العاطفية في الطوق. وكان صريحا في تذكر هذه الفترة من حياته في قصور قرطبة، وفي التحدث عن شؤون قلبه، وعن حبه لجارية أخرى ألفها في أيام صباه (١) .
واول تجاربه في المجتمع؟ خارج هذا النطاق - ان نراه في مجلس المظفر عبد الملك بن المنصور سنة ٣٩٦هـ وسنه يومئذ حوالي أربعة عشر عاما (ولد ليلة الفطر قبل طلوع الشمس وبعد سلام الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الأربعاء، آخر يوم من شهر رمضان المعظم وهو اليوم السابع من نونبر سنة ٣٨٤) (٢) وفي ذلك المجلس كان صاعد ينشد المظفر في يوم عيد الفطر قصيدته التي مطلعها:
إليك حدوت ناجية الركاب ... محملة أماني كالهضاب فأخذ علي يستحسنها ويصغي إليها مما حدا بصاعد ان يكتبها له بخطه وينفذها إليه (٣) . ثم تقوى صلته بوالده بعد ذلك ويصبح من شهود مجلسه.
وبقي احمد وابناؤه يعيشون في الجانب الشرقي من قرطبة في دورهم المحدثة بربض الزاهرة، على مقربة من المنصور اولا والمظفر ثانيا، إلى ان قام المهدي يحاول اخذ الخلافة. فانتقلوا من الجانب الشرقي إلى الغربي حيث دورهم ببلاط مغيث، وهي مساكنهم القديمة، في جمادى الآخر سنة ٣٩٩هـ. ويدل هذا الانتقال على ان الوزير ابن حزم كان يميل إلى إعادة السيادة الأموية، وانه نفض يده من الولاء العامري ومن الرضى بخلافة هشام المؤيد معا. وفي تلك الأثناء أشيع أن هشاما المؤيد توفي، فحضر على والده الوزير جنازته " المزورة " (٤) . غير ان
стр. 247
المؤيد لم يلبث ان عاد (٧ ذي الحجة سنة ٤٠٠) فاتهمهم بأنهم المحركون للمهدي " وامتحنا بالاعتقال والترقيب والاغرام الفادح والاستتار. وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا " (١) . وفي أثناء الفتنة توفي أبوه السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ٤٠٢هـ. واصبح علي يواجه الأزمة مع أهله دون أن تكون شخصية الوزير المحبوب إلى جانبهم، فأجلوا عن منازلهم وتغلب عليهم جند البربر ونهبوا منازلهم الغربية، واستوطنوها. وخرج ابن حزم عن قرطبة اول عام سنة ٤٠٤هـ (٢) . وتكاد هذه الحادثة ان ترسم خطا فاصلا في حياته. ولكنه لم ييأس من العودة إلى الوطن وانتهز كل فرصة لذلك. وكان يحسب أن إعادة الخلافة الأموية كفيلة بإرجاعه، وإرجاع دوره وقصوره. فلذلك شايع من قام منهم للمطالبة بالخلافة. ذلك انه بعد رحيله عن قرطبة لجأ إلى المرية، وحاكمها يومئذ خيران العامري فنقل الوشاة إلى خيران أن ابن حزم وصديقه محمد بن إسحاق يسعيان في القيام بدعوة الأموية. فاعتقلهما أشهرا ثم غربهما عن المرية، فصارا إلى حصن القصر ونزلا على عبد الله بن هذيل التجيبي، فأقاما عنده شهورا مكرمين. ثم ركبا البحر قاصدين بلنسية عندما سمعنا بظهور المرتضى عبد الرحمن بن محمد الأموي فساكناه ببلنسية (٣) ، وسارا معه في محاصرته لغرناطة وفيها زاوي بن زيري الصنهاجي. غير أن آماله عادت فتحطمت لاخفاق المرتضى. ومع ذلك نجده يعود إلى قرطبة سنة ٤٠٨ وواليها يومئذ القاسم بن حمود. وهناك تحسس معاهده ودياره وبكاها بحرقة وتفقد أصدقاءه فوجدهم قد تفرقوا ومات بعضهم كصديقه الحميم ابن الطبني. وانصرف في قرطبة إلى تلقي العلم، لأنه أحس بنفسه ضائعا لم ينل دنيا، وتكاد الآخرة تفلت من يده. وقبل ان نتحدث عن نشاطه العلمي نتم الحديث عن
стр. 248
نشاطه السياسي، فنجده بعد ست سنوات (سنة ٤١٤) عندما فر القاسم بن حمود وبويع المستظهر الأموي، يعود إلى التشبث بالآمال الأموية. فضمه المستظهر إلى حاشيته واصبح له وزيرا. قال المقري في المستظهر: واشتغل مع ابن شهيد وابني حزم بالمباحثة في الآداب ونظم الشعر والتمسك بتلك الأهداب والناس في ذلك الوقت اجهل ما يكون (١) . وكانت آخر تجاربه السياسية ان سجنه المستكفي هو وابن عمه أبو المغيرة (٢) . وبعدها أدركه اليأس من النجاح في السياسة. وعرف ان العلم هو ميدانه الحقيقي، فانصرف إلى نشر مذهبه الجديد، والى التأليف. وهذا هو الدور الثاني من حياته، حين عزف عن التعلق بالأسباب التي تصله بالثروة والمجد الدنيوي، وعاش يكف أساة إلى الماضي ولذائذه، متنقلا في البلاد الأندلسية. فحينا نراه يسكن شاطبة، ومرة أخرى نجده في مالقة يودع صديقه أبا عامر محمد بن عامر في سفرته إلى المشرق، ومعهما صديقهما أبو بكر محمد بن إسحاق (٣) وكان في تطوافه يلقى العلماء ويجادلهم، كما يجادل الملحدين والذين لا يقرون بالنبوة، ويجادل زعماء الأديان الأخرى مثل ابن النغرالة اليهودي وزير صاحب غرناطة (٤) . وهذه المجادلات العنيفة هي التي كونت له خصوما كثيرين، كانوا يكيدون له عند ملوك الطوائف. حتى جمع المعتضد بن عباد كتبه وأحرقها. وأعتقد انه فعل ذلك بعد المناظرة التي قامت بين ابن حزم والباجي.
فبعد سنة ٤٥٢ ذهب ابن حزم إلى ميروقة، وكان فيها الفقيه محمد بن سعيد الميورقي يدرس الفقه والاصول. فلما وردها ابن حزم كتب محمد هذا إلى أبي الوليد الباجي يخبره بقدوم ابن حزم، فسافر الباجي
стр. 249
إلى ميرورقة من بعض الأندلس. وهناك تضافرا على ابن حزم وناظراه وأخرجاه منها. وكان الميورقي سبب العداوة بين الباجي وابي محمد (١) . قال القاضي عياض في الباجي: " ووجد عند وروده بالأندلس لابن حزم الداوودي صيتا عاليا وظاهريات منكرة. وكان لكلامه طلاوة قد أخذت قلوب الناس، وله تصرف في فنون تقصر عنها ألسنة فقهاء الأندلس في ذلك الوقت، لقلة استعمالهم النظر وعدم تحققهم به. فلم يكن يقوم أحد بمناظرته. فعلا شأنه وسلموا الكلام له على اغتنامهم فحادوا عن مكالمته. فلما ورد أبو الوليد الأندلس، وعنده من الإتقان والتحقيق والمعرفة لطرق الجدل والمناظرة ما حصله في رحلته، أمله الناس فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة ابن حزم وخروجه من ميورقة " (٢) وقد شهد ابن حزم للباجي بالتفوق في المذهب المالكي (٣) . ومما جرى بينهما في بعض المناظرات، ان قال الباجي: أنا أعظم منك همة في طلب العلم لأنك طلبته وأنت معان عليه تسهر بمشكاة من الذهب، وطلبته وأنا أسهر بقنديل بائت السوق. فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك لانك إنما طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي. وأنا طلبته في حين ما تعلمه وماذكرته، فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة، فأفحمه (٤) .
وكثر أعداء ابن حزم في مدن الأندلس. وأخذوا يؤلبون عليه امراءها، ويستصرخون ضده علماء الأمصار الإسلامية " فطفق الملوك يقصونه عن قربهم ويسيرونه عن بلادهم إلى ان انتهوا به إلى منقطع أثره
стр. 250
بتربة بلده من بادية لبلة " (١) . وهنالك كان يختلف إليه الطلبة، فيحدثهم ويفقههم. وواظب هو على التأليف والإكثار من التصنيف ولكن الناس أحجموا عن كتبه، إذ حاربها الفقهاء، وأحرق بعضها بأشبيلية ومزق علانية. غير انه مضى في سبيله، لا يثنيه شيء، حتى وافته منيته عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة. وعمره إحدى وسبعون سنة وعشرة اشهر وتسعة وعشرون يوما (٢) .
ثقافته وأساتذته ومؤلفاته:
حصل ابن حزم في صباه شيئا من الثقافة الأولية على يد الجواري، ثم أخذ يطلب العلم في قرطبة قبل الأربعمائة بقليل، وظل مثابرا على طلب العلم أثناء الفتنة حتى انه كان في سنة ٤٠١ يتلقى الحديث على أستاذه الهمداني في مسجد القبري بالجانب الغربي من قرطبة (٣) ، وبعد خروجه من قرطبة أفاد من تجواله في البلاد ومن لقاء بعض العلماء، ولكنه لما عاد إليها أدرك أن محصوله من العلم ما يزال قاصرا، فأكب على الطلب، حتى وحصل في مدة قصيرة ما لا يحصله غيره في العمر الطويل. وتمذهب أولا للشافعي، ثم اختار مذهب الظاهر. ووضعه موقف المنافح عنه موضع من لا بد له من ثقافة واسعة. وكان يأسه من الحياة السياسية سببا في تعميق حياته العلمية، ومن اشهر أساتذته:
١ - أبو الخيار مسعود بن سليمان بن مفلت وهو فقيه عالم زاهد، اثر في ابن حزم لميله إلى القول بالظاهر، وقد سمع منه بعض الأخبار والفوائد اللغوية (٤) .
стр. 251
٢ - أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد المصري، كان مجلسه بالرصافة وهو أستاذه في الجدل والكلام. وكان من زملائه في الطلب عليه أبو عبد الله ابن الطبني صديقه الحميم. وفي مجلسه صادق أيضاً أبا علي بن الحسين بن علي الفاسي. وكان هذا عاملا ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا والاجتهاد بالآخرة. وقد انتفع به ابن حزم وبتأثيره عرف قبح المعصية (١) .
٣ - أبو سعيد الفتى الجعفري وهو يذكر انه قرأ عليه معلقة طرفة (٢) .
٤ - وقد روى ابن حزم الحديث عن علماء كثيرين منهم محمد بن سعيد بن نبات ومحمد بن سعيد بن جرج الفقيه وعبد الرحمن بن سلمة الكتاني واحمد بن قاسم البياتي ويونس بن مغيث المعروف بابن الصفار قاضي الجماعة بقرطبة وعن أبي الوليد الفرضي والد المصعب ومحمد بن الحسن المذحجي المعروف بابن الكتاني وعن كثيرين غيرهم (٣) .
٥ - احمد بن محمد بن احمد بن سعيد المعروف بابن الجسور الأموي. روى التاريخ للطبري وعنه حدث ابن حزم بهذا الكتاب. وهو أول شيخ سمع منه قبل الأربعمائة (٤) .
٦ - أبو عبدة حسان بن مالك وصفه ابن حزم بأنه كان أذكر من لقيهم للغة مع شدة عنايته بها وثقته وتحريه في نقلها (٥) . وقد عمل حسان كتابا على مثال كتاب ربيعة وعقيل للمنصور بن أبي عامر. وهو من العلماء الذين اخملتهم الفتنة (٦) .
стр. 252
٧ - احمد بن محمد بن عبد الوارث أبو عمر المعروف بابن اخي الزاهد. وهو مؤدبه في النحو (١) .
٨ - أبو محمد عبد الله بن ربيع بن بنوش التميمي القاضي وهذا أحد تلامذة أبي علي القالي وعنه ابن حزم بعض مؤلفات القالي مثل " فعلت وافعلت " وكتاب " النوادر " كما روى عنه كتاب حديث أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي (٢) .
ومن العسير ان يصور الدارس مدى ثقافة ابن حزم لتشعب هذه الثقافة وشمولها لجميع أنواع المعرفة في عصره؟ ما عدا الحساب والهندسة - وهذا هو الجانب المدهش حقا: فهو متعمق للفقه والحديث عارف بآراء أهل المذاهب الأخرى، مطلع على كتب أهل الأديان يناقش مادة التوراة والإنجيل مناقشة تفصيلية، ويجمع إلى ذلك كله اطلاعا واسعا في اللغة والنحو والأدب والتاريخ، وقد قرأ كثيرا من مؤلفات أهل بلده في هذه العلوم، كما انه درس الفلسفة والمنطق والفلك، وقد عابه خصومه المتزمتون بالمنطق واقليدس والمجسطى، ولما شاء ان يضع منهجا كافيا للدارس في بعض العلوم اقترح الواضح في النحو للزبيدي والموجز لابن السراج، واقترح في اللغة كتاب الغريب المصنف لأبي عبيد ومختصر العين للزبيدي، وعد من التوغل في اللغة ان يدرس المرء كتاب خلق الإنسان وكتاب الفرق لثابت والمذكر والمؤنث لابن الانباري والممدود والمقصور والمهموز لأبي علي القالي والنبات لأبي حنيفة الدنيوري، ونصح بدراسة كتاب المجسطى لمعرفة الكسوفات وعروض البلاد وأطوالها وحث على النظر في المنطق ليقف الدارس على الحقائق من الأباطيل، وعلى النظر في الطبيعيات وعوارض الجو وتركيب العناصر وفي الحيوان والنبات والمعادن، وعلى قراءة كتب التشريح وقراءة التواريخ القديمة
стр. 253
والحديثة وعلى النظر في الكلام والحديث والفقه أو علم الشريعة جملة، وما وصف ابن حزم هذا كله إلا وهو مطلع عليه وعلى اكثر منه بكثير، وتدل رسالته في فضل الأندلس على تقديره لثقافة أهل بلده، وعلى سعة باعه في معرفة اكثر ما يتصل بأخبار رجالها وتاريخها، ومؤلفاتها وأدبها وشعرها، فقد كان يحفظ كثيرا من شعر ابن عبد ربه وابن دراج وصاعد وابن هذيل والمصحفي والطليق والغزال وكثير غيرهم، وكتاب الجذوة معرض لمعرفة ابن حزم بشئون الأندلس أيضاً، فأكثر ما فيه إنما يرويه الحميدي عن أستاذه، هذا إلى قدرة فائقة في التجريح والتعديل، ومعرفة الأنساب، وكل ذلك يدل على ذاكرة عجيبة وحيوية عقلية فذة.
وقد صدق القاضي صاعد في قوله عنه: " كان ابن حزم اجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار " (١) . وكان جماعا للكتب، جمع منها في علم الحديث والمصنفات والمسندات شيئا كثيرا (٢) . كما كان كثير التقييد لا يدع شيئا يفوته من سماع أو قراءة أو مشاهدة. وبنسبة هذا الاطلاع الواسع كثرت مؤلفاته، حتى بلغ مجموع ما ألفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل والتأريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المعارضين نحو أربعمائة مجلد [بين كتاب ورسالة] تشتمل على قريب من ثمانين الف ورقة (٣) . ومع ان كثيرا من مؤلفاته قد ضاع، فقد بقي قدر صالح منها.
منها في الفقه والأصول: المحلى والأحكام ومراتب الإجماع وحجة الوداع وقسم من كتاب الابطال، ومنها في العقائد والمذاهب: الفصل
стр. 254
وكتاب الأصول ولفروع (مخطوط) وهو صورة مختصرة من الفصل. وفي المنطق: كتاب التقريب، وفي الأنساب والأخبار: كتاب الجمهرة وجوامع السيرة، وفي الأدب: طوق الحمامة وقطعة من ديوانه. كما وصلتنا له رسائل كثيرة من أهمها رسالته في مراتب العلوم ورسالة في مداواة النفوس ورسالة في فصل الأندلس ورسالة التلخيص لوجوه التخليص وغيرها.
شخصيته وأخلاقه:
كان ابن حزم ذكيا سريع الحفظ واسع الاطلاع متفانيا في طلب العلم ونشره. وكان في شخصه متواضعا عاملا بعلمه زاهدا في الدنيا متدينا كريم النفس، وقد اتهمه ابن حيان بأنه يجهل " سياسة العلم " لحدة فيه وشدة عارضته في الرد على الخصوم، وعدم الاعتماد على التلميح والتعريض والأناة في التوجيه، وربما كان بعض ما يشوب هجماته من مرارة راجعا إلى فيض عاطفي أصيل احتبسه التدين في نفسه، حتى أننا لنسمعه يقول: أن من مات في ساعة الوداع في ساعة الوداع كان معذورا (١) ، ولما نعي إليه من يحب فر إلى المقابر. ولما ماتت جارية كان يحبها مكث اشهرا والحزن عليه غالب، وصرح بظمأ دائم إلى الألفة والمحبة فقال انه لم يرو من ماء الوصل قط. هذا إلى أن تربيته الأولى بين الجواري قد غرست في نفسه سوء الظن بالعلاقات بين الرجال والنساء وع غيرة شديدة وجدت في طبعه. وكان أصدقاؤه يتهمونه بأنه مذل بالأسرار لا يكاد يحفظ سرا، غير ان ذلك لم ينقض فيه خلتين لازمتاه طوال حياته وهما: الوفاء وعزة النفس، وهذه الثانية هي التي منحته صلابة عجيبة في مواقفه من الآراء ومن حكام عصره. وقد طبع كذلك على التأني والتربص
стр. 255
وعلى حب المسالمة وعدم التعرض لأذى أحد من جل أدنى معرفة ناشئة. غير ان علاقاته لم تكن لتقوم إلا بعد التجربة الطويلة ولا تصح محبته إلا بعد التمادي في الأنس فما دخل عسيرا لم يخرج يسيرا (١) . وكانت الشقرة في الجمال اكثر تأثيرا من غيرها في نفسه.
وقد تعاورت عليه علل غيرت من قواه الجسمانية، أصيب مرة بعلة أفقدته ما كان يحفظ وما عاوده حفظه إلا بعد أعوام، وكان يكثر أكل الكندر مقاومة لما أصابه من خفقان القلب وهو يعزو إلى ذلك جمود دمعه في اشد المواقف العاطفية. وأصيب مرة بالرمد، ومرة بمرض ولد عليه ربوا في الطحال وهو يقول ان ذلك استلب منه الشعور بالفرح والبهجة وأورثه الضجر والضيق وقلة الصبر (٢) . وهذا يفصح عن سبب المرارة وحدة الخطاب في مناظراته ومجادلاته لمخالفيه.
وعلى شدة ضعفه أما الجمال فانه لم يتورط في المحرمات حتى قال، " يعلم الله أني بريء الساحة سليم الأديم صحيح البشرة نقي الحجزة. واني اقسم بالله اجل الأقسام ما حللت مئزري على فرج حرام قط " (٣) .
وكان يرى ان استكمال الظرف إنما يتم لمن تختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة ابن زريق (٤) .
وزعم أبو الخطاب ابن دحية ان ابن حزم برص من أكل اللبان وأصابته زمانة.
وعلى الجملة فان رسم صورة كاملة لشخصية ابن حزم مما تضيق عنه هذه الترجمة، فقد كان نسيج وحده فيمن أنجبتهم الأندلس.
стр. 256
شعره:
كان يقول الشعر بسرعة على البديهة ولذلك كثر شعره، وجمعه تلميذه الحميدي على حروف المعجم. ولم يصلنا منه إلا قطعة صغيرة وإلا اشعاره في الطوق وبعض متفرقات منه في شرح الشريشي على المقامات وفي الغيث المنسجم للصفدي وما اشبه، وفي الكتب التي اوردت له ترجمة. وقد رأى له ابن الابار شعرا في رثاء أبي محمد جابر المعروف بالعطار وكان محدثا على مذهب أهل الظاهر (١) . وبعض شعره قاله قبل بلوغ الحلم، وأكثر ما نظمه دون العشرين إنما كان تغزلا ثم رثاء لجاريته " نعم " التي فقدها فحزن على فقدها. وكان إخوانه يسومونه القول في ما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم فيقول ما يناسب حالهم ومقصودهم، وكان أحيانا يصنع الشعر بتكليف فقد كلفته إحدى كرائم المظفر ان يصنع لها اغنية لتلحنها ففعل (٢) . ولم يكن له وقت معين لقول الشعر فأحيانا يقول شعرا وهو نائم ويختار أحيانا أخرى ان ينظم بع صلاة الصبح (٣) ، وكان بينه وبين ابن عمه أبي المغيرة مراسلات بالشعر وبينه وبين ابن شهيد مقارضات شعرية أيضا، وله مدح في هشام المعتد (٤) .
وقد حال بين ابن حزم وبين التجويد الشعري أمور كثيرة منها:
١ - كثاره من القول على البديهة.
٢ - دم إيمانه بقيمة الشعر في باب العلوم المقربة من الله تعالى.
٣ - دم تدقيقه في اختيار الألفاظ ذات الموقع الجميل في النفس.
стр. 257
٤ - اعتقاده أن الشعر ميدان يصلح لكل موضوع.
٥ - استبحاره في الفقه والجدل والحديث وغلبة طرائقه في هذه العلوم على الشعر.
ولذلك قل التعبير الجميل في شعره، وإن كان شعرا زاخرا بالمعاني، وكثرت المؤثرات الثقافية والإشارات إلى العلوم والعقائد والتعليلات والبناء الجدلي وأثر الفقه الظاهري واستعمال الألفاظ المتصلة بكل ذلك، فمن أمثلة ذلك قوله:
كذب المدعي هوى اثنين حتما ... مثلما في الأصول أكذب ماني وقوله:
فآثرت أن يبقى وداد وينمحي ... مداد فان الفرع الأصل تابع وقوله:
فهم أبدا في اختلاع الشكوك ... بظن كقطع وقطع كظن ويلجأ إلى التقسيم والتفريع على نحو يذكر بابن الرومي في قوله:
معهود أخلاقك قسمان ... والدهر فيك اليوم صنفان
فانك النعمان فيما مضى ... وكان للنعمان يومان
يوم نعيم فيه سعد الورى ... ويوم بأساء وعدوان
فيوم نعماك لغيري ويومي ... منك ذو بؤس وهجران
أليس حبي لك مستأهلا ... لأن تجازيه بإحسان ويغمض أحيانا كأنما يضع أمامنا قضية فلسفية في مثل قوله:
أليس يحيط الروح فينا بكل ما ... دنا وتناءى وهو في حجب الصدر
كذا الدهر جسم وهو في الدهر روحه ... محيط بما فيه وان شئت فاستقر ولا يفتأ يرسل التلميحات ويشقق المعاني منها، ومن أبرز ذلك قوله:
فكل تراب واقع فيه رجله ... فذاك صعيد طيب ليس يجحد
كذلك فعل السامري وقد بدا ... لعينيه من جبريل إثر ممجد
стр. 258
فصير جوف العجل من ذلك الثرى ... فقام له منه خوار ممدد وتمتليء بعض قصائده بالحكمة وبعضها يتجه إلى تمجيد الزهد، وبعضها في تسبيح الله وتمجيده واثبات حدوث العالم كالقصيدة التي مطلعها:
لك الحمد يا رب والشكر ثم ... لك الحمد ما باح بالشكر فم وشهرت بين الأندلسيين قصيدته التي قالها في الرد على قصيدة شاعر نقفور، وبعض قصائده تعليم خالص في الحث على طلب الحديث وفي نظم بعض الآراء الفلسفية، وله قصيدة يعارض بها قصيدة ابن زريق البغدادي لإعجابه بها.
وأحفل شعره بالعناصر الشعرية الصحيحة هي القصائد الذاتية التي ينافح بها عن موقفه ويدافع عن غاياته ويذكر تكالب الناس على إيذائه والحط من قدره، لأنها قائمة على القوة والجزالة والحدة وليست معرضا للتفنن في الرأي وإبراز المعاني من حجبها، من ذلك قصيدته التي يقول فيها:
أما لهم شغل عني فيشغلهم ... أو كلهم بي مشغول ومرتهن
كأن ذكري تسبيح به أمروا ... فليس يغفل عني منهم لسن
ان غبت عن لحظهم هاجوا بغيظهم ... حتى إذا ما رأوني طالعا سكنوا وأقوى ما وردنا في هذا الباب من شعره قصيدته البائية التي خاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن بن احمد بن بشر وفيها (١) :
أنا الشمس في جو العلوم منيرة ... ولكن عيبي أن مطلعي الغرب
ولو أنني من جانب الشرق طالع ... لجد على ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو اكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب
فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب
стр. 259
فكم قائل أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب
هنالك يدرى ان للعبد قصة ... وان كساد العلم آفته القرب وفي هذه الأبيات تبدو حسرة أبي محمد على إنكار أهل الأندلس لفضله، وتوقعه الرحلة إلى العراق، وهي أماني جاشت في نفسه في لحظة ثم صرفته الأيام عن كل ذلك.
وفي شعر أبي محمد جانب دقيق نسميه " الجانب الباطني " كان يهرب إليه أحيانا من قسوة الظاهر وحدة صلابته، وينقل إليه معاني التنزيه والتوحيد ويتأول الأشياء على غير ظاهرها، حتى كان بعض أصدقائه يسمي قصيدة له " الإدراك المتوهم " وهي التي يقول فيها:
ترى كل ضد به قائما ... فكيف تحد اختلاف المعاني
فيا أيها الجسم لا ذا الجهات ... ويا عرضا ثابتا غير فان
نقضت علينا وجوه الكلام ... فما هو مذ لحت بالمستبان وتجده؟ وهو المتمسك بأشد ألوان التنزيه - يقول:
أمن عالم الأملاك أنت أم انسي ... أبن لي فقد أزرى بتمييزي العي
أرى هيئة إنسية غير أنه ... أذا أعمل التفكير فالجرم علوي
ولا شك عندي انك الروح ساقه ... إلينا مثال في النفوس اتصالي
ولولا وقوع العين في الكون لم نقل ... سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي فهو في كل هذا المنزع يذهب إلى التجريد المحض كقوله أيضاً:
كأنما هو توحيد تضيق به ... نفس الكفور فتأبى حين تودعه ومن تأمل هذا اللون من الشعر في موضوع الحب خاصة وجد ان ابن حزم الظاهري المتشدد قد بلغ فيه مشارف التصوف " الباطني "، وكأنما كانت نفسه تأنس بهذه الروحانية الغيبية كلما وجدت قلقا من التشدد في الأخذ بالظاهر، وهو في هذا الجانب الواهم متأثر بطريقة
стр. 260
النظام، إلا ان هذا اللون ليس أكثر شعره.
ولقد يشق علينا ان نعرف التيارات الشعرية التي أثرت في ابن حزم لان حفظه لشعر المشارقة والأندلسيين لا يكاد يحصر، وهو معجب بشعراء مختلفي الطرق والاتجاهات الشعرية، وهو أيضاً حصيف في النقد عارف بجيد الشعر مميز له، ولكن المرء رهن بظروفه وقد كان ابن حزم في ظروف تبعد به الشعر ولا تهيئ له تجويده أو الانقطاع المتفرغ له.
стр. 261
النثر الأندلسي
في هذا العصر
стр. 262
فراغ
стр. 263
النثر الأندلسي في هذا العصر
كانت لفظة الكاتب في الأندلس تطلق على طبقتين من الناس: كتاب الرسائل وكتاب الزمام. أما كاتب الرسائل " فله حظ في القلوب والعيون عند أهل الأندلس وأشرف أسمائه الكاتب وبهذه السمة يخصه من يعظمه في رسالة، وأهل الأندلس كثيرو الانتقاد على صاحب هذه السمة، لا يكادون يغفلون عن عثراته لحظة، فان كان ناقصا عن درجات الكمال لم ينفعه جاهه ولا مكانه من سلطانه من تسلط الألسن في المحافل والطعن عليه وعلى صاحبه ". وأما كاتب الزمام فهو المسئول عن شئون الخراج (١) . وهذا الكلام عن الكتابة ينطبق على عهد متأخر ولكن الحال ربما لم يختلف كثيرا عن ذلك في عهد بني أمية.
وهناك أيضاً من يسمى الكاتب الخاص، ولدى كل أمير مثل هذا الكاتب كما ان هيئة الكتابة عامة يطلق عليها " الكتابة العليا " (٢) .
وجودة الخط أمر مشترك بين كتاب الإنشاء وكتاب الزمام، وكان المنصور بن أبي عامر يتشدد في النص على جودة الخط حتى لقد أصدر عهدا يوبخ فيه العمال لاستكتابهم الجهلة الذين لم يبلغوا ان يحكموا الخط ويميزوا أنواع الرق والمداد، وهدد المنصور بان من كتب كتاب اعتراض
стр. 264
أو عمل في رق ردي أو بمداد دني أو خط خفي فيه لحن أو بشر فانه معزول ومطالبه باطلة وسيغرم المال الذي ذكره في ذلك القنداق (١) ، وهذا التشدد يوحي بالخوف من الخطأ والبشر في المسائل الخراجية.
وهكذا فان من يلحقهم اسم كاتب في هذا العصر كثيرون جدا، ولكن الكتابة الإنشائية الفنية المستقلة غير واضحة إلا في أواخر هذا العصر لان الكتابة الديوانية قد غلبت عليها، وكان هذا النوع من الكتابة هو ميدان فرسان البلاغة حينئذ. وكم نسمع ان هذا أو ذاك كاتب بليغ مثل يوسف بن سليمان الكاتب فانه كاتبا بليغا عالما بحدود الكتابة بصيرا بأعمالها (٢) والرازي كان كاتبا بليغا (٣) وأبو عبد الله محمد بن عبد الرؤوف كان بليغا مترسلا (٤) ، ولكنا لا نملك شواهد ذلك كله، فقد ضاعت الكتب التي الفت في كتاب تلك الفترة مثل: طبقات الكتاب بالأندلس للافشتين كتاب آخر لسكن بن سعيد وكتاب ثالث لعبيديس الجياني بعنوان " اللفظ المختلس من بلاغة الكتاب بالأندلس " وكلها الفت في دور مبكر. ولذلك خفيت علينا صورة الكتابة الاخوانية والرسائل المستقلة فيما خلا خبرا عن رسالة لابن الجرز ألفها في مناقصة رسالة اليتيمة لعبد الله بن المقفع (٥) ، غير ان وجود مثل هذه الكتب التي تعرض للكتاب والكتابة الأندلسية يدل على اهتمام بالكتابة وتقدير لها وربما دل أيضا على وفرتها.
وتدل الكتابة الرسمية في هذه المرحلة على تفصيل الإيجاز والقصد في التعبير وإيثار المعنى، وأصحاب التوقيعات المقتضبة هم المشهود لهم
стр. 265
بالبلاغة في هذا الشأن، وفضل الكتابة كلما انتحلت طبيعة التوقيعات. ومن أقدم نماذج هذا النوع ما أملاه عبد الرحمن الأول إلى سليمان بن الاعرابي: " أما بعد فدعني من معاريض المعاذير والتعسف عن جادة الطريق، لتمدن يدا إلى الطاعة والاعتصام بحبل الجماعة أو لالقين بنانها على رضف المعصية نكالا بما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد " (١) . وهذه صورة إنشائية ذات حظ كبير من الفصاحة والقوة، وهي لا تفترق عن بعض أنواع الإنشاء في العصر الأموي بالمشرق. وهذا نموذج آخر كتبه أمية بن زيد كاتب عبد الرحمن إلى بعض عماله يستقصره فيما فرط من عمله: " اما بعد فان يكن التقصير لك مقدما فعند الاكتفاء يكون لك مؤخرا، وقد علمت بما قدمت، فاعتمد على أيهما احببت " (٢) .
وقد اقتضت مثل هذه المناسبات هذا الإيجاز والإيماء والقصد في القول والحدة في الخطاب، غير ان ذلك لم يكن سمة عامة الإنشاء، وفي العهد الذي أصدره الناصر عندما رغب في ان يلقب بالخلافة جانب من التطويل وشيء من الازدواج دون ان تدخله صنعة مقصودة (٣) . وهذا ما نجده أيضاً في كتاب أنشأه الحكم لما كان وليا للعهد بأمر من أبيه إلى المشاور أبي إبراهيم حين تخلف عن حضور الإعذار الذي صنعه الناصر لأولاده، وقد جاء فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم؟ حفظك الله وتولاك وسددك ورعاك - لما امتحن امير المؤمنين، مولاي وسيدي؟ ابقاه الله - الأولياء الذين يستعد بهم وجدك متقدما في الولاية متأخرا عن الصلة. على انه قد أنذرك، أبقاه الله، خصوصا للمشاركة في السرور الذي كان عنده، لا اعدمه الله توالي المسرة، ثم أنذرت من قبل إبلاغا في التكرمة، فكان منك على ذلك كله من التخلف ما
стр. 266
ضاقت عليك فيه المعذرة، واستبلغ أمير المؤمنين في إنكاره ومعاتبتك عليه فأعيت عليه عنك الحجة، فعرفني أكرمك الله ما العذر الذي أوجب توقفك؟ " فرد أبو إبراهيم بقوله: " قرأت أبقى الله الأمير سيدي هذا الكتاب وفهمته ولم يكن توقفي لنفسي، إنما كان لأمير المؤمنين سيدنا، أبقى الله سلكانه، لعلمي بمذهبه وسكوني إلى تقواه واقتفائه لأثر أسلافه رضوان الله عليهم فانهم يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنونها بما يشينها ولا بما يغض منها ويطرق إلى تنقيصها، يستعدون بها لدينهم ويتزينون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من فصادهم فلهذا تختلف ولعلمي بمذهبه توقفت ان شاء الله تعالى " (١) .
وكلتا الرسالتين في غاية البساطة والبعد عن التعمل، وقد ظل أمر الكتابة بسيطا لا تحلية فيه حتى أواخر أيام المستنصر وكان السجع يجيء في الرسائل عفوا دون تعمد، حتى مقدمات الكتب كمقدمة قضاة قرطبة للخشني ظلت عارية من السجع إلا فيما ندر. ومن الشاذ في انتحال بعض السجع حينئذ رسالة ليزيد بن طلحة (في خلافة الأمير عبد الله) كتبها إلى أهل قرمونة يحضهم فيها على الطاعة، ومنها: " ان احق ما رجع إليه الغالون وألحق به التالون وآثره المؤمنون وتعاطاه بينهم المسلمون مما ساء وسر ونفع وضر ما اصبح به الشمل ملتئما والأمر منتظما والسيف مغمودا ورواق الأمن ممدودا " (٢) ثم تستمر الرسالة بعد ذلك دون سجع.
تلك هي المرحلة الأولى من الكتابة في هذا العصر. أما المرحلة الثانية فتشغل عهد الدولة العامرية وفترة الفتنة وفيها ظهر أكابر الكتاب الناثرين ومنهم:
стр. 267
١ - ابن برد الأكبر
٢ - عبد الملك بن إدريس الجزيري
٣ - ابن دراج القسطلي
٤ - ابن شهيد
٥ - ٦ - ابنا حزم
٧ - الحناط
٨ - ابن حيان المؤرخ
٩ - ابن زيدون.
وتمتاز هذه المرحلة عن سابقتها بمميزات كثيرة منها تغير المؤثرات التي اخذ يتلقاها هؤلاء الكتاب، إذ تغيرت النماذج المشرقية التي يحتذونها وأصبحت طريقة سهل بن هارون والجاحظ أولا ثم طريقة بديع الزمان ثانيا هما النموذج الأعلى للمنشئين بالأندلس. ومنها احتفال الأندلسيين بالآثار الكتابية وإقبالهم عليها فكان لبعض الرسائل بينهم شهرة خاصة كرسالة ألفها بعضهم فاشتهرت عند أهل الثغر لبلاغتها (١) ورسائل لابن دراج كان الناس يتناقلونها ويعجبون بها (٢) . وتمتاز هذه المرحلة أيضاً بالثورة على التقصير في الكتابة، ويمثل هذه الثورة قول والد الفقيه ابن حزم؟ وهو من الكتاب الوزراء المقدمين في الدولة العامرية وكانت له في البلاغة يد قوية -: " اني لأعجب ممن يلحن في مخاطبة أو يجيء بلفظة قلقة في مكاتبة لأنه ينبغي له إذا شك في شيء ان يتركه ويطلب غيره فالكلام أوسع من هذا " (٣) ، وتبلغ هذه الثورة ذروتها عند ابن شهيد ضد المعلمين وعجزهم عن تعليم البيان، بل هو يعيب الأندلسيين عامة لتقصيرهم في شئون البلاغة وكلامه صادر عن العجب ولكن فيه دلالة على ما كان
стр. 268
يطمح إليه من رفعة لشأن الكتابة.
وأكبر ما يميز الكتابة في هذه المرحلة تمييز أصولها وطرائقها وأساليبها وهذا راجع إلى قوة حركة النقد التي وصفناها من قبل، فلم يكن اخذ طرق المشارقة تقليدا فحسي، بل كان مبنيا على فهم لتنوع الأساليب النثرية وإدراك مميزاتها، وقد كان ابن حزم ذا نظر ثاقب في نقد الأساليب وتمييز المذاهب النثرية، كما ان لابن شهيد في هذا الباب بصيرة الناقد الحصيف إذ يقول: " ألا ترى أن الزمان لما دار كيف أحال بعض الرسم الأول في هذا الفن إلى طريقة عبد الحميد وابن المقفع وسهل ابن هارون وغيرهم من أهل البيان؟ ثم دار الزمان دورانا فكانت إحالة أخرى إلى طريقة إبراهيم بن العباس ومحمد بن الزيات وابني وهب؟ ثم دار الزمان فاعترى أهله بالطائف صلف، وبرقة الكلام كلف فكانت إحالة أخرى إلى طريقة البديع وشمس المعالي وأصحابهما " (١) . ويفاضل ابن شهيد بين سهل والجاحظ فيذهب إلى ان سهلا عالم والجاحظ كاتب وانهما إذا ذكر ميدان الكتابة مختلفا الطريقة وكلاهما محسن في بابه (٢) . ولا نزال نسمع من يفضل الإيجاز على الإطالة مثل ابن الحناط الذي يقول: " الإسهاب كلفة والإيجاز حكمة وخواطر الألباب سهام يصاب بها اغراض الكلام " (٣) .
وفي هذه المرحلة يستقل النثر الفني في بعض أحواله عن الكتابة الديوانية، ويتخذ له موضوعات من الحياة تشبه الموضوعات التي يدور حولها الشعر وبخاصة الوصف، وأصبح يعتمد الخيال كما في رسائل ابن شهيد وبعض رسائل ابن الأصغر كرسالة بين السيف والقلم. ويبرز كذلك التنوع في الأساليب بحيث يمكن لقارئ النماذج النثرية أن
стр. 269
يفرد لابن دراج ولابن شهيد ولابن زيدون خصائص اسلوبية واضحة.
وفي طليعة هذه الطبقة من الناثرين يقف ابن الجزيري وابن برد الأكبر وابن دراج وهم المتأثرون بإنشاء ابن المقفع وسهل بن هارون والجاحظ، وهم متقاربون في طبيعة الأسلوب بعض التقارب، إلا ان ابن دراج اختط لنفسه طريقة حددها ابن حزم بقوله: " وقد كان احدث ابن دراج عندنا نوعا من البلاغة ما بين الخطب والرسائل " (١) ، وهذا أدق حكم على أسلوب ابن دراج فكأن هذا الكاتب قد مزج الموروث الأندلسي النثر بين بلاغة منذر بن سعيد البلوطي في خطبه وبين أعلى صور الرسائل الأندلسية ومسح كل ذلك ببعض التأثير المشرقي في الصنعة، فكان في أسلوبه خارجا عن المألوف العام من الأساليب في الأندلس وكان يتردد بين السجع والازدواج، ومن امثلة نثره قوله: " يا سيدي ومن أبقاه الله كوكب سعد في سماء مجد، وطائر يمن في أفناء أمن، مرجوا لدفع الأسواء مؤملا في اللأواء، وكنت قد نشأت في معقل من الأمن والوفر، محدقا بسور من الأمن والستر، حتى أرسل الي سلطان الفقر رسولا من نوب الدهر يريد استنزالي إليه وخضوعي بين يديه.. " (٢) .
والفرق بين ابن دراج والجزيري هو ما ينتجه التباعد بين الروية والسرعة، فقد كان ابن دراج مرويا لا ينشيء إلا بعد الجهد والكد، وكان الجزيري على عكس ذلك، وشاهد هذا قول الحميدي: " ان ابن أبي عامر لما فتح شنت ياقب أو غيرها استدعى كاتبيه هذين وأمر بإنشاء كتب الفتح إلى الحضرة فأما ابن الجزيري فقال سمعا وطاعة، وأما ابن دراج فقال: لا يتم لي ذلك في أقل من يومين أو ثلاثة، وكان معروفا بالتنقيح والتجويد والتؤدة " (٣) . ويستطيع القارئ ان يقارن بسهولة بين ما مر من أسلوب
стр. 270
ابن دراج وبين قول الجزيري في كتاب كتبه عن المنصور يعاقب فيه جنده لنكوصهم عن المحاربة في بعض غزواته: " وكثيرا ما فرط من قولكم أنكم تجهلون قتال المعاقل والحصون وتشتاقون ملاقاة الفحول، فحين جاءكم شانجه Sancho بالأمنية وقاتلكم بالشريطة أنطرتم ما عرفتم ونافرتم ما ألفتم حتى فررتم فرار اليعافير من آساد الغيل وأجفلتم إجفال الرئال من المقتنصين، ولولا رجال منكم رحضوا عنكم العار وحرروا رقابكم من الذل لبرئت من جماعتكم وشملت بالموجدة كافتكم " (١) . وهذا الأسلوب في رأيي أليق بالمقام، ولكن التنوق في الكتابة غلب حتى على الرسائل الديوانية، وابتليت الكتابة الأندلسية بشدة الزخرف بعد هذا العصر حتى أصبح التعبد للمحسنات أمرا بارزا. ويقف ابن برد وسطا بين هذين الكاتبين في اسلوبه فليس لديه استرسال الجزيري ولا حوك ابن دراج وإنما لديه تعمل وازدواج، وما وصلنا من رسائله فكله من نماذج الرسائل الديوانية (٢) .
وجاءت بعد هؤلاء طبقه ابن شهيد ومن أدرك زمان الفتنة وحضر جانبا من العصر التالي، وتميزت طرائق هؤلاء الكتاب، فكان ابن زيدون مكثرا من الاقتباسات والتلميحات والإشارات، يبني الرسالة؟ كالرسالة الهزلية - من محفوظه. وكان ابن حيان خير من يمثل النثر الأندلسي لاعتماده على نفسه في حوك العبارة وبنائها على الحدة والعنف وكثرة التعاطفات وترتيبها على نحو خاص والاغراب في الاشتقاقات. وظل ابن حزم الفقيه يعتمد البساطة في التعبير ويبعد عن الزينة اللفظية والسجع ولا يتهم بتطرية الأسلوب بل يرسله إرسالا دون التفات إلى حلاوة الجرس. أما ابن شهيد فلم يلتزم أسلوبا واحدا فهو حينا يحاكي عبد الحميد وحينا آخر يذكرنا بالجاحظ، غير انه شديد الإعجاب بطريقة البديع وكأنما
стр. 271
أنشأ رسالته في صفة البرد والنار والحطب ورسالته في الحلواء ليحاكي المقامات. وهو مفتون بقدرة البديع على الوصف، كما هي الحال في وصف الدينار، فهو يسرف في محاكاة هذا اللون كثيرا كقوله في الثعلب: " أدهى من عمرو، وأفتك من قائل حذيفة بن بدر، كثير الوقائع في المسلمين، مغرى باراقة دماء المؤذنين، إذا رأى فرصة انهزها، وإذا طلبته الكماة أعجزها، وهو مع ذلك بقراط في إدامة، وجالينوس في اعتدال طعامه، غذاؤه حمام أو دجاج، وعشاؤه تدرج أو دراج " (١) ومن هذه البابة وصف البرغوث ووصف الفالوذج وغير ذلك..
وقد أثر بديع الزمان أيضاً في نثر أبي المغيرة بن حزم فله رسالة يعارض فيها إحدى رسائل البديع (٢) . وأبو المغيرة من اسمح كتاب الأندلس طبعا في النثر، هذا على انه يقيد نفسه بالسجع في اكثر رسائله. ولا ريب في ان الرسائل المتبادلة بينه وبين ابن عمه الفقيه في أمر شجر بينهما إنما هي على حظ عال من البلاغة (٣) .
وأكثر هؤلاء الكتاب يوشحون رسائلهم بالشعر ويحلون فيها الأبيات، ويقتبسون الأمثال، كما أن أكثرهم يلحق بالعصر التالي، عصر ملوك الطوائف.
أهم الآثار النثرية في هذا العصر
اكثر الكتب التي تتصل بهذا العصر إنما هي في التراجم. فإذا الكتب الأدبية فأهمها ثلاثة: العقد لابن عبد ربه ورسالة التوابع والزوابع لابن شهيد وطوق الحمامة لابن حزم، فأما الأول فالصورة الأندلسية فيه باهتة
стр. 272
كما انه يقوم على الجمع، ويتبقى الكتابان الآخران وهما يستحقان منا وقفة في هذا المقام:
١ - رسالة التوابع والزوابع
اسمها أيضاً " شجرة الفكاهة "، ولم تصلنا كاملة وإنما وصلتنا منها مقتطفات أوردها ابن بسام في الذخيرة، وقد خاطب بها كاتبها صديقه أبا بكر بن حزم حينما تساءل معجبا ببلاغة صديقه: " كيف أوتي الحكم صبيا وهو بجذع الكلام فاساقط عليه رطبا جنيا ". وحاول ابن شهيد ان يعلل ذلك في مطلع الرسالة بأنه، وان كان قليل الاطلاع، ذو موهبة طبيعية. وسمى هذه الموهبة، كما كان قدماء العرب يسمون شياطين الشعر، جنيا تابعا له كان يلهمه ويثير القول على لسانه ويخدمه في كل حال ويعينه إذا ارتج عليه. وكانت " كلمة السر " بينهما ان ينشد:
والي زهير الحب يا عز إنه ... إذا ذكرته الذاكرات أتاها
إذا جرت الأفواه يوما بذكرها ... يخيل لي أني أقبل فاها
فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت ... أجارع من داري هوى لهواها فيحضر عندئذ صاحبه زهير بن نمير، وهو مثله أشجعي، ومعنى هذا أن كل قبيلة في الإنس لها ما يقابلها عند الجن، وهؤلاء الجن؟ حسب وصف ابن شهيد - ليسوا جميعا قباح الصور، بل هم ربما كانوا مخلوقين على حسب الصور التي يمثلونها من بني الإنس، ولذلك كان فيهم من هو على شكل لحمار والبغل والإوزة لان الإنس في طبائعهم هذه الأشكال نفسها. ولما تنقل هو في ارض الجن مصاحبا لزهير لقي التابعين للأموات كما لقي التابعين لبعض الأحياء. اما ارض الجن فانه يقول أنها ليست كأرضنا، وجوها ليس كجونا، ومع ذلك فانه لا يميزها بشيء خاص، بل نرى فيها أشجارا متفرعة وأزهارا عطرة وأكثر
стр. 273
مناطقها كذلك من حيث المناظر وليس فيها ما يفردها عن ديار الأنس، بل ان المشابهة بين كل شاعر وتابعه تجعل المشابهة متوفرة بين بيئتيهما، فهناك مثلا ذات الاكيراح في دار الإنس وهناك واحدة مثلها في ديار الجن.
ولما سأله زهير بمن يريد ان يبدأ عند زيارة تلك الديار أجاب بان الخطباء أولى بالتقديم ولكنه إلى الشعراء أشوق، وهذا حكم عجيب يدل على أن الخطباء في رأي ابن شهيد الناقد مقدمون على الشعراء وكلمة " الخطباء " هذه تعني الناثرين لأنه حين يتقدم للقاء من يسميهم الخطباء يلقى تابعي عبد الحميد وابن المقفع والجاحظ وبديع الزمان.
وقد لقي من الشعراء صاحب امرئ القيس وطرفة بن الخطيم. أما امرؤ القيس؟ أو صاحبه - فظهر على فرس شقراء كأنها تلتهب، وأما صاحب طرفة فانه كان عند منظر طبيعي متميز: " وركضنا حتى انتهينا إلى غيضة شجرها شجران: سام يفوح بهارا وشجر يعبق هنديا وغارا، فرأينا عينا معينة تسيل ويدور ماؤها فلكيا ولا يحول.. فبدا الينا راكب جميل الوجه قد توشح السيف واشتمل عليه كساء خز وبيده خطي ". ويرسم ابن شهيد لكل شاعر صورة حسبما تخيله أو تأثر به من شعره.
وقد اكتفى بمقابلة ثلاثة من شعراء الجاهلية وانتقل من بعدهم إلى لقاء المحدثين ولم يأبه بالوقوف على واحد من شعراء صدر الإسلام والدولة الأموية وأغلب الظن انه لا يقابل إلا من تربطهم به رابطة من محاكاة أو معارضة. وبدأ من المحدثين بأبي تمام فصوره صورة عجيبة حين جعل صاحبه يسكن تحت الماء، وانه إنما يفعل ذلك حياء من التحسن باسم الشعر وهو لا يحسنه، وهذا حكم عجيب. وقد زعم ابن شهيد أن أبا تمام اشتنشده فلم ينشده إجلالا، ثم أنشده فأكثر، وأوصاه أبو تمام وصية جيدة، كما كان يوصي تلميذه البحتري ذات يوم، فقال: " فإذا دعتك
стр. 274
نفسك إلى القول فلا تكد قريحتك فإذا أكملت فجمام ثلاثة لا أقل ونقح بعد ذلك ". وأيضا من العجيب أن تصدر مثل الوصية عن أبي تمام، وشعره يقوم على كد القريحة والتحيل عليها بشتى الوسائل. وفي مقابلته للبحتري نرى هذا الشاعر وقد امتلأ حسدا لابن شهيد، وهي إشارة إلى ان الشاعر الأندلسي تفوق على " أبي الطبع " المشرقي. أما الصورة التي وجد عليها أبا نواس فهي مشتقة من شعره، وتمثل بيئة مسيحية فيها النواقيس والرهابين والكنائس والأديرة والحانات وأبو نواس سكران منذ أيام عشرة " ونزلنا وجاءوا بنا إلى بيت قد اصطفت دنانه وعكفت غزلانه وفي فرجته شيخ طويل الوجه والسبلة قد افترش أضغاث زهر واتكأ على زق خمر وبيده طرجهارة وحواليه صبية كأظب تعطو إلى عرارة ". وقد نوع ابن شهيد الإنشاء أمام أبي نواس فأنشده خمرية ومرثية في ابنته ومرثية في ابن ذكوان وقصيدة من قصائد السجن وقطعة مجونية، وأقر له عند سماع المجونية بقوله " هذا والله شيء لم نلهمه نحن ". وأخيرا انتهى من الشعراء إلى أبي الطيب " وهو صاحب قنص؟ فارس على فرس بيضاء كأنه قضيب على كثيب وبيده قناة قد اسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامة حمراء قد أرخى لها عذبة صفراء "، واتهمه أبو الطيب بأنه يستعير من غيره " يتأول "، وأكبر أبا الطيب ان ينشده واخذ هو يعرض عليه شعره فتنبأ له أبو الطيب بأنه ستتفجر عبقريته ولكنه سيموت مبكرا. ويجدر بنا ان نتأمل موقفه أمام كل واحد من هؤلاء الشعراء وكيف أقروا له ومنهم الجاهلي والمحدث، وكيف أنشدهم هو شعرا من معارضاته وشعرا مستقلا غير مبني على المعارضة.
وإذا كان قد مر بالشعراء واحدا اثر واحد، كل في بيئته الخاصة وعلى هيئته التي تصورها؟ وفي هذ١ ما فيه من حركة تخليلية - فانه لقي من يسميهم الخطباء مجتمعين في مرج واحد سماه " مرج دهمان ". وقد
стр. 275
بدأه صاحب الجاحظ بأن كلامه النثري نظم لأنه مغرى بالسجع فاعتذر عن ذلك بانه لا يجهل فضل المماثلة والمقابلة، ولكنه عدم ببلده فرسان الكلام، وهنا تصدى للنثر الأندلسي والناثرين فعابهم جملة وذكر ان كلامهم ليس لسيبويه فيه عمل ولا للفراهيدي إليه طريق ولا للبيان عليه سمة إنما هي لكنة أعجمية يؤدون بها المعاني تأدية المجوس والنبط. وقد رد على صاحب الجاحظ بكلام فيه مماثلة؟ أي على طريقة الجاحظ - فتنبه لذلك صاحب عبد الحميد ورماه بالتقصير لو أطال، فرد عليه بكلام ماثل به طريقة عبد الحميد أيضاً وقرأ لهم رسالته في الحلواء على طريقة البديع فاستحسنا سجعه فيها.
وبعد ان جاز الامتحان بنجاح امام صاحب عبد الحميد وصاحب الجاحظ انتقل يوميء إلى معاصريه الذين يعيبونه فعد منهم ثلاثة أشدهم عليه أبو القاسم ابن الافليلي، فاستدعى جنيه إلى الحضرة ورسم له صورة كاريكاتيرية: " جني أشمط ربعة وارم الأنف يتظالع في مشيته كاسرا بطرفه وزاويا لأنفه ". وهنا يعرض علينا ما كان بينه وبين الافليلي من خصومه إذ يتهمه ابن الافليلي بقلة الاطلاع ويريد مناظرته في كتاب سيبويه وشرح ابن درستويه فيسخر ابن شهيد من هذه الكتب. فيتصدى له ابن الافليلي زاعما انه أبو البيان أي الصفة التي يدعيها الشهيدي لنفسه، فيفهمه ابن شهيد ان البيان شيء لا يعلمه المؤدبون وانما يعلمه الله الناس وانه لن يكون ذا شأن في البيان إلا حتى يقول نثرا مثل وصف ابن شهيد للبرغوث والثعلب.
ثم يعرض له صاحب بديع الزمان فيقترح عليه ممتحنا ان يصف جارية فيصفها، ويطلب إليه ابن شهيد ان يسمعه البديع وصفه للماء فيقول البديع متحديا: ذاك من العقم (أي يعجز عنه ابن شهيد) فيثور ابن شهيد ويولد للماء وصفا جديدا فيغتاظ صاحب البديع، ويضرب الأرض برجله فتنفرج عن هوة واسعة يتدهدى فيها حتى يغيب
стр. 276
أثره. ويستمر هو في تحدي ابن الافليلي بالشعر بعد النثر فتظهر عليه الكآبة. ويحاول بعض الجن ان يصلح بينهما فيلج ابن شهيد ويزعم ان ابن الافليلي يتعقبه كثيرا ويجعله موضعا للتندر في مجالس الطلب. وأخيرا يقول له صاحب الجاحظ وصاحب عبد الحميد انهما في حيرة من أمره، أيعدانه شاعرا أم خطيبا ثم يجيزانه بأنه شاعر خطيب، ويزدهي أبو عامر حتى يقول في هذا الموقف: " وانفض الجمع والابصار الي ناظرة والأعناق نحوي مائلة ".
ذلك هو القسم الأول الذي وصلنا من هذه الرسالة، وغاية أبي عامر فيه ان يعرض محاسن شعره ونثره مقيسة إلى روائع بعض الجاهليين والمحدثين وكبار الناثرين حتى بديع الزمان، وان يبرز هنالك تميزه على أهل بلده، ويكيد ابن الافليلي الذي كان التهكم به غاية من غايات هذه الرسالة. وقد غفل ابن شهيد أثناء ذلك عن كثير من مقتضيات الحال، فلا نراه الا على ظهر فرسه يقابل هذا أو ذاك فلا هو يستريح ولا يشعر بشيء من الظمأ، ولا يدعى إلى طعام أو شرب (ولعل ديار الجن خالية منهما) وتتمثل له دنيا الجن على نحو ناقص لا تعمل فيه القوة الخيالية الخلافة، بل انه ليصدم أذواقنا بشدة إعجابه بنفسه وازدهائه كلما أنشد قريضا أو قرأ نثرا، وليس في هذا القسم أي شيء من شجرة الفكاهة.
أما القسم الثاني الذي احتفظ به ابن بسام فانه يدور أيضاً حول مشكلة اخذ المعنى الواحد وتداوله بين الشعراء، مثلما كانت المشكلة الأولى تدور حول المقارنة بين المعارضات. ويورد ابن شهيد أولا معنى تداوله كل من الأفوه والنابغة وأبي نواس وصريع وحبيب والمتنبي وذلك هو معنى ان الطير ترافق الممدوح لعلمها بانتصاره فتشبع من لحوم القتلى.
وتدور محاورة حول المفاضلة بين هؤلاء الشعراء في ذلك المعنى عينه، وهنا تتفق قريحة ابن شهيد فيتخذ لنفسه تابعا آخر؟ عدا زهير - يسميه فاتك بن الصقعب ثم يستعرض معنى آخر أورده امرؤ القيس في قوله:
стр. 277
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال وكيف حاول عمر بن أبي ربيعة فأخفق، وهنا يستمع ابن شهيد إلى نصيحة غالية تقول: " إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تركيبه وأرق حاشيته فاضرب عنه جملة وان لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن لتنشط طبيعتك وتقوى منتك ". ثم يقدم لنا نماذج من شعره جاذب بها المتنبي وهو معجب بكل ما صنع، ويسمعه شخص آخر من الجن فيسأله محقرا: " على من أخذت هذا الزمير؟ " ويتحداه بأمثلة أخرى من شعر أبي الطيب فيرد عليه ابن شهيد بقصائد له معارضا فإذا عرف الجني انه من أسرة أكثرها شعراء حلف ان لا يعرض له ابدا، وقل واضمحل. أما هذا الجني فاسمه فرعون بن الجون وهو تابع رجل كبير في قرطبة. وعند هذه المرحلة يبلغ إعجاب الشهيدي بنفسه ذروته، فمن قبل كان تلميذا للمتنبي يتهيب الإنشاد بين يديه، أما وقد غاب المتنبي فلم يعجبه ان يتعصب أحد من أهل بلده للمتنبي ويفضله عليه بل يرى في نفسه شاعرا لا يقع دون أبي الطيب في احسن معانيه وأسيرها. وإذا كان الشعر هو إجادة المعارضة وإجادة الأخذ فقد حاز ابن شهيد في المرتين قصب السبق، وظن أن ذلك يغنيه عن الإطالة بل ظن ان طريقه تلك هي الأصالة عينها، وبذلك ينتهي القسم الثاني.
وفي القسم الثالث؟ وهو ما تبقى من الرسالة - منظران أولهما مفاضلة بين شعرين لحمار وبغل من عشاق الجن، والثاني منظر إوزة تسمى العاقلة، والمنظران قائمان على التندر بشخصين معروفين عند أبي عامر مجهولين عندنا وهما من أهل بلده، أما في المنظر الأول فهناك بغلة ترضى بحكم أبي عامر في المفاضلة بين شعر البغل والحمار ثم تقترب لتعرفه بنفسها وتقول له: أنها بغلة أبي عيسى، وتسأله ماذا فعل الأحبة بعدي فيقول لها: " شب الغلمان وشاخ الفتيان وتنكرت الخلان ومن إخوانك من بلغ الإمارة وانتهى إلى الوزارة " ولا يخفى ما في هذا
стр. 278
الكلام من تهكم بطبقة من اللذات عرفها أبو عامر بقرطبة: وأما الإوزة فأنها أيضاً تابعة شيخ من شيوخ قرطبة وقد رمز له بالإوزة لأنها صغيرة الرأس مشهورة بالحمق محرومة من عقل الطبيعة وقد وصفها بالكبر وادعى انها اتهمته بأنه لا يحسن شيئا من النحو والغريب، ومرة أخرى نعود إلى مثل موقف ابن الافليلي إذ يطلب إليها ابن شهيد ان تحاوره فيما يحسنه من البيان لا فيما ليس يحسنه.
وفي هذه الرسالة كشف أبو عامر عن كثير من آرائه في النقد وصور الصراع بين الموهبة وسعة الاطلاع، وقدم خير ما يختاره من نظمه ونثره مبنيا في أكثره على المعارضة والأخذ ومزج كل ذلك بشيء من التخيل وقسط قليل من الفكاهة وكمية كبيرة من العجب والعنف.
٢ - طوق الحمامة
اجتمعت لهذا الكتاب فنون من العناصر ميزته بين غيره من الكتب الأندلسية، منها انه كتاب في الحب يكتبه فقيه من فقهاء الأندلس كان شديد العارضة في المدافعة عن الدين، وقد صرف حياته في المجادلات الفقهية العنيفة، فتخصيصه شيئا من وقته للحديث في هذا الموضوع مما يستوقف النظر. وقد كان يحس وهو يكتبه ان بعض المتعصبين سينكرون عليه تأليفه ويقولون انه خالف طريقته وتجافى عن وجهته فقال: وما أحل لأحد أن يظن في غير ما قصدته، قال الله " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ". وصرح انه لا يحب المراءاة ولا ان ينسك نسكا أعجميا. ومنها الطريقة التي أتبعها ابن حزم في هذا الكتاب، فقد ألف شيخه ابن داود الأصفهاني كتاب الزهرة وجمع فيه أشعار الحب وخلط ذلك بشيء من أشعاره الخاصة، أما حزم فقد تقدم أستاذه خطوات كثيرة، حقا نه استغل هذا الكتاب ليعرض فيه أشعاره الغزلية في مواقف متنوعة، كما فعل
стр. 279
صديقه ابن شهيد في التوابع والزوابع ولكن ذلك لم يكن هو غايته الأولى من الكتاب بل كانت غايته الكبرى هي رسم صورة واقعية من حياته هو ومن حياة الناس ببلده حول موضوع واحد هو " الحب "، مخفيا أسماء بعض الأشخاص حينا مصرعا بها في أحيان كثيرة، وهذه الناحية من الكتاب هي أقوى ما فيه، لأنها تضمنت اعترافاته الذاتية، وتجاربه وتجارب من حوله في شئون عاطفية، فكان ذلك من اجمل ما سجلته كتب التراجم العربية في هذا الباب، فالكتاب من بعض نواحيه " ترجمة ذاتية " تصور شجاعة صاحبها في الحديث عن نفسه وعن مجتمعه، كما تدل على نوع دقيق من الاستيطان النفسي، ومن دراسة عارضة لنفسيات الآخرين. ثم ان هذا الكتاب يحتوي نظرة في الحب تشبه ان تكون مفلسفة افلاطونية، وهي نوع من الحب العذري لم يكن كثير الشيوع في الشعر الأندلسي من قبل، فشرح الحب على هذه الطريقة حدث هام في الأدب الأندلسي جعل بعض الباحثين من المستشرقين يعقد الصلة بين هذه النظرة الأندلسية، وما طرأ من تغير على شعر الحب في أوربة في القرن الثاني عشر، والى كتاب طوق الحمامة يشير المشيرون حين يتحدثون عن هذا الأثر.
ولا نستطيع ان نعين بالضبط متى كتب ابن حزم كتاب الطوق، ولكنه ألفه فيما يبدو بعد خروجه من قرطبة بوقت غير طويل، إذ لا تزال حسرته على دياره ومعاهده التي خربها البربر حية قوية، كما انه يتحدث فيه عن مشاهداته في مدن الأندلس المختلفة، مما يدل على انه ربما بدأ بكتابته بعيد استقراره النهائي واعتزاله الحياة السياسية، وهذا لم يتم قبل سنة ٤١٩، ويفصح انه حين كتبه كان يسكن شاطبة وان كتابا لأحد أصدقائه وصلة من المرية، ثم جاءه صديقه زائرا وكلفه أن يصنف له رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأغراضه، فتكلف التأليف إرضاء لصديقه، وأخذ على نفسه ألا يقص قصص الأعراب
стр. 280
والمتقدمين " فسبيلهم غير سبيلنا وقد كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي مطية سواي ولا أتحلى بحلي مستعار ".
وقسم ابن حزم رسالته هذه على ثلاثين بابا:
عشرة منها في أصول الحب، كعلاماته والحب في النوم والحب بالوصف والحب من نظرة واحدة والتعريض بالقول والإشارة بالعين والمراسلة بالكتاب والسفير؟ وفي هذا الترتيب نلمح التدرج من أخف أصول الحب - كالحب في النوم - إلى أقواها صلة في الواقع، ثم كيف يتدرج من التعريض إلى الإشارة إلى المراسلة إلى السفارة.
إثنا عشر في اعراض الحب وصفاته محمودها ومذمومها؟ وهو يقرن كل صفة بما يناقضها فإذا تحدث عن كتمان السر شفعه بالحديث عن الكشف والإذاعة وإذا تحدث عن الطاعة ألحقها بالكلام في المخالفة وشفع الوفاء بالحديث عن الغدر وهكذا.
ستة أبواب في الآفات الداخلة على الحب وهي العاذل والرقيب والواشي؟ هؤلاء كلهم ذوات - ثم الهجر والبين والسلو - ومرة أخرى نجد هذا التدرج المتصاعد في تصوير هذه الآفات.
خاتمة في بابين تحدث فيهما عن قبح المعصية وعن فضل التعفف لكي يقرن الحب بروح التدين ويكون كلامه فيه داخلا في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالرسالة من حيث البناء، ولكن ابن حزم يوسع فيها من مدلول الحب، وفي معرض الاستشهاد يقص قصصا عن الصداقة مثلا، وقد يحكي في بعض الأحايين من الأدب المكشوف، وهي قليلة في الكتاب، ثم هو يبالغ في استطراف شعره، وربطه بالأحداث التي يقصها، وفي كثير من الأحيان لا يكون شعره إلا كلاما منظوما
стр. 281
فيصنع مقارنة غير ملائمة مع الحكايات المروية. ويتبسط أحياناً في الشرح والتفصيل حتى يخرج إلى تقرير أمور بديهية مستغنى عنها. ومع ذلك كله فان العيوب لا تغض كثيرا من قيمة الكتاب، وقد كتبه مؤلفه في أسلوب حي دون أن يلجأ إلى التزويق اللفظي أو التصنيع، ولو قارناه بالتوابع والزوابع لفضلناه لسهولة طبيعته، وجريان أسلوبه المسترسل، ولم نجد فيه جلبة لفظية، هذا إلى ما فيه من خصائص الكاتب المتأمل في الحياة والناس وهو شيء لا يحسنه امرؤ معجب بذاته مثل ابن شهيد.
стр. 282
فراغ
стр. 283
ملحقات
стр. 284
فراغ
стр. 285
- ١ -
أشعار للغزال مستخرجة من كتاب
بهجة المجالس لابن عبد البر
- ١
١ - وإن رجائي في الإياب اليكم ... وان أنا اظهرت العزاء قصير
٢ - وان كنت تبغين الوداع فبالغي ... فدونك أحوال؟ أرى - وشهور - ٢ -
١ - يعرف عقل المرء في أربع ... مشيته أولها والحرك
٢ - ونور عينيه وألفاظه ... بعد عليهن يدور الفلك - ٣ -
١ - إن الفتاة وإن بدا لك حبها ... فبقبلها داء عليك دفين
واذا ادعين هوى الكبير فانما ... هو للكبير خديعة وقرون
وإذا رأيت الشيخ يهوى كاعبا ... فعليه من درك القرون زبون - ٤ -
١ - أنا شيخ وقلت في الشيخ شيئا ... يعلمه كل أبله وذهين [كذا] ٢ - كل شيخ تراه يكثر من كسب الجواري فخذه لي بالقرون ...