ورثاها آخر بقصيدة منها (١) :
بك على قرطبة الزين ... فقد دهتها نظرة العين
أنظرها الدهر بأسلافه ... ثم تقاضى جملة الدين
كانت على الغاية من حسنها ... وعيشها المستعذب اللين
فانعكس الأمر فما إن ترى ... بها سرورا بين إثنين
فاغد وودعها وسر سالما ... ان كنت أزمعت على البين ولابن عصفور الحضرمي في رثائها قصائد كثيرة (٢) ، ورثاها آخر وجعل خرابها مسببا عن تهاون أهلها وتقصيرهم في تدبير أمرهم فقال (٣) :
أضعتم الحزم في تدبير أمركم ... ستعلمون معا عقبى البوار غدا
لكن العمى أعمت بصائركم ... فألبستكم ثيابا للبلى جددا
يا أمة هتكت مستور سوءتها ... ما كل من ذل أعطى بالصغار يدا نمو النقد الأدبي بعيد الفتنة
وربما لم يكن من البعيد عن الصواب ان نجعل زوال مجد قرطبة في هذه الفتنة مسئولا عن نمو ظاهرتين أدبيتين، الأولى: الميل إلى التراجم الذاتية، فان هذه التراجم إنما انبثقت من الشعور بجمال الماضي، وتغير الحاضر، وتقلب الأحوال في قرطبة، ويمثل هذه الناحية كتاب " طوق الحمامة " لابن حزم ورسالة كتبها ابن شهيد إلى المؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر، عن ذكرياته في ظل الدولة العامرية (٤) وكلاهما من اجمل الأدب الأندلسي الأصيل. والظاهرة الثانية هي استقواء النزعة النقدية بعيد الفتنة، لتخلخل المقاييس واضطرابها في الحياة الاجتماعية
стр. 177
والأدبية معا، ومن الطريف أن الاثنين اللذين أبديا شيئا من الوعي الذاتي في تراجمها الذاتية هما اللذان ابرزا حركة النقد، اعني ابن شهيد وابن حزم، وقد مر النقد قبلهما بحلقات المؤدبين، وردت بعض النظرات النقدية في " العقد " لابن عبد ربه، ثم اصبح الناقد الأول في الدولة أيام المنصور هو الحكم الذي ينزل الشعراء منازلهم ويصنفهم في مراتبهم، وعاد النقد من جديد بعد الفتنة إلى حلقات المؤدبين أيضاً، فحاول ابن شهيد بخاصة انتزاعه من تلك البيئة وكانت جهوده وجهود صديقه ابن حزم في هذه جوابا على مشكلتين: مشكلة عامة، ومشكلة خاصة. أما العامة فهي: ما موقف الأندلس عامة من الحياة الأدبية وهل فيها من يمكن يوضع إزاء شعراء المشرق؟ وكان جواب هذا السؤال ان كتب ابن حزم رسالة في فضل الأندلس، وميز في جملة ما ميزه من أسباب فضلها الشعر والشعراء فيها، وحكم على الشعراء أحكاما متباينة، وقدم من اعتقد انه يستحق التقديم، وكتب ابن شهيد كتابه " حانوت عطار "، وترجم فيه، مستغلا مقدرته النقدية، لشعراء معاصرين، ولا تخلو نظراته في هذا الكتاب من بصر نافذ بالشعر، حسب مقاييسه النقدية. وأما المشكلة الخاصة فهي مشكلة ابن شهيد نفسه، ما منزلته بين أدباء بلده وأدباء المشرق؟ وهل من الضروري لأديب مثله التوسع في القراءة أو هناك ما يغني عن ذلك؟ وكانت هذه المشكلة هي التي دفعته إلى كتابة رسالة " التوابع والزوابع " ورسائل أخرى، وربما كان كتابه " كشف الدك وإيضاح الشك " منبثقا عن هذه المشكلة أيضاً.
ابن شهيد والنقد
على ان العنصر النقدي في " التوابع والزوابع " محدود لا يتعدى مجال ما استحسنه ابن شهيد من شعر هذا الشاعر أو ذاك، ثم نماذج يعتقد تقديمها من شعره هو نفسه ومن نثره، ويقارن بين بعض المعاني
стр. 178
المتشابهة عند الشعراء ويضع في رسالته قاعدة للأخذ فيقول: " إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تركيبه وأرق حاشيته فأضرب عنه جملة وان لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن تنشط طبيعتك وتقوى منتك " (١) . وقد كانت مشكلة الأخذ هذه؟ فيما يبدو - من اكبر المسائل التي شغلت ابن شهيد، لأنها أساس من الأسس التي تعتمد عليها طريقته الشعرية، فليس عجيبا اذن ان يمدح أبا المطرف عبد الرحمن بن أبي الفهد بقوله: " وهو غزير المادة واسع الصدر حتى انه لم يكد يبقى شعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا عارضه وناقضه، وفي كل ذلك تراه مثل الجواد إذا استولى على الأمد، لا يني ولا يقصر، وكان مرتبته في الشعراء أيام بني أبي عامر دون مرتبة عبادة في الزمام، فاعجب " (٢) . وكان أيضاً شديد الإعجاب بالبديهة إلى جانب إعجابه بالمعارضة ولذلك وقف في " حانوت عطار " وقفات خاصة عند الشعراء الذين ينظمون الشعر على البديهة. وما ذلك الا لقدرته هو أيضاً على هذا الفرع من الشعر ومن ثم نسمعه يقول: " وإنما يتبين تقصير المقصر وفضل السابق المبرز إذا اصطكت الركب وازدحمت الحلق واستعجل المقال ولم توجد فسحة لفكرة ولا امكنت نظرة لروية " (٣) .
والمشكلة الكبرى عند ابن شهيد هي: هل من الميسور ان يعلم الناس البيان؟ وإذا كان ذلك مستطاعا، فلم يتفاوت الناس فيما يتلقونه منه. وموقف ابن شهيد من هذه المشكلة غير واضح، فهو حينا يرى البيان موهبة من الله، ويعلي من قدر الموهبة ويجعلها تعويضا عن الاطلاع، وينشيء رسالة التوابع ليدل على قيمة هذه الموهبة ويتهكم بالمؤدبين ويدل على افتقارهم إليها. وحينا آخر يزعم ان البيان قد يعلم وان كان ذلك
стр. 179
أمراً صعبا، ويشترط أن يكون تلامذته من أهل النجابة والمثابرة، وحد هؤلاء عنده قابلية الطبع، وطبع الإنسان متركب من نفس وجسم فغلبه الأولى على الثاني تجعل المرء مطبوعا روحانيا، وغلبة الجسم على النفس تضيق الفرصة في تعلم البيان. وكل امرئ محتاج في تعلم البيان إلى شيئين: الطبيعة والآلة، وقد تكون الآلة متيسرة؟ كما هي عند المؤدبين - فإذا اختلت الطبيعة ظهر الاختلال في اصل البيان.
وها هنا مقياس للروحانية التي يفترضها ابن شهيد، وهو ان كل ما يصدر عنها يكون موشحا بالحسن وان يكن مبنيا على غرابة بل هذه هي الغرابة بعينها أي " أن يتركب الحسن من غير حسن " كقول امرئ القيس:
تنورتها من اذرعات واهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي وكأن ابن شهيد ينظر هنا إلى حسن التأليف والتعبير، وهذا؟ في رأيه - يعتمد على القرابة بين الحروف، والمناسبة بين الكلمات، فإذا راعى الأديب هذه الصلات فانه يستطيع ان يأتي بشعر حسن المنظر والمخبر، وعليه ألا يتهيب استعمال الغريب من الألفاظ، وإنما يتجافى عن الغريب النافر، فإذا احسن وضع الغريب في مواضعه اللائقة به تم به الكلام، وكل هذا محتاج إلى تذوق ودربة. ولا يحسبن أحد ان تعليم البيان هذا كله يصبح سهلا، إذ المدار على الفهم بعد الاستعداد النفسي هند المتعلم، هذا ان يكون المعلم نفسه قادرا على " تفجير صفاة غيره " وذلك بفهمه التبيين والتبين وان يكون واعيا بمدى الاستعداد عند كل تلميذ من تلامذته، عارفا بخصائص كل واحد فيهم.
ويعتقد ابن شهيد أن الأنموذج الواحد من الشعر أو من النثر لا يصلح ان يتخذ لكل العصور فأهل كل فترة يهشون إلى نوع من الأنواع. ومن الملاحظ أن الصنعة تزايدت على مر العصور حتى إذا كان عصر ابن شهيد، اصبح الناس يتعشقون التجنيس كثيرا ويمجون
стр. 180
كل ما عداه، أما هو فيرى ضرورة الاعتدال والتوسط والأخذ من طريقة العرب وطريقة المحدثين معا دون انحياز إلى إحداهما. ويجعل المنشئين أصنافا ثلاثة ومن خرج عن نطاقهم لا يعد أديبا:
الأول: الذين يستطيعون توليد المعاني وابتكارها ثم يعجزهم الشكل فيسيئون التعبير ويقصرون دون إدراك " بهاء البهجة ".
الثاني: أصحاب الحدة البيانية الذين يبنون الكلام على الاندفاع والانصباب وهم يلائمون بين الفكرة الصعبة ومائية الشكل ويجترئون على ضرب هذه بتلك، ويخلقون من امتزاجهما شيئا عجبا.
الثالث: صنف ماهر في التلفيق والتلزيق، ذو صنعة مقبولة وقريحة متحيلة تغطي على نقص الفكرة وتسد الخلل.
ولا ريب في ان ابن شهيد وضع هذه القواعد والمقاييس من نظره إلى قدرته وطريقته، وهو يخرج كثيرا عن حدود الناقد النزيه إلى السخرية والذم وبخاصة انه منقوص الحظ في عصره، فيغمز هذا وذاك، ويعيب أهل بلده جملة بقوله " ولكني عدمت ببلدي فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان " (١) .
ابن حزم والنقد
وقد كانت أسباب النقد النزيه متوفرة عند ابن حزم اكثر من توفرها عند ابن شهيد، لتحريه وجه العدالة ودقته في الحكم وسعة اطلاعه وغزارة معارفه، الا ان ثمة أمرين حدا من وجوده في هذه الناحية: الاول، مذهبه في الشعر جملة، فهو وان كان يميز فيه الجيد من الرديء، الا انه لا يضع له حدودا، فالشعر لديه يستطيع أن
стр. 181
يستوعب كل شيء، حتى شرح مذهبه الفقهي، وتعاليمه الخلقية، ومثل هذا الاتجاه لا يمكنه من تبين الحدود الجمالية له. والثاني: ان اشتغاله بالفقه والحديث والجدل والانساب والتاريخ، ابعده عن دائرة الأدب، وخضع في نظرته للشعر إلى عوامل التوجيه الاخلاقي، والى فلسفته الدينية، التي كانت تقوم العلوم بحسب تقريبها لصاحبها من الله، فذلك هو مقياسه في النظرة إلى الأشياء والأعمال.
وكان من اثر العامل الأول أن اصبح ابن حزم غير جاد في بناء منهج نقدي واضح، كالذي فعله ابن شهيد، بل كان يتلقى بعض النظرات النقدية بالقبول، دون محاكمتها، مثال ذلك: إيمانه بان الإكثار من عدد التشبيهات في البيت الواحد أمر يستحق أن يعنى به المتفنن، فهو يقول على هذا البيت من شعره:
فكأنها والليل نيران الجوى ... قد أضرمت في فكرتي من حندس " وقع لي في هذه الأبيات تشبيه شيئين بشيئين، وهذا مستغرب في الشعر، ولي ما هو اكمل منه، وهو تشبيه ثلاثة أشياء في بيت واحد وتشبيه أربعة أشياء في بيت واحد؟ الخ " (١)
وكان من اثر العامل الثاني ان اخضع الشعر للمقياس الخلقي، وحكم عليه بغايته ونوع الاستثارة الصادرة عنه. فقال في رسالته مراتب العلوم: " وان كان مع ما ذكرنا رواية شيء من الشعر فلا يكن إلا من الأشعار التي فيها الحكم والخير، كأشعار حسان بن ثابت وكعب ابن مالك، وعبد الله بن رواحة، ﵃، وكشعر صالح بن عبد القدوس ونحو فانها نعم العون على تنبيه النفس، وينبغي ان يتجنب من الشعر أربعة اضرب:
أحدهما: الاغزال والرقيق فأنها تحث على الصبابة وتدعو إلى الفتنة
стр. 182
وتحض على الفتوة، وتصرف النفس إلى الخلاعة واللذات وتسهل الانهماك في الشطارة والعشق وتنهي عن الحقائق حتى ربما أدى ذلك إلى الهلاك والفساد في الدين وتبذير المال في الوجوه الذميمة وأخلاق العرض واذهاب المروءة وتضييع الواجبات. وان سماع شعر رقيق لينقض بنية الرائض لنفسه حتى يحتاج إلى إصلاحها ومعاناتها برهة، لا سيما ما كان يعني بالمذكر وصفة الخمر والخلاعة، فان هذا النوع يسهل الفسوق ويهون المعاصي ويردي جملة.
والضرب الثاني: الأشعار المقولة في التصعلك وذكر الحروب مشعر عنترة وعروة بن الورد وسعد بن ناشب وما هنالك، فان هذه أشعار تثير النفوس وتهيج الطبيعة وتسهل على المرء موارد التلف في غير حق وربما أدته إلى هلاك نفسه في غير حق والى خسارة الآخرة مع اثارة الفتن وتهوين الجنايات والأحوال الشنيعة والشره إلى الظلم وسفك الدماء.
والضرب الثالث: أشعار التغرب وصفات المفاوز والبيد المهامه فأنها تسهل التحول والتغرب وتنشب المرء فيما ربما صعب عليه التخلص منه بلا معنى.
والضرب الرابع: الهجاء فان هذا الضرب أفسد الضروب لطالبه فانه يهون على المرء الكون في حالة أهل السفه من كناسي الحشوش والمعاناة لصنعة الزمير المتكسبين بالسفاهة والنذالة والخساسة وتمزيق الأعراض وذكر العورات وانتهاك حرم الآبار والأمهات وفي هذا حلول الدمار في الدنيا والآخرة.
ثم صنفان من الشعر لا بنهي عنهما نهيا تاما ولا يحض عليها بل هما عندنا من المباح المكروه وهما: المدح والرثاء، فأما إباحتهما فلأن فيهما ذكر فضائل الموت والممدوح وهذا يقتضي للراوي ذلك الشعر الرغبة في مثل ذلك الحال، وأما كراهتنا لهما فان اكثر ما في هذين
стр. 183
النوعين الكذب ولا خير في الكذب " (١) .
ومع إعجابنا بهذا الكلام الصريح والتقسيم الواضح، نرانا في دهشة لهذا الوضع الذي أحل فيه الشعر، وهذا التقييد الذي الزمه فنونه، ومما يكمل موقف ابن حزم في النقد فقرتان وردتا في كتاب " التقريب لحد المنطق " تحدث فيهما عن البلاغة والشعر فقال في تحديد البلاغة:
" قد تكلم ارسطوطاليس في هذا الباب، وتكلم الناس فيه كثيرا، وقد احكم فيه قدامة بن جعفر الكاتب كتابا حسنا وبلغنا حين تأليفنا هذا (الكتاب) ان صديقنا احمد بن عبد الملك بن شهيد ألف في ذلك كتابا، وهو من المتمكنين من علم البلاغة والأقوياء فيه جدا، وقد كتب إلينا يخبرنا بذلك، إلا اننا لم نر الكتاب بعد، فغنينا بالكتب التي ذكرنا عن الإيغال في الكلام في هذا الشأن، ولكنا نتكلم فيه بإيجاز جامع فنقول، وبالله تعالى نتأيد، البلاغة قد تختلف في اللغات على قدر ما يستحسن أهل كل لغة من مواقع ألفاظها على المعاني التي تتفق في كل لغة، وقد تكون معدودة في البلاغة ألفاظ مستغربة، فإذا كثر استعمالهم لها لم تعد في البلاغة ولا استحسنت، ونقول: البلاغة ما فهمه العامي كفهم الخاصي وكان بلفظ يتنبه له العامي لأنه لا عهد له بمثل نظمه ومعناه؟ وهذا الذي ذكرنا ينقسم قسمين. أحدهما مائل إلى الألفاظ المعهودة عند العامة كبلاغة عمرو بن بحر الجاحظ وقسم مائل إلى الألفاظ غير المعهودة عند العامة كبلاغة الحسن البصري وسهل بن هارون ثم يحدث بينهما قسم ثالث آخذ من كلا الوجهين كبلاغة صاحب ترجمة كليلة ودمنة؟ ابن المقفع كان أو غيره - وأما نظم القرآن فان منزله تعالى منع من القدرة على مثله وحال بين البلغاء وبين المجيء بما يشبهه، وقد كان احدث ابن دراج عندنا نوعا من البلاغة ما بين الخطب
стр. 184
والرسائل. وأما المتأخرون فأنا نقول انهم مبعدون عن البلاغة ومقربون من الصلف والتزيد، حاشا الحاتمي وبديع الزمان، فهما مائلان إلى طريقة سهل بن هارون ".
ويقول في الشعر:
" الشعر ينقسم ثلاثة أقسام: صناعة وطبع وبراعة. فالصناعة هي التأليف الجامع للاستعارة بالأشياء والتحليق على المعاني والكتابة عنها، ورب هذا الباب من المتقدمين زهير بن أبي سلمى ومن المحدثين حبيب ابن أوس. والطبع هو ما لم يقع فيه تكلف وكان لفظه عاميا لا فضل فيه عن معناه حتى لو اردت التعبير عن ذلك المعنى بمنثور لم تأت بأسهل ولا أوجز من ذلك اللفظ. ورب هذا الباب من المتقدمين جرير ومن المحدثين الحسن (بن هانئ) ، والبراعة هي التصرف في دقيق المعاني وبعيدها، والإكثار فيما لا عهد للناس بالقول فيه، وإصابة التشبيه وتحسين المعنى اللطيف، ورب هذا الباب من المتقدمين امرؤ القيس ومن المتأخرين علي بن عباس الرومي؟ ومن أراد التمهر في أقسام الشعر ومختاره وافانين التصرف في محاسنه، فلينظر في كتاب قدامة بن جعفر في نقد الشعر، وفي كتب أبي علي الحاتمي " (١) .
وهذه الاحكام على ما فيها من بساطة وإيجاز لا تخلو من نظرات نقدية دقيقة، فان التفرقة بين بلاغة الجاحظ والحسن والاهتداء إلى السر في ذلك، واشتقاق أسلوب ثالث من اجتماعهما مما لا يدركه إلا الناقد البصير، ومن المدهش أيضاً الجمع بين امرئ القيس وابن الرومي، وإغفال المتنبي من الأقسام الثلاثة.
ولابن حزم رأي أيضاً في اتفاق الشعراء في المعنى الواحد اتفاقا لفظيا، قال:
" والذي شاهدناه اتفاق شاعرين في نصف بيت، شاهدناه ذلك
стр. 185
مرتين من عمرنا فقط واخبرني من لا أثق به أن خاطره وافق خاطر شاعر آخر في بيت كامل واحد ولست اعلم ذلك صحيحا؟ والشعر نوع من أنواع الكلام ولكل كلام تأليف ما، والذي ذكره المتكلمون في الأشعار من الفضل الذي سموه " المواردة " وذكروا أن خواطر الشعراء اتفقت في عدة أبيات فأحاديث مفتعلة لا تصح أصلا ولا تتصل، وما هي إلا سرقات وغارات من بعض الشعراء على بعض " (١)
ولكن من هذا يتجلى لنا كيف أخطأ النقد طريقه مرتين: مرة حين كان مقياسا ذاتيا، ومرة حين اتخذ مقياسا عاما، ولا علينا من هذا الخطأ، فنحن إنما ننظر إلى قواعد نقدية، تمخضت عنها الأندلس بعيد الفتنة وزوال سيادة قرطبة، وهي حركة أوسع من تلك النظرات النقدية العابرة التي كانت تمر بنا فيما سبق. وغني عن القول ان ابن شهيد كان أقوى أثراً من ابن حزم في توجيه الحياة الأدبية، لأن الثاني جاء بمقاييس غير عملية، تعدم اكثر فنون الشعر، ولا تبقي إلا على الشعر التعليمي. ومع ذلك فان ابن حزم كان قوة جديدة في تحقيق الشخصية الأندلسية مرتين: مرة بتسجيله لنواحي التمييز الأدبي فيها، ومرة بإعطائها مذهبا يجعلها تماما عن المشرق، فهو أقوى من تمم الاتجاه الذي بدأه الحكم المستنصر.
هذا وقد تركت الفتنة آثارها في شعر ثلاثة من مشاهير شعراء الأندلس، وهم ابن دراج القسطلي وابن شهيد وابن حزم فلنتقدم إلى دراسة كل واحد منهم في الفصول التالية.
стр. 186
فراغ
стр. 187
٢ - أبو عمر
احمد بن محمد بن دراج القسطلي
المحرم ٣٤٧ - ٤٢١
مارس ٩٥٨ - ٢١ يونيه ١٠٣٠
الذخيرة ١/١: ٤٣ - ٧٨ والجذوة: ١٠٢ والصلة: ٤٤ والنجوم الزاهرة ٤: ٢٧٢ والمطرب: ١٤٥ ومسالك الابصار ١١: ٢٠١ وشذوات الذهب ٣: ٢١٧ والمغرب ٢: ٦٠ واليتيمة ١: ٤٣٨ والنفح ٢: ٧٨٢، ٨٠٠، ٨٥٦، ٩٠٦ والروض المعطار: ١١٥، ١٦٠ والرايات: ٧٣ واعمال الاعلام: ١٢٣، ١٩٧، ٢١٢، ٢٢٣ والشريشي ١: ٤٣، ١٣٢، ٣٨٣ وابن خلكان رقم: ٥٥
كان قد تجاوز الخمسين عندما نشبت الفتنة، ولكن تلك الحادثة أثرت في نفسيته وشعره، وتحولت به تحولا لم تستطع ان تحدثه تلك السنوات الطوال التي عاشها قبلها.
стр. 188
وأول ما نرى احمد بن محمد هذا المنتسب إلى بني دراج وهم فرع من صنهاجة (١) ، المنسوب لقسطلة دراج من أعمال جيان (٢) ، كاتبا من كتاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر، ولعل الحظوة التي نالها صاعد عند المنصور بشعره قد أثرت في نفسه فأراد لنفسه شيئا شبيها بها، فنظم قصيدة عارض فيها صاعدا، ومنها (٣) :
أضاء لها فجر النهى فنهاها ... عن الدنف المضنى بحر هواها
وضللها صبح جلا ليله الدجى ... وقد كان يهديها الي دجاها وأراد ان يكون له بها اسم مقيد في ديوان الشعراء، فتألب عليه النقاد فيما يبدو، ودفعوه عن مرتبة الإجادة، وربما اتهموه بأنه لا يستطيع إلا المعارضة، وادعوا عند المنصور انه منتحل سارق لا يستحق ان يكون له عطاء منظم، وفي نفس المنصور من ذلك شيء لأنه لم يغب عنه ان القصيدة جيدة، ومع ذلك عقد له مجلس امتحان في ٣شوال سنة ٣٨٢ (وسن ابن دراج يومئذ لا تقل عن ٣٥ سنة) واقترح عليه النظم في موضوع معين، فنظم ما اعجب المنصور، فأعطاه مائة دينار وأجرى عليه الرزق، وكتب اسمه في ديوان العطاء، واتعظ ابن دراج بهذه الحادثة، فأخذ يدأب على تجويد الشعر ويسهر في حوكه، وفي ذلك المجلس نفسه عبر للمنصور عن المعنى الذي استحضر من اجله، وكذب دعوى الذين اتهموه بالسرقة، ودافع عن نفسه بقصيدة مشهورة عند الأندلسيين مطلعها (٤) :
حسبي رضاك من الدهر الذي عتبا ... وعطف نعماك للحظ الذي انقلبا
стр. 189
ومنها يذكر كيف ان الناس قد اعتادوا اتهام أجود المجيدين من الشعراء:
ولست أول من أعيت بدائعه ... فاستدعت القول ممن ظن أو حسبا
ان امرأ القيس في بعض لمتهم ... وفي يديه لواء الشعر إن ركبا
والشعر قد أسر الأعشى وقيده ... دهرا وقد قيل: والأعشى إذا شربا
وكيف أظما وبحري زاخر فطنا ... إلى خيال من الضحضاح قد نضبا مشيرا بذلك إلى القول الشائع " أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، والأعشى إذا شرب " دافعا عن نفسه تهمة الأخذ لأن خياله واسع، وخيال من يتهم بالأخذ عنهم ضحضاح قد قارب النضوب، ثم يمضى طلقا في الثقة بنفسه مستمدا ذلك من تعصب المنصور له وانحيازه لجانبه:
عبد لنعماك في فكيه نجم هدى ... سار بمدحك يجلو الشك والريبا
إن شئت أملى بديع الشعر أو كتبا ... أو شئت خاطب بالمنثور أو خطبا
كروضة الحزن أهدى الوشي منظرها ... والماء والزهر والأنوار والعشبا
أو سابق الخيل أعطى الحضر متئدا ... والشد والكر والتقريب والخببا وظل في ظل المنصور على هذه الحال من التقديم، فأطنب في مدحه، بطوال القصائد، معترفا بالجميل شاكرا لذلك الرضى فمن مدائحه فيه (١) :
ما كفر نعماك من شاني فيثنيني ... عمن توالى لنصر الملك والدين
ولا ثنائي وشكري بالوفاء بما ... أوليتني دون بذل النفس يكفيني
حق على النفس أن تبلى ولو فنيت ... في شكر أيسر ما أضحيت توليني
ها إنها نعمة ما زال كوكبها ... إليك في ظلمات الخطب يهديني واكثر القصيدة في ذكر حاله وشكره ورضى المنصور عنه لا في مدح المنصور مباشرة وربما استوقفنا منها قوله:
стр. 190
وحاش للخيل أن تزهى علي بها ... والبيض والسمر أن تحظى بها دوني
وربما كنت أمضي في مكارهها ... قدما وأثبت في أهوالها الجون
لكن سهام من الأقدار ما برحت ... على مراصد ذاك الماء ترميني فما هي سهام الأقدار التي كانت تحول بينه وبين المشاركة في الحرب، أكان لديه جز جسماني عن ذلك، اكبر الظن ان هذا هو الذي يعنيه، وإلا فانه كان أحيانا يصاحب المنصور إلى الغزو، دون ان يكون في المحاربين، ونراه في غزوة شنت ياقب (٣٩٢) مع المنصور، ثم يكتب رسالة إلى هشام المؤيد ليخبره بالفتح، ويذكر الوقعة ويصف الكنيسة وصفا دقيقا، ويقول صاحب الروض المعطار (١) ان له في هذه الوقعة قصيدة مشهورة ولكنها؟ فيما يبدو - لم تصل مع ما وصلنا من شعره.
ومن مدائحه في المنصور أيضاً (٢) :
أصخ نحوي لدعوة مستقيل ... ينادي من غيابات الخمول
رهينة كل هم مستكن ... ونهزة كل خطب مستطيل ومن الغريب ان يجدد فيها القول بأنه مهمل ملقى في غيابات الخمول، ويعود إلى النغمة القديمة من طلب الرضى:
لعل رضاك يا منصور يوما ... يحل بساحتي عما قليل وان كان يبدو من النغمة العامة في هذه القصيدة أنها جاءت قبل تحقق الرضى، وربما كانت من أوائل قصائده في المنصور، قبل إدراج اسمه في ديوان العطاء. وتحدثنا بعض الروايات أن المنصور هو الذي طلب إليه ان يعارض قصيدة أبي نواس الرائية في مدح الخصيب (٣) ، ويهمنا منها في هذا المقام انه ما يزال يلح على صاحبه ان يمنحه كل ثقته،
стр. 191
وان لا يأخذه بجريرة ظروفه القاسية (١) :
أثرني لخطب الدهر، والدهر معضل ... وكلني لليث الغاب وهو هصور
فقد تخفض الأسماء وهي سواكن ... ويعمل في الفعل الصحيح ضمير
وتنبو الردينيات والطول وافر ... ويبعد وقع السهم وهو قصير وفي هذه التلميحات ما يشير إلى ان سكونه قد يجر عليه الانخفاض، فهو يريد استثارة ودفعا، وثقة تجعله يقابل الدهر ويقتل الليث، وهو أيضا يشبه نفسه بالسهم القصير، الذي إذا استغله صاحبه واحسن استغلاله أبعد وقعه وأثره حيث تعجز الردينيات الطويلة، ومرة أخرى تستوقفنا هذه التلميحات: أهي تدل على عجز جسماني؟ أم هي تدل على مجرد حالة نفسية؟ أم هي حكمة ليس لها مدلول وراءها اكثر منها؟
وينتظم في هذا السلك قصيدة لا ندري في من قالها، ولكن ما يزال يتحدث فيها عن الرضى، ويعلن عن ارتياحه إليه (٢) :
وشملتني بشمائل أذكرتني ... في طيبها طوبى وحسن مآب
ورضاك رد لي الرضى في أوجه ... من جوز أيام علي غضاب
وهداك أشرق لي وليلي مظلم ... وسناك أبرق لي وزندي كابي وان لم يكن من المستبعد ان تصور نفسيته بعد الفتنة، فان كانت مما انتجه قبلها فانها تضيف إلى الحاحه على فكرة " الرضى " الحاحا جديدا، وتعزز ما يمكن ان نستشفه من نفسيته، وهي نفسية رجل لم تنضج ذاته، فهو دائما إلى شبه الخوف من تغير صاحبه عليه، شديد الظن كثير التحسب، يعتمد كثيرا على معاني القسمات وملامح الوجه في تقدير العلاقة بينه وبين رؤسائه.
وإذا عدينا عن هذا القلق النفسي الذي نجهل دواعيه وجدناه ما يزال مقربا إلى سيف الدولة المظفر بن المنصور، يمدحه، فمن قصائده فيه
стр. 192
قصيدة مطلعها (١) :
دعيت فأصغ لداعي الطرب ... وطاب لك الدهر واشرب وطب وهنأه بانتصاره في غزاة سنة ٣٩٣ بقصيدة منها (٢) :
تبدى أريج السعد واستقبل النجح ... فبالله فاستفتح فقد جاءك الفتح
وقد قدم النصر العزيز لواءه ... وقبل طلوع الشمس ينبلج الصبح
فقد في سبيل الله جيشا كأنه ... من الليل قطع طبق الأرض أو جنح
كتائب في إقدامها الحق والتقى ... وألوية في عقدها اليمن والنجح وشارك أيام المظفر في وصف الأزهار، باقتراح من الحاجب نفسه وكان مما قاله في السوسن (٣) :
إن كان وجه الربيع مبتسما ... فالسوسن المجتلى ثناياه ورثى صبح أم هشام المؤيد بهذه القصيدة (٤) :
بقاء الخلائق رهن الفناء ... وقصر التداني وشيك الفناء ومدح من رجال الدولة العامرية، الوزير المشهور أبا الأصبغ عيسى ابن سعيد بن القطاع " قيم دولة ابن أبي عامر وحامل لوائها والمستقل بأعبائها ومالك زمام إعادتها وإبدائها " بقصيدة مطلعها (٥) :
أفي مثلها تنبو أياديك عن مثلي ... وهذي الأماني فيك جامعة الشمل ولعله مدحه بها في أيام المظفر لا في أيام المنصور، أي حين " تناهى عيسى في الاكتساب بالحضرة وجميع أقطار الأندلس ضياعا ودورا فات الناس احصاؤها، واشتمل على الملك هو وولده وصنائعه ". وهو يشكو
стр. 193
إلى أبي الأصبغ فقرة وحاجته إلى مركب، مع أن الركبان إنما يحقبون غرائب شعره، وينتقلون بدائعه على شرابهم ولا شراب له، ويستغيئه بقوله:
أبا الأصبغ المعني هل أنت مصرخي ... وهل أنت لي مغن وهل أنت لي معلي وقد قتل هذا الوزير في أيام عبد الملك المظفر، لأنه فيما يقول، اخذ يميل إلى الأموية على العامرية، ومن المواقف المؤسفة ان يجد ابن دراج نفسه مهنئا المظفر بالتخلص من وزيره عيسى بن سعيد، في قصيدة له مطلعها (١) :
شكرا لمن أعطاك ما أعطاكا ... ملك أذل لملكك الأملاكا حتى إذا هبت ريح الفتنة على قرطبة وعصفت بدورها وقصورها وشردت أدباءها وعلماءها، وقضت بالموت على فريق منهم، بقي ابن دراج مع فريق الشعراء الذين " نسجت على أفواههم ومحاريبهم العناكب " كما يقول ابن حيان، فقيرا معدما منكوبا، معيلا كبيرا المسؤولية تجاه الأهل والأولاد، حائرا مبلسا في امره، ولقد ظن ان انتصار المستعين يحقق له عودة الحياة الطيبة التي كان يحياها في ظل العامريين، فما كاد المستعين يدخل قرطبة حتى خف إليه ابن دراج، يهنئه بالملك بل يهنيء الملك به، ويشمت بالمهدي ويسميه قعيد الخزي (٢) :
هنيئا لهذا الملك روح وريحان ... وللدين والدنيا أمان وإيمان
فأن قعيد الخزي قد ثل عرشه ... وإن أمير المؤمنين سليمان ودخل عليه أول مجلس له بالقصر فأنشده (٣) :
شهدت لك الأيام انك عيدها ... لك حن موحشها وآب بعيدها
وأضاء مظلمها وأفرخ روعها ... وأطاع عاصيها ولان شديدها
стр. 194
وأطنب في وصف المعارك التي انتصر فيها، وفي وصف رجال حربه، وباء من سليمان بالاخفاق، فان سليمان كان مشغولا عن الشعر والشعراء، لم يجبر لهم عثرة، ولا عطف عليهم بنظرة، فعزم ابن دراج على الرحيل في طلب الرزق، وكتب في ذلك سليمان يستأذنه (١) :
" حاشا لله ان استشف الحسي قبل جمومه، واستكره الدر قبل حفوله، أو أتعامى عن سراج المعذرة، وارغب عن ادب الله في نظرة إلى ميسرة، ولكن:
" ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر "
ما أوضح العقد لي لو أنهم عذروا ... وأجمل الصبر بي لو أنهم صبروا
لكنهم صغروا عن أزمة كبرت ... فما اعتذاري عمن عذره الصغر وقد قلبت لهم الأمور، وميزت بين المعسور والميسور، فما وجدت احسن بدءا ولا احمد عودا مما أذن الله فيه لعباده الذين اعمرهم أرضه وسخر لهم بره وبحره، أن يمشوا في مناكبها ويأكلوا من رزقه، وحيث نتقلب ففي كرمك وأين نأمن ففي حرمك ".
وليس ببعيد ان يكون قد كتب هذه الرسالة إلى المستعين ليذكره بنفسه، رجاء ان يجد لديه ما يعوضه الرحلة والمشي في مناكب الأرض، ولكن النتيجة تدل على ان المستعين لم يلتفت إليه، وهنا تبدأ سلسلة من التجوال وقرع الأبواب، والوقوف على الأمراء الذين اقتسموا الأندلس بعد الفتنة، قال ابن حيان " فاستقرى ملوكها أجمعين ما بين الجزيرة الخضراء فسرقسطة من الثغر الأعلى يهز كلا بمدحه ويستعينهم على نكبته وليس منهم من يصغي له ولا يحفظ ما أضيع من حقه وأرخص من علقه " (٢) .
١ - فأول من قصد منهم خيران العامري صاحب المرية، ومدحه
стр. 195
صدر سنة ٤٠٧ بقصيدة عارض فيها قصيدته النونية التي قالها في المستعين (١) :
لك الخير قد أوفى بعهدك خيران ... وبشراك قد آواك عز وسلطان وكان قد ركب البحر مع أهله وبنيه فوصف في هذه القصيدة سيره والأهوال التي لاقاها في البحر:
إليك شحنا الفلك تهوي كأنها ... قد ذعرت من مغرب الشمس غربان
على لجج خضر إذا هبت الصبا ... ترامى بنا فيها ثبير وثهلان
وفي طي أسمال الغريب غرائب ... سكن شغاف القلب، شيب وولدان
إذا غيض ماء البحر منها مددنه ... بدمع عيون تمتريهن أشجان
يقلن وموج البحر والهم والدجى ... تموج بنا فيها عيون وآذان
ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا ... سوى البحر قبر أو سوى الماء اكفان
وهبنا رأينا معلم الأرض هل لنا ... من الأرض مأوى أو من الإنس عرفان ويأسى في القصيدة على أن بلاد الغرب قد ضيعته، ويزعم ان بغداد ترحب بمقدمه، ويقدر قيمة نفسه وهو يستعطف الملوك لأولاده:
فان غربت أرض المغارب موطني ... وانكرني فيها خليط وخلان
فكم رحبت أرض العراق بمقدمي ... وأجزلت البشرى علي خراسان
فان بلادا أخرجتني لعطل ... وان زمانا خان عهدي لخوان ويتذكر أصدقائه وأهله الذين طواهم الموت، ثم يمني أولاده بالخير حين ينزلون قصر المرية لأنهم ينزلون " ببحر ندى يمناه در ومرجان "، ويطنب في مدح هذا البحر، وقد شهرت هذه القصيدة حتى عارضتها إحدى شواعر الأندلس عندما مدحت خيران العامري نفسه (٢) :
стр. 196
أتجزع أن قالوا ستظعن أظعان ... وكيف تطيق الصبر ويحك إن بانوا ولم يكافئ خيران هذا النفس الطويل بما يستحق فبخسه حظه في الجائزة، وسمع بذلك طبيب فاضل اسمه أبو جعفر بن جواد فقصد ابن دراج بخمسة عشر مثقالا ودفعها إليه وقال له: اعذر أخاك فانه في دار غربة (١) .
٢ - ثم مدح المرتضى الذي حاول فتيان العامريين ان يعيدوا بيعته سلطان الدولة الأموية، بقصيدة (٢) :
جهادك حكم الله من ذا يرده ... وعزمك أمر الله من ذا يصده
وطائرك اليمن الذي أنت يمنه ... وطالعك السعد الذي أنت سعده وما بقي من هذه القصيدة ليس فيه استعطاف للأهل والأولاد.
٣ - وقصد مظفرا ومباركا العامريين صاحبي بلنسية، وجمع مدحهما في قصيدة كاجتماع سلطانهما (٣) :
أنورك أم أوقدت في الليل نارك ... لباغي قراك أم لباغي جوارك
ورياك أم عرف المجامر أشتعلت ... بعود الكباء والألوة نارك
ومبسمك الوضاح أم ضوء بارق ... حداه دعائي ان يجود ديارك
وطرة صبح أم جبينك سافرا ... اعرت الصباح نوره أم أعارك وبعد مقدمة غزلية طويلة انتقل إلى مدح مظفر ومبارك فقال:
وأرضي سيول من خيول مظفر ... وليل نجوم من سيوف مبارك
فحيث وجدت الأمن يهتف بالمنى ... هلمي إلى غيثين جادا سرارك
هلمي إلى سيفين والحد واحد ... يجيران من صف الحوادث جارك
هلمي إلى طرفي رهان تقدما ... إلى الأمد الجالي عليك اختياك
هلمي إلى قطبي نجوم كتائب ... تنادي نجوم التعس غوري مغارك
стр. 197
ويحاول أن يقنع نفسه، كما بشرها حين وفد على خيران، بان الأمل لا بعد متحقق ببلنسية، ولكن ارتحاله عنهما إلى غيرهما يدل على ان الحفاروة التي لقيها لم تكن لترضيه بالبقاء.
٤ - ويبدو انه عاد في بعض تلك الأيام إلى قرطبة، مجددا العهد بها، لعله يجد عند ابن حمود صاحبها الجديد ما يغنيه عن الضرب في الارض وربما زاره قبل زيارته لمبارك ومظفر، ومدحه بقصيدة مطلعها (١) :
لعلك يا شمس عند الأصيل ... شجيت لشجو الغريب الذليل وذكر ابن حمود بما لقيته قرطبة من عناء وشدة:
ومن دوننا آنسات الديار ... نهاب الحمى موحشات الطلول
مغاني السرور لبسن الحداد ... على لابسات ثياب الذهول
خطيبات خطب النوى والمهور ... مهارى عليها رحال الرحيل
فمن حرة جليت بالجلاء ... وعذراء نصت بنص الذميل
ولا حلي إلا جمان الدموع ... تسيل على كل خد أسيل ثم أطنب في مدح ابن حمود، وخاصة بنسبه العلوي.
٥ - واخيرا استقر به المطاف عند منذر بن يحيى صاحب سرقسطة الملقب بذي الرياستين وبشر نفسه في رحابه بانتهاء عهد الفقر والتعاسة، ولدينا من قصائده في منذر اربع قصائد، الأولى (٢) :
بشراك من طول الترحل والسرى ... صبح بروح السفر لاح فأسفرا وفيها تعرض لذكر أبنائه وللصعوبات الجمة التي لقيها قبل أن يصل إلى منذر:
فلئن صفا ماء الحياء لديك لي ... فبما شرقت إليك بالماء الصرى
ولئن خلعت علي بردا اخضرا ... فلقد لبست إليك عيشا أغبرا
ولئن مددت علي ظلا باردا ... فلكم صليت إليك حرا مسعرا
стр. 198
وهو في هذا يعارض المتنبي في قصيدة مدح بها ابن العميد ابا الفضل، ويتتبع سياق القصيدة في مثل قوله:
ولتعلم الأملاك أني بعدهم ... ألفيت كل الصيد في جوف الفرا؟؟؟؟.
كلا وقد آنست من هود هدى ... ولقيت يعرب في القبول وحميرا
والحارث الجفني ممنوع الحمى ... بالخيل والآساد مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتم ... أيام يقري موسرا أو معسرا
ولقيت زيد الخيل تحت عجاجة ... تكسو غلائلها الجياد الضمرا والثانية قالها فيه حين ورد عليه صاعد اللغوي، ومنها (١) :
علا فحوى ميراث عاد وتبع ... بهيمته العليا ونسبنه الدنيا ومدح فيها صاعدا وقارن بين نفسه وبين منذر في قوله:
وقد لاذ أبطال الجلاد بعطفه ... كما لاذ أطفال الجلاء بعطفيا
وقد قصرت عنهم رماح عداته ... كما قصرت عنهم رياش جناحيا وبكى ضياعه وتأسف لمصيره، وانه مدفون في الحياة:
فيا لك من ذكرى سناء ورفعة ... إذا وضعوا في الترب أيمن شقيا
وفاحت ليالي الدهر مني ميتا ... فأخزين اياما دفنت بها حيا؟؟؟؟؟؟.
فيا عبرتي سحي لعلي مبلل ... بجريك ما انزفت من ماء خديا
ويا خلتي ان سوف الغوث بالمنى ... ويا غلتي إن أبطأ الغيث بالسقيا
فقوما إلى رب السماء فأسعدا ... تقلب وجهي في السماء وكفيا فهو يحس في أسى انه أنزف ماء وجهه، وان خلته لم تسد وغلته لم ترو، وانه لا يزال يدعو الله ان ينزل عليه الرحمة، ومعنى هذا انه في ظل منذر لا يزال يحس بالفقر، دع عنك إحساسه بالغربة.
стр. 199
والثالثة عدها الحميدي من مذهبات أشعاره في منذر وهي (١) :
قل للربيع اسحب ملاء سحائبي ... واجرر ذيولك في مجر ذوائبي وفيها يتشوق إلى قرطبة ويقول مخاطبا الربيع أيضاً:
واجنح لقرطبة فعانق تربها ... عني بمثل جوانحي وترائبي
وانشر على تلك الأباطح والربى ... زهرا يخبر عنك أنك كاتبي وهذا التشوق يدل على ان شيئا من الاستقرار قد اخذ يصرفه عن بكاء نفسه والاستجداء لأولاده، واخذ يستعيد ذكرياته في الوطن، ويلتفت عن حاضره إلى ماضيه وكان كثير الانهماك في تصوير ذلك الحاضر.
أما الرابعة فقد بقي منها قوله (٢) :
يا عاكفين على المدام تنبهوا ... وسلوا لساني عن مكارم منذر
ملك لو استنبهت حبة قلبه ... كرما لجاء بها ولم يتعذر ومن ممدحي ابن دراج في هذه الفترة شخص يدعى ابن ازرق (أو ابن ارزق) واظنه ابا عامر بن ارزق أحد من استكتبهم منذر بن يحيى (٣) ، ومدحه لأحد الكتاب، معناه ان شيخوخته حالت بينه وبين العمل في الكتابة عند منذر، وظل يتكسب بشعره من منذر ورجاله.
ومن قصيدته لابن ارزق يذكر حاله وحال اطفاله أيضاً (٤) :
اخو ظمأ يمص حشاه سبع ... وأربعة وكلهم ظماء
كأنهم يوسف عددا ولكن ... برؤيا هذه برح الخفاء
خطوب خاطبتهم من دواه ... يموت الحزم فيها والدهاء وفي سرقسطة روى عنه أناس منهم محمد بن ميمون القرشي وهو من أهل العلم بالأدب والعربية ومظفر الكاتب السرقسطي (٥) . ونقل صاحب
стр. 200
الذخيرة عن ابن حيان (١) أن ابن دراج وجد ترحيبا عند منذر وانه لم يزل عنده، وعند ابنه من بعد مادحا لهما مثنيا عليهما رافعا من ذكرهما غير باغ بدلا بجوارهما، ولكن هذا كلام يستوقف النظر حقا، فالحميدي يقول ان ابن دراج مات قريبا من العشرين وأربعمائة (٢) ، أما منذر نفسه فقد قتل سنة ثلاثين وأربعمائة على يد أحد أقربائه المسمى عبد الله بن حكم فاذا صح قول الحميدي فلا يعقل ان يكون ابن دراج قد أدرك زمان ابن منذر ثم ان ابن حيان نفسه الذي يقول ان يحيى تسلم أمور سرقسطة بعد مقتل أبيه هو نفسه الذي يروي ان القاتل عبد الله بن حكم بقي صاحب الأمر والنهي في البلد، حتى عجل سليمان بن هود (٤٣١) وجاء فتملكها (٣) ، فأين دور يحيى في ولاية سرقسطة (٤) وأين منه ابن دراج؟ مهما يكن من شيء، فان رواية ابن حيان تدلنا على أن ابن دراج ظل في سرقسطة حتى آخر أيامه وفيها توفي.
من كل ما تقدم يتجلى لنا كيف وقع ابن دراج ضحية للفتنة، كما وقعت قرطبة نفسها ضحية لها، وكيف تدهورت نفسيته إلى حد ان اصبح شعره مترددا بين الاستبشار والخيبة، بين شكوى الحال والتكفف الضارع، بين تصوير حال الأطفال وحال الممدوحين، وقد سخرت الأيام سخرية غير رفيقة بابن دراج، فقد بدأ مذهبه الشعري بالاتكاء على تصوير فراقه لزوجه وأطفاله، وتعلقهم به، ورقته عليهم في حال الفراق المتخيل، ثم انتهى إلى التحدث عن هؤلاء الأطفال ٠او الأبناء - حديثا مستمدا من الواقع لا من الخيال، وأضرعته النكبة من أجلهم في الواقع لا في الخيال أيضاً. كان غير راض بالنعمة دون رضى، فأصبح يرضى بالرزق من أي كف
стр. 201
جاءه، وتلك حال من الانهيار النفسي الذي تلمح بذوره في المرحلة الأولى ولكنه لم يكن ليحقق سريعا لولا اجتماع النكبة والشيخوخة معا.
ويبدو من السياق العام لشعره انه كان جادا في اكثر شئونه، محبا لأطفاله، قيما بالمسؤلية العائلية، مترفعا عن كثير من صغائر الأمور وتوافه المشاغل، أرسل إليه أحد الأدباء لغزا وسأله ان يفسره فلم يتعب فكره في ذلك بل كتب إلى السائل على ظهر رقعته بديهة (١) :
إذا شذت عن العرب المعاني ... فليس إلى تعرفها سبيل واستنشد المطرف المرواني بعض شعر له يقول فيه:
إلى ان دهاني إذ أمنت غروره ... سفاها، وأداني لما ليس يذكر فأعجب بالشعر، إلا انه انتقد عليه قوله: " وأداني لما ليس يذكر " لأنه وجد في هذا التعبير إيحاءات غير مستساغة، فاغتاظ الأموي منه وقال له: يا أبا عمر من اين جرت العادة بان تمزح معي في هذا الشأن؟ فتراجع أبو عمر وسكن غضبته بان قال: حلم بني مروان يحملنا على ان نخرق العادة في الحمل على مكارمهم (٢) . وشعره وكتابته يدلان على انه كان ذا حظ طيب من الثقافة وسعة الاطلاع.
آراء النقاد في شعره
نال كثيرا من تقدير الأندلسيين وغيرهم، فقال فيه ابن حزم: " لو قلت انه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم ابعد " وقال مرة أخرى " لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا احمد ابن دراج لما تأخر عن شأو حبيب والمتنبي (٣) " وعده ابن حيان " سباق حلبة الشعراء
стр. 202
العامريين وخاتمة محسني أهل الأندلس اجمعين " (١) وبتقريب من هذا قال ابن بسام نفسه، وقال فيه الثعالبي " بلغني ان أبا عمر القسطلي كان عندهم بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام؟ وكان يجيد ما ينظم " (٢) وقد افتخر الأندلسيون بذكر الثعالبي له، وسموا ابن دراج متنبي المغرب. ووصف ابن شرف بأنه " شاعر ماهر عالم بما يقول؟ حاذق بوضع الكلام في مواضعه لا سيما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة وشكا ما دهاه في أيام المحنة، وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه، في ابعد الزمان وأقربه " (٣) وقال ابن شهيد: " والفرق بين أبي عمر وغيره ان أبا عمر مطبوع النظام، شديد أسر الكلام، ثم زاد بما في أشعاره من الدليل على العلم بالخبر واللغة والنسب وما تراه من حوكه للكلام، وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره وجيشة بحره، وصحة قدرته على البديع وطول طلقه في الوصف وبغيته للمعنى وترديده وتلاعبه وتكريره وراحته بما يتعب الناس وسعة نفسه فيما يضيق الأنفاس " (٤) .
وافتخر به الشقندي واختار له قصيدته الرائية في معارضته أبي نواس ثم شفع ذلك بقوله (٥) : " وأنا اقسم بما حازته هذه الأبيات من غرائب الآيات لو سمع هذا المدح سيد بني حمدان لسلا به عن مدح شاعره الذي ساد كل شاعر، ورأى ان هذه الطريقة أولى بمدح الملوك من كل ما تفنن فيه كل ناظم وناثر ".
شعره
إليه انتهت الطريقة التي اختارها الأندلسيون وارتضوها بعد الغزال
стр. 203
وعنده بلغت آخر الشوط في تطورها، وتعقدها والتوائها لأنه جمع بين أبي تمام والمتنبي، وحاول أن يبذ كل من تقدمه، في المعاني والصياغة، مازجا كل ذلك بجلبة ابن هانيء، مطيلا اطالة ابن الرومي، معتمدا في اكثر شعره على الكد والمصابرة والنحت، ولقد أصاب ابن شهيد من بين النقاد الذين تقدمت الإشارة إليهم في النص على أكثر مميزاته حين وصفه:
أ - بشدة الأسر في الشعر والصبر على حوك الكلام.
ب - بالاقتدار على البديع إذا قورن بمن تقدمه من الأندلسيين.
ج - بطول النفس في قصائده وبخاصة في الوصف.
د - بتعقب المعاني والتلاعب بها وترديدها.
هـ؟ - بالغموض؟ نتيجة لذلك - حتى تنبهر أنفاس القارئ وهو يحاول فهم شعره وإدراك حدوده ومعانيه. ونسي ابن شهيد انه يتميز بقريحة تعتمد المقايسة، لأنه يكون على خير أحواله في الشعر إذا هو عارض غيره، إلا أن في أبحره ثقلا كثيرا وفي كثير من قوافيه شذوذ عن طبيعة الموضوع، وعن الموسيقى العامة، ولقد عارض صاعدا والمتنبي وأبا نواس، ولكن شعره يظهر انه كان يقيس على امثلة من أشعار غيره، ثم يطنب في استغلال هذه المقايسة ويبالغ ليظهر تفرده، فبسمع المتنبي مثلا يقول:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... فيطلع بقصيدة على هذا التشكيك ويكثر من ذلك.. فيقول:
أنورك أم أوقدت بالليل نارك ... لباغي قراك أم لباغي جوارك
ورياك أم عرف المجامر اشتعلت ... بعود الكباء والألوة نازك
ومبسمك الوضاح أم ضوء بارق ... حداه دعائي أن يجود ديارك
وطرة صبح ام جبينك سافرا ... اعرت الصباح نوره أم أعارك
وأنت أجرت الليل إذ هزم الضحى ... كتائبه والصبح لما استجارك
стр. 204
فللصبح فيما بين قرطيك مطلع ... وقد سكن الليل البهيم خمارك
فيا لنهار لا يغيظ ظلامه ... ويا لظلام لا يغيظ نهارك
ونجم الثريا أم لآل تقسمت ... يمينك إذ ضمنتها أم يسارك ولعله ان لا يكون ناظرا في هذا إلى المتنبي، فانه يحب شعر ابن هانيء الأندلسي في قوله:
فتكات لحظك أم سيوف أبيك ... وكؤوس خمر أم مراشف فيك حتى لتجده ناظرا إلى هذه القصيدة نفسها حين يقول (١) :
ان كان واديك ممنوعا فموعدنا ... وادي الكرى فلعلي فيه ألقاك فهذا من قول ابن هانيء:
عيناك أم مغناك موعدنا وفي ... وادي الكرى تلقاك أم واديك بل لعله ان يكون متأثرا لا بالمتنبي ولا بابن هانيء، فهذه الطريقة من التمويه التشكيكي موجودة عند كثير من الشعراء، والمهم أن ابن دراج إذا جرى فيها ابعد الغاية، وأسهب، وقد أطلت الاقتباسة من القصيدة المتقدمة لدلالتها على هذا الإسهاب، ولدلالتها على شيء آخر من شعر ابن دراج وهو تعلقه بالصورة الواحدة مسافة طويلة في شعره، وإلحاحه على جوانبها بشدة فترى الصورة في الأبيات السابقة هي النار أو النور وما يكتنف ذلك من ليل، وتستمر هذه الصورة في كل الأبيات المتقدمة دون ملل، وهذا ان دل في هذا المقام على شيء فإنما يدل على الاسترسال وحب الاطالة، لا على تحقيق وحدة ما، أو على شغف بالصورة نفسها، ولكن كلما وجد ابن دراج سبيلا لكي يمد في عمر المعنى؟ وفي عمر الصورة تبعا لذلك - فانه لا يتردد عن أن يسلكه، وهذا شيء ينتظم شعره ونثره، ويخرج أحيانا إلى حد الإملال، فمن ذلك انه قد يشبه أبناءه بيوسف واخوته والأحد عشر كوكبا فيسترسل
стр. 205
مستخرجا كل الملابسات التي تليق بالموضوع من قصة يوسف واخوته، فيقول (١) :
أخو ظمأ يمص حشاه سبع ... وأربعة وكلهم ظماء
كأنجم يوسف عددا ولكن ... برؤيا هذه برح الخفاء
خطوب خاطبتهم من دواه ... يموت الحزم فيها والدهاء
وكلهم كيوسف إذ فداه ... من القتل التغرب والجلاء
وان سجن حواه فكم حواهم ... بطون الفلك والقفر القواء
وان أقوت مغاني العز منهم ... فكم عمرت بهم بئر خلاء فانظر إليه كيف استخرج من قصة يوسف كل ما ينطبق على بنيه أو وجه المعاني التي في قصة يوسف، ليمنحها لهم، فذكر انهم أحد عشر كأنجم يوسف، وكل واحد فيهم هو يوسف الذي نجته الغربة من القتل، وإذا كان يوسف قد سجن فكل واحد فيهم قد مر في سجن السفينة أو وجد في القفر سجنا، وكل واحد منهم لجأ إلى بئر خلاء بعد مغاني العز الواسعة، وهذا تشقيق للمعنى وإسهاب فيه، والأصل فيه التوليد المصاحب للمعنى النثري، وابن دراج بدأ كاتبا وانتهى كاتبا شاعرا، غير انه يبني شعره على النهج الفكري في النثر، ويحاول ان يوشحه بالبديع والقوة اللفظية.
وتسيطر على ابن دراج الصور الحربية في نثره وشعره، وإذا اخذ في هذا النوع من الصور أسرف فيه كثيرا، وإذا تذكرنا انه صرح بعجزه أحيانا عن المشاركة في الحرب عرفنا في شغفه بالصور الحربية نوعا من التعويض، فمن ذلك في شعره:
стр. 206
أوجفت خيلي في الهوى وركابي ... وقذفت نبلي في الصبا وحرابي
وسللت في سبل الغواية صارما ... عضبا ترقرق فيه ماء شبابي
ورفعت للشوق المبرح راية ... خفاقة بهزائج الأطراب
ولبست للوام لأمة خالع ... مسرودة بصبابة وتصابي
وبرزت للشكوى بشكة معلم ... نكص الملام بها على الأعقاب
فاسأل كمي الوجد كيف أثرته ... بغروب دمع صائب التساكب
واسأل جنود العذل كيف لقيتها ... في جحفل البرحاء والأوصاب
ولقد كررت على الملام بزفرة ... ذهل العتاب بها عن الأعتاب
حتى تركت العاذلين لما بهم ... شغفا بحب التاركي لما بي
من كل ممنوع اللقاء اغتاله ... صرف النوى فنأى به ودنا بي
حتى افتتحت عن الأحبة معقلا ... وعر المسالك مقفل الأبواب
ووقفت موقف عاشق حلت له ... فيه غنيمة كاعب وكعاب وكل ذلك تلحظ أدوات القتال وفنون الحرب، حتى يصل الشاعر إلى الغنيمة، وهكذا تحول بمنظر الحب إلى منظر الموقعة الحربية، وازجى فيه من الصور ما شاء. وجمع إلى هذا كله في طريقته الشعرية فنون البديع فأكثر في هذا الموقف من الجناس " لبست للوام لأمة "؟ برزت للشكوى بشكة "، وهو في غير هذا الموطن شديد الغرام بالمطابقات، وأحيانا بالإشارات على مثال أبي تمام في كثرة إشاراته التاريخية، كقوله:
وما شكر النخعي شكري ولا وفى ... وفائي؟ إذ عز الوفاء - قصير وكالإشارات الكثيرة في قصيدته الرائية التي مدح بها صاحب سرقسطة منذر بن يحيى، ومنها:
وأصبت في سبأ مورث ملكها ... يسبي الملوك ولا يدب لها الضرا
والحارث الجفني ممنوع الحمى ... بالخيل والآساد، مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتم ... أيام يقري موسرا أو معسرا
стр. 207
ثم تضيق هذه الحلقة بين الكلف بالمعنى والكلف بالفنون البديعية، فإذا معاني ابن دراج الغاز عسرة الحل تتطلب من القارئ تحيلا في الفهم وشرودا في التصور. فإذا أراد استخراج صورة جديدة يصور فيها غرام ممدوحه بجمال الحبوسين وقتالها واعلامها قال:
وأجناده في موقف الروع روضة ... وأعلامه في مورد الموت ورده والتلاعب اللفظي في هذه الصورة، يزيد إلى عسر التلاعب المعنوي. ومن معمياته قوله:
والطرف مرآة عيني أستدل بها ... على الصباح إذا ما خيف ساطعه
جونا أزيد به ليل الرقيب دجى ... ويستنير لي الإصباح لامعه ويبعد في استعاراته حين يتحدث عن الإبل التي أوصلته إلى الممدوح فيقول:
بدن فدت منا دماء نحورها ... ببقائها في كل أفق منحرا
نحرت بنا صدر الدبور فأنبطت ... قلق المضاجع تحت جو أكدرا
[خوض تفحن بنا البرى حتى انثنت ... أشلاؤهن كمثل أنصاف البرى]
وصبت إلى نحر الصبا فاستخلصت ... سكن الليالي والنهار المبصرا والمعنى أن هذه الجمال؟ وشبهها بالهدي الذي ينحر في عرفات - قد استنفذت منا دماء نحورها حين ظلت منحرا في كل وجه، أي ما عاشت إلا لتموت، فواجهت الدبور فأثارت مضاجع قلقة في جو اغبر، ثم مالت إلى نحر الصبا فلما قتلت الصبا استخلصت هدوء الليالي والنهار المبصر، وانما جاءه هذا التكلف من طلب المعنى، ومن الإلحاح على صورة النحر والفداء. ويقول في قصيدة أخرى:
في وقعة قامت بعذر سيوفهم ... لو ذاب من حر الجلاد حديدها
ويضيق فيها العذر عن خطية ... سمراء لم يورق بكفك عودها والمعنى أن السيوف لو ذاب حديدها في أيدي أولئك الأبطال من حر المعركة لكان في ذلك عذر لهم، أما الرمح الذي كنت تحمله ايها
стр. 208
الممدوح فلا عذر لأنه لم يورق من ندى كفك، وهذا غاية في الصنعة والإحالة، وتقليب المعاني التي تتردد عند الشعراء الآخرين ومزج أحدها بالآخر لإخراج معنى جديد. وقد يقف المرء حائرا إزاء قوله:
وتلك مراتب الأخطار مني ... حمائم ينتحين على هديل وربما عنى ان مراتب الأخطار ثاكلات كالحمائم اللواتي فقدن الهديل منذ القدم فهن ينحن عليه، وكذلك المراتب العليا، انها تتطلع إليه ولا تجده، ومن حق ممدوحه ان يرفعه إلى تلك المراتب. وليس المقصود من ذلك أن نشرح معقدات ابن دراج وإنما هذه أمثلة تشير إلى مقدار العناء في توضيح ما يقصده الشاعر في شعر هو اقرب أنواع الشعر إلى اللون المتافيزيقي المغرب الملتوي، عن تعمد، وصدق ابن شهيد في قوله: " وراحته بما يتعب الناس وسعة نفسه فيما يضيق الأنفاس ".
وما وصلنا من شعر ابن دراج ليس قليلا؟ نسبيا - (١) إلا أن كل القصائد موضوعها المدح إلا قصيدة رثاء صبح أم المؤيد، والا قطعتان غزليتان لا اشك في انهما مقدمتان لقصيدتين طويلتين في المدح، وإحداهما صريحة في ذلك لأنها تقف عند بيت التخلص إلى مدح المنصور، ولذلك لا نستطيع ان نحكم عليه في فنون أخرى من الشعر، ولكنه منذ البدء يشير إلى إتقانه ما يتصل بحياة أطفاله وأبنائه، وقد أضفى على منظر الوداع في معارضته لأبي نواس لفتات شعرية مؤثرة وهو يتحدث عن ابنه الصغير:
стр. 209
تناشدني عهد المودة والهوى ... وفي المهد مبغوم النداء صغير
عيي بمرجوع الخطاب ولفظة ... بموقع أهواء النفوس خبير
تبوأ ممنوع القلوب ومهدت ... له أذرع محفوفة ونحور
فكل مفداة الترائب مرضع ... وكل محياة المحاسن ظير
عصيت شفيع النفس فيه وقادني ... رواح بتدآب السرى وبكور ثم اصبح موضوع الأطفال بعد النكبة؟ كما قدمت - هو المحرك العاطفي في شعره إلى جانب هذا تعلقه بالتنجيم وزجر الطالع، كما ان صوره في الطبيعة وهي صور عرضية لا تختلف كثيرا عن سائر هذا اللون من الصور في الشعر الأندلسي، فمن أمثلة ذلك مما كان يعجب الذوق الأندلسي قوله:
لمعاقل من سوسن قد شيدت ... أيدي الربيع بناءها فوق القضب
شرفاتها من فضة وحماتها ... حول الأمير لهم سيوف من ذهب فمزج الطبيعة ومنظر الحرب في تصويره. غير انه ليس فيما تبقى من شعره ما ينقل الينا شيئا من نظرته إلى الحياة في أحوال هدوئه ورضاه، فهو دائما ثائر منفعل أو مضطرب باك حتى في استبشاره، والجلبة في شعره قد تقلل من قيمة الأثر الثقافي فيه، فهو وان حاول العمق أقرب إلى ابن هانيء منه إلى أبي تمام لو المتنبي.
стр. 210
فراغ
стр. 211
٣ - ابن شهيد
أبو عامر أحمد بن عبد الملك
الذخيرة ١/١: ١٦١ الجذوة: ١٢٤ بغية الملتمس رقم: ٤٣٧ المغرب ١: ٧٨ المطمح:١٦ اليتيمة: ٣٨٢ الخريدة ١٢: ٢٠١ المطرب: ١٤٧ الشذوات ٣: ٢٣٠ اعتاب الكتاب: ٧٤ المسالك ١١: ٢٠٦ معجم الادباء ٢: ٢١٨
وانظر صفحات متفرقة في النفح والشربشي.
بيت بني شهيد من بيوتات الشعر في الأندلس، وهم اشجعيون من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس يوم مرج راهط. وكان عبد الملك أبو مروان والد أبي عامر الذي نترجم له من شيوخ الوزراء في الدولة العامرية، مقربا عند المنصور بن أبي عامر، وقد استعمله المنصور واليا على الجهات الشرقية، جهات بلنسية وتدمير، فبقي هنالك تسعة أعوام، ثم سئم العمل فكتب إلى المنصور يقول: " ان كبير حق المولى لا يذهب بصغير حق العبد، ولي حرمة ادل بها، وذمة انبسط
стр. 212
لها، وقد طالت علي الغربة، وسئمت الخدمة، ومللت من النعمة فالادالة الادالة " (١) . وقد أعفاه المنصور من الخدمة حسب رغبته، فعاد إلى قرطبة وقد أثرى، إذ كان معه حين عودته أربعمائة ألف دينار ناضة ومائة ألف من ذهب آنية، ومائتان من رقيق الصقلب، ولم يحاسبه المنصور على هذا الثراء، بل انه صرف له فوق ذلك الفي مدي من قمح وشعير مناصفة، لان السعر كان عاليا، وكانت نفقته الشهرية من القمح سبعين مديا ومن الشعير علف ثمانين دابة.
وفي قرطبة اصبح أبو مروان من ندامى المنصور ومستشاريه. وكان من الناحية الثقافية كثير الاهتمام بالتاريخ والخبر واللغة والأشعار، مع سعة روايته للحديث والآثار. وقد ألف كتاب " التاريخ الكبير في الأخبار " ورتبه على السنين؟ بدأ به من عام الجماعة سنة أربعين وانتهى إلى أخبار زمانه (٢) . وأصيب بالنقرس في شيخوخته، فأهداه ابن أبي عامر محفة من خيزران ليحمل فيها، وكان في مرضه يحضر مجالس الانس ويسخفه الطرب فيرقص إذا اخذ منه الشراب، ويرتجل الشعر، ومما ارتجله في بعض تلك المواقف (٣) :
هاك شيخ قاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكا
لم يطق يرقصها مستثبتا ... فانثنى يرقصها مستمسكا
عاقه من هزها معتدلا ... نقرس أنحى عليه فاتكا
أنا لو كنت كما تعرفني ... قمت إجلالا على رأسي لكا
قهقهة الإبريق مني ضحكا ... ورأى رعشة فبكى وفي شيخوخته كان ما يزال قوي الشهوات، منطلق النفس وراء لذاته، إلا انه نسك في أخريات أيامه، وتوجه إلى الآخرة، وعزف عن
стр. 213
الدنيا، ثم أدركته منيته من ذبحة أصابته، وقبيل وفاته كان المنصور قد نقله من منية المغيرة إلى منية النعمان ليكون قريبا منه (١) .
وفي الحي المسمى منية المغيرة وفي الدار المعروفة بدار ابن النعمان، بين تضاعيف هذا النعيم، ولد احمد بن عبد الملك، وشهد عز أبيه في ظل العامريين، بل فتنة مجد العامريين وثراؤهم وقصورهم، وكان طفلا شديد الحساسية، فانطبعت في ذاكرته منذ الصغر ذكريات لم تنطمس من بعد، نلمس فيها الثورة الخبيئة على أبيه، والتشوف إلى الثراء، وحب الظهور، واستشعار السيادة في ذلك الدور المبكر من حياته.
فقد ظل يذكر كيف دخل وهو في الخامسة من عمره على المنصور ابن أبي عامر، فرأى بين يديه تفاحة كبيرة، فأخذ يتأملها تأمل الشره، فأمره المنصور ان يأخذها ويأكلها، فلما اطبق على بعضها فمه لم يستطع ان يقطع منها شيئا، بل إن يده ضاقت عنها، فتناولها المنصور منه، وأخذ يقطع له بفمه ويطعمه، وكأن هذا العطف كان يذكره بانه حرم شيئا كثيرا من عطف أبيه الذي كان مشغولا بمجالسه وبأمور الدولة اكثر من النظر إلى أبنائه. ثم سلمه المنصور إلى من حمله إلى بيت المنصور، حيث السيدة زوجه، ولم ينس الطفل احمد ما استقبل به من حفاوة من النساء، وكيف غمرنه بالهدايا، وقدمت له زوج لمنصور ألف دينار عن نفسها وثلاثة آلاف عن زوجها، وظن الطفل انه حر التصرف فيما اهدي إليه لأنه يملكه، ولكنه ما كاد يعود إلى البيت حتى استولى ابوه على كل شيء، فوزع منه ما وزع، واستبقى منه ما شاء. وتلك حادثة أثرت في نفسية احمد تأثيرا عميقا يشبه الحقد، ذلك انه كان يرجو ان يشبع رغبته من تلك الالوف، لا بشراء اللعب فحسب، " والخيل إذ ذاك نخب من قصب، والدرق قشور من خشب " (٢) بل ليفرق ما
стр. 214
يريد تفريقه من ذلك المال على الخدم والجواري وأطفال الحي. وقد نقل إلى المنصور ان هذا الطفل غضب مما فعله ابوه، ولعله بكى لديه، فمنحه خمسمائة دينار واقسم على ان يبيح له التصرف التام بها، فبددها على لعبة كثيرا منها على لذاته.
وحادثة ثانية كانت أعمق أثرا من الأولى، وهو يقول إنها كانت أفدح نازلة نزلت بصبوته (١) ، ذلك أن أباه حين نسك، نسي حق الطفولة في اللهو، فطرح ذيل نسكه وتقشفه على أبنائه، وعمد إلى ابنه احمد وكان يومئذ في الثامنة، فحلق لمته، وانتزع ما عليه من ثياب الخز والوشي، وألبسه بدلا منها ثيابا بسيطة، فتلقى الطفل هذه بألم شديد، ومر به الوزير ابن مسلمة ذات مرة، فسأله عن حاله، فأجابه بالنشيج والعجيج، - مظهر من مظاهر الحساسية الشديدة والنشأة المدللة - فما كان من الوزير إلا أن حكى الأمر إلى المظفر ابن المنصور - وكان المنصور غائبا - فاستقدم الغلام إليه وألبسه ثياب الحرير، وحمله على فرس بسرجه ولجامه، وأعطاه الف دينار، وعقد له؟ عقدا صوريا - على الشرطة، فأرضى في نفسه الصغيرة تشوفها إلى المراكز العالية الكبيرة، وتطلعها إلى جديد من الثياب والوافر من الأموال.
من اجل ذلك نكبة قرطبة حادثا جللا بالنسبة له لأنها هوت بالمجد العامري، وقضت على الأيام السعيدة في ظل العامريين، وكانت نشأة أبي عامر لا تقويه على الكفاح والمغامرة من جديد، لنعومتها أولا، ولفرقه الشديد من تقلبات الأيام في المهاجرة، فبقي في قرطبة ينظر إلى معاهدها في أسى، ويبكي قصورها ومتنزهاتها، ويعلل عجزه عن مفارقتها بحبه للوطن، بحبه لقرطبة وان كانت عجوزا متغيرة الريح ساقطة الأسنان، زانية بالرجال " طاب له الموت على هواها " (٢) .
стр. 215
عجوز لعمر الصبا فانيه ... لها في الحشا صورة الغانيه
زنت بالرجال على سنها ... فيا حبذا هي من زانيه
تقاصر عن طولها قونكة ... وتبعد عن غنجها دانيه
ترديت من حزن عيشي بها ... غراما فيا طول أحزانيه وكان أبو عامر عند النكبة في ريعان الشباب، وفورة الهوى، تجاوز العشرين بقليل وقد تعود حياة اللهو التي تهيئها المدينة الكبيرة، ولكنه أيضا شعر، بحكم سنه وما يحيط به من مثالية في النظر إلى الامور، أن الفتنة غيرت المقاييس وزعزعت القيم، فرفعت وخفضت دون معيار صحيح، " وان الفتنة نسخ للأشياء من العلوم والأهواء ترى الفهم فيها بائر السلعة، خاسر الصفقة يلمح بأعين الشنآن، ويستقل بكل مكان " (١) . حقا ان الفتنة لم تتركه منطويا على نفسه ولكنها أيضاً قتلت فيه طموح الطفولة والصبا إلى السيادة، فأخذت الحاجة وحدها تدفعه؟ كما دفعت ابن دراج - إلى مدح هذا أو ذاك ممن تعاقبوا على حكم المدينة، مع شعور عميق بان العامريين وحدهم، هم الذين كانوا يستطيعون ان يفردوه ويميزوا مكانته بين ذوي الفهوم. وكما ان الفتنة قوت في نفسه حب السلامة في تلك الفترة المتقلبة، فانها أضافت شيئا إلى المرارة التي كان يحسها نحو الأشياء والناس وأذكت من نار النقمة عنده على بعض معاصريه، حتى لتحس من بعض رسائله انه كان يرى من حوله يكيدون له، حبا في الكيد أو حسدا لعبقري مثله. ومما زاد في نقمته انه رأى بعض من كان يعاشرهم من فتيان العامريين، قد صاروا سادة في شتى جهات الأندلس، فأخذ يحس، محققا أو ظانا، أن أصدقاءه تنكروا له، ومن هؤلاء مجاهد العامري أبو الجيش، الذي كان رفيق صباه، فلما حدثت النكبة وهبت على مجاهد ريح السعد " وجاءت المنى من تهامة ونجد " حاص عن الوفاء، فانقطع عن مراسلة