهما باتا على العتاب في غير اصطحاب،

стр. 157

حتى إذا كان الصبح وبادر هو إلى الانصراف كتبت إليه أبياتا تقول فيها: لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا ... لم تهو جاريتي ولم تتخير وكل هذا إنما أورده لأدل على ان ابن زيدون نفسه جعل من ذلك الحب قصة مكتوبة أو مروية في نطاق آخر مستقل عن نطاق ديوانه. والقصة قد أضحت مشهورة شهرة تغنينا عن سردها في إسهاب، فقد دخلت شخصية ابن عبدوس فيها في صورة منافس لابن زيدون، وبعث ابن زيدون لصديقه قصيدة عنيفة، بعض العنف، يعاتبه فيها على التغير، ويذكر ولادة معرضا بقوله: وغرك من عهد ولادة ... سراب تراءى وبرق ومض هي الماء يأبى على قابض ... ويمنع زبدته من مخض (وبعد ذلك أبيات حذفها ابن بسام فيما يبدو هجاء لاذع في ولادة نفسها) وهذا يومئ إلى حرص ابن زيدون على استبقاء الصداقة بينه وبين ابن عبدوس بعد إذ خاب ظنه في الحب، وقد تم هذا بعد الرسالة الهزلية التي كان ابن زيدون يحرص فيها على استبقاء الحب وان أدى به إلى فقد الصديق. وقبل أن تنفصم روابط الحب كان ابن زيدون قد كتب لولادة قصيدته الثائرة التي تشبه " الجرس " الأخير في حياة حبهما: ألم أوثر الصبر كيما أخف ... ألم اكثر الهجر كي لا أمل ألم ارض منك بغير الرضا ... وابدي السرور بما لم أنل ألم أغتفر موبقات الذنوب ... عمدا أتيت بها أم زلل

стр. 158

ولم يدر قلبك كيف النزوع ... إلى أن رأى سيرة فامتثل وليت الذي قاد عفوا إليك ... أبي الهوى في عنان الغزل يحيل عذوبة ذاك اللمى ... ويشفي من السقم تلك المقل وانصرفت ولادة عن ابن زيدون إلى ابن عبدوس، وظل المحب الثاني يكفل لها العيش اللين بجوده بعد إذ تحيف الدهر المستطيل حالها وطال عمرها وعمر أبي عامر حتى أربيا على الثمانين (١) . فشخصية ولادة هي التي رسمت الطريق لغزل ابن زيدون بتقلبها وشدة غيرتها، ومن قوة الحادثة نفسها استمد غزله القوة والجيشان، وبخاصة بعد أن وقع في حال هي بين الأمل واليأس، ففي تلك الفترة أطلق الشاعر شحنة قوية من الحرارة في قصائده عندما أحس بأن " شخصه " قد اصبح مقصى عن تلك المجالس وان الإيثار قد وقع على غيره. وإذا كانت غيرة ولادة سببا في سوء ظنها بابن زيدون نفسه ثم تحولها عنه فان في شخصية ابن زيدون نفسه سببا آخر، إذ كان شابا مغرورا بجماله وفتونه، نرجسيا في نظرته لذاته، وكان مبتلى بمثل الغيرة التي لدى صاحبته، ولذلك كان استمرار العلاقة بينهما أمرا عسيرا. ولم يستطع ابن زيدون؟ رغم إعجابه بنفسه - أن يتغلب على شعوره بالنقص تجاه ولادة من حيث انها أشرف نسبا وأعلى مقاما وقد عبر عن هذه الحقيقة الكامنة في دخيلته بقوله: ما ضر أن لم نكن أكفاءه شرفا ... ففي المودة كاف من تكافينا غير انه أن أجاز لنا أن نفسر انتهاء هذه العلاقة بتفسيرها للعوامل الدخيلة في طبيعة الشخصيتين فلا يجوز لنا بحال أن نرسم من كل

стр. 159

شعر ابن زيدون الغزلي صورة قصة واحدة تدور كلها حول علاقته بولادة. فذلك الحب إنما استثار قصائد معدومة. ولم يكن ابن زيدون بالذي يجعل حياته كلها وقفا على علاقة حب واحد؛ هذا وان الاغراق في الحكم على شخصيتهما من القصص القليلة المتصلة بهما ونسبة الشذوذ الجنسي إلى هذا أو ذاك منهما إنما هو من التجوز؟ بل من التعدي - الذي لا تقره الدراسة المنصفة القائمة على الشواهد فقد وصف ابن بسام ولادة - مثلا " بطهارة الأثواب " ثم قال بعد ذلك بسطر: " وأوجدت إلى القول فيها السبيل بقلة مبالاتها ومجاهرتها بلذاتها (١) فما الذي يوفق بين طهارة الأثواب والمجاهرة باللذات؟ وما معنى قول أبي عبد الله بن مكي شيخ ابن بسكوال " لم يكن لها تصاون يطابق شرفها؟ " (٢) وما الصورة التي تتركها أهاجيها في تقديرنا لشخصيتها؟ مفهوم هذا كله يتجلى لنا إذ نتذكر أن ولادة كانت صاحبة " صالون " أدبي، وأنها كانت تستقبل أصنافاً من الناس فتحادث هذا وتمازح ذاك وتقبل بالحب على واحد دون آخر، فلم تكن " متصاونة " حسبما تحجب نساء الاشراف، ولم تكن تتعقق في القول لميلها إلى الدعابة حتى وان جاءت مكشوفة، وفي كل ذلك تفصل الرواية القديمة بين القول والعمل فيما تنسبه إليها. وقد يظن أن ابن زيدون اتهمها في معرض التهكم بابن عبدوس حين قال على لسانها في الرسالة الهزلية، وعلاقته بها ما تزال قوية: " وكم بين من يتمدني بالقوة الظاهرة والشهوة الوافرة والنفس المصروفة الي واللذة الوقوفة علي وبين آخر قد نضب غديره ونزحت بيرة "؟ وهذا كلام أن لم يحمل على المقارنة بين محض رغبة المرأة؟ أي المرأة - في

стр. 160

الشاب دون الشيخ، فانه مما قد يؤخذ سببا لتعليل غضب ولادة على ابن زيدون، إذ أنها أنفت من أن يتهمها هذا الاتهام في سبيل ان يرجح كفته على ابن عبدوس، فاختارت ابن عبدوس نكاية به وتقريعا له ودفعا لهذه التهمة. ما حصيلة ذلك كله والحديث عن الغزل؟ من حيث هو فن - رائد هذه الفقرة لا الحديث عن حب ولادة وابن زيدون وشخصيتهما؟: ظاهرة هامة تركت طابعها على شعر ابن زيدون في الغزل؟ وفي غير الغزل أيضا - حين أصبحت قصة الحب وما جرته من ذيول حادثة ملهمة له وتلك هي ان القصيدة قد أصبحت " رسالة " تكتب، لا وصفا للمرأة ولا كلفا بالمناجاة الذاتية. وكان من دواعي هذا الموقف ان تتخذ سياقا عاطفيا وفكريا محددا بحدود الرسالة نفسها، فقصيدته " أضحى التنائي بديلا من تدانينا " وقصيدته " أني ذكرتك بالزهراء مشتاقا " وقصيدته " لئن قصر اليأس منك الأمل " وتلك التي خاطب بها ابن عبدوس " أثرت هزبر الشرى إذ ربض " وغير هذه القصائد إنما هي جميعا في قالب رسائل. حادثتان اذن تشابهتا في أن فرضتا على ابن زيدون مسلكا واحدا هما حادثة الحب وحادثة السجن، وفي كلتيهما نرى ابن زيدون محتجبا وراء المسافة، يكتب رسائل، محددة المعالم مرتبة الأفكار، متراوحة بين الاعتدال والثورة، مزودة بقوة الانتقاء اللفظي وحلاوة الجرس الموسيقي. فإذا أضفت إلى هاتين الحادثتين عمله الديواني تبين لك ابن زيدون " كتابا " في كل حالة، كاتبا ناجحا، ورسالته شعرية حينا نثرية حينا آخر، حتى انك لو أطلقت على عظم ديوانه اسم " رسائل ابن زيدون " لما كنت بعيدا عن الصواب. وقد كان المتوقع أن تقوى في شعره؟ وفي

стр. 161

الغزلي منه بخاصة - المظاهر القصصية، وهي قد ظهرت فيه حقل ولكنها لم تكن بالقوة المتوقعة. يتضح من هذا الحديث عن الغزل في هذا العصر انه دون شاعر " متخصص " فيه يقف عليه كل جهوده مثلما كان عمر بن أبي ربيعة أو العباس بن الأحنف في المشرق ولم يبلغ في رومنطقيته مبلغ شعر المجنون وكثير عزة ونسابي الاعراب. ولكنه انقسم قسمة مصطنعة عامدة بين الإلحاح في شأن العفاف أو الانسياق في المجون، واصبح شعر ابن زيدون ذا لون يدور حول علاقة حية غير مبهمة، وبذلك يمثل صفحة جديدة فيها من حداثة الصورة ما يجعلها متميزة في النفوس لا لأنها تعبر فحسب عن اللقاء في المستوى العاطفي بل لأنها تمثل المستوى الاجتماعي وشيئا من التقارب في الصعيد الفكري وتتصل قوتها بقوة " القصة " نفسها فليس فيها من سمات فارقة في طبيعة الغزل بمقدار ما هنالك من سمات جذابة في قصة الحب. وإذا كانت قصة ابن زيدون وولادة تقاربا بين مستويين في مجتمع أرستقراطي فان قصة ابن الحداد ونويرة تقارب بين بيئتين متجاورتين تنفرد كل منهما بدينها، وتتعايشان معا على ارض الأندلس. ٧ - وتر شيعي ظلت الأندلس في عصر قرطبة أموية الهوى سنية المذهب في الجملة، حتى إذا كان عصر الطوائف ومن بعدهم من المرابطين لم يكن للتشيع مجال سياسي اللهم إلا في دولة بني حمود أصحاب قرطبة ومالقة والجزيرة الخضراء، وما ذلك إلا لان بني حمود ينسبون إلى النبي ﷺ ، ولكنهم

стр. 162

- فيما يبدو - كانوا معتدلين أو بالأحرى لم يكن لهم مذهب كامل واضح المعالم ولا فقه خاص يميزهم (١) ؛ كذلك كان حكمهم قصيرا ولهم ينتشر نفوذهم إلا في رقعة محدودة، وكان كل ما يظهر لهم من اثر في الشعر الأندلسي أن مدحهم بعض الشعراء كابن دراج وابن شهيد بانتسابهم إلى الرسول. وقد ظهرت إمارات من ميول شيعية لدى عبادة ابن ماء السماء الذي كان يمدح بني حمود بمثل قوله (٢) : فها أنا ذا يا ابن النبوة نافث ... من القول اريا غير ما ينفث الصل وعندي صريح من ولائك معرق ... تشيعه محض وبيعه بتل ووالى ابي (قيس) أباك على العلا ... فخيم في قلب (ابن هند) له غل وكان شاعر الحموديين المقدم لديهم هو ابن مقانا الاشبوني، وهو صاحب القصيدة المشهورة " البرق لائح من اندرين " (٣) وفيها يمدح إدريس بن يحيى الحمودي، ومن ابياتها: وكأن الشمس لما أشرقت ... فانتثت عنها عيون الناظرين وجه إدريس بن يحيى بن علي ... ابن حمود أمير المؤمنين خط بالمسك على أبوابه ... ادخلوا بسلام آمنين وينادي الجود في آفاقه ... يمموا قصر أمير المسلمين ملك ذو هيبة لكنه ... خاشع لله رب العالمين

стр. 163

ويمدح الحموديين لصلتهم بالرسول فيقول: يا بني أحمد يا خير الورى ... لأبيكم كان وفد المسلمين نزل الوحي عليه فاحتبى ... في الدجى فوقهم الروح الأمين خلقوا من ماء عدل وتقى ... وجميع الناس من ماء وطين انظرونا نقتبس من نوركم ... إنه من نور رب العالمين ولولا البيت الأخير لكانت القصيدة عادية في المدح لا تخرج عن ذلك، وهذه القصيدة وأبيات عبادة اكثر شعر أمعن في التقرب إلى الحموديين على نحو من شعور أصيل أو منتحل بالتشيع لهم، أو للقضية العلوية. أما أشعار غير هذين ممن التف حول الحموديين مثل غانم بن وليد (١) وعبد الله بن السراج المالقي (٢) فليس في أشعارهم التي وصلتنا ما يوحي بسيء من التشيع، سوى ان غانم بن وليد يسمي ممدوحه العالي إدريس بن يحيى في شعره " إمام الهدى ". اذن فالشعر لم يتمذهب بالشيعية في الأندلس، إلا أن ظاهرة جديدة تبرز فيه أيام المرابطين وهي نظم القصائد في رثاء الحسين، وممن فعل ذلك الشاعر الكاتب أبو عبد الله بن أبي الخصال، فان له قصيدتين في مدح الحسين (٣) ، وقد أصبح هذا الشعور أمرا ميسرا للتعبير بعد ان أصبحت روح التدين في ظل المرابطين دافعا قويا في الشعر، وغدا التوسل إلى الرسول وإرسال القصائد إلى الروضة الشريفة موضوعا واسعا من موضوعات الشعر الأندلسي يميز العصور التالية. وقد شارك ابن أبي الخصال

стр. 164

في هذا الموضوع ايضا، فله رسالة يحمل فيها " بعث الإيمان ووفد الرحمن " تحياته إلى الرسول ويقول: " فهل انتم للأمانة مؤدون، ولأخيكم بالدعاء له في تلك المواقف ممدون، وبلسان ضميره متكلمون، وبحيته على خاتم الرسل ﷺ مسلمون، ولتربته عنه بشفاهكم مصافحون؟ " ثم يشفع ذلك كله بثلاث مقطعات توسلية يشكو فيها ثقل ذنوبه ويتشفع بجاه الرسول الكريم وبقول إحدى تلك المقطوعات: يا رسول المليك نفسي تتقون ... وذنوبي مثبطات تعوق كم تعرضت للقبول ولكن ... ليس للزائف المبهرج سوق كلما قلت قد خلصت إلى البر ادعاني بتشاهديه العوق ... وبعيد أن تستجيب إلى الرشد قلوب للغي فيها حقوق ... قيدتني الذنوب بل أسكرتني ... (١) فصبوح لا ينقضي وغبوق ولذلك أرى أن رثاءه للحسين لا يدل على نزعة شيعية وإنما هو داخل في حبه العام للرسول الكريم وآله. ٩ - نزعة شعوبية: وكانت الدولة الأموية تمثل رابطة مروانية عربية معا، فلما زالت تلك الدولة ظهرت بوادر العربية ضعفت في ظل بعض الدول المستقلة من صقالبة وبرابرة، وقد رأينا في العصر الأموي كيف كان الصراع بين المولدين والعرب مجالا للمناقضات الشعرية، ولا بد من ان نفترض ان الشعور الشعوبي كان موجودا هنالك في نفوس

стр. 165

المولدين، وانه لم يجد التعبير الكافي عنه يومئذ في غير المماحكات القائمة على العصبية؛ في ذلك العصر ألف بعضهم كتابا سماه " الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضل الصقالبة " ولكنا لا الاسم، ولعله إنما كان دفاعا لا هجوما، فأما حين استقلت دولت الطوائف، فقد اصبح التصريح بالثورة العنصرية على العرب أمراً ممكنا، وكانت الرسالة النثرية هي القالب الذي استغل للتعبير عن تلك الثورة؛ ففي ظل أبي الجيش مجاهد العامري أحد الموالي الصقالبة نشأ أبو عامر احمد بن غرسية، أقوى صوت شعوبي في الأندلس، بل لعله الصوت الوحيد الذي سمعناه وكان أبو عامر نفسه حسما ذكر ابن سعيد، من أبناء نصارى البشكنس سبي صغيرا وأدبه مجاهد مولاه (١) ، وظل على موالاته لابن مجاهد الملقب إقبال الدولة (٢) ، وكانت بينه وبين أبي جعفر بن الجزار صحية أوجبت أن استدعاه من خدمة المعتصم بن صمادح ملك المرية، منفندا رأيه في ملازمة مدحه وتركه ملك بلاده (٣) . وفي رسالته هذه إليه أعلن عن شعوبيته فذم العرب وافتخر بالعجم بني قومه، وأغلب الظن أن الجزار رد عليه، ونقض كلامه، ففسدت الصداقة بينهما حتى هجاه ابن غرسية بقوله: بطرفة تعلم أصلا له ... عربت فسلها فما تنكر ومثل بها وضما مائلا ... وشفرة جزر ولا أكثر

стр. 166

تجر ذيول العلي تأثما ... وجدكم الجازر الأكبر (١) ولم تكن رسالة ابن غرسية مثارا لرد الجزار الذي نقدر صدوره عنه بل رد عليه آخرون برسائل مطولة، ومنهم من كان من معاصريه ومنهم من جاء بعد عصره، فمن معاصريه - عدا الجزار - آبو جعفر احمد بن اللدودين ألب لنسي وابن من الله القروي سمي رده " حديقة البلاغة " وابن آبى الخصال، في رسالة سماها: " خطف البارق وقذف المارق في الرد على ابن غرسية الفاسق ". وممن رد عليه بعد زمن طويل آبو يحيى بن مسعودة في عصر الموحدين والفقيه آبو مروان عبد الملك بن محمد الاوسي وابن الفرس وعبد الحق بن فرج وأبو الحجاج اليلوي (٢) وهنالك رد لمجهول نحسبه معاصرا لابن غرسية. ويتجلى من هذا ان قيمة رسالة ابن غرسية في الأدب الأندلسي ليست قيمة في ذاتها وإنما هي بمقدار ما أثارته حولها من ردود، وتدل كثرة الردود من جانب واحد على رسالة واحدة، ان الشعور بالعروبة كان قويا في الأندلس على مدى الزمن، وان السند الشعوبي لم يكن على شيء من القوة الأدبية. ويستهل ابن غرسية رسالته متهكما بابن الجزار " ذي الروي المروي، الموقوف قريضه على حللة أرش اليمن بزهيد الثمن، كأن ما في الأرض من إنسان إلا من غسان أو من آل حسان ". ويتهمه بأنه إنما انقطع

стр. 167

لمدح الأمراء من العرب إزراء منه على " الصهب الشهب [الذين هم] ليسوا بعرب ذوي أينق جرب ". ولا يميز ابن غرسية في فخره بين مختلف العناصر غير العربية، فهو يفخر بالأكاسرة وبني الأصفر وبقومه أنفسهم ذوي الأرومة الرومية والجرثومة الاصفرية، ويفتخر بقدومهم وسري أنسابهم لم يحترفوا الحرف المهنية ويتجمد بشجاعتهم " إذا قامت الحرب على ساق وأخذت في اتساق " وانهم فخر النادي " شدهوا برنات السيوف وبربات الشنوف وبركوب السروج عن الكلب والفروج " ويذكر انهم ذوو نزعة أرستقراطية في ملبسهم ومسلكهم، فلا هم رعاة غنم، ولا غراس فسيل، وينسب إليهم العلوم الفلسفية، " ذوو الآراء الفلسفية الأرضية، والعلوم المنطقية الرياضية، كحملة الاسترولوميقي والموسيقى، والعلمة بالارتماطيقى والجومطريقى، والقوة بالالوطيقى والبوطيقى "؟.. " ما شئت من تدقيق وتحقيق، حبسوا أنفسهم على علوم البدنية والدينية، لا على وصف الناقة الفدنية ". ويصغر في مقابل ذلك من شأن العرب فينعتهم بأنهم رعيان يجلبون المواشي، حرفهم دنيئة، يهتمون بالخمر والقيان، يلبسون الخشن من الثياب، ويأكلون اردأ المطاعم. ولا ينسى في النهاية أن يفخر بالنبي العربي: " لكن الفخر بابن عمنا، الذي بالبركة عمنا، الإبراهيمي النسب، الإسماعيلي الحسب " ويقول: " بهذا النبي الأمي لفاخر من تفخر، وأكاثر من تقدم وتأخر، الشريف السلفين، والكريم الطرفين ". ويختم الرسالة بمثل ما بدأها به من الإنحاء على ابن الجزار لأنه لا يفقه وجه الصواب ويقول له: " فأذهب يا غث المذهب، وابتغ في الأرض نفقا، أو في السماء مرتقى، فهذه ألية جلبت عليك بلية ". ونلحظ في أسلوب الرسالة أن ابن غرسية جعله مسجعا تتفاوت فقراته في الطول، حتى تختلف أحياناً كل سجعتين، وانه كان يبدأ اكثر فقراته فيها بكلمتين مسجوعتين، ثم يأخذ في التفصيل، كأن يقول: بصر صبر..

стр. 168

شمخ بذخ.. وضح رجح.. حلم علم.. " وهكذا، وبهذه الفواتح المزدوجة قيد الذين ردوا عليه واضطرهم إلى تناولها واحدة اثر واحدة. ومهما يكن من شيء فان السياق العام في هذه الرسالة يجعلها غريبة الوقع والموسيقى بالنسبة للنثر الأندلسي قي ذلك العصر. ولما رد عليه ابن الدودين البلنسي، افتتح رسالته بالسباب فقال: خسأ أيها الجهول المارق، والمرذول المنافق، اين امك، ثكلتك أمك وما علمت انك سحبت من عقالك لعقالك، وقدمت أول قدمك، لسفك دمك، وبسطت مكفوف كفك لسلطان حتفك؟. " ويرى ابن الدودين أن غرسية لا يستحق الصلب، ويأسى على انه ليس في حضرته اقيال ورجال ذوو حمية ليعاقبوه على ما تورط فيه " لكنك بين همج هامج ورعاع مائج " ويهدده بأنه سيعيد عليه فسحة الأرض العريضة ضيقة، ويرده إلى قومه وهو محلوق القفا محتزم بالزنار. ثم يأخذ في توجيه الأوصاف التي اسبغها ابن غرسية على قومه وصرفها عن مواضعها، فان كان قال فيهم: " رجح وضح " قال له ابن الدودين: " رجح الاكفال، وضح كذوات ربات الحجال "؟ وان قال: " علم حلم " وجه ابن الدودين هذا بقوله: " علم بالتداوي من القرم ومنافع القلم، حلم عن كل مجاوز الحلم ". ثم يذمهم بعدم الغيرة وإباحة الفروج، ويرد إليه المعايب التي الصقها بالعرب واحدة بعد واحدة. فإذا قال أن العرب حاكة برود اتهمه بأن قومه هم كذلك: " فناهيك من الغفارة الإفرنجية إلى الديباجة الرومية والنسبتان بذلك تشهدان "؛ وإذا عير العرب بسوء المطعم نفى ذلك وأردفه بقوله: " على ان لا افتخار في مشرب ولا في مطعم لعرب ولا لعجم ". وحتى يأخذ مأخذ الأنصاف يقر لهم بعلم الطبائع وينكر عليهم علم

стр. 169

الشرائع، ويصحح مفهوماته في بعض ما نسبه للعرب، وينزع عن قوم ابن غرسية صفات الفروسية التي الحقا بهم، ويضيفها إلى العرب: " مجالسهم السروج، وريحانهم الوشيح، وموسيقاهم رنات الردينيات، وطوبيقاهم السريجيات "، ويوغل في هذا إذ يجد مجال القول ذا سعة، ويختم رسالته بان يعيب ابن غرسية لانه جاهل كشف عورات آله الأعاجم بضعف نظره وقصور منطقه. وعندها رد عليه ابن من الله القروي اظهر له فضل العرب حين ربته وليدا وعنيت بتخريجه وحسنت من ثقافته وعلمته اللغة التي بها يصول على العرب ويجول، وهذه مسألة لم يتنبه لها صديقه ابن الدودين في رده. ويحاول ابن من الله ان ينفذ إلى أمور دقيقة حين يذهب إلى ان ليس للسخاء بالرومية اسم ولا للوفاء في العجمية رسم، ويبتكر صفات مسجوعة لقومه العرب كالتي زعمها ابن غرسية لقومه من العجم، جاعلا صفاتهم مزدوجة في كلمتين فهم مثلا " سمر قمر ". ثم يتحدث عن بأس العرب وتغلبهم على الاكاسرة والقياصرة وعن غزو القسطنطينية ويجري مجرى ابن الدودين في توجيه الصفات التي ذكرها ابن غرسية لقومه وفي صرفها عن وجهها. فإذا قال ابن غرسية ان قومه " ملس لمس " قال ابن من الله: " انتم كما وصفت ملس لمس، لا تغيرون ولا تغارون، ولا تمنعون ولا تمتنعون، قلوبكم قواء، وأفئدتكم هواء، وعقولكم سواء، قد لانت جلودكم، ونهدت نهودكم، واحمرت خدودكم، تحلقون اللحى والشوارب، وتتهادون القبل في المشارب ". وواضح كيف ألح كل من الرجلين ابن الدودين وابن من الله على ناحية الغيرة وعلى غمز ابن غرسية في هذه الناحية غمزات لاذعة. ويكاد ابن من الله يتفوق على صاحبه ابن الدودين في شدة التدقيق

стр. 170

والاستقصاء، وفي النفاذ إلى الأمور فيدل بذلك على قوة ملكه وسعة اطلاعه، إلا أنه حين يصل إلى الفخر بالعلم يسقط سقطة شديدة، إذ يقول: " وفخرت بالرياضية والأرضية، صدقت ونبت عني في الجواب، هي كالرياض سريعة الذبول، كثيرة الجفول؟. وكالأرض الأريضة، ذات العرصة العريصة؟ وأما الاسترلوميقي الهندسية، فعلم عملي مبني على التقاسيم والتراسيم، وكله آلات للحالات، وأدوات للذوات، ومساحات للساحات ". وإذ كان هذا العلم كذلك فهو في رأي ابن من الله علم أصحابه من العمال الممتهنين، والعرب بعيدة من المهنة. ولا يفرق القروي بين علم الهيئة وعرافة العرب، فيدعي أنه علم لهم فيه اليد الطولى، ويبين فضل العرب في معرفة الشهور والأيام وانهم جمعوا علم الطب في كلمتين، ثم يتحدث عن ميزتهم في الغناء واللحون ليثبت فضلهم في الموسيقى. " وأما الالوطيقى واللوطيقى فهنالك جاءت الأحموقى والاخروقى وظهر عجز القوم وبان أنهم أغمار ليس فيهم إلا حمار ". ويبين هذا الموقف القائم على المناظرة افتتات كل فريق، وتحيله بشتى ضروب الحيل لتوجيه الأمور وجهة تلائم نظرته ومنطقه، وإذا كان من شيء في هذا الضرب من الجدل، فهو تنكبه جادة المنطق والذهاب مع التعميم والتمويه، والسفسطة واللجوء إلى الغمز واللمز والسباب المكشوف. وقد اصبح الموضوع معرضا لإظهار البراعة في الرد، حين تناوله الناس بعد عصر ابن غرسية، ومجالا للتجارب الأسلوبية، فأما ما عدا الرسالتين السابقتين فلا نتعرض له في هذا المقام لأنه يلحق بعصر آخر.

стр. 171

٩ - الأدب الأندلسي صدى النكبات الكبرى: من حق هذا الفصل أن أصور فيه تمثيل الأدب الأندلسي لحركت التقدم في الأوضاع التاريخية هنالك قبل أن اذهب إلى تصوير الذي يمثل النكبات أو حالات التراجع. فأما سياق التقدم فأنه يظهر في متابعة الأدب للانتصارات والإشادة بجهود الأمراء في مواقف متعددة، ربما كان أبرزها المد الجهادي الذي طغى بقدوم المرابطين، والتضحيات التي بذلت في الزلاقة ولبيط، الا ان هذا النوع من الأدب - على ما فيه من روح موجبة مندفعة - قد اختلط بالمدح حتى خالط المدح فيه الروح والعصب وليس فيه من جديد في الروح الطريقة. وخير صورة وأنبلها غاية في عصر الطوائف تلك الصورة التي نحس فيها دعوة إلى الوحدة وائتلاف الكلمة أمام الخطر المشترك، ولكن هذه النغمة ضعيفة في أدب ذلك العصر، وانا لنلمس صداها في رسالة صدرت عن قلم الكاتب أبي محمد بن عبد البر يقول فيها (١) : " ورد كتابك يحض على ما أمر الله به تعالى من الألفة واتفاق الكلمة وإطفاء نار الفتنة، وجمع شمل الأمة، في هذه الجزيرة المنقطعة عن الجماعة، فلله رأيك الاصيل، وسعيك الجميل، ومذهبك الكريم، وغيبك السليم، ما صدق قيلك، وأهدى دليلك، واضح في سبيل البر سبيلك، وقد كنت علم الله جانحا إلى ما جنحت إليه، ويلوح لي ما يلوح إليك من أنا على طرف إلا ما كفى الله وعلى قلة إلا ما وقي الله ". وهي رسالة رسمية، تعتبر قضاء لواجب الرد، ولم تكن دعوة تتجاوز

стр. 172

هذا البيان. ولذلك نترك الجانب الذي يصور بعض مظاهر التقدم، لنتوجه نحو الأدب الذي يصور التراجع، فهو الذي يمثل الحقيقة التاريخية للأندلس اكثر مما يمثله النوع الأول، وهذا الأدب لا يعني إقرار اليأس دائما وإنما هو في الغالب صور حزينة تنجم عن كارثة أو نكبة، وهو في أحيان أخرى تنبيه وتذكير، ولسنا نستطيع ان نستوفي كل جوانبه ومظاهره، ولذلك اكتفى بعرض ما اتصل منه بالأحداث الأربعة الخطيرة التي ألمحت إليها في المقدمة، وهي سقوط بربشتر وسقوط طليطلة وسقوط بلنسية وذهاب دولة بني عياد. وأولى تلك الكوارث سقوط بربشتر (٤٥٦) على يد الاردمانيين (النورمانيين) وقد أثارت تلك الحادثة مشاعر الفقيه الزاهد ابن العسال، فصور في إحدى قصائده ما حل يومئذ تصويرا عاما من النوع المألوف المكرر في ذكر ضروب الفواجع التي نزلت بالناس (١) : ولقد رمانا المشركون بأسهم ... لم تخط لكن شأنها الاصماء هتكوا بخيلهم قصور حريمها ... لم يبق لا جبل ولا بطحاء جاسوا خلال ديارهم فلهم بها ... في كل يوم غارة شعواء باتت قلوب المسلمين برعبهم ... فحماتُنا في حربهم جبناء كم موضع غنموه لم يرحم به ... طفل ولا شيخ ولا عذراء ولكم رضيع فرقوه من أمه ... فله إليها ضجة وبغاء لرب مولود أبوه مجدل ... فوق التراب وفرشه البيداء ومصونة في خدرها محجوبة ... قد أبرزوها ما لها استخفاء

стр. 173

وربما كان من الكثير أن نتطلب من ابن العسال إظهار تفاعله مع الحادثة، وتعدي المجال الخارجي في تصويرها، فقصيدته تدل على تنبه النفسي لمعنى النكبة، وهو يعرف موطن الداء حين يقول: " فحماتنا في حربهم جبناء ". ثم انه بحكم موقفه الزهدي الديني ينسب ما حل ببربشتر إلى ذنوب المسلمين وانهم لا يتورعون عن المجاهرة بالكبائر " فالذنوب الداء "؟ كما يقول - وهذه مشكلة تعترضنا كثيرا في الأدب الذي يمثل النكبات العامة. وكان اشد الناس عارضة بالإلحاح على ما دهم تلك المدينة هو أبو حفص عمر بن الحسين الهوزني صديق عباد المستقل بأمر اشبيلية، وقد استأذن صديقه في سكنى مرسية، فلما حلت المصيبة بمدينة بربشتر، وكانت من أولى المصائب ذات الأثر البعيد في نفوس الأندلسيين، اخذ يراسل عبادا ويحثه على الجهاد والتنبيه للأمر الداهم. ومن رسائله إليه في هذا الشأن (١) : أعباد حل الرزء والقوم هجع ... على حالة من مثلها يتوقع فلق كتابي من فراغك ساعة ... وان طال، فالموصوف للطول موضع؟ وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما يغبر لورودها وجه الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتليد، ويستأصل الوالد والوليد، تذر النساء أيامي، والأطفال يتامى؟ طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانتقاض، وطغت حتى خشي على عمود الإسلام منها الانتقاض، وسمت حتى توقع على جناح الدين الانهياض؟ كأن الجميع في رقدة أهل الكهف، أو على وعد صادق من الصرف والكشف.

стр. 174

أعباد ضاق الذرع واتسع اخرق ... ولا غرب في الدنيا إذا لم يكن شرق " ومن فصول تلك الرسالة أيضا: " وما زلت اعتدك لمثل هذه الجولة وزرا، وادخرك في ملحها ملجأ وعصرا، لدلائل أوضحت فيك الغيب وشواهد رفعت من أمرك الريب، فالنهار من الصباح، والنور من المصباح ولئن كان ليل الفساد مما دهم قد اغدت جلبابه، وصباح الصلاح بما ألم قد أهابه، فقد كان ظهر قديما من اختلال الأحوال ما أيأس، وتبين من فساد التدبير ما ابلس، حتى تدارك فتق ذلك سلفك، فرتقه جميل نظرهم ورأبه، وصرفه مشكور أثرهم وشعبه ". ويبدو أنها رسالة طويلة، اكتفى ابن بسام بإيراد فصول مختارة منها، وكان جواب عباد عليها ان شجع الهوزني إلى بلده، وقتله بيده، إذ كان يخشى منافسته له في أمر السيادة. ولعل عبادا ظن ان حض الهوزني له على الجهاد لم يكن إلا نوعا من التوريط، فإذا حارب واخفق كسرت هيبته لدى ملوك الطوائف، وإذا لم يحارب كشف عن تقاعسه في الدفاع عن حوزة الدين. ودخلت مشكلة بربشتر في طور " رسمي " فتناولها ابن عبد البر في " منشور " كتب على لسان أهل بربشتر ووزع على أنحاء الأندلس تعميما للشعور بالمشكلة واستنهاضا وتنبيها. وبعد التحميد يقول على لسانهم: " فأنا خاطبناكم مستنفرين، وكاتبناكم مستغيثين، وأجفاننا قرحى، وأكبادنا جرحى، ونفوسنا منطبقة، وقلوبنا محترقة "؛ ثم يحاول ان يستثير الهمم لنصرة بربشتر فيصف الفواجع التي حلت بها وبأهلها: " وذلك أنه أحاط بنا عدونا كإحاطة القلادة بالعنق، وحاربنا حتى ظفر بنا، فانا لله وانا إليه راجعون، على ما تراءت منا العيون، من انتهاب

стр. 175

تلك النعم المدخرات. وهتك ستر الحرم المحجبات، والبنات المخدرات، وما كشف من تلك العورات المستترات. فلو رأيتم؟ معشر المسلمين - إخوانكم في الدين، وقد غلبوا على الأموال والاهلين، واستحكمت فيهم السيوف، واستولت عليهم الحتوف، وأثخنتهم الجراح، وعبثت بهم زرق الرماح، وقد كثر الضجيج والعويل، ودماؤهم على أقدامهم تهيل، سيل المطر بكل سبيل، ورؤسهم قدامهم تطير، ولا مغيث ولا مجبر، وقد صمت الآذان بصراخ الصبيان ونياح النسوان وبكاء الولدان، وعلت الأصوات، وفشت المنكرات؟. وما ظنكم معشر المسلمين وقد سيقت النساء والولدان، ما بين عارية وعريان، قودا بالنواصي إلى كل مكان، طورا على المتون، وطورا على البطون، مقرنين بالحبال، مصفدين في السلاسل والاغلال، مقتادين في الشعور والسبال، ان استرحموا لم يرحموا، وان استطعموا لم يطعموا، وان استسقوا لم يسقوا، وقد طاشت أحلامهم، وذهلت أوهامهم؟. فيا ويلاه ويا ذلاه ويا قرآناه ويا محمداه ". ويضرب ابن عبد البر على نغمة الوحدة والائتلاف في هذا المنشور حين يقول على لسان أهل بربشتر: " ولو كان شملنا منتظما، وشعبنا ملتئما، وكنا كالجوارح اشتباكا، وكالأنامل في اليد اشتراكا، لما طاش لنا سهم، ولا ذل لنا حزب، ولا فل لنا غرب، ولا روع لنا سرب؟ فتنبهوا قبل ان تنبهوا، وقاتلوهم في أطرافكم قبل ان يقاتلوكم في أكنافكم، وجاهدوهم في ثغوركم قبل أن يجاهدوكم في دوركم، ففينا متعظ لمن اتعظ وعبرة لمن أعتبر ". ولقد ذهب رسالة ابن عبد كلاما يزجى فلا يجد سميعا، ولعل

стр. 176

المعتضد المشير بكتابتها - أو غيره ممن خدمهم هذا الكاتب بقلمه - أول من لم يحرك ساكنا في سبيل بريشتر، وإنما كان التنبيه سياسة المبادر للخروج من حيز الملامة، ثم تطوي الأيام كل فورة وتحيلها إلى همود، وتتجدد النكبات، فلا تذكر الوحدة والائتلاف والحذر من الخطر إلا عند الأزمات، وتتلاشى الأصداء كأنها لم تكن. وحين كانت مشكلة كنكبة بربشتر تدخل نطاق التداعي " الرسمي "، فقد دخلت منطقة اللؤم والمخادعة وتربص الواحد بالآخر، والتستر وراء الكلمات الغرارة. ولأبي عبد الرحمن بن طاهر في هذه الحادثة نفسها رسالة يرد فيها على من كتب له يذكر ما جرى على بربشتر (١) : " ورد كتابك بالخطب الأبقع، والحادث الأشنع، الجاري على المسلمين، نصر الله مقامهم. وجمع على الائتلاف مذاهبهم، في بربشتر، وكان صدرا في القلاع المنيفة، وعينا من عيون المدائن الموصوفة، إلى ما سبق قبل في القلعة القلهرية وغيرها من مهمات الدور والمعاقل، وخطيرات الحصون والمنازل، فأطارت الألباب، وطأطأت الرقاب، وصرم الأمل والهمم، وأسلم من المذلة والقلة إلى ما قصم، وأنك رأيت الحال في معرض جلائها للنواظر عيانا، ووصل بينها وبين الخواطر أسبابا واشطانا، فما شئت من دمع مسفوح مراق، ونفس مترددة بين لهاة وتراق، وأسى قد قرع حصيات القلوب فرفضها، وعدل عن مضاجع بالجنوب فأقضها؟ ". وإنما أورد هذه الأمثلة لأقدم صورة عن ما أحدثته نكبة بربشتر من امتداد في الصدى والأثر، وذلك أنها كانت من أولى النكبات، فكان استعثار الخطر من جرائها كثيرا، هذا على أنها قد تكون حادثة صغيرة

стр. 177

بالنسبة للأحداث التي تلت من بعد. أما الكارثة الثانية فهي سقوط طليطلة (٤٧٨) وهي من حيث نتائجها اعظم خطرا من سابقتها بكثير، وبها يرتبط التحول الخطير الذي تم في التاريخ الأندلسي فأدى إلى دخول المرابطين ثم إلى سقوط دول الطوائف واندثارها. وفي هذه الكارثة نعود فنسمع مرة أخرى صوت ابن العسال الزاهد، فطليطلة بلدة ومسقط رأسه ومنها أخرج عندما استولى عليها الروم، ولكن صوته في هذه المرة غريب اجش في الأسماع، لأنه بدلا من أن يبكي على ما حل ببلده، يحذر الأندلسيين من الإقامة في بلدهم ويدق لهم ناقوس الخطر، ويقول لهم: الرحيل الرحيل: يا أهل أندلس حثوا مطيكم ... فما المقام بها من الغلط الثوب ينسل من أطرافه وأرى ... ثوب الجزيرة منسولا من الوسط ونحن بين عدو لا يفارقنا ... كيف الحياة مع الحيات في سفط ولو كنا نحاسب ابن العسال حسب ظاهر كلامه لقلنا انه قد آثر موقفا انهزاميا، ودعا فيه قومه إلى الجلاء عن أوطانهم لأن طليطلة سقطت وهي في وسط البلاد، والثوب إذا نسل من وسطه فقد انتهى امره، ولكن هذا اللون السلبي من التعبير عن الحقيقة كان يومئذ مبالغة في التنبيه والتذكير. وقد احتفظ لنا المقري صاحب النفح بقصيدة طويلة (٧٢ بيتا) لشاعر لم يذكر اسمه يندب فيها طليطلة: لثكلك كيف تبتسم الثغور ... سرورا بعدما بئست ثغور

стр. 178

طليطلة أباح الكفر منها ... حماها، إن ذا نبأ كبير فليس مثالها إيوان كسرى ... ولا منها الخورنق والسدير محصنة محسنة بعيد ... تناولها ومطلبها عسير ألم تك معقلا الدين صعبا ... فذلله كما شاء القدير وبعد ان يصور الشاعر انقلاب الأوضاع ويتفجع على ما أصاب الحرائر المصونات نراه وكأنما ينتدب نفسه للرد على تلك الأفكار التي كان يوردها ابن العسال، مثل قوله آن المصائب تحل بسبب الذنوب، فهذا الشاعر المجهول يقف عند هذه المسألة مترددا مشككا حين يقول: فإن قلنا العقوبة ادركتكم ... وجاءهم من الله النكير فأنا مثلهم واشد منهم ... نجور، وكيف يسلم من يجور أنا من ان يحل بنا انتقام ... وفينا الفسق أجمع والفجور ولا ينكر الشاعر العلاقة بين الذنب والمصائب، إلا انه يتخذ من الفكرة حافزا خلقيا لينبه الناس إلى ان ذنوبهم أيضا كثيرة، وأنها قد تجرهم إلى مصير مشبه لمصير آهل طليطلة. وبعد ذلك يهيب الشاعر بالناس للانتقام واخذ الثأر ويدعوهم إلى الموت؟ لا الهرب من ديارهم كما فعل ابن العسال: وموتوا كلكم فالموت أولى ... بكم من أن تجاروا أو تجوروا أصبرا بعد سبي وامتحان ... يلام عليهما القلب الصبور فإذا بلغ الحد تذكر ذل حكام الأندلس ذل حكام الأندلس بمداراتهم واصطناعهم للأذفونش ورهطه، وذل الناس الذين أعطوا الدنية ورضوا بالخنوع

стр. 179

للحاكم الأجنبي أما لفقر أو لحرص على رزق أو لاستهانة بأمور الدين: تجاذبنا الأعادي باصطناع ... فينجذب المخول والفقير فباق في الديانة تحت خزي ... تثيطه الشويهة والبعير وآخر مارق هانت عليه ... مصائب دينه، فله السعير ولذلك تراه يثور عارمة على اهل طليطلة أنفسهم الذين آثروا البقاء تحت الاشرقاق قائلين: اين نفر ولا أملاك لنا ولا دور، دعونا في مدينتنا فانها فاكهة طرية وماء نمير، وهؤلاء المحتلون أحمى لحوزتنا ونحن ندفع لهم الجزية: كفى حزنا بأن الناس قالوا: ... إلى اين التحول والمسير أنترك دورنا ونفر عنها ... وليس لنا وراء البحر دور ولا ثم الضياع تروق حسنا ... نباكرها فيعجبنا البكور وظل وارف وخرير ماء ... فلا قر هناك ولا حرور ويؤكل من فواكهها طري ... ويشرب من جداولها نمير يؤدى مغرم في كل شهر ... ويؤخذ كل صائفة عشور فهم أحمى لحوزتنا وأولى ... بنا وهم الموالي والعشير لذهب اليقين فلا يقين ... وغر القوم بالله الغرور رضوا بالرق يا الله! ماذا ... رآه وما أشار به مشير!! ومع أن الشاعر يتردى في هوة اليأس، ويرى الليل هما والنهار شرا مسيطرا إلا انه لا يفقد تفاؤله ورجاءه في النصر: ونرجو أن يتيح الله نصرا ... عليهم، إنه نعم النصير

стр. 180

تلك هي القصيدة، وهي في جملتها سهلة سائغة بارئة من التكلف والافتعال، وتعتمد البساطة والمراوحة بين الإثارة والتفجع والسرد القصصي، ولتعدد الوسائل الفنية فيها كانت حقيقة بالوقوف عندها، وقد خلت من زخارف الصور حتى كأنها في بعض أجزائها قطعة نثرية بسيطة وكأنها لالتزامها الواقع أحيانا " فقرة " تاريخية لا قصيدة. ويجيء استيلاء الكنبيطور على بلنسية (٤٨٧ - ٤٩٥) ثالثا بين النكبات العدوانية التي منيت بها الأندلس. وقد أثارت هذه الحادثة مواطن بلنسية أبا عبد الله بن علقمة الصدفي (- ٥٠٩) فدونها في تاريخ خاص، سماه " البيان الواضح في الملم الفادح " كتبه الناس عنه، وأفاد منه ابن الأبار في التكملة (١) ، وابن عذاري في البيان المغرب. ولما استولى السيد على بلنسية، أحرق بعض الأشخاص من أهلها ومنهم القاضي ابن جحاف الثائر بها، وأحمد بن عبد الولي البتي الشاعر (- ٤٨٨) (٢) . ويقول فيه ابن الابار إنه كان كاتبا شاعرا بليغا مطبوعا كثير التصرف مليح التظرف قائما على الآداب وكتب النحو واللغة والأشعار الجاهلية والإسلامية؛ ولم يذكر سبب إحراق الكنبيطور له، ولعله من المحرضين عليه بشعره أو ترسله، أو لعله كان ذا صلة بابن جحاف. وقد شهد أبو عبد الرحمن بن طاهر حال بلنسية أيام ثورة ابن جحاف فيها، ولك يكن راضيا تماما عن هذا الثائر، إذ كان ابن جحاف يظنه منافسا له، وعاش حتى شهد محنة بلنسية على يد السيد، وكان من الأسرى عام ٤٨٨ ومنها كتب إلى بعض إخوانه يصف حال المدينة (٣) :
следующие страницы →