لما رماها بسيوف العزم ... مشحوذة على دروع الحزم
كادت لها أنفسهم تجود ... وكادت الأرض بهم تميد
لولا الاله زلزلت زلزالها ... وأخرجت من رهبة أثقالها ولما رزق الناصر بتبنه الحكم (٣٠٢) هنأه الشعراء، ومما قاله ابن عبد ربه قصيدته (١) :
هلال نماه المجد واختاره الفخر ... تلقت به شمس وأنجبه بدر
على وجهه سيما المكارم والعلا ... فضاءت به الآمال وابتهج الشعر
سلالة أملاك ربيب خلائف ... أكفهم بر العليا ونائلهم غمر
بدا لصلاة الظهر نجم مكارم ... تحف به العليا ويكنفه الفجر وشعره
يقع شعره بين قطبين ويشغل مرحلتين: أما القطبان فهما البديهة والكد الذهني، ففي كثير من اخباره ما يدل على انه كان ينظم على البديهة، ويتناول أقرب سحاية إليه ويكتب عليها دون تنقيح، كذلك فعل حين سمع غناء الجارية مصابيح، وكذلك فعل أيضاً حين دخل على القائد أبي العباس ابن أبي عبدة يتنجزه حاجة، فكتب إليه (٢) :
ما ضر عندك حاجتي ما ضرها ... عذرا إذا أعطيت نفسك قدرها
أنظر إلى عرض البلاد وطولها ... أو لست أكرم أهلها وأبرها
حاشا لجودك ان يوعر حاجتي ... ثقتي بجودك سهلت لي وعرها ولكن ليس كل شعره يحمل طابع الخفة الارتجالية، ففيه ما يدل على انه كان يتعب في حوكه، ويتعمد فيه الإعمال ليحصل على الطرافة والغرابة، ولكني اعتقد انه مرن على النظم حتى اصبح لا يعيبه القول،
стр. 142
اعني اصبح النظم يطاوعه على نحو لا يحتاج فيه إلى استشارة عاطفية عميقة أو شديدة، ولذلك تراه غسيل الشعر، لا من حيث انه لا يعنى بالمبنى الشعري وما يحتاجه أحياناً من بديع، ولكن من حيث ان التيار العاطفي في شعره مفقود أو مختنق، حتى في أشد الحالات التي يمكن ان تثور فيها عاطفة، كموت أبنائه، وقد يجيء شعره رقيقا في الظاهر، ولكن الجفاء اغلب عليه، ومن عجب ان الأندلسيين سموه مليح الأندلس، ونسبوا إلى المتنبي الإعجاب به، فهذا أمر مستغرب، وبخاصة وان النوع الذي انشدوه له نموذجا للملاحة ليس فيه ملاحة ولا عليه طلاوة.
وأما المرحلتان فهما مرحلة الشباب ومرحلة الشيخوخة، وقد شاء هو ان يحدث هذه القسمة في شعره، فأكثر في المرحلة الأولى من الشعر الغزلي، ثم عاد ينقض على نفسه ما قاله بأشعار يقولها في الزهد والتذكير بالموت وذم الحياة الدنيا، وهذا النوع الثاني سماه " المحصات "، فقد يقول في الشباب مثلا ذاكرا بعض صبوته (١) :
هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر ... هيهات يأبى عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهفا ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر (وذكر الريح والمطر لأن السماء أمطرت وهبت الريح فحالت بين محبوبة وبين الرحيل) ، فيمحص هذه القطعة بقوله:
يا عاجزا ليس يعفو حين يقتدر ... ولا يقضى له من عيشة وطر
عاين بقلبك إن العين غافلة ... عن الحقيقة واعلم أنها سقر فإذا عرفنا انه عارض كل قطعة قالها في صباه بقطعة من الممحصات، وجدنا كيف انه ضاعف كمية شعره، في المرحلتين. فهما مرحلتان تمثلان نزعتين طبيعيتين، ولكني لا أرى فرقا بينهما من وجهة النظر الفنية، لأن ابن عبد ربه لم ينتشل نفسه في المرحلة الثانية من ذنوب وآثام أقضت مضجعه في المرحلة الأولى، أعني ان تجربته في الحالتين كانت تجربة كلامية،
стр. 143
وكانت صورتها هذا الفيض الكثير من النظم، ونقرأ شعره في الزهد وذم الحياة فلا نجد إحساساً حقيقيا بمعنى الخوف، ولا تشف إلا قطع قليلة عن الصدق العاطفي في هذه الناحية كقوله (١) :
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب
وكم سخنت بالأمس عين قريرة ... وقرت عيون دمعها اليوم ساكب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها، فانك ذاهب وبين هاتين المرحلتين تقع مرحلة البكاء على الشباب ووصف المشيب، وربما كان شعره في هذه الناحية أصدق وأحفل بالشعور كما في قوله (٢) :
قالوا شبابك قد مضت أيامه ... بالعيش قلت وقد مضت أيامي
لله أية نعمة كان الصبا ... لو أنها وصلت بطول دوام
حسر المشيب قناعه عن رأسه ... وصحا العواذل بعد طول ملام
فكأن ذاك العيش ظل غمامة ... وكأن ذاك اللهو طيف منام ومن ثم لا نجد لابن عبد ربه فلسفة في الحياة، عدا نظرته إلى الأشياء من الزاوية الدينية، أو مما قد يستوحيه من خلقية أساسها الدين نفسه؟ لقد حالت روحه المحافظة بينه وبين كثير من العمق، ومبلغ ما لديه من هذا مستمد من طبيعته المتشائمة المشمولة بسوء الظن، الناظرة إلى الدنيا من طرف الموت والآخرة، فالحياة مزارع والناس إنما يقاس فضلهم بما يخلفونه من ذكر (٣) :
إن الحياة مزارع ... فازرع بها ما شئت تحصد
والناس لا يبقى سوى ... آثارهم، والعين تفقد وهذه الحياة لا يغنى فيها إلا اللئيم (٤) :
стр. 144
أرى كل فدم قد تبجح في الغنى ... وذو الظرف لا تلقاه غير عديم والحياة تنتقل من سيء إلى أسوأ، ولا يتبقى فيها إلا حثالة تضم أهل اللؤم والبخل أما الكرماء فقد ذهب عصرهم الذهبي (١) :
أبا صالح جاءت على الناس غفلة ... على غفلة بانت بكل كريم
فليت الألى بانوا يفادون بالألى ... أقاموا، فيفدى ظاعن بمقيم
ويا ليتها الكبرى فتطوى سماؤها ... لها وتمد الأرض مد أديم
فما الموت إلا عيش كل مبخل ... وما العيش إلا موت كل ذميم
وأعذر ما أدمى الجفون من البكا ... كريم رأى الدنيا بكف لئيم حتى الله يرزق الأنوك ويحرم العاقل (٢) :
رزق من الله أرضاهم وأسخطني ... والله للأنوك المعتوه رزاق إذن فالحياة ليس فيها اخوان، - وقيمتك فيها إنما هي بما تملك، فمالك وحده أخوك (٣) :
قالوا نأيت عن الإخوان قلت لهم ... مالي أخ غير ما تطوى عليه يدي وهذا غير مستغرب من ابن عبد ربه، وان مال به قليلا عن مثله العليا الدينية، لما في نفسيته من استعداد لرؤية السيئات، فهو سريع الغضب، حاد الطبع، ميال ابى الذم، وحسبك ان تجده حين مطله أحد الناس قد تخصص في هجائه لتلك الحادثة وحدها، وقال فيها قطعا كثيرة من الشعر أثبتها في العقد (٤) ، فتلك النفسية هي التي كان يرى بها الحياة خالية من كل خير وان من فيها كلاب (٥) :
وأيام خلت من كل خير ... ودنيا قد توزعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابا ... لقالوا عندنا انقطع التراب
стр. 145
وصواب الناس الغالبة انهم صم كلاب، وتتدخل عصا موسى في الصورة فلا تفلح في ان تفجر منهم شيئا (١) :
حجارة بخل ما تجود وربما ... تفجر من صم الحجارة ماء
ولو أن موسى جاء يضرب بالعصا ... لما انبجست من ضربه البخلاء والصورة نفسها مرة أخرى (٢) :
يراعه غرني منها وميض سنا ... حتى مددت إليها الكف مقتبسا
فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا فالهجاء هو الموضوع الذي كان ابن عبد ربه مهيأ له بطبعه، وغايته الفنية فيه أن تولد معنى جديدا، أما الموضوع الذي راض طبعه عليه واسرف فيه ولم يقصر عن بلوغ الإجادة فيه، فذلك هو وصف المعارك والحروب، وقد أورد له أمثلة كثيرة منه في العقد، وما تزال غايته فيه أيضاً التجديد في المعاني. قال (٣) : وقد وصفنا الحروب بتشبيه عجيب لم يتقدم إليه ومعنى بديع لا نظير له وذلك قولنا:
وجيش كظهر اليم تنفحه الصبا ... يعب عبابا من قنا وقنابل
فتنزل أولاه وليس بنازل ... وترحل أخراه وليس براحل وعلى أن هذا معنى فيه شيء من الابتكار والتوجيه فان وصفه للحروب حين يجيء في نغمة قوية منحدرة خير من تطلبه المعنى والاحتفال به.
وأبرز ما في شعر ابن عبد ربه انه مجلى لثقافته واطلاعه في نواحي متعددة، فثقافته الفقهية تجعله يقول؟ مثلا - (٤) :
وما بعث الهوى بيعا بشرط ... ولا استثنيت فيه بالخيار واطلاعه الواسع في الأمثال هو الذي يدفعه لتحويل كل بيت أحياناً
стр. 146
إلى مثل، أو ليضمن شعره امثالا، كقوله (١) :
قد صرح الأعداء بالبين ... وأشرق الصبح لذي عين ومنها وجعل في كل بيت مثلا:
وعاد من أهواء بعد القلى ... شقيق روح بين جسمين
وأصبح الداخل في بيننا ... كساقط بين فراشين
قد ألبس البغضة هذا وذا ... لا يصلح الغمد لسيفين والنحو يملي عليه ان يقول (٢) :
أضحى لك التدبير مطردا ... مثل اطراد الفعل للإسم وهذه أمور ظاهرة على السطح، غير ان من تدبر تأثير ثقافته وجد روحها متغلغلا في شعره، متدخلا في كيانه، وشعره مبني على أمثال سابقة، ويتضح هذا في محاولته أن ينظم أمثلة العروض، فهو يختار بيتا من المحفوظ ويجعله أساس بضعة أبيات من نظمه، فعلى هذا البيت (٣) :
" رب نار بت أرمقها ... تقصم الهندي والغارا " يبني مقطوعته:
زادني لومك إصرارا ... إن لي في الحب أنصارا
طار قلبي من هوى رشأ ... لو دنا للقلب ما طارا
خذ بكفي لا أمت غرقا ... إن بحر الحب قد فارا
أنضجت نار الهوى كبدي ... ودموعي تطفئ النارا رب نار. . . . . . . . . . . . . . . (البيت) ... ومن هذا يتضح مدى انشغاله بالمعارضة حتى انه حين شبع من معارضة الآخرين اخذ يعارض نفسه بالمحصات. فهو يعارض قصيدة مسلم بن وليد:
стр. 147
أديرا علي الراح لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي بقصيدة مطلعها:
أتقتلني ظلما وتجحدني قتلي ... وقد قام من عينيك لي شاهدا عدل وطريقته في المعارضة التزام المعاني الأصلية ومحاولة عكسها أو الزيادة فيها، فاذا قال مسلم: لا تطلب ذحلي قال ابن عبد ربه:
أطلاب ذحلي ليس بي غير شادن ... بعينيه سحر فاطلبوا عنده ذحلي فعكس المعنى عند صريع الغواني. وإذا تحدث مسلم انه كتم الحب عن عاذله فاستراح من العذل قال ابن عبد ربه انه يحب العذل لكي يذكر اسمها ولا شيء أحب إليه من العذل، وانه حقا كتم الحب كما كتمه مسلم ولكن الأسى هو الذي أخذ يعلنه بماء البكاء:
وأحببت فيها العذل حبا لذكرها ... فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل
كتمت الهوى جهدي فجرده الأسى ... بماء البكا، هذا يخط وذا يملي ويزهى بهذا الذي فعله ويقول مفتخرا: " فمن نظر إلى سهولة هذا الشعر مع بديع معناه ورقة طبعه لم يفضله شعر صريع الغواني عنده إلا بفضل التقدم " (١) . وتعجبه صورة يعثر عليها فيفتخر بانه جاء بالغريب الذي لم يسبق إليه في مثل قوله:
حوراء داعبها الهوى في أحور ... حكمت لواحظها على المقدور
نظرت الي بمقلتي أدمانة ... وتلفتت بسوالف اليعفور
فكأنما غاص الأسى بجفونها ... حتى أتاك بلؤلوء منثور والصورة التي يعنيها هي في البيت الثالث حين رأى في الأسى صورة صائد اللؤلؤء منثورا هو دموعها، والصورة بالنسبة لأذواقنا اليوم قد تكون نابية وبخاصة اقتران الغوص بالعين، ولكنها كانت مما يعجب الأندلسيين حتى تداولها من بعد ابن عبد ربه غير واحد منهم. والحق ان هذه الأبيات تدل جيدا على مذهب
стр. 148
ابن عبد ربه في الشعر، وان كانت كل الأبيات التي أوردها لنفسه في العقد هي فيما كان يراه من مختار شعره، ولكن يرى في هذه الأبيات ونظائر لها " رقة التشبيب وحسن التشبيه البديع الغريب الذي لم يسبق إليه " وهذا هو مقياسه الفني لما يستحسنه من شعره.
وهناك معارضة لا تلتزم روي القصيدة التي يعارضها وإنما هو ينظر فيها إلى معاني قصيدة سابقة ثم ينشئ قصيدة تتضمن هذه المعاني مع شيء من التقليب والتغيير والعكس والإسهاب. وأبرز مثل على ذلك قصيدة له يصف فيها القلم، فانه قد نسخ فيها بعض معاني أبي تمام في وصف القلم، ذلك الوصف الذي أدهش الأندلسيين، ومن المعاني التي استعارها قوله:
ينطق في عجمه بلفظته ... تصم عنها وتسمع البصرا
إذا امتطى الخنصرين أذكر من ... سحبان فيما أطال واختصرا
شخت ضئيل لفعله خطر ... أعظم به في ملمة خطرا
تمج فكاه ريقة صغرت ... وخطبها في القلوب قد كبرا وهذا شيء أخفى من المعارضة التي تتم مع الاحتفاظ بالوزن والروي.
وهناك نقطة جديرة بالنظر وهي ان ابن عبد ربه خلد بعض شعره في العقد، ووقف في بعض المواطن معجبا وهو يضع أشعاره إزاء أشعار المشارقة، ولكنه؟ فيما يبدو - لم يكن يعترف للأندلسيين بكثير من الحظ في الإجادة، وكانت الموضوعات المتنوعة التي طرقها كفيلة ان تجعله يستشهد عليها بشعر أهل بلده؟ لم يعترف إلا للغزال بأنه يستحق أن يوضع في صف المشارقة - بعد اعترافه الكبير بنفسه - والا عرضا لشاعر أو لآخر، مثل مؤمن بن سعيد، ثم انه لم يختر للغزال أجود قطعة، أتراه كان يحس إحساسا خفيا بأنه لا يتنازل عن مرتبة التقدم في الشعر للغزال أو لغيره؟ اكبر الظن أن تقديره لنفسه قد حجب عنه حقيقة
стр. 149
من تقدمه من الشعراء، وربما لم يحاول ان يبرز مكانة الغزال في أخباره، لئلا يقلل من شأن الصورة الأندلسية التي رسمها لنفسه.
وقد كان ابن عبد ربه محط إعجاب الناس في عصره وبعده، ويقول فيه ابن شرف: " وأما ابن عبد ربه القرطبي، وان بعدت عنا دياره فقد صاقبتنا أشعاره، ووقفنا على أشعار صبوته الأنيقة ومكفرات توبته الصدوقة ومدائحه المروانية، ومطاعنه في العباسية، وهو في كل ذلك فارس ممارس وطاعن مداعس. واطلعنا في شعره على علم واسع ومادة فهم مضيء ناصع ومن تلك الجواهر نظم عقده وتركه لمن تجمل بعده ". (١) وتفيدنا هذه الكلمات حقيقة جديدة واحدة نضيفها إلى ما تقدم وهي ان هناك مطاعن لابن عبد ربه في الدولة العباسية، ولكن هذا الشعر لم يصلنا، وما وصلنا من شعر ابن عبد ربه، على انه نسبيا كثير، ليس شيئا بالنسبة لمجموع شعره كله، فقد كان شعره كثيرا بشهادة الحميدي وقد رأى منه نيفا وعشرين جزءا مما جمع للحكم المستنصر (٢) .
وخلاصة القول فيه ان المتقدمين من النقاد والمتذوقين كانوا يعجبون به، وبخاصة قدرته على النظم، ومحاولته الاهتداء إلى المعاني الجديدة، وكانوا يطربون إذا سمعوه يقول (٣) :
يا ذا الذي خط العذار بخده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا
ما كنت أعلم أن لحظك صارم ... حتى لبست بعارضيك حمائلا يطربون لموضوع وللصورة التي ولدها فيه، وكانوا يتناقلون قوله (٤) :
الجسم في بلد والروح في بلد ... يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد
ان تبك عيناك لي يا من كلفت به ... من رحمة فهما سهماك في كبدي
стр. 150
كانت تعجبهم الأناقة في التفسير والتبرير، والطرافة في التلاعب بالصور والمعاني، اعني كانوا مأخوذين بالحيلة الفنية اكثر من إعجابهم بالكيان الفني. ولكن تغير نظرتنا إلى الشعر في جانب من موضوعاته وفي الطريقة الفنية لا يجعل من ابن عبد ربه شاعرا مقدما.
стр. 151
٥ - أبو عمر
يوسف بن هارون الرمادي الكندي
٤٠٣هـ -
الجذوة: ٣٤٦ وبغية الملتمس رقم: ١٤٥١ والصلة: ٦٣٧ والمطرب: ٤ والنفح ٢: ٤٤٠ والمغرب ١: ٣٩٢ ومسالك الأبصار ١١: ١٧٥ والمطمح: ٦٩ وابن خلكان رقم: ٧١٩ واليتيمة ١: ٤٣٥
في تلقيه بالرمادي رأيان أحدهما انه كان يلقب بالأسبانية بأبي جنيش؟ كما يقول ابن بشكوال - فعرب هذا اللقب إلى الرمادي، والثاني ان هناك قرية تسمى رمادة عدها ابن سعيد من قرى شلب، وعدها الحميدي من بلاد المغرب؟ دون تحديد - وقطع ابن سعيد بنسبته إليها ورجح الحميدي ان يكون أحد آبائه منها.
عاش اكثر أيامه في قرطبة، ويبدو انه قصدها للدراسة ثم اصبح مدرسا فيها، قال ابن سعيد في ترجمة الأمير أرقم بن عبد الرحمن من بني
стр. 152
ذي النون: انه قرأ في قرطبة على الرمادي الشاعر (١) . كذلك روى عنه مصعب بن الفرضي (٢) ، وأخذ عنه ابن عبد البر قطعة من شعره وضمنها بعض كتبه، أما هو فقد اكتسب صناعة الأدب عن شيخه أبي بكر ابن هذيل الكفيف عالم أدباء الأندلس في عصره، ويمثل ابن هذيل الحلقة التي تصل بين ابن عبد ربه والرمادي لأنه تأثر بالأول وأثر في الثاني، في المذهب الشعري. ولما ورد القالي (٣٣٠) في أيام عبد الرحمن الناصر تلقاه الرمادي ومدحه بقصيدة مطلعها (٣) :
من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والعويل عويلي ثم انضم إلى جماعة المستفيدين منه، فقرأ عليه كتاب النوادر.
وارتفع شأن الرمادي في أيام الحكم واصبح مقدما على سائر الشعراء، وربما غادر قرطبة بعض الوقت في هذه الفترة من حياته وقصد عبد الرحمن بن محمد التجيبي صاحب سرقسطة ومدحه بقصيدة أولها (٤) :
قفوا تشهدوا بثي وإنكار لائمي ... علي بكائي في الديار الطواسم ووراء هذه الرحلة قصة حب، فقد رأى الرمادي ذات يوم، وهو يتنزه في رياض بني مروان امرأة جميلة غلقها قلبه، وحادثته وحادثها واخبرته انها امة، وان ثمنها على صاحبها ثلاثمائة. فلما قصد الرمادي ممدوحه التجيبي بسرقسطة ذكر له حاله وشبب في القصيدة بخلوة؟ وهو اسمها - فأعطاه الممدوح ثلاثمائة دينار ذهبا سوى ما زوده به من نفقة الطريق مقبلا وراجعا. وعاد الشاعر إلى قرطبة يبحث عن هواه في كل مكان حتى كاد ييأس، وذات يوم دعاه بعض إخوانه لزيارته، فلبى الدعوة، ولما دخل عليه أجلسه في صدر مجلسه، ثم قام لبعض شأنه،
стр. 153
فلم يشعر الرمادي إلا بالستارة المقابلة له قد رفعت، وإذا هي خلوة أمامه، فقال لها أأنت مملوكة أبي فلان؟ (يعني صديقه) قالت: لا والله ولكني أخته. قال الرمادي: فكأن الله تعالى محا محبتها من قلبي، وقمت من فوري واعتذرت إلى صاحب المنزل بعارض طرقني وانصرفت (١) .
ولما أمر الحكم الأندلسي بإراقة الخمر في سائر جهات الأندلس، أبدى الرمادي أسفه لذلك وتوجع لشاربيها، وذكر الحكم بقصة أبي حنيفة الذي شفع في جار له سكير، وقال (٢) :
بخطب الشاربين يضيق صدري ... وترمضني بليتهم لعمري
وهل هم غير عشاق أصيبوا ... بفقد حبائب ومنوا بهجر ثم تقلبت الأحوال بالرمادي، فانهم في أيام الحكم أيضا مع جماعة من الشعراء بشعر في ذم السلطان، ومنه هذا البيت:
يولي يعزل من بومه ... فلا ذا يتم ولا ذا يتم قال صاحب المطمح (٣) : " وعاشت عنه أشعار في دولة الخليفة وأهلها، سدد إليهم صائبات نبلها، وسقاهم كؤوس مهلها، أوغرت عليه الصدور، وفغرت عليه المنايا ولكن لم يساعدها المقدور، فسجنه الخليفة دهرا، وأسلكه من وعرا ". واخذ الرمادي في سجنه ينظم الأشعار الكثيرة متشوقا إلى التحرر والخلاص حينا مستشفعا به إلى الخليفة، وعمل وهو مسجون كتابا سماه " كتاب الطير " في أجزاء، وكله من شعره، وصف فيه كل طائر معروف، وذكر خواصه، وذيل كل قطعة بمدح ولي العهد هشام بن الحكم، ليشفع فيه لدى أبيه (٤) ، وقد رأى الحميدي هذا الكتاب بخط الرمادي ونسخ منه شيئا من الشعر،
стр. 154
ويبدو أن الحكم لم يصغ إليه ولا عطفته أشعاره عليه، وانه ربما أطلق بعد وفاته.
وغادر قرطبة إلى شنترين بغرب الأندلس، وواليها يومئذ فرحون ابن عبد الله بن عبد الواحد، فأمر بإنزاله فقصر به متولي ذلك، فكتب إليه الرمادي (١) :
أيها العارض والمهدي لمستسقيه وبلا ... حين لا يهدي إذا ما استسقي العارض طلا ... قائدا اجنت مغازيه العدى سبيا وقتلا ... ان ضيفا قاصدا قلت له أهلا وسهلا ... ما له فرش على الأرض سوى وجه مصلى ... فأنا لولا [] الوعد سهلا ... لم تجد عيني لنوم بمبيت السوء كحلا ... فوردت الأبيات على فرحون وهو خارج إلى الغزو، فخجل من ذلك وأمر له بما طلب، وقرن بذلك جارية وكتب إليه معتذرا مما حدث.
وكان من ممدوحيه في هذه الفترة ابن القرشية وهو عبد العزيز بن منذر أخي الحكم المستنصر، وله فيه قصيدة ذكرها حبيب العامري في كتابه " البديع في فصل الربيع " لأنه وصف فيها الأزهار، ومنها (٢) :
تأمل بإثر الغيم من زهرة الثرى ... حياة عيون متن قبل التغيم
كأن الربيع الطلق أقبل معربا ... بطلعة معشوق إلى عين مغرم
تعجب من غوص الحيا في حشا الثرى ... فأفشى الذي فيه ولم يتكلم
стр. 155
كأن الذي يسقي الثرى صرف قهوة ... تنم عليه بالضمير المكتم
أرى حسنا في صفحة قد تغيرت ... كبشر بدا في الوجه بعد التجهم
ألا يا سماء الأرض أعطيت بهجة ... تطالعنا منها بوجه مقسم
وان قالت الأرض المنعم روضها ... لي الفضل في فخري عليك فسلمي
فخضرة ما فيها تفوقك خضرة ... ونوارها فيها ثواقب أنجم
وان جئتها بالشمس والبدر والحيا ... مفاخرة جاءت بأسنى وأكرم
بعبد العزيز ابن الخلائف والذي ... جميع المعالي تنتمي حيث ينتمي واصبح الرمادي في أيام المنصور بن أبي عامر من الشعراء الذين يترددون إليه، ولم تصلنا أمداحه فيه، ولكن مما يدلنا على قرب منزلته منه ما حدثنا به المقري فقد روى أن المنصور قال له يوما: كيف ترى حالك معي؟ فقال الرمادي: " فوق قدري ودون قدرك " فأطرق المنصور كالغضبان، وانسل الرمادي خارجا وقد استشعر الندامة، وأخذ يونب نفسه ويقول: أخطأت، لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق، ما كان ضرني لو قلت " إني بلغت السماء وتمنطقت بالجوزاء "؟ " لا حول ولا قوة إلا بالله ". وانتهز هذه الفرصة بعض حساده فاخذ يغري به المنصور ويقول: " هذا الصنف صنف زور وهذيان، لا يشركون نعمة، ولا يرعون إلا ولا ذمة، كلاب من غلب وأصحاب من أخصب، وأعداء من أجدب "
стр. 156
فاستاء المنصور من هذا الحسود الباغي وألقى عليه درسا خلقيا قاسيا، وافهمه انه ما أطرق غضبا وإنما أطرق تعجبا من كلام الرمادي " لأنه رأى كلاما يجل عن الأقدار الجليلة " ثم أمر بالرمادي فرد إلى المجلس وقال له: أعد علي كلامك فارتاع، فطمأنه المنصور وقال له: الأمر على خلاف ما قدرت، الثواب أولى بكلامك من العقاب، ثم أجازه بمال وخلع وموضع يتعيش منه (١) .
ويذهب صاحب المعجب (٢) إلى أن هذه العلاقة الطيبة ساءت بعد نكبة المصحفي، لان الرمادي، فيما يزعمه، كان مشايعا للمصحفي وأعراه هذا بهجاء المنصور، فلما حدثت نكبة المصحفي، واستصفيت أمواله التفت المنصور إلى الرمادي وأوسعه عقوبة ونكالا، وأمر بتغريبه ثم شفع له عنده، كما شفع للغزال عند عبد الرحمن، فأقره في بلده، ولكنه بدله بالتغريب عقوبة أنكى واشد حين أمر الناس ألا يكلموه، وطاف بذلك مناد في جميع جهات قرطبة، فأقام أبو عمر هذا كالميت إلى أن أدركته منيته في أواخر أيام المنصور بن أبي عامر.
وهذا كلام يستحق التوقف والنظر ذلك لأن نكبة المصحفي تمت في سنة ٣٦٧ أي بعد سنة من وفاة الحكم تقريبا، فعلاقة الرمادي بالمصحفي لا تؤهله ليكون مقربا من ابن أبي عامر كما تقول الروايات الأخرى، ولا تجعل ابن سعيد يقول في وصف له: انه كان مداح المنصور ابن أبي عامر (٣) . ثم لو فرضنا ان المنصور غضب فعلا على الرمادي، فلا يزال هناك خطان واضحان في هذه الرواية: الأول انه من غير المعقول ان يظل الحرمان ساريا على الرمادي حتى حوالي سنة ٣٩٣ أي أن تظل الصلة بينه وبين الناس مقطوعة طوال هذه المدة، وكان من الخير له لو
стр. 157
نفي أو هاجر من قرطبة، فشفاعة الناس فيه كانت ضررا وبيلا عليه. والثاني ان الرمادي لم يمت في أواخر أيام المنصور بل من المؤكد ان العمر امتد به، فشهد عهد المظفر وحضر الفتنة، قال صاحب المطمح في أسجاعه: " وتمادى بأبي عمر طلق العمر، حتى افرده صاحبه ونديمه، وهريق شبابه واستشن أديمه، ففارق تلك الأيام وبهجتها، وأدرك الفتنة فخاض لجتها، وأقام فرقا من هيجانها، شرقا بأشجانها، لحقته فيها فاقة نهكته، وبعدت عنه الإفاقة حتى أهلكته " (١) . ومعنى هذا الكلام انه كبرت سنه، وأدرك عام ٤٠٠هـ وافتقر في أواخر أيامه، وهذا يصدقه قول ابن بشكوال انه توفي يوم عيد العنصرة (٤حزيران) سنة ٤٠٣، وكان حينئذ فقيرا معدما، ودفن بمقبرة كلع (٢) .
شعره
شعره كثير، متعدد الفنون، كسب له شهرة عامة في عصره بين الخاصة والعامة، ونفق به عند الكل حتى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون فتح الشعر بكندة وختم بكندة، يعنون امرأ القيس والمتنبي والرمادي (٣) ، لأن الرمادي كندي النسبة أيضاً، ومعاصر للمتنبي. وليس لدينا خبر يفيد ان شعره كان مجموعا في ديوان، ولكن نقل بعضهم عن الرمادي عددا من قصائده مباشرة، منها ما نقله ابن عبد البر؟ كما تقدم - ومنها سبع قصائد انشدها أبو بكر بن الفرضي رواية عن الرمادي، هذا عدا ما ضمنه من شعره كتاب " الطير " الذي رآه الحميدي.
стр. 158
ويقول الحميدي أيضاً انه سريع القول (١) ، كأنه يعني انه يعتمد على ما يشبه البديهة، ولكن الناظر في كثير مما بقي من شعره يحس بالجهد والتروي، والغوص والتعمق.
وقد انتهى إليه الموروث الشعري كما يمثله الغزال من ناحية وابن عبد ربه، من ناحية أخرى، من خلال أستاذه ابن هذيل، فنزع فيه وأغرق وتجاوز حدود هؤلاء الثلاثة الكبار خطوة جديدة في المغالاة والإغراق، وقد أقام ابن هذيل شعره على الصنعة المنحوتة وطل الصورة الغربية مجانيا طريقة الغزال في قلة الاحتفال بالصقال، فمما يلتزم ابن هذيل فيه المطابقات وحب التصوير قوله (٢) :
فأنا الطائع المشوق لمن صا ... ر يريني الهوان في عصيانه مر بي خاطرا يكاد من العجب به أن يراع في ريعانه ...
في ملاء كأنه وهو فيها ... ورد خديه في جنى سوسانه يتشكى الفتور من كسل المشي ولا يشتكيه من أجفانه ... فمقابلة الطاعة بالعصيان واشتكاء الفتور في المشي دون الفتور في الأجفان، ثم هذه الصور الغريبة: صورة الذي يكاد ان يراع من عجبه وصورة المحبوب في ملاءة كالورد الذي قد التف من حوله السوسن، كل ذلك يدل على هذه الصنعة الشعرية المشوبة بطلب الأغراب، ثم هنالك الإغراق الذي يشارف حدود الإحالة، كقوله (٣) :
يكاد يضيق الجو من عظم زفرتي ... وتهفو نجوم الليل من فرط إعوالي
أبى غير تعذيبي ولو أمر الردى ... أطاع، ولكن فعله هو إنكالي ومن شغفه بالرسم المستغرب المستطرف نجده يقول (٤) :
стр. 159
والثريا دنت من البدر حتى ... خلتها دارعا يدير مجنا وهي من أغرب الصور التي يرسمها شخص أعمى، ولذلك فان كثيرا من تصويره مبني على نوع من الوهم الغريب، كتصويره أحبته يرحلون وقد بلهم الرذاذ والندى فلما تحركت جمالهم تساقطت القطرات على الارض، وبكى هو فاختلطت دموعه بتلك القطرات، فما عاد تمييزها ميسورا (١) :
لم يرحلوا إلا وفوق رحالهم ... غيم حكى غبش الظلام المقبل
وعلت مطارفهم مجاجات الندى ... فكأنما مطرت بدر مرسل
لما تحركت الحمول تناثرت ... من فوقهم في الأرض تحت الأرجل
فبكيت لو عرفوا دموعي بينها ... لكنها اختلطت بشكل مشكل فلما تأدت هذه الطريقة الشعرية إلى الرمادي تقدم بها خطوة، فاعتمد كثيرا على الاحالة في المبالغة ومحاولة الايهام، واتكأ على طلب المعنى المبتكر، وانفق فيه جهدا عظيما، وتردد بين الأطراف الجدلية للموضوع يلحمها ويسديها، فمن إحالاته المجتلبة قوله:
لا تنكروا غرر الدموع فكل ما ... ينحل من جسمي يصير دموعا وقوله في العاذل:
أيأمن أن يغدو حريق تنفسي ... وإلا غريقا في الدموع السواجم
فهذا حمام الأيك يبكي هديله ... بكائي فليفزع للوم الحمائم وله قطعة كاملة نحا فيها هذا المنحى فقال (٢) :
غدا يرحلون فيا يوم رسلك ... كن بالظلام بطيء اللحاق
ويا دمع عيني سد الطريق ... وأفرغ عليهم نجيع المآقي
стр. 160
ويا نفسي جئتهم من أمام ... وقابلتهم بنسيم احتراق
ويا هم نفسي كن ظلاما ... وقيدهم عن نوى وانطلاق
ويا ليل من بعد ذا إن ظفرت ... بالصبح فاقذف به في وثاق
سيدرون كيف يبينون عني ... إلا على جهة الإستراق فهو يريد من اليوم ان يتمهل فلا يلحق بالظلام سريعا، ويطلب إلى دمع عينه أن يكون بحرا من دم يسد على الراحلين الطريق، والى نفسه ان يكون هبوة نار، والى همه أن يصبح ظلاما يقيدهم عن السفر، والى الليل ان الصبح فلا يريم، عندئذ تتضافر عليهم كل هذه المعوقات، فلا يستطيعون السفر العمد، وإنما قد يفارقون استراقا. والشأن في هذه الإحالة كلها الاستطراف، إلا ان عنصر الإغراق يضيف إلى هذه الأبيات من ناحية الطرافة لينقصها من الناحية المعقولة الداخلة في حدود الإمكان.
واستبقى الرمادي من مذهب الغزال الأثر النواسي في الخمر، وشيئا من السخرية، إلا انه نقل السخرية من حقائق الحياة ومتناقضاتها إلى العبث بالموضوعات الدينية والاجتماعية، ولا ريب في ان فزعه من إراقة الخمور في أيام الحكم يدل على ان شعره كان ينبع من نزعته اللاهية اول الأمر، وأشعاره في الخمر تذكرنا بروح التحدي عند أبي نواس وبإصراره ومجاهرته في شربها، من ذلك قوله (١) :
أفي الخمر لامت خلتي مستهامها ... كفرت بكأسي إن أطعت ملامها
لمحمولة في الفلك في جنة المنى ... قد أوحى نوح غرسها وضمامها
فخادعه إبليس عنها لعلمه ... بها فرأى كتمانها واغتنامها
ففاز بثلثيها ونوح بثلثها ... ولولا مضي عنه لم يك رامها
له حظ أنثى وهو حظ مذكر ... قليل لعيني أن أطيل انسجامها فقوله كفرت بكأسي، ونسبته الخمر إلى القدم، والخصومة عليها بين
стр. 161
إبليس ونوح وفوز إبليس بثلثيها وهو حظ الذكر، وفوز نوح بثلثها، يرينا مبلغ فنائه في الخمر، كما تشير أبياته في روحها الأسطورية إلى الميل القصصي الأصيل عنده، ذلك الميل كان يبعد به عن الإغراب ويسلمه إلى السرد والتحليل، كما في قصيدته الرائية التي قالها في حادثة إراقة الخمر، وفيها يقول مخاطبا الآمرين بإراقتها:
تحريتم بذاك العدل فيها ... بزعمكم فان يك عن تحري
فإن أبا حنيفة وهو عدل ... وفر عن القضاء مسير شهر
فقيه لا يدانيه فقيه ... إذا جاء القياس أتى بدر
وكان من الصلاة طويل ليل ... يقطعه بلا تغميض شفر
وكان له من الشراب جار ... يواصل مغربا فيها بفجر وكان إذا انتشى غنى بصوت المضاع بسجنه من آل عمرو ...
" أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر "
فغيب صوت ذاك الجار سجن ... ولم يكن الفقيه بذاك يدري
فقال وقد مضى ليل وثان ... ولم يسمعه غنى: ليت شعري!
أجاري المؤنسي ليلا غناء ... لخير قطع ذلك أم لشر
فقالوا إنه في سجن عيسى ... أتاه به المحارس وهو يسري وهكذا إلى نهاية القصة، وهو نفس قصصي جيد يذكرنا بالغزال، وميله إلى البسط والتحليل.
اما سخريته التي نقلها إلى الهزء بالموضوعات العامة فتدل على انه كان فقيرا إلى النظرة الشاملة، وانه لم تكن لديه التجربة العميقة التي كانت للغزال، وإنما تشير إلى استهتار وانخلاع مجوني عابث، جاءه من تهالكه على الخمر، ولذلك استعمل صور القداسة، ساخرا، حتى تحدث عن الخمر، فقال:
تسرع الناس نحوها بازدحام ... كازدحام الحجيج في عرفات
стр. 162
وقال:
فإذا ما انقضى دنان على الله؟ ... واعتمدنا مواضع الصلوات وانفق كثيرا من طاقته الشعرية في التغزل بالغلمان، حتى ان السجن لم يشغله عن هذا الموضوع، بل ظل سادرا فيه، ومن الإنصاف له أن نسجل له مزجة بين التهتك والتعفف في مقام واحد، ذهابا مع ما يسميه هو المروة أو الفتوة.
ومع ذلك فان السجن كان من أقوى الدوافع التي كادت أن تحطم عليه طريقته الشعرية، التي قامت على المجانة واللهو في الموضوع وعلى الإغراق والإحالة في تعقب الصور والمعاني، وانطلقت أشعاره في السجن من خلجات الحزن العميق ودوافعه، ورده وضعه إلى شيء من التأمل في نفسه وفي نهايته، وملأ أبياته بالبكاء حينا وبالتشوق إلى الانطلاق حينا آخر، وحلت العاطفة الجياشة في شعره محل التصنيع الذهني، ومن أمثلة ذلك قوله (١) :
وقالت تظن الدهر سيجمع بيننا ... فقلت لها من بظن محقق
ولكنني فيما زجرت بمقلتي ... زجرت اجتماع الشمل بعد التفرق
أباكية يوما ولم يأن وقته ... سينفد قبل اليوم دمعك فارفقي ومن قصائده التي انبعثت من المحبس أيضاً (٢) :
على كبري تهمي السحاب وتذرف ... وعن جزعي تبكي الحمام وتهتف
كأن السحاب الواكفات غواسلي ... وتلك على فقدي نوائح هتف ولو أنا قارنا هذه الانطلاقات العاطفية بأبياته التي أوردتها من قبل في وصف الأزهار والربيع لتبين لنا الفرق واضحا، فهنالك اهتدى إلى معنيين جميلين بعد الكد والاجتهاد، حين زعم اولا ان الماء قد غاص
стр. 163
في حشا الثرى فأظهر أسراره، كأنه ليس ماء على التحقيق، بل خمرة تخرج المكنون في النفوس ثم توهم أن السماء افتخرت على الأرض، فنصر الأرض عليها وقال: ان خضرة السماء والنوار يقوم مقام النجوم، أما الشمس والبدر والغيث فكلها قد تجمعت في شخص واحد هو شخص الممدوح، ولكن حكايته عن عواطفه الحزينة في أيام السجن أقل احتفالا بالاستطراف في المعنى واكثر اتصالا بالحال النفسية، على وجهها الطبيعي.
ومن الخطأ ان نظن ان الرمادي كان دائما شديد الغوص كثير الكد في استخراج المعاني وتوليدها، فان له شعرا تلمح عليه رونق الطبع كقوله (١) :
صد عني وليس يعلم أني ... كنت في كربة ففرج عني
وتجنى علي من غير ذنب ... فتجنى على كثير التجني
حسن ظني قضى علي بهذا ... حكم الله لي على حسن ظني وبينا نقرأ له هذا اللون السهل، المنساب نراه يمعن في التكلف حين يقول (٢) :
عزمت على قتلي بغير تحرج ... شجى بك حتى تقتل الهائم الشجي
ولم يبد سري فيك رأيي وإنما ... تبدى فرارا من حشى متوهج
نحولي ودمعي دبجا وجنتي بما ... رأت مقلتي من خدك المتدبج
بهارا ودرا هبت الريح فوقه ... بقرو فغطت وردة بالبنفسج فهو على هذا يتعاوره تياران؟ كابن عبد ربه - ولكنه إلى الثاني اميل، وبه عرفه قومه، وقدموه، وشهدوا له بالتفوق.
ولو وصلنا من شعره الكثير لاستطعنا أن نستكشف فيه على وجه أوضح مدى دينه لأستاذيه ابن عبد ربه؟ وابن هذيل، وقد ذهب ابن
стр. 164
بسام إلى أن قوله (١) :
ولم أر أحلى من تبسم أعين ... غداة النوى عن لؤلؤ كان كامنا مأخوذ من قول ابن عبد ربه:
وكأنما غاص الأسى بجفونها ... حتى أتاك بلؤلؤ منثور فاحتال الرمادي حتى أتى باللؤلؤ وعوض من الغائص التبسم، ووقعت له استعارة التبسم موقعا لطيفا.
ويبدو انه نشأ، معجبا بطريقة أستاذه ابن هذيل، وانه في أوائل عهده بالشعر، كان يعارضه أو يناقضه. وهو يحكي عن نفسه انه بكر ذات يوم إلى باب أبي المطرف بقرطبة، فلقى يحيى بن هذيل قد بكر قبله، فسأله ابن هذيل عما جد له من شعر فقال له: ليس عندي كبير معنى ولكن ما عندك انت؟ فأخرج ابن هذيل قصيدة منها:
ومرنة والدجن ينسج فوقها ... بردين من حلك ونوء باكي
مالت على طي الجناح وإنما ... جعلت أريكتها قضيب أراك
وترنمت لحنين قد خلتهما ... كغناء مسمعه وأنة شاكي
ففقدت من نفسي لفرط صبابتي ... نفس الحياة وقلت: من أبكاك فأعجب بها الرمادي، فقال له ابن هذيل: انصرف إلى المكتب وتأدب حتى تحسن مثل هذا. قال الرمادي، فحركني كلامه، ثم بكر إليه وانشده:
أحمامة فوق الأراكة بيني ... بحياة من أبكاك ما أبكاك
أما أنا فبكيت من حرق الهوى ... وفراق من أهوى. أأنت كذاك؟ فلما سمعها ابن هذيل قال له: أعارضتني، فقال لا، إنما ناقضتك. فقال ابن هذيل اذهب فقد أخرجتك من المكتب (٢) .
стр. 165
ويختلط البيتان التاليان لهما فبعضهم ينسبهما لابن هذيل وبعضهم للرمادي (١) :
لا تلمني على الوقوف بدار ... أهلها صيروا السقام ضجيعي
جعلوا أي إلى هواهم طريقا ... ثم سدوا علي باب الرجوع وهما يربطان بين الطريقتين، وتصح نسبتهما لكل من الرجلين.
стр. 166
فراغ
стр. 167
الفتنة البربرية والشعراء المتأثرون بها
١ - الفتنة واثرها في الشعر والنقد
٢ - ابن دراج القسطلي
٣ - ابن شهيد
٣ - أبو محمد ابن حزم
стр. 168
فراغ
стр. 169
١ - الفتنة وأثرها في الشعر
نظرة تاريخية
أراد محمد بن هشام بن عبد الجبار الأموي الملقب بالمهدي ان يتخلص من الدولة العامرية، وكان العامريين قد تسلموا زمام السلطة الفعلية طوال أيام الخليفة المستضعف هشام المؤيد، ونجح المهدي نجاحا مؤقتا، وقتل عبد الرحمن بن أبي عامر، وتسلم السلطة ولكن لم يمهله فيها أموي آخر هو سليمان؟ المستعين - الذي تزعم البرابرة، وقصد ان ينتزع الخلافة من المهدي، واجتمع البرابرة مع سليمان لمحاربة قرطبة ونزلوا في سفح الجبل بها وبشرقيها (١١ ربيع الأول سنة ٤٠٠هـ) ، واحتشد إليها الناس من الكور والبادية فعسكروا بجموع كثيرة، وتدانى الزحفان في الثالث عشر من الشهر المذكور، واندفع أهل قرطبة نحو البربر فاستدرجهم البربر ثم عطفوا عليهم وأخذوا في تقتيلهم، فانهزموا ليدخلوا المدينة من مسالك كانوا ضيقوها ضد عدوهم، فأصبحت حاجزا دون هربهم بسهولة، وكان البرابرة قد تحالفوا مع النصارى فأبادوا كثيرا من أهل قرطبة، وتسمى
стр. 170
هذه الوقعة قنتيش، وهرب المهدي بعد الوقعة إلى طليطلة، مستعينا بالإفرنجة وعساكر الثغور، وجمع منهم جموعا وعاد في شهر شوال من العام نفسه، فانهزم سليمان ودخل المهدي قرطبة من جديد، ولكن جيشه لم يتحمل بقاءه، ونصبوا هشاما المؤيد، ثم عاد سليمان فملك قرطبة، وكتب إلى المدن الأخرى يذكر فتحه المدينة وكيف قهر الناس وقتل من عصاه، فازداد نفور أهل المدن الأخرى منه بدلا من ان يتألفهم. وقد أقام سليمان حوالي سبع سنوات وصفها ابن حيان بانها " كانت كلها شدادا نكدات صعابا مشئومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة لم يعد فيها حيف، ولا فورق خوف، ولا تم سرور، ولا فقد محذور، مع تغير السيرة وخرق الهيبة واشتعال الفتنة واعتلاء المعصية وطعن الأمن وحلول المخافة: دولة كفاها ذما أن أنشأها شانجة فقشعها ارمنقد وثبتتها ومزقتها الفرنجة، ودبرها فاجر شقي ووزر لها خب دني، فتمخضت عن الفاقرة الكبرى وآلت بمن أتى بعدها إلى ما كان أعضل وأدهى مما طوى بساط الدنيا، وعفى رسمها وأهلك أهلها " (١) .
وتوفي المؤيد في بعض تلك الايام، واستقر الأمر لسليمان المستعين، فانتقل إلى الزهراء وعين الولاة على الجهات فأعطى البيرة لبني زيري بن مناد وأعطى سرقسطة لمنذر بن يحيى وولى علي بن حمود على سبتة، وقسم المدن الأخرى بين زعماء البربر الآخرين.
وأخذ الفتيان العامريون يجددون المحاولات لاستعادة دولتهم، وعملوا على تقويض ملك سليمان المستعين، فكاتبوا علي بن حمود صاحب سبتة وذكروا له ان المؤيد هشاما قد ترك له عهدا بالخلافة، فانتشق ابن حمود على صاحبه المستعين، واجتاز سنة ٤٠٤ إلى الأندلس وانضم إليه خيران العامري وحبوس الصنهاجي، والتقت جيوشهم بالمستعين أوائل سنة ٤٠٧ فهزم سليمان وقبض عليه وقتل، وصارت الدولة بقرطبة إلى علي بن حمود
стр. 171
" فقهر البربر وأمضى الأحكام، وأقام العدل؟ وكان مرفوع الحجاب يقيم الحدود ويقرب المتظلمين، ثم ساء في الناس رأيه فألزمهم المغارم وانتزع منهم السلاح " ثم قتله خدمه الصقالبة سنة ٤٠٨ وخلفه أخوه.
في تلك الأثناء كان الموالي العامريون لا يزالون يطمعون في استعادة الدولة الأموية، فنصبوا المرتضى خليفة) وهو عبد الرحمن بن محمد من نسل الناصر) ونزلوا به بغرناطة فهزمهم زاوي بن زيري صاحبها، وخذل المرتضى أنصاره وقتل هو (٤٠٩) " وبعد هذه الوقعة ركدت ريح المروانية وتقطعوا في الأرض واستهينوا فلم تقم لهم قائمة "، ولم ينجح الظافر بالله الذي بويع سنة ٤١٤ ولا المستكفي الذي جاء بعده في رد الخلافة الأموية، وأخرج المستكفي من قرطبة متنقبا في زي النساء، (٤١٦) وانتظم الأمر في قرطبة لبني حمود طوال تلك الفترة.
أما من تبقى من الفتيان العامريين فنجمل أمرهم فيما يلي: س
١ - كان خيران العامري زعيم الصقالبة في بلاط هشام المؤيد، فاستولى على مرسية والمرية، وكان داهية شجاعا حسن التدبير، وتسمى لحيانا بالخليفة وبالفتى الكبير. وخلفه على المرية أخوه زهير العامري سنة ٤١٩.
٢ - استولى مجاهد العامري على دانية والجزائر الشرقية، وكان ميالا للعلم مكرما للعلماء، فقصده كثيرون منهم ابن عبد البر وابن سيده وكان فارسا لا ضريب له في الحذق بمعاني الفروسية، وتردد بين النسك والمذاكرة وبين البطالة واللهو.
٣ - استقل مبارك ومظفر العامريان ببلنسية، بعد ان كانا وكيلين للساقية، وتآلفا على اختلاف في طبعهما إذ كان مبارك صارما ومظفر دمثا متواضعا.
ذلك باختصار هو الوضع الذي كان بعد انقضاء الدولة الأموية وزوال العامريين، ولذلك تعد الفتنة، وفترة الانتقال التي تلتها، نقطة تحول في
стр. 172
التاريخ والأدب الأندلسي. ومعنى ذلك ان سيادة قرطبة قد اضمحلت وارتخت الأسباب التي كانت تمسك جوانب البلاد الأندلسية إلى مركز واحد، وانتهى تمركز الحياة الأدبية في العاصمة، وكانت الفترة التي تلت الفتنة تمهيدا لقيام أمراء الطوائف واتساع النهضة الأدبية في مدن الأندلس الأخرى.
آثار الفتنة في عمران قرطبة وحياة أهلها
ومن الآثار المباشرة للفتنة التخريب والدمار الذي أصيبت به قرطبة وقد وصف ابن حيان كيف أن أحدهم كان يتولى الإشراف على هدم قصور الأمويين فقال: " بيده بادت قصور بني أمية الرفيعة ودرست آثارهم البديعة، وحطت أعلامهم المنيعة، قدمه ابن السقاء مدبر قرطبة لجمع آلات ما تهدم من القصور المعطلة فاغتدى عليها اعظم آفة يبيع أشياء جليلة القدر رفيعة القيمة في طريق الأمانة؟ فعاث فيها عياث النار في يبيس العرفج، وباع آلاتها من رفيع المرمر ومثمن العمد ونضار الخشب وخالص النحاس وصافي الحديد والرصاص بيع الأدباء " (١) ، وكذلك كان من آثارها الهلع الذي أصيبت به النفوس من تغلب البرابرة، وترصدهم الحرم والدور بالهتك والسلب، ولقد بلغ من إشفاق الناس يومئذ انهم استفتوا شيوخ المالكية في تعجيل صلاة العتمة قبل وقتها خوفا من القتل، إذ كان متلصصة البرابرة يقفون لهم في الظلام، في طرق المسجد فربما آذوا أذى شديدا (٢) . وقضت الفتنة على كثير من العلماء والأدباء بالموت والتشريد، ويكفي ان يراجع القارئ كتاب الصلة حتى يجد فيه كثيرا ممن ترجم لهم ابن بشكوال أما قتلوا في الفتنة أو آثروا الهجرة إلى إحدى المدن الأندلسية، ومنهم من أبعد النجعة فبلغ مصر
стр. 173
وغيرها. ومن أعلام الذين قتلوا أبو الوليد الفرضي صاحب كتاب " تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس ". واضطربت موازين الأمور فاخملت الفتنة كثيرا من المشهورين ورفعت كثيرا من المغمورين، وقد أرخ ابن حيان هذه الناحية بتفصيل مثلما أرخ الفتنة كلها، وان كانت قد منعته في أثنائها من الاستمرار فعطل كتابه التاريخ إلى ان مضى صدر منها. وهو يخبرنا انه أصيب في رقعة قنتيش نيف على ستين من المؤدبين خاصة " أعريت سقافهم في غداة واحدة منهم، وتعطل صبيانهم " (١) ؟ وربما كانت بشاعة الفتنة ترجع إلى التفصيل الشديد الذي سجله مؤرخ الأندلس لاحدائها. على أنها كانت حدثا جللا في نفوس الناس يومئذ؟ لقضائها على عمران قرطبة أولا ثم لقضائها على ما ألفه الناس من أمر الخلافة الأموية.
أثر الفتنة في النهضة العلمية والأدبية
وقد هزت الفتنة قواعد النهضة العلمية الأدبية التي ازدهرت على عهد المستنصر والمنصور، ولكن هذا لم يلبث طويلا، بل استعاد الناس ثقتهم في أنفسهم واقبلوا على الإنتاج. ومن الضار النافع ان تكون الفتنة سببا في بيع الكتب التي كانت بقرطبة وبخاصة ما كان منها في مكتبة الحكم، وكان بيعها سببا في تسهيل انتشار العلوم، وفيها عثر طلاب العلم على كتب لم يكونوا يستطيعون الحصول عليها، وكان ذلك عاملا في انتعاش الحركة العلمية، والفلسفية على وجه الخصوص. وعرضت مكتبات أخرى للبيع، منها مكتبة الإمام ابن فطيس، وكان قد جمع من الكتب في أنواع العلم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس وقيل أن كتبه بقيت تباع مدة عام كامل في مسجده وان ثمنها بلغ أربعين ألف دينار قاسمية. وليس هذا كثيرا على رجل كان قد وظف ستة وراقين ينسخون له دائما
стр. 174
براتب مقرر (١) وكان الشعراء قبيل الفتنة وفي أثنائها على حال سيئة، ولا ابلغ من وصف ابن حيان لحالهم حين جاء سليمان المستعين إذ يقول: " واغتنمته شعراء العامرية والدولة الأموية وقد نسجت على أفواههم ومحاربهم العناكب أيام الحرب والفتنة، واشتدت فاقتهم، وجمعت طباعهم، وكانوا كالبواة الفذة الجياع، انقضت لفرط الضرورة على الجرادة، فلم يبل صداهم، ولا سد خلتهم لاشتغاله بشأنه، واشتداد حاجة سلطانه " (٢) . واصبح الشعراء موالي كل من تولى سلطة، يمجدون اليوم هذا، ثم يمجدون غدا قاهره، رغدوا جوابين على أبواب أولئك الأمراء أمثال منذر وخيران ومظفر ومبارك، وأصبحت مدائحهم جزافا من القول في سبيل القوت. ولم تعد هناك انتصارات المنصور أو المظفر ليتغنوا بها، فانصرفوا إلى ذكر المكايد الصغيرة والخلافات الداخلية.
البكاء على قرطبة
والتفت الشعراء إلى معالم قرطبة، فرأوا كيف حالت عن حالها، وخربت دورها، وانقضت معاهد صبوتهم فيها، وانطفأت فيها شمس بني أمية والنجوم العامرية، فندبوها بمراثيهم وممن رثاها الوزير أبو عامر ابن شهيد، فقال (٣) :
ما في الطلول من الأحبة مخبر ... فمن الذي عن حالها نستخبر
لا تسألن سوى الفراق فأنه ... ينبيك عنهم أنجدوا أم أغوروا ويصف حال أهلها فيقول:
فلمثل قرطبة يقل بكاء من ... يبكي بعين دمعها متفجر
стр. 175
دار أقال الله عثرة أهلها ... فتبربروا وتغربوا وتمصروا
في كل ناحية فريق منهم ... متفطر لفراقها متحير
عهدي بها والشمل فيها جامع ... من أهلها والعيش فيها أخضر
ورياح زهرتها تفوح عليهم ... بروائح يفتر منها العنبر
يا طيبهم بقصورها وخدورها ... وبدورها بقصورها تتخدر
والقصر قصر بني أمية وافر ... من كل أمر والخلافة أوفر
والزاهدية بالمراكب تزهر ... والعامرية بالكواكب تعمر
والجامع الأعلى يغص بكل من ... يتلو ويسمع ما يشاء وينظر
مسالك الأسواق تشهد أنها ... لا يستقل بسالكها المحشر
يا جنة عصفت بها وبأهلها ... ريح النوى فتدمرت وتدمروا
آسى عليك من الممات وحق لي ... إذ نزل بك في حياتك نفخر ورثاها ابن حزم نثرا وشعرا حين وقف على منازل أهله ورآها: " وقد طمست أعلامها وخفيت معاهدها وغيرها البلى فصارت صحارى مجدبة بعد العمران وفيافي موحشة بعد الأنس "، فمن شعره فيها (١) :
سلام على دار رحلنا وغودرت ... خلاء من الأهلين موحشة قفرا
تراها كأن لم تغن بالأمس بلقعا ... ولا عمرت من أهلها قبلنا دهرا
فيا دار لم يقفرك منا اختيارنا ... ولو أننا نستطيع كنت لنا قبرا
ولكن أقدارا من الله أنفذت ... تدمرنا طوعا لما حل أو قهرا
فيا خير دار قد تركت حميدة ... سقتك الغوادي ما أجل وما أسرى
ويا دهرنا فيها متى أنت عائد ... فنحمد منك العود ان عدت والكرا
سأندب ذاك العهد ما قامت الخضرا ... على الناس سقفا بنا الغبرا
стр. 176
ورثاها آخر بقصيدة منها (١) :
بك على قرطبة الزين ... فقد دهتها نظرة العين
أنظرها الدهر بأسلافه ... ثم تقاضى جملة الدين
كانت على الغاية من حسنها ... وعيشها المستعذب اللين
فانعكس الأمر فما إن ترى ... بها سرورا بين إثنين
فاغد وودعها وسر سالما ... ان كنت أزمعت على البين ولابن عصفور الحضرمي في رثائها قصائد كثيرة (٢) ، ورثاها آخر وجعل خرابها مسببا عن تهاون أهلها وتقصيرهم في تدبير أمرهم فقال (٣) :
أضعتم الحزم في تدبير أمركم ... ستعلمون معا عقبى البوار غدا
لكن العمى أعمت بصائركم ... فألبستكم ثيابا للبلى جددا
يا أمة هتكت مستور سوءتها ... ما كل من ذل أعطى بالصغار يدا نمو النقد الأدبي بعيد الفتنة
وربما لم يكن من البعيد عن الصواب ان نجعل زوال مجد قرطبة في هذه الفتنة مسئولا عن نمو ظاهرتين أدبيتين، الأولى: الميل إلى التراجم الذاتية، فان هذه التراجم إنما انبثقت من الشعور بجمال الماضي، وتغير الحاضر، وتقلب الأحوال في قرطبة، ويمثل هذه الناحية كتاب " طوق الحمامة " لابن حزم ورسالة كتبها ابن شهيد إلى المؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر، عن ذكرياته في ظل الدولة العامرية (٤) وكلاهما من اجمل الأدب الأندلسي الأصيل. والظاهرة الثانية هي استقواء النزعة النقدية بعيد الفتنة، لتخلخل المقاييس واضطرابها في الحياة الاجتماعية
стр. 177
والأدبية معا، ومن الطريف أن الاثنين اللذين أبديا شيئا من الوعي الذاتي في تراجمها الذاتية هما اللذان ابرزا حركة النقد، اعني ابن شهيد وابن حزم، وقد مر النقد قبلهما بحلقات المؤدبين، وردت بعض النظرات النقدية في " العقد " لابن عبد ربه، ثم اصبح الناقد الأول في الدولة أيام المنصور هو الحكم الذي ينزل الشعراء منازلهم ويصنفهم في مراتبهم، وعاد النقد من جديد بعد الفتنة إلى حلقات المؤدبين أيضاً، فحاول ابن شهيد بخاصة انتزاعه من تلك البيئة وكانت جهوده وجهود صديقه ابن حزم في هذه جوابا على مشكلتين: مشكلة عامة، ومشكلة خاصة. أما العامة فهي: ما موقف الأندلس عامة من الحياة الأدبية وهل فيها من يمكن يوضع إزاء شعراء المشرق؟ وكان جواب هذا السؤال ان كتب ابن حزم رسالة في فضل الأندلس، وميز في جملة ما ميزه من أسباب فضلها الشعر والشعراء فيها، وحكم على الشعراء أحكاما متباينة، وقدم من اعتقد انه يستحق التقديم، وكتب ابن شهيد كتابه " حانوت عطار "، وترجم فيه، مستغلا مقدرته النقدية، لشعراء معاصرين، ولا تخلو نظراته في هذا الكتاب من بصر نافذ بالشعر، حسب مقاييسه النقدية. وأما المشكلة الخاصة فهي مشكلة ابن شهيد نفسه، ما منزلته بين أدباء بلده وأدباء المشرق؟ وهل من الضروري لأديب مثله التوسع في القراءة أو هناك ما يغني عن ذلك؟ وكانت هذه المشكلة هي التي دفعته إلى كتابة رسالة " التوابع والزوابع " ورسائل أخرى، وربما كان كتابه " كشف الدك وإيضاح الشك " منبثقا عن هذه المشكلة أيضاً.
ابن شهيد والنقد
على ان العنصر النقدي في " التوابع والزوابع " محدود لا يتعدى مجال ما استحسنه ابن شهيد من شعر هذا الشاعر أو ذاك، ثم نماذج يعتقد تقديمها من شعره هو نفسه ومن نثره، ويقارن بين بعض المعاني
стр. 178
المتشابهة عند الشعراء ويضع في رسالته قاعدة للأخذ فيقول: " إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تركيبه وأرق حاشيته فأضرب عنه جملة وان لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن تنشط طبيعتك وتقوى منتك " (١) . وقد كانت مشكلة الأخذ هذه؟ فيما يبدو - من اكبر المسائل التي شغلت ابن شهيد، لأنها أساس من الأسس التي تعتمد عليها طريقته الشعرية، فليس عجيبا اذن ان يمدح أبا المطرف عبد الرحمن بن أبي الفهد بقوله: " وهو غزير المادة واسع الصدر حتى انه لم يكد يبقى شعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا عارضه وناقضه، وفي كل ذلك تراه مثل الجواد إذا استولى على الأمد، لا يني ولا يقصر، وكان مرتبته في الشعراء أيام بني أبي عامر دون مرتبة عبادة في الزمام، فاعجب " (٢) . وكان أيضاً شديد الإعجاب بالبديهة إلى جانب إعجابه بالمعارضة ولذلك وقف في " حانوت عطار " وقفات خاصة عند الشعراء الذين ينظمون الشعر على البديهة. وما ذلك الا لقدرته هو أيضاً على هذا الفرع من الشعر ومن ثم نسمعه يقول: " وإنما يتبين تقصير المقصر وفضل السابق المبرز إذا اصطكت الركب وازدحمت الحلق واستعجل المقال ولم توجد فسحة لفكرة ولا امكنت نظرة لروية " (٣) .
والمشكلة الكبرى عند ابن شهيد هي: هل من الميسور ان يعلم الناس البيان؟ وإذا كان ذلك مستطاعا، فلم يتفاوت الناس فيما يتلقونه منه. وموقف ابن شهيد من هذه المشكلة غير واضح، فهو حينا يرى البيان موهبة من الله، ويعلي من قدر الموهبة ويجعلها تعويضا عن الاطلاع، وينشيء رسالة التوابع ليدل على قيمة هذه الموهبة ويتهكم بالمؤدبين ويدل على افتقارهم إليها. وحينا آخر يزعم ان البيان قد يعلم وان كان ذلك
стр. 179
أمراً صعبا، ويشترط أن يكون تلامذته من أهل النجابة والمثابرة، وحد هؤلاء عنده قابلية الطبع، وطبع الإنسان متركب من نفس وجسم فغلبه الأولى على الثاني تجعل المرء مطبوعا روحانيا، وغلبة الجسم على النفس تضيق الفرصة في تعلم البيان. وكل امرئ محتاج في تعلم البيان إلى شيئين: الطبيعة والآلة، وقد تكون الآلة متيسرة؟ كما هي عند المؤدبين - فإذا اختلت الطبيعة ظهر الاختلال في اصل البيان.
وها هنا مقياس للروحانية التي يفترضها ابن شهيد، وهو ان كل ما يصدر عنها يكون موشحا بالحسن وان يكن مبنيا على غرابة بل هذه هي الغرابة بعينها أي " أن يتركب الحسن من غير حسن " كقول امرئ القيس:
تنورتها من اذرعات واهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي وكأن ابن شهيد ينظر هنا إلى حسن التأليف والتعبير، وهذا؟ في رأيه - يعتمد على القرابة بين الحروف، والمناسبة بين الكلمات، فإذا راعى الأديب هذه الصلات فانه يستطيع ان يأتي بشعر حسن المنظر والمخبر، وعليه ألا يتهيب استعمال الغريب من الألفاظ، وإنما يتجافى عن الغريب النافر، فإذا احسن وضع الغريب في مواضعه اللائقة به تم به الكلام، وكل هذا محتاج إلى تذوق ودربة. ولا يحسبن أحد ان تعليم البيان هذا كله يصبح سهلا، إذ المدار على الفهم بعد الاستعداد النفسي هند المتعلم، هذا ان يكون المعلم نفسه قادرا على " تفجير صفاة غيره " وذلك بفهمه التبيين والتبين وان يكون واعيا بمدى الاستعداد عند كل تلميذ من تلامذته، عارفا بخصائص كل واحد فيهم.
ويعتقد ابن شهيد أن الأنموذج الواحد من الشعر أو من النثر لا يصلح ان يتخذ لكل العصور فأهل كل فترة يهشون إلى نوع من الأنواع. ومن الملاحظ أن الصنعة تزايدت على مر العصور حتى إذا كان عصر ابن شهيد، اصبح الناس يتعشقون التجنيس كثيرا ويمجون
стр. 180
كل ما عداه، أما هو فيرى ضرورة الاعتدال والتوسط والأخذ من طريقة العرب وطريقة المحدثين معا دون انحياز إلى إحداهما. ويجعل المنشئين أصنافا ثلاثة ومن خرج عن نطاقهم لا يعد أديبا:
الأول: الذين يستطيعون توليد المعاني وابتكارها ثم يعجزهم الشكل فيسيئون التعبير ويقصرون دون إدراك " بهاء البهجة ".
الثاني: أصحاب الحدة البيانية الذين يبنون الكلام على الاندفاع والانصباب وهم يلائمون بين الفكرة الصعبة ومائية الشكل ويجترئون على ضرب هذه بتلك، ويخلقون من امتزاجهما شيئا عجبا.
الثالث: صنف ماهر في التلفيق والتلزيق، ذو صنعة مقبولة وقريحة متحيلة تغطي على نقص الفكرة وتسد الخلل.
ولا ريب في ان ابن شهيد وضع هذه القواعد والمقاييس من نظره إلى قدرته وطريقته، وهو يخرج كثيرا عن حدود الناقد النزيه إلى السخرية والذم وبخاصة انه منقوص الحظ في عصره، فيغمز هذا وذاك، ويعيب أهل بلده جملة بقوله " ولكني عدمت ببلدي فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان " (١) .
ابن حزم والنقد
وقد كانت أسباب النقد النزيه متوفرة عند ابن حزم اكثر من توفرها عند ابن شهيد، لتحريه وجه العدالة ودقته في الحكم وسعة اطلاعه وغزارة معارفه، الا ان ثمة أمرين حدا من وجوده في هذه الناحية: الاول، مذهبه في الشعر جملة، فهو وان كان يميز فيه الجيد من الرديء، الا انه لا يضع له حدودا، فالشعر لديه يستطيع أن