← Адаб

Адаб · id 1015

تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)

إحسان عباس

Полный текст (321 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الزجل الأندلسي ١ - مصادر الزجل: من الأمور التي تلفت الناظر في تاريخ الموشحات والأزجال أن يكون الاثنان اللذان شرحا قواعد هذين الفنين مشرقيين على الرغم من أن الأندلس هي المنبت الأول لهذين الفنين. فكما أن ابن سناء الملك هو الذي فسر قوانين التوشيح، كان الصفي الحلي في كتابه " العاطل الحالي " مفسرا لكيان الأزجال وتاريخها. أما الأندلسيون فلم يصلنا شيء من تحليلهم للأزجال ووصفها وتاريخها وطريقة نظمها، باستثناء بعض الملاحظات التي ذكرها ابن قزمان في مقدمة ديوانه، وبعض الملاحظات التي قيدها ابن خلدون في مقدمته. وقد كتب ابن الدباغ الأندلسي كتابا سماه " ملح الزجالين " أو " مختار ماللزجالين المطبوعين " (١) ولكن يبدو من اسمه أنه كان يحوي مختارات من الأزجال وترجمات للزجالين، وليس من دليل على انه حوى شرحا نظريا أو تاريخيا لفن الزجل.

стр. 247

وبحث الصفي الحلي في الأزجال مفيد من بعض نواحيه غير انه ملي بالأوهام الناجمة عن البعد المكاني وعن التباين في اللهجات. أما البعد المكاني فانه أفسد شيئا من تصورات الحلي عن القطر الأندلسي، وأعجزه عن أن يقطع جازما بأن ابن غرلة لا يمكن ان يكون مخترعا للزجل، إذ هو متأخر في تاريخه عن ابن قزمان، وأن هذا الشيء نفسه يصدق على مدغليس وان تنبه الصفي لهذا الثاني لأنه وجد في ديوانه إشارة إلى ابن قزمان. وهذا البعد المكاني جعله يتصور؟ مخطئا - أن المدن الأندلسية المختصة بالمسلمين وخرج منها الزجل والموشح هي اشبيليا وقرطبة وبلنسيا ومالقة (١) . وأما فرق اللهجة فقد نسبه الصفي؟ إلا قليلا - حين ذهب يقيس كلام الأندلسيين على كلام المشارقة في عصره أو يقيه على اللغة الفصحى، فهو يرى أن الفعل " أتحكم " قد زيدت فيه ألف وإنما أصله " تحكم " وان " نشياعو " اصلها " نشيعه "، ولم يتنبه إلى أنه إنما ينظر في لهجة جديدة مستقلة، وان الأصل الذي يجب أن يؤسس عليه بحثه هو استخراج قواعد عامة لتلك اللهجة، لا نسبة الزيادة والنقص إلى الألفاظ فيها، قياسا على اللغة الفصحى أو على ما في بعض اللهجات العامية بالمشرق. وأمر آخر وهم فيه الحلي، وهو انه عد قصائد مدغليس الثلاث عشرة التي وجدها في ديوانه أزجالا، ولم ينتبه إلى الأندلسيين كانوا يسمون هذا اللون " شعرا ملحونا "، وان الزجل لديهم ذو دلالة مخالفة. وهذا ابن سعيد في المغرب يورد لأحدهم زجلا ثم يورد للزجال نفسه نموذجا يميزه باسم الشعر الملحون (٢) . والفرق بينهما في ابتعاد الزجل عن شكل

стр. 248

القصيدة، لا بقاؤه قصيدة سقطت منها الروابط الإعرابية. وقد جعل ابن قزمان تعرية الزجل من الأعراب ميزة له (١) ، ولكن هذا لا يعني ان كل ما جرد من الإعراب سمي زجلا. وقد رسم الصفي الحلي حدود التفرقة التي اصطنعها المشارقة بين أنواع من المنظومات باللغة الدارجة مثل الزجل والبليق والقرقي. الخ ولكن هذه التفرقة لم تكن موجودة بين الأندلسيين، ذلك لأن الزجل لم يقتصر عندهم على الغزل والنسيب والخمري والزهري، ولو تنبه الصفي لديوانه ابن قزمان لوجد أزجاله تحوي المدح والرثاء أيضا كما تحري الاحماض الذي أطلق عليه المشارقة اسم البليق، وتحوي الهجاء الذي سمي عند أهل المشرق باسم القرقي. فالزجل الأندلسي لم يعرف هذه التقسيمات بحسب الموضوعات، بل كان في الإمكان ان يشمل اسم الزجل تلك الموضوعات جميعا. ولم يميز سعيد إلا نوعا واحدا من الزجل كان البداة يغنون به على البوق، وقد سماه " الطيار " (٢) ، ولا أدري أهذه صفة اصطلاحية دقيقة أم محض وصف للشيوع والانتشار. وحفظت الأيام من يد الضياع ديوان ابن قزمان. وقد كان لهذا الزجال ديوانان: أحدهما صغير سماه: " إصابة الأغراض في وصف الأعراض " جمعه لممدوحه الوشكي، والثاني ديوان كبير (٣) والأول منهما هو الذي وصلنا، وهو يحتوي ١٤٦ زجلا. وهو بطبيعة الحال لا يحتوي كل أزجال ابن قزمان، فقد أورد ابن مباركشاه صاحب السفينة عددا من الأزجال لابن قزمان لم ترد في ديوانه المذكور. كذلك يجب

стр. 249

أن تلاحظ اختلاف الرواية في المشترك بين ديوان ابن قزمان وما ورد من أزجاله في مصادر أخرى كالسفينة والوافي والمغرب. أما ديوان ابن قزمان نفسه، وهو أنفس أثر زجلي أندلسي، فقد نسخ بمدينة صفد في فلسطين، في منتصف القرن السادس، وقد نشره دافيد جنزبرج سنة ١٨٩٦ في شكل لوحات مصورة، ومنذ ذلك الحين استأثر بجهود الدارسين الغربيين وأخذت الأبحاث؟ وبخاصة الفيلولوجية - تتوالى عنه. حتى كان عام ١٩٣٣، إذ نشر شعره المستشرق النشيكي نكل بحروف لاتينية، وكتب عنه دراسة، وترجم بعضه إلى الأسبانية، ولكن نشرة نكل كانت مليئة بالأخطاء، فانتقدها المستشرق الفرنسي ج. س. كولان وأعاد إعداد نشرة جديدة لشعر ابن قزمان بحروف لاتينية، وتجنب كثيرا من الأخطاء التي وقع فيها نكل. وفي السنوات الأخيرة عمل فيه المستشرق الأسباني، الأستاذ غرسية غومس بجهد جديد، وأعده للنشر بحروف لاتينية مع دراسة ضافية. ويبدو أن الأستاذ غرسية خاضع لفكرة صارمة في طريقة قراءته لهذا الديوان، وهي إيمانه أن أوزان الزجل أسبانية، ولذلك فان القراءة التي يعتمدها؟ والتي ستظهرها الكتابة اللاتينية عند نشر الديوان - قد تشير إلى تحكم عامد للتمشي مع نظريته. هذا مع أن التشابه العارض بين أوزان الزجل الأندلسي وأوزان الشعر الأسباني لا يؤيد هذه النظرية، فان سقوط الإعراب من الزجل يجعل اعتماد الزجال على النبر accent أكثر من اعتماده على مقياس الحركة والسكون في التفعيلة وهذا الاعتماد على المنبر يقرب بعض الأوزان العامية في لهجات المشرق والمغرب على السواء؟ حديثة كانت أو قديمة - من بعض أوزان الشعر والأغاني في اللغات الأجنبية عموما. وأعتقد أننا ما زلنا بحاجة شديدة؟ في الشرق العربي - إلى أن نرى قراءة صحيحة لديوان ابن قزمان

стр. 250

ولا ضير في أن تكتب بالحروف اللاتينية، مثلما أننا بحاجة إلى الإفادة من جهود المستشرقين في النواحي الفيلولوجية، وفي وضع معجم للألفاظ الأندلسية الدائرة في ديوان ابن قزمان؟ عربية كانت في اصلها أو أعجمية -. وقد يسر لنا تحقيق كتاب المغرب لابن سعيد على يد الدكتور شوقي ضيف؟ بعد أن كان الكتاب أوراقاً مضطربة يحجم المحققون عن التمرس بها - مصدرا جديدا لبعض الأزجال الأندلسية، ومعلومات عن الزجالين حتى عصر المؤلف. ثم استخرج الأستاذ هوينرباخ قطعة الزجال الموجودة في سفينة مباركشاه، وجعلها ملحقا على " العاطل الحالي ". وإذا أضفت إلى هذين إشارات ابن خلدون إلى الأزجال والأشعار العامية في الأندلس والمغرب، ثم الأزجال الصوفية في ديوان الششتري، كدت تستوفي مصادر الأزجال الأندلسية. ولم تتوفر لدينا دراسة منظمة للأزجال باللغة العربية قبل ان ينشر الدكتور عبد العزيز الاهواني كتابة " الزجل في الأندلس " وهي محاضرات ألقاها على طلبه قسم الدراسات الأدبية واللغوية، بمعهد الدراسات العربية العالية، التابع لجامعة الدول العربية (١٩٥٧) ، وهي أول دراسة علمية دقيقة متأنية، من نوعها، بالعربية، وتقع في ثلاثة فصول: أول عن نشأة الزجل، وثان عن تاريخ الزجل وحياة الزجالين، وثالث عن مكانة الزجل وقيمته الأدبية. ولا ريب في انها دراسة رجل واسع الاطلاع، نافذ البصر في هذا الموضوع، وانا مدين لها بشيء كثير من مادة هذا الفصل.

стр. 251

٢ - نشأة الزجل وتطوره: قد قدمت رأيي عند الكلام في نشأة الأزجال ايضا، وقدرت أن تكون الحاجة الشعبية إلى الغناء، هي السبب المباشر في نشأتها بالإضافة إلى التأثر بالأغنيات الشعبية الأعجمية الشائعة يومئذ في الأندلس. فالزجل في بدايته أغنية شعبية لم تبدأ حين تم ازدواج اللغة العربية في الأندلس لانقسامها بين لهجة دارجة وأخرى مكتوبة. وقد بدأ هذا الازدواج في المدن الكبيرة، ولا أظنه تعدى نهاية القرن الثالث وبداية الرابع، ثم تجاوز هذا الازدواج مجال المدن إلى البادية حتى لنرى ان هناك؟ في دور متأخر - أزجالاً يتغنى بها البداة أنفسهم. ولقد يكون التساؤل عن مخترع الموشح أمراً معقولا، أما التساؤل عن مخترع الزجل فانه من قبيل الجهد الضائع، لأن الأغنية الشعبية تظل في العادة جهد " جنود مجهولين ". ولا بد انه مضى وقت غير قصير قبل أن ينتقل هذا اللون من الشعبية الخالصة إلى يد الفرد الزجال الذي يمنحه قوة من شخصيته وتفننه. ولذلك لم نجد نماذج مبكرة من الزجل إلا في منتصف القرن الخامس، عندما نشأت طبقة الزجالين التي خلفها ابن قزمان ومنهم يخلف بن راشد وغيره. وهذا هو الذي أوهم من ظنوا ان الزجل كان محاكاة للموشح، لأن اقدم ما وصلنا من الموشحات سابق على اقدم ما وصلنا من الأزجال. وعلى هذا يمكن أن نرسم خطا لتطور الزجل يبدأ بالأغنية الشعبية المجهولة المؤلف، ثم بفترة الزجالين الذين جاءوا قبل ابن قزمان مباشرة، وسماهم في مقدمة ديوانه " المتقدمين "، وقد اتهمهم ابن قزمان

стр. 252

بالتقصير في ميدانهم، ولكن اكبر تهمة وجهها إليهم هي ميلهم إلى الأعراب. وميز من بينهم اخطل بن نمارة: " ولم أر أسلس طبعا، واخصب ربعا، ومن حجوا وطافوا به سبعا، أحق بالرياسة في ذلك والإمارة، من الشيخ اخطل بن نمارة، فانه نهج الطريق، وطرق فاحسن التطريق، وجاء بالمعنى المضيء والغرض الشريق، طبع سيال، ومعان لا يصحبه به جهل الجهال، ويتصرف بأقسامه وقوافيه، تصرف البازي بخوافيه، ويتخلص من الغزل إلى المديح، بغرض سهل وكلام ومليح " (١) . وقدم ابن قزمان نماذج من التخيلات التي أعجبته لدى ابن نمارة مثل قوله: " طاق في خدي وبف في القنديل " (٢) ومثل: " طاق طرطق مقلس اسطمان؛ دب دردب "؛ ومن اللفظ السبط ذي المعنى المتمكن قوله: قدر الله وساق الوسواس ... امكرت على عيون الناس ... ولعبنا طول النهار بالكاس ... وجا الليل وامتد مثل القتيل ... وقوله: أنا من أهل الباديه ... ومعي دارا خاليه ... ملا بدم الداليه ...

стр. 253

ومن التعبيرات التي عاب بها ابن نماره قوله: " فمن نعمانتين في روض تلك الوجنتين " وقوله: " كسر الله ساق كل ثقيل ". ومن هؤلاء الزجالين المتقدمين أيضاً يخلف ابن راشد الذي عاب ابن قزمان زجله بشدة الأسر فقال: زجلك يا ابن راشد قوي متين ... وان كان هُ للقوة فالحمالين وتعني ملاحظات ابن قزمان على من سيقوه كثير، منها أن الأعراب يشين الزجل، وان الأصل في الزجل ليس للجزالة، كما هي أزجال ابن راشد، وإنما الرقة فيه مطلوبة مع لطف في التخيل وحسن السبك. وهذا يدل على ان الزجل؟ بعد مرحلة الأغنية الشعبية - دخل في دور من " التفصح "، بعض الشيء، واخذ نظامه يتشبهون بالشعراء حتى كاد يمحي الفرق بين الزجل الشعبي والشعر الملحون. على ان المقاطع الزجلية التي ساقها ابن قزمان لابن نمارة لا تدل على هذا الاتجاه. غير أن صفي الدين يقول: " وأول ما نظموا الأزجال جعلوها قصائد مقصدة وأبياتا مجردة في أبحر عروض العرب، بقافيةواحدة، كالقريض لا نغايره بغير اللحن واللفظ وسموها القصائد الزجلية " (١) . وإذا لم يكن حكم الحلي مبنيا على ما رآه من قصائد مدغليس؟ وهو متأخر - بحيث يرفض حكمه إطلاقا، فأنه أيضا لا ينطبق على دور الأغنية الشعبية، وإنما يصدق على دور تال لها عندما اصبح الزجل لونا من الشعر الملحون، ولا ريب في أن لابن نمارة فضلا في العودة بالزجل إلى صورة مستقلة استقلالا واضحا عن الشعر، وان لم يخلص تماما من الأعراب؟ ثم كان ابن قزمان، وهو ذو الأفضل الأكبر في إعطاء الزجل شكله النهائي في مراحل التصور، وهذا هو الدور الثالث

стр. 254

من الزجل، الذي يبدأ بابن نمارة وينتهي بابن قزمان، وهو من عرف بلق " الإمام " بين زجالي الأندلس. ثم كان دور مدغليس عودة إلى الخلط بين الاتجاهين، فهناك القصائد الزجلية تمشي جنبا إلى جنب مع الأزجال الحرة المطلقة من اسار الشكل الشعري التقليدي. حتى إذا أرخ ابن سعيد للزجل فرق بين النوعين فسمى النوع الأول شعرا ملحونا وسمى الثاني زجلا، ثم ضاعت تلك التفرقة عند ابن خلدون والحلي؛؟ أربعة أدوار متميزة في تطور الزجل. وحين افترضت أن الأغنية الشعبية هي " ام " الزجل، كنت افترض في الوقت نفسه أن تكون صلة الزجل بالغناء وشيقة، وان قدرت أيضا أن تتفاوت تلك الصلة على مدى الزمن قوة وضعفا. وهذا أمر يكاد يكون مؤكدا على ضوء النصوص التي بين أيدينا، فابن سعيد يذكر أن البداة كانوا يغنون نوعا من الأزجال على البوق (١) ، وابن قزمان يتحدث في ديوانه عن التغني بالزجل (٢) . وقد ناقش الدكتور الاهواني هذه الصلة، فتحدث عن نظرية ريبيرا التي شرح فيها كيف ان الزجل كان يغنيه في قرطبة جماعة من الناس، فيبدأون بالمطلع ويكررونه مرات، ثم يكفون عن الغناء، ويبدأ الزجال فينشد الغصن الأول وحده، والجماعة سكوت، ثم يعود الجمهور إلى الإنشاد، ليغني الثاني من الزجل؟ ناقش الدكتور هذه النظرية ورأى أن الدراسة الدقيقة لأزجال ابن قزمان تثبت أن هذه الأزجال، مهما كان حظ الخيال العامي فيها والمعاني الشعبية، لم تكن فنا شعبيا صحيحا، وان كانت مزيجا من فنين: فن خاص قديم

стр. 255

متداول بين الشعراء والوشاحين، وفن شعبي لا سند له من التراث المكتوب، وان جمهور الزجل لم يكن الشعب في الأزقة والحارات كما لم يكن أيضا الجماعة الضيقة المحدودة التي نظم لها الشعراء القصائد (١) " ولا ريب في ان الدكتور الأهوائي لم يرد أن ينفي نظرية ريبيرا إطلاقا، وهو نفسه يقر بأن جماعات الصوفية كانوا يمشون في الأسواق ويتغنون بأزجال الششتري، وإنما هو يدخل عليها بعض التعديل، حين أصبح الزجل فنا يكتب ويحاكم إلى ما فيه من صور وأخلية جميلة، ويخص به ممدوح واحد. ويبدو لي أن نظرية ريبيرا ستظل صحيحة في مجملها، وقد جاء في رسالة؟ من رسائل الحسبة - لابن عبد الرؤوف: " ويمنع الذين يمشون على الأسواق بالأزجال والأزياد (؟) وغيرها، أن لا يكونوا (٢) في وقت ينفر فيه للجهاد، ويمشي فيه غالى الحجاز، فيحرضون الناس على ذلك بما يوافق المعنى فلا بأس بذلك " (٣) وهذا النص يعني أن هناك ناسا يمرون في الأسواق منشدين الأزجال، وأن هذا الفقيه ينصح بمنعهم، إلا إن رددوا أزجالا في وقت الجهاد ملائمة لمعنى الحث عليه وامداحا نبوية في مواسيم الحج. وقد تكون رسالة ابن عبد الرؤوف متأخرة في تاريخها، ولكن الظاهرة الاجتماعية التي تصورها، ربما كانت استمرارا لما ألفه الناس من مهمة الزجل في فترات مبكرة. ثم ان تخصيص الزجل بمدح شخص قد ذكر اسمه فيه يمنع هؤلاء القوالين والمكدين من التصرف وتغير اسم الممدوح ووضع اسم ممدوح جديد. وكذلك فان كتابة

стр. 256

الزجل لا تنفي التغني به؛ نعم إن الكتابة نقلت الزجل من دور الأغنية الشعبية وساعدت على حفظه وأكدت الاهتمام به، ومعنى ذلك أن القابلية لتلقي الأزجال قد اتسعت وشملت طبقات جديدة من الناس لم تكن ترى في الأغنية الشعبية إلا تلهية عابرة، ولكن ليس هناك ما يحول دون اتخاذ هذا اللون الجديد من الزجل مادة للغناء. وربما كان الخطأ في نظريته افتراضه أن الزجال لا يد من ان يكون ذا دور في التغني بزجله، وافتراضه أيضا أن الزجل والموشحة فن واحد لا يفترق أحدهما عن الآخر إلا في المستوى اللغوي، فالموشحة تطلق على المهذب من الزجل (١) . وهذا رأي أراني خالفته في أصول ما كتبته عن الموشحات من قبل. ٣ - العلاقة بين الموشح والزجل: حين تحدثت عن الموشح بينت مبنى الوحدة الواحدة فيه، أما الوحدة في الزجل أو " الدورة " فتكون في الغالب من قفل ذي أربعة اشطار (دون قافية في آخر الأول والثالث) ومثاله من أزجال ابن قزمان (٢) : يا جوهر الجلال ... يا فخر الأندلوس طول ما نكن بجاهك ... لس نشتكي بوس ويلي هذا القفل غصن من ستة اشطار (لا تقفى فيها الآحاد) صار الزمان صديقي ... أراد أو لم يريد

стр. 257

وريت أنا سروري ... جديد ورا جديد وكل ليلة فرحه ... وكل ليله عيد ثم يجيء قفل من شطرين فقط، وتتكرر الاقفال التالية جميعها كذلك: واجليت فيه آمالي ... وبت أنا عروس وهناك نوع آخر وهو اشد شبها بالموشح اذ التقفية فيه مرعية حسب القانون العام الذي يعتمد عليه الموشح كله، في جميع الأشطار، ومثاله (١) : صد عني وملني لما ... كان لقلبي حبيب عجل الله علي في صدي ... بوصالا قريب ما نقاسي عليك وما نلقى ... في غنى من بيان وانا بالوفا والاستبقا ... لسن نبدل مكان ونحبك محبة تبقى ... على طول الزمان ونجد لك في قلبي شيئا ما ... ان حضرت أو تغيب واش فذا من نكير وفي ودي ... واش في ذا [من] غريب وهكذا إلى آخر الزجل، وهو شبيه كثيرا بالموشح، بل هو محاكاة له حتى ليمكن أن نسميه " الزجل؟ الموشح ". ومن اجل هذا نجد الزجال في آخر هذا النوع يبحث عن خرجة ملائمة أو " مركز "، ويصرح ابن قزمان ببحثه عن المركز إذ يقول في ختام الزجل السابق: ذاب تنظر في مركزا مطبوع ... بكلاما نبيل

стр. 258

وتراه عندي من قديم مرفوع ... لس ترى به بديل بالضرورة إليه هو المرجوع ... دعن عن قال وقيل " الشراب والغنا وجر في الما ... في رياضا عجيب هذا كل علال هُ عندي ... لوصال الحبيب " واحيانا يصرح ابن قزمان انه نظم زجله على عروض موشح معروف واستعار الخرجة منه (١) : ريت وحد النهار خرج بالكميت ... وفي قلب من اجل مما دريت قلت فيه ذا الزجل كما قد رويت ... عرض التوشيح الذي سميت " عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبو زكري " وهي خرجة مأخوذة من موشح لابن باجة " عقد الله راية النصر / لأمير العلا أبي بكر ". ولما كانت الخرجة في الموشح عامية أو أعجمية كانت أهم شيء فيه من حيث الالتفات المفاجئ للاتجاه نحو الختام، ولكن الزجل عامي كله تخالطه أحياناً ألفاظ أعجمية، فإذا لم يكن مثال الموشح احتال فيه الزجال على حركة الختام، كأن يعلن ان الزجل قد انتهى وجاء مليحا، مثلما ان الشعراء يقولون في القصائد أبياتاً ختامية يتمدحون فيها بروعة القصيدة، ومن ذلك قول ابن قزمان: أي زجيل قلت فيك ... ومليح جا، والرسول وعملت في عروض ... " الغزال شق الحريق "

стр. 259

أو قد تتمثل حركه الختام بإرسال حكمة غريبة عن الزجل لأنها مأخوذة من الكلام الفصيح مثل (١) : لا نسيت إذ زارني حبي ... وانجلى همي وزاد كربي ... قلت له وقتا أخذ قلبي ... قل متى تحين، قال غدا: ... " وغدا للناظرين قريب " أو يقول الزجال نفسه تم الزجل: تم الزجل وه أحلى من النسيم ... يغنيه الساقي ويرقص به النديم وقد سمى ابن قزمان أحد أزجاله " معلم الطرفين " لأنه ختمه بمثل ما ابتدأ (٢) . فالقفل الأول: ما عِ معشوقا مليح ووفي ... جيد يكون إن لم تجيه طزع والخرجة: معي زجيل معلم الطرفين ... كالقنا والشفر من جهتين ... والخرج دو مني عملين ... معي معشوقا مليح ووفي ... جيد يكون إن لم تجيه طزع

стр. 260

وإذا كان الزجل في الرثاء ظهرت خاتمته جلية من طبيعة الدعاء الختامي. وهكذا ترى ان الزجل لم يستعر دائما شكل الموشح، وانه جرى كثيرا على طبيعة القصيدة من حيث خرجته باكثر مما جرى على سياق الموشح. إلا انه اتخذ في الغالب شكلا مستقلا عن الاثنين، وجاء اكثر انطلاقا منهما لاحتفاله بالسرد القصصي، ولعدم الإلحاح على التقفية في أجزائه كلها. ٤ - ابن قزمان والزجل: اسمه محمد بن عيسى بن عبد الملك بن عيسى بن قزمان وكنيته أبو بكر ولد حوالي سنة ٤٨٠ وتوفي سنة ٥٥٤ والأمير محمد بن سعد بن مردنيش محاضر قرطبة (١) وقد خلطت بعض الكتب وبعض الدارسين بينه وبين أبي بكر محمد بن عبد الملك بن عيسى؟ الأكبر - وهو عم الزجال. قال ابن سعيد في ترجمته له: " إمام الزجالين بالأندلس؟ وذكر الحجازي انه كان في أول نشأته مشتغلا بالنظم المعرب فرأى نفسه تقصر عن أفراد عصره، كابن خفاجة وغيره، فعمد إلى طريقه لا يمازحه فيها أحد منهم فصار إمام أهل الزجل المنظوم بكلام عامة الأندلس " (٢) وذكر ابن سعيد في موضع آخر ان بيت بني قزمان في قرطبة بين جليل منه أعلام ونبهاء (٣) ، وقد أورد له ابن سعيد قطعتين من الشعر المعرب، إحداهما نظمها وقد رقص في مجلس شراب فاطفأ السراج بكمه، والثانية في مدح

стр. 261

يحيى بن غانية الملثم سلطان الأندلس، وأورد له ابن الابار في تحفته القادم مقطعات أخرى نقلها الصفدي عنه أيضاً في الوافي بالوفيات. وتدل المناسبة التي نظم فيها القطعة الأولى؟ الرقص في مجلس شراب - على أن أزجاله لا يستبعد ان تصور مذهبه الواقعي في الحياة. وقد درس الدكتور الاهواني ابن قزمان من أزجاله دراسة دقيقة تفصيلية (١) ، وصورته الشخصية فيها انه طويل القامة ابيض الوجه أشقر اللحية ازرق العينين، وهذا قد يوحي بأنه كان جميلا، إلا أن ابن سعيد يذكر في ترجمة نزهون الغرناطية ان ابن قزمان كان قبيح المنظر وانه لبس مرة غفارة صفراء فرأته نزهون وقالت له: أصبحت كبقرة بني إسرائيل ولكن لا تسر الناظرين (٢) . وإذا صح أن يكون ما في أزجاله دالا على طريقته في الحياة، فانه كان يحب اللذات ويقبل عليها بنهم فيشرب الخمر عن المغامرات مع النساء والغلمان ويكره الزواج ويجد فيه منغصات كثيرة، وشتان؟ في رأيه - بين الحب والزواج في استثارة اللذة: يقبل الزوج ولا يدر طيب القبل ... لس يربح القبل والتعنيق غير العشيق ... إلا أن المراكشي صاحب الذيل والصلة ترجم لولد يسمى احمد (٣) وهذا يدل على انه عرف الحياة الزوجية، كما تدل بعض أزجاله انه تزوج مرة وطلق.

стр. 262

ويتمثل في أزجاله مكديا دائم الإلحاف في طلب أنواع الملابس وفي تشهي خروف العيد وفي طلب القمح، وغير ذلك من صنوف الحاجات التي يتفنن في عرضها ودفع الممدوحين إلى بذلها، على نحو لا يخلوا أحياناً من تصوير وضحك. وتشير بعض أزجاله إلى انه ذاق عذاب السجن وحشر فيه مع كل " حواس وقتال "، وأنقذه منه محمد بن سير، فقال يشكره ويصف حالته في السجن ويحمل على القاضي الذي تسبب بسجنه (١) : لقد اشتد حبلي ... وانقطع بعد ما اشتد وإنما نشكر الله ... وابن سير محمد الفتل كان رفعني ... ولد ابن المناصف وعد مني منافق ... وحسبي مخالف لس عندك مصيبة ... لو خرج روح واقف أو نرى السيف بعيني ... لقطوع راسي يجبد لم ير قط لعمري ... قاض يعمل ذا الأعمال إن يسكن جواري ... كل حواس وقتال بالله ما أطول الليل ... إذ نبيت مشغول البال ليل ان آخر يزاد فيه ... أو حبل صورة يمتد ومن أجل نيل الملابس والقمح وخروف العيد وما أشبه نجد أكثر أزجال ابن قزمان قد نظمت في المدح. وقد فرضت عليه شخصية

стр. 263

الممدوح دائما طابعا للزجل الواحد، وكان ممدوحوه متفاوتين فيهم الأمير المرابطي والفقيه والقاضي مثل ابن حمدين، والوزير مثل ابن زهر والشاب الجميل المحب للغلمان مثل الوزير الوشكي. فإذا مدح ناسا من ذوي المراكز الاجتماعية العالية أو أهل الجد، فهو جاد يتحدث عن الانتصار في المعركة وعن فضيلة الجهاد والعدل وصلاح الحال والكرم. وان مدح " العيار " الجميل تفنن في المجون وخلط المدح بالغزل، وقد كان الممدوح من هذه الطبقة الثانية هو الذي يقترح عليه أحيانا ما يضمنه زجله، ففي الزجل (٦٩) يعدد أسماء الغلمان ذوي الملاحة نزولا على طلب الوشكي: لحبيب قلبي اقتراح ... نمدح الصبيان الملاح ويختم زجله بقوله: " لولا ات لس كنعمل " أي لولا أنت لما كنت أعمل هذا الزجل. وثمة شاهد آخر قوي الدلالة في جملته، فقد ورد في صدر القطعة الزجلية التي اوردها ابن مباركشاه في السفينة هذه العبارة: " وقال في الجياني على لسان الوشكي " (١) ، أي أن ممدوحه هذا كلفه أن يعمل غزلا في احد الغلمان على لسانه؟ لسان الوشكي - ولولا أن ابن قزمان صرح في آخر هذا الزجل بأن الامر كذلك: والله إني مطبوع ... ولساني فاين واش هُ في ذا الممدوح ... من كلام رايق لسن أنا فيه عاشق ... غيري هو العاشق الضمير هُ الوشكي ... واللسان قزماني

стр. 264

- لولا ذلك لحسبنا ان ابن قزمان نفسه هو الذي عمد إلى هذا الغزل. ومن يدري فربما كان كثير من أزجاله الغزلية في ديوانه على هذا النحو دون أن يصرح بذلك. وقد جاء في أول الديوان زجلان كتب في عنوانيهما إنه يتغزل في الوشكي ويمدحه معا، فالوشكي إذن لا يرى بأسا في ان يسمع غزل ابن قزمان فيه وهو في الوقت نفسه يحثه على أن يكتب أغزالا على لسانه. وليست الغرابة في هذا اللون من التصوير الفني الذي مارسه ابن قزمان بمقدار ما هنالك من غرابة في هذه الطبقة الاجتماعية التي يمثلها " الأمير أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الوشكي " الغلام الجميل، الذي كان يتردد على ابن قزمان: " ولم يزل يأخذ نفسه بزيارتي وافتقادي، ويشتمل شرف مذهبي فيه واعتقادي، فجريت مدة اختلافه علي، وتكراره بالزيارة إلي، من المذاهب الطريفة والمقاطع الحلوة، ما تضيق عنه البطاقة، وتضعف عن جمعه القوة والطاقة " (١) . وقد أثر اختلاف المواقف في طبيعة أزجال ابن قزمان، فهو في مواقف الجد الخالص، يبدأ مادحا دون مقدمات غزلية مثل قوله (٢) : مثل ابن تشفين يقال أمير ... والخلافة من بعد عادت تسير بارك الله في هاذا الأيام ... تجي أعوام إذا مضت أعوام ... ويجعلهم سلاطين الإسلام ... ونصرهم كماه نعم النصير ...

стр. 265

وهذا الرجل الذي نتصوره لاهيا، يتمثل لنا على وجه جديد إذ يقول في هذا الزجل: ذا هُ سلطان كما يقال سلطان ... إن يحكم بالسنة والقرآن ... وذكا لس نفس عليه شيطان ... ينتلف عنده الذكا ويحير ... ما في علمي وما سمعت نقول ... ندر انك نصرت دين الرسول ... وربطت وكان بعد محلول ... حتى لس كان بقي لُ غير يسير ... ولا يختلف مدحه للقاضي ابن حمدين عن هذه الروح نفسها إلا بمقدار ما يقتضيه المقام، فنراه يقول في بعض مدائحه الكثيرة معبرا عن فرحته بعودة ابن حمدين للقضاء (١) : رطبت انفس الخلق ... وجرى فيهم الدم ورجع كل مهموم ... قلب أبيض بلا هم لا خلاف بين الإسلام ... ان لو لم تقدم كترى ذي الجزير ... والبلا فيه مصبوب وقد يكون من المستطرف هنا ان يقابل الدارس بين زجلين وردا في

стр. 266

ديوانه متجاوزين (٩٦، ٩٧) دون مقدمة غزلية، أولهما في مدح شخص يدعى أبا جعفر احمد البلنسي الصراف وكيف ان خصاله الحميدة لا تحصر، وان فيه سبعة أشياء جرى عليها الاتفاق: " كاتم السر، واسع الأخلاق، حر صادق وفي كريم ضياف "؛ ويتوصل الزجال بعد ذلك إلى ميزة ينفرد بها البلنسي وهي انه يشرب ولا يسكر، ولا تتغير حاله: إنما يجعل الشراب صب صب ... وترى فم فالقطيع عب عب (١) ... وهُ هابط لمعده دب دب ... ثم لا اتكا ولا إنعطاف ... ثم إن يشرب وداد كل أجد ... ويغطى لمن سكر ورقد ... وهُ جالس ينتظرك مثل الأسد ... ويلاطفك غاية الألطاف ... أما الصورة الثانية التي تتلو هذه المتقدمة فهي في مدح ابن الحاج، وبمقداره ما جاءت الأولى بعيدة عن المثال الديني جاءت الثانية دينية خالصة: ظهرت سنة محمد ... وانصقل مرا الإسلام رجع ابن الحاج قاضي ... فأدام الله ذا الأيام وصل المظلوم لحق ... وانتصف غني ومسكين يحضر الإنكار والإقرار ... ويقع الفصل في الحين

стр. 267

اجتمع فيه الثلاثا ... الورع والعلم والدين فيزل الحق إذ زال ... ويدوم الحق إذا دام ويقابل هذا النوع من التصوير الخارجي الذي يرجو صاحبه به نيل الحظوة عند الممدوحين، أزجال أخرى ذات منزع ذاتي تصور ابن قزمان متهالكا في طلب اللذة، يريد ان يدفن في ظل كرمة، ويرى أن الجنة هي الخمر وعشق الملاح (١) : الجن لو عطيني هي الراح ... وعشق الملاح نزلن للمزاج ... والخذلان تار مع النسا ... وتار مع الصبيان ودارت الشريبة ... وكان ما كان خلون من نصيح يا نصاح ... فسادي صلاح ولكن كم من هذه القطعة يعبر عن نظرة داتية مستقرة في نفس الشاعر؛ لقد قيلت كمقدمة لاستمناح " أبي الحسين علي الزرهوني "، ألا نستطيع أن نفترض أن هذا اللون من المقدمات المجونية كان يعجب مثل هذا الممدوح؟ ان من تذكر فواتح القصائد المدحية لدى ابن حجاج؟ وما فيها من فحش يطرب له ممدوح مثل يختيار - على وقار في ابن حجاج وحياء وسكون أطراف، أقول إن من يتذكر أمثلة من هذا النوع لا يستطيع ان يسرف في تطبيق الشعر على الحياة الواقعية

стр. 268

للشاعر. لقد كان ابن قزمان محكوما بواقع ممدوحيه، ما في ذلك ريب، ولكني لست أنفي عنه من الناحية الأخرى كل لون مجوني أو كل صلة بالحياة العابثة، بل ان مقدمة ديوانه لتومى إلى انه أحب الوشكي وان هذا الحب الشاذ، كان مسئولا عن حملته على الزواج ونفوره منه. ومن الظواهر البارزة في ديوانه شدة إعجابه بفنه وبمدى ما حققه في ميدان الزجل: والله إني مطبوع وأني رشيق ... كل سحر نعمل في كل طريق ... عندي الغوامض والمعنى الرقيق ... ومقاطع أحلى من شعر الحسن ... قد سرق كلامي حديث وقديم ... سلط الله علي من ذا عظيم ... كل أحد يسرق قسيم في قسيم ... أي مصيبه يا قوم! الخرس فيه الأمن ... ومثل هذا الفخر يؤيد أنه صاحب طريقة فنية حاول فيها التفرد بأكثر مما يؤيد ان حياته الواقعية كانت؟ فعلا - سلسلة من التماجن. وذكره للحسن بن هانيء (أبي نواس) في هذه القطعة وفي غيرها يدل على إعجاب خاص، ولكن ليس من الضروري أن يكون الإعجاب شاملا للطريقة المجونية بل ربما كان اكثر مجونه في أزجاله تقليدا لهذا الشاعر المشرقي. أضف إلى ذلك أن طلب " الشهرة " كان موجها قويا له، وكان هذا الحافز قويا بسبب من روح التحدي نحو الفقهاء في عصره

стр. 269

وهو الذين يصفهم في ديوانه بالرياء والنفاق. وتكمن ميزة ابن قزمان الكبرى في قدرته على النقل الواقعي والتصوير التحليلي الدقيق وإدخال الحركة القصصية في أزجاله، وتمثيله الصوتي في المواقف الدرامية، وظرفه في معالجة موضوعه حتى حين يسف في الكدية أو يفحش في القصص. فهو حين يقص علينا قصة رجل جاء لزيارته، وخرجت إليه الخادم لتراه، فقال لها: قولي لسيدك إن إنسانا يريد ان يراك، وكلمت الخادم سيدها فقال لها قولي له: " طلع للرقاد وهو بالخيار إما أن ينتظر أو يذهب " وتبلغه الخادم ذلك فيرد عليها الزائر إنه إنسان اسمه ذهب " فما ان سمع ابن قزمان هذه اللفظة حتى طار إلى وسط الدويرة أو كاد يطير وعثر عند البير؛ ثم كيف اخذ يرحب به ويشتم الخادم وينسب إليها التقصير ويبالغ في الترحيب ويتفنن في طرق التسليم والسؤال عن الصحة وكيف ومتى، ويردده: الله يعلم محبتي فيك واني مسرور فرح بك؟ حين يقص علينا هذه القصة نشعر تماما أي طواعية استطاع الزجل أن يمنح صاحبه، وما قيمة الإسهاب الواقعي في رسم صورة قد يعجز عنها كل من الشعر والموشح (١) : جان زاير وقف لباب الدار ... ليت بعد يا أخي قد زار قامت الخادم أن تنظر من كان ... قلها قل جي يراك إنسان ... أنت مشغول بهم اليوم زمان ... كان بودك تراه بليل ونهار ...

стр. 270

جات إلي قالت اخرج تراد ... قلت قل لسنه وقت أعاد ... سيد مشغول كما طلع للرقاد ... ينتظرني وإلا هُ بالخيار ... الله يعلم فضول هُ للباب ... بخرافه يقله لي ذب ذب ... فتكن ماعُ أن دخل في عذاب ... أو يوقفن ثم للبلطار ... وانا مشغول ولس نريد نخرج ... واختفاي من الرجل يسمج ... ومن العار على ان ننفج ... فتقله إلى قرية صار ... فسمعته وهو يكرر عجب ... ثم قال يعدما انتفض وغضب ... أي قل إنسان يقل ذهب ... ثم اشيا ينفع بها بها الاختصار ... أنا أي كنت سمعت هذا الكلام ... قلت حق هُ أو طزهي فالمنام؟ ... وأنا جالس وثبت وثب لمام ... كيلوا فيها بعد تسع أشبار ...

стр. 271

إلى وسط الدوبرة لم نستدير ... طرت لا شك وكت قريب ان نطير ... حسبك أنى عثرت عند البير ... ووثبت ولم نراه مكار ... أدخل أقرب ومرحبا وارتفع ... وأنا علجك وعلج عاد وربع ... فعل الله بذا الخدم وصنع ... لس ترى وحد منهم اشنة عار ... يا حسبنا الله قل خادم سو ... أي هروبك اخرج كذا للضو ... سخط الله على بني قوقو ... ولعنهم وأبل فنو بنار (١) ... عكن ودونك يحنث قط فالتفضيل ... اش تحية وش سلاما طويل ... ورأيت من سرور ومن تبجيل ... ومن اش حال ومن كف ات قنطار ... ومن أجلس ومن متى كان مجيك ... ومن الله يعلم محبتي فيك ... ومن اني مسرور وفارح بيك ... ومن الشكر والثنا فشقار (٢) ...

стр. 272

وينتهي الزجال القصة بأن يشكو حاله لهذا القادم: " وأنه لا يحفظ من السور إلا عبس " لسوء حاله، فيقول له الرجل: إنه مرسل من قبل إنسان " عتب الدهر فبك وذم الزمان " ويختم الزجال زجله بمدحه ذلك الرجل الكريم الذي تذكره ويسأل له البقاء وأن يشرف به أمة محمد، ويريه غاية الأمل في بنيه ويعمره أطول الأعمار. وليست القصة وحدها هي التي تجيء معرضا لتحليل ابن قزمان وتصويره بل إن المواقف العاطفية تنال من عنايته الدقيقة شيئا كثيرا، وهذا ما يجعل لزجله طرافة وتفردا. ٥ - الزجل بعد ابن قزمان: بين عهد ابن قزمان وعصر ابن سعيد عدد من الجالين أشهرهم مدغليس الذي عاد بالزجل إلى حومة القصيدة الملحونة، وله ديوان رآه الصفي الحلي بالمشرق ونقل منه. ومنهم الدباغ الذي ألف كتابا في أئمة المطبوعين ونقل هو نفسه الزجل إلى ميدان الهجاء والقول في اللياطة. أما بقية الزجالين الذين ذكرهم صاحب المغرب فهم: عبد الغافر ابن رجلون المرواني، حضر غزوة الأرك سنة ٥٩١؛ وابو الحسن علي بن جحدر وأبو عمرو الزاهد، وأبو بكر بن الحصار وأبو عبد الله ابن خاطب وأبو بكر بن صارم؛ والكساد في عهد منصور بني عبد المؤمن والبلارج القرموني وقد لقيه ابن سعيد، وأبو محمد الباهلي، والجرنيس والمكاردي وابن ناجية اللوقي وأبو زيد الحداد البكازور البلنسي، ويحيى ابن عبد الله البحبضة. وقد امتدت موجة الزجل إلى المغرب وظهر زجالون مغاربة منهم أبو عبد الله محمد بن حسون الحلا. كما أن رجلا أندلسيا

стр. 273

يدعى بابن عمير هاجر إلى المغرب ونظم نوعا من الشعر الملحون سمي " عروض البلد " ومثاله: أبكاني بشاطي النهر نوح الحمام ... على الغصن في البستان قريب الصباح فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته. وشاع في الزجل؟ عدا الهجاء - أغراض أخرى أهمها التصوف في أزجال الششتري. وظهر في عصر لسان الدين بن الخطيب رجل زجال يسمى محمد بن عبد العظيم الوادي آشي. وأصبح الزجل في عصر ابن الخطيب وابن خلدون " شعرا زجليا " أي ينظم على أبحر الخليل.

стр. 274

النثر الأندلسي ١ - نظرة عامة بينت في ما تقدم بعض الأدوار التي أدارها النثر في مجالات مختلفة عند الحديث عن مظاهر التطور الأدبي. وهنا مقام التفصيل في أنواع الأشكال النثرية، من رسالة وخطبة مكتوبة ومقامة. وكانت أهم ظاهرة تتخللها جميعا هي اشتداد روح السخرية، ونمح الموضوعات الصغيرة التافهة شكل الموضوع البطولي الجاد. وجرت جميع تلك الأشكال النثرية في اكثر الأحوال على نظام السجع وعلى التفنن في ضروبه. لا نستثني من ذلك إلا بعض الناثرين أو بعض آثارهم، مثل المؤرخ ابن حيان وبعض رسائل ابن زيدون واحمد بن عباس. وكان قيام النثر السلطاني على السجع شر ما ابتلي به النثر الديواني الأندلسي في تقليد المشارقة، وكان كتاب ذلك النثر هم فرسان الحياة السياسية في أيام الطوائف والمرابطين ومنهم أبو محمد بن عبد البر وابن الجد وابن القصيرة وابن أبي الخصال، وغيرهم، وتعرف ميزة الكاتب منهم باللباقة التي

стр. 275

يستطيع بها أن يهادن أو يهدد أو يعزي أو يهنئ أو يجد التسويغ الملائم لحادثة ما. ومهما تكن نظراتها إلى هذا النوع الديواني من النثر، فثمة حقيقة لا يمكن أن نغفلها وهي ان الأندلسيين كانوا يقدرون بعض نماذج من ذلك النثر الديواني، ويحفظونها ويحيطونها بالإعجاب. من ذلك رسالة ابن أبي الخصال التي أنحى فيها على الجند المرابطي، فقد تناقلوها حفظا لأنها كانت تعبيرا عما يعتلج في نفوسهم، لا لقيمتها البلاغية فحسب. ومن ذلك أيضا رسالة لا ريب في براعتها الأسلوبية وفي طرافة العناصر التبريرية التي تقوم عليها، وهي رسالة كتبت على لسان علي بن يوسف بن تاشفين في عزل أبي الحسن بن أضحى الغرناطي عن قضاء المرية، ولا ندري من هو كاتبها، وقد بلغ إعجاب أحد الأندلسيين بها أن تحدث بها إلى السلفي الإمام، وهذا بعض ما جاء فيها (١) : " كتابنا؟ في حضرة مراكش بعد أن نمي إلينا وتقرر لدينا أن الجهول ابن أضحى أجهل بأحكام القضاء من العلجوم، إذ قد اظهر فيكم أحكاما يترحم فيها على سدوم، وقد جعلنا شهب العزلة لشياطينه كالرجوم، وقلدناه خطة الشوم، ونبذناه دون أن تداركه نقمة من ربه بالعراء وهو مذموم، ولعل متعسفا يتعسف، وجائرا لا ينصف، يلومنا في تقديمه، وينالنا من العتب بأليمه، ولا قدح، فقد اختار رسول الله ﷺ لوحي الله لعين بني سرج، وقد اغتر عثمان بحمران، ولسنا أول من خانه القياس، ومن لم يأته من الغوير بأس؟ ". وقدمت الأندلس نثرها الأصيل في ذلك الأسلوب المرسل الذي لم يخرج عنه ابن حزم، وفي ذلك " الاندفاع الملتوي " الذي يمثله أسلوب

стр. 276

المؤرخ ابن حيان، وفي مثل " مذكرات " الأمير عبد الله بن بلكين التي تعتمد البساطة وشيئا من تعقيدات المثقف الذي يكتب بلغة بين الصحيحة والدارجة. ولعل ابن حيان هو الكاتب الوحيد الذي اشتق لنفسه أسلوبا أدبيا رفيعا لم يعتمد فيه تقليد الكتاب الآخرين، وهو فوق سهولة الأسلوب التاريخي ودون الأسلوب المسجوع إيثارا للرونق اللفظي ويتفاوت أسلوب ابن حيان بين الوصف السردي وتصوير الشخصيات، ولكنه في الحالتين مغرب يحاول الابتكار والتفرد، ومن نماذج أسلوبه قوله (١) : " وتوفي (فلان) فسيء عوام الناس لموته، لعفاف كان يبديه، وبشر يشيعه ويستعمله وينطوي من أمثاله لأهل الدنيا على ضده، إذ كان زاهدا في إسداء المعروف، شرها إلى الحطام الدنيوي، عطلا من جميع التعاليم المحظية، لا يجيل في شيء منها ولا يقيم لسانه لحنا، وكان قد عضه صرف الزمان فأقعده إلى الأرض، واضطره إلى التوكل على مسحاته مرقحا معيشته بستانه، إلى ان عطف الدهر عليه بصحبة متولي الإمارة المنتزين على الأقطار، فخاض معهم، وشاطر السلطان خطة المواريث، ولزمه العمل على ذلك فسلخها نيفا على عشرين سنة، مرى فيها درتها، من غير تعقب ولا توقع عز، إلى أن تولت ذلك منه المنية، وقد اقتعد الثرى مطية ". ولعل ابن حيان إلى جانب قدرته في التاريخ من ابرع الأدباء في رسم الشخصيات، في سطور قليلة، على انه إلى جانب الثلب أميل وهو فيه أبرع قلما. وربما كان أنظر ما قدمه النثر الأندلسي في ذلك العصر أسلوبا ومضمونا هو تلك الكلمات الجامعة التي تجري مجرى الحكمة والمثل، مثل

стр. 277

وصف ابن برد للقلم والمداد والكتاب، وعنوان ذلك قوله (١) : - ما اعجب شأن القلم بشرب ظلمة ويلفظ نورا - على غيث القلم يتفتح زهر الكلم. - قاتل الله القلم كيف يفل السنان وهو يكسر بالأسنان. - فساد القلم خدر في أعضاء الخط. وأعمق من هذا الضرب الشعري واكثر اعتمادا على الاستمداد من نبع الفكر أقوال لأبي الفضل ابن شرف نورد بعض أمثلتها (٢) : - العالم مع العلم كالناظر للبحر يستعظم منه ما يرى وما غاب أكثر. - الفاضل في الزمن السوء كالمصباح في البراح، قد كان يضيء لو تركته الرياح. - لتكن بقليلك أغبط منك بكثير غيرك فان الحي برجليه وهما ثنتان، أقوى من الميت على اقدام الحملة وهي ثمان. المتلبس بمال السلطان كالسفينة في البحر إن أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه. - التعليم فلاحة الأذهان وليست كل أرض منبتة. - قول الحق من كرم العنصر كالمرأة، كلما كرم حديدها أرت حقائق الصفات. - يا ابن آدم تذم أهل زمانك وأنت منهم، كأنك وحدك البريء وجميعهم الجريء؛ كلا؟ بل جنيت عليك، فذكرت ما لديهم ونسيت ما لديك.

стр. 278

٢ - الموثرات الشرقية: اتسمت النماذج التي أصبح النثر الأندلسي قادرا على محاكاتها وتعددت إذ أصبح التراث المشرقي لدى الناثر الأندلسي يضم طرائق سهل بن هارون والجاحظ وكتاب القرن الرابع، وبخاصة بديع الزمان، ثم رسائل المعري ومقامات الحريري؛ وفي باب الخطب أصبحت خطب ابن نباتة هي النموذج الرفيع الذي يحتذى، وكاد كل كاتب يجد أنموذجه المفضل لدى واحد أو غير واحد من كتاب المشارقة. ولكن لا ينكر استقلال الكتاب الأندلسيين في الجزئيات ومحاولتهم التجديد في اختيار الموضوعات فإذا قرأنا ابن برد الأصغر أو ابن زيدون لمسنا أثر سهل ابن هارون والجاحظ بوضوح، ولكن هذا لا يعنى ان الكاتبين لم يخرجا من إسار دائرة التقليد. فأما ابن برد فان رسالته التي تسمى " البديعة " في تفضيل اهب الشاء (١) تذكرنا برسالة سهل بن هارون التي أوردها الجاحظ في كتاب " البخلاء "، فهو يحاول أن يرد على من عابه باستعمال جلود الشياه، مثلما يرد سهل على من عابه بشئون التدبير والتوفير. وهو لذلك يحتج بآراء الصالحين وأقوالهم على طريقة سهل نفسه؟ أو على طريقة الجاحظ أن شئنا الدقة - فإذا سمعناه يقول: " وأي بساط منها أدل على التواضع، وأعرب عن القناعة، وأدفأ في السيبرة، وألين في المس، وأخف في المحمل، وأمكن للنقلة، وأوفق لمقدار الحاجة، وأجدر بطول المتعة، وأبقى على حدث الدهر، وأغنى عن تكلف التبطين،

стр. 279

ومراعاة أوقات الترقيع "؟ إذا سمعنا ذلك حسبنا الجاحظ يتحدث بطريقته الأسلوبية التي تعتمد التنويع في سرد المتعاطفات دون إيثار للسجع. وكذلك هي رسالته في " النخلة " (١) فقد بناها على عنصري السخرية وإظهار مدى اطلاعه وثقافته. وشبيه به في هذا ابن زيدون، فان إيثاره للازدواج على السجع هو إيثار للطريقة الجاحظية. ولو أخذنا الرسالة الهزلية نموذجا لوجدناها ذاهبة في هذا المنزع من تقليد رسالة التربيع والتدوير (٢) وليس ابن زيدون منفردا بالعناصر الثلاثة التي اعتمدها في رسائله، وهي الإكثار من الأمثال، وحل الشعر، والتلويح بالإشارات إلى الأشخاص والأحداث، فقد أضحت هذه العناصر سمة عامة لأكثر ضروب النثر الأندلسي في هذا العصر حتى تكاد تكون بعض الرسائل جمعا لهذه الأركان جميعا في نطاق واحد. وكان ابن عبد الغفور أشد الكتاب إعجاباً بأبي العلاء، حتى حاكى كثيرا من كتبه، حسبما قدمنا من قبل، فقد حاكى كتاب " السجع السلطاني " واستفتح محاكاته بقوله: " بالبيان رجح القلم القناة، وان كانت أطول باعا، وفضلت الساجعة غيرها، وربما أبصرت أجمل قناعا، ولكن وجدنا من الفضل للسان، ما لا يستطيع قدره كل انسان، والحمد لله الذي رزقني منه ما إن لم أتش به، فأني أتميز به من الأمة الوكعاء، وإن لم أجر به في حلبة الضمر الاعوجية فاني أسبق في جملة الأهلية " (٣) . هذا إلى كتب أخرى ألفها في معارضة المعري. والتقى أثر أبي العلاء والحريري وابن نباتة عند الكاتب ابن أبي

стр. 280

الخصال، فله في معارضة الحريري؟ سيأتي ذكرها عند الحديث عن المقامات - وله خطب عارض بها ابن نباتة ومنها خطبة في الشكر على نزول غيث (١) ، وخطبة في الحض على الجهاد (٢) ، وخطبة في عيد الأضحى (٣) . ونكتفي منها بنموذج واحد على سبيل التمثيل نختاره من خطبته في الحض على الجهاد: " الحمد لله الذي لا تعد سوابق نعمه، ولا تحد علائق عصمه، ولا ترد بواثق نقمه، الذي فضح البرية عدله، ووسعهم رحمته وفضله، قدر أرزاقهم وأعمارهم، وأحصى أنفاسهم وكتب آثارهم، ووكل بهم ليلهم ونهارهم، فكل يتحرى مطالعه إلى أن يبلغ منتهاها، ويتقرى مضاجعه حتى يبيت بأقصاها، من رضي حتمه فمن السعداء، ومن سخط حكمه فليمدد بسبب إلى السماء، أحمده حمد مؤمن بلقائه، مؤمن بدوامه وبقائه ". والرسالة مليئة بتصوير تفاهة الدنيا والتذكير بالموت، ومن قوله فيها في موضوع الجهاد: " ألا تستوحشون لتباريح العصر، وركود ريح النصر، وتداعي أمم الكفر، وإجفالنا عن مقاومتهم إجفال العفر، ألا نقلع عن الذنوب التي فتت في أعضادنا، وقضت باهتضامنا واضطهادنا؟ واقسم بالله ما انقلب حال الدهر، ولا سلبنا عادة الظهور والقمر، ولا نكل الأبطال، ولا

стр. 281

أخلفنا الغيث الهطال، ولا رفعت علينا من الرعب جبال، لا تظهر ولا تطال، ولا غير الله نعمنا، ولا خذلنا ولا أسلمنا، إلا لما عهد إلينا وأعلمنا، إذ يقول سبحانه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ". وأما تأثره بابي العلاء فيتجلى في معارضته لملقى السبيل، وهو من رسائل المعري التي راوح فيها القول بين النثر والشعر، وجعلها مرتبة على الحروف الأبجدية ومن قول ابن أبي الخصال في بعض أجزائها (١) : (حرف الراء) . الحازم إذا ورد صدر، وإذا رأى فرصة ابتدر، لا يعاف الكدر، ولا يسخط القدر، ويعفو إن قدر: [خمس سجعات تتلوها خمسة أبيات] لله من لم تنم حزامته ... مهما يرد في ملمة صدرا إذا رأى فرصة قد ابتدرت ... قام لها في الركاب وابتدرا وليس شيء إليه من كرم ... أحب من عفوه إذا قدرا يؤثر بالصفو ذا مودته ... عن طيب نفس ويشرب الكدرا إن جر ما لا يريده قدر ... أبدى رضاه وأكرم القدرا ٣ - الرسائل: الرسالة من حيث غايتها قسمان: قسم فكري، أي غايته محاكمة الأشياء أو التأمل في بعض المشكلات دون التفات كبير إلى أسلوب بياني معين، ومن هذا النوع رسائل ابن باجة الفلسفية ورسالة " الحدائق "

стр. 282

لبن السيد البطليموسي، ورسالته المسماة " الانتصار " التي رد فيها على ابن العربي الفقيه حين تعقب أخطاءه في شرح سقط الزند، ومنها رسائل ابن حزم في الردود على مخالفيه، ورسالة لابن أرقم رد فيها على ما انتقده ابن سيده (١) ؛ وقسم بياني المنزع أي الغاية الأولى منه إظهار البراعة الأسلوبية، أو قل أن الاستقلال بالأسلوب فيه واضح المعالم، وقد يجتمع القسمان معا، إلا أن الفئة الثانية من الرسائل هي التي ستكون موضع الشاهد في هذه الدراسة. أ - رسائل تنتحل شكل المناظرة: يمكن أن نجد لها أصولاً في النثر المشرقي، ومن أمثلتها " رسالة السيف والقلم " (٢) لابن برد الأصغر وقد أجرى هذا الكاتب بينهما حوارا شديدا قاسيا يدخل في باب التساب والتهاجي والتبكيت، من مثل: " فقال السيف: يا الله! استنت الفصال حتى القرعى، ورب صلف تحت الراعدة! لقد تحاول امتدادا بباع قصيرة، وانتفاضا بجناح كسيرة. أمستعرب والفلس ثمنك، ومستجلب وكل بقعة وطنك!! ". " فقال القلم: من ساء سمعا ساء جابة، أستعيذ بالله من خطل أرعيت فيه سوامك، وزلل افتتحت به كلامك، أن ازدراءك بتمكن وجداني وبخس أثماني، لنقص في طباعك، وقصر في باعك، الا وان الذهب معدنه في العفر،

стр. 283

وهو انفس الجواهر، والنار مكمنها في الحجر وهي إحدى العناصر.. ". ويشتد بينهما الجدال كثيرا، ولكنا نرى فاتحة الرسالة وخاتمتها إيمان الكاتب بقيمة كل منهما، فهما جوادان أو سهمان أو زهرتان من كمامة أو بارقتان توضحتا من غمامة وان المنافسة غير مستغربة منها، ولذلك تراهما بعد العنف الشديد يبادران إلى السلم يعتقدان لواءها، وإلى المؤالفة يردان ماءها، " وقالا إن تعششت أهواؤنا وتتفرق آراؤنا وقد جمعنا الله في المألف الكريم، واحلنا بمحل غير ذميم ". ولا ريب في أن هذه الرسالة مستمدة من واقع الحال في دولة الطوائف، وقد كتبها ابن برد في ظل الموفق أبي الجيش مجاهد العامري، وبما ان الجند هم عماد ملوك الطوائف، فقد تأخرت مرتبة أصحاب الأقلام لديهم، ومن هنا نلمح كيف يحاول ابن برد - وهو من أصحاب الأقلام - أن يدعو إلى التسوية بين الفريقين، مع ان الحوار الذي يجري يقوم على الحدة وقوة الهجوم المتبادل. فالتسوية إذن حلم من أحلام أصحاب القلم في دول تقوم علاقاتها الداخلية والخارجية على قوة الجند وحسن استعداهم وفي هذا المقام يمكننا أن نستأنس بآراء أندلسي من كتاب النظم وذلك هو الطرطوشي أبو بكر صاحب " سراج الملوك "، فانه لم يتحدث عن قيمة الكتاب في الدولة، ولكنه عقد في كتاب فصلا خصصه للحديث عن سيرة السلطان مع الجنود فقال (١) : " اعلم ان الجند عدد الملك وحصونه، ومعاقله وأوتاده، وهم حماة البيضة والذابون عن الحرمة، وهم جفن الثغور، وحراس الأبواب، والعدة للحوادث ". وقال في

стр. 284

موضع آخر من كتابه (١) : " أيها الجند! أقلوا الخلاف على الأمراء، فلا ظفر مع الخلاف ولا جماعة لمن اختلف عليه ". ومن الرسائل التي تعتمد المناظرة ما كتب على ألسنة الأزهار، وأصوله مشرقية كذلك. ومن أمثلة تلك الرسائل رسالة ابن برد الأصغر في تفضيل الورد (٢) ورسالة حبيب الحميري في تفضيل البهار (٣) ولأبي عمر الباجي رسالة على لسان البهار (٤) ، كما أن لابن حسداي رسالة على لسان النرجس (٥) . وتعتمد رسالة ابن برد على مقدمة يشرح فيها الناطق باسم الأزهار جمال كل نوع منها، ثم يذكر المجتمعين ان فيهم من يستحق الرياسة وهو " الورد "، وقام كل نور حضر ذلك المجلس فأدى شهادته. فقال النرجس الأصفر: " والذي مهد لي حجر الثرى وأرضعني ثدي الحيا لقد جئت بها من لبة الصباح، وأسطع من لسان المصباح، ولقد كنت أسر من التبعد له والشغف به والأسف على تعاقب الموت والرجعة دون لقائه، ما أنحل جسمي ومكن سقمي، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى فقد خف ثقل البلوى ". ثم قام البنفسج وقال: " على الخبير شقطت، أنا والله المتعبد له، الداعي إليه، المشغوف به كلفا، المغضوض بيد النأي أسفا، وكفى ما بوجهي من ندب، وبجسمي من عدم نهوض، ولكن في التأسي بك، وفي الاستواء معك وحدان سلو ".

стр. 285

وبعد أن تتابع الخطباء، كتب الجميع كتابا بتفضيل الورد، ووضعوا فيه شهادتهم شعرا. وقد جاء حبيب الحميري فاستعار الطريقة والسياق، وأربى على ابن برد بالإضافة والاطناب، أما ابن حسداي فلم يورد منظر الحوار في رسالته بين النرجس والأزهار الأخرى، وإنما جعل الحوار بينه وبين أحد الناس من خواص المقتدر بن هود، وذلك ان النرجس كان زاهيا بنفسه شاعرا بحسنه، فمر به ظريف من خواص الأمير، فقطف النرجس وحاوره قائلا: " يا أيها الزهر الفارد، والنوار الشارد، الساحر بحدقه وأجفانه، الباهر بورقه وعقيانه، ما لي أرى قضبك غبراء ذابلة، ومنابتك شعثاء ناحلة ". ولا ندري بم رد النرجس على هذا الظريف لأن ابن بسام لم يورد الرسالة كاملة وانما ندري ان النرجس عاد يفتخر بذاته ويقول: " فليت الرياض تعلم بمكاني فتذبل كمدا، وتذوي حسدا، وتراني وقد أنرت في افقك البهيج، وزهرت في روضك الأريج، فأزل عني حسدهم بكبتهم، فقد شجاهم تقدمي قبل وقتهم ". ويتضح من هذه الرسالة أن غا؟؟؟؟. غاية ابن برد من رسائله الزهريات القائمة على؟؟؟؟ بالنرجس إلى النديم المخلص أو الصديق الوفي الذي؟؟؟؟.له خيرا في ظل الأمير صاحبه. أما ابن برد فانه مشغول؟؟؟. بالحال السياسية في بلاط مجاهد العامري، فإذا أقام مناظرة بين السيف والقلم، سعى إلى التسوية بين الكتاب والجند، وهو يضمر ميلا خفيا إلى طبقة الكتاب
следующие страницы →