← Адаб

Адаб · id 1017

بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

إحسان عباس

Полный текст (411 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحانات والمواخير شعورا بالراحة من عبء الفورات وحالات الكبت، وعززت شعوره بالاستقلال الذاتي وأضعفت من التردد والخجل اللذين كانا يقعدان به عن مواجهة أية فتاة بحقيقة ما في نفسه. ولكن هذه التجربة الجديدة كانت في كل مرة تنتهي إلى اشمئزاز لا بد منه، وثار الريفي المستكن في اهابه على هذا الانحدار في المجاري الدنيا من حياة المدينة. أيمكن أن تكون هذه هي الحياة الصحيحة للعلاقة بين المرأة والرجل؟ كلا؛ بل لا بد من حياة ينظمها الحب وتسيطر فيها الألفة لا " الأجر " المدفوع؛ وإذا كانت هذه التجربة قد أعجزت بدرا عن أن يحب امرأة معينة فأنها شحذت لديه الإحساس بحاجته إلى المحتجبة خلف أستار الغيب (١) . ولم يستطع انتماؤه وهتافه بالحرية والرجاء في المستقبل وإيمانه بأن " المنتظرة " كالصباح، لا بد من ان ينبلج؟ بل هو قد انبلج حقا - لم يستطع هذه جميعا أن تطرد صورة الموت من نفسه، ولما مات خاله بداء السل في حدود هذه الفترة تصور انه هو الذي مات بالداء نفسه، حين كتب قصيدة: " رئة تتمزق ": (٢) : الداء يثلج راحتي ويطفئ الغد في خيالي ... ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال ... تهتز في رئتين يرقص فيهما سبح الزوال ... مشدودين إلى ظلام القبر بالدم والسعال ... واحسرتاه! أكذا أموت كما يجف ندى الصباح ... ما كاد يلمع بين افواف الزنابق والاقاحي ...

стр. 107

فتضوع أنفاس الربيع تهز افياء الدوالي ... حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح ... ولكنه لا يريد أن يموت؛ كان من قبل يتمنى الموت، كان يقول له: خذني بين ذراعيك، يوم كان الهوى وهما يعذبه الحنين إلى لقائه، أما اليوم، حين برزت السمراء كنجم تألق في مسائه، فليبتعد الموت عنه لينعم بحبها: يا موت يا رب المخاوف والدماميس الضريرة ... اليوم تأتي؟ من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره ... انا ما دعوتك ايها القاسي فتحرمني هواها ... دعني اعيش على ابتسامتها، وان كانت قصيره ... كان في مطلع العام (١٩٤٨) قد لقي المنتظرة، وقرأت؟ أو تخيل إنها قرأت - قصيدته " أهواء " التي سرد فيها تجاربه الأولى في الحب، فكتبت إليه؟ أو تخيل إنها كتبت إليه - تقول: " وها انا ذا ألقاك بعد بحث طويل (كانت هي أيضا تبحث عن المنتظر) ولكنني واحسرتاه لقيتك بعد فوات الأوان، لقد أحببت كثيرا من النساء حتى سئمت الحب، ووزعت قلبك بينهن، وسقيت التراب بالخمرة التي كانت في كأسك ولم تدخر لي منها قليلا " (١) . فذهب يؤكد لها انه نسي الماضي كله وليس في حياته سوى الحاضر: وكان انتظارا لهذا الهوى ... جلوسي على الشاطئ المقفر وإرسال طرفي يجوب العباب ... ويرتد عن افقه الأسمر إلى أن أهل الشراع الضحوك ... وقالت لك الأمنيات انظري ولكن هذا الحب كان كالقنبلة الموقوتة بين القلبين، فهو مرهون

стр. 108

بزمن، وهو إذا تفجر وأهلك ما حوله. ولهذا كان كل منهما يحس ان هذا الحب يحمل في ذاته عناصر دماره؛ أما هي فلم يكد يمضي أسبوع على إعلانه فرحة اللقاء حتى طالعته بقولها: انه لا جدوى في هذا الحب ما دام خيطه القصير سينتهي بفراق وشيك، وكانت وهي تتحدث إليه بذلك يرتجف الحزن في عينيها ويضطرب اليأس في شفتيها، وقد سرت البرودة في يديها، وشحبت الظلال فوق جبينها (١) : ثم انثنيت مهيضة الجلد ... تتنهدين وتعصرين يدي وترددين وأنت ذاهلة: ... " أني أخاف عليك حزن غد " فتكاد تنتثر النجوم أسى ... في جوهن كذائب البرد لا تتركي لا تتركي لغدى ... تعكير يومي، ما يكون غدي؟ وإذا ابتسمت اليوم من فرح ... فلتعبسن ملامح الأبد وكان عمري قبل موعدنا ... إلا السنين تدب في جسد وأما هو: فأنه كان يتمنى دوام هذا الحب ويخشاه في آن معا، وحين كان يستبد به حنين العودة إلى الريف، كان يهتف بالخشية التي تحبب إليه الفرار من اسار ذلك الحب (٢) : سوف أمضي.. اسمع الريح تناديني بعيدا ؟؟؟؟.. سوف امضي فهي ما زالت هناك في انتظاري ؟؟؟.. سوف أمضي، حولي عينيك لا ترني اليا أن سحرا فيهما يأبى على رجلي مسيرا

стр. 109

أن سرا فيهما يستوقف القلب الكسيرا ؟؟؟. أتركني، ها هو الفجر تبدى، ورفاقي في انتظاري. وكان التباين في الدين من أقوى العوامل التي تجعل ذلك الحب ينحدر نحو يأس، ولهذا يضطرب هذا الشريط؟ على قصره - بشتى المواجد والانفعالات، فهو إذا استسلم للواقع ادرك ان حظه مما يعانيه سراب (١) : سنمضي ويبقى السراب وظل الشفاه الظماء يهوم خلف النقاب وتمشي الظلال البطاء على وقع اقدامك العارية إلى ظلمة الهاوية وننسى على قمة السلم هوانا؟ فلا تحلمي بأنا نعود. وإذا أخبرته أن آخر لقاء لهما، لان أهلها يمنعونها من لقائه اشتد به الذهول حتى ليعجز عن ان يحدثها حديثا مستويا لا يداخله التعبير الممزق المتردد؛ أنها التي انتظرها طويلا وفقدها ليس شيئا يسيرا يستقبله رواقي، لأنه يعني تحطيم الحلم الكبير، حلم الشباب (٢) : حدثني، حديثه عن ذلك الكوخ وراء النخيل بين الروابي ...

стр. 110

حلم أيامه الطوال الكثيبات فلا تحرميه حلم الشباب ... أوهميه بأنه سوف يلقاك على النهر تحت ستر الضباب ... واضيئي الشموع في ذلك الكوخ وان كان كله من سراب ... ورغم إدراكه بأن اللقاء محال بعد ذلك، فأنه ينادينا " اتبعيني "؛ وقد تركت له من الذكريات الساخرة قولها له: " سأهواك حتى تجف الادمع في عيني وتنهار أضلعي الواهية "، ولكن ذلك حديث الأمس، إذ أن الهوى ما كاد يبرعم حتى دب الملال إلى قلبها؟ أو كذلك خيل إليه - ولذلك فهو يسخر من قولها " أهواك " (١) ؟.: دب الملال إلى فؤادك مثل أوراق الخريف أهواك! ماذا تهمسين؟ أتلك حشرجة الحفيف في دوحة صفراء يقلق ظلها روح الشتاء!! لا تنظري! في مقلتيك سحابتان من الجليد؟ ثم هو يسخر مرة أخرى من هذا الذي قالته، في قصيدته " نهاية " (٢) : اضيئي لغيري فكل الدروب سواء على المقلة الشباردة سأمضي إلى مجهل؟؟.. ثم يأخذ في تقطيع جملتها بنغمة تقطر بالألم والسخرية معا: سأهواك حتى؟.. نداء بعيد تلاشت على قهقهات الزمان بقايا، في ظلمة، في مكان، وظل الصدى في خيالي يعيد سأهواك حتى سأهوا؟ نواح

стр. 111

كما أعولت في الظلام الرياح سأهواك حتى؟. س؟ يا للصدى أصيخي إلى الساعة النائية سأهواك حتى؟ بقايا رنين تحدين حتى الغدا؟! سأهواك؟ ما اكذب العاشقين سأهوا؟. نعم تصدقين!!! وفي هذه القصيدة يتدحرج من قمة السلم الذي ارتقى درجاته نحو الأمل والحب إلى الهوة المريحة؟ إلى الموت. لقد ابتلع النهر الفتى (النهر هذه المرة لا البحر) وأخذ أبوه يجري هنا وهناك يسأل عنه المياه، ويصرخ في وجه النهر داعيا فتاه؟ وفي يده مصباح يرتعش ورعشاته ترسم هاتين الكلمتين: " محال يراه "، وفي أثناء هذا البحث الملتاع أطلت من الماء صورتها تقول للوالد المفجوع؟ " لا لن تراه "؛ هكذا يضطرب هذا الشريط اضطرابا شبيها بذبذبة المصباح المرتعش، وكأن الشاعر ما وجد المنتظرة إلا ليفقدها، فلو حاسبناه بحسب تسلسل قصائده لوجدنا ان حلاوة الوجدان لم تدم إلا أياما، ثم كانت آلام الفقد هي التي ترسم حروف هذا الشعر باللهيب والأنفاس المحترقة، ثم خلق الفقد معنى الملال بل معنى التغير والتلفت والخيانة والانطلاق إلى حبيب آخر. وحين حمل الورقة التي جاهد في سبيل الحصول عليها خمس سنوات عائدا إلى قريته، كان يحمل معها أشلاء نفس هاوية، لا غذاء لها إلا الحسرة على ما كان؛ ليس الريف هو ذلك الريف الذي احبه، إنما هو خواء مقفر وخريف اصفر، يستيقظ الموتى فيه ليلا يتساءلون متى النشور؟ والردى يصيح في ضلوعه ليسمع التراب الذي كان " أمه "

стр. 112

ذات يوم، ويقول لها (١) : غدا سوف يأتي فلا تقلقي بالنحيب عالم الموت حيث السكون الرهيب. وإذا سمع أغنية في المقهى ثار به المجد وتساءل: لم يسقط ظل القدر بين القلبين؟ لم انتزع الزمن القاسي من بين يدي وأنفاسي يمناك؟ وكيف تركتك تبتعدين، كما تترشى الغنوة في سمعي، نغما نغما! وبهذه النفس الممزقة غادر الريف الجنوبي حين عين مدرسا في مدرسة الرمادي الثانوية، وتلك قصة أخرى، لم يحن حينها بعد. تلك هي قصة هذا الحب كما يرويها الشعر، أما حظها من الواقعية فأمر محفوف بعلامات استفهام، ولكن مهما يكن حظها من الخيال، فأنها كانت؟ بعد الهوى الأول - أعمق العلاقات أثرا في نفس بدر، في حالتي الرجاء واليأس على التوالي، ولهذا خلدها في ديوان كامل هو ديوان " أساطير " وكانت آخر علاقة عاطفية قوية في حياته قبل الزواج. وحين استيقظت ذكريات بدر بعد أعوام؟ وهو في الصحوة التي تسبق الموت - كانت " الشاعرة " هي الأخيرة؟ قبل الزوجة - في سلسلة اللواتي احبهن (٢) : وتلك؟ وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها

стр. 113

شربت الشعر من احداقها ونعست في افياء تنشرها قصائدها علي، فكل ماضيها وكل شبابها كان انتظارا لي علي شط يهوم فوقه القمر وتنعس في حماه الطير رش نعاسها المطر فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسة تؤج النور مرتعشا قوادمها، وتخفق في خوافيها ظلال الليل. أين أصيلنا الصيفي في جيكور وسار بنا يوسوس زورق في مائه البلور وأقرأ وهي تصغي والربى والنخل والأعناب تحلم في دواليها تفرقت الدروب بنا تسير لغير ما رجعه وغيبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعه فتذكرني وتبكي، غير أني لست ابكيها كفرت بأمة الصحراء؟.. ويذكرها في قصيدة أخرى؟ وهو مريض بلندن - فيقول (١) : ذكرت الطلعة السمراء ذكرت يديك ترتجفان من فوق ومن برد تنز به صحارى للفراق تسوطها الأنواء ذكرت شحوب وجهك حين زمر بوق سيارة ليؤذن بالوداع؛ ذكرت لذع الدمع في خدي ورعشة خافقي وانين روحي يملأ الحارة بأصداء المقابر، والدجى ثلج وأمطار. وهنا وهناك تتأثر في هذه القصائد الأولى والأخيرة حقائق واقعية كبعض الصفات الحسية من طلعة سمراء وشعر اسود مسترسل، وزيارة

стр. 114

قامت بها " الشاعرة " إلى قرية السياب وركبت وإياه في زورق، ولهذا كانت صورة الشراع في ديوان " أساطير " هي احب الصور إلى نفسه. ولا ريب في أن بدرا صادق حين يقول: " واقرأ وهي تصغي "، صادق فيما يذكره عن حديث السجن، ومن قبل ذلك كان يحدد عنصرا واقعيا هاما حين قال في ديوان " أساطير ": " وقف اختلافهما في الدين حائلا بينهما وبين السعادة "؛ على انه بالغ حد السذاجة؟ وهو يحاول ان يؤكد واقعية ذلك الحب - في مقدمة الديوان: " وهناك شيء من الغموض في بعض القصائد ولكنني لست شاعرا رمزيا، وقد كنت مدفوعا إلى أن أغشي بعض قصائدي بضباب خفيف وذلك لانني كنت متكتما لا أريد ان يعرف الناس كل شيء عن حبي الذي كانت كل قصائد هذا الديوان صدى له، فقد كانت " موحية " هذا الديوان تغضب اشد الغضب إذا ذكرت شيئا عن قبلاتنا ومواعييدها، وكثيرا ما مزقت بعض القصائد التي كانت تشير إلى شيء تأبى هي ان يعرفه الناس، وقصيدة " أساطير " تكشف عن " العقدة " في هذا الحب ولكنها توحشت ببعض الغموض الذي تزيله المقدمة النثرية لهذه القصيدة (١) ، وكذلك الحال في قصيدة " اللقاء الأخير " ولولا أنها خانت هذا الذي كانت تسميه " النبي الوديع " لظلت هاتان القصيدتان غامضتين دون مقدمة يفهم منها القارئ ما اقصد " (٢) . وان من السذاجة التي تشبه سذاجة بدر أن نتسائل عن مدى صدق تلك العلاقة، فالقلوب كوى مغلقة مظلمة حافلة بالأسرار مفعمة بالعجائب، ولكن بعض الناس يعتقدون ان الهوى يعمي ويصم، وانهم من موقف الخلي يستطيعون ان يروا ما لا يراه الشجي، (وويل للثاني من الأول) إذ لا تنسدل فوق أبصارهم غشاوة من شهوة أو هوى؛

стр. 115

ولهذا زجر خالد صديقه؟ كما المحنا من قبل - لعله يرعوي عن الاسترسال في هواه ذات مرة لأنه فيه مخايل كاذبة؛ وقال مصطفى وهو يتشبث جاهدا بأهداب الموضوعية ليكون عادلا في حكمه عند الحديث عن حب بدر للشاعرة: " عاش أخي في قرية تنظر إلى المرأة نظرة محافظة، ولما هبط بغداد، لعله؟ أقول لعله - ظن الابتسامة تعني حبا؟. انني لا ادعي العلم بالمغيبات وأسرار الصدور، ولكن شواهد الحال كانت تقنعني انها تجامله أو أن شئت فقل: تعطف عليه ". وقبل ان ينسدل الستار على هذه القصة كانت تجربة لقاء المنتظرة؟ ثم فقدها في سرعة - سبب خروج المرأة الواقعية من عالم بدر؛ لا اعني انه لم يعرف المرأة من بعد؟ عن طريق الحب قصيرا كان مداه أم طويلا - بل انه اصبح كلما خفق قلبه لطلعه جديدة هرب من بوادر الحب إلى فكرته الجميلة عن منتظرة تملأ الكوخ عند الروابي سعادة وهناءة، وأحيانا كان يتوهم ان هذه هي المنشودة ثم لا يلبث أن يدرك أنها ليست هي التي ينشدها. وقد لخص بدر هذا الصراع الطويل بينه وبين أحلامه بصراحة تامة فقال: " وكان عمري انتظارا للمرأة المنشودة وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة، وكنت اشعر أنني لن أعيش طويلا؟.. " (١) . ولكن الذي لم يقله بدر هنا هو ان هذا البحث عن المنشودة كان يحمل في ذاته عوامل الهرب منها ولهذا كان يسرع إلى تكذيب رائد قلبه أو يتعلل بتهمة التقلب والخيانة، وهو مشدود إلى وجه " الام " الذي يطل عليه متوعدا من تحت الثرى.

стр. 116

- ١ - المعلم المفصول بعد خمس سنوات دراسية نال بدر شهادة ب. ع. في اللغة الإنكليزية والأدب الإنكليزي من دار المعلمين العالية (لا تنس لفظة " العالية " فأننا سنحتاج إليها في المستقبل) ، ويلخص بدر حصيلة ما درسه في القسم الإنكليزي بقوله: " فدرست شكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرومانتيكيين وفي سنتي الأخيرتين في دار المعلمين العالية تعرفت؟ لأول مرة - بالشاعر الإنكليزي ت. س. اليوت، وكان إعجابي بالشاعر الإنكليزي جون كيتس لا يقل عن إعجابي باليوت " (١) . لم اطلع على برنامج القسم الإنكليزي في دار المعلمين العالية، وعن عمد فعلت ذلك، لقلة احتفالي بما تمثله البرامج المكتوبة من فكرة إحصائية، فبين الجانب النظري والعلمي منها كثيرا ما يتسع البون. خذ عام الوثبة مثلا، وقل لي كم استطاع الطلاب أن يستوعبوا عمليا من البرنامج المكتوب؟ هذا شيء؛ وثمة شيء آخر، هو تفاوت الطلاب أنفسهم في القدرة على الاستيعاب؛ ولا ريب في ان بدرا كان ذا إحساس خاص نحو الأدب الجميل، ولذلك كانت قابليته لهضم ما يدرس أو يحفز التطلع إلى مزيد قابلية متفتحة إيجابية، ولكن ألا

стр. 117

يحق للمرء أن يتساءل كم كان نشاطه الحزبي يستغرق من وقته، وكم من الوقت كان يتبقى لديه لإشباع نهمته إلى الأدب؛ ثم لا بد ان يكون المستوى الذي يبلغه المتخصص في الأدب الإنكليزي محدودا بما تستطيع ان تيسره له دار المعلمين العالية حينئذ ولذلك يستطيع القارئ ان يسأل نفسه: ما معنى " درست شيكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرومانتيكيين "؟ كم درس من شيكسبير، وماذا عرف من ملتون، وما مدى إلمامه بالفكتوريين ولم تجيء " ثم الرومانتيكيين " هكذا ضاربة وجه التأريخ الزمني بقوة؟ وليست هذه الأسئلة للتشكيك في معرفة بدر واطلاعه، ولكن ثقافة الشاعر أمر هام في تحديد المؤثرات التي تلقاها؛ ولو كنا نملك ان نحدد كل قصيدة قرأها، وكل كتاب درسه، لأفادنا هذا كثيرا في استبانة جوانب كثيرة من شعره، إلا أننا رغم ذلك سنشير إلى هذه المؤثرات حيث نجدها، حين نستطيع الكشف عنها، ويكفينا في هذا المقام ان نقول ان دراسته للأدب الإنكليزي؟ على تبعثر أجزائها وسرعتها وضعف مستواها - قد فتحت له نافذة يتطلع منها إلى غير الأدب العربي، اعني إلى الأدب الإنكليزي والآداب الأخرى المترجمة إلى الإنكليزية. وكفلت له شهادته وطيفة معلم للغة الإنكليزية، فعين في مدرسة الرمادي الثانوية فانتقل إلى الرمادي وسكن في " احسن فندق بالبلدة " (١) . وبدأ نشاطه التدريسي (١٩٤٨ - ١٩٤٩) ، ويقول بعض العارفين انه " كان له تأثيره الفعال على الطلاب لأنه كان يتحسس قضاياهم وكانوا هم يأنسون إليه وينصرفون بعد الصف إلى سماع شعره " (٢) . أما هو فيقول شيئا آخر: " كان المفروض إنني مدرس للغة الإنكليزية ولكن الحق أني كنت اقضي اكثر من نصف مدة الدرس في

стр. 118

التحدث إلى الطلاب عن الشيوعية؟. ورحت اشرح لهم مبادئ المادية الديالكتيكية وسواها من الأفكار الشيوعية، وكانت جميلة جذابة، فالشيوعية كما شرحتها ليست الذبح والحرق والنهب والقتل؟ الخ ". (١) وإذا لم يكن بين القولين من تناقض فانهما يتفقان في شيء من التعميم، فإذا عرفنا أن الفترة التي قضاها السياب في التعليم لا تتجاوز ثلاثة أشهر ونصف الشهر، أدركنا أنه لم يكد يثبت قدميه في هذا المجال حتى انتزعتا منه، قبل ان يكون له " الأثر الفعال في الطلاب "، وقبل أن يجد الفرصة الكافية ليتحسس قضاياهم. وأما قول السياب: " ورحت أشرح لهم مبادئ المادية الديالكتيكية وسواها من الأفكار الشيوعية "، فأنه قول موهم. نعم ان الطلاب في تلك السن يحسنون الإصغاء والتلقي، والانبهار بكل جديد مستطرف، ولكن يجب الا يخجل القارئ من ان يسأل: ما مدى ما كان يحسنه السياب من ثقافة شيوعية، لا المقدار الذي يكفي الطلاب وحسب، بل القدر الذي يجب أن يعرفه مفكر؟ لا شخص عادي - ينتمي إلى حزب ما. ان شواهد الحال المستمدة مما نثره السياب في مذكراته تدل على ان مفهوماته عامة في هذا الصدد، كانت خليطا مشوشا مما يقرؤه في " القاعدة " أو في نشرات الحزب، بل وفي الأدب المضاد للاتجاه الشيوعي، والمروجات العامة عما تعنيه الشيوعية؛ وهذا يؤدي بنا إلى القول بأن السياب كان مصابا بنوع من " التنفج " إذا تحدث عن الثقافة، أية ثقافة، فهو إذا افتخر على بعض رفاقه العمال قال: " أنني قد قرأت معظم ما كتبه شكسبير في لغة الأصلية "؟ " ان الأدب هو (شغلتي) وقد تخصصت بالأدب الإنكليزي في دار المعلمين العالية " (٢) ، وأظن ان المتخصصين في الأدب الإنكليزي من غير دار المعلمين لا يقولون انهم قرأوا " معظم " شيكسبير

стр. 119

في لغته الأصلية، لا لأن هذا عمل معجز، بل لأن هذا التوفر على شيكسبير يعني " الانقطاع " لدراسته والتخصص فيه لا في الأدب الإنكليزي عامة، حتى يكون لقراءته معنى غير معنى التسلية. ومن هذا القبيل حديثه عن " مكتبته التي كانت عامرة ذات يوم بمختلف الكتب الشيوعية من أدبية وسواها " (١) ؛ وقد طلبت إلى مصطفى أن يحدثني عن الجو الثقافي الذي كان يحيط ببدر في البيت، قبل الزواج وبعده، وإنما عمدت إلى هذا ليكون حديثه اخباريا وصفيا، دون أن أذكر له شيئا عما زعمه بدر، فإن ذكره على هذا النحو قد يثير فيه روح النقض بعد أن حدث بين الأخوين من التباين في الرأي ما حدث - فقال: " كانت اكثر قراءاته في الشعر، كان يكثر قراءة ت. س. اليوت، وشيكسبير، وكانت لديه مكتبة بسيطة؟ "، ولست أجد سببا للطعن في رواية مصطفى، لأنها كانت عفوية نابعة من الاسترسال في الخبر غير مدفوعة بروح النقض أو التحدي. ولم يكن للحزب الشيوعي في الرمادي من اتباع ولذلك كان بدر وزميل له في التدريس تخرج وإياه في دار المعلمين، وطبيب غير عراقي، هم كل من يمثل الاتجاه الشيوعي فيها حينئذ، وسرعان ما أخذ أهل البلد يتحدثون فيما بينهم بأمر بينهم بأمر الأستاذين الشيوعيين، والشابان غير ملقيين بالا لما يقال عنهما، مندفعين في سبيل إقناع الطلبة باعتناق المبدأ الذي يبشران به (٢) . وحين رأت الحكومة أن الذكرى الأولى للوثبة (٢٧ كانون الثاني ١٩٤٩) قد أصبحت وشيكة، لجأت إلى حيلة تتفادى بها ما قد يقوم به الطلبة من عنف أو اضطراب، فأوعزت إلى وزارة المعارف أن تمنح

стр. 120

المدارس عطلة ربيعية مبكرة، بحيث تحل الذكرى والطلاب بمنأى عن التجمهر، وقد آب كل منهم إلى بلده؛ وهكذا كان، فحزم بدر أمتعته عائدا إلى قريته، وبينما كان في محطة القطار سمع الناس يتهامسون بأن وزارة المعارف قد فصلته من وظيفته، وحسب ذلك شائعة تتردد على الأفواه لأنه لم يبلغ بشيء من ذلك. وما كاد يصل القرية حتى أنبأه أبوه بأن الشرطة جاءت تسأل عنه، وربما كانت لها عودة، فليحتط للأمر، وليحاول الاختفاء إن قدر على ذلك، غير أنه اطمأن إلى الجو الماطر، وحسب أن الشرطة لن تتجشم البحث عنه مخترقة الأزقة القروية الموحلة، إلا أنه فوجئ بهم في اليوم التالي يطرقون عليه الباب، وقادوه معهم إلى المخفر موقوفا، فقضى يوما في أحد سجون البصرة ونقل من ثم إلى بغداد، وإلى موقف الكرخ بالذات، حيث وجد كثيرا من الرفاق ومن أعضاء حزب الشعب ومن أعضاء حزب البارتي الكردي (١) . كانت الحكومة العراقية عام ١٩٤٨ قد أعادت محاكمة " فهد " ورفاقه موجهة إليهم تهمتين: اولاهما أنهم ظلوا يوجهون الحركة الشيوعية من داخل السجن، والثانية أنهم تبعا لذلك مسئولون عن أحداث الوثبة في كانون. وفي شهر شباط (فبراير) ١٩٤٩ نفذ حكم الإعدام في كل من فهد والشبيبي وزكي بسيم ويهودا صديق، وبينما كان بدر والرفاق من حزب فهد يقضون ايام التوقيف ولياليه في الأناشيد والأغاني وممارسة الألعاب ومطارحة النكت، بلغهم النبأ ذات يوم بأن قادتهم سيشنقون غدا (ولم يذكروا يهودا صديق بين من سيلحقهم الإعدام لأنه كان قد خان مبادئ الحزب في نظرهم) فسيطر عليهم الوجوم؛ لم يبك بدر رغم أنه حاول البكاء فاستعصت عليه الدموع؛ كان البكاء حينئذ يعني أنه

стр. 121

جاوز مرحلة الصدمة إلى مرحلة التأمل فيها والحسرة بسببها، وكان؟ وهو الشيوعي المخلص يومئذ - لا يصدق أن حكم الإعدام سينفذ حقا، لأن الجماهير الغاضبة لن تتخلى عن قادتها، وإنما ستهاجم السجن وتحطم أبوابه وتطلق سراح المعتقلين، وتفوت على الحكومة الرجعية مآربها. وفيما هو غارق في هذا البحران الذي يمثل حمأة من اليأس المتفائل سمع في إحدى جهات المعتقل أصوات غناء ورقص وتصفيق، ولما استوضح حقيقة الأمر عرف أن أعضاء حزب الشعب كانوا يعبرون بذلك عن شماتتهم بفهد ورفاقه: " كانت صفاقة منهم ما بعدها صفاقة، فسبحان مغير الأحوال، لقد أصبح قادة حزب الشعب (الانتهازيون، الجواسيس، العملاء، كما كنا نسميهم؟ نحن الشيوعيين - آنذاك) هم قادة حزب الرفيق الخالد فهد الذي ما زال الحزب الشيوعي العراقي يعتز به، فصورته؟ مكبرة - معلقة في إدارة جريدة اتحاد الشعب؟ " (١) . أصيب الحزب الشيوعي بانتكاسة شديدة اثر إعدام قادته في شباط، وفي حزيران من نفس العام أعدم ساسون دلال، وفيما بين التاريخين، أخذت الدولة تعتقل كل من كشف عنه شهادة مالك سيف؛ وعاد بدر إلى قريته بعد أن قضى في الموقف حوالي ثلاثة أشهر، فاقدا وظيفته، فوجد يد الحكومة قد امتدت إلى قريته أيضا، فاعتقل عمه عبد المجيد؟ معتمد الحزب الشيوعي في ابي الخصيب - ثم حكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات، ثم سيق بدر بعد فترة قصيرة إلى المجلس العرفي ببغداد، وقد حكم عليه بالربط بكفالة شخص ضامن، مقدارها خمسة آلاف دينار، وكان الضامن هو والده؛ وعاد مرة

стр. 122

أخرى إلى القرية، ليجد أن أخاه مصطفى هو الذي يتولى القيام بأمر الحزب بدلا من العم السجين، ولكن دراسة مصطفى بمدرسة البصرة كانت تحتم عليه الابتعاد عن القرية، فلم يكن تحضر إليها إلا مرة في الأسبوع؛ وهكذا أصبح بدر هو المنظم الفعلي للشئون الحزبية. تلك فترة حرجة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي كانت تنذر بتصدعه تماما، ولم تكن الروابط العقائدية والحماسة النظرية كافية للم الشمل والحفاظ على تماسك الحزب، وخاصة لمن مثل بدر يعمل في منطقة من الريفيين البسطاء الذين لا يدركون شيئا من المادية الديالكتيكية والصراع الطبقي وحتمية التاريخ؛ وكانت الوطأة التي صبتها الدولة على الحزب لحل روابطه وتفكيك عراه قادرة على أن تخفيف أولئك البسطاء وتجعلهم يفصمون علاقتهم به، ولهذا كانت أية وسيلة تسوغ الغاية، والغاية في هذا المقام هي الاحتفاظ بكل عضو منتسب والحيلولة دون انفصاله، ولم يتردد بدر نفسه في التهاج هذه المكيافلية، فأخذ يجزل الوعود ويبذلها دون حساب للفلاحين، ورسم بمعاونة بعض الحزبيين الكبار خريطة لبساتين البلدة، وعين لكل فلاح حصة فيها، وأخذ يدور بهذه الخريطة على الفلاحين، فاقتنوا لسذاجتهم وطيبة قلوبهم بتلك الوعود (١) ؛ أقول: إن بدرا نفسه يعترف بأنه لم يستنكف من انتهاج هذا الأسلوب المكيافلي، وهو مدرك تمام الإدراك أنه قائم على الزيف والكذب، مقدما على ذلك لحراجة الظروف التي يمر بها تنظيمه الحزبي، وفي التنظيمات الحزبية أشياء كثيرة من هذا القبيل، حيث يضحى ببعض القيم العقائدية تحت وطأة ظروف واقعية، لا تقبل الانصياع لمنطق تلك القيم. وهبط القرية ذات يوم " رفيق " من أعضاء اللجنة المركزية للحزب

стр. 123

ينوي السفر إلى إيران، وهو يحمل مالا وعناوين ورسائل ومنشورات حزبية، فقام بدر مع رفاقه الآخرين باستقباله ةتهيئة الوسائل الكفيلة بإبلاغه آمنا إلى هدفه، يقول بدر: " وعلمته ثلاث طرق لإخفاء الرسائل الحزبية التي تكون صغيرة الحجم عادة: في قفل شنطته بعد أن يخرج محتوياتها أو أن يلفها حول ثدي قلمه (طلمبته) " (١) ؟ ونسي بدر الطريقة الثالثة - ولكن الرجل كان قليل الخبرة هيابا، فلما فأجأه شرطي الحدود قدم له رشوة ضخمة ورقة فئة العشرة دنانير - فارتاب الشرطي في أمره وقدر أن يكون يهوديا هاربا من العراق، فلما مثل أمام التحقيقات الجنائية، اندلثت الاعترافات من فمه طيعة غير منكبحة، وأدت فيها أدات إلى اعتقال مصطفى السياب فوقع الاختيار على عبد اللطيف ناصر (الذي كان يحلو له أن يلقبه الناس لتفينوف) منظما للحزب في أبي الخصيب، وربما كان الاحتقار الشديد الذي يكنه بدر للتفينوف (٢) هذا من الأسباب القوية التي جعلته يتشكك في قيمة الانتماء إلى الحزب، ولكن الأمر لم يتخذ كل هذا العمق في نفسه لأنه نأى مؤقتا عن ما يصله بلتفينوف وتصرفاته حين وجد لنفسه عملا في شركة نفط البصرة (٣) . وكان بدر في وظيفته الجديدة ينتمي إلى فئة الكتبة في الشركة لا إلى العمال، وكان من السهل على سلام عادل مسؤول اللجنة المحلية في البصرة أن يعرف موضعه وأن ينده بصحيفة " القاعدة " وغيرها من منشورات الحزب، ويتخذ منه عضوا نشيطا في العمل والحركة، ولكن التنظيم العمالي كان بسبب قوته العددية وقدرته على إيجاد الأسباب

стр. 124

التي تسوغ الشكوى من سياسة الشركة أسرع إلى تنفيذ أوامر الحزب بالأضراب، ولم يكن كتاب الشركة عمالا بالمعنى الدقيق، ولهذا فانهم لم يتقيدوا بتلك الدعوة، مما أثار غضب العمال، فانهالوا في الصباح على أحد الكتاب وهو ذاهب إلى عمله ضربا وركلا، وفيما كان بدر وبعض الكتبة يقتربون من موقع الحادثة، عرفوا الخبر، فقرروا؟ من باب طلب السلامة - أن يشاركوا العمال إضرابهم. وفي ذلك اليوم اجتمع الكتبة في حديقة أم البروم، واندفع بدر يخطب في رفاقه الكتبة ويحثهم على عدم التخلي عن إخوانهم، في هذا الموقف، فاستجابوا لكلمته، واختيرت لجنة لتنفيذ الإضراب كان هو أحد أعضائها. وقد استمر الإضراب مدة غير قليلة تعرض فيها العمال صابرين لضيق ذات اليد، فرأت فئة الكتبة أن تنقذ الموقف بالوساطة بين الشركة والعمال، وألمحوا إلى الشركة من طرف خفي أن العمال قد يقومون بأعمال عنيفة وربما عمدوا إلى حرق المخازن والخزانات، فواقف المسئولون فيها على تلبية مطالب العمال، وعد بدر ورفاقه هذا نصرا عظيما إذ كانوا يعلمون أن الإضراب سائر إلى الإخفاق، وأن كثيرا من العمال كانوا قد قرروا استئناف العمل لما بلغته حالهم من سوء (١) . ان عمل السياب في شركة نفط البصرة، يطوي من صفحات حياته اكثر عام ١٩٤٩ وجانبا من العام التالي، وليس لدي ما يعينني على القطع اليقيني بسبب عودته إلى بغداد: هل فصل أو اختار العودة إلى الحياة الادبية؟ والامر الأول أقرب إلى طبيعة الأوضاع، إذ من المستبعد ان يكون نشاطه الحزبي قد ظل خافيا على الشركة، وهكذا وجد نفسه عاطلا عن العمل، فعاد إلى بغداد يبحث عن الرزق والشهرة الأدبية معا. وفي عام ١٩٥٠ اصدر ديوانه الثاني " أساطير ".

стр. 125

- ١ - أساطير ديوان " أساطير " مقصور على نتاج السنة الأخيرة التي قضاها السياب في دار المعلمين (١٩٤٧ - ١٩٤٨) ، لا يتعداها إلا إلى الأشهر القليلة التي عاشها مدرسا في الرمادي، فهو؟ باستثناء ثلاث قصائد يستشرف فيها المنتظرة - يمثل اهتداءه إليها ثم فقده لها وانفعالاته التي عصف بنفسه، على صور مختلفة، في أثر ذلك الفقد؛ ولا يشذ عن ذلك إلا القصيدتان الأخيرتان في الديوان، أعني " خطاب إلى يزيد " و " إلى حسناء القصر " وهما دون تاريخ. ورغم ان اتجاهه العام في الديوان ما يزال يعبر عن اختلاجه في سكرة الرومنطيقية، فان الديوان يصلح أن يتخذ جسرا واصلا بين الطرفين، إذ تبدو فيه الازدواجية على عدة أشكال. وأول صور الازدواجية هو ما تفرضه الرومنطقية من نزاع بين قوة الحب وقوة الموت، ولهذا ما يكاد الشاعر يتحدث في قصائده عن روعة الحب أو عن ألم الفقد حتى ليرجف فرقا من الموت الرهيب؛ وهو بين هاتين القوتين يحاول أن يجد رجاءه في الخلاص منهما معا، ولهذا فرضت عليه هذه الازدواجية أن يستخدم صورا مزدوجة أيضا فإذا تحدث عن الهرب من الحب وقال " سأمضي " أحس بأنه واقف لا يستطيع حراكا:

стр. 126

- اني لغيرك؟. بيد أنك سوف تبقى، لن تسير قدماك سمرتا فما تتحركان، ومقلتاك لا تبصران سوى طريقي أيها العبد الأسير. - أنا سوف أمضي فاتركيني؟. - أنا سوف أمضي، فارتخت عني يداها، والظلام يطغى ولكني وقفت، وملء عيني الدموع. وإذا استراح إلى " النافذة المضاءة "؟ وهي منفذ من الرجاء للمواقف المترقب - أحس أن الظلام قد أخذ يطغى على نفسه حتى حجب عن عينيه تلك النافذة؛ وإذا خفق قلبه " للشراع "؟ وهو يرمز إلى قصة المنتظرة من أولها إلى آخرها - وجد هذا الشراع " يذوب " - أي يتوارى وينطفئ رويدا: شراع خلال التحايا يذوب ؟.. وشراع يتوارى ؟؟؟ ضوأ الشطآن مصباح كئيب في سفينة واختفى في ظلمة الليل قليلا قليلا. ولذلك كانت الصور الكبرى المسيطرة على قصائد الديوان هي صورة الإنسان السائر الواقف، والشراع القادم المتواري، والنافذة المضاءة المظلمة؛ وكان كل شيء يذوب: الشراع يذوب، والنعم يذوب، والشتاء يذوب، والغيمة تنحل، والأرجل التي تهم بالمشي تذوب، والأفق يذوب، والمصابيح تذوب، وهذا الذوبان يدل على الاستحالة وعلى التلاشي معا، ويعود فيجمع طرفي الازدواجية الرومنطقية في نطاق.

стр. 127

ومن صور الازدواج في ديوان اجتماع الشكلين القديم والحديث فيه، فبعض قصائده (ما عدا خطاب إلى يزيد) هي من المثلثات أو المربعات؟ الخ: أي تتحد القافية فيها في دورات تتكون الدورة فيها من ثلاثة أبيات أو أربعة أو أكثر؛ وبعضها الآخر يعتمد مبدأ التفاوت في عدد التفعيلات، ولكن الشاعر رغم اعتماده للشكل الجديد، فلما يغفل القافية في هذا اللون من الشعر، مما يكسب قصائده الجديدة اتساقا داخليا في النغم، كما انه قلما يقطع معنى ويستأنف آخر في الشطر الواحد (وهو أمر سيكثر منه في المستقبل) ، ومعنى هذا أن ابتعاده عن الشكل القديم لا يزال يتم في تهيب وحذر، ولذلك فأنه يعوض عدم التساوي في الأشطار بتنغيم مقصود، من الترديد المعتمد وغيره، فلا يحس القارئ بأن الشاعر ابتعد كثيرا عن شكل الدورة الثلاثية أو الرباعية. وقد تحدث الشاعر في مقدمة ديوانه عن هذا اللون الجديد؟ حينئذ - من الشعر، فرد إقدامه عليه إلى تأثره بالشعر الإنكليزي الذي يعتمد " الضربة " أساسا فقال: " وقد رأيت أن من الإمكان أن تحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة؟ رغم اختلاف موسيقى الأبيات - وذلك باستعمال الأبحر ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت إلى آخر، وأول تجربة لي من هذا القبيل كانت في قصيدة (هل كان حبا) من ديواني الاول (أزهار ذابلة) ؛ وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولا عند كثير من شعرائنا الشباب، اذكر منهم الشاعرة المبدعة الآنسة نازك الملائكة " (١) . وهذا الإطراء للشاعرة نازك يخفي في طياته دعوة إلى تنازلها للسياب عن السبق إلى ابتداع هذا الشكل الجديد؛ وذكر الشاعر

стр. 128

لقصيدته (هل كان حبا) ؟ وهي مما نظمه في عام ١٩٤٦ أي قبل أن تنشر نازك ديوانها " شظايا ورماد " سنة ١٩٤٩ - يؤكد غايته هذه التي ظل يدافع عنها كلما أثير الحديث عن أولية هذا اللون من الشعر. ولكن هنا وهما لا بد من تجليته: ذلك أن للسياب قصيدة واحدة نظمها قبل عام ١٩٤٨ يزعم فيها انه اهتدى إلى شكل جديد، ولكتها قصيدة لم تنشق عن الشكل القديم إلا انشقاقا جزئيا طفيفا، لا يوحي لأحد من الناس بالجدة، بينما أصدرت نازك (عام ١٩٤٩) ديوانا يجري أكثره على هذا الشكل الجديد، وفيه محاولات عامدة لابتكارات وتنويعات في داخل هذا الشكل نفسه، وفيه مقدمة نقدية دقيقة تدل على وعي بأبعاد طريقة جديدة، بينما تمثل مقدمة السياب لديوانه " أساطير " (١٩٥٠) خلطا صبيانيا وسطحية في الفهم للشعر الإنكليزي. وليست نازك أقل ثقافة واطلاعا على الشعر الأجنبي من السياب، فمن الغرور أن يزعم السياب لنفسه أنه هو الذي أوجد طرية حاكاه فيها الآخرون. وقطع القول أن الشعراء الشبان في الشبان في العراق كانوا يتململون سأما من الشكل القديم، وأن السياب عثر عفوا على قالب صب قصيدته " هل كان حبا "، وأن نازك وضعت مخططا عامدا للخروج بالقصيدة إلى شكل جديد، وأن كلا منهما كان يعمل مستقلا عن الآخر، متأثرا ببعض أشكال الشعر الأجنبي. وقد شاع " شظايا ورماد " اكثر من شيوع " أساطير "، دون أن يكون ذلك راجعا إلى أيثار الناس للجودة أو الجدة، وإنما لمحض التفاوت في القدرة على التوزيع لدى موزعي الكتب، وهذا يعني أنه كان أسرع إلى التأثير في نفوس القراء؟ سالبا كان ذلك الأثر أو موجبا -، وأن السياب نفسه لم يكثر من النظم على الطريقة الجديدة إلا بعد ان تعرف إلى محاولة نازك، واتضحت أمام عينيه أبعادها. بل أزيد فأقول: أن قصيدة السياب " في ليالي الخريف " إنما نسجت على مثال قصيدة " الأفعوان " لنازك. أما أن الشعراء من

стр. 129

بعد أخذوا يحاكون السياب اكثر مما يحاكون نازك الملائكة، فليس سره في الشكل وإنما مرده إلى المضمون، وقد كان مضمون السياب؟ من بعد ديوان " أساطير " - أقرب من ديوان نازك إلى ما يراد من الشعر الحديث أن يحققه. وقد أدرك السياب مؤخرا أن إلحاحه على تقرير الأسبقية لابتكار هذا الشكل لا يحفل بمجد كثير إذ تقرير " الأوائل " من الأمور العسيرة، فقال: " ومهما يكن فان كوني أنا أو نازك أو بالكثير أول من كتب الشعر الحر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم؛ وإنما الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه، ولن يشفع له؟ أن لم يجوز - أنه كان أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية؟. أن الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت وآخر، انه بناء فني جديد، واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وأدب الأبراج العاجية وجمود الكلاسية. كما جاء ليستحق الشعر الخطابي الذي اعتاد السياسيون والاجتماعيون الكتابة به " (١) . إن أدراك السياب أن " الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين واجر " - لا يمثل مرحلة ديوان " أساطير " لأنه ان كل الشكل الجديد قد جاء ليستحق " الميوعة الرومانتيكية "، فان ذلك الشكل - على جدته - لم يخدم تلك الغاية في ديوان " أساطير "، وإنما جاء ليخدم الرومانتيكية على نحو جديد، على أن من الانصراف للسياب أن نقول انه من بعد حلول الانعتاق من اكثر ما يمثله هذا الديوان. ولكن إن كان المضمون أحد مسوغات الثورة في الشكل، فان المضمون الجديد الذي مارسه السياب جزئياً في ديوان أساطير، وكان

стр. 130

الشكل الجديد ملائما له، معتمد على الصراع الذي يشبه المرض بين العقل الظاهر والواعي الباطن، لا على الصراع بين الإنسان والقيود التي تعيقه عن التقدم في واقع الحياة، فهو صورة فردية للهلاس الناجم عن طغيان الاستبطان الذاتي، وهو حيث نابع من داخل النفس، فيه بعض من اضطراب الحديث النفسي وشيء من تشتت الهواجس، وترديد الذكريات في لوعة ممرورة. ولكن السياب لم يكثر من هذا اللون لان طبيعة القصائد التي تتحمل التعبير به لم تتح له الاسترسال فيه. غير أن الشاعر كان عندما نظم هذا الديوان يعيش حياة مزدوجة فهو مناضل يشارك في الكفاح من اجل غايات جماعية، وهو منكفئ على نفسه يجتر آلام الحب المخفق، ويتحرم بقدس ذاته، وكلن هذا الازدواج متباعد الطرفين، فلما حاول أن يقرب بينهما في ثنائية يمحي الخط الفاصل بين شطريها سقط سقوطا واضحا، ولذلك كان ازدواج المضمون واضح الافتعال في هذا الديوان: فالشاعر الذي يحلم بالموت ويسمع صوت أمه تناديه يقف ليأسف على أنه سيمضي ويبقى " الطغاة "؟ ولا معنى لذكر الطغاة هنا لأن الشق الأول وهو موت الفرد كان ناجما عن فقدان الملاذ العاطفي، لا عن وجود الطغيان في هذه الحياة (١) : سوف أمضي وما زال تحت السماء مستبدون يستنزفون الدماء سوف أمضي وتبقى عيون الطغاة تسامد البريق من جذى كل بيت حريق

стр. 131

والتماع الحراب في الصحارى ومن أعين الجاعين وفي مثل هذا الافتعال وقع الشاعر في قصيدة " إلى حسناء القصر " فهو مفتون بهذه الحسناء، مسرف في تصوير مدى هذه الفتنة، وهذا الإحساس الكامن يجعل تهديد الحسناء بزوال مالها وقصرها، وبثورة المضطهدين، وإراقة الدماء في سبيل الحرية ازدواجا مضحكا يفضح نوعا من الصبيانية في فهم النضال، فلو أن هذه الحسناء أشارت له بطرفها لانتهى كل الحقد على القصر وأصحابه من نفسه. والحقيقة أن الشاعر كان ما يزال يؤمن بالاتجاه الذاتي في الشعر لعجزه عن التخلي عنه، ولهذا فهو يقول في مقدمة ديوانه: " وقبل أن أختم هذه المقدمة لا بد من التعرض لمشكلة كثيرا ما ثار حولها الجدل، تلك هي رسالة الفنان في المجتمع: أنا من المؤمنين بأن على الفنان دينا يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه، ولكنني لا أرتضي أن نجعل الفنان؟ وخاصة الشاعر - عبدا لهذه النظرية، والشاعر إذا كان صادقا في التعبير في كل نواحيها، فلا بد من أن يعبر عن آلام المجتمع وآماله دون أن يدفعه أحد إلى هذا، كما أنه من الناحية الأخرى يعبر عن آلامه وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها أحاسيس الأكثرية من أفراد هذا المجتمع " (١) . وتبقى قصيدة " خطاب إلى زيد " شاذة في هذا الديوان: شاذة بشكلها فأنها على طريقة القصيدة الكلاسيكية، شاذة في موضوعها بالنسبة لباقي القصائد، لأنها تتحدث عن الظلم الذي يمثله مصرع الحسين. وأنا اعتقد أنها قصيدة متكلفة وأنها أيضاً لا تمثل روح السياب، الذي كان؟ في بعض اللحظات - يرى في الحجاج بطلا عربيا،

стр. 132

رغم ما قرأه في كتب التاريخ من أخبار (صحيحة أو مكذوبة) عن عسفه ولهذا فأنه اتخذ في قصيدته طريقة التهويل بالفاجعة والتخزن على الضعاف والصغار العطاش، دون أن توحي قصيدته بمعنى البطولة التي يمثلها الحسين في نفسه. واكبر الظن أنه لم ينظم القصيدة ثم لم يدرجها في ديوان يتحدث كله عن الحب إلا إرضاء لصديقه الأستاذ علي الخاقاني الذي تفضل بطباعة الديوان، وهذه خلة في السياب سنصادفها في غير موضع واحد، فقد كان سريعا إلى الترضية، حتى ليتنازل في سبيلها عن كثير مما يحرص عليه، وتلك ناحية استغلت فيه وأسيء استغلالها في بعض الاحيان، وأصابت بشظاياها قواعد بعض قصائده وغاياتها. وليس من الطبيعي أن نقارن بين هذه القصيدة؟ وهي طريقة وحدها - وبين قصائده المبنية على الدورات، ولكن الشاعر؟ على وجه الإجمال - يضيق ذرعا بالشعر الجزل الجاري على نسق عال من البيان المشرق، وهو قد أتقن الوحدات الدورية اتقانا رفع درجة الانفعال عن طريق الصورة والعبارة، واصبح في حاجة إلى مزيد من التحليل إذ لا يكفي أن تكون دورات القصيدة دائما وعاء لسكب الانفعال، بل لا بد من نقل خلجات النفس على نحو تأملي دقيق، وذلك هو ما أتاحه له الشكل الجديد، فكان انتقاله إلى هذا الشكل خطوة طبيعية. غير أنك لا تزال تلمح بعض إمارات الضعف القديم في الوحدات الدورية، ولجوءا إلى الاضطرار، وعدم تبلور في الصورة، كما في قوله (١) : الدرب تحرقه النوافذ والنجوم المستسرة ... سكران تدفعه الظلال وتشرب الأوهام خمره ... وهذا النماذج من الضعف تجعل الانحياز إلى الشكل الجديد أمرا ضروريا، لأن هذا الشكل يغنيه عن الاضطرار، وعن الحشو لاستكمال

стр. 133

النغمة الموسيقية، وعن التبدد في الصورة المركبة، وهو يمنحه حرية الاختيار، فيرفض ما لا يلتئم مع السياق العفوي، أو ينبو في موضعه عن نقل التيار النفسي. غير أن هذا كله قد يبدو حين ندرس بعض نماذج الشكل الجديد محض فرض نظري، ذلك لأن السياب لا يزال يثقل هذا الشكل بما تتطلبه الدورة الشعرية من تنغيم كقوله: في بقايا ناعسات من سكون في بقايا من سكون في سكون. ولا يزال يسترسل وراء كل طاقة من طاقات الانفعال على حدة دون أن يستطيع ضفر تلك الطاقات في سياق داخلي ينتظم حركة القصيدة ويمتد بأمتدادها، فهو مشتت مضطرب، ويعجز عن أن ينقل اضطرابه على نحو منظم، وهو لا يشبع من إثارة ما في الزوايا وعرضه على الناس مفقدا القصيدة قدرتها على الإيحاء الكلي، في ظمأة المتعطش إلى أن يبوح ويبوح؛ وهو ما يزال أسير عرف شعري، يفرض به على نفسه بسط الجو العام أولاً، ووضع القارئ فيه، لأنه لا يزال يحتفل بالمقدمة التي تهيء نفسية قارئه للتلقي، وهذا قد يجوز، بل يكون ضروريا، أحيانا، ولكن إمعان السياب نفسه فيه يجعله نوعا من " الصناعة " المتكفلة التي يترسمها الشاعر خضوعا لنظرة اطارية تقليدية أو تهيبا من إلقاء الخطوط المعبرة دون مشرع تمهيدي مسطح يفترش أرض القصيدة فيبدو كالمنظر الطبيعي الواقعي من خلف صورة تعبيرية أو رمزية. وكثيرا ما يكون هذا المشرع التمهيدي تحديدا لطبيعة الزمان والمكان والحركة؟ خارج نفس الشاعر - مثل:

стр. 134

في ليالي الخريف الحزين حين يطغى علي الحنين ؟؟ في المقهى المزدحم النائي في ذات مساء وعيون تنظر في تعب في الأوجه والأيدي والأرجل واللهب والساعة تهزا بالصخب. ؟؟. الكوكب الوسنان يطفئ ناره خلف الظلال والجدول الهدار يسبره الظلام إلا وميضا لا يزال يطفو ويرسب مثل عين لا تنام. وعلى النقيض من ذلك استغناؤه عن مثل هذه الفواتح، في مثل قوله، مطلع قصيدة: والتف حولك ساعداي، ومال جيدك في اشتهاء كالزهرة الوسنى؟. وأوضح قصائده تمثيلا لهذا المشرع التمهيدي قصيدته " في السوق القديم " التي أوحت بها تلك الفترة القصيرة في الرمادي؛ فهي تنقل إلينا مزايا الشكل الجديد وعيوبه معا؟ في تلك المرحلة - وتتكون القصيدة من أحد عشر مقطعا، وينحصر الموضوع الرئيسي منها في الأربعة المقاطع الأخيرة (٨ - ١١) حيث يتحدث الشاعر عن من لقيته وتشبثت به توهمه أنها المنتظرة، منذ عام واحد، وأخذت تلح عليه بأنها هي الحبيبة: أنا من تريد فأين تمضي فيم تضرب في القفار

стр. 135

مثل الشريد؟ أنا الحبيبة كنت منك على انتظار وتنبأت له بأنه رغم هذا الحب لن يحقق حلم الشباب (بيتا على التل البعيد) وأوضحت له انها تحبه ولكنها لغيره، وحاول أن يتفلت منها (أنا سوف أمضي فاتركيني؟ دعيني أسلك الدرب البعيد، حتى أراها في انتظاري؟ أنا سوف أمضي) . ولكنه وقف لا يستطيع حراكا وملء عينيه الدموع. ولا ريب في أن هذا التفلت كان هربا نفسيا طلبا للراحة من الحب، وقوله " سوف ألقاها هناك عند السراب " هو العودة إلى الماضي الذي أصبح ميئوسا منه، والضمير في " ألقاها " قد يشير إلى الحبيبة القديمة، كما قد يشير إلى الأم، إلى الموت، أو الراحة المطلقة، وإلا فلا معنى للهرب من هذه التي طال انتصارها إلى أن أشرقت، " حتى أتت هي والضياء ". ولكن الشاعر بدلا من ان يجعل هذه النواة الهامة محور القصيدة أورد قبلها سبعة مقاطع فتحدث عن منظر السوق العام في الليل، وكيف أنه يثير الذكريات ويشرع على " نافذة تضاء،: وارتج في حلق الدخان خيال نافذة تضاء ثم تحدث عن تناثر الأضواء الضئيلة التي كشفت له عن كوب يحلم بالشراب، وعن المناديل الحياري تخفق كأنها تنذر بالوداع وصوت يغمغم " مات. مات " وعن الشموع المعلقة في السوق، وكيف نقلته رؤيته لها إلى تلك الشموع نفسها وهي تضيء المخدع المجهول، ثم يحدث تلك الشموع أن قلبه كان مثلها خفاقا وكان يحلم والأعوام تمر (شراع في أثر شراع) ، يحلم بالصدر والفم والعيون، وكان ينتظر والصيف يحتضن الشتاء، وهو ما يزال واقفا كالمنزل المهجور تعوي في جوانبه الريح: كالسلم المنهار لا ترقاه في الليل الكئيب

стр. 136

قدم، ولا قدم ستهبطه إذا التمع الصباح وظل قلبه كذلك " حتى أتت هي والضياء ". ولا ريب في أن استثارة الذكريات أمر طبيعي، والسوق القديم قادرة على ان تبعث هذه الذكريات، إلا أن الشاعر أسرف في نثر الخطوط من حول المنظر، دون تناسب، فالكوب مجتلب في سلسلة الأشياء التي تهمه في الضغط على زر التذكر، والمناديل (مناديل الوداع أو مناديل النائحات) ليست ذات قيمة كبيرة في الصورة، وليس من تناسب بين وقفته عندها ووقفته عند الشموع؛ وليس من ضرورة لسرد الأدوات التي تثير الحلم، فقد طال ذلك الحلم حتى أصبحت اليقظة على الأبواب، وكادت القصيدة أن تتحطم، وكان في مقدور الشاعر أن يستغني عن تعداد مناظر السوق وهو يمشي، وأن يوجز ويثف في سرد تاريخ حبه المخفق، ولكنه عاد وكأنما يتحدث مرة أخرى بالذكريات التي نثرها في قصيدة " أهواء " ذات المنزع التاريخي. ولهذا اضطر أن يوجز ويكثف؟ وحسنا فعل - في قصة المنتظرة المتشبثة ببقائه. أن القصيدة كما ترى ليست خفقة أثارت صورة المنتظرة ثم كان من حديث ومد وجزر بينه وبينها، وإنما هي ثلاث مراحل: منظر السوق وأدواته؟ منظر الشموع وحدها وصلة الشاعر به وسرده لماضيه على مسامعها - منظر اثنين يلتقيان فجأة ويفترقان كذلك رغم التشبث اليائس. والصلة بين هذه الأجزاء الثلاثة نوع من التداعي الحر، وهي صلة واهية، لأنها يمكن أن تظل تثير عناصر جديدة إلى مالا نهاية. لهذا فان الشكل الجديد يجب ألا يخدعها بجدته عما تعانيه القصيدة من استطرادات وانتحاءات، تجعل تماسكها مرتبطا بأضعف الخيوط الشعرية، وهو تلاحم الأوهام. وكل من يتمثل القصيدة من الداخل يستطيع أن يدرك أن الشاعر لم يستطع أن يحلم وهو يمدد ذكرياته كالخشب المستعرض في وسط السوق القديمة كلما رأى منظرا من مناظرها، ولذلك كان حديثه إلى

стр. 137

الشموع يقظة ومقارنة ومقايسة (وهذا يمثل المقاطع ٥ - ٧) ففي الصلب من القصيدة (بين الرؤية التي تحاول أن تنقلب إلى رؤيا على وقع الأدوات التي تهيج الذكرى وبين الرؤيا التي تمثل الرؤية في العلاقة بينه وبين المنتظرة) وقف الشاعر يحاكم ويعارض وقد فتح عينيه منبهرا على مدى التشابه بين قلبه وبين الشموع. وهكذا لم يكن البناء الحلمي المفضي إلى الوقفة النهائية منسجم الجوانب، وذلك كله ناجم عن ميل الشاعر للتمزق العاطفي والثرثرة التي تشبه اعترافات المريض تحت تأثير المخدر. فالشكل الجديد لم يمنح القصيدة جدة، أي أنه لم يخلق فيها وحدة سوى وحدة السرد، وهي وحدة تحقيقها القصيدة القديمة بكل يسر. وقد تسأل نفسك لم اختار الشاعر السوق محملا لذكرياته، وليس في السوق ميزة تفردها عن سواها في إثارة الذكرى، فالأدوات التي رآها موجودة في غير السوق، ولكن الحق أن السوق تنفرد بميزة لا تتوفر في سواها: فالمنظر ليلى، والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب، والسوق قديمة كئيبة، وهي ممتدة أمام البصر، فهي من حيث طابعها العام تثير الكآبة في النفس المغتربة المستوحشة، وهي بامتدادها وخطى العابرين فيها وغمغماتهم تمثل تيار الحياة، والشاعر طاف فوق هذا التيار، بين الجموع ولكنه ليس بينهم، يرى ولا يرى، ويسمع وكأنه لا يسمع، وفي طفوه معنى الحركة والسكون في ان، وهو السائر الواقف، اليقظ الحلم. تلك حالة تهيئها السوق حقا، وقد كان الشاعر واقعي الاستشارة حين جعل منها مفترشا لشعوره بالضياع والإخفاق، ولكنه لم يكن واقعي البناء حين أطال في التذكر والوقوف عند أداة إثر أداة في تلك السوق الكئيبة. وحسبنا هذا القدر من الوقوف عند هذه القصيدة. وبعد ذلك كله يصلح ديوان " أساطير " ليكون معرضا لبعض

стр. 138

المؤثرات التي أخذت تفعل في توجيه شعر بدر؛ فقد كنا لمحنا في ديوانه الأول تأثره بعلي محمود طه وإدراجه لقطعة من قصيدة إنجليزية في إحدى قصائده، ولكن ديوان أساطير يدل على اتساع في التأثير، وان كان ما يزال تأثيرا خارجيا - نوعا من الإشارة العابرة أو التضمين. فهو يعرف أن لاليوت قصيدة عنوانها " الأرض اليباب (آو الخراب) : فلتنبت الأرض الخراب على سنا النجم الحزين صبارها؟. ويعلق على لفظة الأرض الخراب في الحاشية بقوله " عنوان قصيدة للشاعر الإنجليزي الراجعي ت. س. اليوت "، وقد وظعنا خطا تحت كلمة " الراجعي " لأن السياب بعد سنوات سيعد اليوت اعظم شاعر حديث بالغة الانجليزية، ولكنه يصفه بالرجعية هنا نزولا على ما يتطلبه منه اتجاهه اليساري. ولا ريب في أنه كان قد قرأ شيئا من اليوت، إذ أن قوله في قصيدة " ملال ": وأكيل بالأقداح ساعاتي إنما هو الترجمة لقول اليوت: " قد رت حياتي بملاعق القهوة " (١) ، وهذه ظاهرة حقيقية بالتنبه، فان السياب كان يستعير الصور المترجمة ويدرجها في شعره، فيخفى مكانها على القارئ في درج النغم. وهو قد قرأ قصيدة للشاعر الإنجليزي Bridges يستشرف فيها السفن ويتملك الحنين إلى البحر، وما قول السياب في قصيدة القرية الظلماء: إني سأغفو بعد حين، سوف أحلم في البحر هاتيك أضواء المرافئ وهي تلمع من بعيد تلك المرافئ في انتظار

стр. 139

تتحرق الأضواء فيها مثل أصداء تبيد سوى صدى لوقفة ذلك الشاعر الإنجليزي وهو يحلم بالسفن والبحار. كذلك فان قوله في القصيدة نفسها: والآن تقرع المدينة البرج الوحيد لا يمكن أن يفهم دون ان يربط الفريد دي موسيه: " دعي ساعة البرج في قصر الدوج تعد عليه لياليه المسئمات واتركينا نعد القبلات على ثغرك؟ " - أقول لا يفهم قول السياب في سياقه دون هذا الربط، لأن السياب يصور نفسه في القرية بعيدا عن المدينة، فقرع ساعة البرج يثير في نفسه ذكريات السعادة التي صورها الفريددي موسيه في البندقية، ولكن سرعان ما يتذكر السياب أن جورج صاند تخلت عن صاحبها وغدرت بعهده، ولذلك يسرع إلى القول: دعها تحب سواي تقضي في ذراعيه النهار ... وتراه في الأحلام يعبس أو يحدث عن هواه ... فهو يرسم التناظر بينه وبين دي موسيه، وبين صاحبته وجورج صاند من طرف خفي. وهو يعرف أيضا " كيتس "، ويجد في نفسه صورة منه، لأنه كان يحس أنه سيموت مثله في سن صغيرة ويقتبس قوله في آخر قطعة كتبها (١) : تمنيت يا كوكب ... ثباتا كهذا - أنام على صدرها في الظلام ... وأفنى كما تغرب وقد اختار السياب أسطرا متفرقة متباعد من قصيدة كيتس، وتدل ترجمته على أنه لم يكن دقيقا في فهم الأصل ونقله.

стр. 140

البحث عن الملحمة

стр. 141

فراغ

стр. 142

- ١٢ - فجر السلام ليس في قصائد بدر التي نشرت في دواوين أية قصيدة تحمل تاريخ السنوات ١٩٤٩، ١٩٥٠، ١٩٥١ ولكن على الورقة الأخيرة من ديوانه " أساطير " إعلان عن اقتراب صدور ديوان آخر عنوانه " زئير العاصفة "؟ ويوصف بأنه ديوان اجتماعي، وتحته إعلان آخر عن قصيدة " حفار القبور " وأنها " قصيدة طويلة شائقة ستصدر في كراس "؛ وقد نشرت هذه القصيدة سنة ١٩٥٢، أما " زئير العاصفة " فلا نعرف ما حل به ولا أي قصائد يحتوي، ولكنه؟ حسب الإعلان - يمثل الكفة الثانية في ميزان السياب، فإن كان " أساطير " يصور الناحية الذاتية العاطفية في شعره فليكن " زئير العاصفة " ممثلا للناحية الاجتماعية، وقد كان يحس في قرارة نفسه أن صدور " أساطير " عن شاعر ذي رسالة إنسانية ضخمة سيقابل بشيء من الفتور في بعض المجالات، ولذلك قال في مقدمته: " لا تزال لدي مجموعة ضخمة من الشعر الاجتماعي الإنساني ستطبع في المستقبل ستطبع في المستقبل القريب " (١) ؛ وكل ما لدينا من قصائده في هذه الفترة قصيدتان طويلتان هما فجر السلام وحفار القبور، ويشير الأستاذ محمود العبطة إلى قصيدة طويلة ثالثة

стр. 143

بعنوان " القيامة الصغرى " نشر منها مقاطع في جرائد بغداد (١) ويقول أنها كانت أهم القصائد وأحبها إلى نفس الشاعر، وهو يعتمد في هذا الحكم على إجابة لبدر سجلها (عام ١٩٥١) عن أحب قصائده إليه فقال: " أحب شعري إلي ملحمتي الشعرية (القيامة الصغرى) التي بقيت مبتورة لم تتم والتي أحاول جهدي إكمالها، وأحب كذلك قصيدتي (فجر السلام) و (مقل الطغاة) ، وعلى كل فالإجابة بصورة صحيحة عن هذا السؤال متعذرة ولكن هذه القصائد آخر ما كتبت؟ الخ " (٢) وقد كانت هذه الإجابة مرهونة بظروفها أولاً لأنها كانت تشير إلى أن الشاعر قد سار في نهج جديد وأن جدة هذا النهج كانت تحبب تلك القصائد إلى نفسه، لأنها؟ حد تعبيره - " آخر ما كتب "، ثم هو يعلم حق العلم أن الذي سأله عن أحب شعره إليه كان صديقا ذا ميول يسارية، ولذلك فان التنويه بهذه القصائد؟ دون سواها - يرضي ذلك الصديق مثلما يرضي بدرا نفسه وهو في غمرة الحماسة لنزعته اليسارية ولأثرها الموجه، في شعره. ولكن الشاعر؟ بعد سنوات - أخذ ينظر إلى قصيدة " فجر السلام " بشيء من التردد، وقد يلمس القارئ في صيغة حديثه عنها؟ وان كانت تقريرية - جانبا من الندم المتزج بالسخرية، وذلك حين يقول: " أن تلك القصيدة كانت من الشعر الشيوعي النموذجي فقد شحنتها بأفكار حركة السلم: تحدثت عن أشكال السلام في البلدان الاشتراكية والبلدان الاستعمارية والرأسمالية والبلدان المستعمرة وشبه المستعمرة؟. ولم أنس أن أتحدث عن الأم الرءوم حصن السلام والاشتراكية فقلت:

стр. 144

هناك يرين السلام ... كأهداب طفل ينام وحيث التقت ترنو ... عيون الورى في وئام برغم اللظى والحديد ... (١) نمت زهرة للسلام " وقد نشرت قصيدة " فجر السلام " في ذلك الحين؟ أخذها بعض الرفاق ونشروها دون أن يذكروا اسم ناظمها، وكان ذلك اقتراحا من بدر نفسه (٢) ، وقد عني المحامي عطا الشيخلي بتقديمها إلى القراء في كراس خاص، ثم طبعت مرة ثانية ضمن مجموعة عنوانها " هديل الحمام "؟ قام بجمعها ونشرها باقر الموسوي (دون أن يذكر تاريخ الطبعة) ؛ وصدرت هذه الطبعة الثانية بمقدمة لعل السياب هو الذي كتبها تصور غاية حركة السلام ثم تورد توضيحا لبعض أجزاء القصيدة. وكانت خطة القصيدة ذهنية واعية تعتمد مبدأ التقابل بين جانبي الخير والشر، بين السلم والحرب، بين الإيجابية والسلبية: فالهول الذي تمثله الحرب يتطلب نغمة متفجرة، شديدة الوطأة، صخابة الجزالة، ثم تتلوها نغمة كالأغنية الرقراقة تمثل وداعة الحياة وهناءة العيش في ظل السلام، ولكن الشاعر لم يستطع أن يحتفظ دائما بهذا الشكل الصناعي على انسجام في التراوح بين الجانبين، ولم يبق لديه من الانسجام سوى النقلة من وزن البسيط (الذي يمثل جلبة الحرب والدمار) إلى أوزان اهدأ منه لتمثل سمات السلم في حياة بني الإنسان. ففي الدورة الأولى صور تكالب تجار الموت على ان يقطعوا يد الشعب الخيرة البناءة بإثارة حرب جديدة، وسرعان ما ترك هؤلاء التجار يجمعون حطبهم لإضرام النار، والتفت إلى حمى السلم الآمن أو ما سماه " الأم الرءوم " فصور العيون التي يغازلها الرجاء، والعذارى

стр. 145

وهن يحملن السلال في مواسم الحصاد، وشيخا قد كسر حراب الطغاة ودفنها في الجليد واستنبت بدلها ضوء الصباح الجديد، وتأمل السلام وهو يضحك في الحقول والأغاني والمعامل والمدن الضاحيات ورأى زهرته ترف رفيفها الجميل. وفي الدورة الثانية صور الحرب وقد فتحت شدقها الواسع تحاول ان تلتهم كل ما يقع في طريقها: شدق يزيد اتساعا كلما رفعت ... ستر الدجى خفقت من كوكب غربا آلى على الأرض ان يجتث عاليها ... سفلا ويصفع من يأتي بمن ذهبا ولا يريق دما إلا وأضرمه ... نارا وذرى رمادا منه أو لهبا تسعى به الريح في الآفاق ناسجة ... للشمس من جذوة أو من دم حجبا وفيما هو يصور ويلات الحرب وكيف أصبحت الأرض " كالأبرص المنبوذ " وتكدست الأجساد تنضح قيحا، علق نظرة بأجساد النساء الجميلات وقد انمط ثديا كل امرأة منهن كالعجين الرخو، فقطع الوصف، وأخذ يتذكر ما كانت تلك المرأة تمثله من جمال: كم عاشق كانت أمانيه أن ... يرتشف النور على جيدها وبهذه الالتفاتة، وهي تصور مبلغ حرص السياب على ما حرمه من حديث عن المرأة في مثل هذه القصيدة الغائية، فقد السياب ذلك التوازي الذي حققه في المقطع الأول بين هول الحرب ووداعة السلم في اتساق متعادل، وانحاز بنظرة إلى جزئية صغيرة من خيرات السلم. وفي الدورة الثالثة تحدث عن القنبلة الذرية وفعلها في تشويه الآدميين، وحاول أن يوازي بين الهول في أثرها والتهويل التعبيري، وسماها " ظل قابيل ": إذا تضرم فاندك الفضاء جذى ... غضبي ونش الدم الفوار والعرق
следующие страницы →