١ - يحيى بن حكم الجياني
الملقب بالغزال
١٥٦ - ٢٥هـ
المطرب ١٢٥ - ١٤١، والجذوة: ٣٥١، والنفح ١: ٤٤٩، والمغرب ٢: ٥٧، وبغية الملتمس رقم: ١٤٦٧.
كان عمره حين توفي عبد الرحمن الداخل ستة عشر عاما، ثم شهد عهد هشام بن عبد الرحمن (١٧٢ - ١٨٠) والحكم ابنه (١٨٠ - ٢٠٦) وعبد الرحمن الحكم (٢٠٦ - ٢٣٨) وصدرا من خلافة محمد بن عبد الرحمن، ويبدو انه ذكر في أرجوزته التاريخية فقال (١) :
أدركت بالمصر ملوكا أربعه ... وخامسا هذا الذي نحن معه ومعنى ذلك انه عاصر كثيرا من أحداث الأندلس، وربما تمرس ببعض الحوادث، وكان عمره يوم الهيج الثاني لأهل الربض (٢٠٢) ستا وأربعين سنة، ولكن الأخبار عنه قبل مجيء عبد الرحمن بن الحكم إلى الحكم مجهولة على نحو غريب يبعث على الدهشة، وفي مطلع إمارة عبد الرحمن
стр. 108
عبد الرحمن زرياب إلى الأندلس وتقول الروايات ان الغزال لم يرتح إلى هذا القادم فهجاه هجاء مقذعا، لسبب لا ندريه، فغضب منه عبد الرحمن عندما شكاه إليه زرياب فأمر بنفيه عن الأندلس فكلمه فيه أكابر دولته فعفا عنه، وتضيف إحدى الروايات انه لم يطب نفسا بالمقام في بلده فهاجر إلى المشرق، بعيد وفاة أبي نواس، وانه أقام مدة يتجول في البلاد المشرقية ثم حن إلى وطنه فعاد وهو قد شارف الستين. ولكن ليس هناك من الأسباب المقنعة ما يجعلنا نعتقد صحة هذه الرواية أو أن الغزال رأى المشرق أبدا.
وولاه الأمير عبد الرحمن قبض الأعشار ببلاط مروان واختزالها في الأهراء استجابة لرغبة عبر عنها في إحدى قصائده (١) . وفي ذلك العام ارتفعت الأسعار فباع الغزال كل ما لديه من مخزون، ثم نزل المطر ورخص الطعام، فلما علم الأمير بما فعله الغزال أنكره وقال: " إنما تعد الأعشار لنفقات الجند والحاجة إليها في الجهد فماذا صنع الخبيث؟ خذوه بأداء ما باع من أثمانها واشتروا به طعاما "، وأبى الغزال ان يدفع ثمن ما باعه وقال: " إنما اشتري لكم من الطعام عدد ما بعت من الإمداد " فأمر الأمير بحمله مقيدا وسجنه بقرطبة، ومن السجن رفع الغزال إلى الأمير قصيدته التي مطلعها:
بعض تصابيك على زينب ... لا خير من الصبوة للأشيب وقد مدح فيها الأمير بالعدالة والهيبة فقال:
من مبلغ عني إمام الهدى ... الوارث المجد أبا عن أب
إني إذا أطنب مداحه ... قصدت في القول فلم أطنب
لا فك عني الله إن لم تكن ... أذكرتنا من عمر الطيب
وأصبح المشرق من شوقه ... إليك قد حن إلى المغرب
стр. 109
منبره يهتف من شوقه ... إليك بالسهل وبالمرحب
أطربه الوقت الذي قد دنا ... وكان من قبلك لم يطرب
هفا الوجد فلو منبر ... طار لوافى خطفة الكوكب
إلى جميل الوجه ذي هيبة ... ليست لحامي الغابة المغضب
لا يمكن الناظر من رؤية ... إلا التماح الخائف المذنب ثم تعرض لذكر الطعام وبيعه والمال الذي قبضه فقال:
إن ترد المال فإني امرؤ ... لم أجمع المال ولم أكسب
إذا أخذت الحق مني فلا ... تلتمس الربح ولا ترغب
قد أحسن الله إلينا معا ... أن كان رأس المال لم يذهب وواضح من هذا كيف ان الغزال لا يستعمل التذلل للاستشفاع، وإنما يعتمد على شاعريته في المدح وعلى روحه الفكاهية.
غير أن تأريخ هذه القصة بأنها حدثت في أيام عبد الرحمن مما يستدعي شيئا من التوقف، فإنا لا نعلم قحطا حدث في أيامه، لكن هناك مجاعة حدثت سنة ١٩٩هـ في أيام الحكم والد عبد الرحمن، فلعل للحكاية صلة بها، أو لعل هناك قحطا حدث في أيام عبد الرحمن نفسه ولم تحدثنا عنه كتب التاريخ، التي وصلت إلينا.
ومن أخباره في أيام عبد الرحمن صلته بقاضيين أخوين من بلده جيان، وهما يخامر الشعباني وأخوه معاذ، أما الأول فقد ولي القضاء سنة ٢٢٠هـ، فعامل الناس بخلق صعب ومذهب وعر فانبرى له الغزال يهجوه ويصفه بالبله والجهل، ومن شعره يشير إليه (١) :
فسبحان من أعطاك بطشا وقوة ... وسبحان من ولى القضاء يخامرا ثم ولي معاذ القضاء سنة ٢٣٢ وكان طيبا ولى أحباس قرطبة رجلا ظن فيه خيرا فخاب ظنه فقال الغزال (٢) :
стр. 110
يقول لي القاضي معاذ مشاورا ... وولى امرءا؟ فيما يرى - من ذوي الفضل
فديتك ماذا تحسب المرء صانعا ... فقلت وماذا يصنع الدب بالنحل
يدق خلاياها ويأكل شهدها ... ويترك للذبان ما كان من فضل كان الغزال حينئذ قد تجاوز الخامسة والسبعين وتهكمه بالقاضي وصاحب الاحباس ممزوج بالحكمة. وفي هذه السن أو في قريب منها كان ما يزال يروح ويجيء إلى عبد الرحمن في قصره، وذات يوم دخل على الأمير فحياه هذا بقوله (١) :
جاء الغزال بحسنه وجماله ... فطلب إليه ان يجيز فقال:
قال الأمير مداعبا بمقاله ... جاء الغزال بحسنه وجماله
أين الجمال من امرئ أربى على ... متعدد السبعين من أحواله
أين الجمال له، الجمال من امرئ ... ألقاه ريب الدهر في أغلاله
وأعاره من بعد جدته بلى ... وأحال رونق وجهه عن حاله وهي قصيدة طويلة، لم تبق منها إلا هذه الأبيات التي تدل على نسق جميل.
سفارة الغزال إلى بلاد النورمان (أو إلى القسطنطينية)
ومن أبرز الحوادث في حياة الغزال سفارته عن الأمير الأندلسي وقد قال ابن سعيد انه ذهب إلى ملك القسطنطينية (٢) ، وأول من دون خبر هذه الرحلة هو تمام بن علقمة، معاصر الغزال، في تاريخ له ألفه، وذكرها ابن حيان في كتاب المقتبس، وعن أحدهما، فيما يبدو، نقل ابن دحية شيئا من خبر تلك الرحلة مفصلا في كتاب المطرب ولكنه جعل
стр. 111
أحداث الرحلة تتصل بسفارة الغزال إلى بلاد المجوس (النورمان) واستغرقت هذه الرحلة بين سفر وإقامة مدة عشرين شهرا.
ففي سنة ٢٣٠هـ هاجم النورمانديون في نحو ثمانين مركبا شبه جزيرة البيرة سالكين الطريق البحرية من اشبونة إلى قادس ثم إلى شذونة ثم توغلوا حتى اشبيلية قسرا وقتلوا كثيرا من أهلها واستمروا على ذلك سبعة أيام فلما سمع الأمير عبد الرحمن بذلك بعث بالجيوش لمهاجمتهم، وتزايدت قوة المجوس بمقدوم عدد جديد من السفن، وتغلغلوا إلى قرى أخرى في عمالة اشبيلية، وبعد ان فتكوا بالناس فتكا ذريعا عاد قسم كبير منهم إلى شذونة ثم إلى قادس. وفي أواخر صفر استطاعت جيوش عبد الرحمن ان تصيب في من بقي منهم مقتلا عند قرية طلياطة، وقتل قائد أسطولهم وصلب بعض من أخذ منهم على جذوع النخل باشبيلية، كل ذلك حدث في خلال اثنين وأربعين يوما، ويبدو انهم أحبوا الصلح بعد هذه المعارك فوفد رسول منهم على عبد الرحمن، فوافق هذا على الصلح وانتدب الغزال ليذهب إلى بلادهم، وبعث معه بهدية ثمينة، وهيء له مركب حاذى به مركب الرسول، وذهبوا جميعا إلى بلاد المجوس. وفي عودته، مر بشنت يعقوب، ثم صدر علة قشالة؛ ومنها إلى طليطلة ومنها إلى قرطبة.
إذن فان هذه الرحلة قد تمت بعيد سنة ٢٣٠ هـ وعمر الغزال يومئذ إذا حسبنا انه ولد سنة ١٥٦هـ كان يناهز الخامسة والسبعين، الا ان تمام بن علقمة الذي سج تاريخ هذه الرحلة يقول انه كان قد شارف الخمسين، وعلى هذا فهناك خطأ ما في هذا الموقف، إما في حقيقة سن الغزال أو في التاريخ الذي ذهب فيه إلى بلاد المجوس؛ وللخروج من هذا الاضطراب علينا أن نفترض أن هناك سفارتين السفارة الأولى كانت إلى القسطنطينية وعمر الغزال خمسون سنة والثانية كانت إلى بلاد المجوس وعمره قد تجاوز السبعين.
стр. 112
والرحلة كما وصفها صاحب المطرب تتلخص في ان الغزال ذهب مع جماعة لم تذكر منهم المصادر الا واحدا هو يحيى بن حبيب، وهيأت له رحلته تجارب جديدة في الحياة، واستخرجت كثيرا من الشعر، ففي البحر قابلته العواصف، فوصفها الغزال ووصف تعلقهم بين الحياة والموت، وقدم لذلك بمطلع غزلي ثم قال:
قال لي يحيى وصرنا ... بين موج كالجبال
وتولتنا رياح ... من دبور وشمال
شقت القلعين وانبتت ... عرى تلك الجبال
وتمطى ملك المو ... ت إلينا عن حيال
فرأينا الموت رأي العين ... حالا بعد حال
لم يكن للقوم فينا ... يا صديقي رأس مال وفي هذه القطعة التحليلية الرقيقة تجد الغزال لا يزال في أشد حالات الكرب تشف نفسه عن الفكاهة العذبة في قوله: " لم يكن للقوم فينا يا صديقي رأس مال "، وعرفته هذه الرحلات على بلاد غريبة وناس غرباء وعادات يراها لأول مرة، والحكايات التي تروى في هذه الرحلة ليست كلها من نسج الخيال وبخاصة رفض الغزال أن يسجد لملك المجوس، ثم إعجاب ملك المجوس برأيه وحكمته، ومجادلته للعلماء والحكماء هنالك، ألا أن العنصر النسائي غالب على قصص تلك الرحلة، وافتتان الغزال بزوجة الملك واسمها تود أو نود (١) - تصنعا لا حقيقة - يدل على دهائه في التقرب إلى القلوب، وإجادته السفارة السياسية، وقد سئل الغزال هل كانت الملكة من الجمال بالقدر الذي أطنبت فيه فقال لمحدثه تمام بن علقمة نفسه: " وأبيك لقد كان فيها حلاوة ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها ونلت منها فوق ما أردت ". وقد خشي أصحاب الغزال عليه من كثرة تردده إلى الملكة أن يثير هذا الغيرة في نفس زوجها فلما قيل
стр. 113
لها في ذلك قالت: " ليس في ديننا نحن هذا ولا عندنا غيرة ولا نساؤنا مع رجالنا الا باختيارهن تقيم المرأة معه ما أحببت وتفارقه إذا كرهت ".
ونوادره مع الملكة مبنية على خفة ظله وميله إلى الدعابة، كأن تسأله عن سنه فيقول لها: عشرون، فإذا أبدت دهشتها قال لها وما تنكرين من هذا؟ ألم تري مهرا ينتج وهو أشهب، وربما تدخل في هذه الحكايات شيء من الخيال المشرقي عن الختان والخضاب وما أشبه. ويروى ابن سعيد أنها قد جاءته ذات مرة بخمر، وطلبت إليه ان يشربها، فأنى لأن ذلك لا يجوز في دينه ثم أدركته ندامة فقال من قصيدة يعبر عن ذلك (١) :
فقلت حماقة مني ونوكا ... فديتك لست من أهل الشمول
فأية غرة سبحان ربي ... لو اني كنت من أهل العقول شخصيته وخلقه
كان يحيى بن الحكم في صباه جميلا ومن اجل جماله لقب بالغزال، ويبدو انه كان فارع الطول، قوي البنية، وقد احتفظ بقوة بنيته هذه وهو في سن عالية، وقد وصفه معاصره تمام بن علقمة لأنه كان في اكتهاله وسيما، وانه حين سفر إلى بلاد المجوس كان ما يزال مجتمع الأشد ضرب الجسم حسن الصورة، وانه كان قد وخطه الشيب، وفي شيخوخته ما يزال الأمير عبد الرحمن يداعبه بذكر جماله، فينكر هذا ويؤكد أن الزمن قد غيره، وأحاله عن الحال الأولى، ولا ريب في أن اختياره للسفارة في بلاد أجنبية كان يشير إلى الجانبين البارزين من شخصيته: خلقه وخلقه، فأما الخلق فهو موصوف بحدة الخاطر وبديهة الرأي وحسن الجواب والنجدة والإقدام والحنكة السياسية، هذا إلى ثقافة جيدة، وبخاصة معرفته بعلم النجوم، كمعاصرة ابن الشمر منجم الأمير عبد الرحمن،
стр. 114
وقد شهد الحميدي بأنه كان جليلا في نفسه وعلمه، وسماه المقري " عرافا ".
ويشهد معاصروه انه كان قليل المال مهملا في الأمور المادية، وتدل حادثة بيعه للطعام أيام المجاعة حين ولي قبض الأعشار على انتهاز الفرص ليجد المال، وعلى تصرفه بما ليس له، وعلى تبديده المال الذي قبضه في وقت سريع. ويقولون انه كان مقبلا على اللهو ثم أقلع عن شرب الخمر بعد عودته من المشرق وكانت يومئذ قد علت به السن وشارف الستين، واتجه إلى الزهد عملا وقولا. وقد أورد له ابن عبد ربه قصيدة تدل على انه كان بعيدا من اللهو وانه لم ينقد للذاته أبدا، مطلعها (١) :
لعمري ما ملكت مقودي الصبا ... فأمطو للذات في السهل والوعر وفيما يتحدث عن قناعته بشربة ماء وبخبز وبقل دون لحم وانه لو عمر تسعين حجة؟ وقد عمر - ما اشتاق إلى الخمر والمزاهر، بل انه سمع من الناس ان الخمر مرة، ولم يذق لها طعما:
وبالله لو عمرت تسعين حجة ... إلى مثلها ما اشتقت فيها إلى خمر
ولا طربت نفسي إلى مزهر ولا ... تحنن قلبي نحو عود ولا زمر
وقد حدثوني أن فيها مرارة ... وما حاجة الإنسان في الشرب للمر فان كانت هذه القصيدة للغزال حقا، فأنها قد تغير النظرة إلى سيرته، وإلا فأنها مما قاله بعد ان نسك، على أننا نراه في رحلته يتعذر للملكة بان الخمر حرام في دينه، ولا يعتذر بكبر السن أو بما يقارب ذلك، ولا بد من ان نذكر دائما انه كان ميالا للمداعبة والفكاهة في كل أدوار حياته.
شعره
شاعر الأندلس المقدم؟ في نظري - على جميع شعراء هذه الفترة، وربما كان ابن شهيد أعمق منه ثقافة وأبصر بالنقد، وكلامه أشد أسرا
стр. 115
وأجزل جزالة، ولكن الغزال أقرب إلى الطبع وأبعد عن التكلف، وأعمق تجربة وأنفذ نظرا، وأغور حكمة، ومن قلة احتفاله بصقل المبنى الشعري تجد على شعره آثار الجفاء وقلة التحلية اللفظية، وطلب المعنى في قالب مستو وان لم يكن شديد الرصانة، وهو ميال إلى الجانب التحليلي أكثر من ميله إلى التركيز، ولذلك اعتقد أن إتقانه للقصص الشعري كان من سماته الشعرية البارزة كما في قطعته التي وصف فيها ركوب البحر مع يحيى بن حبيب، وكما في تصويره لهذه المشكلة القديمة الحديثة، تخيير الفتاة بين شيخ غني أو شاب فقير، إذ يقول (١) :
وخيرها أبوها بين شيخ ... كثير المال أو حدث فقير
فقالت خطتا خسف وما إن ... أرى من خطوة للمستجير
ولكن إن عزمت فكل شيء ... أحب إلي من وجه الكبير
لأن المرء الفقر يثري ... وهذا لا يصير إلى صغير ومما يميزه بين شعراء الأندلس ميزتان كبيرتان الأولى: قيام شعره على النظرة الساخرة، ووضوح نظراته الفلسفية القائمة على تجربيته، وهما خاصيتان عزيزتان في الشعر الأندلسي. فأما السخرية فأنها القاعدة الصلبة المتصلة بروحه الفكاهية، وهي لا تفارقه في أحرج المواقف أو في أشدها جدية، حتى في الغزل، في مثل قوله:
وهي أدرى فلماذا ... دافعتني بمحال
أترى أنا اقتضينا ... بعد شيئا من نوال وقد ترفع هذه السخرية إلى مستوى المرارة في النظر إلى حقائق الحياة كقوله:
قالت: أحبك، قلت: كاذبة ... غري بذا من ليس ينتقد
هذا كلام لست أقبله ... الشيخ ليس أحد
سيان قولك ذا وقولك ... إن الريح نعقدها فتنعقد
стр. 116
أو أن تقولي: النار باردة ... أو أن تقولي: الماء يتقد وحين تبلغ سخريته هذا المستوى تلتقى بفلسفته الشكية الجانحة إلى التشاؤم وسوء الظن، وهذا هو حصاد تجربة طويلة جعلته يقول (١) :
إذا أخبرت عن رجل بريء ... من الآفات ظاهرة صحيح
فسلهم عنه هل هو آدمي ... فان قالوا نعم، فالقول ريح
ولكن بعضنا أهل استتار ... وعند الله أجمعنا جريح
ومن إنعام خالقنا علينا ... بأن ذنوبنا ليست تفوح
فلو فاحت لأصبحنا هروبا ... فرادى بالفلا ما نستريح
وضاق بكل منتحل صلاحا ... لنتن ذنوبه البلد الفسيح وهذه الفلسفة هي التي جعلته يرى العلاقة الاجتماعية شيئا شبيها بعلاقة القط والفأر والثعلب والدجاج في قولة:
لا ومن أعمل المطايا إليه ... كل من يرتجي إليه نصيبا
ما أرى ها هنا من الناس إلا ... ثعلبا يطلب الدجاج وذيبا أو شبيها بالقط ألقى بعينيه إلى فأرة يريد الوثوبا ... ويغرق في هذه النظرة الشكية الكافرة بالخير إذا هو استحضر ذكر المرأة، فالمرأة سرج للتداول، أو خان يتعاقب عليه النازلون أو ثمرة يأكلها أول مار بها (٢) :
إن النساء لكالسروج حقيقة ... فالسرج ريثما لا تنزل
فإذا نزلت فان غيرك نازل ... ذاك المكان وفاعل ما تفعل
أو منزل المجتاز أصبح غاديا ... عنه، وينزل بعده من ينزل
أو كالثمار مباحة أغصانها ... تدنو لأول من يمر فيأكل وخلاصة فلسفة الغزال أن الناس جميعا متساوون لأنهم يتساوون في
стр. 117
العيوب ولا يتفاوتون في الفضائل، وكل واحد يرى عيب أخيه ولو كان صغيرا ويعمى عن عيب نفسه:
يستثقل اللمم الخفيف بغيره ... وعليه من أمثال ذاك جبال ويبدو أن الشيخوخة فعلت فعلها في نفس الغزال ومزجت نظرته إلى الحياة بمرارة شديدة وبعد أن كانت سخريته تريحه، ثقلت عليه وطأة السنين، وكان من جراء ذلك ان امتزج شعره بالموعظة، واتجه اتجاها زهديا فأخذ ينعى على أهل اليسار احتفالهم ببناء قبورهم كأنهم غافلون عما خرب من مدائن وقصور ويذكر الموت، وانه لم يفرق بين من يلبس الصوف ومن يلبس الحرير:
إذا أكل الثرى هذا وهذا ... فما فضل الكبير على الحقير وأخذ يرثي نفسه ويستشعر الغربة بين أجيال لا تعرفه، بل ربما حسدته على طول عمره (١) :
أصبحت والله محسودا على أمد ... من الحياة قصير غير ممتد
حتى بقيت بحمد الله في خلف ... كأنني بينهم من خشية وحدي
وما أفارق يوما من أفارقه ... إلا حسبت فراقي آخر العهد
أنظر إلي إذا أدرجت في كفن ... وانظر إلي إذا أدرجت في اللحد
واقعد قليلا وعاين من يقيم معي ... ممن يشيع نعشي من ذوي ودي
هيهات كلهم في شأنه لعب ... يرمي التراب ويحثوه على خدي وحتى في هذا الفن لا نحس أن الغزال كان يصطنع هذه الحكمة، ليقال انه مجرب، وإنما هي تفيض عن نفسه طبيعية معقولة؟ وان كانت مريرة - وفي بعض أشعار الزهد هذه تصح له ابتكارات المستغرق في ذات موضوعه كقوله (٢) :
стр. 118
ولو كانت الأسماء يدخلها البلى ... لقد بلي اسمي لامتداد زماني
وما لي لا أبلى لسبعين حجة ... وسبع أتت من بعدها سنتان
إذا عن لي شخص تخيل دونه ... شبيه ضباب أو شبيه دخان تلك هي النهاية التي انتهى إليها الغزال في الشعر، أما بدايته فكانت بصرا نافذا بالنقد في شبابه أيام كان يدرس في مسجد قرطبة، وعبثا لاذعا بمن حوله من الأشخاص الذين لا يعجبونه، ومحاكاة لأبي نواس في خمرياته ومجونياته، وهجاء مقذعا، وغزلا لا يتميز بالرقة، وربما كان اضعف فنونه، ثم حكمة قائمة على السخرية تنتهي إلى فلسفة شكلية مريرة متشائمة، ورثاء لشيخوخته وضعفه.
стр. 119
٢ - أبو مروان
مؤمن بن سعيد بن إبراهيم بن قيس
٢٦٧هـ -
المغرب ١: ١٣٢ - ١٣٤ الجذوة: ٣٣٠ المقتبس: ١٣٨ الخشني: ١٠٣ - ١٠٥، ١٢١ النفح٢ - ٨٧٣ ابن القوطية: ٧٢، ٨٥ اليتيمة١: ٣٧١ - ٣٧٢
جده إبراهيم بن قيس من موالي الأمير عبد الرحمن الداخل اتخذ قرطبة موطنا له، وفيها ولد مؤمن ونشأ وعلا نجمه في الشعر أيام الأمير محمد (٢٣٨ - ٢٧٣) واختص بمدحه مسلمة ابن الأمير المذكور (١) والقائد هاشم بن عبد العزيز، ولكنه كان كثير التندر والتهكم حاد الجواب لاذع التعليقات، يتتبع زلات الناس ويكثر من الهجاء وينبز خصومه بالألقاب التي تدور على الألسنة بسرعة، وهذا جر عليه عداوات كثيرة ولعله خرج عن قرطبة في رحلة إلى المشرق لكي يغيب عن ارض لم تعد تطيق
стр. 120
وجوده، وفي رحلته هذه لقي أبا تمام وروى عنه شعره، وعاد إلى الأندلس بعد ذلك يقرئ شعر أبي تمام ويدرس الأحداث بجامع قرطبة (١) ، وعلى مقربة منه مجلس القاضي، ولذلك كان مؤمن عارفا بما يجري من أمور في مجلس القضاء فكان كثير العبث بالقضاء وقد مرت بنا مداعبته للقاضي قبعة عمرو بن عبد الله وتعريضه به وإضحاك الناس بذلك (٢) ، وكان لهذا القاضي ابن يدعى أبا عمرو كثرت فيه القالة ونسب إلى اختيان بعض المال المستودع فهجاه مؤمن ومدح أباه (٣) فلما بلغت الأبيات سمع الأمير محمد قال: قد أكثر الناس في عمرو وفي ولده وعزل الأب عن القضاء (٤) .
وكان مؤمن لا يدع موقع نادرة أبدا حتى مع الطالب الذين يقرأون عليه. سأله مرة أحدهم بعد ان قرأ بيت أبي تمام:
أرض خلعت اللهو خلعي خاتمي ... فيها وطلقت السرور ثلاثا من سرور هذه أصلحك الله؟ فقال مؤمن: هي امرأة حبيب وقد رأيتها ببغداد (٥) . وكانت تعليقاته تشيع بين الناس فيرددونها فتكون سببا لتنكر الناس له وحقدهم عليه وتربصهم به. قبل له مرة: مالك لا تسامر الوزير حامدا (الزجالي) حسبما نراك تفعله مع الوزراء من اصحابه مع قديم اتصالك به فقال: ذاك جنازة غريب لا يصحبها من صحبها إلا الله. فبلغت كلمته حامدا فحقدها عليه. وبعد أيام ذهب مؤمن يشيعه وهو ذاهب من قصر السلطان إلى داره فلما اراد مؤمن الانصراف قال له حامد: أعظم الله أجرك أبا مروان وكتب خطاك
стр. 121
(وهو دعاء يقال لمن يشيع الموتى) (١) ، هذا كله مع سابق صحبه ومسامرة، حتى ان مؤمنا كان من مداحي حامد ولما ولي الكتابة مدحه بقصيدة مطلعها (٢) :
أي الأمور برأي حامد ... لم تنتظم نظم القلائد واذا كان حامد قد اكتفى بمعاتبته على هذا النحو فان غيره لم تكن تهدأ ثائرته الا بالانتقام. وكانت نقطة التحول في حياة مؤمن حين فسد ما بينه وبين القائد هاشم بن عزيز. ففي سنة ٢٦٢هـ توجه هاشم في غزو في ناحية ابن مروان الجلقي الثائر ببطليموس، وتقدم مبعدا عن معظم عسكره في فئة قليلة فأخذت عليه المضايق وقتل جماعة من اصحابه ووقع هو في الأسر (٣) فشمت به مؤمن وتوجه بعواطفه صوب عمر بن عم هاشم وعدوه وقال يخاطبه في قصيدة صنعها سرا:
تصبح أبا حفص على أسر هاشم ... ثلاث زجاجات وخمس رواطم
وبح بالذي قد كنت تخفيه خفية ... فقد قطع الرحمن دولة هاشم وصنع على وزن هذه القصيدة قصيدة أخرى يمدح بها هاشما لكي يظهر البرئ من الشماتة به.
وفي سنة ٢٦٤ خلص هاشم من الأسر، وبلغته شماتة مؤمن وتغيرت عليه نفسه فأخذ يكيد له عند الأمير محمد. ومن السهل إيقاع شخص مثل مؤمن منطلق اللسان لا يحتفظ في اقواله. ويبدو أن هاشما نجح في سعايته، وكان من ذلك ان ألقي مؤمن في السجن، فأخذ يرسل القصائد والرسائل المطولات من حبسه إلى هاشم لعله يعطف عليه، وتشفع لديه بجده محمد بن جهور فما أفاده ذلك شيئا، فلما يئس من عطفه اخذ يهجوه بالمقذعات (٤) .
стр. 122
ولبث مؤمن في سجنه حتى عام ٢٦٧. ثم أن أهل السجن ذات يوم كسروا السجن وفروا منه، وربما كان سبب ذلك مجاعة حدثت حينئذ وتطاول فيها المفسدون وكثرت السرقات والتعديات (١) ، وأبى مؤمن أن يفر حين سمع أن هاشما قدم لمعاينة السجن ظنا منه ان ذلك قد يرقق قلبه عليه، ولما دخل هاشم قام إليه مؤمن واستعطفه فلم يلتفت إليه بل أوصى السجان أن يوصد عليه، فأدركه كمد ويأس لم يمهلاه اكثر من ستة أيام، وتوفي ليلة الثلاثاء لأربع خلون من رجب سنة ٢٦٧ (٢) .
شعره
قال فيه ابن حيان: انه فحل شعراء قرطبة، ولقبه الحجازي " دعبل الأندلس " لأنه تميز في الهجاء حتى كان يهاجي ثمانية عشر شاعرا ويتفوق عليهم، وممن كان يهاجيه ديك تيس الجن احمد بن محمد الكتاني (الجياني) (٣) والعتبي المختص بمدح الأمير القاسم بن محمد (٤) وعباس بن فرناس، وكان مؤمن يتندر عليه في محاولته الطيران ويقول:
يطم على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم وصنع عباس في بيته هيئة السماء وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق فهجاه مؤمن عابثا. وكان أيضاً يتعقبه في شعره فلما أنشد قول عباس في مدح الأمير محمد:
رأيت أمير المؤمنين محمدا ... وفي وجهه بذر المحبة يثمر قال له مؤمن: قبحا لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفه محرثا يثمر فيه البذر، فخجل عباس وسبه (٥) .
стр. 123
وقد قال الحميدي انه كثير الشعر ولكن لم يصلنا الا مقطعات قليلة منه وأقل ما تبقى من شعره هو الهجاء، فنه الذي كان فيه ظاهرا على معاصريه من الشعراء، ووردت له مقطعات في الغزل لان ابن فرج ذكره في الحدائق وأورد له أمثلة من شعره الغزلي. وذكر له ابن حيان في المقتبس قطعة من الغزل بالمذكر (١) . ومن أصدق شعره تصويرا لحاله قطعة يصور فيها نظرة الناس إليه واستثقالهم له وتحاميهم لقائه وفيها يقول (٢) :
إنما أزرى بقدري أنني ... لست من بابه أهل البلد
ليس منهم غير ذي مقلية ... لذوي الألباب أو ذي حسد
يتحامون لقائي مثلما ... يتحامون لقاء الأسد
طلعتي أثقل في أعينهم ... وعلى أنفسهم من أحد
لو رأوني قعر بحر لم يكن ... أحد يأخذ منهم بيدي وكان الأمر شبيها بما قال. وهو والقلفاظ مثلان من أمثلة الشعراء المؤدبين، وصورتان من صور الهجاء في هذا العصر.
стр. 124
فراغ
стр. 125
٣ - محمد بن يحيى القلفاظ
٣٠٢هـ -
طبقات النحويين: ٣٠١ واليتيمة ١: ٣٩٥ والجذوة: ٩١ وبغية الملتمس: ١٣٤ والنفح ٢:٨٣٢ والمغرب ١: ١١١ أنباء الرواة٣: ٢٣١ بغية الوعاة: ١١٤ ابن عذاري ٢: ١٩٣ الحلة: ١٩٣ المقتبس: ٤٢،٤٨
قرطبي كنيته أبو عبد اله، سكتت جميع المصادر عن تعيين ميلاده، ولكنا نعلم انه كان حيا في أيام الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠) وأيام عبد الرحمن الناصر ورجح الحميدي انه عاش إلى أيام الحكم المستنصر، وهذا مستبعد. وكان سلطان الأمويين أيام عبد الله قد تقلص فهناك ابن حفصون كبير الثوار بالأندلس، وابن حجاج الذي استقل باشبيلية وسعيد ابن جودي بغرناطة وغيرهم كثيرون، وكل واحد منهم يتصرف في شئون منطقته، وكل شيء ينذر بانتكاس، وفي هذه الغمرة من الفوضى نسمع القلفاط يهجو الأمير عبد الله نفسه بقوله من قصيدة (١) :
стр. 126
ما يرتجي العاقل في مدة ... ألرجل فيها موضع الراس ولما نجم إبراهيم بن حجاج باشبيلية قصده القلفاط، كما قصده غيره من الشعراء، ومدحه بقصيدة أولها:
أرقت رحلتي فأهمت جفونا ... وفي تلك القصيدة أنحى بالهجاء على أهل بلده قرطبة، وأفحش في ذكر كبرائها وعظماء دولتها، فتوجس منه إبراهيم ريبة ولم يرق في عينه، وأبغضه لذلك وصرفه دون نوال، فعاد إلى قرطبة محنقا وأخذ يهجو إبراهيم بن حجاج، وقال فيه قصيدة مطلعها:
لا تنكري للبين طول بكائي ... ومنها البيت:
أبغي نوال الأكرمين معا ولا ... أبغي نوال البومة البكماء وبلغت القصيدة مسامع إبراهيم فغضب وحلف ان عاد القلفاط إلى الهجاء انه سيرسل إليه من يأخذ رأسه بقرطبة على فراشه، ودس إليه من يعلمه ذلك، فخاف القلفاط على نفسه وسكت، وحمد الناس بقرطبة لإبراهيم هذه الفعلة لشدة ما كان يلحقهم من هجاء القلفاط (١) ، ومعنى ذلك انه هدده إذا لم يكف عن الهجاء جملة.
هكذا هجاؤه أن يجني عليه وكذلك كان ميله إلى العبث سببا في مآزق كادت تودي بحياته، ذلك انه كان يحب التهكم بالمودبين ويحتال بصنوف الحيل ليعبث بهم؟ تنكر ذات مرة ودخل على مؤدب اسمه صالح بن معافى وأظهر له انه يريد أن يلقى العلم على يديه وانتسب له إلى البادية، فاجتهد صالح في تأديبه وتبصيره ثم دل على حقيقته فلما جاءه ذات يوم أمر تلاميذه بربطه إلى أحد أعمدة المسجد وضربه وتداول تلامذته ضربه كذلك حتى كادوا يأتون عليه (٢) .
стр. 127
وتعرض مرة أخرى للموت بسبب الهجاء فقد كان في قرطبة رجل اسمه حرقوص وعد القلفاط ان يصحبه إلى كرم له بالجبل، وطالت المدة وحرقوص لا يفي بوعده، فلج القلفاط في هجائه، فلما سمع بذلك والد حرقوص لاطفه وأخذه إلى الكرم وجنى له من فواكهه شيئا حمله إلى منزله، ولكن القلفاظ لم يسكت عن الهجاء عندئذ ضاق حرقوص به ذرعا، واخذ سكينا؟ وقد عرف انه في داره - وتسور عليه الدار، فلحظه القلفاظ وأدرك الشر، فعمد إلى مصلاه واستقبل القبلة ودخل في الصلاة، فأمسك عنه حرقوص وقال: يا فاسق والله لولا انك عذت بمعاذ للقيت الله بدمك فانك زنديق حلال الدم (١) .
ولم تكن حاله مع الشعراء خيرا من هذا لأنه كان شديد التعرض كثير المهاجاة لهم (٢) ، حتى أن أصدقاءه منهم لم يسلموا من لسانه، وكان بينه وبين ابن عبد ربه سبب من صداقة ثم تغيرت الحال وتهاجيا هجاء مقذعا، كان من جملته قول القلفاط يهجوه (٣) :
يا عرس أحمد إني نزمع سفرا ... فودعيني سرا من أبي عمرا ومن أصدقائه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الملقب بالحكيم وكان الغاية في علم العربية والحساب، بات عنده القلفاط مرة حتى تبلج الصبح وكادت الشمس تطلع عليهما فانتبه القلفاظ فقال للحكيم:
يا ديك مالك لم تصرخ لتنبهنا ... لقد أسأت بنا ديك الدجاجات
يا آكلا للقذى يا سالحا عبثا ... على الحصير بهيمي البهيمات فأجابه الحكيم:
لقد صرخت مرارا جمة عددا ... قبل الصباح وبعد الصبح تارات
لكن علمتك نواما وذا كسل ... (٤) قليل ذكر لجبار السماوات
стр. 128
وممن تولع بهم وآذاهم بهجائه أبو زيد الأديب (١) .
ومن كل هذا يتجلى لنا أن الإسراع إلى الهجاء والذم كان طبعا متأصلا في القلفاط لا ينفك عنه.
وكان القلفاط من حيث مظهره وسخ الثياب رذل الهيئة.
وكان يجمع إلى قدرته في الشعر، قدرة فائقة في اللغة، ولم يكن أحد يقارن الحكيم؟ صديقه - في علمه وثقابة ذهنه في نظره غيره، ولذلك عد القلفاط في النحويين، وأورد له الزبيدي قصيدة جمع فيها بعض المسائل والأحاجي النحوية (٢) ، ويبدو انه لم يؤلف في النحو وإنما اكتفى بالإقراء والتدريس، وقد دلل الزبيدي على اطلاعه اللغوي بحديث رواه أحدهم " لا يسجي المسلم في عرض أخيه " فاعترضه آخر وقال " لا يسحي المسلم.. " بمعنى يقشر، فلما عرضت الكلمة على القلفاط قال: بل صوابها " لا يشحي " أي يفتح فاه بسبه من قولهم: " شحا الحمار فاه بالنهيق " (٣) ، وكان محمد ابن يحيى في النفر الذين جمعهم عبد الرحمن الناصر لانتساخ شعر أبي تمام وترتيبه (٤) .
شعره
قال الزبيدي في القلفاط: كان شاعرا مجودا مطبوعا، وكان يقصد فيطيل ويحسن، وعده ابن حيان من شعراء المعلمين (٥) ولكن لم يصلنا من شعره قصيدة واحدة بطولها، حتى هجاؤه الذي كان سيفا مسلولا في وجوه الناس بقرطبة لا نعرف منه إلا أبياتا. على أن غلبة الهجاء عليه لم تحرمه من المشاركة في موضوعات شعرية أخرى، وبخاصة الغزل،
стр. 129
وغزله رقيق سهل الانسياب، من ذلك قوله:
يا غزالا عن لي فابتز قلبي ثم ولى ...
أنت مني بفؤادي ... يا منى نفسي أولى وقد أشد أحد الأندلسيين قصيدته هذه لأحد البغداديين فأعجب بها وفضلها على ما سمعه من شعر ابن عبد ربه وقال: " هذا الشعر بختمه، لا ما أنشدتني به آنفا " (١) . وأورد له الثعالبي في اليتيمة قطعتين في الغزل لعلهما من قصيدة واحدة، والأولى منهما (٢) :
طوى عني مودته غزال ... طوى قلبي على الأحزان طيا
إذا ما قلت يسلاه فؤادي ... تجدد حبه فازددت غيا
أحييه وأفديه بنفسي ... وذاك الوجه أهل أن يحيا والثانية:
أيا طيفا سما وهفا إلينا ... لقد جددت لوعاتي عليا
ألم مواصلا كأخي غرام ... سيذكر وصله ما دام حيا
غزال لو رأى غيلان يوما ... محاسنه إذن أنساه ميا وذكره أبو عامر بن مسلمة في كتاب " الارتياح بوصف الراح " ونقل عنه الحميدي له شعرا في الرياض:
مزن تغنيه الصبا فإذا همى ... لبت حياه روضة غناء
فالأرض من ذاك الحيا موشية ... والروض من تلك السماء سماء
ما ان وشت كفا صناع ما وشى ... ذاك الغناء بها وذاك الماء
زهر لها مقل جواحظ تارة ... ترنو، وتارات لها إغضاء وشعره في الغزل رقيق حقا، وفيه من الحيوية والحرارة ما يفقد في هذه المقطوعة التي يصف فيها الروض. على انه بعد ذلك أنموذج فذ للشاعر الأندلسي الهجاء، المثقف بثقافة لغوية نحوية، البعيد بعض الشيء عن حياة البلاط، الملابس لحياة الناس في قرطبة.
стр. 130
فراغ
стр. 131
٤ - أبو عمر
احمد بن محمد بن عبد ربه
١٠ - رمضان ٢٤٦ هـ - ١٨ جمادي الأولى ٣٢٨هـ
المطمح: ٥١ والجذوة: ٩٤ وبغية الملتمس رقم: ٣٢٧ ومعجم الأدباء ٢: ٦٧ وابن خلكان: رقم ٤٥ والرايات: ٤٧ والمطرب: ١٤١ وابن الفرضي ١: ٤٩
وأشعار في العقد واليتيمة ١: (٣٦٠، ٤١٢) ، والنفح، والشريشي وابن عذاري وتاريخ الناصر والمقتبس: ٤١ وصفحات أخرى، وابن عبد ربه وعقدة للدكتور جبرائيل جبور.
كان سالم؟ أحد أجداده - مولى من موالي الأمويين، وقد نشأ احمد حفيده بقرطبة، وكان في نشأته فقيرا خاملا، فطلب العلم على شيوخ عصره في جامع المدينة، ومن أهم شيوخه بقي بن مخلد وابن وضاح والخشبي. وأول هؤلاء كان ذا فضل كبير على الثقافة الأندلسية الفقهية لأنه بالاضافة إلى سعة علمه وكثرة تواليفه، أدخل إلى الأندلس كثيرا
стр. 132
من كتب المشارقة كمصنف ابن أبي شيبة وفقه الشافعي والتاريخ لخليفة ابن جياط، والطبقات له أيضاً وكتاب سيرة عمر بن عبد العزيز للدورقي ونسخة من كتاب العين سمعها على ابن ولاد بمصر. وأما ابن وضاح فانه كان عالما بالحديث بصيرا بطرقه، متكلما على علله، وأما الخشبي فانه لقي لغويي المشرق في رحلته فأخذ عنهم كثيرا من كتب اللغة، رواية الأصمعي، ودخل بغداد وكتب بها كتب أبي عبيد القاسم بن سلام، وأدخل الأندلس كثيرا من حديث الأئمة وكثيرا من اللغة والشعر الجاهلي رواية. فالثقافة التي تلقاها ابن عبد ربه عن هؤلاء الأعلام تشمل الفقه والحديث واللغة والسير والأخبار. ومعرض هذه الثقافة كتاب " العقد "، لأن فيه نقولا من كتب المشارقة وفي رأسها كتب ابن قتيبة وكتب ابن سلام وبخاصة كتاب " الأمثال " فانه قد اقتبسه في كتاب العقد، بشيء من الاختصار، هذا عدا اطلاعه الواسع على دواوين شعراء المشرق ومؤلفات اللغويين. ولهذه الثقافة أثرها في شهره، كما سأبين من بعد.
وقد اكتسب ابن عبد ربه بعلمه أولاً وبشعره ثانيا مكانة كبيرة بين علماء الأندلس وادبائها وفي بلاط امرائها، واغتنى بعد فقر وساد بعد خمول حيث اتفقت له أيام كان للعلم فيها نفاق (١) ، إلا انه جنح إلى الشعر فغلب عليه.
وكان متصاونا متدينا آخذا بحظه من المتع المباحة، وقد مر بنا كيف كان مغرما بالغناء يدافع عنه ويرى اباحته، اما الخمر فلا أظنه كان يشربها وان اكثر من ذكرها في شعره. على انه قد يستشف من ندمه عندما كبر انه كان مقبلا على اللذات، ولكني اعتقد ان توبته كانت توبة الفقيه المتحرج لا توبة اللاهي العابث، واعني بالفقيه المتحرج من يدركه الخوف من صغائر الذنوب في شيخوخته ومن ينظر إلى الغزل أو القول في الخمر أو إلى استماع الغناء والنظر إلى الجواري الجميلات
стр. 133
نظرة مخالفة لما كان يستبيحه من ذلك في شبابه، ولعله ان يتوهم ذنوبا لم يقترفها. وربما بدا لي ان ابن عبد ربه كان اقرب إلى التزمت منه إلى الانطلاق، فقد أورثته ثقافته الفقهية نظرة محافظة متشددة تنفر من كل جديد وتعادي العلوم الدنيوية؟ إذا صحت التسمية - ويكفي ان نذكر صلته بمسلم بن احمد بن أبي عبيدة الليثي الذي كان عالما بالحساب والنجوم وكيف عابه لاهتمامه بهذه العلوم ووصفه بأنه شاذ عن رأي الجماعة وتهكم بمعارفه الفلكية والجغرافية، واعلمه بأنه لا يصدق ما تضمنته علومه، في قوله (١) :
زعمت بهرام أو بيدخت يرزقنا ... لا بل عطارد أو مريخ أو زحلا
وقلت إن جميع الخلق في فلك ... بهم يحيط وفيهم يقسم الأجلا
والأرض كورية حف السماء بها ... فوقا وتحتا وصارت نقطة مثلا
صيف الجنوب شتاء للشمال بها ... قد صار بينهما هذا وذا دولا
كما استمر ابن موسى في غوايته ... فوعر السهل حتى خلته جبلا
أبلغ معاوية المصغي لقولها ... أني كفرت بما قالا وما فعلا وابن موسى هو الافشتين ومعاوية هو ابن الشبانسي. ومن صور العداء بينه وبين العلوم الجديدة انه ربما كره ابن أخيه سعيدا من أجلها، لا لأن هذا كان ثقيل الظل، كما يقول صاحب المغرب (٢) .
وعلى الرغم مما بلغه من مكانه، لما شهر عنه من تقوى وديانة، فقد كان، فيما يبدو، ضيق العطن حاد الطبع سريعا إلى الهجاء، متبرما بالناس، كثير الشكوى من الزمان، سيء الظن بالمجتمع، مسرعا إلى رؤية السيئات دون الحسنات في زمانه وأهله، وإذا عادى صديقا اندفع في هجائه، وقصته مع القلفاط الشاعر الذي كان من اقرب أصدقائه إليه
стр. 134
قد تصور حدته وسلاطة لسانه إذا هجا، على ان علاقته بغير القلفاظ من شعراء عصره كانت طيبة، فكان بينه وبين محمد بن عبيد الله بن أبي عبدة الليثي مقارضات شعرية، كتب إليه ابن أبي عبدة يقول (١) :
أعدها في تصابيها جذاعا ... فقد فضت خواتمها نزاعا
قلوب يستخف بها التصابي ... إذا سكبت لها طارت شعاعا فأجابه ابن عبد ربه بأبيات قال فيها:
متى يمشي الصديق إلي فترا ... مشيت إليه من كرم ذراعا ومن هذه الاخوانيات ما حكاه الحميدي أيضاً عن صديق له أرسل إليه طبقا فيه أنابيب من قصب السكر، فكتب ابن عبد ربه إليه، مرفقا قصيدته بهدية (٢) :
بعثت يا سيدي حلو الأنابيب ... عذب المذاقة مخضر الجلابيب وهو يخاطب في بعض أشعاره صديقا له يكنى بأبي صالح وينعى إليه الكرم وانعدام الكرام في عصره. ولا نعرف شيئا أدق عن علاقته أو عن حياته الخاصة إلا أنه فقد اثنين من أبنائه وكان أحدهما طفلا والآخر كبيرا يكنى بأبي يكر ويسمى يحيى ورثاهما بقصائد كثيرة منها (٣) :
بليت عظامك والأسى يتجدد ... والصبر ينفذ والبكا لا ينفد
يا غائبا لا يرتجى لإيابه ... ولقائه دون القيامة موعد
ما كان أحسن ملحدا ضمنته ... لو كان ضم أباك ذاك الملحد
باليأس أسلو عنك لا بتجلدي ... هيهات أين من الحزين تجلد ومنها:
واكبدا قد تقطعت كبدي ... وحرقتها لواعج الكمد
ما مات حي لميت أسفا ... أعذر من والد على ولد
стр. 135
ومن قصائده في رثاء ابنه الطفل (١) :
على مثلها من فجعة خانني الصبر ... فراق حبيب دون أو بته الحشر
ولي كبد مشطورة في يد الأسى ... فتحت الثرى شطر وفوق الثرى شطر
يقولون لي صبر فؤادك بعده ... فقلت لهم: ما لي فؤاد ولا صبر
فريخ من الحمر الحواصل ما اكتسى ... من الريش حتى ضمه الموت والقبر
إذا قلت أسلو عنه هاجت بلابل ... يجددها فكر يجدده ذكر
وانظر حولي لا أرى غير قبره ... كأن جميع الأرض عندي له قبر وفي أواخر عمره أصيب بالفالج، ولما توفي سنة ٣٢٨هـ (قبل قدوم القالي بعامين) تجمع في جنازته جمع عظيم وتكاثر الناس تكاثرا راع يحيى بن هذيل، وكان يومئذ صغير السن، فسأل: لمن هذه الجنازة؟ فقيل له لشاعر البلد، (٢) وفي هذا دليل بين على ما كان يتمتع به هذا الشاعر من مكانة في قرطبة، وقد أثر ذلك في نفسية اليافع يحيى بن هذيل، فاتجه إلى دراسة الأدب، ليحرز مثل مكانة ابن عبد ربه.
صلته بأمراء عصره (٣)
كان عمره حين توفي الأمير محمد (٢٧٣) سبعة وعشرين عاما، ويبدو أن صلته به لم تكن وثيقة، لأنه يروي صفاته عن أستاذه بقي بن مخلد، فلما تولى المنذر إمارة الأندلس أصبح من شعرائه المقربين، وله فيه قصيدة طويلة بقي منها البيتان (٤) :
стр. 136
بالمنذر بن محمد ... شرفت بلاد الأندلس
فالطير فيها ساكن ... والوحش فيها قد أنس وكأنه في هذا القول كان ما يزال يتعلق بأهداب المشهورين من شعراء المنذر كالعكي الذي يقول (١) :
بالمنذر المأمون طاب زماننا ... وبطيب دولته تطيب الأنفس ولم يطل العهد بالمنذر حتى توفي وخلفه عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠) فطل ابن عبد ربه يسير في ركابه ويقول في خلافته (٢) :
خلافة عبد الله حج على الورى ... فلا رفث في عصره وفسوق
تجلت دياجي الحيف عن نور عدله ... كما ذر في جنح الظلام شروق
وثقف سهم الدين بالعدل والتقى ... فهذا له نصل وذلك فوق ومدح من قواد هذا الأمير، عبد الله بن محمد بن أبي عبدة، ولا ريب في انه أيضاً تتبع في شعره انتصارات عبد الله وقواده على المنتزلين الثائرين في نواحي الأندلس وبخاصة ابن حفصون. فلما نجم ابن حجاج باشبيلية شد إليه الرحال ومدحه بقصائد كثيرة، ولا يعد تحرمه بابن حجاج خيانة لمواليه الأمويين لأن ابن حجاج لم يباطن ابن حفصون إلا مدة يسيرة ثم عاد إلى مهادنة الأمير الأموي، ومن مدائحه في إبراهيم ابن حجاج (٣) :
كتاب الشوق يطويه الفؤاد ... ومن يفيض الدموع له مداد
تخط يد البكاء به سطورا ... على كبدي ويميلها السهاد
وكيف وبي فؤاد مستطير ... بمن لا يستطار له فؤاد
أمن يمن يكون الجود خلوا ... وإبراهيم حاتمها الجواد
وباركه بمن يأتيه حج ... ومدحته رباط أو جهاد
стр. 137
ومالي في التخلف عنه عذر ... ولي في الأرض راحلة وزاد ومضى في عهد عبد الله يشيد بكفاحه ضد الثائر ابن حفصون، ومن اشهر الرجال الذين مدحهم في أيام عبد اله وصدر الخلافة الناصر القائد أبو العباس احمد بن محمد بن أبي عبدة، ومن مدائحه فيه (١) :
نفسي فداؤك والأبطال واقفة ... والموت يقسم في أرواحها النقما
شاركت صرف المنايا في نفوسهم ... حتى تحكمت فيها مثلما احتكما
لو تستطيع العلا جاءتك خاضعة ... حتى تقبل منك الكف والقدما ومنها قوله (٢) :
الله جرد للندى الباس ... سيفا فقلده أبا العباس
ملك إذا استقبلت غرة وجهه ... قبض الرجاء اليك روح الياس
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري مع الأنفاس
وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة للناس وقد اتصل أيضاً من رجال الأمير عبد الله بالوزير الكاتب عبد الله ابن محمد الزجالي، وكان هذا محببا إلى الناس، إلا أن الأمير عزله مدة ثم أعاده إلى خطته، ففرح الناس لرجوعه، وعبر ابن عبد ربه عن فرحة في قوله (٣) :
يا ملكا يزدهي به المنبر والمسجد الجامع الذي عمر ...
خليفة الله في بريته ... يسر للناس مثلما يجهر
يا قمر الأرض إن تغيب فلقد ... أقمت لناس كوكبا يزهر
ما فرح الناس مثل فرحتهم ... لما أقيل الأديب واستوزر
وابتهج الملك حين دبره ... عين الإمام التي بها يبصر وقال أيضاً في تلك الحادثة:
стр. 138
تجددت الدنيا وأبدت جمالها ... وردت إلينا شمسها وهلالها
عشية يوم السبت جاءت ببيعة ... من الله لا يرجو العدو زوالها
بها جبر الله الكسير من العلا ... وأدرك منه عثرة فأقالها
فأشرقت الآفاق نورا وبهجة ... ومدت علينا بالنعيم ظلالها
بتجديد عبد الله أعظم دولة ... لمولاه عبد الله كان أزالها
ولما تولت نضرة العيش ردها ... فآلت إلى العبد القويم مآلها وعاش في أيام الناصر ثمانية وعشرين عاما لم يتوقف فيها عن الإنتاج حتى آخر عمره، وهي اكثر فترات حياته غنى بالشعر واهتماما به، فقد افتتح عهد الناصر بقوله له يوم البيعة (١) :
يا من عليه رداء البأس والجود ... من جود كفك يجري الماء في العود
لما تطلعت في يوم الخميس لنا ... والناس حولك في عيد بلا عيد
وبادرت نحوك الأبصار واكتحلت ... بحسن يوسف في محراب داود وقال في تلك المناسبة أيضاً (٢) :
بدا الهلال جديدا ... والملك غض جديد
يا نعمة الله زيدي ... ما كان فيك مزيد
إمام عدل عليه ... تاجان: بأس وجود
يوم الخميس تبدى ... لنا الهلال السعيد
فكل يوم خميس ... يكون للناس عيد وتابع انتصاراته المتتالية وبخاصة الغزوة الأولى (٣٠٠) وهي غزوة المنتلون وقد أكثر ابن عبد ربه من ذكرها، ومن أولى قصائده فيها، وقد فصل لناصر لها (٣) :
فصلت والنصر والتأييد جنداكا ... والعز أولاك والتمكين أخراكا
стр. 139
ورحمة الله في الآفاق قد نشرت ... والأرض تبدي تباشيرا لمبداكا
قد اكتست حللا من وشي زهرتها ... كأن زخرفها في الحسن حاكاكا
طلعت بين الندى والبأس مبتهجا ... هذا بيمناك بل هذا بيسراكا
ضدان في قبضتي كفيك قد جمعا ... لولاهما لم يطب عيش ولولاكا
يمضي أمامك نصر الله منصلتا ... بالفتح يقصم من في الأرض ناواكا
والناس يدعون والآمال راغبة ... والطوع برجوك والعصيان يخشاكا وانتهت فتوح الناصر في هذه الغزوة إلى ان ملك سبعين حصنا من أمهات الحصون وقد ذكر ابن عبد ربه ذلك فقال (١) :
في غزوة مائتا حصن ظفرت بها ... في كل حصن غزاة للعناجيج
ما كان منك سليمان ليدركه ... والمبتني سد ياجوج وماجوج وقضى الناصر أيضاً على ثورة مدينة استجة (٣٠٠) وفي ذلك يقول (٢) :
ألا إنه فتح يقر له الفتح ... فأوله سعد وآخره نجح
سرى القائد الميمون خير سرية ... تقدمها نصر وتابعها فتح
ألم تره أردى باستجة العدا ... فلقوا عذابا كان موعده الصبح
فلا عهد للمراق من بعد هذه ... يتم له عند الإمام ولا صلح
فولوا عباديدا بكل ثنية ... وقد مسهم قرح وما مسنا قرح ونظم في غزوات الناصر أرجوزة انتهى بها إلى سنة ٣٢٢ ولا ندري لم توقف عند هذه السنة (٣) ، ولعل لمرضه أثرا في ذلك، إلا انه لم يتوقف عن الشعر، لأن له قصيدة قالها قبل وفاته بأحد عشر يوما، بين
стр. 140
فيها مبلغ سنه (١) :
كلاني لما بي عاذلي كفاني ... طويت زماني برهة وطواني
بليت وأبلتني الليالي وكرها ... وصرفان للأيام معتوران
وما لي لا أبلى لسبعين حجة ... وعشر أتت من بعدها سنتان وله في الناصر مدائح كثيرة، منها قوله في ذكر غزاة المنتلون (٢) ، وهي أول غزاة له:
غادرت في عقوتي جيان ملحمة ... أبكيت منها بأرض الشرك أعلاجا
في نصف شهر تركت الأرض ساكنة ... من بعد ما كان فيها الجور قد ماجا
وجدت في الخبر المأثور منصلتا ... من الخلائف خراجا وولاجا
تملا بك الأرض عدلا مثلما ملئت ... جورا وتوضح للمعروف منهاجا
يا بدر ظلمتها يا شمس صحبتها ... يا ليث حومتها إن هائج هاجا
إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت ... حتى عقدت لها في رأسك التاجا وإلى هذه الغزوة نفسها أشار في أرجوزته بقوله (٣) :
ثم انتحى جيان في غزاته ... بعسكر يسعر من حماته
فاستنزل الوحش من الهضاب ... كأنما حطت من السحاب
فأذعنت مراقها سراعا ... وأقبلت حصونها تداعى
стр. 141
لما رماها بسيوف العزم ... مشحوذة على دروع الحزم
كادت لها أنفسهم تجود ... وكادت الأرض بهم تميد
لولا الاله زلزلت زلزالها ... وأخرجت من رهبة أثقالها ولما رزق الناصر بتبنه الحكم (٣٠٢) هنأه الشعراء، ومما قاله ابن عبد ربه قصيدته (١) :
هلال نماه المجد واختاره الفخر ... تلقت به شمس وأنجبه بدر
على وجهه سيما المكارم والعلا ... فضاءت به الآمال وابتهج الشعر
سلالة أملاك ربيب خلائف ... أكفهم بر العليا ونائلهم غمر
بدا لصلاة الظهر نجم مكارم ... تحف به العليا ويكنفه الفجر وشعره
يقع شعره بين قطبين ويشغل مرحلتين: أما القطبان فهما البديهة والكد الذهني، ففي كثير من اخباره ما يدل على انه كان ينظم على البديهة، ويتناول أقرب سحاية إليه ويكتب عليها دون تنقيح، كذلك فعل حين سمع غناء الجارية مصابيح، وكذلك فعل أيضاً حين دخل على القائد أبي العباس ابن أبي عبدة يتنجزه حاجة، فكتب إليه (٢) :
ما ضر عندك حاجتي ما ضرها ... عذرا إذا أعطيت نفسك قدرها
أنظر إلى عرض البلاد وطولها ... أو لست أكرم أهلها وأبرها
حاشا لجودك ان يوعر حاجتي ... ثقتي بجودك سهلت لي وعرها ولكن ليس كل شعره يحمل طابع الخفة الارتجالية، ففيه ما يدل على انه كان يتعب في حوكه، ويتعمد فيه الإعمال ليحصل على الطرافة والغرابة، ولكني اعتقد انه مرن على النظم حتى اصبح لا يعيبه القول،
стр. 142
اعني اصبح النظم يطاوعه على نحو لا يحتاج فيه إلى استشارة عاطفية عميقة أو شديدة، ولذلك تراه غسيل الشعر، لا من حيث انه لا يعنى بالمبنى الشعري وما يحتاجه أحياناً من بديع، ولكن من حيث ان التيار العاطفي في شعره مفقود أو مختنق، حتى في أشد الحالات التي يمكن ان تثور فيها عاطفة، كموت أبنائه، وقد يجيء شعره رقيقا في الظاهر، ولكن الجفاء اغلب عليه، ومن عجب ان الأندلسيين سموه مليح الأندلس، ونسبوا إلى المتنبي الإعجاب به، فهذا أمر مستغرب، وبخاصة وان النوع الذي انشدوه له نموذجا للملاحة ليس فيه ملاحة ولا عليه طلاوة.
وأما المرحلتان فهما مرحلة الشباب ومرحلة الشيخوخة، وقد شاء هو ان يحدث هذه القسمة في شعره، فأكثر في المرحلة الأولى من الشعر الغزلي، ثم عاد ينقض على نفسه ما قاله بأشعار يقولها في الزهد والتذكير بالموت وذم الحياة الدنيا، وهذا النوع الثاني سماه " المحصات "، فقد يقول في الشباب مثلا ذاكرا بعض صبوته (١) :
هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر ... هيهات يأبى عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهفا ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر (وذكر الريح والمطر لأن السماء أمطرت وهبت الريح فحالت بين محبوبة وبين الرحيل) ، فيمحص هذه القطعة بقوله:
يا عاجزا ليس يعفو حين يقتدر ... ولا يقضى له من عيشة وطر
عاين بقلبك إن العين غافلة ... عن الحقيقة واعلم أنها سقر فإذا عرفنا انه عارض كل قطعة قالها في صباه بقطعة من الممحصات، وجدنا كيف انه ضاعف كمية شعره، في المرحلتين. فهما مرحلتان تمثلان نزعتين طبيعيتين، ولكني لا أرى فرقا بينهما من وجهة النظر الفنية، لأن ابن عبد ربه لم ينتشل نفسه في المرحلة الثانية من ذنوب وآثام أقضت مضجعه في المرحلة الأولى، أعني ان تجربته في الحالتين كانت تجربة كلامية،
стр. 143
وكانت صورتها هذا الفيض الكثير من النظم، ونقرأ شعره في الزهد وذم الحياة فلا نجد إحساساً حقيقيا بمعنى الخوف، ولا تشف إلا قطع قليلة عن الصدق العاطفي في هذه الناحية كقوله (١) :
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب
وكم سخنت بالأمس عين قريرة ... وقرت عيون دمعها اليوم ساكب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها، فانك ذاهب وبين هاتين المرحلتين تقع مرحلة البكاء على الشباب ووصف المشيب، وربما كان شعره في هذه الناحية أصدق وأحفل بالشعور كما في قوله (٢) :
قالوا شبابك قد مضت أيامه ... بالعيش قلت وقد مضت أيامي
لله أية نعمة كان الصبا ... لو أنها وصلت بطول دوام
حسر المشيب قناعه عن رأسه ... وصحا العواذل بعد طول ملام
فكأن ذاك العيش ظل غمامة ... وكأن ذاك اللهو طيف منام ومن ثم لا نجد لابن عبد ربه فلسفة في الحياة، عدا نظرته إلى الأشياء من الزاوية الدينية، أو مما قد يستوحيه من خلقية أساسها الدين نفسه؟ لقد حالت روحه المحافظة بينه وبين كثير من العمق، ومبلغ ما لديه من هذا مستمد من طبيعته المتشائمة المشمولة بسوء الظن، الناظرة إلى الدنيا من طرف الموت والآخرة، فالحياة مزارع والناس إنما يقاس فضلهم بما يخلفونه من ذكر (٣) :
إن الحياة مزارع ... فازرع بها ما شئت تحصد
والناس لا يبقى سوى ... آثارهم، والعين تفقد وهذه الحياة لا يغنى فيها إلا اللئيم (٤) :
стр. 144
أرى كل فدم قد تبجح في الغنى ... وذو الظرف لا تلقاه غير عديم والحياة تنتقل من سيء إلى أسوأ، ولا يتبقى فيها إلا حثالة تضم أهل اللؤم والبخل أما الكرماء فقد ذهب عصرهم الذهبي (١) :
أبا صالح جاءت على الناس غفلة ... على غفلة بانت بكل كريم
فليت الألى بانوا يفادون بالألى ... أقاموا، فيفدى ظاعن بمقيم
ويا ليتها الكبرى فتطوى سماؤها ... لها وتمد الأرض مد أديم
فما الموت إلا عيش كل مبخل ... وما العيش إلا موت كل ذميم
وأعذر ما أدمى الجفون من البكا ... كريم رأى الدنيا بكف لئيم حتى الله يرزق الأنوك ويحرم العاقل (٢) :
رزق من الله أرضاهم وأسخطني ... والله للأنوك المعتوه رزاق إذن فالحياة ليس فيها اخوان، - وقيمتك فيها إنما هي بما تملك، فمالك وحده أخوك (٣) :
قالوا نأيت عن الإخوان قلت لهم ... مالي أخ غير ما تطوى عليه يدي وهذا غير مستغرب من ابن عبد ربه، وان مال به قليلا عن مثله العليا الدينية، لما في نفسيته من استعداد لرؤية السيئات، فهو سريع الغضب، حاد الطبع، ميال ابى الذم، وحسبك ان تجده حين مطله أحد الناس قد تخصص في هجائه لتلك الحادثة وحدها، وقال فيها قطعا كثيرة من الشعر أثبتها في العقد (٤) ، فتلك النفسية هي التي كان يرى بها الحياة خالية من كل خير وان من فيها كلاب (٥) :
وأيام خلت من كل خير ... ودنيا قد توزعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابا ... لقالوا عندنا انقطع التراب
стр. 145
وصواب الناس الغالبة انهم صم كلاب، وتتدخل عصا موسى في الصورة فلا تفلح في ان تفجر منهم شيئا (١) :
حجارة بخل ما تجود وربما ... تفجر من صم الحجارة ماء
ولو أن موسى جاء يضرب بالعصا ... لما انبجست من ضربه البخلاء والصورة نفسها مرة أخرى (٢) :
يراعه غرني منها وميض سنا ... حتى مددت إليها الكف مقتبسا
فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا فالهجاء هو الموضوع الذي كان ابن عبد ربه مهيأ له بطبعه، وغايته الفنية فيه أن تولد معنى جديدا، أما الموضوع الذي راض طبعه عليه واسرف فيه ولم يقصر عن بلوغ الإجادة فيه، فذلك هو وصف المعارك والحروب، وقد أورد له أمثلة كثيرة منه في العقد، وما تزال غايته فيه أيضاً التجديد في المعاني. قال (٣) : وقد وصفنا الحروب بتشبيه عجيب لم يتقدم إليه ومعنى بديع لا نظير له وذلك قولنا:
وجيش كظهر اليم تنفحه الصبا ... يعب عبابا من قنا وقنابل
فتنزل أولاه وليس بنازل ... وترحل أخراه وليس براحل وعلى أن هذا معنى فيه شيء من الابتكار والتوجيه فان وصفه للحروب حين يجيء في نغمة قوية منحدرة خير من تطلبه المعنى والاحتفال به.
وأبرز ما في شعر ابن عبد ربه انه مجلى لثقافته واطلاعه في نواحي متعددة، فثقافته الفقهية تجعله يقول؟ مثلا - (٤) :
وما بعث الهوى بيعا بشرط ... ولا استثنيت فيه بالخيار واطلاعه الواسع في الأمثال هو الذي يدفعه لتحويل كل بيت أحياناً