٣ - ابن شهيد
أبو عامر أحمد بن عبد الملك
الذخيرة ١/١: ١٦١ الجذوة: ١٢٤ بغية الملتمس رقم: ٤٣٧ المغرب ١: ٧٨ المطمح:١٦ اليتيمة: ٣٨٢ الخريدة ١٢: ٢٠١ المطرب: ١٤٧ الشذوات ٣: ٢٣٠ اعتاب الكتاب: ٧٤ المسالك ١١: ٢٠٦ معجم الادباء ٢: ٢١٨
وانظر صفحات متفرقة في النفح والشربشي.
بيت بني شهيد من بيوتات الشعر في الأندلس، وهم اشجعيون من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس يوم مرج راهط. وكان عبد الملك أبو مروان والد أبي عامر الذي نترجم له من شيوخ الوزراء في الدولة العامرية، مقربا عند المنصور بن أبي عامر، وقد استعمله المنصور واليا على الجهات الشرقية، جهات بلنسية وتدمير، فبقي هنالك تسعة أعوام، ثم سئم العمل فكتب إلى المنصور يقول: " ان كبير حق المولى لا يذهب بصغير حق العبد، ولي حرمة ادل بها، وذمة انبسط
стр. 212
لها، وقد طالت علي الغربة، وسئمت الخدمة، ومللت من النعمة فالادالة الادالة " (١) . وقد أعفاه المنصور من الخدمة حسب رغبته، فعاد إلى قرطبة وقد أثرى، إذ كان معه حين عودته أربعمائة ألف دينار ناضة ومائة ألف من ذهب آنية، ومائتان من رقيق الصقلب، ولم يحاسبه المنصور على هذا الثراء، بل انه صرف له فوق ذلك الفي مدي من قمح وشعير مناصفة، لان السعر كان عاليا، وكانت نفقته الشهرية من القمح سبعين مديا ومن الشعير علف ثمانين دابة.
وفي قرطبة اصبح أبو مروان من ندامى المنصور ومستشاريه. وكان من الناحية الثقافية كثير الاهتمام بالتاريخ والخبر واللغة والأشعار، مع سعة روايته للحديث والآثار. وقد ألف كتاب " التاريخ الكبير في الأخبار " ورتبه على السنين؟ بدأ به من عام الجماعة سنة أربعين وانتهى إلى أخبار زمانه (٢) . وأصيب بالنقرس في شيخوخته، فأهداه ابن أبي عامر محفة من خيزران ليحمل فيها، وكان في مرضه يحضر مجالس الانس ويسخفه الطرب فيرقص إذا اخذ منه الشراب، ويرتجل الشعر، ومما ارتجله في بعض تلك المواقف (٣) :
هاك شيخ قاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكا
لم يطق يرقصها مستثبتا ... فانثنى يرقصها مستمسكا
عاقه من هزها معتدلا ... نقرس أنحى عليه فاتكا
أنا لو كنت كما تعرفني ... قمت إجلالا على رأسي لكا
قهقهة الإبريق مني ضحكا ... ورأى رعشة فبكى وفي شيخوخته كان ما يزال قوي الشهوات، منطلق النفس وراء لذاته، إلا انه نسك في أخريات أيامه، وتوجه إلى الآخرة، وعزف عن
стр. 213
الدنيا، ثم أدركته منيته من ذبحة أصابته، وقبيل وفاته كان المنصور قد نقله من منية المغيرة إلى منية النعمان ليكون قريبا منه (١) .
وفي الحي المسمى منية المغيرة وفي الدار المعروفة بدار ابن النعمان، بين تضاعيف هذا النعيم، ولد احمد بن عبد الملك، وشهد عز أبيه في ظل العامريين، بل فتنة مجد العامريين وثراؤهم وقصورهم، وكان طفلا شديد الحساسية، فانطبعت في ذاكرته منذ الصغر ذكريات لم تنطمس من بعد، نلمس فيها الثورة الخبيئة على أبيه، والتشوف إلى الثراء، وحب الظهور، واستشعار السيادة في ذلك الدور المبكر من حياته.
فقد ظل يذكر كيف دخل وهو في الخامسة من عمره على المنصور ابن أبي عامر، فرأى بين يديه تفاحة كبيرة، فأخذ يتأملها تأمل الشره، فأمره المنصور ان يأخذها ويأكلها، فلما اطبق على بعضها فمه لم يستطع ان يقطع منها شيئا، بل إن يده ضاقت عنها، فتناولها المنصور منه، وأخذ يقطع له بفمه ويطعمه، وكأن هذا العطف كان يذكره بانه حرم شيئا كثيرا من عطف أبيه الذي كان مشغولا بمجالسه وبأمور الدولة اكثر من النظر إلى أبنائه. ثم سلمه المنصور إلى من حمله إلى بيت المنصور، حيث السيدة زوجه، ولم ينس الطفل احمد ما استقبل به من حفاوة من النساء، وكيف غمرنه بالهدايا، وقدمت له زوج لمنصور ألف دينار عن نفسها وثلاثة آلاف عن زوجها، وظن الطفل انه حر التصرف فيما اهدي إليه لأنه يملكه، ولكنه ما كاد يعود إلى البيت حتى استولى ابوه على كل شيء، فوزع منه ما وزع، واستبقى منه ما شاء. وتلك حادثة أثرت في نفسية احمد تأثيرا عميقا يشبه الحقد، ذلك انه كان يرجو ان يشبع رغبته من تلك الالوف، لا بشراء اللعب فحسب، " والخيل إذ ذاك نخب من قصب، والدرق قشور من خشب " (٢) بل ليفرق ما
стр. 214
يريد تفريقه من ذلك المال على الخدم والجواري وأطفال الحي. وقد نقل إلى المنصور ان هذا الطفل غضب مما فعله ابوه، ولعله بكى لديه، فمنحه خمسمائة دينار واقسم على ان يبيح له التصرف التام بها، فبددها على لعبة كثيرا منها على لذاته.
وحادثة ثانية كانت أعمق أثرا من الأولى، وهو يقول إنها كانت أفدح نازلة نزلت بصبوته (١) ، ذلك أن أباه حين نسك، نسي حق الطفولة في اللهو، فطرح ذيل نسكه وتقشفه على أبنائه، وعمد إلى ابنه احمد وكان يومئذ في الثامنة، فحلق لمته، وانتزع ما عليه من ثياب الخز والوشي، وألبسه بدلا منها ثيابا بسيطة، فتلقى الطفل هذه بألم شديد، ومر به الوزير ابن مسلمة ذات مرة، فسأله عن حاله، فأجابه بالنشيج والعجيج، - مظهر من مظاهر الحساسية الشديدة والنشأة المدللة - فما كان من الوزير إلا أن حكى الأمر إلى المظفر ابن المنصور - وكان المنصور غائبا - فاستقدم الغلام إليه وألبسه ثياب الحرير، وحمله على فرس بسرجه ولجامه، وأعطاه الف دينار، وعقد له؟ عقدا صوريا - على الشرطة، فأرضى في نفسه الصغيرة تشوفها إلى المراكز العالية الكبيرة، وتطلعها إلى جديد من الثياب والوافر من الأموال.
من اجل ذلك نكبة قرطبة حادثا جللا بالنسبة له لأنها هوت بالمجد العامري، وقضت على الأيام السعيدة في ظل العامريين، وكانت نشأة أبي عامر لا تقويه على الكفاح والمغامرة من جديد، لنعومتها أولا، ولفرقه الشديد من تقلبات الأيام في المهاجرة، فبقي في قرطبة ينظر إلى معاهدها في أسى، ويبكي قصورها ومتنزهاتها، ويعلل عجزه عن مفارقتها بحبه للوطن، بحبه لقرطبة وان كانت عجوزا متغيرة الريح ساقطة الأسنان، زانية بالرجال " طاب له الموت على هواها " (٢) .
стр. 215
عجوز لعمر الصبا فانيه ... لها في الحشا صورة الغانيه
زنت بالرجال على سنها ... فيا حبذا هي من زانيه
تقاصر عن طولها قونكة ... وتبعد عن غنجها دانيه
ترديت من حزن عيشي بها ... غراما فيا طول أحزانيه وكان أبو عامر عند النكبة في ريعان الشباب، وفورة الهوى، تجاوز العشرين بقليل وقد تعود حياة اللهو التي تهيئها المدينة الكبيرة، ولكنه أيضا شعر، بحكم سنه وما يحيط به من مثالية في النظر إلى الامور، أن الفتنة غيرت المقاييس وزعزعت القيم، فرفعت وخفضت دون معيار صحيح، " وان الفتنة نسخ للأشياء من العلوم والأهواء ترى الفهم فيها بائر السلعة، خاسر الصفقة يلمح بأعين الشنآن، ويستقل بكل مكان " (١) . حقا ان الفتنة لم تتركه منطويا على نفسه ولكنها أيضاً قتلت فيه طموح الطفولة والصبا إلى السيادة، فأخذت الحاجة وحدها تدفعه؟ كما دفعت ابن دراج - إلى مدح هذا أو ذاك ممن تعاقبوا على حكم المدينة، مع شعور عميق بان العامريين وحدهم، هم الذين كانوا يستطيعون ان يفردوه ويميزوا مكانته بين ذوي الفهوم. وكما ان الفتنة قوت في نفسه حب السلامة في تلك الفترة المتقلبة، فانها أضافت شيئا إلى المرارة التي كان يحسها نحو الأشياء والناس وأذكت من نار النقمة عنده على بعض معاصريه، حتى لتحس من بعض رسائله انه كان يرى من حوله يكيدون له، حبا في الكيد أو حسدا لعبقري مثله. ومما زاد في نقمته انه رأى بعض من كان يعاشرهم من فتيان العامريين، قد صاروا سادة في شتى جهات الأندلس، فأخذ يحس، محققا أو ظانا، أن أصدقاءه تنكروا له، ومن هؤلاء مجاهد العامري أبو الجيش، الذي كان رفيق صباه، فلما حدثت النكبة وهبت على مجاهد ريح السعد " وجاءت المنى من تهامة ونجد " حاص عن الوفاء، فانقطع عن مراسلة
стр. 216
صديقه القديم، فدفعت الحاجة بابن شهي ان يقصده ثم انصرف؟ كما يقول - " بين الحالتين، لا قرب ولا شحط ولا رضى ولا سخط " (١) وهو موقف أشبه بخيبة الأمل منه بفوز الرجاء.
ومع ان أبا عامر يقول: " فما سقطنا على سوقة يهش إلينا، ولا دفعنا إلى ملك يصبو بنا "، فانه أحرق قسما من جهوده الفنية بخورا على أعتاب المستولين على قرطبة، فمدح المستعين لما تم له الأمر بقصيدة مطلعها:
بكى أسفا للبين يوم التفرق ... وقد هون التوديع بعض الذي لقي وهي قصيدة لم يبق منها الا مقدمتها الغزلية، ولما اصبح أمر قرطبة في يد بني حمود (٤٠٧) ، وصل أبو عامر بهم أسبابه، غير أنه " دبت إليه عقارب، برئت منها أباعد وأقارب، واجهه بها صرف قطوب وانبرت إليه منه خطوب؟ وأقام مرتهنا ولقي وهنا " (٢) وفقد ماله في تلك الأيام فكتب إلى ابن حمود رسالة في صفة السجن والمسجون (٣) وألحق بها قصيدة يمكن ان يستنتج منها انه كان يعاني الضيق الشديد من الفقر والانحباس في السجن، إذ يقول:
فراق وسجن واشتياق وذلة ... وجبار حفاظ على عتيد
فمن مبلغ الفتيان أني بعدهم ... مقيم بدار الظالمين وحيد
مقيم بدار ساكنوها من الأذى ... قيام على جمر الحمام قعود
ويسمع للجنان في جنباتها ... بسيط كترجيع الصبا ونشيد ثم يستعطف المعتلي بن حمود صاحب مالقة واشبيلية بقوله:
وراضت صعابي سطوة علوية ... لها بارق نحو الندى ورعود
تقول التي من بيتها مركبي: ... أقربك دان أم نواك بعيد
стр. 217
فقلت لها: امري الي من سمت به ... إلى المجد آباء له وجدود وفيها يقول مصرخا بذكر المعتلي:
إلى المعتلي عاليت همي طالبا ... لكرته إن الكريم يعود
همام أراه جوده سبل العلا ... وعلمه الأحسان كيف يسود ومنها:
حنانيك إن الماء قد بلغ الزبى ... وأنحت رزايا ما لهن عديد
ظمئت إلى صافي الهواء وطلقه ... فهل لي يوما في رضاك ورود غير أن علاقته بالمعتلي تحسنت حين استجاب هذا الوالي لرجائه وأطلقه، فأخذ يمدحه ويبعث إليه بالمدائح من قرطبة، من ذلك أن المعتلي لما اوقع بالفرقة الزنجية في اشبيلية كتب أبو عامر إليه يمدحه ويقول (١) :
غناك سعدك في ظل الصبا وسقى ... " فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا " ومنها:
أجريت للزنج فوق النهر نهر دم ... حتى استحال جللت شفقا
وساعد الفلك الأعلى بقتلهم ... حتى غدا الفلك بالناجي به غرقا ولما انتصر المعتلي على ابن الشرب، أنشده الشعراء قصائدهم فلم تعجب أبا عامر وأنشده يومئذ (٢) :
فريق العدا من حد عزمك يفرق ... وبالدهر مما خاف بطشك أولق
عجبت لمن يعتد دونك جنة ... وسهمك سعد والقضاء مفوق
وما شرب ابن الشرب قبلك خمرة ... من الذل بالعجز الصريح تصفق وقد يكون أبو عامر أنشد هذه القصيدة في قرطبة أو في مالقة، لان المعتلي هذا لما رأى ضعف القاسم بن حمود بقرطبة زحف عليها من مالقة، ودخلها دون قتال وهرب منها القاسم، وظل يحيى المعتلي فيها
стр. 218
حتى سنة ٤١٣ حين عاد القاسم بجيش من البربر فأخرجه عنها، وهرب المعتلي إلى مالقة، ويبدو أن ابن شهيد كان ميالا للمعتلي، ولذلك فانه فكر في اللحاق به إلى مالقة، ولا ندري هل نفذ هذا العزم أو رجع عنه، ولكن له قصيدة قالها وقد أزمع الخروج عن قرطبة لاحقا بيحيى وهو يذكر فيها أنه محسود ببلده، وأن أمية هضموا حقه، وان هاشما (أي العلوي يحيى) سيرد له حقوقه، يقول (١) :
أرى أعينا ترنو إلي كأنما ... تساور منها جانبي أراقم
أدور فلا أعتام غير محارب ... وأسعى فلا ألقى امرءا لي يسالم
ويجلب لي فهمي ضروبا من الأذى ... وأشقى امرئ في قرية الجهل عالم
سلام عليكم لا تحية شاكر ... ولكن شجى تنسد منه الحلاقم
عليكم بداري فاهدموها دعائما ... ففي الأرض بناءون لي ودعائم
لئن أخرجتني عنكم شر عصبة ... ففي الأرض إخوان علي أكارم
وان هشمت حقي أمية عندها ... فهاتا على ظهر المحجة هاشم وأراد أهل قرطبة بعد خروج يحيى أن يبايعوا واحدا من بني أمية فقدموا عليهم عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الذي تلقب بالمستظهر (٤١٤) ووزر له ابن حزم أبو محمد فلم يمكث في الخلافة اكثر من شهر ونصف، وخلفه الذي ثار عليه ولقب بالمستكفي، فحكم ستة اشهر وأياما، ثم عاد يحيى الحموي، فلما انقضت أيامه بايع أهل قرطبة أمويا جديدا هو هشام بن محمد، من نسل الناصر (٤١٨) ، فتلقب المعتد بالله، وبقي يتنقل في الثغور ثلاثة أعوام دون استقرار، ثم سار إلى قرطبة فدخلها في الثامن من ذي الحجة سنة ٤٣٠، فلم يقم بها إلا يسيرا حتى خلعه الجند، وبخلعه انقطعت الدعوة لبني أمية بتاتا. ولا ندري شيئا من أمر ابن شهيد في هذه الفترة المتقلبة غير انه وزر أولا للمستظهر مع صديقه
стр. 219
ابن حزم ثم اصبح جليا لهشام المعتد (١) ، وقد زها مرة حين تفوق في تلك المجالس على أصحابه أنفسهم، وشمت بانخذالهم لأنهم لا يعرفون بعبقريته ولا ينصفونه (٢) ورثا المعتد حين خلع بقوله (٣) :
أحللتني بمحلة الجوزاء ... ورويت عندك من دم الأعداء
وحملتني كالصقر فوق معاشر ... تحتي كأنهم بنات الماء وظلت صلة ابن شهيد طوال هذه المدة وثيقة باثنين من العامريين هما المؤتمن عبد العزيز الذي كان أبو عامر يراسله كثيرا ويمدحه (٤) ، وأبو عامر ابن المظفر الذي ظل في قرطبة، في عيشة راضية حتى خاف المعتد على نفسه، فهرب منها ولجأ إلى مواليه العامريين بالثغور فخذلوه، ولما يئس من عودته إلى قرطبة استولى على أملاكه، وجعل يتطلب ودائعه عند الناس فوقع من ذلك بلاء عظيم على بعض أهل قرطبة، واضطر بعضهم إلى الجلاء عنها بسبب بحث المعتد عن ودائع العامريين (٥) . ومن أوائل التقارب بين ابن شهيد وابن المظفر هذا أن الثاني طلب مرة ان يستعمل حمام ابن شهيد لان حمام بيته تحت التصليح في يد البنائين (٦) ، ثم تقاربا وتصادفا وامتد بينهما حبل الصداقة، حتى لنرى ابن شهيد يسهر عند ابن المظفر ويشرب، وقد سهر ذات ليلة، وفي مجلسهم طفيلة صغيرة تسقيهم تسمى أسماء فعجبوا من مكابدتها السهر على صغر سنها وطلب ابن المظفر إلى ابن شهيد وصفها فقال (٧) :
стр. 220
أفدي أسيماء من نديم ... ملازم للكؤوس راتب
قد عجبوا في السهاد منها ... وهي لعمري من العجائب
قالوا تجافى الرقاد عنها ... فقلت: لا ترقد الكواكب ومن مدائحه في ابن المظفر:
جمعت بطاعة حبك الأضداد ... وتألف الأفصاح والأعياد
كتب القضاء بأن جدك صاعد ... والصبح رق والظلام مداد ومرت اكثر أيام ابن شهيد وهو في قرطبة، في مناقضات ومماحكات بينه وبين معاصريه من الأدباء والشعراء، فتصدى له من الشعراء خصمه وصديقه ابن الحناط الأعمى الذي كان مغرى بالكيد له، وجرت بينه وبين ابن شهيد " مناقضات في عدة رسائل وقصائد أشرقت أبا عامر بالماء وأخذت عليه بفروج الهواء " (١) ، ومن رسائله التي أنحى فيها على طريقة ابن شهيد في النظم والنثر: " الإسهاب كلفة، والإيجاز حكمة، وخواطر الألباب سهام، يصاب بها اغراض الكلام، وأخونا أبو عامر يسهب نثرا ويطيل نظما، شامخا بأنفه ثانيا من عطفه، متخيلا انه قد أحرز السباق في الآداب، وأوتي فصل الخطاب، فهو يستقصر أساتيذ الأدباء، ويستجهل شيوخ العلماء.
" وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس (٢) " ومع ذلك فانا نجد ابن الحناط هذا يمدح أبا عامر في قصيدة، منها (٣) :
أما الفراق فلي في يومه فرق ... وقد أرقت له لو ينفع الأرق
أظعانهم عيني التي انهملت ... أم الدموع مع الأظعان تستبق
عاق العقيق عن السلوان واتضحت ... في توضح لي من نهج الهوى طرق بل أن الحناط لما نعي إليه أبو عامر بكى ورثاه بديهة بقوله (٤) :
стр. 221
لما نعى الناعي أبا عامر ... أيقنت أني لست بالصابر
أودى فتى الظرف وترب الندى ... وسيد الأول والآخر وهو في رسائله يهاجم اثنين ممن كانا يكيدان له، أحدهما يسمى ابن فتح والآخر أبا عبد الله الفرضي أحد المشتغلين بالكيمياء، ويقول إن الثاني كاد له أيام المستظهر (٤١٥) ، وصنع على لسانه شعرا في هجاء القائم بالأمر يومئذ (١) :
يا كسرة دهمتنا ليس تنجبر ... وسبة لحقتنا ما لها عذر ويزعم ان ابن فتح أفسد عليه نية ابن عباس وزير زهير الفتى الصقلبي المرية، وربما كان شيء من ذلك، ولكن التنافر بين ابن شهيد وابن عباس كان يتم دون حاجة إلى تدخل الآخرين ودسائسهم، فقد كان كل منهما معجبا بنفسه وبقدرته الأدبية، ثم ان ابن شهيد هجا ابن عباس فأقذع حينما ورد مرة على قرطبة، وذلك ان ابن عباس هذا، في قدمته تلك، جمع لمة من الأدباء من أصحاب ابن شهيد وهم: ابن برد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني وسألغم عن ابن شهيد وأمرهم ان يوجهوا في استدعائه، قال ابن شهيد (٢) " فوافاني رسوله مع دابة له بسرج محلى ثقيل، فسرت إليه ودخلت المجلس وأبو جعفر غائب، فتحرك المجلس لدخولي وقاموا جميعا لي حتى طلع أبو جعفر علينا ساحبا لذيل لم ير أحد سحبه قبله وهو يترنم، فسلمت عليه سلام من يعرف حق الرجال فرد ردا لطيفا، فعلمت أن في أنفه نعرة لا تخرج إلا بسعوط الكلام؟ فرأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه فسألتهم عن ذلك، فقال لي الحناطي، وكان كثير الانحاء علي، جالبا في المحافل ما يسوء الأولياء الي، ان الوزير حضره قسيم من شعره، وهو
стр. 222
يسألنا إجازته فعلمت اني المراد ". ومن الجدير بالملاحظة هنا نظرة ابن شهيد إلى نفسه اولا، وكيف لم يغب عن باله ان يذكر قيام الأصحاب في المجلس له، ثم نظرته إلى ابن عباس وكبريائه ورأيه في طبيعة العلاقة بينه وبين الحناطي. ثم انه أخذ قلما وأجاز القسيم بديهة وانصرف، وبعد قليل لحق به أصحابه وأنبأوه ان ابن عباس لم يعجب بما جاءت به بديهته ولم يرتضه، وسألوه هجاءه، فهجاه مقذعا، فلا غرابة إذا لم يكن بين الرجلين شيء من الانسجام. ومع ذلك فبينه وبين ابن عباس مراسلات يقول في بعضها " إلى وزير كان لي وزرا، رقرق شرابي وأخصب به جنابي " (١) ويعده ابن عباس بصرف ضيعة له كانت بجهة تدمير من أملاك أبيه لما كان واليا بتلك الناحية (٢) ويقول ابن حيان في وصف ما صنعه ابن عباس حين قدم قرطبة: " ومن عجبه انه دخل قرطبة؟ ومنها منتهاه - وهم بقية الناس - فحجب كبيرهم الشيخ أبا عمر بن أبي عبدة من غير عذر؟ وتنقص أديبهم أبا عامر بن شهيد، ولم يك يحسن مستمليا له، ثم أجمل وصف جماعتهم وقد سئل عنهم فقال: ما رأيت بقرطبة الا سائلا أو جاهلا " (٣) .
وكان أشد ما يغيظ ابن شهيد إلصاق العيب بإنشائه وشعره ولذلك صب سوط عذاب على أبي بكر المعروف باشكمياط لأنه زعم ان ابن شهيد ينتحل ما لغيره، وتعقب ابن الافليلي أحد معلمي اللغة في قرطبة بشدة وتهكم به كلما سنحت الفرصة، وبسببه جرد قلمه لكتابة " رسالة التوابع والزوابع " وهاجم من أجله طبقة المعلمين جملة بعنف وشدة، فمما قاله فيهم " وقوم من المعلمين بقرطبتنا ممن أتى على أجزاء من النحو، وحفظ كلمات من اللغة، يحنون على اكباد غليظة، وقلوب كقلوب
стр. 223
البعران، ويرجعون إلى فطن حمئة، وأذهان صدئة " (١) . وكان ابن الافليلي هذا حجة في علم اللسان والضبط لغريب اللغة في ألفاظ الأشعار الجاهلية والإسلامية وقد نال جاها عند بني حمود، ثم استكتبه المستكفي بعد ابن برد فوقع بعيدا من البلاغة لأنه على طريقة المعلمين المتكلفين، وفي أيام هشام المعتد لحقته تهمة في دينه فسجن في المطبق مع من سجن من الأطباء كابن عاصم والبسباسي، ثم أطلق.
غير ان ابن شهيد أنشأ في قرطبة أيضاً علاقات اخوانية طيبة، فكان أبو المغيرة بن حزم من أقرب أصدقائه إليه حتى كانا كما قال الفتح: " لا ينفصلان في رواح ولا مقيل، ولا يفترقان كمالك وعقيل، فكانا بقرطبة رافعي ألوية الصبوة، وعامري أندية السلوة " (٢) . وكان من أصدقائه أيضاً الفقيه أبو محمد بن حزم نفسه، لأنهما نشأا معا في الدولة العامرية وسناهما متقاربتان، ولما مرض ابن شهيد كتب إلى ابن حزم بأبيات يذكر فيها اخوته وصداقته، ويطلب إليه ان يؤبنه، ويشيع ذكره ويدعو له الله أن يغفر ذنبه (٣) :
فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي ... يدا في ملماتي وعند مضايقي
عليك سلام الله إني مفارق ... " وحسبك زادا من حبيب مفارق "
فلا تنس تأبيني إذا فقدتني ... وتذكار أيامي وفضل خلائقي
فلي في أذكاري بعد موتي راحة ... فلا تمنعونيها علالة زاهق فأجابه ابن حزم بقوله:
أبا عامر ناديت خلا مصافيا ... يفديك من دهم الخطوب الطوارق
وآلمت قلبا مخلصا لك ممحضا ... بودك موصول العرى والعلائق
стр. 224
ثم يهدئ من جزعه ويتمنى له بعد الشدة رخاء، ويتفجع لفقده، ان حدث. وقد كتب ابن حزم لابن شهيد أيضاً رسالة مستقصاة بين له فيها أن القرآن خارج عن نوع بلاغة المخلوقين وانه على رتبة قد منع الله تعالى جميع الخلق عن ان يأتوا بمثله (١) . وهنالك شخص ثالث من أصدقائه يدعى أبا بكر بن حزم واسمه يحيى ولا يمت بالقرابة للاثنين الأولين، وقد وجه إليه ابن شهيد رسالة " التوابع والزوابع " التي سماها أيضاً " شجرة الفكاهة " (٢) ، وكانت بينه وبين القاضي ابن ذكوان علاقة طيبة، وفي أحد مجالسه عنده جيء بباكورة باقلاء فارتجل ابن شهيد ابياتا في وصفها (٣) ، ولما توفي هذا القاضي رثاه ابن شهيد فقال (٤) :
ظننا الذي نادى محقا بموته ... لعظم الذي أنحى من الرزء كاذبا
وخلنا الصباح الطلق ليلا وأننا ... هبطنا خداريا من الحزن كاربا
ثكلنا الدنا لما استقل وانما ... فقدناك يا خير البرية ناعبا
وما ذهبت اذحل في القبر نفسه ... ولكنما الاسلام أدبر ذابا ومن أصدقائه الخلص أبو جعفر بن اللمائي (٥) أحد أئمة الكتاب في وقته، وقد شق على ابن شهيد موته لأنه نعي له وابن شهيد طريح الفراش، فكان في فقده، على انه صديق عزيز، انذار لابن شهيد بسطوة الموت، فرثاه بقصيدة حزينة مطلعها (٦) :
أمن جنابهم النفح الجنوبي ... أسرى فصاك به في الغور غاري وقد تخيل فيها كيف مر به الليل، فسأله أذاك النفح الزاكي من
стр. 225
أزهار فكرة اللمائي فأخبره أن اللمائي مات:
فقلت: والسقم منشور على جسدي ... يحدو الردى ورداء العيش مطوي
أهدى اللمائي من أزهار فكرته ... نشرا فقال الدجى مر اللمائي
فقيل: مات فقال الليل: قارب ذا ... فانهل من مقلتي نوء سماكي
وبت فردا أنادي مقلتي شغفا ... كأنني في نقوب الدار جني
لا عشت إن مت لي يا واحدي أبدا ... وموتنا واحد ر شك مرئي
ان الكريم إذا ما مات صاحبه ... أودى به الوجد والثكل الطبيعي ورثى ابن شهيد أيضاً حسان بن مالك بن أبي عبدة الوزير (- ٤٢٠) وهو من الائمة في اللغة والادب في أيام الدولة العامرية (١) ، وممن لهم علاقة وكيدة بالقاضي ابن ذكوان، واحسب ان ابن شهيد لم يرثه لصداقة بينهما، فقد توفي الرجل عن سن عالية، ولكنه رثاه اعترافا بفضله وأدبه، فقال:
أفي كل عام مصرع لعظيم ... أصاب المنايا حادثي وقديمي
وكيف اهتدائي في الخطوب إذا دجت ... وقد فقدت عيناي ضوء نجوم
مضى السلف الوضاح الا بقية ... كغرة مسود القميص بهيم
فان ركبت مني الليالي هضيمة ... فقبلي ما كان اهتضام تميم وفيها يذكر فضله وفوائده في العلم والادب:
كأنك لم تلقح بريح من الحجا ... عقائم أفكار بغير عقيم
ولم نعتمد مغناك غدوا ولم نزل ... نؤم لفضل الحكم دار حكيم ومن اوثق العلاقات ما كان بينه وبين عبد العزيز بن أبي عامر، فإليه وجه ابن شهيد كثيرا من رسائله ومدحه بقصائد جمة، وذكره دالته على العامريين، وتحرم بفضله، ولم يستنكف من ان يشكو إليه حاجته أحيانا وضيق ذات يده، وربما كان يشير إلى أيامهما معا
стр. 226
في قوله (١) :
سقيا لطيب زماننا وسروره ... وعزيز عيش مسعف بغزيره ومن أجمل مدائحه فيه واطولها قصيدته التي مطلعها (٢) :
هاتيك دارهم فقف بمعانها ... تجد الدموع تجد في هملانها ويطول بنا القول لو أردنا أن نحصر طبيعة العلاقات بين ابن شهيد والمقربين إليه، فهو يخاطب في مرض موته صديقا له يدعى ابا عمرو، ولا شك أيضا في انه كان على صلة بالكاتب أبي حفص بن برد مولى الشهيديين، ولما مات محمد بن ربيب كان ابن شهيد هو الذي اقترح على ابن برد رثاءه، ولم يرثه بنفسه؟ فيما يبدو - (٣) وابن برد رثى ابن شهيد أيضاً كما رثاه أبو الاصبغ القرشي وكثيرون غيرهما (٤) وكان من اصدقائه الذين قبله أيضاً أبو الوليد الزجالي.
علته ووفاته (٥) :
بدأ مرض ابن شهيد في مستهل ذي القعدة سنة ٤٢٥، ولازمه حتى قضى نحبه، ومعنى هذا أنه ظل مريضا سبعة اشهر كاملة، قاسى فيها العذاب الشديد، ويقول ابن بسام ان الفالج غلب عليه، ولكنه لم يقض على حركته تماما فكان يمشي إلى حاجته على عصا مرة، واعتمادا على إنسان مرة، وفي العشرين يوما الأخيرة صار حجرا لا يبرح ولا يتقلب، ولا يحتمل ان يحرك لعظيم الأوجاع، اما الحميدي فيقول؟ نقلا عن ابن حزم - ان علته هي ضيق النفس والنفخ، ويبدو انهما اجتمعتا عليه معا، وأن إصابته بالعلة الثانية ترجع إلى ما قبل أصابته بالفالج،
стр. 227
وان هذا المرض أي الفالج هو الذي استمر سبعة اشهر، ولما بلغت منه الأوجاع مبلغا شديدا هم بقتل نفسه، ثم آثر الرضى بقضاء الله، وفي ذلك يقول:
أنوح على نفسي وأندب نبلها ... إذا انا في الضراء أزمعت قتلها
رضيت قضاء الله في كل حالة ... علي وأحكاما تيقنت عدلها وعلى ما أصاب جسمه من وهن، بقي ذهنه متفتحا، وقريحته متوقدة، وان الشعر الذي صدر عنه في فترة المرض وان صدر عن نفس يائسة متألمة، ليدل على حيوية شعرية غير مادية، ففي علته رثى ابن اللمائي؟ كما تقدم - وكتب قصيدة إلى ابن حزم، تقدمت الإشارة إليها كذلك، وفيها كتب إلى صديق له اسمه عمرو يقول:
اقر السلام على الأصحاب اجمعهم ... وخص عمرا بأزكى نور تسليم
وقل له يا أعز الناس كلهم ... شخصا علي وأولادهم بتكريم
الله جارك من ذي منعة ظفرت ... منه الليالي بعلق غير مذموم وكتب إلى جماعة من إخوانه يقول:
هذا كتابي وكف الموت تزعجني ... عن الحياة وفي قلبي لكم ذكر
إن أقضكم حقكم من قلة عمري ... إني الي الله لا حق ولا عمر ومن الجدير بالذكر انه يقرأ في هذه الأبيات الوداعية السلام على المنصور أفضل من سعى لثأر بني الإسلام وعلى ابنه المظفر، فلا تزال صورة المجد العامري تخايل عينيه وهو على فراش المرض.
وفي علته قال أيضاً:
تأملت ما أفنيت من طول مدتي ... فلم أره الا كلمحة ناظر
وحصلت ما أدركت من طول لذتي ... فلم ألفه الا كصفقة خاسر
وما انا الا رهن ما قدمت يدي ... إذا غادروني بين أهل المقابر وتحدث في الأبيات عن أصدقائه الذين سيذكرونه بعد موته، فقد كان يرتاح للذكر بعد الموت، ثم وصف سطوة الموت نفسه، وفي كل
стр. 228
أشعار تلمح هذا الأسى على فراق أصدقائه، وموقفه منهم موقف المودع الذي يعرف ان نهايته اقتربت، على انه لا يشير في الظاهر إلى خوفه من الموت، ولكنه يتجلد في الغالب، ولآخر ما قاله مودعا لأصدقائه:
أستودع الله إخواني وعشرتهم ... وكل خرق إلى العلياء سباق
وفتية كنجوم القذف نيرهم ... يهدي، وصائبهم يودي بإحراق ثم يقول مشيرا إلى صديق حميم:
وكوكبا لي منهم كان مغرية ... قلبي ومشرقه ما بين أطواقي
الله يعلم أني ما أفارقه ... إلا وفي الصدر مني حر مشتاق
كنا ألفين خان الدهر ألفتنا ... وأي حر على صرف الردى باقي وقد أوصى قبل وفاته بهذه الوصايا:
أ - ان يصلي عليه الرجل الصالح أبو عمر الحصار (فتغيب إذ دعي وصلى عليه جهور أبو الحزم صاحب قرطبة حينئذ) .
ب - ان يسن التراب عليه دون لبن أو خشب (فلم ينفذ هذا أيضاً) .
ج - ان يدفن بجنب صديقه أبي الوليد الزجالي.
د - ان تكتب هذه الكلمات على قبره: بسم الله الرحمن الرحيم قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون. هذا قبر احمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله وان الجنة حق وان النار حق وان البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور [ثم تاريخ الوفاة بالشهر والسنة] ويكتب تحت النثر هذا النظم:
يا صاحبي قم فقد أطلنا ... أنحن طول المدى هجود
فقال لي: لن نقوم منها ... ما دام من فوقنا الصعيد
تذكر كم مرة لهونا ... في ظلها، والزمان عيد
وكم سرور همى علينا ... سحابة ثرة تجود
стр. 229
كل كأن لم يكن تقضى ... وشؤمه حاضر عتيد
حصله كاتب حفيظ ... وضمه صادق شهيد
يا ويلنا إن تنكبتنا ... رحمة من بطشه شديد
يا رب عفوا فأنت مولى ... قصر في أمرك العبيد وكان أبو عامر شديد الخوف من الموت، ومن شدة السوق، فأخذ يدعو الله ويشهد شهادة التوحيد، ويرغب إلى الله ان يرفق به، حتى أسلم الروح ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ٤٢٦هـ ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة، ولا عقب له، وتكاثر الناس في جنازته، وكثر البكاء والعويل عند قبره، وأنشدت جملة من المراثي.
صفته وأخلاقه وثقافته:
كان ابن شهيد أصم، ومن فكاهات ابن الحناط أنه حين سئل: كيف كان هشام المعتد؟ قال: يكفي من الدلالة على اختياره انه استكتبني واتخذ ابن شهيد جليسا، وكان ابن الحناط أعمى، وابن شهيد أصم (١) ، ولما كان ابن عباس يترنم بقسيم من الشعر لم يسمع ابن شهيد ما كان يقول واضطر ان يسأل أحد الجماعة ليسمعه ما كان يترنم به. وكان أيضاً أطلس والدليل على ذلك قوله في رسالة التوابع والزوابع على لسان صاحب عبد الحميد الكاتب " أهكذا أنت يا أطيلس، تركب لكل نهجه، وتعج إليه عجه؟ فقلت: الذئب أطلس وان التيس ما علمت " (٢) . وهذا كل ما نعرفه من صفاته الجسمانية، وربما كان لصممه أثر بعيد في تكييف علاقاته بالناس، ومحاولته الترفع عن نظراته ومعاصريه، وإساءة الظن فيهم.
стр. 230
وقد اشتهر بين معاصريه بخلال أربع:
الأولى: ميله إلى اللهو والبطالة " فلم يحفل في آثارها بضياع دين ولا مروءة، فحط في هواه حتى أسقط شرفه ووهم نفسه راضيا في ذلك بما يلذه، فلم يقصر عن مصيبة ولا ارتكاب قبيحة " (١) ، وقال الحجاري في وصفه " كان ألزم للكأس من الأطيار بالأغصان، وأولع بها من خيال الواصل بالهجران " (٢) .
الثانية: إسرافه في الكرم حتى كان لا يليق شيئا، وأشرف أواخر أيامه على الإملاق، وكانت عند أهل قرطبة قصص مشهورة عن جوده وسخائه تلحق بالأساطير، من ذلك تلك القصة التي رواها صاحب المطرب عن رجل من طليطلة قصد أبا عامر فألفى لديه صنوف الإكرام، بل وهبه أبو عامر دارا في قرطبة ومركبا وخادما ونعما كثيرة وفرشا وثيرة (٣) .
الثالثة: عزة النفس المصحوبة بالعجب، وقد تنازل عن عزة النفس في حالات اعساره، ولكنه كان يقهر نفسه بحيث لا تستشعر الندم على فائت، وكثيرا ما يمتدح بعزته النفسية في شعره تمدحه بالكرم فيقول:
والنفس نفس من شهيد سنخها ... يسنخ غذت منه العلا بلبانها ومصدر عجبه شيئان: نسبه الشهيدي الأشجعي:
من شهيد في سرها ثم من أشجع في السر من لباب اللباب ... واقتداره على النثر والشعر، اقتدارا يرى كل معاصريه وكثيرا من غير معاصريه دونه، وقد قال له أصحابه ذات مرة:انك لآت بالعجائب وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتي منك " (٤) .
стр. 231
الرابعة: الفكاهة، والميل إلى الهزل، واكثر ما بقي له من هذا يشير إلى حدة في الطبع، وحرارة في الأجوبة، وهجوم على التعريض الكاوي، والألفاظ المقذعة، وهو شيء تبرزه رسائله لا أشعاره فان الفكاهة في شعره قليلة أو معدومة، وخصوماته الأدبية كثيرة، وهي معرض لهذه الحدة الممزوجة بالتندر، إلا انه كان؟ على إعجابه وحدته - محببا إلى نفوس أصدقائه، يأنسون بمجلسه ويغترفون من كرمه، ويقضون الوقت في داره طاعمين شاربين أو متنزهين في البساتين أو متحدثين في جامع قرطبة. على انه بعد ذلك دائم التبرم من الزمان لأنه لم ينصفه وقدم غيره، محقر لأكثر الملكات الأدبية في بلده، زار على النشاط الثقافي فيه، ولعل انصرافه إلى اللذة وتبطله مقترن أولا بيأسه من أحوال قرطبة بعد الفتنة، متصل أيضاً بفرقه الشديد من الموت، وقد كان يؤمن بأنه عبقري، وانه لا يعمر طويلا، وقد قال فيه جني أبي الطيب (١) : " ان امتد به طلق العمر فلا بد ان ينفث بدرر، وما أراد الا سيحتضر، بين قريحة كالجمر، وهمة تضع أخمصه على مفرق البدر ". ولعل نقمته على الحياة وقلة احتفاله بجد الأمور ازدادا حينما انه لا يعيش له أبناء، ولا ندري كم رزق منهم، ولكنه رثى بنيه له ماتت صغيرة، بقصيدة منها (٢) :
أيها المعتد في أهل النهى ... لا تذوب إثر فقيد ولها وفيها يقول:
وإذا الأسد حمت أغيالها ... لم يضر الخيس صرعات المها
وغريب يا ابن أقمار العلا ... أن يراع البدر من فقد السها وجل اعتماده في شعره على شحذ قريحته، لأن ثقافته لم تكن عميقة ولا واسعة الأطراف، وقد قرأ وحفظ كثيرا من شعر المشارقة ونثرهم،
стр. 232
فعرف بشارا وأبا نواس وصريع الغواني وأبا تمام والمتنبي وعبد الحميد وابن المقفع والجاحظ وسهل بن هارون وقابوس بن وشمكير وبديع الزمان، وقرأ كثيرا من آثارهم، ولم يزد إلى ذلك ثقافة في فنون أخرى علمية سوى ثقافته الأدبية الخالصة، ولما توفي لم توجد لديه كتب إلا القليل (١) وقد قال في التوابع والزوابع: انه جلس في صغره إلى الاساتيذ، غير انه لم يسم أحداً منهم ولكنه افتخر إلى جانب ذلك بأن " يسير المطالعة من الكتب " يفيده، وتهكم بسعة الاطلاع في الرسالة المذكورة حين سأله تابع ابن الأفليلي: على من قرأ ولما قال له: فطارحني كتاب الخليل قال له: هو عندي في زنبيل (٢) .
شعره:
ليس في الأندلسيين الذين درسنا شعرهم حق عصر ابن شهيد، من كان اكثر منه توقدا في القريحة، وأنفذ بصرا في نقد الشعر، وقد يدانيه ابن حزم وابن حيان المؤرخ في الحدة الذهنية، ثم تفترق السبيل بهؤلاء فيذهب كل في طريقه، وهو؟ في الشعر - خير ثمرة لمدرسة القالي التي جنحت إلى القوة والجزالة البدوية، بينما هو في النثر تلميذ نابه للجاحظ وبديع الزمان، وقد استطاع ان يفصل بين شعره ونثره، فلم يكن كابن دراج الذي بنى القصيدة على طريقته الكتابية، ولم يجمع ابن شهيد بين الطريقتين إلا في القليل النادر، وذلك في بعض الموضوعات التي استحسنها له معاصروه في النثر، كوصف النحلة وصفة البرغوث، فانه عاد يعالج مثل هذه الموضوعات في شعره (٣) ، وهو اقل شعره قيمة. وقد أثرت فيه نظرته النقدية لأنها جعلته على وعي بما يريد ان يصنعه في
стр. 233
الشعر؟ كان يعرف التطور الذي أصاب الشعر بعد صريع الغواني وبشار وأبي نواس وكيف أسرف أبو تمام في التجنيس " وطاب ذلك منه امتثله الناس، فكل شعر لا يكون اليوم تجنيسا أو ما يشبهه تمجه الآذان، والتوسط في الأمر أعدل " (١) ، وهذا قد يدل على الطريقة التي انتهجها في نظرته إلى البديع، وانه سلك في شعره مسلكا متوسطا، في هذا الاتجاه. بل ان قارئ شعره ليحس انه يصف مذهبه حين يقول: " ومنهم الكارع في بحر الغزارة القادح بشعاع البراعة، الذي بمر مر السيل في اندفاعه، والشؤبوب في انصبابه، ولا يشكو الفشل ولا يكل على طول العمل " (٢) ، وابن شهيد قد بنى شعره في أكثره على هذا الاندفاع الجامح، والحدة العارمة، حتى ليجد من يقرأ شعره انه في حدة غاضبة لا تكاد تهدأ. وهو يقر انه يعتمد استعمال وحشي الكلام غير انه لا يجعله نابيا في شعره لأنه يحس وضعه في مواضعه (٣) بل ان ابن شهيد الناقد هو الذي اختار للناس روائع شعره ووضعها في أيديهم ليشهدوا له أو عليه، وذلك في رسالة " التوابع والزوابع " فبالإضافة إلى ما تحتويه هذه الرسالة من فكاهة وتندر بابن الافليلي وبعض خصوم ابن شهيد في قرطبة، وما تثيره من تخيلات في عالم الجن، تعرض محاسن شعر ابن شهيد التي يراها خير ما يقدم من الشعر، ازاء شعر المشرق، وتكشف هذه الرسالة أيضاً عن سر ابن شهيد نفسه في مذهبه حين تقف به عند شاعر، محاولا التفوق على مشاهيرهم، ما عدا المتنبي. فهو يعارض عمر بن أبي ربيعة في رائيته، وطرفة في قصيدة له لامية، وقيس بن الخطيم في قصيدته الحماسية التي يقول فيها:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
стр. 234
ثم يعارض المحدثين كالبحتري وأبي نواس، ويتهيب ان ينشد المتنبي ثم يسمعه عددا من قصائده؟ دع ذكر الناثرين -، ثم تطلعنا كيف كان المعنى هؤلاء المتقدمين يذهب ويجيء في نفسه، ويدهشه أحياناً لا ثم لا يلبث أن ينشق خاطره عن معنى مولد منه، فقد ملك إعجابه؟ مثلا - قول امرئ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال وافتتن به، ورأى عمر بن أبي ربيعة قد حاوله فقصر عنه حين قال:
ونفضت عني النوم أقبلت مشية الحباب وركني خيفة القوم أزور ... وظل يتأمل هذا المعنى حتى بدا له من وجوهه ما ان يقول:
ولما تملأ من سكره ... فنام ونامت عيون العسس
دنوت إليه على بعده ... دنو رفيق درى ما التمس
أدب إليه دبيب الكرى ... وأسمو إليه سمو النفس وظل معنى أبي الطيب:
أأخلع المجد عن كتفي ولأطلبه ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع - ظل يحيك في نفسك حتى استطاع أن يقول:
ومن تحت حضني ابيض ذو سفاسق ... وفي الكف من عسالة الخط أسمر
فذا جدول في الغمد تسقى به المنى ... وذا غصن في الكف يجنى فيثمر واقلقه بيت أبي الطيب:
وأظما فلا أبدي إلى الماء حاجة ... وللشمس فوق اليعملات لعاب حتى قال، وأعجب بقوله:
إذا الشمس رامت فيه أكل لحومنا ... جرى جشعنا فوق الجياد لعابها ويستشف من رسالته هذه ان المتنبي هو الرمز الكبير الذي كان يأسره ويملك إعجابه ويدفعه إلى المحاكاة وتوليد المعاني. وقد أدى ابن شهيد
стр. 235
كل ذلك ولم يضعف لأنه بنى شعره كما تقدم على الاندفاع والعنف والغضب، ولم تقصر به المحاكاة، وابرز توليد المعاني منه شاعرا متوقد القريحة، لماحا مجددا للصور؟ كان عيبه الكبير هو ميزته الكبرى أعني شعوره بأنه متفوق على كل شاعر، وانه يستطيع ان يساوي المتنبي ان لم يتفوق عليه، وكثرت عليه الروافد من هنا وهناك، فمضى يروض قريحته على الاضطلاع بهذا العبء الكبير، بل انه لا يطيق ان يثني الناس على قطعة شعرية لأبيه فبعد ان روى القطعة السابقة التي منها " قهقه الإبريق مني ضحكا؟ " قال (١) : " فان استهل الطاعن صارخا، وقال: هكذا الشعر وهكذا الطبع وهكذا الماء رقة وعذوبة والهواء لطافة وسهولة؟ قلنا له:
أذن الديك فثب أو ثوب ... وانضح القلب بماء العنب " ومضى يروي قصيدة له، يرى أنها لا تقصر عن مقطوعة أبيه.
ومن رياضة القريحة وكدها، أطاعة القول واسمح، وليس هناك من كان يجمع بين الميزتين كابن شهيد اعني بين التعب الذي يتكلفه في الإحاطة بالمعاني وانتقاء الألفاظ، وبين سرعة البديهة والقدرة على الارتجال، وقد عرف فيه أصحابه ذلك فكانوا يعتقدون له المجالس ويمتحنونه في القول على البديهة؟ ذلك ما فعله الوزير ابن عباس حين قدم قرطبة، ومثل ذلك أيضاً قام به جماعة من أصحابه، حين طلبوا إليه ان يصف مجلسا سمجا ردئ الهيئة فيه باب غريب معرض، ولبد احمر مبسوط على الأرض وقد خلعوا نعالهم على إحدى حواشيه، فقال بديهة قطعته التي مطلعها (٢) :
وفتية كالنجوم حسنا ... كلهم شاعر نبيل ومنها في صفة المجلس:
стр. 236
في مجلس شابه التصابي ... وطاردت وصفه العقول
كأنما بابه أسير ... قد عرضت وسطه نصول
ينظر من لبده لدينا ... بحر دم تحته يسيل
كأن أخفافنا عليه ... مراكب ما لها دليل واجتاز يوما بحانوت بعض معارفه من الطرائفيين وبين يديه رامشنة جميلة في زنبيل ملآن حرشفا فجعل الطرائفي يده في لجام دابة ابن شهيد وقال: صف هذا أبا عامر فان صاعدا رام وصفه فلم يأت بشيء، فقال ابن شهيد وهو على ظهر دابته (١) :
هل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذا تباع في زنبيل
من حرشف معتمد جليل ... ذي إبر تنفذ جلد الفيل
كأنما أنياب بنت الغول ... نقل السخيف المائق الجهول إلى آخر الأرجوزة. وارتجل مرة أخرى وصف طبق من الباقلاء في مجلس ابن ذكوان. وامتحان أصدقائه له لا يدل على إعجابهم بقدرته فحسب، بل ربما أشار إلى شيء من ريبتهم؟ أول الأمر - فيما ينتجه من شعره، حتى كان بعضهم يقول إذا سمع شعره أو نثره: انه ليس له، وقوله التالي يشير إلى هذا الاتهام (٢) :
وبلغت أقواما تجيش صدورهم ... علي واني منهم فارغ الصدر
أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزا ... وغاصوا على سري فأعياهم أمري
فقال فريق: ليس ذا الشعر شعره ... وقال فريق: أيمن الله ما ندري ولا ريب في ان اتهامهم له بالانتحال مبني على الحسد، وان كان اتهاما لا يعدم حظا ضئيلا من الصواب. وقد غطى على محاكاته وأخذه بعض المعاني من غيره، انه يحاول دائما ان يكون مبتكرا مجددا، يضيف إلى ما يأخذه، أو يبتكر معنى أو صورة جديدة. وربما لم يكن من
стр. 237
الغلو أن أميزه بكثرة الصور المبتكرة، لا بين شعراء الأندلس فحسب بل بين شعراء المشارقة أيضاً، ومن ذلك:
فكأن النجوم في الليل جيش ... دخلوا للكمون في جوف غاب
وكأن الصباح طير ... قبضت كفه برجل غراب ففي البيتين صورتان هما الغاية في الطرافة، وصورة الصباح منهما تدل على دقة عجيبة في الرسم والتجسيم معا. ومن صوره أيضاً:
ورعيت من وجه السماء خميلة ... خضراء لاح البدر من غدرانها
وكأن نثر النجم ضأن وسطها ... وكأنما الجوزاء راعي ضانها فتصور القمر غديرا من تخيلات ابن شهيد الخاصة، أما رؤية النجوم في شكل ضأن أو صوار فهي متوفرة في الشعر القديم، كشعر ذي الرمة، وقد أضاف إليها ابن شهيد الجوزاء راعيا وجمع بين البيتين لتمام منظر واحد.
ومن غرائب ذلك قوله في الغزل:
فمشت نحوي وقد ملكتها ... مشية العصفور نحو الثعلب وتتساند الموسيقى الهادرة مع الصور المنظورة في شعره ولكنه إلى الثانية اكثر ميلا، فإذا تحدث عن الأصوات كانت مدوية أو مزجرة، أي قوية شديدة، ولعل لذلك صلة بثقل سمعه، ولذلك أيضاً؟ فيما اعتقده - يرتاح إلى المرئيات اكثر، ولا يستطيع ان يبعث في شعره موسيقى خفيفة إلا نادرا، وان كان يتحدث عن التذاذه بالغناء وصوت المزاهر والكيثار وغيرها، ومن الطريف في هذا؟ وهو الأصم - ميله في الشعر إلى الحوار (راجع قصيدته في رثاء ابن اللمائي) ومن ذلك قوله:
قلت: هب لي يا حبيبي قبلة ... تشف من عمك تبريح الصدى
فانثنى يهتز من منكبه ... قائلا: لا، ثم أعطاني اليدا؟؟.
стр. 238
قال لي يلعب، خذ لي طائرا ... فتراني الدهر أجرى بالكدا
وإذا استنجزت يوما وعده ... قال لي يمطل: ذكرني غدا ولكن حديثه كثيرا ما يكون مناجاة بينه وبين نفسه أو حكاية على لسان أشياء لا تعقل كهذا الحوار بينه وبين الغمام:
وغمام باركتنا عينه ... تترع الأفق بدمع صيب
فسألناه وقد أعجبنا ... حشوة العين بمرأى عجب
أنت ماذا؟ قال: مزن علمت ... كفه النجعة كفا درب
سامني بالشرق ان أسقيكم ... رحمة منه بأقصى المغرب
فسألناه: أبن ذاك لنا ... قال: هل يخفى ضياء الكوكب؟ وأكثر شغفه بالصور السابحة المعتلية عن مستوى الأرض المقترنة بالجو أو بالنجوم أو بالطيور أو بظهور الخيل، وهو يتصور نفسه على ارتفاع، ومرد هذا كله إلى شعوره بالاستعلاء بالنسبة لمن حوله، والى خوفه من الموت، حتى انه حين تصور قدوم الموت تمنى قائلا:
تمنيت أني ساكن في غيابه ... بأعلى مهب الريح في رأس شاهق وقد كان في حياته؟ لا شعوريا - يعيش في رأس شاهق، والرياح تجأر من حوله، كان جوادا والناس حمر، فإذا أحس أن زمانه لم ينصفه أسي لذلك الجواد الذي كبا فنهقت الحمير تضحك منه:
وكبوت طرفا في العلا فاستضحكت ... حمر الأنام فما تريم نهاقها إلا ان همته في السماء رغم تقصير حظه:
همة في السماء تسحب ذيلا ... من ذيول العلا وجد كابي وهو يأسى كثيرا على المعتد، ويقول:
وحملتني كالصقر فوق معاشر ... تحتي كأنهم بنات الماء بل إن بحر بيانه إذا طما، بلغ جدول منه في مده قرن الشمس:
ولما طمى بحر البيان بفكرتي ... وأغرق قرن الشمس بعض جداولي
стр. 239
وتشيع هذه الصور السابحة المعتلية في شعره، فتنقله عن الأرض، وتبعده عن القبر، وعن الناس، وهذا الطيران هو الذي طاف به على ديار الجن " وسار كالطائر يجتاب الجو فالجو "، وهذه هي صورة الأديب الحق لديه؟ " كاللقوة في المرقب، سام نظرة قد ضم جناحيه ووقف على مخلبه لا تتاح له جارحة إلا اقتصها ولا تنازله طائرة إلا اختطفها، جرأته كشفرته، وبديهة كفكرته ". ومن ثم تعجبه صور النجوم في حيرتها أو تعلقها وصورة الليل:
تراه كملك الزنج في فرط كبره ... إذا رام مشيا في تبختره أبطا
مطلا على الآفاق والبدر تاجه ... وقد علق الجوزاء في أذنه قرطا فإذا ترك هذه الصور، بقيت الموسيقى العامة في شعره تصور التحدر والاندفاع، مستعينا على ذلك ببعض الجناس، كقوله:
قضت النوى بذياد رجح عينيهم ... ظلما وكان الدهر من أعوانها
زجروا اغترابا من نعيب غرابهم ... وقضوا ببين من مغرد بأنها ويصبح شغفه بالجناس أحيانا ضربا من التكلف خارجا عن حد الاعتدال، كما ان شغفه بالموسيقى الصاخبة يتملكه احيانا فنسى كل ما عداه كما في قوله:
وتكفيري برداء وصل مقرطق ... كتبوا بنفس المسك في كافوره
متلفع بحريره متضمخ ... بعبيره، مترنح بفتوره
وسنان ناولني مدامة طرفه ... فشربتها وسمعت من طنبوره
يدعو بلكنة بربري لم يزل ... يستف بالصحراء حب بريره
متقدم بمضائه متلفع ... بردائه متكلم في عيره ومع ذلك فان وراء هذا الثوب من الصنعة، روحا بدوية، تجعل ابن شهيد اقرب الأندلسيين شبها بشعراء المشرق، الذين ينسجون في عالمهم الحضاري على نماذج الجاهلية وصدر الإسلام، وتحس مثل ذلك في قوله:
стр. 240
يا صاحبي إذا ونى حاديكما ... فتنشقا النفحات من ظيانها
وخذا لمرتبع الحسان فربما ... شفع الشباب فكنت إلف حسانها
عاودت ذكر العيش فيه وما انقضى ... من صبوتي وطويت من أزمانها
فبكيت من زمن قطعت مراحلا ... وشبيبه أخلقت من ريعانها وابن شهيد غير مقصر في موضوعات لمدح والرثاء متفوق في الأوصاف والخمريات والمجونيات والاهاجي، إلا انه يفتقد العمق الذي تجده عند الغزال كما انه من الغموض العسر الذي شاب أشعار ابن دراج، وتفوق في الحدة والاندفاع في الشعر على كل من سبقه من شعراء الأندلس. وقد عابه معاصروه بشيئين: الانتحال والتطويل، وكان هذان الاثنان بالمعنى الذي يفهمه ابن شهيد من مصادر تفوقه.
стр. 241
٤ - ابن حزم
أبو محمد علي بن احمد بن سعيد
٣٨٤ - ٤٥٦هـ
الجذوة: ٢٩٠ البغية رقم: ١٢٠٤ الصلة: ٣٩٥ طبقات الأمم: ٨٦ المغرب ١: ٣٥٤ الذخيرة ١/١: ١٤٠ المجب: ٣٠ النفح ١: ٣٦٤ تذكرة الحفاظ ٣: ٢٤١ النجوم الزاهرة ٥: ٧٥ شذوات الذهب ٣: ٢٩٩ تاريخ الحكماء للقفطي: ١٥٦
كان اكثر الثلاثة تأثرا بالفتنة، وأعمقهم إحساسا بالتغير الذي أحدثته، لأنها فاجأته وهو شاب في ظل النعيم وحياة القصور، وأخرجته من نعمته وثرائه ووطنه، وغيرت مجرى حياته، حتى ان الناظر إلى حال ابن حزن في نشأته الأولى وحاله بعد خراب قرطبة، ليدهش لما أصاب خط حياته من انكسار، غير انه لم يتخاذل للانقلاب، فاستنقذ نفسه من إسار الماضي، وتجلد بقوة وهو ينظر إلى المجد الزائل، وإذا ابن
стр. 242
حزم الشاب المترف شخصية جديدة، قوية جبارة، تمزج القوة بالمرارة، وإذا هو يولد من جديد، ليفني ملكاته المدهشة في خدمة مجتمعه، بعد ان كان هشا في عهد الشباب يعيش لنفسه. ان حياة ابن حزم صورة للإرادة التي لا تعرف التردد والضعف، وصورة لليقظة النفسية التي أثارتها الفتنة.
اختلف الباحثون المحدثون في نسبه: فذهب دوزي وجولد تسيهر إلى القول بان جده أو والد جده لم يكن عربيا ولم يولد مسلما، وإنما اعتنق الإسلام، ومثل هذا الرأي يعتمد على إشارة لابن حيان قال فيها " فقد عهده الناس خامل الأبوة، مولد الأرومة، من عجم لبلة، جده الأدنى حديث عهد بالإسلام " (١) ، أما تلميذه الحميدي فيقول أن اصله من الفرس وجده الأقصى في الإسلام اسمه يزيد مولى ليزيد بن أبي سفيان (٢) وقد رددت اكثر المصادر هذا الرأي، وسخر معاصره ابن حيان من هذه الدعوى، وذهب إلى أن والده احمد بن سعيد مؤسس مجد يغنيه عن النسب والسابقة " ولم يكن إلا كلا ولا حتى تخطى علي هذا رابية لبلة، فارتقى قلعة اصخر من ارض فارس، فالله أعلم كيف ترقاها، إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالة " (٣) . وقد ذكر ابن حزم نفسه نسبته إلى الفرس، وافتخر بها في إحدى قصائده كما افتخر بولائه لبني أمية، فقال (٤) :
سما بي ساسان ودارا وبعدهم ... قريش العلى أعياصها والعنابس
فما أخرت حرب مراتب سؤددي ... ولا قعدت بي عن ذرى المجد فارس وكلا النسبين لا يدعيان النسبة إلى العرب، ولكن الفرق بينهما ان الثاني يمنح ابن حزم عددا كثيرا من الأدباء المسلمين ويعل لأسرته جذورا
стр. 243
راسخة في الإسلام، أما الأول فيقصر علاقته بالإسلام على جده الأدنى، أو والد جده؟ على الأكثر -. وقد مال لهذا الرأي عدد من الباحثين لأنه يصل ابن حزم بالمسيحية أو بالأسبانية عموما، رغبة منهم في ان يدرسوه على ضوء الوراثة القريبة، ولكني أميل إلى ترجيح النسبة الفارسية، لأن اتهام ابن حزم في نسبه الفارسي إنما صدر عن رجل ميال للذم والثلب، هو ابن حيان المؤرخ، ولا يبعد أن يكون انعدام السابقة والأولية قبل صعود نجم احمد بن سعيد والد أبي محمد، هو الذي أوحى بهذا الاعتقاد، ثم ان ابن حزم أتقى لله من ان يلفق لنفسه نسبا غير نسبه، وليست وراء هذا التلفيق غاية كبيرة لرجل يرى ان الناس يتفاضلون بأعمالهم لا بأنسابهم. وقد نسب نفسه إلى الولاء، وكان هو وأبوه كلاهما ميالا لبني أمية في عهد العامريين، ولم يكن هذا الميل ليكسب لهم رضى العامريين، ولا بد ان يكون في صدق الولاء القديم ما يدفعهما إلى مثل ذلك، وقد دهش ابن حيان نفسه من هذه الموالاة، كما دهش من ان يكون ابن حزم مدعيا في نفسه، إذ لا يعرف عليه خطل أو جهالة.
وايا كان الأمر فان والد علي ولد بقرية من عمل لبلة تسمى منت لشم ويقول آثن بلاسيوس انها تقابل ما يسمى اليوم كاسا مونتيخا Casa Montija (١) ، ثم هاجر منها إلى قرطبة، ليتثقف، فنال من الثقافة ما أدهش معاصريه، وكان زميلا لابن أبي عامر وبينهما بعض المنافسة، إلا ان هذه المنافسة لم تمنع الحاجب من الاستفادة من مواهب احمد بن سعيد، فاتخذه أول وزير له سنة ٣٨١، " واستخلفه أوقات مغيبه على المملكة، وصير في يده خاتمه، فلما تناهت حاله في الجلالة وأملته الخاصة والعامة اتهمه المنصور بأنه قد زها عليه برأيه وآنس منه عجبا بشأنه. فصرفه عن الوزارة، وأقصاه عن الخدمة، دون ان يغير عليه نعمة. وكان
стр. 244
يقول: والله ان ابن حزم للنصيح جيبا، الأمين غيبا. ولكنه زها برأيه وظن أن سلطاني مضطر إلى تدبيره. فتردد في نكبته. ثم أخرجه لينظر في كور الغرب باسم الإقامة فرئم العزلة وتبرأ من الدالة. فلما زكن المنصور ذلك منه أعاده إلى حسن رأيه فيه وصرفه إلى خطته " (١) .
وكان يجمع إلى سعة العلم قوة في البلاغة، ومما يدل على مذهبه الكتابي قوله في بعض المناسبات: " اني لأعجب ممن يلحن في مخاطبة، أو يجيء بلفظة قلقة في مكاتبة، لأنه ينبغي إذا شك في شيء ان يتركه ويطلب غيره، فالكلام أوسع من هذا " (٢) .
وقد تأثر علي بشخصية والده، وظلت له في نفسه صورة جميلة لم تطمسها الأيام. لأنه فقده وهو في أول شبابه، يوم كان محتاجا إلى رأيه وتوجيهه. ولذلك ظل وفيا لما سمعه من إرشاداته ونصائحه. وظل يذكر قوله له (٣) :
إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها وفي مجلس والده تعرف على كثير من الرجال كأبي عمر احمد بن حبرون (٤) وروى عنهم، وأفاد مما كان يسمعه منهم. ومن الوصايا التي أثرت في نفسه وظل يكيف حياته بمقتضاها قولة لابي عبد الله محمد بن إسحاق الزاهد، كان يقولها لأبيه الوزير على سبيل الوعظ وهي: " احرص على ان لا تعمل شيئا إلا بنية فانك تؤخر في جميع أعمالك. فإذا أكلت فانو بذلك التقوى لطاعة الله، وكذلك في نومك وتفرجك وسائر أعمالك، فانك ترى ذلك في ميزان حسناتك " (٥) .
стр. 245
وفي مجلس أبيه كان يسمع إلى الشعراء الذين يمدحون الوزير ويحفظ ما يستجيده من أشعارهم (١) . وقد كان والده أيضاً أحد مصادره الشفوية في التاريخ لأنه كان يقص بعض الأحداث التي شهدها في وزارته للمنصور بن أبي عامر كما ان والده كتب كتابا ضخما في التاريخ أيضا. ولذلك كان ابن حزم؟ عن طريقه - مطلعا على كثير من دقائق الامور التي تجري في بلاط المنصور أو في معاركه (٢) وهذه الثقافة هي التي حببت إليه الاستكثار من الرواية التاريخية. وميزته بالمعرفة الدقيقة للأخبار.
ولكن قبل هذا كله قضى علي فترة طفولته وصباه حتى بلغ حد الشباب بين الجواري. فهن اللواتي علمنه القرآن وروينه كثيرا من الأشعار ودربنه في الخط فلم يجالس الرجال الا وهو في حد الشباب (٣) . وقد جعلته هذه النشأة رقيقا في شبابه، حييا من مجالس الرجال، كما طبعته على سوء الظن بالمرأة لأنه شاهد من أسرار النساء ما لا يكاد يعلمه غيره. وكان همه الوقوف على ما يجري بينهن، والترقيب لما يفعلنه. وأورطته أيضاً نشأته هذه في علاقات عاطفية مبكرة، فأحب في صباه جارية شقراء الشعر. ومنذ ذلك الحين لم يكن يستحسن من النساء الا الشقر، وظل على ذلك طوال حياته. وهذا ما عرض لأبيه نفسه وعلى هذا جرى إلى ان وافاه أجله (٤) . واحب جارية اسمها " نعم "، وتزوجها وهو دون العشرين وكان هو أبا عذرتها. ثم اختطفها الموت منه، فحزن عليها ابلغ الحزن وأعجبه. حتى انه ظل سبعة اشهر كاملة لا يغير ثيابه بعد وفاتها (٥) . وقد حدثنا علي بشيء عن علاقاته
стр. 246
العاطفية في الطوق. وكان صريحا في تذكر هذه الفترة من حياته في قصور قرطبة، وفي التحدث عن شؤون قلبه، وعن حبه لجارية أخرى ألفها في أيام صباه (١) .
واول تجاربه في المجتمع؟ خارج هذا النطاق - ان نراه في مجلس المظفر عبد الملك بن المنصور سنة ٣٩٦هـ وسنه يومئذ حوالي أربعة عشر عاما (ولد ليلة الفطر قبل طلوع الشمس وبعد سلام الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الأربعاء، آخر يوم من شهر رمضان المعظم وهو اليوم السابع من نونبر سنة ٣٨٤) (٢) وفي ذلك المجلس كان صاعد ينشد المظفر في يوم عيد الفطر قصيدته التي مطلعها:
إليك حدوت ناجية الركاب ... محملة أماني كالهضاب فأخذ علي يستحسنها ويصغي إليها مما حدا بصاعد ان يكتبها له بخطه وينفذها إليه (٣) . ثم تقوى صلته بوالده بعد ذلك ويصبح من شهود مجلسه.
وبقي احمد وابناؤه يعيشون في الجانب الشرقي من قرطبة في دورهم المحدثة بربض الزاهرة، على مقربة من المنصور اولا والمظفر ثانيا، إلى ان قام المهدي يحاول اخذ الخلافة. فانتقلوا من الجانب الشرقي إلى الغربي حيث دورهم ببلاط مغيث، وهي مساكنهم القديمة، في جمادى الآخر سنة ٣٩٩هـ. ويدل هذا الانتقال على ان الوزير ابن حزم كان يميل إلى إعادة السيادة الأموية، وانه نفض يده من الولاء العامري ومن الرضى بخلافة هشام المؤيد معا. وفي تلك الأثناء أشيع أن هشاما المؤيد توفي، فحضر على والده الوزير جنازته " المزورة " (٤) . غير ان
стр. 247
المؤيد لم يلبث ان عاد (٧ ذي الحجة سنة ٤٠٠) فاتهمهم بأنهم المحركون للمهدي " وامتحنا بالاعتقال والترقيب والاغرام الفادح والاستتار. وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا " (١) . وفي أثناء الفتنة توفي أبوه السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ٤٠٢هـ. واصبح علي يواجه الأزمة مع أهله دون أن تكون شخصية الوزير المحبوب إلى جانبهم، فأجلوا عن منازلهم وتغلب عليهم جند البربر ونهبوا منازلهم الغربية، واستوطنوها. وخرج ابن حزم عن قرطبة اول عام سنة ٤٠٤هـ (٢) . وتكاد هذه الحادثة ان ترسم خطا فاصلا في حياته. ولكنه لم ييأس من العودة إلى الوطن وانتهز كل فرصة لذلك. وكان يحسب أن إعادة الخلافة الأموية كفيلة بإرجاعه، وإرجاع دوره وقصوره. فلذلك شايع من قام منهم للمطالبة بالخلافة. ذلك انه بعد رحيله عن قرطبة لجأ إلى المرية، وحاكمها يومئذ خيران العامري فنقل الوشاة إلى خيران أن ابن حزم وصديقه محمد بن إسحاق يسعيان في القيام بدعوة الأموية. فاعتقلهما أشهرا ثم غربهما عن المرية، فصارا إلى حصن القصر ونزلا على عبد الله بن هذيل التجيبي، فأقاما عنده شهورا مكرمين. ثم ركبا البحر قاصدين بلنسية عندما سمعنا بظهور المرتضى عبد الرحمن بن محمد الأموي فساكناه ببلنسية (٣) ، وسارا معه في محاصرته لغرناطة وفيها زاوي بن زيري الصنهاجي. غير أن آماله عادت فتحطمت لاخفاق المرتضى. ومع ذلك نجده يعود إلى قرطبة سنة ٤٠٨ وواليها يومئذ القاسم بن حمود. وهناك تحسس معاهده ودياره وبكاها بحرقة وتفقد أصدقاءه فوجدهم قد تفرقوا ومات بعضهم كصديقه الحميم ابن الطبني. وانصرف في قرطبة إلى تلقي العلم، لأنه أحس بنفسه ضائعا لم ينل دنيا، وتكاد الآخرة تفلت من يده. وقبل ان نتحدث عن نشاطه العلمي نتم الحديث عن
стр. 248
نشاطه السياسي، فنجده بعد ست سنوات (سنة ٤١٤) عندما فر القاسم بن حمود وبويع المستظهر الأموي، يعود إلى التشبث بالآمال الأموية. فضمه المستظهر إلى حاشيته واصبح له وزيرا. قال المقري في المستظهر: واشتغل مع ابن شهيد وابني حزم بالمباحثة في الآداب ونظم الشعر والتمسك بتلك الأهداب والناس في ذلك الوقت اجهل ما يكون (١) . وكانت آخر تجاربه السياسية ان سجنه المستكفي هو وابن عمه أبو المغيرة (٢) . وبعدها أدركه اليأس من النجاح في السياسة. وعرف ان العلم هو ميدانه الحقيقي، فانصرف إلى نشر مذهبه الجديد، والى التأليف. وهذا هو الدور الثاني من حياته، حين عزف عن التعلق بالأسباب التي تصله بالثروة والمجد الدنيوي، وعاش يكف أساة إلى الماضي ولذائذه، متنقلا في البلاد الأندلسية. فحينا نراه يسكن شاطبة، ومرة أخرى نجده في مالقة يودع صديقه أبا عامر محمد بن عامر في سفرته إلى المشرق، ومعهما صديقهما أبو بكر محمد بن إسحاق (٣) وكان في تطوافه يلقى العلماء ويجادلهم، كما يجادل الملحدين والذين لا يقرون بالنبوة، ويجادل زعماء الأديان الأخرى مثل ابن النغرالة اليهودي وزير صاحب غرناطة (٤) . وهذه المجادلات العنيفة هي التي كونت له خصوما كثيرين، كانوا يكيدون له عند ملوك الطوائف. حتى جمع المعتضد بن عباد كتبه وأحرقها. وأعتقد انه فعل ذلك بعد المناظرة التي قامت بين ابن حزم والباجي.
فبعد سنة ٤٥٢ ذهب ابن حزم إلى ميروقة، وكان فيها الفقيه محمد بن سعيد الميورقي يدرس الفقه والاصول. فلما وردها ابن حزم كتب محمد هذا إلى أبي الوليد الباجي يخبره بقدوم ابن حزم، فسافر الباجي
стр. 249
إلى ميرورقة من بعض الأندلس. وهناك تضافرا على ابن حزم وناظراه وأخرجاه منها. وكان الميورقي سبب العداوة بين الباجي وابي محمد (١) . قال القاضي عياض في الباجي: " ووجد عند وروده بالأندلس لابن حزم الداوودي صيتا عاليا وظاهريات منكرة. وكان لكلامه طلاوة قد أخذت قلوب الناس، وله تصرف في فنون تقصر عنها ألسنة فقهاء الأندلس في ذلك الوقت، لقلة استعمالهم النظر وعدم تحققهم به. فلم يكن يقوم أحد بمناظرته. فعلا شأنه وسلموا الكلام له على اغتنامهم فحادوا عن مكالمته. فلما ورد أبو الوليد الأندلس، وعنده من الإتقان والتحقيق والمعرفة لطرق الجدل والمناظرة ما حصله في رحلته، أمله الناس فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة ابن حزم وخروجه من ميورقة " (٢) وقد شهد ابن حزم للباجي بالتفوق في المذهب المالكي (٣) . ومما جرى بينهما في بعض المناظرات، ان قال الباجي: أنا أعظم منك همة في طلب العلم لأنك طلبته وأنت معان عليه تسهر بمشكاة من الذهب، وطلبته وأنا أسهر بقنديل بائت السوق. فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك لانك إنما طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي. وأنا طلبته في حين ما تعلمه وماذكرته، فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة، فأفحمه (٤) .
وكثر أعداء ابن حزم في مدن الأندلس. وأخذوا يؤلبون عليه امراءها، ويستصرخون ضده علماء الأمصار الإسلامية " فطفق الملوك يقصونه عن قربهم ويسيرونه عن بلادهم إلى ان انتهوا به إلى منقطع أثره
стр. 250
بتربة بلده من بادية لبلة " (١) . وهنالك كان يختلف إليه الطلبة، فيحدثهم ويفقههم. وواظب هو على التأليف والإكثار من التصنيف ولكن الناس أحجموا عن كتبه، إذ حاربها الفقهاء، وأحرق بعضها بأشبيلية ومزق علانية. غير انه مضى في سبيله، لا يثنيه شيء، حتى وافته منيته عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة. وعمره إحدى وسبعون سنة وعشرة اشهر وتسعة وعشرون يوما (٢) .
ثقافته وأساتذته ومؤلفاته:
حصل ابن حزم في صباه شيئا من الثقافة الأولية على يد الجواري، ثم أخذ يطلب العلم في قرطبة قبل الأربعمائة بقليل، وظل مثابرا على طلب العلم أثناء الفتنة حتى انه كان في سنة ٤٠١ يتلقى الحديث على أستاذه الهمداني في مسجد القبري بالجانب الغربي من قرطبة (٣) ، وبعد خروجه من قرطبة أفاد من تجواله في البلاد ومن لقاء بعض العلماء، ولكنه لما عاد إليها أدرك أن محصوله من العلم ما يزال قاصرا، فأكب على الطلب، حتى وحصل في مدة قصيرة ما لا يحصله غيره في العمر الطويل. وتمذهب أولا للشافعي، ثم اختار مذهب الظاهر. ووضعه موقف المنافح عنه موضع من لا بد له من ثقافة واسعة. وكان يأسه من الحياة السياسية سببا في تعميق حياته العلمية، ومن اشهر أساتذته:
١ - أبو الخيار مسعود بن سليمان بن مفلت وهو فقيه عالم زاهد، اثر في ابن حزم لميله إلى القول بالظاهر، وقد سمع منه بعض الأخبار والفوائد اللغوية (٤) .