المعتضد المشير بكتابتها - أو غيره ممن خدمهم هذا الكاتب بقلمه - أول من لم يحرك ساكنا في سبيل بريشتر، وإنما كان التنبيه سياسة المبادر للخروج من حيز الملامة، ثم تطوي الأيام كل فورة وتحيلها إلى همود، وتتجدد النكبات، فلا تذكر الوحدة والائتلاف والحذر من الخطر إلا عند الأزمات، وتتلاشى الأصداء كأنها لم تكن. وحين كانت مشكلة كنكبة بربشتر تدخل نطاق التداعي " الرسمي "، فقد دخلت منطقة اللؤم والمخادعة وتربص الواحد بالآخر، والتستر وراء الكلمات الغرارة.
ولأبي عبد الرحمن بن طاهر في هذه الحادثة نفسها رسالة يرد فيها على من كتب له يذكر ما جرى على بربشتر (١) :
" ورد كتابك بالخطب الأبقع، والحادث الأشنع، الجاري على المسلمين، نصر الله مقامهم. وجمع على الائتلاف مذاهبهم، في بربشتر، وكان صدرا في القلاع المنيفة، وعينا من عيون المدائن الموصوفة، إلى ما سبق قبل في القلعة القلهرية وغيرها من مهمات الدور والمعاقل، وخطيرات الحصون والمنازل، فأطارت الألباب، وطأطأت الرقاب، وصرم الأمل والهمم، وأسلم من المذلة والقلة إلى ما قصم، وأنك رأيت الحال في معرض جلائها للنواظر عيانا، ووصل بينها وبين الخواطر أسبابا واشطانا، فما شئت من دمع مسفوح مراق، ونفس مترددة بين لهاة وتراق، وأسى قد قرع حصيات القلوب فرفضها، وعدل عن مضاجع بالجنوب فأقضها؟ ".
وإنما أورد هذه الأمثلة لأقدم صورة عن ما أحدثته نكبة بربشتر من امتداد في الصدى والأثر، وذلك أنها كانت من أولى النكبات، فكان استعثار الخطر من جرائها كثيرا، هذا على أنها قد تكون حادثة صغيرة
стр. 177
بالنسبة للأحداث التي تلت من بعد.
أما الكارثة الثانية فهي سقوط طليطلة (٤٧٨) وهي من حيث نتائجها اعظم خطرا من سابقتها بكثير، وبها يرتبط التحول الخطير الذي تم في التاريخ الأندلسي فأدى إلى دخول المرابطين ثم إلى سقوط دول الطوائف واندثارها. وفي هذه الكارثة نعود فنسمع مرة أخرى صوت ابن العسال الزاهد، فطليطلة بلدة ومسقط رأسه ومنها أخرج عندما استولى عليها الروم، ولكن صوته في هذه المرة غريب اجش في الأسماع، لأنه بدلا من أن يبكي على ما حل ببلده، يحذر الأندلسيين من الإقامة في بلدهم ويدق لهم ناقوس الخطر، ويقول لهم: الرحيل الرحيل:
يا أهل أندلس حثوا مطيكم ... فما المقام بها من الغلط
الثوب ينسل من أطرافه وأرى ... ثوب الجزيرة منسولا من الوسط
ونحن بين عدو لا يفارقنا ... كيف الحياة مع الحيات في سفط ولو كنا نحاسب ابن العسال حسب ظاهر كلامه لقلنا انه قد آثر موقفا انهزاميا، ودعا فيه قومه إلى الجلاء عن أوطانهم لأن طليطلة سقطت وهي في وسط البلاد، والثوب إذا نسل من وسطه فقد انتهى امره، ولكن هذا اللون السلبي من التعبير عن الحقيقة كان يومئذ مبالغة في التنبيه والتذكير.
وقد احتفظ لنا المقري صاحب النفح بقصيدة طويلة (٧٢ بيتا) لشاعر لم يذكر اسمه يندب فيها طليطلة:
لثكلك كيف تبتسم الثغور ... سرورا بعدما بئست ثغور
стр. 178
طليطلة أباح الكفر منها ... حماها، إن ذا نبأ كبير
فليس مثالها إيوان كسرى ... ولا منها الخورنق والسدير
محصنة محسنة بعيد ... تناولها ومطلبها عسير
ألم تك معقلا الدين صعبا ... فذلله كما شاء القدير وبعد ان يصور الشاعر انقلاب الأوضاع ويتفجع على ما أصاب الحرائر المصونات نراه وكأنما ينتدب نفسه للرد على تلك الأفكار التي كان يوردها ابن العسال، مثل قوله آن المصائب تحل بسبب الذنوب، فهذا الشاعر المجهول يقف عند هذه المسألة مترددا مشككا حين يقول:
فإن قلنا العقوبة ادركتكم ... وجاءهم من الله النكير
فأنا مثلهم واشد منهم ... نجور، وكيف يسلم من يجور
أنا من ان يحل بنا انتقام ... وفينا الفسق أجمع والفجور ولا ينكر الشاعر العلاقة بين الذنب والمصائب، إلا انه يتخذ من الفكرة حافزا خلقيا لينبه الناس إلى ان ذنوبهم أيضا كثيرة، وأنها قد تجرهم إلى مصير مشبه لمصير آهل طليطلة. وبعد ذلك يهيب الشاعر بالناس للانتقام واخذ الثأر ويدعوهم إلى الموت؟ لا الهرب من ديارهم كما فعل ابن العسال:
وموتوا كلكم فالموت أولى ... بكم من أن تجاروا أو تجوروا
أصبرا بعد سبي وامتحان ... يلام عليهما القلب الصبور فإذا بلغ الحد تذكر ذل حكام الأندلس ذل حكام الأندلس بمداراتهم واصطناعهم للأذفونش ورهطه، وذل الناس الذين أعطوا الدنية ورضوا بالخنوع
стр. 179
للحاكم الأجنبي أما لفقر أو لحرص على رزق أو لاستهانة بأمور الدين:
تجاذبنا الأعادي باصطناع ... فينجذب المخول والفقير
فباق في الديانة تحت خزي ... تثيطه الشويهة والبعير
وآخر مارق هانت عليه ... مصائب دينه، فله السعير ولذلك تراه يثور عارمة على اهل طليطلة أنفسهم الذين آثروا البقاء تحت الاشرقاق قائلين: اين نفر ولا أملاك لنا ولا دور، دعونا في مدينتنا فانها فاكهة طرية وماء نمير، وهؤلاء المحتلون أحمى لحوزتنا ونحن ندفع لهم الجزية:
كفى حزنا بأن الناس قالوا: ... إلى اين التحول والمسير
أنترك دورنا ونفر عنها ... وليس لنا وراء البحر دور
ولا ثم الضياع تروق حسنا ... نباكرها فيعجبنا البكور
وظل وارف وخرير ماء ... فلا قر هناك ولا حرور
ويؤكل من فواكهها طري ... ويشرب من جداولها نمير
يؤدى مغرم في كل شهر ... ويؤخذ كل صائفة عشور
فهم أحمى لحوزتنا وأولى ... بنا وهم الموالي والعشير
لذهب اليقين فلا يقين ... وغر القوم بالله الغرور
رضوا بالرق يا الله! ماذا ... رآه وما أشار به مشير!! ومع أن الشاعر يتردى في هوة اليأس، ويرى الليل هما والنهار شرا مسيطرا إلا انه لا يفقد تفاؤله ورجاءه في النصر:
ونرجو أن يتيح الله نصرا ... عليهم، إنه نعم النصير
стр. 180
تلك هي القصيدة، وهي في جملتها سهلة سائغة بارئة من التكلف والافتعال، وتعتمد البساطة والمراوحة بين الإثارة والتفجع والسرد القصصي، ولتعدد الوسائل الفنية فيها كانت حقيقة بالوقوف عندها، وقد خلت من زخارف الصور حتى كأنها في بعض أجزائها قطعة نثرية بسيطة وكأنها لالتزامها الواقع أحيانا " فقرة " تاريخية لا قصيدة.
ويجيء استيلاء الكنبيطور على بلنسية (٤٨٧ - ٤٩٥) ثالثا بين النكبات العدوانية التي منيت بها الأندلس. وقد أثارت هذه الحادثة مواطن بلنسية أبا عبد الله بن علقمة الصدفي (- ٥٠٩) فدونها في تاريخ خاص، سماه " البيان الواضح في الملم الفادح " كتبه الناس عنه، وأفاد منه ابن الأبار في التكملة (١) ، وابن عذاري في البيان المغرب.
ولما استولى السيد على بلنسية، أحرق بعض الأشخاص من أهلها ومنهم القاضي ابن جحاف الثائر بها، وأحمد بن عبد الولي البتي الشاعر (- ٤٨٨) (٢) . ويقول فيه ابن الابار إنه كان كاتبا شاعرا بليغا مطبوعا كثير التصرف مليح التظرف قائما على الآداب وكتب النحو واللغة والأشعار الجاهلية والإسلامية؛ ولم يذكر سبب إحراق الكنبيطور له، ولعله من المحرضين عليه بشعره أو ترسله، أو لعله كان ذا صلة بابن جحاف.
وقد شهد أبو عبد الرحمن بن طاهر حال بلنسية أيام ثورة ابن جحاف فيها، ولك يكن راضيا تماما عن هذا الثائر، إذ كان ابن جحاف يظنه منافسا له، وعاش حتى شهد محنة بلنسية على يد السيد، وكان من الأسرى عام ٤٨٨ ومنها كتب إلى بعض إخوانه يصف حال المدينة (٣) :
стр. 181
" فلو رأيت قطر بلنسية، نظر الله إليه، وعاد بنوره عليه، وما صنع الزمان به وبأهليه، لكنت تنديه وتبكيه، فلقد عبث البلى برسومه، وعدا على أقماره ونجومه، فلا تسأل عما في نفسي، وعن نكدي ويأسي ".
وعاش ابن طاهر هذا حتى استرجع أمير المسلمين مدينة بلنسية في شهر رمضان عام ٤٩٥، فكتب رقعة إلى الوزير ابن عبد العزيز يذكر له أمر ذلك الفتح، ويحمد الله على استرجاعها (١) .
وممن تأثر لما حل ببلنسية ابن خفاجة، فقال يرثيها (٢) :
عاثت بساحتك العدى يا دار ... ومحا محاسنك البلى والنار
فإذا تردد في جناحك ناظر ... طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها ... وتمخضت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها ... " لا أنت أنت ولا الديار ديار " وأقدر أن قصيدة ابن خفاجة كانت اكثر أبياتاً، ولم يبق منها إلا هذه الأربعة، ذلك أن بلنسية كانت جزءا من معاهد الشاعر وعهوده وأم وطنه " شقر "، فلا بد ان يكون ضياع بلنسية قد حز في نفسه، ولذلك لم يكد يعلم أن النية معقودة على استرجاعها حتى غمره البشر والاستبشار، وهنأ نفسه بما سيحدث قبل حدوثه فقال (٣) :
الآن سح غمام النصر فانهملا ... وقام صغو عمود الدين فاعتدلا
ولاح للسعد نجم قد خوى فهوى ... وكر للنصر عصر قد مضى فخلا
стр. 182
وبين النكبتين الثانية والثالثة؟ نكبة طليطلة وبلنسية - حدثت واقعة لا نعدها نكبة من سياق ما وصفناه، ولكن كثيرا من الأندلسيين عدها كذلك، ونعني بها انهيار دول الطوائف عامة ودولة بني عباد خاصة، وبما أن سائر دول الطوائف لم تحظ من بكاء الشعراء ونأسفهم على زوالها بسيء كثير (سوى مراثي ابن عبدون في بني الأفطس أصحاب بطليموس) ولما كانت دولة بني عباد هي التي استأثرت بأكثر الأسى والتفجع فلا بد من ان تقصر الحديث عليها:
لقد كان افول نجم المعتمد يمثل في نفوس طائفة كبيرة من الناس حقيقة المأساة اكثر مما تمثله النكبات المتلاحقة التي تخطفت المدن وزعزعت السيادة العربية عامة. وإذا تأملنا هذا الموقف وجدنا ان قصة انهيار " البطل " الحامي للأدب والشعر كانت أعمق أثراً في النفوس من سواها، إذا نحن حكمنا على ذلك من مدى الحزن في الشعر المتصل بها. ويبدو ان قصة " العزيز الذي ذل " كانت تثير العواطف اكثر مما تثيرها ضياع أجزاء عزيزة من الوطن، وما ذلك إلا لان الشاعر الأندلسي ربط " مقدراته " بالفرد الحامي، فلما فقد هذا الفرد أدركه اليأس الغالب. ولسنا ننكر الإخلاص في هذا الموقف ولكنا نريد أن نؤكد حقيقة هامة، وهي ان سقوط بربشتر أو بلنسية أو طليطلة لم يثر من الشعر والنثر فلا قدرا يسيرا إذا قسمناه إلى ما أثاره سقوط المعتمد، أي ان النكبة الجماعية لم تكن ذات تأثير عميق كالنكبة الفردية، لا من حيث الكم ولا من حيث النوع في الأدب المستثار. وربما لم نجد في الشعر الأندلسي عاطفة اعمق غورا وأشد لهبا عاطفيا من تلك القصائد التي قالها ابن اللبانة وابن حمديس وابن عبد الصمد في نكبة المعتمد.
ما السر في ذلك؟ هل هو تحدد الصلة بين الفرد الشاعر وراعيه
стр. 183
بحيث احتجت عن عينيه القيم الجماعية، كما احتجت عنه إمكان سقوط العظمة التي يستظل بظلها فلما تقلص الظل أصيب الشاعر " بضربة " المفاجأة الحادة؟ هل كان المعتمد رمزا للبطولة والفروسية والفتوة الكاملة فكان انهياره مأساويا لأنه كان يعني انهيار الرمز الكبير؟ هل أحس أولئك الشعراء انهم يودعون صورة " السيادة " العربية في الأندلس إلى الأبد؟ هل كان بكاؤهم على صاحبهم نفورا طبيعيا من السادة الجدد ونحن نعلم أن الشعراء الثلاثة تحاسوا سلطان المرابطين من بعد، ولم يتصلوا بهم؟ . لم لا نقول أن سقوط " العزيز "؟ الصديق - الراعي - الشاعر؟ يستدعي الأسى مثلما يستدعي الوفاء؟
وقد كان المعتمد نفسه كأحد هؤلاء الأوفياء في إحساسه بالتغيير المخيف الذي لحقه بعد السرير والصولجان، حين اصبح أسيراً مقيدا " وحمل في السيفين، وأحل في العدوة محل الدفين، تنبذه منابره واعواده، ولا يدنو منه زواره ولا عواده " (١) ، فتمثل قصوره: المبارك والوحيد والزاهي ورأى التاج والنهر وكل ما ألفه في أيام ملكه تندبه وتبكيه، واستشهر الغربة والإذلال في كل خطوة، فسجل مشاعره الحزينة وهو يقارن بين حالتيه، وتخير اللحظات التي يحس الإنسان فيها بالبون الواسع بين معالم البهجة والأسى كأيام العيد، فصور ما آل إليه وما آلت إليه بناته من جوع وفقر (٢) :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فجاءك العيد في اغمات مسرورا
ترى بناتك في الاطمار جائعة ... يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
стр. 184
برزن نحوك للتسليم خاشعة ... أبصارهن حسيرات مكاسيرا وعاش المعتمد ما بقى من عمره في مقارنة مستمرة بين ماضبه وحاضره من جميع الوجوه، وكان بالغ شجيا مؤثرا، فلا غرو أن يكسب نكبته طبيعة المأساة الحزينة بما نظمه حولها من شهر، وان يرى فيه الذين وفوا له صورة الانهيار الشامل وان يستمدوا من الحادثة عبرة كبرى عن تقلب الأيام.
ولعل ابن اللبانة أوضحهم وفاء فقد تتبع مصير المعتمد منذ نقله في السفينة إلى اغمات حتى وفاته بالمراثي الجياشة بالدموع، مما حدا بعض مترجميه أن يلقبه " سموأل الشعراء " والف في الدولة العبادية كتابا سماه " سقيط الدرر ولقيط الزهر ". ومن قصائده يصور كيف نقل بنو عباد في السفينة (١) :
نسيت إلا غداة النهر كونهم ... في المنشآت كأموات بألحاد
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافيات فوق ازباد
حط القناع فلم تستر مخدرة ... ومزقت أوجه تمزيق ابراد
حان الوداع فضجت كل صارخة ... وصارخ من مقداة ومن فادي
سارت سفائنهم والنوح يصبها ... كأنها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملت ... تلك القطائع من قطعات أكباد وقد تمثل هذه القطعة صورة خارجية للمنظر الحزين دون أن تعبر إلا قليلا عن الحزن الذاتي لدى ابن اللبانة، ولكن هذه الطريقة
стр. 185
غالبة في طلب الإثارة بتعريض القارئ نفسه لتصور موقف الحزن، هذا إلى ان الحزن الذاتي كامن في كلماتها.
وقد يجنح ابن اللبانة إلى المبالغات العامة، ولكنه يمنحها جزالة قوية يغلف بها حزنه العميق في مثل قوله (١) :
انفض يديك من الدنيا وساكنها ... فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعالمها قد كتمت ... سريرة العالم العلوي أغمات
طوت مظلتها لا بل مذلتها ... من لم تزل فوقه للعز رايات
من كان بين الندى والبأس انصله ... هندية، وعطاياه هنيدات غير ان اللحن العام فيها مشبع أيضا بالحزن وكأنما هو ينش بالدموع ومهما تكثر هذه المبالغات في شعره فأنها لا تفاجئنا بالتكلف، لشدة كلفه بهذا الموضوع وإخلاصه الدفين له، ولن نطيل في إيراد أمثلة كثيرة من شعر ابن اللبانة فأنها وافرة، ويكفينا أن نعرض لمثلين آخرين يدلان على وفاء ابن عبد الصمد وابن حمديس.
أما أبو بكر ابن عبد الصمد فانه زار قبر المعتمد في يوم عيد " فطاف بالقبر والنزمه، ثم خر على تربه ولثمه وأنشد قصيدته الدالية " (٢) :
ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عوادي
لما خلت منك القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد
أقبلت في هذا الثرى لك خاضعا ... وتخذت قبرك موضع الإنشاد
قد كنت أحسب ان تبدد أدمعي ... نيران حزن أضرمت بفؤادي
стр. 186
وتذكر ابن عبد الصمد ذلك المجد الزائل، وبكاه بدموع مخلصة في مطولته هذه " فانحشر الناس إليه وأجفلوا، وبكوا لبكائه وأعولوا، وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج، مديمين البكاء والعجيج " (١) .
ويشبه ابن حمديس صديقيه هذين في شدة الحزن واللوعة على صاحبه وولي نعمته. إلا انه يفترق عنهما في شيء من التأميل العابر، والتفاؤل العارض الذي كان ينظر به إلى مأساة المعتمد، فهو يعزيه بما يصيب الأسد حين تحبس ويقول:
وقد تنتخي السادات بعد خمولها ... وتخرج من بعد الكسوف بدور إلا انه لا يلبث أن ينسى؟ عند نهاية القصيدة - هذا الشهور بالتفاؤل، ويحس ان حادثة المعتمد تعني نوعا من دنو القيامة:
ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد أتت ... ألا فانظروا هذي الجبال تسير (٢) وكلا الشاعرين، ابن اللبانة وابن حمديس، تصور القيامة ونهاية " العالم السفلي " في حادث المعتمد، ولم يكن هذا محض مبالغة شعرية، بل هو ذو دلالة على طبيعة استشعارهما للتغير المفاجئ؟ الذي لم يكونا يتوقعانه - فأصابهما بهزة نفسية عنيفة،. وقد وقف ابن حمديس مرة أخرى عند هذا المعنى في أول قصيدة رثى بها المعتمد " وهو حي "؟ " فانك حي تستحق المراثيا " فقال:
стр. 187
أقول واني مهطع خوف صيحة ... يجيب بها كل إلى الله داعيا
أسير جبال وانتثار كواكب ... دنا من شروط الحشر ما كان نائيا ولكن ما حسبه هذان الشاعران الوفيان من " أشراط الساعة " لم يكن إلا تحولا صغيرا في تاريخ الناس. نعم مات المعتمد الذي استحق الرثاء وهو حي، ثم انصرف كل واحد منهما يطلب من جديد في ظل ممدوح جديد، لا من نسيان أدركهما وإنما هي طبيعة الحياة الإنسانية، تعثر بالموت لتجدد وتمضي في طريق الاستمرار. فأما ابن حمديس فلجأ إلى زيري بأفريقية، وأما ابن اللبانة فانحاز إلى مبشر ابن سليمان صاحب ميورقة. وبينما كان هذان الشاعران يذرفان الدموع على الصديق المحبوب كان شعراء آخرون يرحبون بالسلطان المرابطي في قصائد تحمل كل معاني الفرحة والاستبشار والشماتة معا. ولكن هذا الشعر الرومنطيقي الذي وقف يحيي العظمة الزائلة سيظل أقوى صورة حزينة في الأدب الأندلسي أثارها الوفاء لا الرجاء، وبعثتها صدمة الموت لا انفتاح الحياة! ولقد كانت المشكلة التي تلح على خيال الفرد الأندلسي بقوة الوضع الإنساني عامة والوضع الأندلسي القلق على حافة التغير والتشرد والموت، هي مشكلة المصير النهائي. وفي هذا المجال قدم الأدب الأندلسي نماذجه الكبرى من مراث متفلسفة وبكاء على المدن الزائلة، وتوجع للعظمة المندثرة، والصداقة المتلاشية، والجمال الآيل إلى نضوب.
١٠ - وصف الطبيعة:
كان وصف الطبيعة في العصر السابق نوعا من الاحتذاء لبعض أشعار
стр. 188
المشارقة، ولكن الأندلسيين تميزوا بالإكثار من وصف الأزهار، حتى ألف حبيب الحميري كتابه " البديع في وصف الربيع " يحدوه إلى ذلك إهمال أهل بلده في تسجيل شعرهم وجمعه، وشيء من سأم لما قرأ في هذا الباب من أشعار المشارقة، واعجابه بالتشبيهات التي تمت لأهل بلده، في مدى قصير من الزمان، إذا قيس بعمر الشعر في المشرق؛ وقد عاش حبيب في عصر المعتضد بن عباد، وتوفي وهو ابن اثنتين وعشرين سنة فهو يمثل الفترة السابقة مثلما يمثل أوائل عهد الطوائف. وترتيب كتابه يدلنا على الاتجاه العام الذي سلكه شعر الأندلس؟ حتى عهده - في وصف الطبيعة. فالفصل الأول فيه يتناول موضوع وصف الربيع عامة، والثاني: ما فيه وصف لعدة أزهار، وفي هذا الفصل تتجلى القضية التي أثارها ابن الرومي في المفاضلة بين الأزهار. ولحبيب نفسه رسالة يرد فيها على ابن الرومي، في تفضيل البهار على الورود؛ ثم قطع في تفضيل الخيري على البنفسج، أما الباب الثالث فمخصص للقطع التي تختص كل واحدة منها بنوع واحد من النوار كالآس والياسمين والنيلوفر ونور اللوز ونور الباقلاء والكتان وهكذا.
ويتجلى من القطع التي حشدها حبيب أنا لم تنظم خصيصا لوصف الطبيعة، وإنما كان بعضها مقدمة لقصيدة المدح، وكان بعضها محض صورة اجتزئت من قصيدة طويلة. فمن وصف الربيع في مقدمة قصيدة مدح قول ابن الابار؟ وغرضه التخلص لمدح الحاجب - (١) .
لبس الربيع الطلق برد شبابه ... وافتر عن عتباه بعد عتابه
ملك الفصول حبا الثرى بثرائه ... متبرجا لوهاده وهضابه
стр. 189
فأراك بالأنوار وشي بروده ... وأراك بالأشجار خضر قبابه
أمسى يذهبها بشمس أصيلة ... وغدا يفضضها بدمع حبابه
عقل العقول فما تكيف حسنه ... وثنى العيون جنائبا بجنابه
بالحاجب المأمول أضحك ثغره ... فرحا وأنطلق جهرنا بصوابه ومثل هذه القطعة قطع أخرى كثيرة نكتفي منها بقطعة مرحة الوزن للوزير ابي عامر بن مسلمة جعلها مقدمة لقصيدة في مدح القاضي ابن عباد (١) :
وروضة مشرقة ... بكل نور مجتنى
فبها بهار باهر ... ونرجس يشكو الضنى
وياسمين أرضه ... ونوره تلونا كاليل مخضرا ولكن بالنجوم زينا ...
فاجتن وردا واردا ... وسوسنا ملسنا
وحوله نيلوفر ... فتنة ران إن رنا
تجاله مضاربا ... من المها تروقنا
والآس آس كاسمه ... بنوره قد حسنا
تنويره جواهر ... من غير بحر تقتني
وحبه من سبج ... أو سندس قد لونا وقد بدا فيها البنفسج الندي الغض الجنى ...
وأرضه مطاف ... خضر أتتنا بالمنى
طابت بطيب ماجد ... فاق سناء وسنا ويرى حبيب ان هذه القطعة " تضمنت من تشبيهات غريبها ومن الصفات
стр. 190
عجيبها ". وتدل هذه القصائد مجتمعة على قيمة اتخاذ وصف الطبيعة " مقدمة " فحسب في القصائد بدلا من الغزل التقليدي، ويبدو ان الأندلسيين أكثروا منها حتى عصر حبيب، وكانوا يجدون التشجيع من الممدوحين أنفسهم، فان حبيبا نفسه أنشد المعتضد قصيدة ضادية يحاكي بها قصيدة للفقيه أبي الحسن بن علي في الموضوع نفسه، فلما سمعه المعتضد أمره ان يحضر أبا بكر بن القوطية صاحب الشرطة، وأبا جعفر ابن الأبار وأبا بكر بن نصر وأمرهم بمعارضتها (١) . وعرف الوزير الكاتب أبو الأصبغ بما حدث فصنع شعرا على الهيئة تلك في معناه وغرضه واتصلت المعارضة من واحد إلى آخر. وهذه " السلاسل " مألوفة في الأدب الأندلسي: قصيدة واحدة تثير عدة معارضات، أو رسالة تثير عدة رسائل، أو كتاب يستدعي كتبا تذيل عليه.
ولم يقتصر هذا الميل الحضري للأزهار على الشعر بل شمل الرسائل النثرية، فكتب أبو حفص ابن برد رسالة إلى أبي الوليد بن جهور يصف فيها خمسة أصناف من النواوير، وغرضه تفضيل الورد بينها. وكانت رسالته تمثل " مجمعا " ضم هذه النواوير وهي بعد الورد: النرجس الأصفر والبنفسج والبهار والخيري النمام. ومن الطريف في هذه الرسالة ان قام كل نور بعد ما سمع كلام الورد فاعترف له بالأفضلية، وأقر على رأسه بالتأخر، ثم اتفقت الأزهار جميعا على ان تكتب له كتابا وتضع عليه توقيعاتها ليحمل عنها إلى الناس في كل مكان، وأدى كل واحد شهادته ووقع تحتها. ولما اطلع حبيب نفسه علة هذه الرسالة أحب ان يحاكيها فجعل المجلس يجمع بين سبعة أنواع من الزهر، وغايته
стр. 191
تفضيل البهار على الورد، معارضا بذلك ابن برد، وأربى عليه في الحوار؛ وهكذا نقل المتأدبون الأندلسيون صورة الديوان السلطاني إلى الطبيعة، فوضعوا لها قيودا من رسوم الحضرة ومجلس الجماعة، ومنحوها صفة رسمية قليلة الحركة. أما القطع الشعرية والنثرية التي كتبوها للمفاضلة بين نور ونور، وأحدهم يرد فيها على الثاني، فقد امتحنوا بها مقدرتهم الجدلية، واتخذوا من الطبيعة موضوعا للجدل بدلا من ان يكون جدلهم حول شؤون العقيدة اذ كانت المناظرات في امور العقيدة مظنة خطر، وما زال شأنها ضعيفا حتى ظهور ابن حزم. وكانوا في الحالين برضون لديهم ميلا عقليا أكثر من توفرهم على إقامة الصلة العاطفية بينهم وبين المنظر الجميل.
وأما المقطعات القصيرة التي نظموها في وصف صنوف الأزهار فبعضها يمثل " بطائق " المهاداة بين الأصدقاء، وليس لديهم من غاية فيها سوى طلب " الصورة " المبتكرة، وأكثر صورهم تأخذ مأخذ الجمود كقول القاضي ابن عباد في وصف الياسمين (١) .
وياسمين حسن المنظر ... يفوق في المرأى وفي المخبر
كأنه من فوق أغصانه ... دراهم في مطرف أخضر ولسنا نجد بين تلك القطع كثيرا مما يماثل هذا المزج العاطفي الذي اتبعه الرمادي في وصف طبق ورد قدم له عندما نزل على بني أرقم بوادي آش وكان الفصل شتاء فاستغرب وجود الورد حينئذ وأخذ واحدة وقال بديهة (٢) .
يا خدود الورد في إخجالها ... قد علتها حمرة مكتسبة
стр. 192
اغتربنا أنت من بجانة ... وانا مغترب من قرطبة
واجتمعنا عند إخوان صفا ... بالندى أموالهم منتبه
إن لثمي لك قدامهم ... ليس فيه فعلة مستغربة
لاجتماع في اغتراب بيننا ... قبل المغترب المغتربه ففي هذه القطعة تحدث الرمادي عن المشاركة العاطفية بينه وبين الوردة، وجعل للورد حياة " مشخصة "، والمعنى مألوف معروف رأيناه في قطعة لعبد الرحمن الداخل تحدث فيها إلى النخلة ولكن هذا اللون بعد من أعمق تلك البواكير في شعر الطبيعة في الأندلس. وواضح ما تشكوه قطعة الرمادي من خشونة الاستعمال اللفظي، ولكن قوله لها على البداهة قد يغفر لها هذا العيب، غير أنه استطاع أن يربط فيها جانبي العمق العاطفي القائم على اغترابه واغتراب الوردة؟ وهي غربة مكانية لدى كل منهما -، وقد كان الرمادي قادرا على تقوية المقارنة لو انه لمح ما تعانيه الوردة من غربة زمنية، فهي ناشئة في غير أوانها منفردة عن رفيقاتها بنات الربيع. وحين وصف منتدى بني أرقم وجعله ملتقى " إخوان الصفاء " والوردة تشاركهم سماحتهم واخوتهم فقد وفق إلى إبراز الوحدة العاطفية، ومن هذا المعنى الأخوي استخرج صورة اللثم لا الشم فأضاف إلى رابطة الاخوة عمق اللهفة والشوق.
وقد كان الشعور بهذه الغربة الجزئية هو مثار هذه المقطوعة ولكن الغربة المستمرة هي التي أثارت ابن حمديس إلى أن يقول حين رأى النيلوفر (١) :
ونيلوفر أوراقه مستديرة ... تفتح فيما بينهن له زهر
стр. 193
كما اعترضت خضر التراس وبينها ... عوامل أرماح أسنتها حمر
هو ابن بلادي كاغترابي اغترابه ... كلانا عن الأوطان أزعجه الدهر ويبدو أن الغربة الجزئية كانت أقوى أثراً من هذه المشاركة التي رسمها ابن حمديس، وما ذلك إلا لأن ابن حمديس استنفذ معني الغربة في بكاء الوطن، فليست وقفته عند معنى الغربة أمام النيلوفر إلا وقفة عابرة. وعلى هذا فإذا قارنا قطعته هذه بقطعة أخرى له يصف فيها انيلوفر أدركنا قيمة الشعور الذاتي في إحياء الطبيعة لا في تمجيدها (١) :
كأنما النيلوفر المجتنى ... وقد بدأ للعين فوق البنان
مداهن الياقوت محمرة ... قد ضمنت شعرا من الزعفران ولا نعد ابن حمديس من شعراء الطبيعة ولكنه كان شاعرا وصافا بالمعنى العام الذي يفهمه الناس في عصره، وأكثر وصفه قائم على طلب معنى مولد أو مجدد، ويأتي المنظر الطبيعي عنده تتمة لمجلس الشراب، كما في قوله (٢) :
في حديق غرس الغيث به ... عبق الأرواح موشي البطاح
أرضع الغيم لبانا بأنه ... فتربت فيه قامات الملاح
كل غصن تعتري أعطافه ... رعدة النشوان من كأس اصطباح
فكأن الترب مسك أذفر ... وكأن الطل كافور رباح
وكأن الروض رشت زهره ... بمياه الورد أفواه الرياح وقيمة هذه الأبيات؟ بعد موسيقاها الجميلة - في أن كل بيت يمثل
стр. 194
صورة على حدة، لتمثل كلها في النهاية شغفا خاصا بالجو المعطر. ومما اعتقد أنه من قصائده الأندلسيات، قصيدة له مطلعها (١) :
نشر الجو على الأرض برد ... أي در لنحور لو جمد فقد أوجد المشابهة بين البرد والدر، ثم أخذ يحلل هذا المعنى في عدة أبيات لاحقة، فزعم أن هذا الدر لؤلؤ وان أصدافه هي السحب، وانها منحته منحة دون تعب، إذ أن المعروف عن اللؤلؤ انه لا ينال إلا بالغوص، وفي ذلك ما فيه من النكد، وخيلت الصورة للغيد أنها ترى لؤلؤا حقيقيا، فكادت تتسارع إلى لقطة، كي تحلي أجيادها، وهي حالية بما وهبها الله من غيد طبيعي، ثم إن البرد ذاب فتلقته الأرض بخدها، لأنه سقط من عيون السماء، فأخذ يجري في سيول كأنها ثعابين تتطارد متسابقة، وامتلأت به الغدران فأخذ يعلوها الزبد كأنه قوارير سابحة. والشيء الجديد في هذا المنظر هو متابعة الصورة في اتساق كامل حتى يصل بها الشاعر إلى غايتها وفي أثناء ذلك يتمحل ضروبا من التعليل والتخيل والتوليد:
لؤلؤ أصدافه السحب التي ... انجز البارق منها ما وعد
منحته عاريا من نكد ... واكتساب الدر بالغوص نكد
ولقد كادت تعاطى لقطة ... رغبة فيه كريمات الخرد
وتحلي منه أجيادا إذا ... عطلت راقتك في حلي الغيد
ذوبته من سماء أدمع ... فوق أرض تتلقاه بخد
فجرت منه سيول حولنا ... كثعابين عجال تطرد
وترى كل غدير متاق ... سبحت فيه قوارير الزبد
стр. 195
فإذا انتهى ابن حمديس من صورة البرد انتقل إلى صورة البرق، ثم إلى صورة النبت في المروج، ثم صور تنبه الصبح وطلوع الشمس، فأعلى للمنظر عمرا يمتد من ابتداء سقوط البرد حتى تفتح النهار، وغايته من كل ذلك إظهار براعته في الرسم، ولا شيء سوى ذلك. أي ان المنظر الطبيعي لم يعد عنده فاتحة لموضوع كالغزل أو وصف الشراب بل أصبح موضوعا مستقلا ترسم أجزاءه على التوالي واحدا اثر آخر.
ولم يكن هذا الاتجاه هو الغالب على شعر الطبيعة في عهد الطوائف ولعل ابن حمديس إنما جرى به شوطا إذ طاع له النسق الموسيقي الجميل وشيء من التوليد في الصور والمعاني. وهناك اتجاه قوي آخر يوازيه وفيه تصبح الزهرة أو المنظر الطبيعي أداة للتذكر، وقد أكثر منه شعراء الغزل وبخاصة أبو عبد الله ابن السراج المالقي شاعر بني حمود، فقد كان هو وصاحبه أبو علي ابن الغليظ يرتادان الأماكن الجميلة وينظمان الأشعار، وكان المالقي مفتونا بجارية تدعى أزهر، وبأخرى تدعى " حسن الورد ". وحدث ابن الغليظ أنهما كانا يوما على جرية ماء، في موضع حسن يحار فيه الطرف، وكان يهيجه للقول فقال (١) :
شربنا على ماء كأن خريره ... خرير دموعي عند رؤية أزهر
حلفت بعينيها لقد سفكت دمعي ... بأطراف فتان وألحاظ جؤذر وورد عليه يوما رسول " حسن الورد " ومعه قفص فيه طائر يغرد فأقرأه سلامها ورفع إليه القفص هدية منها، وجلس هو وصديقه يتحدثان عنها، وبين أيديهما ورد كثير نضير معلق من أغصانه، فقال:
стр. 196
ذكرت بالورد حسن الورد منبته ... حسنا وطيبا وعهدا غير مضمون
هيفاء لو بعت لرؤيتها ... بساعة لم أكن فيها بمغبون
كالبدر ركبه في الغصن خالقه ... فما ترى حين تبدو غير مفتون
فاشرب على ذكرها خمرا كريقتها ... وخصني بهواها حين تستني ويتبدى لنا هنا كيف أصبحت الصورة " لمحة " يسترسل بعدها الشاعر في تذكره وحنينه ووصف وجده وأشواقه، ولكن هذا المزج بين الغزل والمنظر والطبيعي اتجاه يشبه المزج بين الطبيعة والخمر، وإذا قارنا هذه اللمحات الخاطفة لدى المالقي بقصيدة لابن زيدون وجدنا ان المنظر الطبيعي دخل بقوة بناء الغزل الأندلسي وذلك في قصيدته (١) :
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا ... والأفق طلق ووجه الأرض راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنما رق فاعتل إشفاقا
نلهو بما يستميل العين من زهر ... جرى الندى فيه حتى مال أعناقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم ... كما حللت عن اللبات اطواقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقى ... بكت لما بي فسال الدمع رقراقا
يوم كأيام لذات لنا انصرمت ... بتنا لها حين نام الدهر سراقا فهذا التوازي بين منظر الطبيعة الضاحك المشرق وحال الحزين قد زاد في عمق المفارقة، ولم ينجح في اثارة الطبيعة للعطف على حاله حين ذكر اعتلال النسيم وتخيل بكاء الزهر بماء الندى إشفاقا ومشاركة له، لأنه أمعن في تصوير الاستبشار والنمو والتفتح في جنبات الطبيعة. غير انه وفق حين جعل من هذا المنظر الفريد صورة للماضي في ظل المحبوبة
стр. 197
" يوم كأيام لذات انصرمت " فكفل بذلك تحقيق المقارنة بين الماضي الذي جاء بكل شيء جميل والحاضر الذي جاء أيضاً بكل شيء جميل لولا غيابها:
لو كان وفى المنى في جمعنا بكم ... لكان من أطيب الأيام أخلاقا وقد ارتفع ابن زيدون في هذه القصيدة التي جلا فيها المنظر الطبيعي والعلاقة القائمة بينه وبين ماضيه على اللمحات التذكرية التي عالجها المالقي في مقطعاته الكثيرة، ومضى بالمزج بين الطبيعة والحب في إسهاب. إلا أن ابن زيدون لم يكن من شعراء الطبيعة، إذ لا نجد في ديوانه مواقف أخرى مشبهة لهذا الموقف في هذه القصيدة المتقدمة.
من ثم نرى كيف أصبح المنظر الطبيعي كالقاعدة أو " العامل الكيميائي المساعد " في القصيدة الأندلسية، فهو فاتحة القصيدة أو أساس يبنى عليه موضوع الخمر أو موضوع الحب، ولكن عنصر التشخيص فيه ظل ضعيفا؛ واستغله الوصافون وكتاب المقامات والتراجم وجعلوه قاعدة في السرد لا يقوم المنظر أو المقامة أو الترجمة دون وجوده، وأسرف الفتح ابن خاقان في هذا كل الإسراف حتى طغى المنظر الطبيعي على اكثر حكاياته في تراجم القلائد والمطمح، ونمثل على طريقته بقطعة نموذجية منه: " وأخبرني أنه دخل عليه في دار المزينة، والزهر يحسد إشراق مجلسه، والدر يحكي اطراد تأنسه، وقد رددت الطير شدوها، وجددت طربها وشجوها، والغصون قد التحفت بسندسها، والأزهار تحيي بطيبها تنفسها، والنسيم يلم بها فتضعه بين اجفانها، وتودعه أحاديث آذارها ونيسانها " (١) ومثل هذا كثير في نثر الفتح، وعلى هذا
стр. 198
أصبحت الاستعارة المستمدة من الطبيعة هي " ملكة " الاستعارات في الإنشاء النثري عند ابن خاقان وغيره من الكتاب.
وكأنما كانت هذه المظاهر من صلات بين الشعراء والطبيعة مقدمة لأبي إسحاق ابن خفاجه (٤٥١ - ٥٣٣) شاعر الطبيعة الأول في الأندلس وغيرها، في أدبنا العربي، فقد كانت مهمة هذا الشاعر تكثيف كل تلك المظاهر التي رأيناها موزعة عند الآخرين، فوصف لطلب الصورة، واتخاذ للطبيعة قاعدة للغزل والذكرى، وإجلال للاستعارة المستمدة من الطبيعة محل غيرها من استعارات، ووقوف عند المنظر الطبيعي لرسمه كله جزءا جزءا بغية الرسم.
إلا أن دور ابن خفاجة لم يقف عند هذا الحد إذ زاد في التشخيص وفي الرابطة العاطفية بينه وبين الطبيعة واعتمد وسائل فنية جديدة متصلة بملكات خاصة لديه، ولم يكتف بأن يربط الطبيعة بموضوع الحب ومجلس الخمر، بل ربطها بكل موضوع، وجعلها المتكأ الذي يستند إليه القول الشعري عامة: ربطها بموضوع الرثاء أولاً، ثم بموضوع الفناء والزهد عامة فبعث فيها المعاني الحزينة وتحدث إليها وتحدثت إليه، في صمتها أو حركتها، بمعاني العبرة؟ وإذا صدقنا التقدير نقضنا على أنفسنا القول بأنه شاعر الطبيعة وقلنا إنه كان يرى الطبيعة في إطار الفناء، وضمن إحساسه بالتغير، وحسه الدقيق بالصراع بينه وبين الزمن.
ولكن قبل ان نأخذ في تفسير هذا المظهر الكبير في تاريخ الشعر العربي نعود إلى حقائق أولية ضرورية لفهم شخصية ابن خفاجة وموقفه العام ونظرته إلى الحياة:
أما أولاً: فلا بد من أن يلتفت دارس حياة ابن خفاجة إلى تلك
стр. 199
الأخبار ذات الطابع الفريد في تصوير شخصيته، ومنها انه كان يغادر أحيانا منزله بجزيرة شقر وحيدا، ويمضي حتى إذا صار بين جبلين هناك وقف يصيح " يا إبراهيم، تموت! " فيردد الصدى كلماته، ثم يعيدها ويعود الصدى إلى ترديدها ويظل على هذه الحال حتى يخر مغشيا عليه (١) . وهذا يؤكد لنا موقفا " مرضيا " في خوفه من الموت وفي إحساسه بالزمن. ومن هذه المظاهر النفسية انه كان يذهب في جزيرة شقر إلى بائع الفاكهة فيساومه على شراء شيء مما عنده فإذا سمى له البائع عددا أو وزنا لفاكهة معينة نقده ما طلبه على شريطة أن ينتقي ما يريده بيده؟ أي لم يكن يرضى بشيء دون الانتقاء والاصطفاء، ولهذا فلا بد من أن يربط الدارس بين هذه الظاهرة وطبيعة شعره في مجموعه العام. وأمر آخر أحسبه ذا دلالة بعيدة في وضعه النفسي، وأعني بذلك انه ظل صرورة لم يتزوج قط (٢) . ولعلني أربط هذه الحقيقة بموقف دقيق ورد في إحدى قصائده (٣) ، وذلك هو تغزله في أمة له صغيرة تسمى عفراء، وفيها يتحسر انه أصبح ابن إحدى وخمسين سنة، وبينه وبين ان تكبر عفراء مدة من الزمان يغدو فيها عاجزا عن ذلك الخشف، أي يصبح امرءا لا يستطيع أن " يأكله عضا ويشربه لثما "؟ كما يقول في بعض شهره - ويتمنى:
فيا ليتني كنت ابن عشر وأربع ... فلم أدعها بنتا ولم تدعني عما ولا ريب في أن الدارس النفسي يفيد كثيرا من هذه الحقائق، كما
стр. 200
يفيد منها من يتأمل في شعر ابن خفاجة وصورة عامة.
وأما ثانيا: فان ابن خفاجة نشأ في عهد ملوك الطوائف فلم يمدح أحداً منهم وليس له في ديوانه إلا قصيدة واحدة في المعتصم ابن صمادح، وانه تذوق في حياته معنى الاكتفاء بصيغة كانت له يومئذ، حتى إذا أقبل عهد المرابطين وجدنا شعره يستفيض في مدحهم وتذكيرهم بأمره، وهو يتشبت بالبارزين من رجالهم. وفي هذا نجد في حياته مرحلتين: أولاهما توفره على المجون وحياة اللهو وتفترن هذه الفترة بالابتعاد عن ذوي السلطان، والثانية فترة توبته ونسكه، وهذه تتسم بشيء من إحساسه بالضعف البشري وتعلقه برجال الدولة، دون إراقة لماء الوجه في سؤال شيء من جهتهم. ولو كان الأمر كذلك فحسب لكان موقفه طبيعيا بسيطا، ولكن: لقد أقر ابن خفاجة بأن في حياته مرحلة من التوقف التام عن قول الشعر: " ولما انصدع ليل الشباب عن فجره، ورغب المشيب بنا عن هجره، نزلت عنه (أي الشعر) مركبا، وتبدلت به مذهبا، فأضربت عنه برهة من الزمان الطويلة، اضطراب راغب عنه زاهد فيه، حتى كأني ما سامرته جليسا، يشافهني أنيسا، ولا سايرته أليفا، يفاوهني لطيفا " (١) . ويتفق تاريخ عودته لقول الشعر مع دخول الأمير المرابطي أبي إسحاق إبراهيم بن أمير المسلمين وناصر الدين هاهنا أيضا حالة نفسية ذات أثر في الإبداع الفني، عانى كثير من الشعراء أمثالها، ولكن من اطلع على ديوان ابن خفاجة رأى قريحته وقد عادت تفيض فيضا بعد ذلك الأجيال؟ الذي زعم الشاعر انه كان إراديا -
стр. 201
وان أكثر مطولات قصائده إنما نظم في فترة انبعاث القريحة بعد ركودها وخمودها.
وثالثة هذه الملاحظ: أن المؤثرات الخارجية التي عملت في توجيه ابن خفاجة كانت مجزأة لدى سواه من الشعراء مجتمعة لديه، وربما كانت بعض المؤثرات غير متوفرة إلا عنده، فربما انفرد في تأثيره بعيد المحسن الصوري، في بناء القصيدة كلها على الجناس الناقص؟ إن تيسر ذلك - وربما كان أول شاعر أندلسي يقتفي خطوات الشريف الرضي ومهيار الديلمي في الإشارات إلى الأماكن النجدية والحجازية عند الغمغمة المبهمة بالمواجد الذاتية، وهو أول من أدرك؟ من الأندلسيين - طريقة أبي الطيب المتنبي في لف الغزل بالحماسة وحاكاها، ولعله؟ وإن لم يذكر ذلك - متأثر ببعض أشعار الصنوبري. وهاهنا نجد مؤثرات متفرقة قد جمعت معا، ولا بد من أن تدفع بمتلقيها إلى محاولة الاستقلال والإبداع وإلا ظل صدى لمن يحاكيهم.
وأما رابعا: فان ابن خفاجة نفسه كان يدرك شدة إلحاحه على الطبيعة واستغلاله لها في شعره، وكان هو نفسه حائرا في تفسير هذه النزعة المتمكنة، فهو يقول عن نفسه مستعملا ضمير الغائب: " إكثار هذا الرجل في شعره من وصف زهرة ونعت شجرة وجربة ماء ورنة طائر ما هو إلا لأنه كان جانحا إلى هذه الموصوفات لطبيعة فطر عليها وجبلة وإما لأن الجزيرة كانت داره ومنشأه وقراره؟. حتى غلب عليه حب ذلك الأمر، فصار قوله عن كلف لا تكلف، مع اقتناع قام مقام اتساع، فأغناه عن تبذل وانتجاع " (١) . فهو يرجح أن يكون حب
стр. 202
الطبيعة لديه أمرا في تركيبه وجبلته، فأن لم يكن كذلك فهو أثر من آثار البيئة الطبيعية الجميلة التي نشأ فيها. ثم اختار هذا المذهب؟ مستغنيا عن التكسب بالشعر - منقطعا الي رؤية الجمال في الطبيعة، كأنما هو يعتقد انه لو لم يفعل ذلك، ولم يكن قانعا بما لديه قانعا بما لديه من رزق، لاضطرته الحال إلى ان يكون كغيره من المنتجعين والجوابين.
وخامسا: أن شعره الذي حواه الديوان قد جمع في آخر حياته نزولا على رغبة بعض اخوانه: " وكان قد باد؟ أو كاد - لدثور رقاع مسوداته وأخلاق حواشي تعليقاته " (١) ، وانه عندما جمعه أجرى فيه تغيرات هامة وقام بإصلاحات: " إما لاستفادة معنى، أو لاستجادة مبنى "، واكبر عامل كان يسيطر عليه حينئذ شدة حساسيته بأن ينتقد الناس ملكه المجوني قبل توبته؛ وقد حاول ان يعتذر عن ذلك بأن الشعر قول يقصد منه التخيل ولا يعاب فيه الكذب. وهذه محاولة للتبرؤ من التهمة بأن ذلك الشعر يصور واقع حياته. غير أن ابن خفاجة كان منطلقا مع صبوته وسكرة شبابه، ولما صرح ابن خاقان بشيء من ذلك عن طبيعة صباه بعث إليه يلومه ويعاتبه.
وبعد هذه المقدمات نعود إلى تفسير الحقائق التي أجملناها حول موقف هذا الشاعر من الطبيعة وأبرزها صلة الطبيعة عنده بالعبرة أو بمشكلة الفناء التي كانت تلح على نفسيته إلحاحا يلحق بالمرض النفسي. وقد بلغ بها حدا تجاوز به كل ما قاله في شعر الطبيعة، فإذا اعتبرنا كثيرا من شعره محض تصوير، عددنا وقفته إزاء الطبيعة والفناء؟ مجتمعين - تفاعلا عاطفيا جديدا قائما على الرؤية العميقة وعلى التشخيص معا. ونميز في هذا
стр. 203
المقام ثلاث قصائد: اثنين قالهما في الجبل والثالثة في القمر، وإحدى القصيدتين في الجبل تغني عن أختها لما بينهما من تشابه، وتلك هي التي يقول فيها (١) :
وأرعن طماح الذؤابة باذخ ... يطاول أعنان السماء بغارب
يسد مهب الريح عن كل وجهة ... ويزخم ليلا شهبه بالمناكب
وقور على ظهر الفلاة كأنه ... طوال الليالي مطرق في العواقب فهذه صورة الجبل الذي يمثل الطموح والارتفاع والاعتراض والوقار الصامت الذي يشبه إطراق المتأمل، ثم يأخذ هذا الصامت في سرد ما مر به من مشاهد، فهو شخص آخر إزاء الشاعر يحدثه:
وقال ألا كم كنت ملجأ فاتك ... وموطن أواه تبتل نائب
وكم مر بي من مدلج ومؤوب ... وقال بظلي من مطي وراكب
ولاطم من نكب الرياح معاطفي ... وزاحم من خضر البحار جوانبي
فحتى متى أبقى ويظعن صاحب ... أودع منه راحلا غير آيب
وحتى متى أرعى الكواكب ساهرا ... فمن طالع أخرى الليالي وغارب
فرحماك يا مولاي دعوة ضارع ... يمد إلى نعماك راحة راغب
فأسمعني من وعظة كل عبرة ... يترجمها عنه لسان التجارب
فسلى بما أبكى، وسرى بما شجى ... وكان على ليل السرى خير صاحب
وقلت وقد نكبت عنه لطية ... سلام فانا من مقيم وذاهب ونرى أن إنسانية الجبل تتزايد تدريجيا في القصيدة، فإذا هو يمثل صورة أخرى من وقفة الشاعر نفسه، أو هو الشاعر نفسه، وهو لا يعبر عن طول الصمود ولذة الخلود، وإنما يعبر عن استثقاله للحياة، ووحدته
стр. 204
بعد ذهاب إخوانه، وكان بذلك يعبر عن " قيمة الموت " أي يهون وقعه على نفس الشاعر التي تفرق من الموت وتحاول الهرب من شبحه المخيف، وارتاح الشاعر حين بكى، ووجد في " أخيه "؟ أو صنوه - الجبل عزاء وودعه وهو أقوى نفسا على مواجهة مصيره.
وأما قصيدته في القمر فقد أثارتها في نفسه غربته، فجعل يتأمل هذه الدورة التي تعتري القمر بالنقصان والكمال، والاختفاء والظهور، وحفزه ذلك إلى مناجاة من " خلا بنفسه يفكر، ونظر نظر الموقف يعتبر "، ونسب هذه المناجاة إلى القمر نفسه فقال (١) :
لقد اصخت إلى نجواك من قمر ... وبت أدلج بين الوعي والنظر ولكن القمر ظل صامتا على خلاف الجبل الذي وجد فرصته في السرد والحديث، فاستمد الشاعر في هذه المرة عظة من الصمت:
وإن صمت ففي مرآك لي عظة ... قد أفصحت لي عنها ألسن العبر
تمر من ناقص حورا، ومكتمل ... كورا، ومن مرتق طورا، ومنحدر
والناس من معرض يلهى، وملتفت ... يرعى، ومن ذاهل ينسى، ومدكر
تلهو بساحات أقوام تحدثنا ... وقد مضوا فقضوا، انا على الاثر
فان بكيت، وقد بكي الجليد، فعن ... شجو يفجر عين الماء في الحجر فليس للمنظر الطبيعي؟ أعني القمر - من قيمة جمالية في نفس الشاعر، وإنما هناك هذه الصورة التي تربط بين الطبيعة وما تثيره من شعور بالفناء، وفي هذه الوقفة بكى الشاعر فرقا من الموت وخوفا على الحياة، ولم يجد العزاء في فناء القمر مثلما وجده في فناء الجبل.
стр. 205
ومرة واحدة حدثنا ابن خفاجة كيف أطال النظر في رمز الموت، وأظهر التجلد إزاء ذلك المنظر المفزع. لم يحدث ذلك وهو في السفينة " وقد فغر الحمام هناك فاه (١) ، وإنما حدث حين كان مسافرا مع صديقه عبد الجليل بن وهبون المرسي، وكانت الطريق مخوفة والعدو يتربص بالمسلمين، وباتا ليلتهما بلورقة، وتوجها في الصباح إلى المرية، وابن خفاجة يتسلى متجلدا، بذكر الأخبار وإنشاد الأشعار، وعبد الجليل من شدة فزعه لا يفهم ما يورده، ولا يعقل ما يسرده، حتى أشرفا على رأسين منصوبين على حجرين، فإذا ابن خفاجة يقترح ان بقولا في ذلك المنظر شعرا. هل هذا دليل قوة أو ضعف؟ هل كان ابن خفاجة يحاول ان يبدو طبيعيا وهو في فزع يطيش له لبه، أو كان متشجعا بمقدار ما أحس لدى رفيقه من فرق وفزع؟
وإذا تجاوز ابن خفاجة هذه الصلة المأساوية بينه وبين الطبيعة أصبحت الطبيعة عنده متكأ ومفترشا للموضوعات الأخرى فهي ذات علاقة بالممدوح في مثله قوله (٢) :
لذكرك ما عب الخليج يصفق ... وباسمك ما غنى الحمام المطوق
ومن أجلك اهتز القضيب على النقا ... وأشرق نوار الربى يتفق وقد يكون الفرد مرثيا فتنتحل الطبيعة حركة حزينة في قوله (٣) :
في كل ناد منك روض ثناء ... وبكل خد فيك جدول ماء
стр. 206
ولكل شخص هزة الغصن الندي ... تحت البكاء ورنة المكاء
يا مطلع الأنوار إن بمقلتي ... أسفا عليك لمطلع الأنواء فان لم تكن الطبيعة كذلك محض صورة؟ صورة للنهر أو للبحر أو للروضة أو غير ذلك. ويعتمد في رسم صورة على العنف الموسيقى والحركة وعلى دفقات من الإحساس الشهواني الخفي، وعل متراكبات من الاستعارات التي يصعب الوصل بينهما في وحدة واحدة، وبها يكتسب شعره نوعا من الغموض.
ومن السهل ان يميز دارس شعره تغلغل صورتين هامتين في كثير مما يرسمه، فواحدة هي صورة البحر، وثانية هي صورة الفرس وبين الصورتين شبه في القوة والعنف والحيوية والتوثب، وبينهما علاقة ترتبط بوضعه الجنسي. واكتفي هنا بإيراد بعض الأمثلة:
١ - وساق لخيل اللحظ في بعض حسنه ... جماح وبالصبر الجميل حران
٢ - لاطمت لجنة بموجة أشهب ... يرمي بها بحر الظلام فيرتمي
٣ - بحيث خيل اللثم مطرودة ... تحت لواء الحسن منشورا
٤ - والكاس طرف أشقر قد جال في ... عرق علاه من الحباب يسيل
٥ - وأسبح في بحر الشكاة لعلني ... سأعلق يوما من نجاة بساحل
٦ - وبمعطفيه للشبيبة منهل ... قد شف عنه من القميص سراب
٧ - ففي ناظري لليل مربط أدهم ... وفي وجنتي للدمع أشهب بجمح وهذا مقدار يسير من الصور، وربما لم يعز على أي قارئ لديوانه أن يجد أضعاف ذلك. وهو شيء يتحد مع العنف الذي ينتحيه في التصوير عامة. فهو لا يحب ان يقف كثيرا عند الصور الهادئة وإنما يميل إلى وصف الذئب والنار والنهر المتدفق وعاصف البرد والخرق
стр. 207
المخوف والجواد الطائر والكلب الذي يجري وراء الطريدة والمجلس الصاخب والشجرة التي تهزها الريح حتى تكاد تقتلعها والبحر في هياجه والحية وهي تتلوى، وكلها صور تستدعي الانفعال والحركة الشديدة والجيشان: فالبرد حاصب كأنه عذاب ذائب تضحك له الأرض والجو جهم قاطب، والفرس يمزق ثوب العجاجة، ونقدح منه الهيجاء بارقا ملتهبا، فكأنه نجم ثاقب يرمي شيطان العدا، أو شعلة نار تكاد تحرق فحمة الليل، والكلب كاشر عن نصاله لو تعاطى سبق البرق لسبقه؛ والثعبان إذا استطار به النجاء نيزك، وهو يتلوى بيد الهاجرة كأنه سوط خافق. ويفضل الشاعر ان يصف البازي ويؤثر على ذلك على وصف الحمامة، فإذا وصفها جعلها معولة ترن. وقد تكون السحابة ثقيلة بطيئة الحركة ولكنها مع ذلك " يدوس " الظلماء، وهو لا يزور الغاب أو يمشي في أرجائه وإنما " يخبطه "، والرياح لا تهب وإنما " تنقض ذوائبها " إلى غير ذلك من صور كبيرة عنيفة.
فإذا كان المنظر بطبيعته هادئا لا تحتمل الصور التي يوحي بها عنفا لجأ الشاعر في تصويره إلى استخدام الموسيقى العنيفة كقوله في وصف متفرج (١) :
وصقيلة النوار تلوي عطفها ... ريح تلف فروعها معطار
عاطى بها الصهباء أحوى أحور ... سحاب أذيال الصبا سحار
والنور عقد والغصون سوالف ... والجزع زند والخليج سوار
بحديقة مثل اللمى ضلا بها ... وتطلعت شنبا بها الأنوار
стр. 208
رقص القضيب بها وقد شرب الثرى ... وشدا الحمام وصفق التيار
غناء الحف عطفها ورق الندى ... والتف في جنباتها النوار
فتطلعت في كل موقع لحظة ... من كل غصن صفحة وعذار ولعل هذا العنف جمعته إلى رؤية البحر والحصان، وقرنته بالصور الجنسية الكثيرة من مثل " واهتز ردفا مائج التيار " دل على تعويض جنسي. فابن خفاجة غريق أو شبه غريق، ولا ينجيه من هذا البحر الذي يراه مصورا في كل ناحية إلا ذلك الجواد الطائر الذي يرتفع به على الأوضاع الجنسية في الحياة. وهو في حالته تلك في " شبه رؤية " تتراقص الأشياء أمام عينيه كأنه ثمل، ولذلك فانه في اكثر موقفه يكون في وضع مسط بين اليقظة والنوم، فرؤيته تجييل، أو كما هو " بين الواعي والنظر " ويعبر عن ذلك بقوله:
اقلب عين الرأي طورا فاجتلي ... ويعمى علي الأمر طورا فافحص ويحدثنا ابن خاقان نقلا عنه " أنه نام فرأى أنه مستيقظ وجعل يفكر فيما مضى من شبابه " (١) . ولكنه لا يقول كذلك في ديوانه وإنما يقول (أرقت فتلددت أنظر في أعقاب ما مضى من عمري؟ فقلت (٢) (وعند ابن خاقان أنه استيقظ وهو يقول) :
ألا ساجل دموعي يا غمام ... وطارحني بشجوك يا حمام
فقد وفيتها ستين حولا ... ونادتني ورائي هل أمام ويعلق على ذلك بقوله: " فما كان إلا أن صرخت عويلا، وانتحبت
стр. 209
طويلا، حتى أيقظت من كان إلى جانبي ضجيعا، وزدت فكدت أحيل الدمع ضجيعا ". وغني عن البيان أن الرؤية التي يرويها عن نفسه (وابن خاقان أدق في روايتها لأن ابن خفاجة كان يخرج من ذكر الحقيقة) تمثل تصوره لهذا " الفرق " الذي كان يجعله مضطرب الرؤية.
وربما كان هذا الاضطراب في الرؤية وهي الذي كان يحمله على تنويع الألوان في القصيدة، فالدنيا؟ دائما - تمثل له مجموعة من الألوان، وكل منها يجذب نظرة، وهو متحير مترجرج النظرة، حينا يبصر هذا اللون وحينا يبصر ذاك. ومع ذلك فعلينا ان نحتكم ونحن ندرس شعره إلى ما قد أسميه " قياس العادة " فقد مرنت نفسه على صور تعودها فهو يكررها ويرددها، والسر في تكرارها لا في تعودها.
تلك هي الذروة التي وصلها شعر الطبيعة في الأندلس، ومردها في الأكثر إلى التكوين النفسي للفرد الذي مارس هذا اللون من الشعر؛ وقد كان الموشح مجالا لشعر الطبيعة، غير أن قيود النغمة قد حرمته من الانطلاق الذي بلغه ابن خفاجة وقصرت همته على الصورة الجميلة، إلا بعض الألوان الجديدة في " صبوحيات " ابن زمرك، وهي مما يقع في غير هذا العصر.
стр. 210
الموشحات الأندلسية
١ - كلمة تمهيدية:
لو تأملنا ما سبق في دراسة تطور الأدب الأندلسي لرأينا أن الشعر اتجه إلى طريقة العرب في مقاومة الاتجاه الحضاري، وان الشاعر اختار أحضان الزهد أو أحضان الطبيعة إعلاناً عن مقاومته لإسراف المسرفين في الكدية والمدائح، وازدوجت الطريق بالغزل فإذا هو ينقسم انقساما فنيا وخلقيا معا بين غزل مكشوف وآخر بأسباب العفاف، وسرت في الأدب طبيعة ذلك الازدواج حين انقسم بين عصبية للعرب وعصبية ضدهم. وفي وقفة مع المد والجزر في حركة التاريخ الأندلسي وتصويره لقوى التقدم والتراجع كان أيضا مشدودا إلى التفاؤل حينا وإلى اليأس والبكاء حينا آخر.
ولنمض بهذه الصورة المزدوجة خطوة أخرى: حين سارت القصيدة الأندلسية في " طريقة العرب " كانت بعثا للجزالة والتدفق في الأسلوب
стр. 211
وحين سارت في طريق المحدثين اكتظت بالصور أو انتحلت بعدا فكريا جديدا، فآثرت الانسياق في بعض التيارات الفلسفية وفي كل هذه الأحوال فقدت غير قليل من الغنائية الشفافة الرقيقة، وكان لا بد من توازن يحفظ التوازي، ولذلك اتسع نطاق الموشح لتتسع الناحية الغنائية، فالموشح بهذا المعنى ثورة على طبيعة القصيدة فهو حركة تجديدية؛ وهو أيضا رجعة إلى الغنائية من وجهة أخرى، أي هو زخرف حضاري قد ينطوي على كل مقومات السطحية الجذابة والترف المسترخي.
٢ - مصادر الموشحات:
ويبدو ان الموشحات نالت تقدير الأندلسيين منذ البداية، حتى تقدير كثير من المحافظين في أذواقهم، وهذا ابن بسام كان يرى أنها " تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب " (١) . ولكنها لم تصبح موضع تقييد وتدوين في فترة مبكرة، بل ظلت تسمع وتتناقل شفاها، فابن بسام لا يدرج منها شيئا في كتابه بل يقول: " وأوازن هذه الموشحات خارجة عن غرض هذا الديوان إذ أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب " (٢) . والفتح ابن خاقان يسكت عن ذكرها حتى في تراجم من شهر بها كابن اللبانة وابن باجة، كأنما هو لم يعرفها ولم يسمع بها، وكذلك فعل غيره من كتاب التراجم. وإذا صح أن ابن عبد ربه عرف نظم الموشحات فانه قد أهملها إهمالاً تاما في العقد، مع انه هنالك أورد لنفسه أشعارا كثيرة. وقد ظلت الموشحات فنا " مسموعا " يقدره كل من سمعه حق قدره ولا يحاول تسجيله في الكتب حتى لنجد عبد
стр. 212
الواحد المراكشي في القرن السابع يقول بعد الثناء على ابن زهر: " ولولا ان العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة لأوردت له بعض ما بقي على خاطري من ذلك " (١) .
ولكن المراكشي لم يكن يدري، في ذلك التاريخ، أن تلك القاعدة قد اهتزت وتضعضع العرف المتبع إذ أن الحجاري صاحب المسهب ربما كان أول من خرج على مضمون تلك القاعدة، فاعتنى بتاريخ الموشحات. ولكن ظل مؤرخو الأدب يتفاوتون في هذه المسألة، فمنهم من يجمع بين الموشح والشعر في كتاب واحد، ومنهم من يرى افراد الموشحات في كتاب مستقل. ففي القرن السادس خصص علي بن إبراهيم بن محمد ابن عيسى بن سعد الخير البلنسي (- ٥٢٥) للوشاحين في الأندلس كتابا سماه " مشاهير الموشحين بالأندلس " أو " نزهة الأنفس وروضة التأنس في توشيح أهل الأندلس " (٢) وهم عشرون رجلا ذكرهم بحلاهم ومحاسنهم على طريقة الفتح في المطمح والقلائد وابن بسام في الذخيرة وابن الإمام في سمط الجمان (٣) . ولما كتب ابن جبير مرائيه في زوجه عاتكة أم المجد بنت الوزير الوقشي وسماه " نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح " جعل قريبا من آخره خمس موشحات في رثائها، فجمع في ديوانه بين الشعر والموشح واستمرت هذه الطريقة في الجمع بين الفنين من بعد.
وفي القرن السابع عاش ابن سعيد، وإلى هذا الرجل وإلى أبيه من قبله يعزى فضل كبير في تقيد الموشحات والتحدث عن أصحابها، فقد
стр. 213
خصص ابن سعيد " أهداب " كتاب المغرب للموشحات والأزجال، ونقل في كتابه " المقتطف من ازاهر الطرف " تلك القطعة التي كتبها الحجاري في المسهب عن الموشحات.
وفي القرن الثامن نجد ابن خاتمة يتحدث عن الموشح وبعض الوشاحين في كتابه " مزية المرية " وابن الخطيب يجمع في الموشحات كتابا يسميه " جيش التوشيح " فيختار فيه لائمة الوشاحين مثل ابن بقي وابن اللبانة والأعمى التطيلي وعبادة القزاز وغيرهم. وفي ذلك القرن نفسه كتب ابن خلدون في مقدمته فصلا عن الموشحات نقل فيه ما قاله ابن سعيد في " المقتطف " وعنه نقله المقري في أزهار الرياض، وابى المقري على من سبقه حين أورد أمثلة كثيرة من الموشحات في كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض. وهناك كتاب بعنوان " عدة الجليس ومؤانسة الوزير والرئيس " لعلي بن بشرى الغرناطي وهو متأخر عن ابن الخطيب لأنه يورد من موشحات ابن الخطيب نفسه في كتابه، غير ان كثيرا من الموشحات التي أوردها لناس مجهولين.
هذا ما كان من الاهتمام بالموشح في المغرب، أما في المشرق فإن ابن سناء الملك كان أول من كتب بحثا قيما عن الموشح، شفعه بمختارات من الموشحان الأندلسية ومن موشحات نظمها هو، وسماه " دار الطراز " ثم جاء صفي الدين الحلي فكتب " العاطل الحالي " ودرس في قسم منه فن الزجل وعرج على الموشحات في بعض المواطن. وقد أبدى ابن أبي أصيبعة اهتماما خاصا بموشحات ابن زهر فأورد منها عددا في كتابه " عيون الأنباء في طبقات الأطباء ".
стр. 214
٣ - سبب التسمية:
زعم بعض المتأخرين (١) حين حاولوا تعليل هذه التسمية أنها مشتقة من " الوشاح " وهو حسبما تقوله المعاجم: " كرسان لؤلؤ وجوهر منظومان مخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر " ولعل هذا الفهم متصل بالمراوحة في الموشح بين ما سمي الاقفال والأغصان، وهذه هي صفة الوشاح لكنها ليست صفة الشيء الموشح، إذ الموشح يعني " المعلم " بلون أو خط يخالف سائر لونه أو الثوب حين تكون فيه توشية أو زخرفة. وهذا هو الأشبه؟ في نظري - لنشأة هذه التسمية فقد تصور الأندلسيون هذا النوع من النظم كرقعة الثوب وفيه خطوط " أو سمها أغصانا " تنتظمه أفقياً أو عموديا، فالأصل فيه وحدات كبيرة هي الأشطار، وقد جزئت أجزاء صغيرة فأصبحت أشطارا أصغر من أشطار القصيدة، فهي قد تولدت وتتابعت تتابع النقش. ولقد يوضح هذه التسمية اصطلاح آخر اخترعه أحد النقاد الأندلسيين وهو يتحدث عن نوع من النثر وذلك هو اصطلاح " المغصن " الذي استعمله ابن عبد الغفور في كتاب " إحكام صنعة الكلام "؟ كما مرت الإشارة إلى ذلك - وقد سماه كذلك لأنه ذو فروع وتولد، ومثاله الذي اقتبسناه في فصل سابق: " وقد يكون من النعم والإحسان ما يصدر عن الفم واللسان، ومن النعماء والمعروف ما يسر بالأسماء والحروف ". فالتغصين في رأيه هو المقابلة بين " النعم الفم، الإحسان اللسان، النعماء الأسماء، المعروف الحروف، وهو ترتيب تفريعي كما ترى ذو شبه
стр. 215
بالتوشيح، أي هو تجزئة في وحدتين أو ثلاث أو أكثر، ومقابلة هذه الوحدات بأخرى شبيهة بها. فالموشح في الشعر ذو أغصان، والمغصن في النثر ذو فروع وأغصان كذلك. وهذا التفريغ؟ أو التخطيط المجزأ - هو سبب التسمية في كل منهما. ويزداد الأمر وضوحا إذ ذكرنا قول ابن بسام في وصف نشأة الموشحات أنها كانت تعتمد على لفظ عامي أو عجمي من غير " تضمين فيها ولا أغصان " فالتضمين هو هذه التجزئة أو التغصين بالمقابلة بين الأجزاء الصغيرة في نطاق رقعة واحدة، أي ان التضمين هو صف الجزيئات التي تكون كلا واحدا. وعلى ذلك يمكن أن نقول أن ألفاظ: التوشيح، والتضمين، والتغصين (أو الموشح والمضمن والمغصن) تشير جميعا إلى عملية واحدة. أضف إليها لفظة أخرى هي التسميط (أو المسمط) وتعني الانتظام في صفوف غير أن ولوع الأندلسيين بذكر المجوهرات والحلي وصنوف الزينة في مؤلفاتهم وأسمائها صرف الذهن إلى معنى التراوح بين الجوهر واللؤلؤ في تركيب الوشاح وهو من حيث الشكل لا يوحي بترتيب المنظومة التي سميت الموشحة.
٤ - نشأة الموشحات:
يفهم من كلام لابن خلدون ان التوشيح سابق لفن الزجل اذ يقول: " ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير ان يلتزموا فيها اعرابا، واستحدثوه فنا سموه الزجل " (١) . وهذا قول يستدعي توقفا ومراجعة،