وحين سارت في طريق المحدثين اكتظت بالصور أو انتحلت بعدا فكريا جديدا، فآثرت الانسياق في بعض التيارات الفلسفية وفي كل هذه الأحوال فقدت غير قليل من الغنائية الشفافة الرقيقة، وكان لا بد من توازن يحفظ التوازي، ولذلك اتسع نطاق الموشح لتتسع الناحية الغنائية، فالموشح بهذا المعنى ثورة على طبيعة القصيدة فهو حركة تجديدية؛ وهو أيضا رجعة إلى الغنائية من وجهة أخرى، أي هو زخرف حضاري قد ينطوي على كل مقومات السطحية الجذابة والترف المسترخي.
٢ - مصادر الموشحات:
ويبدو ان الموشحات نالت تقدير الأندلسيين منذ البداية، حتى تقدير كثير من المحافظين في أذواقهم، وهذا ابن بسام كان يرى أنها " تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب " (١) . ولكنها لم تصبح موضع تقييد وتدوين في فترة مبكرة، بل ظلت تسمع وتتناقل شفاها، فابن بسام لا يدرج منها شيئا في كتابه بل يقول: " وأوازن هذه الموشحات خارجة عن غرض هذا الديوان إذ أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب " (٢) . والفتح ابن خاقان يسكت عن ذكرها حتى في تراجم من شهر بها كابن اللبانة وابن باجة، كأنما هو لم يعرفها ولم يسمع بها، وكذلك فعل غيره من كتاب التراجم. وإذا صح أن ابن عبد ربه عرف نظم الموشحات فانه قد أهملها إهمالاً تاما في العقد، مع انه هنالك أورد لنفسه أشعارا كثيرة. وقد ظلت الموشحات فنا " مسموعا " يقدره كل من سمعه حق قدره ولا يحاول تسجيله في الكتب حتى لنجد عبد
стр. 212
الواحد المراكشي في القرن السابع يقول بعد الثناء على ابن زهر: " ولولا ان العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة لأوردت له بعض ما بقي على خاطري من ذلك " (١) .
ولكن المراكشي لم يكن يدري، في ذلك التاريخ، أن تلك القاعدة قد اهتزت وتضعضع العرف المتبع إذ أن الحجاري صاحب المسهب ربما كان أول من خرج على مضمون تلك القاعدة، فاعتنى بتاريخ الموشحات. ولكن ظل مؤرخو الأدب يتفاوتون في هذه المسألة، فمنهم من يجمع بين الموشح والشعر في كتاب واحد، ومنهم من يرى افراد الموشحات في كتاب مستقل. ففي القرن السادس خصص علي بن إبراهيم بن محمد ابن عيسى بن سعد الخير البلنسي (- ٥٢٥) للوشاحين في الأندلس كتابا سماه " مشاهير الموشحين بالأندلس " أو " نزهة الأنفس وروضة التأنس في توشيح أهل الأندلس " (٢) وهم عشرون رجلا ذكرهم بحلاهم ومحاسنهم على طريقة الفتح في المطمح والقلائد وابن بسام في الذخيرة وابن الإمام في سمط الجمان (٣) . ولما كتب ابن جبير مرائيه في زوجه عاتكة أم المجد بنت الوزير الوقشي وسماه " نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح " جعل قريبا من آخره خمس موشحات في رثائها، فجمع في ديوانه بين الشعر والموشح واستمرت هذه الطريقة في الجمع بين الفنين من بعد.
وفي القرن السابع عاش ابن سعيد، وإلى هذا الرجل وإلى أبيه من قبله يعزى فضل كبير في تقيد الموشحات والتحدث عن أصحابها، فقد
стр. 213
خصص ابن سعيد " أهداب " كتاب المغرب للموشحات والأزجال، ونقل في كتابه " المقتطف من ازاهر الطرف " تلك القطعة التي كتبها الحجاري في المسهب عن الموشحات.
وفي القرن الثامن نجد ابن خاتمة يتحدث عن الموشح وبعض الوشاحين في كتابه " مزية المرية " وابن الخطيب يجمع في الموشحات كتابا يسميه " جيش التوشيح " فيختار فيه لائمة الوشاحين مثل ابن بقي وابن اللبانة والأعمى التطيلي وعبادة القزاز وغيرهم. وفي ذلك القرن نفسه كتب ابن خلدون في مقدمته فصلا عن الموشحات نقل فيه ما قاله ابن سعيد في " المقتطف " وعنه نقله المقري في أزهار الرياض، وابى المقري على من سبقه حين أورد أمثلة كثيرة من الموشحات في كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض. وهناك كتاب بعنوان " عدة الجليس ومؤانسة الوزير والرئيس " لعلي بن بشرى الغرناطي وهو متأخر عن ابن الخطيب لأنه يورد من موشحات ابن الخطيب نفسه في كتابه، غير ان كثيرا من الموشحات التي أوردها لناس مجهولين.
هذا ما كان من الاهتمام بالموشح في المغرب، أما في المشرق فإن ابن سناء الملك كان أول من كتب بحثا قيما عن الموشح، شفعه بمختارات من الموشحان الأندلسية ومن موشحات نظمها هو، وسماه " دار الطراز " ثم جاء صفي الدين الحلي فكتب " العاطل الحالي " ودرس في قسم منه فن الزجل وعرج على الموشحات في بعض المواطن. وقد أبدى ابن أبي أصيبعة اهتماما خاصا بموشحات ابن زهر فأورد منها عددا في كتابه " عيون الأنباء في طبقات الأطباء ".
стр. 214
٣ - سبب التسمية:
زعم بعض المتأخرين (١) حين حاولوا تعليل هذه التسمية أنها مشتقة من " الوشاح " وهو حسبما تقوله المعاجم: " كرسان لؤلؤ وجوهر منظومان مخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر " ولعل هذا الفهم متصل بالمراوحة في الموشح بين ما سمي الاقفال والأغصان، وهذه هي صفة الوشاح لكنها ليست صفة الشيء الموشح، إذ الموشح يعني " المعلم " بلون أو خط يخالف سائر لونه أو الثوب حين تكون فيه توشية أو زخرفة. وهذا هو الأشبه؟ في نظري - لنشأة هذه التسمية فقد تصور الأندلسيون هذا النوع من النظم كرقعة الثوب وفيه خطوط " أو سمها أغصانا " تنتظمه أفقياً أو عموديا، فالأصل فيه وحدات كبيرة هي الأشطار، وقد جزئت أجزاء صغيرة فأصبحت أشطارا أصغر من أشطار القصيدة، فهي قد تولدت وتتابعت تتابع النقش. ولقد يوضح هذه التسمية اصطلاح آخر اخترعه أحد النقاد الأندلسيين وهو يتحدث عن نوع من النثر وذلك هو اصطلاح " المغصن " الذي استعمله ابن عبد الغفور في كتاب " إحكام صنعة الكلام "؟ كما مرت الإشارة إلى ذلك - وقد سماه كذلك لأنه ذو فروع وتولد، ومثاله الذي اقتبسناه في فصل سابق: " وقد يكون من النعم والإحسان ما يصدر عن الفم واللسان، ومن النعماء والمعروف ما يسر بالأسماء والحروف ". فالتغصين في رأيه هو المقابلة بين " النعم الفم، الإحسان اللسان، النعماء الأسماء، المعروف الحروف، وهو ترتيب تفريعي كما ترى ذو شبه
стр. 215
بالتوشيح، أي هو تجزئة في وحدتين أو ثلاث أو أكثر، ومقابلة هذه الوحدات بأخرى شبيهة بها. فالموشح في الشعر ذو أغصان، والمغصن في النثر ذو فروع وأغصان كذلك. وهذا التفريغ؟ أو التخطيط المجزأ - هو سبب التسمية في كل منهما. ويزداد الأمر وضوحا إذ ذكرنا قول ابن بسام في وصف نشأة الموشحات أنها كانت تعتمد على لفظ عامي أو عجمي من غير " تضمين فيها ولا أغصان " فالتضمين هو هذه التجزئة أو التغصين بالمقابلة بين الأجزاء الصغيرة في نطاق رقعة واحدة، أي ان التضمين هو صف الجزيئات التي تكون كلا واحدا. وعلى ذلك يمكن أن نقول أن ألفاظ: التوشيح، والتضمين، والتغصين (أو الموشح والمضمن والمغصن) تشير جميعا إلى عملية واحدة. أضف إليها لفظة أخرى هي التسميط (أو المسمط) وتعني الانتظام في صفوف غير أن ولوع الأندلسيين بذكر المجوهرات والحلي وصنوف الزينة في مؤلفاتهم وأسمائها صرف الذهن إلى معنى التراوح بين الجوهر واللؤلؤ في تركيب الوشاح وهو من حيث الشكل لا يوحي بترتيب المنظومة التي سميت الموشحة.
٤ - نشأة الموشحات:
يفهم من كلام لابن خلدون ان التوشيح سابق لفن الزجل اذ يقول: " ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير ان يلتزموا فيها اعرابا، واستحدثوه فنا سموه الزجل " (١) . وهذا قول يستدعي توقفا ومراجعة،
стр. 216
فان استقراء الأشياء في وضعها الطبيعي قد يرده وينقصه، ذلك أننا إذا سلمنا بأن الموشح إنما نشأ حول مركز " عامي " أو " أعجمي " فيجب أن نفترض أيضا أن هذا المركز " العامي " إنما كان في الغالب جزءا من أغنية عربية (بلغة العامة) ، وان المركز الأعجمي إنما كان في الغالب جزءا من أغنية أعجمية (باللغة الأسبانية القديمة) . ومعنى هذا ان الأغنية العامية والأغنية العجمية؟ والثانية منهما على وجه التأكيد - وجدنا قبل قيام رجل جريء يدير المنظومة الفصحى على مركز يمثل إحداهما. وتقتضي طبيعة الأشياء ان يكون نشوة الأغنية العامية (بالعربية) سابقا على الموشحة لأن تقليد الأغاني الأعجمية؟ بسياق عامي - اسهل، إذ التسكين في الكلمات المنطوقة بالعامية يحيل النغمة والإيقاع عن الوزن العروضي في الشعر الفصيح ويجعلهما قريبي الشبه بالنغمة في اللغات الأوربية غير المعربة أو القليلة الإعراب. فالزجل بمعناه العام نشأ أولا تقليدا لأغاني السكان الأصليين وبخاصة حين اختلط الفريقان في المدن واشتركوا في إقامة الأعراس والحفلات واحتاجوا الأغاني الشعبية التي يرددونها في تلك الحفلات وفي مواسم العصير وأيام القطاف. ثم جاءت الخطوة التالية وهي محاولة للتقريب بين الشعر المنظوم باللغة الفصحى وبين تلك الأغاني الشعبية التي أصبح النساء والصبيان وطبقات أهل الحرف والعمال يرددونها باللغة الدارجة العربية، دون أن يصفوها تماما من الألفاظ الأعجمية التي اقتبسوها من جيرانهم ومخالطيهم، ودرجت على ألسنتهم فأصبحت جزءا من لغتهم. ولم يكن لهذا الزجل أرباب مميزون بأسمائهم، لأنه كان وليد الجماعة الشعبية، فلم يكن ينسب لهذا الناظم أو ذاك، وهذا شيء نألفه في أغاني الريف وبعض أغاني الحضر التي يرددها الناس دون ان يهمهم كيف نشأت ومن هو الذي أنشأها. وكان هناك خط فاصل بين هذه الحركة
стр. 217
وبين الغناء في الطبقات العليا وفي القصور، فقد كانت البيئة الأرستقراطية لا تزال تعيش على الشعر الفصيح والألحان الموضوعة له، ولم ينل الزجل اعتراف هذه الطبقة رسميا، كما انه لم ينل من جهود المثقفين ما يكفل له التسجيل إلا بعد أن ظهر الموشح نفسه، واصبح مادة غنائية خصبة، وكان ذلك في دور متأخر نسبيا. وليس لنا أن نعجب من ذلك، فان الموشح نفسه قد لقي شيئا من عدم الاعتراف التدويني؟ مؤقتا -، ومن ثم كان قول ابن خلدون مبنيا على هذا المعنى نفسه، وهو أن الموشح وجد القبول " الرسمي " قبل الزجل، ولكنا يجب ان نفرق بين النشأة نفسها وبين وضوح كل فن من الفنين وانهزام روح المحافظة إزاءه.
وإذا كانت الأغنية الشعبية عاملا من عوامل الانفتاح الذهني على هذا الكشف الجديد الذي سمي " الموشح " فيجب ألا نعدها العامل الوحيد في تهيئة ذلك، إذ نعتقد أن هناك عاملين قويين شاركا الأغنية الشعبية في خلق الموشح: أما أحد العاملين فهو التجديد الموسيقي الذي أدخله زرياب؟ ومن بعده تلامذته - في الألحان بالأندلس. فقد ذكرنا في كتاب سابق أن هذا الموسيقار زاد في أوتار العود وترا خامسا " فاكتسب به عودة ألطف معنى وأكمل فائدة " إذ وضعه تحت المثلث وفوق المثنى. ولم يكن هذا هو كل ما قام به من تغير فأنه جعل الغناء منازل، فكان كل من افتتح الغناء يبدأ بالنشيد أول شدوه، بأي نقر كان، ويأتي إثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والأهزاج، تبعا لمواسيم زرياب (١) وارى ان المصادر سكتت عن شيء في هذا التطور، وهو ان كل مغن استقل؟ في المجلس الغنائي الواحد - بواحد من هذه الألحان، فواحد يفتتح بالنشيد وثان، أو جوق، يأخذ في البسيط، والثالث؟ أو جماعة
стр. 218
آخرون - بالهزج. وهذا التنويع يقتضي عدة قصائد غنائية مختلفة الأوزان، أو يقتضي؟ وهذا أهم - تنويعا في النغمات التي تقوم عليها القصيدة الواحدة؛ والموشح، أو شكل ما يشبهه، قد يكفل مثل هذا التنويع. واعتقد أن الأستاذ فؤاد رجائي كان على صواف حين أشار إلى هذا العامل في نشأة الموشح، وأراد قد وفق حين تنبه إلى الصلة بين تغير النظرية الموسيقية؟ أو أجزائها - وبين الحاجة الناشئة عن ذلك (١) . فأننا إذا قرنا هذه الحاجة الغنائية إلى أثر الأغنية الشعبية نفسها وجدنا أن العاملين معا كانا قويين في استدعاء الموشح أو شكل غنائي جديد يشبهه.
وأما العامل الثاني؟ وبه تصبح العلل في نشأة الموشح ثلاثا - فهو التفنن العرضي، ويقترن هذا التفنن بذلك الفتح المبكر الذي أوجده ابن عبد ربه في البيئة الأندلسية برسم الدوائر العرضية واستخراج فروع الوزن الواحد منها؟ في كتاب العقد -؛ وأنا أعتقد ان هذا النوع أصبح ألهية المثقفين بالثقافة الأدبية يومئذ، وأصبح المتأدبون يمتحنون مقدرتهم ببناء الأشطار على غير ما ألف وشاع من أوزان. ومما يؤكد ان اتجاه هؤلاء مضى لاستيفاء ما اعرض عنه الخليل بن احمد قول ابن بسام في نشأة الموشحات: " وكان [أي القبري] يضعها على أشطار الأشعار غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة " (٢) لماذا جربوا الأعاريض المهملة التي يألفها الذوق العام في المشرق ثم في المغرب؟ هنا تبرز خاصية الامتحان للقدرة والميل إلى الابتداع معا، فتلك الأعاريض المهملة كانت معروفة مقررة التفاعيل ولكنها لم تدرج على الألسنة، ووافق هذا الاتجاه قدرة التلاحين على ان تخفف من
стр. 219
ثبوتها على الأسماع، فاعتمدنا بعض المنشئين والناظمين إظهارا للمقدرة وطلبا للتنويع وتشجيعا على الجدة في النغمات. وكانت قد ظهرت في الشرق أوزان مجزوءة في شعر أبي نؤاس وأبي العتاهية وأبان اللاحقي وغيرهم، من مثل:
موسى المطر غيث البكر ... ثم أنهمر ألوى المرر
كم أعتسر ثم ايتسر ... وكم قدر ثم غفر فلفتت إليها أنظار هؤلاء المتفننين العروضيين، فأعلموا مقدرتكم على الاستخراج والمقارنة.
وقبل ان أمضي قدما أحب أن أقف عند قول ابن سناء الملك: " وأكثرها مبني على تأليف الأرغن، والغناء بها على غير الأرغن مستعار وفي سواه مجاز (١) "، فذا القول قد ينقض ما قلته عن تنغيمات العود التي استحدثها زرباب. وانا أرى ان ابن سناء الملك قد يكون واهما أو مغاليا، لأن الأرغن ليس بالالة السهلة التي يمكن اقتناؤها، إذا تصورنا مدى شيوع الموشح في الزمن، وإما ان يكون تنغيمها على الأرغن هو أوفق ضروب التلحين لها، وهذا يمثل دورا تاليا لدور نشأتها اكتشف من بعد. والحقيقة التي تبقى ثابتة هي صلة الموشح بالغناء لأن الغناء هو سهل على الوشاح ركوب الاعاريض الملهمة، إذ الغناء هو الذي يحدث التناسب المفقود بالمد والقصر والزيادة والخطف، وقد حدثنا ابن سناء الملك نفسه أن بعض الموشحات لا تتم نغماتها إلا بزيادة نغمية فيها مثل قول ابن بقي:
من طالب ثأر قتلى ظبيات الحدوج ... فتانات الحجيج فأن التلحين لا يستقيم إلا بأن يقول المغني: " لا لا " بين الجزءين
стр. 220
الجيميين من هذا القفل (١) .
وإذ قد بلغت هذا من الحد من تقرير العوامل الثلاثة - مجتمعة - في نشأة الموشح أراني أتقدم إلى تصحيح الأخطاء التي لا بست تلك النشأة، ومن تلك الأخطاء افتراض أن المسمطات كانت هي الأساس الذي انبثق عنه الموشح. نعم ربما كان للأشكال المشرقية المخترعة اثر ما في المقايسة ولكن التاريخ التقديري لنشأة الموشح سابق على شيوع التسميط، كما فهمه المشارقة؛ وإذا نحن درسنا المسمط في الأندلس وجدنا انه واكب عصر أزهار الموشح، واكثر منه المحافظون الذين لم يألفوا نظم الموشح ولا انجذبت طبائعهم الشعرية إليه من أمثال ابن زيدون وابن أبي الخصال. غير أن الخطأ الأكبر الذي أوحي به كل من ابن بسام وابن سناء الملك هو قول القائلين: أن بعض الموشحات نظم على اوزان غير عربية. فقد قال ابن بسام: " أكثرها على غير اعاريض أشعار العرب ". وقال ابن سناء الملك: " والموشحات تنقسم قسمين: الأول ما جاء على أوزان أشعار العرب والثاني ما لا وزن له فيها ولا إلمام له بها " (٢) ، وقال أيضاً: " والقسم الثاني من الموشحات هو ما لا مدخل لشيء من أوزان العرب " (٣) . فقول ابن بسام أنها على غير اعاريض أشعار العرب معناه أنها على غير الاعاريض المألوفة، وهذا الذي يعنيه قوله قبل ذلك: أنها على الاعاريض المهملة. وقول ابن سناء الملك يعني أنها ليست جارية على الأوزان التي تنظم فيها صنوف الشعر، وهذا حق، فإن أوزان
стр. 221
بعض الموشحات من الأوزان الكبيرة العامة، وبضعها ناب لا يمكن للأذن أن تستسيغه إلا عن طريق التلحين، حسبما بين ذلك صاحب دار الطراز نفسه. ولكن لا يجوز لنا ان نستنتج من ذلك ان الموشحات ليست جارية على التفعيلات العربية، إذ لا يمكن أن تكون إلا كذلك ما دامت معربة. فإذا كانت في نطاق الكلام المعرب فهي ذات تفعيلات متناسقة، سواء استعمل الوشاح عددا واحدا من التفعيلات أو أعدادا متباينة المقدار، فالإيقاع فيها عربي خالص، ولكنك لا تستطيع ان تقول عن الكثير منها: إن هذه الموشحة تنتسب إلى بحر المديد أو إلى مجزوء الرمل أو إلى الكامل المرفل أو إلى البسيط؟ الخ. ذلك لأن هذه الأوزان المجزأة المستخرجة لم تجد " خليلا " آخر ليمنحها أسماءها، فظلت تستعمل دون أسماء. وبين هذا وبين القول بأنها خارجة عن الوزن العربي فوق واسع كبير. فلو ان نظاما ذهب يستخرج عشرات الأوزان - ذات الإيقاع المتفاوت - من أوزان الخليل أو يمزج بين تفعيلة من وزنين مختلفين لما صح لنا أن نقول له إنك خرجت على الوزن العربي، ليس للوزن العربي باب مقفل يحول دون استخدام ما يريده الشاعر من أوزان إذا جرى في الاستخراج على قاعدة سليمة. وكل ما نستطيع ان نقوله لمثل ذلك الشاعر: ان هذا الوزن " الجديد " شيء لم نألفه من قبل، أو شيء لا نستسيغه، فإذا طبق وزنه الجديد على ضرب من التلحين فقد يقنعنا بأن ما كنا نحسبه نابيا مستكرها قد أصبح مألوفا وسائغا.
стр. 222
٥ - المراحل التي سار فيها الموشح:
قدرت أن تكون الحاجة الغنائية في طليعة العوامل التي ساعدت على ظهور الموشح، ولكني أغفلت في هذه الحاجة ذكر عنصر هام، هو اتخاذ الموشح وسيلة للترديد على أبواب الممدوحين أي التغني به؟ في طريقة النشيد - كما يتغنى القوالون بهذه القصيدة أو بتلك. ومعنى ذلك ان الموشح؟ حسبما افترض - أخذ في نشأته الأولى يخدم غايتين إحداهما الغناء وثانيهما التكسب. وينسب ابن بسام اختراع الموشح إلى رجل ضرير من قبرة اسمه محمد بن حمود (أو محمود) بيتا يذهب الحجاري إلى أن مخترعه أيضا رجل من قبرة اسمه المقدم بن معافى القبري، وهذا الثاني كان شاعرا معروفا أيام عبد الرحمن الناصر، كما يقول الحميدي. (١) وقال صاحب المسهب انه من الأمير عبد الله المرواني (٢) . وليس بين القولين فرق كبير إذ قد يكون شهد طرفا من عهد الأمير عبد الله وطرفا من عهد الناصر. أما محمد بن حمود فلا تذكر المصادر متى عاش. وانا أرجح انه هو مخترع الموشح دون مقدم، وإنما أميل إلى هذا الترجيح لأنه يتفق وما فرضته من حاجة قوال إلى نظم هذا اللون من المنظوم من أجل التكسب به بطريقة لافتة.
ويقول الحجاري: أن ابن عبد ربه صاحب العقد أخذ عنه ابن بسام فيقول: " قيل أن عبد ربه صاحب كتاب العقد أول من سبق
стр. 223
إلى هذا النوع عندنا " (١) ولست استبعد أن يكون صاحب العقد قد شارك بعض المشاركة في الموشح لآن هذا اللون الجديد التقى مع رغبته في إظهار البراعة العروضية، وكان هذا حسبه منه، إذ كان في غنى عن أن يتكسب به.
وبعد هذين جاء الرمادي، ومن غريب ان كلمة " رمادي " تؤكد الدور الذي تخيلناه للقبري الأعمى، من التجوال وما يلحق به من تعرض للمدح على طريقة القوالين. وقد وردت هذه اللفظة في دار الطراز حيث قال ابن سناء الملك ان الشرط في الخرجة: " أن يكون لفظها رماديا زطيا "، أي بوهيميا. وللرمادي؟ فيما يبدو - دور خطير في تطور الموشحات إذ " كان أول من أكثر فيها من التضمين في المراكيز، يضمن كل موقف يقف عليه في المركز خاصة " وقد قلت ان التضمين هو التغصين، اما المراكيز فهي الأقفال، والدليل على كونها كذلك قول ابن خاتمة في وصف موشحة للقزاز: " ومن أظرف ما وقع له في خلالها من حسن الالتئام وسهولة النظام ما يندر وجود في منثور الكلام وذلك في أحد مراكزها " (٢) ، ثم أورد قطعة مؤلفة من غصن وقفل ليدل على المركز. ثم جاء عباد ابن ماء السماء فأحدث تطورا آخر. ويمكن ان نلخص الخطوات الثلاث التي سار فيها الموشح كما يلي:
أ - كان الموشح في بداية أشطارا كالقصيدة، إلا انه من مهمل الأعاريض ويفترق عن الشعر في أن له قفلا ختاميا يسمى المركز ويكون عاميا أو أعجميا، وهذا هو ما فعله القبري، وربما ابن
стр. 224
عبد ربه، وليس فيه تضمين أو أغصان.
ب - الإكثار من التضمين في الأقفال أي تجزئة الأشطار إلى أجزاء صغيرة، وهذا هو ما فعله الرمادي وتابعه في ذلك شعراء عصره كمكرم ابن سعيد وابني أبي الحسن - وهم ممن لا نعرف عنهم شيئا.
ج - الإكثار من التضمين في الأغصان أي تجزئة أشطارها وهذا هو ما فعله عبادة ابن ماء السماء. وكانت صنعة التوشيح حتى عهده: " غير مرقومة البرود ولا منظومة العقود فأقام عبادة هذا منآدها، وقوم ميلها وسنادها، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت إلا عنه ". كذلك ابن بسام.
ولكنا نتصدى هنا لاضطراب آخر يشبه الاضطراب في اسم القبري المخترع الأول. فقد أعطى ابن بسام فضل تطوير الموشح لعبادة ابن ماء السماء، أما الحجاري فأنه نسب الفضل كله لعبادة القزاز، شاعر المعتصم ابن صمادح صاحب المرية (١) ، وقد امتد هذا الاضطراب إلى نسبة الموشحات لهذا أو ذاك، فالموشحة التي أولها:
من ولي ... في أمة أمرا ولم يعدل
يعزل ... إلا لحاظ الرشأ الأكحل - هذه الموشحة نسبها شاكر في فوات الوفيات (٢) لعبادة بن ماء السماء بينما نسبها الصفدي في الوافي (٣) إلى عبادة القزاز. وعلى هذا
стр. 225
فلا تبقى من موشحات عبادة بن ماء السماء إلا موشحة واحدة ذكرها ابن شاكر أيضا فإن صحت نسبتها له كانت أقدم أنموذج من الموشح وصلنا. ومعنى هذا أن أول موشحة لدينا تعود إلى أوائل القرن الخامس لأن ابن ماء السماء توفي عام ٤٢٢ (١) . ومطلع هذه الموشحة:
حب المها عبادة ... من كل بسام الجواري
قمر يطلع ... من حسن آفاق الكمال حسنه الابدع وهي شبيهة بموشحات القزاز، والخرجة فيها معربة. وأذا كان كذلك فقدنا آخر مثل من موشحات المبكرة نسبيا.
وإذا قارنا هذا مجال الزجل وجدنا مما نعرفه من نماذج الزجل، أن القرن الخامس هو الفلك الذي قيض لنا ان نرى فيه هذين الكوكبين بوضوح. فابن قزمان وهو زجال من عصر المرابطين يشير إلى أناس تقدموه في هذا الفن أهمهم في رأيه الاخطل بن نمارة (٢) ومنهم ابن راشد وقد وجد له المستشرق اشتيرن زجلا نشره بمجلة الأندلس (٣) . هذا وقد وجدت فقرة من زجل ربما كانت مبكرة في القرن الخامس نفسه أوردها نؤلف كتاب مساؤى الخمر رواية عن بعض شيوخه وهذا نص ما قاله: " وحدثني بعض شيوخي ان بعض أمراء الأندلس لاعب بعض أدبائها الشطرنج؟ إما قال الزرقال وإما قال ابن فرعال؟ على شيء جعله له، فقمر هذا اللاعب الأمير، فلما ظهر على قمره في
стр. 226
اليد الثالثة هي آخر الأيدي سر بالفلج فاستقبله في وجهه وقال:
أقطع رجال من الخمور ... واكل القبولات والسكور ... وهذه يد المزور ... شلل قفاك ... هم يقولون شللت الإناء إذا غسلته بالماء " (١) أه؟. فإذا كان هذا اللاعب هو الزرقال أو ابن الزرقال فإن المشهور بهذا الاسم هو إبراهيم بن يحيى النقاش القرطبي، الذي كان بين عامي ٤٥٢ - ٤٧٢ يعيش في بلاط أمراء طليطلة، وربما كان هذا القول من محفوظ الزرقال، من الأغاني الدارجة، فبذلك يكون من تاريخ مبكر.
وقد عرفنا أسماء كثير من الوشاحين ممن عاشوا في عصر الطوائف والمرابطين، ومنهم ومن وصلنا بعض موشحاتهم، ومنهم من ذكر عنهم انهم كانوا ينظمون الموشحات ولكنا لا نعرف شيئا مما نظموه مثل أم الكرم بنت صمادح (٢) وهي أخت المعتصم وكان أخوها قد اعتنى بتأديبها فنظمت الشعر والموشحات وعشقت الفتى المشهور بالسمار.
وقد قدم المؤرخون عبادة القزاز على سائر الوشاحين في عصر الطوائف وكان عبادة هذا شاعر المعتصم ابن صمادح، وروي عن أبي بكر ابن زهر الوشاح انه قال: كل الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله (٣) :
стр. 227
بدر ثم شمس ضحى ... غصن نفا مسك شم
ما أتم ما أوضحا ... ما أورقا ما أنم
لا جرم من لمحا ... قد عشقا قد حرم وزعموا أن الذي جاء بعده مصليا هو الوشاح ابن ارفع رأسه، شاعر المأمون ابن ذي النون صاحب طليطلة، وكانت له موشحات مشهورة يغني بها في بلاد المغرب (١) ومنها الموشحة التي ختمها بقوله:
تخطر ولا تسلم ... عساك المأمون
مروع الكتائب ... يحيى بن ذي النون وفي ذلك العصر نفسه اشتهر ابن اللبانة شاعر العباديين بالموشحات، وقد جمع هؤلاء بين الشعر والموشح، ولكن القزاز كان أعلى طريقة في التوشيح، وكذلك ابن أرفع رأسه، أما ابن اللبانة فجمع بين طرفي الإجادة في الفنين، وقد احتفظ له صاحب دار الطراز ببعض الموشحات، وكذلك ابن سعيد في المغرب وأورد له الصفدي موشحة واحدة (٢) .
وفي أيام المرابطين ظهرت مجموعة من أعاظم الوشاحين، في مقدمتهم الأعمى التطيلي وابن بقي وأبو عبد الله بن أبي الفضل بن شرف والأبيض وعلي بن مهلهل الجياني وابن باجة. وفي القطعة التي أوردها ابن سعيد في المقتطف (٣) عن الوشاحين في هذه الفترة قصتان مفيدتان في دلالتهما: أولاهما: أن جماعة من الوشاحين اجتمعوا في مجلس بأشبيلية فكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنق فيها فقدموا الأعمى للإنشاد فلما
стр. 228
افتتح موشحته المشهورة:
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري خرق ابن بقي موشحته وتبعه الباقون ". لأنهم وجدوا ما يعجزون عن مثله، وتدل هذه الحكاية على ان الموشح كان يلقى إلقاء دون تلحين، وأن تأثيره في النفوس لم يكن متصلا بالتلحين فحسب. والقصة الثانية تتصل بابن باجة وخلاصتها أنه نظم موشحة في مدح ابن تيفلويت صاحب سرقسطة مطلعها:
جرر الذيل أيما جر ... وصل السكر منك بالسكر وخاتمتها:
عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبي بكر وألقى الموشحة على إحدى قينات ابن تيفلويت، أي دربها على غنائها حسب لحن وضعه، وهي حكاية تشير إلى الصلة الوثيقة بين الموشح والتلحين.
وكان بعض أولئك الوشاحين مكثرا، حتى قيل إن لأبي بكر ابن بقي ما ينيف على ثلاثة آلاف موشحة (١) ، ويمثل لنا ابن بقي والأعمى التطيلي تتمة المعنى الذي تصورناه في نشأة الموشح أعني صلته بالتكسب فان الأعمى كان متكسبا بالشعر كما أن ابن بقي " وقف بالبلاد على كل باب " وهذا المعنى نفسه يمثله كل من ابن القزاز وابن اللبانة؛ وإذا شذ عنه
стр. 229
أمثال أم الكرم بنت صمادح وابن باجة فما ذلك إلا لان نطاق الموشح كان قد اتسع واتسعت الآفاق الاجتماعية التي يستطيع أن يرودها.
ولذلك كان أهم موضوع في الموشحات التي وصلتنا هو المدح أولا والغزل والمجون ثانيا. فأما الأغراض الأخرى من رثاء وتكفير ووصف للطبيعة وهجاء، فإن موشحات هذا العصر الذي ندرسه لا تمثلها بوضوح، فقد شاعت هذه الأغراض من بعد هذا العصر، وبذلك يكون الموشح قد تحدد حتى أواخر القرن الخامس بالموضوعين لازماه في نشأته وهما المدح والغزل، فأن كان أواخر عصر المرابطين، ثم ما بعدهم من عصر أصبح الموشح يشمل أكثر الأغراض التي يتناولها الشعر.
٦ - شكل الموشح:
كل موشح أندلسي يتركب من وحدتين تتكرران عددا من المرات، وحدة يبدأ بها الموشح في العادة وتسمى " قفلا "، فإذا لم يبدأ بها وبدأ توا بالوحدة الثانية سميي الموشح " أقرع ". وهذه الوحدة الثانية تسمى " غصبا ". ويتكون الموشح النموذجي في العادة من ستة أقفال، تحصر بينها خمية أغصان، ولكن الوشاح غير ملزم بذلك إن شاء أن يزيد أو ينقص. واجتماع القفل والغصن التالي له يسمى " دورا "، وبعضهم يسميه " بيتا "؛ فالموشح النموذجي - على هذا الأساس - وهو يتكون من خمس أدوار أو أبيات، وقفل ختامي يدعونه " الخرجة "، ولكن الأقرع يشذ عن ذلك لأن أحد أقفاله ساقط. وللوشاح أن يجعل أجزاء القفل أو أجزاء الغصن حسبما يريد، سواء عددنا تلك الأجزاء أفقيا أو عاموديا، وقد أسرف ابن سناء الملك في تنويع الموشح بحسب الأعداد
стр. 230
الأفقية والعامودية في القفل أو الغصن، كله أمر شكلي خالص، لا يحدث فرقا في قيمة الموشح فأقل قفل يتركب من جزءين في سطر واحد، وأكثره - من موشحات الأندلسيين - يتألف من ثمانية أي أربعة في سطرين.
غير ان أهم ظاهرة في التوشيح من حيث النغمة قيام القفل أحيانا على وزن، وقيام الغصن على وزن اخر، فتسير الموشحة في وزنين. والغالب ان يتفق القفل والغصن في الايقاع العام. وقد يختار الوشاح وزنا مباشرا من اوزان القصيد فينسج عليه موشحته مثل:
أيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع وهذا يسميه ابن سناء الملك: " الموشح الشعري "، أو يستخرج وزنا جديدا وهو الشيء الشائع في موشحات العصر الذي نتحدث عنه. وقد منح ابن سناء الملك للخرجة في بحثه عن الموشحات القيمة الكبرى فقال: " والخرجة هي إبراز الموشح وملحه ومسكه وعنبره، وهي العاقبة وينبغي ان تكون حميدة، والخاتمة بل السابقة وإن كانت الأخيرة. وقولي السابقة لأنها التي ينبغي ان يسبق إليها الخاطر ويعملها من ينظم الموشح في الأول وقبل أن يتقيد بوزن أو قافية " (١) :
وتلخص كلام ابن سناء الملك عن طبيعة الخرجة في الأمور التالية:
(١) أن تكون عامية حادة ظريفة، فإذا كانت معربة خرج الموشح عن ان يكون موشحا.
(٢) أو يحسن ان تكون معربة إذا كان الموشح في المدح وذكر في الخرج اسم الممدوح.
стр. 231
(٣) أو يجوز أن تكون معربة وان لم يكن الموشح في المدح على شرط ان تكون هزازة سحارة.
(٤) وقد تكون عجمية وهنا أيضا يجب ان يكون لفظها سفسافا لاذعا.
(٥) يقدم لها بما يمهد لورودها مثل قلت وقالت وغنى وغنيت ويكون ذلك على لسان الحمام أو الفتاة أو الغرام أو الهيجاء أو غير ذلك.
وقد استمد ابن سناء الملك كل أمثلته من عصر الطوائف والمرابطين يوم كان الفنان من غزل ومدح هما الغالبين على الموشحات. وأنا لست أنكر قيمة الخرجة في الموشح ولكني أرى ان ابن سناء الملك حين وضع تلك التحديدات كان مأخوذا بطبيعة النماذج الموجودة بين يديه، فهو يشترط ان تكون الخرجة عامية، ثم يعود فيتنازل عن كونها عامية في غير المدح. ويذكر أنها قد تكون أعجمية ثم يمثل على ما يقوله بأي مثل. وعندي ابن سناء الملك قد نسي بهذا التحديد - الذي ذاب فلم يعد تحديدا - قاعدة كبرى هي التناسب الموشحة وطبيعة المقام العام. فالموشحة التي تقال في المدح تقتضي في الغالب خرجة تتناسب وحال الممدوح، فإذا كان الجد أغلب على العلاقة بين الممدوح ومادحه لم يستطيع أن يتظرف باستعمال خرجة عامية أو عجمية، وإذا كان الممدوح ممن " رفعت الكلفة " بينه وبين الوشاح فلا بأس من ان تكون الخرجة عجمية أو عامية. وإذا حرت الموشحة على الغزل المتسامي صح ان تكون الخرجة معربة، بل كان ذلك أليق بها، وإذا خالط الموشحة شيء من النماجن فمن غير الطبيعي أن تكون معربة، وإذا كانت موجهة إلى جارية أعجمية فلا بد أن تكون الخرجة مناسبة لتلك الحال، وما يحسن في
стр. 232
مواقف ربما لم يحسن في غيره. وليس هناك من قانون عام ينتظم الخرجة ويحتم كيفية ورودها سوى قانون التناسب.
أما لماذا يتوجه الإيثار نحو الخرجة العامية أو الأعجمية فتعليله أن الموشح كاللحن الموسيقي تجيء فيه دلالة على الختام كمط اللحن وما أشبه، وهذه الدلالة تتكون من مظهر واحد أو مظهرين في التوشيح، وأحد المظهرين هو التمهيد للخاتمة بقال وقلت وغنى وغنيت وإضراب هذه الألفاظ، وثاني المظهرين هو إيراد الخاتمة بلغة مختلفة لصلب الموشح، وقد يكفي التمهيد وحده لرسم حركة الختام ولكن التغيير في اللهجة أو اللغة يؤكد هذا الختام على نحو أشد وأقوى، كما انه يزيد الموقف عذوبة وظرفا، ولذلك كان إعطاء الخرجة لونا فارقا يمايز سائر لون الموشحة مما يؤكد الحركة الختامية ويحدث في النفس وقعا عميقا، وفي هذا معنى زائد على مناسبة المقام وهو إشعار السامع باستدارة الموشحة وإكمالها. وتؤدي الخرجة الأعجمية أو العامية معنى التناسب من وجه آخر، فان كونها صدى للتمهيد المبدوء بأنشد أو أنشدت أو غنى أو غنيت يقتضي ان تكون مما يغنى حقا في البيئة الشعبية.
٧ - نماذج الخرجة:
ومن الخرجة المعربة في الغزل قول ابن بقي:
تجاوز الحدا ... قلبي اشتياقا
وكلف السهدا ... من لو أطاقا
قلت وقد مدا ... ليلي رواقا
стр. 233
ليلي طويل ولا معين ... يا قلب بعض الناس أما تلين ومن نماذجها المعربة قول ابن اللباقة يمدح بني عباد:
لك الفضل ... وإنك من آله
رأى الكل ... بكم نيل آماله
فما يخلو ... من ينشد في حاله
بني عباد ... بكم نحن في أعياد وفي أعراس لا عد متمو للناس أما الخرجة العامية فيمثلها قول الأعمى التطيلي:
القاك عن عفر ... فلا أناجيكا إلا اشتياق
والله ما ادري ... قد التوى فيكا أمري وضاق
أشدو وما عذري ... ألا أقاضيكا إلى العناق
يا رب ما اصبرني ... نرى حبيب قلبي ونعشقو
لو كان يكون سنه ... فيمن لقي خلو بعنقو ونورد الأمثلة الآتية على الخرجة الأعجمية:
ا - لابن عبادة شاعر المرية (عصر الطوائف) .
مو سيدي إبراهيم
يا نوامن دلج
فنت نيب
ذي نخت
إن نن شنن كرش
стр. 234
ارم تب
غرمي أوب
لغرت
Meu sidi Imbrahim
Ya nuemne dolje
Vente mib
De nokhte
In non، si non queris،
Ireme tib؛
garme a ub
Legarte
وترجمته: يا سيدي إبراهيم؟ يا اسما حلوا - تعال إلي؟ الليلة -
وإلا، أن كنت لا ترغب؟ أجيء أنا إليك - آه -
أخبرني أين؟ اجدك.
ب - للوزير ابن المعلم (عصر الطوائف)
بن يا سحارة
ألب قشت كن بلفغور
كند بني بدي مور
ven، ya sahhara!
ALBA QUESTA CON BEL VIgORE
CUANDO VENE PIDE AMORE
стр. 235
وترجمته: تعالي، يا سحارة!
الفجر الذي هو جميل كعادته
حين يجيء يتطلب حبيبا
ج - للأعمى التطيلي (عصر المرابطين) :
مو الحبيب انفرم ذي مو أمر
كن دشتر
ننفيس اميب كسد نوليغر
Meul - habib cnfeymo de meu amar
Que no destay؟
Non ves a mib que s e ha de no lleqar؟
وترجمته: حبيبي مريض بسبب الحب
وكيف لا يكون ذلك؟
ألا ترى انه لن يرجع ألي ابدا
د - للأعمى التطيلي:
الب ذيا اشت ذيا
ديا ذي العنصرة حقا
بيشتري مو المدبج
ونشق الرمح شقا
Albo dia este dia
Dia del ansara haqqa
стр. 236
Vestire meu L - mudabbaj
Wa nashuqqu I - rumha shaqqa
وترجمته: يا فجر اليوم، هذا اليوم الجميل
يوم العنصرة حقا
سألبس مدبجي
ونشق الرمح شقا (١)
٨ - الناحية الفنية في الموشح:
قبل الحديث في هذا الموضوع يحسن أن نقف عند بعض الأحكام النقدية أو ذات المحمل النقدي التي كان الناس؟ وبخاصة جماعة المتذوقين للموشح - يواجهون بها بعض الموشحات:
أ - ونستعيد في هذا المقام قصة الوشاحين الذين خرقوا موشحاتهم لما سمعوا موشحة الأعمى، وقصة ابن تيفلويت ممدوح ابن باجة الذي طرب طربا كثيرا عندما سمع تلك الموشحة وصاح واطرباه وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت وحلف بالأيمان المغلظة ألا يمشي ابن ماجة إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه.
ب - وفي تقدير ابن زهر للموشحات قال: - وهو الوشاح الأصيل العارف بفنه - انه لا يحسد أحدا على موشحة مثلما يحسد ابن بقي على قوله (٢) :
стр. 237
أما ترى أحمد ... * في مجده العالي * لا يلحق
أطلعه المغرب ... * فأرنا مثله * يا مشرق ج - وقال الأستاذ أبو جعفر (١) : من أظرف ما وقع للقزاز في المديح من التوشيح موشحته التي أولها:
كم في القدود الليان ... تحت اللممن أقمر عواطي ومن أظرف ما وقع له في خلالها من حسن الالتئام وسهولة النظام ما يندر وجود مثله في منثور الكلام، وذلك في أحد مراكزها حيث يقول:
لما غدا قادرا ... أضحى قليل المعدله
يا حاكما جائزا ... قلت من لا ذنب له
سطوت بالهيمان ... ظلما ولمتستبصر يا ساطي
خف سطوة الرحمن ... إذا حكمبين البري والخاطي والآن دعنا نسأل: ما الذي أعجب ابن بقي وسائر الوشاحين في موشحة التطيلي حين مزقوا موشحاتهم احتقارا لها واستصغارا لشأنها؟ وهل طرب ابن تيفلويت للغناء، أو للموشحة من خلال الغناء؟ ولماذا يحسد ابن زهر وشاحا على ما قاله وأين موضع الإجادة في ما قال؟ ولم آثر أبو جعفر هذا الجزء من موشحة القزاز بالثناء؟
من هذا الموقف يمكننا ان نتحدث عن الناحية الفنية للموشح، فمن درس موشحة الأعمى المذكورة وجد فيها عذوبة سائغة وسياقا حلوا واسترسالا
стр. 238
وعبارات مستقلة في ذاتها وخرجة لطيفة رقيقة، فالأحكام بعامة هو صفتها الغالبة. أما ابن تيفلويت فربما زاد التلحين في طربه، ولكنه بين أنه شديد الابتهاج بحسن الفاتحة والختام لقوله لابن باجة " ما أحسن ما بدأت وما ختمت " فهو ينظر إلى الموشحة من حيث تأثيرها في نطاق معين. وأما ابن زهر، فانه فيما يبدو يحسد ابن بقي على قدرته الفائقة في صوغ الخرجة بأسلوب معرب مع سهولة بالغة حد المستوى العامي، وأما الأستاذ أبو جعفر فكان صريحا في نقده إذ دل على أن ما يعجبه في موشحته القزاز هو حسن الالتئام وسهولة الكلام، ولعل قوله " ما يندر وجود مثله في منثور الكلام " هو أبرع نقد للموشحة الأندلسية فان خروجها عن جادة التعقيد إلى أن تصبح كالأسلوب النثري أي إلى أن تصبح مستوية السياق، كأنها كلام عادي، أمر هام في نظر الأندلسيين يومئذ. ونستأنس هنا بقول ابن حزمون، وهو وشاح من العصر التالي، حين سمع موشحة لبعضهم: " ما الموشح بموشح حتى يكون عاريا عن التكلف " (١) .
من ثم نرى أن الموشح هو أول ثورة حققها الشعر العربي في إيثار الإيقاع الخفيف الذي يقرب الشقة بين الشعر والنثر، فأضعف من اجل ذلك العلاقات الإعرابية كثيرا، ذلك أننا نقول حقا أن الموشح معرب، ولكن الإسكان بالموقف في التجزئات القسيرة واختيار الألفاظ التي لا تظهر حركات الإعراب في أواخرها أمران يجعلان العلاقات الإعرابية ضعيفة ويحيلان الموشح إلى مستوى قريب من مستوى الكلام الدارج، إذ أين هي العلاقات الإعرابية في قول الوشاح:
стр. 239
ما أتم ... ما أوضحاما أورقا ما أنم
لا جرم ... من لمحاقد عشقا قد حرم أو في قول الآخر:
قل هل علم أو هل عهد ... أو كان كالمعتصم والمعتضد ملكان وهناك ظاهرة أخرى جعلت الموشح كالعبارات المنثورة وهي عدم استقلال أجزائه بل تسلسلها وترابطها في اللفظ والمعنى رغم وجود الوقفات (١) :
أنت المليك الرئيس ... أنت العقد النفيس
الواهب ... الجياد الحاليات السروج مع أبناء العلوج فهذا إذا قرأته معا: " أنت العقد النفيس الواهب الجياد الحاليات السروج ".
على ان هذا لا يعني ان الموشح قد تخلص من اثر الشعر، فهناك الموشح الشعري، وهناك هذه التقفية في داخل الاقفال والغصون، والتقفية تجعل الموشح شكلا من أشكال الفسيفساء التي يعجبك ظاهرها فإذا فتشتها وجدت تكرارا في الوحدات الصغيرة. وهناك الاستقلال في الاشطار حتى في اجمل الموشحات وأرقها مثل موشحة الأعمى:
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري
стр. 240
فهذا نسق جميل ولكنه غير متلاحق تلاحق النثر لفظا ومعنى، بل كل شطر فيه قائم بنفسه.
وهناك الموشح الذي يمثل بحرا شعريا واحدا كاملا قائما على قافيتين في الشطر الواحد مثل موشحة ابن بقي (١) :
يا ويح صب البرق ... له نظر وفي البكاء مع الورق له وطر
من أجل بعدي عن صحبي ... بكيت دما
كم لي هنالك من سرب ... ووصل دمى
وعسكر الليل في الغرب ... قد انهزما فهذا الموشح على البحر البسيط، وتستطيع أن تجمع أطرافه بحيث يصبح على النحو التالي:
يا ويح صب إلى البرق له نظر ... وفي البكاء مع الورق له وطر
من أجل بعدي عن صحبي بكيت دما ... كم لي هنالك من سرب ووصل دمى وكان التأثر بين الشعر والموشح متبادلا، فالموشح الشعري هو النقطة المتوسطة بين الموشحة الغنائية والقصيدة، أو هو قصيدة تنوعت فيها القوافي وانتحلت نظاما جديدا. وكذلك اثر الموشح في المحافظين الذين أحسوا أن التنويع في القافية أمر ضروري احيانا، ولذلك نرى هؤلاء المحافظين يتجهون إلى المخمسات أو إلى تخميس قصائد مشهورة، ومنهم ابن زيدون في مسمطانه أو مخمساته مثل قوله (٢) :
стр. 241
وأكرم بأيام العقاب السوالف ... ولهو أثرناه بتلك المعاطف
بسود أثيث الشعر بيض السوالف ... إذا رفلوا وشي تلك المطارف فليس على خلع العذار ملام ... ومن هذا اللون " ملعبات " ابن ابي الخصال، والملعبة؟ كما يعرفها دوزي - نوع من الشعر المتداول الشائع، ومن تلك الملعبات واحدة مطلعها (١) :
سمت لهم بالغور والشمل جامع ... بروق بأعلام العذيب لوامع
فباحت بأسرار القلوب المدامع ... ورب غرام لم تنله المسامع أذاع به مرفضها المتصوب ... ومن تفنن ابن أبي الخصال بناؤه القصيدة على أشطار قصيدة أخرى لشاعر مشهور، كقصيدة أبي تمام في فتح عمورية:
الحمد لله أضحى الدين معتليا ... وبات سيف الهدى الظمآن قد رويا
ان كنت ترتاح الأمر الذي قضيا ... فسله نشرا ودع عنك الذي طويا فالسيف أصدق أنباء من الكتب ... وقد أقيل بعض كتاب تحوير الأوزان والتجديد فيها، كما فعل السرقسطي في بعض ما ضمنه مقاماته من شعر. كذلك اعتمد بعض كتاب المقامات طريقة " المربعات " مثل قول ابن عياض في المقامة الدوحية (٢) :
стр. 242
يصيد آساد الشرى ... بمقلة تسبي الورى وماء وجه لا ترى للشعر فيه طحلب ... ولعل اوضح اثر للموشح يتجلى في قصيدة زهدية لابن العسال الزاهد يحض فيها على التمسك بمذهب مالك (١) :
أيا من غدا جاهلا ناسكا ... إن احببت ألا ترى هالكا
فأم إمام الهدى مالكا ... ولا تك مذهبه تاركا
فمذهبه ناشر من كفن ... لمن كان في جهله قد دفن
إلهي يا من إليه القضا ... عبيدك يأمل منك الرضى
ويستغفر الآن عما انقضى ... فهبه له واغتفر ما مضى
وخلصه من موبقات الفتن ... لدى حشده مع اهل السنن فإذا أردنا أن نحكم على الناحية الفنية في الموشح لم نستطع أن نقول أن الأندلسيين كانوا يؤثرون شيئا دون شيء وانما كل ما هنالك ان هذا النوع الجديد كان معرضا للتفنن، وان الحرية في ذلك لم تكن محدودة وليس هنالك من معالم تهدينا إلى رسم خط تطوري سار فيه الموشح في عصر الطوائف والمرابطين، وإنما كان لتلك الحرية الكبيرة أثر في تنويع النغمات، ثم ترجع المسألة بعد ذلك إلى القدرة الفردية على الغنائية والجرأة لدى وشاح دون آخر في الكشف عن نغمات جديدة وخرجات عذبة أو حارة أو سهلة سائغة. ومن اجل الخرجة نفسها يصعب علينا اليوم ان نحكم بالتفرق لوشاح دون آخر. نعم ان بعض الخرجات لا يزال يطربنا
стр. 243
ويعجبنا ولكن لا شك في أن الأندلسيين كانوا اقرب منا واقدر على تذوق تلك الخرجات العامية والأعجمية وتقدير ما فيها من براعة وحذق.
ولقد نضع اليوم مقياسا يعتمد طبيعة الموضوع الذي تعالجه الموشحة، فان النغمات الراقصة الوثابة تلائم الغزل مثلا، ولكن قد يكون من الجرأة البالغة ان يعتمد الوشاح تلك الجزئيات الفسفسائية لموضوع كالرثاء، فحين نرى وشاحا قد وفق في الرثاء، رغم ذلك، فقد كلفته المحاولة جهدا كبيرا، وقد كان عبادة القزاز بهذا المعنى، من اجرأ الوشاحين، فهو يتفنن في الخرجات، وهو يسخر الموشحة لموضوعات دقيقة كأن يصف مثلا منظر السفن والعرض البحري يوم المهرجان اذ يقول (١) :
فقلت مستنطق ... من ذا الذي أهدى
إلى فؤادي الخفقان ... فقال قمفلتنظر في الشاطي
إلى بنود الشوان ... عدواك ثمواستخبر أقراطي
أما تراها مثول ... على قناها خافقة
في جاريات تجول ... مثل الجياد السابقة
إنشاء من في المحول ... ينشي السحاب الوادقة
سمت على النجم طول ... منها فروع باسقة
ان الثريا تقول ... وانها لصادقة
ما فوق هذا المكان ... من الهممفيه يرى مناطي
سمت على كيوان ... من القدموالمشتري مواطي
стр. 244
٩ - الموشح بعد هذا العصر:
مع أن دراسة الموشح بعد هذا العصر؟ عصر الطوائف والمرابطين - تقع خارج حدود هذا الكتاب فلا بد في سبيل استيفاء الصورة العامة للموشح الأندلسي من إجمال بعض الحقائق المتعلقة بفن التوشيح حتى نهاية العصور الأندلسية:
١ - استفاض عدد الوشاحين في عصر الموحدين خاصة وكان في مقدمتهم شهرة أبو بكر ابن زهر الحفيد، ومن وشاحي ذلك العصر أبو القاسم عامر بن هشام (- ٦١٣) وابن قادم القرطبي وابن حنون الاشبيلي (- ٦٣٠) وأبو الحجاج يوسف بن عتبة (- ٦٣٨) وابن الصابوني وابن سهل الإسرائيلي والكساد وابن حبيب القصري وابن هرودس وابن نزار وابن الفرس وابن حزمون وعلي بن المريني والمنتاني والمتيطي وابن حريق وابن موهل الشاطبي وكثيرون غيرهم. واصبح بر العدوة يشارك الأندلس في فن التوشيح ومن أهلها: خلف الجزائري وابن خرز البجائي، واستمر الإقبال على التوشح شائعا فكان من مشاهير الوشاحين: لسان الدين بن الخطيب وابن زمرك.
٢ - كثر الميل إلى الموشح المنظوم على الأوزان الشعرية المألوفة حتى ان جل ما عرفه المقري من موشحات ابن زمرك لينخرط في سلك المعرب إذ أكثره من مخلع البسيط (١) .
٣ - اتسعت أغراض الموشحات فقلب ابن حزمون الموشحات الجادة وجعلها في الهجاء، ونظم الوشاحون في التصوف، كموشحات ابن عربي
стр. 245
والمشتري وأصبحت الموشحات تقال في التشوق ووصف المباني والطرد والتهنئة كموشحات ابن زمرك، وأكثر هذا الوشاح نفسه من " الصبوحيات " واتجهت بعض الموشحات إلى الامداح النبوية. وتوفر بعضهم على الرثاء كموشح ابن حزمون في رثاء القائد ابي الحملات وموشحات ابن جبير في رثاء زوجه أم المجد.
٤ - ازدادت الصنعة اللفظية في بعض الموشحات حتى فارقت بذلك رقة الأغنية وأصبحت تلاعبا وتمرسا ببعض القوافي المهجورة، كما يفعل بعض كتاب المقامات إظهاراً للمهارة اللغوية.
стр. 246
الزجل الأندلسي
١ - مصادر الزجل:
من الأمور التي تلفت الناظر في تاريخ الموشحات والأزجال أن يكون الاثنان اللذان شرحا قواعد هذين الفنين مشرقيين على الرغم من أن الأندلس هي المنبت الأول لهذين الفنين. فكما أن ابن سناء الملك هو الذي فسر قوانين التوشيح، كان الصفي الحلي في كتابه " العاطل الحالي " مفسرا لكيان الأزجال وتاريخها. أما الأندلسيون فلم يصلنا شيء من تحليلهم للأزجال ووصفها وتاريخها وطريقة نظمها، باستثناء بعض الملاحظات التي ذكرها ابن قزمان في مقدمة ديوانه، وبعض الملاحظات التي قيدها ابن خلدون في مقدمته. وقد كتب ابن الدباغ الأندلسي كتابا سماه " ملح الزجالين " أو " مختار ماللزجالين المطبوعين " (١) ولكن يبدو من اسمه أنه كان يحوي مختارات من الأزجال وترجمات للزجالين، وليس من دليل على انه حوى شرحا نظريا أو تاريخيا لفن الزجل.
стр. 247
وبحث الصفي الحلي في الأزجال مفيد من بعض نواحيه غير انه ملي بالأوهام الناجمة عن البعد المكاني وعن التباين في اللهجات. أما البعد المكاني فانه أفسد شيئا من تصورات الحلي عن القطر الأندلسي، وأعجزه عن أن يقطع جازما بأن ابن غرلة لا يمكن ان يكون مخترعا للزجل، إذ هو متأخر في تاريخه عن ابن قزمان، وأن هذا الشيء نفسه يصدق على مدغليس وان تنبه الصفي لهذا الثاني لأنه وجد في ديوانه إشارة إلى ابن قزمان. وهذا البعد المكاني جعله يتصور؟ مخطئا - أن المدن الأندلسية المختصة بالمسلمين وخرج منها الزجل والموشح هي اشبيليا وقرطبة وبلنسيا ومالقة (١) . وأما فرق اللهجة فقد نسبه الصفي؟ إلا قليلا - حين ذهب يقيس كلام الأندلسيين على كلام المشارقة في عصره أو يقيه على اللغة الفصحى، فهو يرى أن الفعل " أتحكم " قد زيدت فيه ألف وإنما أصله " تحكم " وان " نشياعو " اصلها " نشيعه "، ولم يتنبه إلى أنه إنما ينظر في لهجة جديدة مستقلة، وان الأصل الذي يجب أن يؤسس عليه بحثه هو استخراج قواعد عامة لتلك اللهجة، لا نسبة الزيادة والنقص إلى الألفاظ فيها، قياسا على اللغة الفصحى أو على ما في بعض اللهجات العامية بالمشرق.
وأمر آخر وهم فيه الحلي، وهو انه عد قصائد مدغليس الثلاث عشرة التي وجدها في ديوانه أزجالا، ولم ينتبه إلى الأندلسيين كانوا يسمون هذا اللون " شعرا ملحونا "، وان الزجل لديهم ذو دلالة مخالفة. وهذا ابن سعيد في المغرب يورد لأحدهم زجلا ثم يورد للزجال نفسه نموذجا يميزه باسم الشعر الملحون (٢) . والفرق بينهما في ابتعاد الزجل عن شكل
стр. 248
القصيدة، لا بقاؤه قصيدة سقطت منها الروابط الإعرابية. وقد جعل ابن قزمان تعرية الزجل من الأعراب ميزة له (١) ، ولكن هذا لا يعني ان كل ما جرد من الإعراب سمي زجلا.
وقد رسم الصفي الحلي حدود التفرقة التي اصطنعها المشارقة بين أنواع من المنظومات باللغة الدارجة مثل الزجل والبليق والقرقي. الخ ولكن هذه التفرقة لم تكن موجودة بين الأندلسيين، ذلك لأن الزجل لم يقتصر عندهم على الغزل والنسيب والخمري والزهري، ولو تنبه الصفي لديوانه ابن قزمان لوجد أزجاله تحوي المدح والرثاء أيضا كما تحري الاحماض الذي أطلق عليه المشارقة اسم البليق، وتحوي الهجاء الذي سمي عند أهل المشرق باسم القرقي. فالزجل الأندلسي لم يعرف هذه التقسيمات بحسب الموضوعات، بل كان في الإمكان ان يشمل اسم الزجل تلك الموضوعات جميعا. ولم يميز سعيد إلا نوعا واحدا من الزجل كان البداة يغنون به على البوق، وقد سماه " الطيار " (٢) ، ولا أدري أهذه صفة اصطلاحية دقيقة أم محض وصف للشيوع والانتشار.
وحفظت الأيام من يد الضياع ديوان ابن قزمان. وقد كان لهذا الزجال ديوانان: أحدهما صغير سماه: " إصابة الأغراض في وصف الأعراض " جمعه لممدوحه الوشكي، والثاني ديوان كبير (٣) والأول منهما هو الذي وصلنا، وهو يحتوي ١٤٦ زجلا. وهو بطبيعة الحال لا يحتوي كل أزجال ابن قزمان، فقد أورد ابن مباركشاه صاحب السفينة عددا من الأزجال لابن قزمان لم ترد في ديوانه المذكور. كذلك يجب
стр. 249
أن تلاحظ اختلاف الرواية في المشترك بين ديوان ابن قزمان وما ورد من أزجاله في مصادر أخرى كالسفينة والوافي والمغرب.
أما ديوان ابن قزمان نفسه، وهو أنفس أثر زجلي أندلسي، فقد نسخ بمدينة صفد في فلسطين، في منتصف القرن السادس، وقد نشره دافيد جنزبرج سنة ١٨٩٦ في شكل لوحات مصورة، ومنذ ذلك الحين استأثر بجهود الدارسين الغربيين وأخذت الأبحاث؟ وبخاصة الفيلولوجية - تتوالى عنه. حتى كان عام ١٩٣٣، إذ نشر شعره المستشرق النشيكي نكل بحروف لاتينية، وكتب عنه دراسة، وترجم بعضه إلى الأسبانية، ولكن نشرة نكل كانت مليئة بالأخطاء، فانتقدها المستشرق الفرنسي ج. س. كولان وأعاد إعداد نشرة جديدة لشعر ابن قزمان بحروف لاتينية، وتجنب كثيرا من الأخطاء التي وقع فيها نكل. وفي السنوات الأخيرة عمل فيه المستشرق الأسباني، الأستاذ غرسية غومس بجهد جديد، وأعده للنشر بحروف لاتينية مع دراسة ضافية. ويبدو أن الأستاذ غرسية خاضع لفكرة صارمة في طريقة قراءته لهذا الديوان، وهي إيمانه أن أوزان الزجل أسبانية، ولذلك فان القراءة التي يعتمدها؟ والتي ستظهرها الكتابة اللاتينية عند نشر الديوان - قد تشير إلى تحكم عامد للتمشي مع نظريته. هذا مع أن التشابه العارض بين أوزان الزجل الأندلسي وأوزان الشعر الأسباني لا يؤيد هذه النظرية، فان سقوط الإعراب من الزجل يجعل اعتماد الزجال على النبر accent أكثر من اعتماده على مقياس الحركة والسكون في التفعيلة وهذا الاعتماد على المنبر يقرب بعض الأوزان العامية في لهجات المشرق والمغرب على السواء؟ حديثة كانت أو قديمة - من بعض أوزان الشعر والأغاني في اللغات الأجنبية عموما. وأعتقد أننا ما زلنا بحاجة شديدة؟ في الشرق العربي - إلى أن نرى قراءة صحيحة لديوان ابن قزمان
стр. 250
ولا ضير في أن تكتب بالحروف اللاتينية، مثلما أننا بحاجة إلى الإفادة من جهود المستشرقين في النواحي الفيلولوجية، وفي وضع معجم للألفاظ الأندلسية الدائرة في ديوان ابن قزمان؟ عربية كانت في اصلها أو أعجمية -.
وقد يسر لنا تحقيق كتاب المغرب لابن سعيد على يد الدكتور شوقي ضيف؟ بعد أن كان الكتاب أوراقاً مضطربة يحجم المحققون عن التمرس بها - مصدرا جديدا لبعض الأزجال الأندلسية، ومعلومات عن الزجالين حتى عصر المؤلف. ثم استخرج الأستاذ هوينرباخ قطعة الزجال الموجودة في سفينة مباركشاه، وجعلها ملحقا على " العاطل الحالي ". وإذا أضفت إلى هذين إشارات ابن خلدون إلى الأزجال والأشعار العامية في الأندلس والمغرب، ثم الأزجال الصوفية في ديوان الششتري، كدت تستوفي مصادر الأزجال الأندلسية.
ولم تتوفر لدينا دراسة منظمة للأزجال باللغة العربية قبل ان ينشر الدكتور عبد العزيز الاهواني كتابة " الزجل في الأندلس " وهي محاضرات ألقاها على طلبه قسم الدراسات الأدبية واللغوية، بمعهد الدراسات العربية العالية، التابع لجامعة الدول العربية (١٩٥٧) ، وهي أول دراسة علمية دقيقة متأنية، من نوعها، بالعربية، وتقع في ثلاثة فصول: أول عن نشأة الزجل، وثان عن تاريخ الزجل وحياة الزجالين، وثالث عن مكانة الزجل وقيمته الأدبية. ولا ريب في انها دراسة رجل واسع الاطلاع، نافذ البصر في هذا الموضوع، وانا مدين لها بشيء كثير من مادة هذا الفصل.