← Адаб

Адаб · id 1017

بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

إحسان عباس

Полный текст (411 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فراغ

стр. 142

- ١٢ - فجر السلام ليس في قصائد بدر التي نشرت في دواوين أية قصيدة تحمل تاريخ السنوات ١٩٤٩، ١٩٥٠، ١٩٥١ ولكن على الورقة الأخيرة من ديوانه " أساطير " إعلان عن اقتراب صدور ديوان آخر عنوانه " زئير العاصفة "؟ ويوصف بأنه ديوان اجتماعي، وتحته إعلان آخر عن قصيدة " حفار القبور " وأنها " قصيدة طويلة شائقة ستصدر في كراس "؛ وقد نشرت هذه القصيدة سنة ١٩٥٢، أما " زئير العاصفة " فلا نعرف ما حل به ولا أي قصائد يحتوي، ولكنه؟ حسب الإعلان - يمثل الكفة الثانية في ميزان السياب، فإن كان " أساطير " يصور الناحية الذاتية العاطفية في شعره فليكن " زئير العاصفة " ممثلا للناحية الاجتماعية، وقد كان يحس في قرارة نفسه أن صدور " أساطير " عن شاعر ذي رسالة إنسانية ضخمة سيقابل بشيء من الفتور في بعض المجالات، ولذلك قال في مقدمته: " لا تزال لدي مجموعة ضخمة من الشعر الاجتماعي الإنساني ستطبع في المستقبل ستطبع في المستقبل القريب " (١) ؛ وكل ما لدينا من قصائده في هذه الفترة قصيدتان طويلتان هما فجر السلام وحفار القبور، ويشير الأستاذ محمود العبطة إلى قصيدة طويلة ثالثة

стр. 143

بعنوان " القيامة الصغرى " نشر منها مقاطع في جرائد بغداد (١) ويقول أنها كانت أهم القصائد وأحبها إلى نفس الشاعر، وهو يعتمد في هذا الحكم على إجابة لبدر سجلها (عام ١٩٥١) عن أحب قصائده إليه فقال: " أحب شعري إلي ملحمتي الشعرية (القيامة الصغرى) التي بقيت مبتورة لم تتم والتي أحاول جهدي إكمالها، وأحب كذلك قصيدتي (فجر السلام) و (مقل الطغاة) ، وعلى كل فالإجابة بصورة صحيحة عن هذا السؤال متعذرة ولكن هذه القصائد آخر ما كتبت؟ الخ " (٢) وقد كانت هذه الإجابة مرهونة بظروفها أولاً لأنها كانت تشير إلى أن الشاعر قد سار في نهج جديد وأن جدة هذا النهج كانت تحبب تلك القصائد إلى نفسه، لأنها؟ حد تعبيره - " آخر ما كتب "، ثم هو يعلم حق العلم أن الذي سأله عن أحب شعره إليه كان صديقا ذا ميول يسارية، ولذلك فان التنويه بهذه القصائد؟ دون سواها - يرضي ذلك الصديق مثلما يرضي بدرا نفسه وهو في غمرة الحماسة لنزعته اليسارية ولأثرها الموجه، في شعره. ولكن الشاعر؟ بعد سنوات - أخذ ينظر إلى قصيدة " فجر السلام " بشيء من التردد، وقد يلمس القارئ في صيغة حديثه عنها؟ وان كانت تقريرية - جانبا من الندم المتزج بالسخرية، وذلك حين يقول: " أن تلك القصيدة كانت من الشعر الشيوعي النموذجي فقد شحنتها بأفكار حركة السلم: تحدثت عن أشكال السلام في البلدان الاشتراكية والبلدان الاستعمارية والرأسمالية والبلدان المستعمرة وشبه المستعمرة؟. ولم أنس أن أتحدث عن الأم الرءوم حصن السلام والاشتراكية فقلت:

стр. 144

هناك يرين السلام ... كأهداب طفل ينام وحيث التقت ترنو ... عيون الورى في وئام برغم اللظى والحديد ... (١) نمت زهرة للسلام " وقد نشرت قصيدة " فجر السلام " في ذلك الحين؟ أخذها بعض الرفاق ونشروها دون أن يذكروا اسم ناظمها، وكان ذلك اقتراحا من بدر نفسه (٢) ، وقد عني المحامي عطا الشيخلي بتقديمها إلى القراء في كراس خاص، ثم طبعت مرة ثانية ضمن مجموعة عنوانها " هديل الحمام "؟ قام بجمعها ونشرها باقر الموسوي (دون أن يذكر تاريخ الطبعة) ؛ وصدرت هذه الطبعة الثانية بمقدمة لعل السياب هو الذي كتبها تصور غاية حركة السلام ثم تورد توضيحا لبعض أجزاء القصيدة. وكانت خطة القصيدة ذهنية واعية تعتمد مبدأ التقابل بين جانبي الخير والشر، بين السلم والحرب، بين الإيجابية والسلبية: فالهول الذي تمثله الحرب يتطلب نغمة متفجرة، شديدة الوطأة، صخابة الجزالة، ثم تتلوها نغمة كالأغنية الرقراقة تمثل وداعة الحياة وهناءة العيش في ظل السلام، ولكن الشاعر لم يستطع أن يحتفظ دائما بهذا الشكل الصناعي على انسجام في التراوح بين الجانبين، ولم يبق لديه من الانسجام سوى النقلة من وزن البسيط (الذي يمثل جلبة الحرب والدمار) إلى أوزان اهدأ منه لتمثل سمات السلم في حياة بني الإنسان. ففي الدورة الأولى صور تكالب تجار الموت على ان يقطعوا يد الشعب الخيرة البناءة بإثارة حرب جديدة، وسرعان ما ترك هؤلاء التجار يجمعون حطبهم لإضرام النار، والتفت إلى حمى السلم الآمن أو ما سماه " الأم الرءوم " فصور العيون التي يغازلها الرجاء، والعذارى

стр. 145

وهن يحملن السلال في مواسم الحصاد، وشيخا قد كسر حراب الطغاة ودفنها في الجليد واستنبت بدلها ضوء الصباح الجديد، وتأمل السلام وهو يضحك في الحقول والأغاني والمعامل والمدن الضاحيات ورأى زهرته ترف رفيفها الجميل. وفي الدورة الثانية صور الحرب وقد فتحت شدقها الواسع تحاول ان تلتهم كل ما يقع في طريقها: شدق يزيد اتساعا كلما رفعت ... ستر الدجى خفقت من كوكب غربا آلى على الأرض ان يجتث عاليها ... سفلا ويصفع من يأتي بمن ذهبا ولا يريق دما إلا وأضرمه ... نارا وذرى رمادا منه أو لهبا تسعى به الريح في الآفاق ناسجة ... للشمس من جذوة أو من دم حجبا وفيما هو يصور ويلات الحرب وكيف أصبحت الأرض " كالأبرص المنبوذ " وتكدست الأجساد تنضح قيحا، علق نظرة بأجساد النساء الجميلات وقد انمط ثديا كل امرأة منهن كالعجين الرخو، فقطع الوصف، وأخذ يتذكر ما كانت تلك المرأة تمثله من جمال: كم عاشق كانت أمانيه أن ... يرتشف النور على جيدها وبهذه الالتفاتة، وهي تصور مبلغ حرص السياب على ما حرمه من حديث عن المرأة في مثل هذه القصيدة الغائية، فقد السياب ذلك التوازي الذي حققه في المقطع الأول بين هول الحرب ووداعة السلم في اتساق متعادل، وانحاز بنظرة إلى جزئية صغيرة من خيرات السلم. وفي الدورة الثالثة تحدث عن القنبلة الذرية وفعلها في تشويه الآدميين، وحاول أن يوازي بين الهول في أثرها والتهويل التعبيري، وسماها " ظل قابيل ": إذا تضرم فاندك الفضاء جذى ... غضبي ونش الدم الفوار والعرق

стр. 146

وانقض من حيث تهوي الشمس غاربة ... ليل من القاصفات أو شفق جن الرضيع الذي يحبو وهب على ... رجليه يعدو ويلوي جسمه العنق من فرط ما طال واسترخى وقد صهرت ... أعراقه الزرق نار فيه تختنق وحين أطبقت الظلمة إطباقاً أطلت من الأفق الذي يفتحه الشروق أيد تلوح بالسلام، وتوزع بين الناس نداء تتجمع حوله جميع رغباتهم هو نداء أنصار السلام في كل مكان. وهكذا جاءت هذه الدورة الثالثة منسجمة مع الأولى في رسم صورتي الظلام والنور. وبدلا من أن يمضي الشاعر في رسم دورة جديدة ترجم فحوى النداء إلى شعر، فقدم صورتين متناقضتين إحداهما عن الأب والأم والزوجة والابن والجيران (ولكل واحد مقطع خاص) وهم يعانون أثر القنبلة الذرية والثانية عن صورة هؤلاء جميعا وهم يمارسون شئون الحياة في السلم، - وما أبعد الفرق بين الحالتين - ودعا من يستطيع رؤية الفرق الشاسع بينهما إلى التوقيع على نداء أنصار السلام، لأن هذا التوقيع يوقف الدم والدموع عن الانحدار، وعندئذ يتجلى الشاطئ الضحاك والقمر الطروب، وتتنفس الأضواء، وترفرف أجنحة حمامة السلام، والأطفال من ورائها يرمقونها بأعين ندية بالإخاء. ولكن هذا كله لا يتحقق إلا بالثورة على العبودية وتحطيم الأغلال، ولهذا صور الشاعر في الدورة الختامية كيف بدأ ليل الاستعباد يزول، وثارت الأمم المستعمرة؟ والشرق في طليعتها - فحطمت الأغلال، ورفعت رءوسها أمم كانت مثل سيزيف مشدودة إلى الصخر، وكان يخدعها تجار الحروب فيعطونها الدراهم لتقتات باليسير، ويتحول القوت في عروقها إلى دماء تراق على مذابح الحروب، فهؤلاء العمال بئر من الدم سيغرق فيها الجيل المقبل وهكذا، وتبدو هذه الفكرة طريفة، ولكن تعبير الشاعر القاصر عن أدائها قد جعلها كالأحجية:

стр. 147

وابتاع بالدرهم المجبول من دمها ... فيض الدم الثر فيها شر تجار واستأجروها لصنع الموت منه لها ... بالزاد يبقى دما فيها لجزار أعمارها مثل بئر للدم ابتلعت ... جيلا سواها بهن ابتاعه الشاري وهذا يعني أن نداء السلم قد عم الكون ولذلك عاد الشاعر فكرر في ختام قصيدته تلك المقاطع التي عبر فيها عن أصالة هذا النداء وعن حمامة السلام التي نشرت جناحيها فلكما ظلماء الحروب ومهدا لطلوع الفجر - فجر السلام. فالقصيدة تتكون من أربع دورات، في كل دورة شقان متقابلان؟ وبين الثالثة والرابعة يقع نداء أنصار السلام (وهو قائم على التقابل أيضاً بين صورتين) ، وقد كان هذا الشكل صالحا لهذه القصيدة، لأن الوعي الذهني هو الذي يرسم لها كريقها، لو أن الشاعر أحسن الالتزام بصناعة البناء، وخاصة في فترات الارتداد من دنيا الأهوال والمخاوف إلى أحضان الهدوء، ولكنه لم يفعل، كذلك فان إيراد نداء أنصار السلام جاء دخيلا على هذا المبنى الواضح (وان التزم فيه الشاعر مبدأ التقابل) ، أن التعاقب بين الخير والشر في بناء القصيدة هو خير ما فيها لأنه يضع الذهن في موضع المفارقة والمقارنة، وعن طريق ترسيخ هذا التأثير في نفس القارئ حاول الشاعر؟ واعيا - أن يقول كل ما يجعل الحرب كريهة لديه وأن يجعل السلم جميلا في عينيه، أي أن القصيدة تراوح مستمر بين التقبيح والتزيين؛ وإذا استثنينا حرصه على التدرج في بناء الشق الأول؟ أي رسم صورة مخيفة للحرب - فانا نجد أن قصيدته تشكو من نقص أساسي وهو عدم التمايز بين الدورات في طبيعة الموضوع الذي يعالجه، كما أن فيها معالجة من يعييه التعبير، وهذا يظهر على أشده في فترات الهدوء، أما في تصوير الرعب والفزع فقد حاول أن يغطي بصوت الهدير اللفظي على قصور عباراته، فوفق إلى حد إلا إن المدقق في أبياته يلمح معاناة شاعر مبتدئ متفاوت

стр. 148

الصياغة مضطر إلى الحشو، يحلق ويسف في البيت الواحد، ويركب ألفاظا لا تؤدي ما يريده من معنى إلا بالتعسف في التأويل. ان قصيدة " فجر السلام "؟ رغم ما يعتريها من سمات الضعف الفني - ومعها قصائد مثل " القيامة الصغرى " و " مقل الطغاة "، تومئ إلى تحول لدى السياب في الموضوع الشعري، بعد ان كان قد مارس التحول في الشكل في بعض قصائد ديوانه " أساطير "؛ لقد أدركه الشبع من ذلك الشعر الذاتي الذي يعرض فيه مواجده على الناس، واخذ يحاول التوفيق بين فنه ومبدأه الذي يعتنقه، حتى خيل إليه في لحظة انه لن يكتب من بعد بيتا واحدا من الشعر الذي يشبه ما تضمنه ديواناه " أزهار ذابلة " و " أساطير " (١) . ولذلك صرح للأستاذ العبطة (١٩٥١) بأنه يكره الشعر الذاتي بل انه يعتبر الشعراء الذاتيين عملاء للاستعمار حتى وان لم يشعروا هم بذلك قال: " واهم خطر يجب علينا أن نحاربه أولئك الذين ينشرون الأفكار الانحلالية ويحاولون ان يخدعوا الجماهير بأن لا فائدة من نضالها، لأن الحياة شيء تافه لا يستحق كل هذا الاهتمام وان البؤس مقدر على البشر " (٢) ؛ وأضاف انه يرى ان الشعر السياسي؟ رغم قصوره - افضل من الشهر الذاتي لأنا لو " نظرنا إلى الأمر نظرة عميقة لوجدنا من يقول: متى تتحرر من المستعمرين موازيا من حيث الفن لمن يقول متى ارى حبيبتي، إضافة إلى انه أنبل شعورا وأوسع نظرة " (٣) . لهذا فان قصيدة " فجر السلام " ليست هامة في ذاتها، وإنما تكمن أهميتها في أنها خط فاصل بين عهدين، أو قل بداية عهد جديد يسميه الشاعر العهد الإنساني، ويؤكد فيه ضرورة الخروج من صدفة الذات

стр. 149

لعرض المشكلات الإنسانية الكبرى. ومن الهام ان نتذكر بأن الموضوع الشعري رغم جدته وبعده عن الموضوع الذاتي القديم لم يتطلب شكلا جديدا أو قالبا خاصا من التعبير، وان السياب لم يجد خيرا من البحر القديم والتعبير الجزل الهادر ليعبر بهما عن آلام الحروب وبشاعتها. وقد رأينا ان اختيار هذا الشكل لم يكن مسئولا عن سمات الضعف الفني الذي لحق القصيدة؛ واذن فنحن أمام قضية هامة: في قصيدة " السوق القديم " استغل السياب شكلا جديدا لموضوع أزلي وأخفقت قصيدته، وفي " فجر السلام " ذات الموضوع الجديد استغل شكلا قديما وأخفقت قصيدته. وعلى هذا لا يحق لنا أن نقول أن الشكل هو الحقيق بإنجاح القصيدة ولا ان الموضوع هو الذي يستطيع أن يجعلها فنية، وإنما هو تلك الموهبة التي تستطيع ان تسخر أي شكل ملائم وتستغله لموضوع ملائم، وان الجدة في الشكل لا تصنع شعرا جديدا كما أن الجدة في الموضوع تعجز عن ذلك. وقد يقال دون عناء إن السياب كان يجرب، فمرة يضع الموضوع القديم في شكل جديد ومرة يعكس الآية، حتى إذا استقامت التجربة وصلحت، ظهر نجاحه، وهذا أمر لست أناقشه لأن معناه ان الشاعر وجد طريقه الصحيح، ومن أبدى مثل هذا الرأي كان عليه ان يفسر لم يخفق موضوع جديد في شكل جديد فذلك أمر يدل بداهة على أن ممارسة الأمرين معا ليست كفيلة بالتميز الفني في كثير من الأحيان. ولنعد إلى قصيدة " فجر السلام ": ان الطول الذي تتمتع به هذه القصيدة وأخواتها في الفترة نفسها يشير إلى ان الشاعر لم يحاول تحولا في الموضوع وحسب وإنما وجد نفسه ينتقل من دور القصيدة الأغنية ذات الطول المقتصد إلى القصيدة الطويلة، وقد شجعته قصيدة " السوق القديم " على هذه النقلة، فأضحت اكثر قصائده في هذه الفترة طويلة مسترسلة. حتى ليحس من يدرس نتاجه في هذا الدور

стр. 150

انه كان يريد أن يعرف بالقدرة على القصائد الطويلة: فجر السلام؟ القيامة الصغرى؟ حفار القبور؟ المومس العمياء؟ الأسلحة والأطفال؟ أنشودة المطر، وان هذا الإحساس تملك الشاعر حتى سنة ١٩٥٣ ثم تحول عنه تحولا ظاهريا وحسب، لأن كثيرا من القصائد التي نظمها في أوقات لاحقة إذا جمعت حسب موضوعاتها كونت كل مجموعة منها قصيدة طويلة. وسر ذلك كله متصل بطبيعة السياب: فان القصيدة لم تكن تتسع لآنفعاله، فهو انفعال مديد متشعب احيانا، ثم هو قد نشأ معجبا ببعض القصائد الأجنبية الطويلة التي يسترسل فيها الشعور بين علو وهبوط كقصيدة " البحيرة " للأمرين، أو قصيدة " ثورة الإسلام " لشللي وغيرهما، ولعله كان يعتقد أن قصيدة " الأرض اليباب " هي التي كسبت لصاحبها تلك الشهرة وهي من القصائد الطويلة في الأدب المعاصر. يضاف إلى ذلك ان القصيدة العربية التي احبها السياب لدى أبي تمام أو البحتري أو المتنبي لا تعد قصيرة، ولم يغب عن مخيلته أن الجزالة التي لمحها في القصيدة العربية امتحان عسير للشاعر كلما طالت القصيدة، وهو قد نشأ على ايثار هذه الجزالة وان أعيته بصعوبتها في كثير من المحاولات؛ ووجدها تصح لشاعر معاصر يطيل القصيد دون ان يفقد تلك الجزالة وذلك هو الجواهري، الذي وجده السياب يتقمص النغمة القديمة بحذق ومهارة. ولم يستطع السياب ان يدرك الفرق بين نغمة الجواهري؟ في مدى التعمل الذي تجره في أذيالها - وطواعية التعبير عند اشد القدماء احتفالا بالصياغة اعني أبا تمام، ولهذا كان بناء القصائد الطويلة هو المجال الذي يريد السياب ان يتفوق فيه على سواه من المعاصرين، سواء أكان نهجهم تقليديا أو تجديديا -؛ وقد تحدثت من قبل عن المقدمات الطويلة التي لم يكن يستطع أن يتحلل منها، وهي مقدمات تصلح أن يمهد بها للبناء الملحمي، ولم يكن السياب محروما من النفس

стр. 151

الملحمي، بل لعله هو الشيء الذي يميزه بين الشعراء المحدثين، والقصيدة الطويلة اقرب القصائد إلى الملحمة واشدها سماحا بالحشد الكثير، وتلك نزعة كانت تترك السياب طليقا في تحديد شكل القصيدة وفي نموها معا. وكان السياب في هذه المرحلة وربما في مراحل بعدها يحس ان انفعاله لا يستطيع ان يعيش في نطاق ضيق قصير، ولهذا أحس من بعد انه اخطأ حين كان يعمد إلى أن يقول كل سيئ، ولكنه قلما حاول النجاة من هذا الخطأ، لأنه لم يكن يملك إشباع ذلك الانفعال أو تسريبه في لمحات خاطفة أو ومضات سريعة تومئ إلى المحتوى بلباقة خفيفة اليد.

стр. 152

- ١٣ - حفار القبور ولعله نظم قصيدة " حفار القبور " بعد نظمه قصيدة " فجر السلام " بقليل، أو ربما في إنشاء القصيدتين في وقت معا؛ وهو لم يذكر قصيدة " حفار القبور " بين القصائد التي احبها في تلك الفترة، لا لأنها ليست تمثل موقفا يساريا وحسب بين تلك القصائد، وإنما لأنها تمثل مشكلة في طريق تطوره الفني، وهي من هذه الناحية مقدمة لقصيدة " المومس العمياء " التي ستفضح ازدواجية السياب، وتكشف عن ضعف انتمائه اليساري عامة. كلتا القصيدتين ظاهرتين قائمتين؟ على شذوذهما - في المجتمع، وتحاولان الحديث عن الظاهرة النتيجة، ولعل الفرق بينهما هو ان " حفار القبور " تتحدث عن النتيجة دون أسبابها، وان " المومس العمياء " تتحدث عن النتيجة مع إرجاعها إلى أسباب ثانوية أو خاطئة. وحين وقعت إلي قصيدة " حفار القبور " بعيد صدورها كتبت مراجعة عنها، منقطعة الصلة بتطور السياب الفني، وما يلابس حياته ومبادئه، ولما كان رأيي في ما قلته حينئذ لم يصبه تغير يذكر؟ لأني عرضت لمضمون القصيدة وحده - فأني أعيده هنا بشيء من الإيجاز: " حفار القبور هو الرجل الجائع الذي يموت إن لم يمت الناس، فهو يكره السلام ويتمنى الحرب ويمقت الكسل والخمول في عزرائيل

стр. 153

ومن اجل ذلك يتفنن في تصوراته التي تنعش له مهنته، ويتمنى على الله ان يبطش بالناس " نسل العار " ويهلكهم بالرجوم: يا رب ما دام الفناء هو غاية الأحياء فأمر يهلكوا هذا المساء سأموت من ظمأ وجوع أن لم يمت بعض الأنام كل ذلك لأن حفار القبور لا وجود لصنعته إلا بوجود الحرب. غير انه حفار بوهيمي لا يكاد يجد المال في جيبه حتى يندفع به إلى الحانات ودور البغايا، وقد تركته مهنته فريسة للنزوات من كثرة ما دس في الثرى من أجسام فاتنة، وفي الفصل الأخير من قصة هذا الحفار الذي يعيش على غرائزه يدفن المرأة التي كانت تهبه جسدها ويسترد الأجر الذي دفعه لها: ماتت كما ماتوا ووارها كما وارى سواها واسترجعت كفاه من يدها المحطمة الدفينة ما كان أعطاها؟ وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد ويظل حفار القبور ينأى عن القبر الجديد متعثر الخطوات يحلم بإلقاء وبالخمور ان في هذه " الملحمة " معنى المأساة الكامنة في ضروب الصراع، فالحفار في صراع مع غرائزه، وشعوره مقسم بين الدعوة إلى الحرب والثورة عليها، وإذا شعر من نفسه بالوحشية لتمنيه الحرب والدمار اعتذر عن ذلك بقوله: أنا لست أحقر من سواي وان قسوت فلي شفيع؟. أني كوحش في الفلاة

стр. 154

لم اقرأ الكتب الضخام وشافعي ظمأ وجوع أوما ترى المتحضرين المزدهين من الحديد بما يطير وما يذيع أني نويت ويفعلون والقاتلون هم الجناة وليس حفار القبور وهو حفار كثير التردد بين عقله وغريزته، متلظى الهواجس؟. هو صورة أخرى من المومس التي تعيش أيضاً في صراع بين المبدأ والحاجة ثم تغلبها شهوة النفس على كل مبدأ ولعلها تتصور ان الفضيلة التي تكبح شهوات الناس هي سبب موتها فهي تطلب الحياة من طريقها السلبي. وليس من العبث أن عمد الشاعر إلى الربط بين الشخصيتين في " ملحمته " ربطا وثيقا فجعل الحفار يهلل لمقدم أحد الموتى بقوله: " ضيف جديد "! وجعل المرأة الخاطئة تردد القولة نفسها وهي تسمع طرقا على الباب. غير ان حفار القبور اكثر تورطا في أنواع الصراع من تلك المرأة وأقسى صورة منها وهو يسترد ما أعطاه لها حين يضعها في التراب، والمأساة الحقيقية ليست في مقدرات الحفار بل في تعاسة المرأة وليست في طبيعته الحيوانية بل في مهنته التي تضطره أحيانا ليدفن عمته أو أخته أو شخصا آخر كان حبيبا إليه. ولست احب أن ابعد في الرمز فان من شاء أن يجد في شخصية الحفار معنى اعمق وجد، ولكني اعتقد أن الأستاذ السياب قد أسرف كثيرا في تصوير الشهوات حتى خيل إلى القارئ انه كان يريد ان يجعل قصيدته متنفسا للتعبيرات الشهوانية المحمومة؛ وهو قد أوقع نفسه في موقف لا إنساني حين جعل الحرب موضوعا للأخذ والرد وليس في الوجود ما يحسن الحرب من حيث المبدأ الإنساني العم حتى ولا منطق الوجود ما يحسن الحرب من حيث المبدأ الإنساني العام حتى ولا منطق الحفار القائم على جوعه وعوزه، لان الحرب في حقيقتها قد تأكل

стр. 155

الحفار قبل أن يهيئ له الطعام؟ وهي ناحية لم يلتفت إليها الشاعر - ولان الموتى في الحرب لا يدفنهم حفار بأجر - وهي ناحية أخرى من الواقع. فالروح المخربة التي تسكن في جسم ذلك الرجل؟ اعني الحفار - تجعلنا نضحي به من اجل المجموع وخاصة حين يكون الحفار رمزا للطاغية المستبد في الأمة يضحي بأبنائها من اجل أن يأكل، ويحفر في كل يوم قبرا أو قبورا ليداوي حمى الجشع في نفسه؛ ولقد كان في استطاعته الشاعر ان يتخذ من شخصية الحفار رمزا للقوى المتحررة لا لعبودية الغرائز. و" ملحمة حفار القبور " تهم الذين يربطون بين الأدب والتحليل النفسي لأن فيها من صدق التصوير لبعض العقد الدقيقة ما يجعلها فريدة في هذا المجال ومن السهل أن يعثر فيها القارئ المدقق على فكرة " الولادة الجديدة " Re - birth التي يمثلها الإلحاح الشديدة في اعتصار الثديين ومنظر الدماء المعتصرة (ص١٥) والحفرة المعدة قبل الأوان لاستقبال العائدين إلى " رحم التراب "؛ وفي هذه الملحمة ثورة نفسية عاتية على الأبوة؟ أو على الأب بتعبير أدق - ولكن مما يخفف منها أحيانا خضوع شخصية الحفار لغرائزه وجوعه وجهله، ونستطيع ان نجد هذه الثورة في مواقف كثرة من الملحمة، وخاصة وان الشخص الأخير الذي واراه الحفار في النهاية هو " الأنثى المظلومة "؟ رمز الأمومة - التي تكون فريسة له مرتين: حين يشتري جسدها بالنقود وحين يسترد نقوده منها. وقد كان من آثار هذه الثورة أن مضى الحفار عنا ونحن لا نعطف على وجوده، وظل في النهاية حيا ليظل نفورنا منه حيا، وماتت المرأة المظلومة قبله لتثير فينا شيئا من الأسى على مصيرها التعس " (١) .

стр. 156

لعل القارئ قد لمح في هذه المراجعة أني تجنبت الحديث عن بناء القصيدة وانني جعلت اكثر الحديث متصلا بشخصية الحفار، ثم ألمعت في سرعة إلى بعض التفسيرات النفسية التي قد تطبق على القصيدة والى انه قد يكون لها محمل رمزي، وان كنت أوثر أن آخذها على وجهها الظاهري دون لجوء إلى الرمز. واليوم؟ وبعد سنوات على كتابة هذه المراجعة - اعود إلى القصيدة مفصلا لا مجملا، جاعلا القصيدة (بعد أن تجوزت في تسميتها ملحمة) في موقعها الصحيح من حياة الشاعر وتطوره الفني. وأول سؤال خطر لي هو: هل كان من حق هذه القصيدة ان تنظم؟ ولست أسرع إلى الإجابة على هذا السؤال، لأن معظم ما سأكتبه من بعد يصلح جوابا عليه؛ ولكني أحب أن يظل القارئ واعيا بحقائق هامة تعد مقدمة للحديث عن القصيدة وهي أن السياب كان في تلك الفترة يعاني الضياع في شوارع بغداد ومقلهيها؟ كما سيتضح بعد قليل - وانه كان يحس بالهوة التي تردت فيها مثله الريفية النقية وهو يتردد إلى بيوت البغاء، وانه في الوقت نفسه كان يتجرع مرارة الإخفاق في حب يؤدي في حب يؤدي إلى زواج وينسب كل ذلك لأبيه، كما رأينا في قصيدة " سجين "، وان ثورته على الأب كانت آخذة في الازدياد؛ وفي غمرة ذلك الشعور من نقمته على نفسه وعلى أبيه نظم قصيدة " حفار القبور "، ليتلذذ بتعذيب نفسه المتهالكة على الشهوات، وتعذيب ابيه، الحفار القديم؟ الذي دفن أمه، وجعل من الابن " رذية " معقورة عند قبر، أي حفارا جديدا آخر، وامتزجت الصورتان معا في شخصية حفار القبور، مع ما اقتضاه التحوير الشعري اللازم لبناء القصيدة. والى هذا كله كان السياب قد قطع شوطا في الظهور بمظهر اليساري الملتزم الذي يتحدث عن الطغاة وفجر السلام، ولكنه لم يكن قد برئ من ازدواجية محيرة، فالنضال في سبيل الجماهير لم يستطع أن يريحه من

стр. 157

وقدة الجنس في عروقه، مثلما لم يستطع من قبل أن يخلصه من تلك الوحدة الرومنطية التي تتلذذ بالألم والشكوى والدموع. ولهذا اقدم على نظم القصيدة ليريح ضميره الرازح بالإثم الذي تسري فيه القشعريرة كلما ذهب صاحبه إلى ارواء ظمأه في المناهل الوبيئة. ولم يكن من منفذ لهذا كله إلا التشفي بقسوة جائرة من الذات، في صورة حفار قبور. ولا ريب في انه كان يعرف؟ بحكم يساريته - إن حفار القبور امرؤ لا ذنب له، ولهذا حاول ان يعتذر عنه بأنه لم يقرأ الكتب الضخام، وان تجار الحروب هم المسئولون عن كل ذلك: وهم المجاعة والحرائق والمذابح والنواح ... وهم الذين ستركون ابي وعمته الضريرة ... بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظام ... أو يفحصان عن الجذور ويلهثان من الأوام ... ولكن هذه اللفتة بدت عابرة في سياق القصيدة وكان الإلحاح كله على تصوير حفار القبور وعبوديته لشهواته، ولهذا أضاع الشاعر من قصيدته الجانب الرمزي فيها، ولم يوفر للقارئ أي مجال للربط بين " الجبرية " التي يعانيها الحفار في عالم الفقر وبين الدمار الحقيقي الذي يصنعه تجار الأسلحة في عالم الأثرة الفاحشة. ولتوضيح هذا الموقف علينا أن نتتبع القصيدة في سياقها العام: يفتتح الشاعر قصيدته برسم الجو الطبيعي وقد اخذ ضوء الأصيل يغيم على القبور، وأسراب الطيور تملؤ الجو نعيبا تردد صداه الصحراء، ثم اخذ ضوء ضئيل يتنفس وعلى رقصاته المرتعشة ظهر ظل طويل لحفار القبور: كفاه جامتدان ابرد من جباه الخاملين ... وكأن حولهما هواء كان في بعض اللحود ...

стр. 158

في مقلة جوفاء خاوية يهوم في ركود ... كفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين ... وفم كشق في جدار صورة الحفار قد ماتت فيها كل معاني الإنسانية وتزداد الصورة وحشة وخوائية وهو يناجي نفسه ويعلن عن مرارته الكامنة لأنه لا يرى نعشا يلوح عن المدى، فلم إذن تنعب الغربان؟ ولم يعيش المرضى الجائعون، ان ذلك معناه انه سيموت ولذلك فهو يتوجه إلى مخاطبة الله لعله يرأف بحاله فيأمر بإهلاك نسل العار، فقد مضى عليه أسبوع وهو يحفر ثم يملأ التراب المتهايل ما حفر؛ وهو يحس بجوع آخر: هل كان عدلا ان احن إلى السراب ولا أنال ... إلا الحنين، والف أنثى تحت أقدامي تنام!! ... أفكلما اتقدت رغاب في الجوانح شح مال ... ثم يسأل أين هي الحرب مصدر رزقه الكبير، ولذلك يتمنى لو عاش في تلك البلاد التي حدثوه عما فيها الحرب: ما زلت أسمع بالحروب فما لأعين موقديها لا تستقر على ثراها؟ ويتنازعه الحنين إلى دفن الموتى وإلى الأجر الذي يهيئ له أن يحصل على الطيبات، ويحاول أن يعتذر عن مهنته فليس هو الجرم الحقيقي وإنما هم صناع الحروب ثم يستيقظ في نفسه المظلمة " قابيل " حين يلوح له من بعيد ما يحسبه ضيقا جديدا. وتحقق ما تمناه ودس في جيبه بعض النقود وجعل وجهته المدينة ومضى يحلم بالنساء العاريات وبالخمور: وتحسست يده النقود وهيأ الفم لابتسام حتى تلاشى في الظلام.

стр. 159

وبذلك ينتهي المشهد الأول. وفي الثاني نرى حفار القبور يسير إلى هدفه وبيده زجاجة يشدها في حرص وهواجسه تدور محمومة في رأسه وتمثل له اللذة التي سيمارسها: والحلمتان اشد فوقهما بصدري في اشتهاء ... حتى احسهما بأضلاعي واعتصر الدماء ... باللحم والدم والحنايا منهما لا باليدين ... حتى تغيبا فيه في صدري إلى غير انتهاء ... حتى تمصا من دماي وتلفظاني في ارتخاء ... فوق السرير وتشرئبا ثم نثوي جثتين ... وفي المنظر الثالث وصف لحي البغايا، وطرق على الباب وامرأة تفتح ذلك الباب وهي تقول " ضيف جديد ". وفي المنظر الرابع، وهو الأخير، يعود حفار القبور إلى موقفه الأول، فيكرر أمنياته بالدمار الذي يبسر الموتى ويجلب الرزق ويحلم بما فعل في المنظر الثالث، ثم يفيق من حلمه على صورة نعش تحف به نساء وبينا يهتف لنفسه انه لا بد سيلقى المرأة التي تلذذ بجسدها، لم يكن يعرف أن التابوت القادم يحتوي تلك المرأة نفسها: لو حدث التابوت عمن فيه أو رفعت يداها ... أو هبة للزعزع النكباء حاشية الغطاء ... تحت النجوم الساهمات، لكاد ينكر من رآها ... ودون ان يعلم، ألحد المرأ، وأخذ أجرا كان أعطاه لها وراح يحلم باللقاء وبالخمور. إن من يتأمل هذا السياق للقصيدة يدرك ان الشاعر كان يحاول ان يحل مشكلة لا تحل وانه وضع حفار القبور في عربة حتمية مغمض

стр. 160

العينين، وأراد أن يرسم صورة مقابلة لامرأة ذات حرفة كحرفة الحفار؛ وجعل استرداد الحفار لماله موضع سخرية بهذه القوة العمياء التي توجه أمثال هذين المسوقين في طريق الحياة دون أن يعرفا لم وكيف. فالسياق الظاهري يعتمد قصة صغيرة لا تصلح ان تكون موضوعا فنيا، وإذا لم تكن تلك القصة ذات بعد رمزي فمعنى ذلك أنها أخفقت إخفاقا كليا. وقد نرجع إلى الرمز الذي أشرت إليه من قبل، فنجعل حفار القبور صورة للطاغية في الأمة الذي لا يعيش إلا بموت الآخرين والمرأة رمزا لتلك الأمة التي يمتص الحفار دمها ويسترجع ما أعطاه لها، ولكن تخليص هذا البعد الرمزي من ذلك الإسراف المتلذذ في وصف النزوات ومن تضاعيف التصوير الواقعي لبيوت البغايا أمر مشوب بالتعسف ولهذا فان الشاعر؟ مهما يبعد في الأخذ بالرموز - لم يكن على وعي بأن لقصيدته بعدا داخليا، ولو كان الأمر كذلك لاكتفى باللمحات بدل الصور التفصيلية. ويتبقى بعد ذلك المحمل النفسي الذي تمثله القصيدة، فتجربة حفار القبور مستمدة من تجربة الشاعر الواقعية؟ الفتى البائس الذي لا يكاد يجد قدرا من المال في جيبه حتى يسرع ليطفئ ظمأه إلى الخمر والمرأة، فهو يتشفى بالأنحاء على هذه التجربة مثلما يبني في تضاعيفها صورة أخرى من الثورة على الأب، ومن الارتباط نفسيا بقبر الام أو بالعودة إلى الرحم، وفيما كان الشاعر يمزج بين ثورته على اللذات وثورته على الأب كان يحاول ان يخرج إلى مرحلة من " التسوية " المريحة، فالقصيدة جاءت تنفيسا وزحزحة للخناق الذي يشد على عنق الشاعر. وإذا عديت عن هذه الغاية التي حققها القصيدة وجدت بناءها سهلا مسترسلا يشبه قصة قليلة الأحداث، ولما وجد الشاعر أن البناء لا يكلفه جهدا كثيرا، صرف ما ادخره من جهد في الناحية التصويرية

стр. 161

ولعل ابرز ما يميز القصيدة من الناحية الفنية، فنحن نحس أن الجو ينتمي إلى قطاع من عالم الأموات Hades ولذلك يتضاءل فيه النور وتملؤه الغربان بنذر من الشؤم؛ " وكأن بعض الساحرات مدت أصابعها العجاف إلى السماء " وكأن ديدان القبور خرجت من مكامنها، واستيقظ الموتى عطاشا يلهثون، وتضاف إلى هذه الصورة صورة ميت حي (وتلك سخرية مرة) موكل بدفن الموتى، فإذا صورته صورة ميت قد أدرك الجمود يديه ولاح فمه كشق في جدار، ثم تجتمع إلى ذلك كله صورة القبر الفارغ الذي تتثاءب فيه الظلماء، ثم تتلوها صورة الدمار الذي تخلفه الحرب، ثم صورة نعش في ضوء تذرذره مصابيح السماء كأنه ضباب؛ ولا تختلف صورة الطريق إلى دور البغايا ولا صورة منزل البغي عن هذا كله، فالدرب كأفواه اللحود، والحارس متعب وسنان، والباب عقيق إذا دق عليه الطارق أرسل صوتا كإيقاع المعاول بين القبور الموحشات، والمرأة حزينة تفرك عينيها في فتور وعلى وجهها ظل يزحف كالكسوف، وفي المنظر الأخير يبدو السماء لعيني الحفار كأنها صنم بليد، والطريق مكتظ بالأشباح، وفانوسه صدئ عتيق؟ مجموعة من الصور المتلاحقة ترسم صورة كبيرة لا يتخللها إلا نور ضئيل، وتسيطر عليها صبغة الموت واللحود والظلمة والنعيب المشئوم والإعياء المتهاوي؟ أنها صورة فقدت معنى الأمل وبسمته وضياءه، فزادت القصيدة نأيا عن حل مشكلة الإنسان.

стр. 162

- ١٤ - يا مهلك موسى ومنجي فرعون لم تكن التفاؤلية التي عبرت عنها قصيدة " فجر السلام " وما جرى مجراها من القصائد قادرة على أن تنسي السياب أن عالمه الحقيقي يشبه الدروب والزوايا التي وصفها في حفار القبور، وان الظلمات النفسية تصبغه بعتمة كئيبة، وان العدمية التي كان ينادي بها الحفار الجائع الظامئ ذو الشهوات المتوفرة إنما كانت صدى لحقد الشاعر على " نسل العار "، وان فكرة الدفع واسترجاع المدفوع؟ بين الحفار والمومي التي ماتت - إنما كانت أمنية شاب لا يجد ما يسعفه على اكتساب بلغة من طعام؛ فقد كان في بقية عام ١٩٥٠؟ حين هبط بغداد دون عمل بعد أن فقد وظيفته في شركة نفط البصرة - متسكعا في الشوارع أو مترددا إلى المقاهي: " وأمسى ملازما لمقهى حسن العجمي يحيط به الشقاء والألم ولكنه يتحمله بصبر واباء، يعينه إخوانه الذين أتذكر منهم اكرم الوتري ومحبي الدين إسماعيل وخالد الشواف " (١) . ولكن سعيه وسعي أصدقائه في تدبير عمل يحفظ له كرامته قد استطاع أن يخفف شيئا من تلك الضائقة التي كانت تعتصر نفسه،

стр. 163

فاشتغل مترجما في الصحف مثل صحيفة " الجبهة الشعبية " و " الرأي العام " و " العالم العربي " وفي صحف الأستاذ الجواهري، غير أن رزقه من الصحافة كان مرهونا بما تواجهه من تقلبات الحال، إذ كانت تحتجب أو يلغى امتياز أصحابها، ولهذا أخذ يتردد إلى بعض المتاجر ويعمل فيها بأجر يومي (١) . ثم توسط له بعض الرفاق لدى المدير العام بمصلحة الأموال المستوردة لكي يوظفه دون ان يطالبه بشهادة حسن سلوك، ففعل (٢) وهكذا ارتاح إلى مرتب منظم وان لم يخفف ذلك من نشاطه في الصحف. في تلك الفترة عاد فالتقى بالصبية اليهودية مادلين، حين كان يسير ظهر يوم (١٩٥٠ أو ١٩٥١) قرب مقهى الزهاوي، فاستوقفته الفتاة وسألته عما لديه من شعر نضالي، وكانت لديه قصيدة طويلة لم تكن قد اكتملت يتحدث فيها عن نضال الشيوعيين في كل مكان: في الصين وفي اليونان وفي الاتحاد السوفيتي، فاتفقا على موعد، وجاء يحمل تلك القصيدة، ثم كان لقاء آخر بعد اسبوع، فمشى بصحبتها وهما يتحدثان في أمور نضالية، واتفقا على لقاء ثالث؛ واعد بدر لهذا اللقاء قصيدة يتغزل فيها بمادلين كتبها على ورق ازرق معطر؟ وخلع على القصيدة ثوبا نضاليا مهلهلا، ففرحت الفتاة بالقصيدة، قال: " وافترقنا وتواعدانا على موعد جديد ورحت أفكر بالموعد المنظر، فعزمت على أنني سآخذها هذه المرة إلى فندق من الفنادق المعروفة بأسرارها، وانتظرتها في الأسبوع الرابع، ولكن مضت ساعة على الموعد وهي لم تأت، وبعد أن يئست تماما انصرفت لأعلم فيما بعد ان الشرطة قد اعتقلتها ثم أطلق سراحها، لكنني لم أرها " (٣) .

стр. 164

غير أن قصة مادلين لم تنته عند هذا الحد، فقد كان السياب ذات يوم في مديرية الأموال المستوردة عندما جاء أحد الرفاق وقال للموظفين: " إن لدينا رفيقة يهودية؟ وهي شابة جميلة - تريد الحكومة ان تسقط عنها الجنسية العراقية وتسفرها إلى إسرائيل وإذا تزوجها مسلم أصبحت هي مسلمة ولم تغد الحكومة قادرة على إسقاط الجنسية عنها " (١) ، وكان السياب أحد الذين سجلوا أسماءهم للزواج منها؛ تلك قصة بسيطة لكن دلالتها عميقة، فاالسياب لما شم رائحة الأنوثة المشتهاة نسي النضال، واصبح لا يفكر إلا في قضاء وطر عابر، وحين اصبح هذا الوطر لائحا عن طريق الزواج، لم يتردد؟ باسم المشاركة في خدمة الحزب؟ في ان يستفل الرباط الزوجي لتحقيق الشهوة التي كانت تجتاح كيانة. وقارى القصة إذ يقدر شجاعة الصراحة لا يملك إلا أن يعجب لذلك المد العاتي الذي كان يحيل كل غاية جادة إلى تهافت نفسي واضح أمام رغبات النفس الجامحة. ولكن ذلك كله لم يمنع ان يكون البيت الذي الذي استأجره بدر وشقيقه وكرا من أوكار أنصار السلام، فيه يجتمعون ويتباحثون ويقرأون المناشير (٢) . واخذ الجو السياسي في بغداد يتلبد بالغيوم إذ قام رجالات الأحزاب؟ وخاصة أعضاء حزب الجبهة الشعبية والحزب الوطني الديمقراطي - بتقديم مذكر إلى الوصي تضمنت المطالب الشعبية، نشر بدر في جريدة " الجبهة الشعبية " قصيدة ثائرة تنبأ فيها بالوثبة الثانية، وسرعان ما حدثت تلك الوثبة التي عرفت في تاريخ العراق الحديث باسم " انتفاضة تشرين " (٣) (١٩٥٢) . وحين يرد بدر بداية هذه الانتفاضة إلى أسباب لا علاقة لها

стр. 165

بالسياسة أدت إلى إضراب كلية الصيدلة، وهي أسباب مدرسية صرف (١) ، فانه لا يتجنى على الواقع التاريخي، ولكنه ينسى أن أية حركة في ذلك الجو المحموم كان يمكن أن تؤدي إلى انفجارات متلاحقة، فقد كانت النفوس تضطرم بالتذمر والغضب إزاء الحملات الانتقامية التي كانت تشنها الحكومات المتعاقبة على الشعب، وإزاء الفساد الذي ينخر في الجهاد الإداري كله، وقد أشار بدر نفسه قبل قليل إلى المذكرة التي رفعتها بعض الأحزاب إلى الوصي مطالبة بالاحتكام إلى الدستور واحترام القضاء وإطلاق الحريات وأنصاف الفلاحين وتحسين مستوى المعيشة وغير ذلك من المطالب. ولهذا ما كادت مظاهرات الطلبة تخترق شوارع العاصمة ويصاب فيها بعض الطلبة، حتى هب الشعب إلى إعلان سخطه، وأخذت فئاته تهتف مرددة إصرارها على نيل المطالب التي تقدمت بها الأحزاب في مذكراتها وفي ٢٢ أكتوبر (تشرين الأول) وجهت الحكومة الجيش ليتصدى للاهلين، ولكن المتظاهرين هتفوا بحياة الجيش، فلم يطلق الجند النار على أحد، على نحو التضامن الضمني، ولم ينجح أصحاب السلطة في تحريض فريق من أبناء الوطن - أعني الجند - ضد فريق آخر - أعني الجموع الشعبية. وعمدت الحكومة إلى إطلاق البوليس ليلا للقبض على من تعتقد انهم اشتركوا في تلك الانتفاضة، وملأت بهم المعتقلات، وبذلك استطاع القضاء على هذه الحركة. وفي أحد الأيام المظاهرات - قبل أن تسيطر الحكومة على الموقف - حدثت مظاهرات عنيفة احرق فيها مركز الشرطة باب الشيخ وقتل عدد من الأشخاص، فيهم بعض رجال الشرطة. وكان بدر - حسب ما كتب من بعد - ذا دور بارز في تلك المظاهرات، ورأى أن القبض عليه أمر

стр. 166

لن تتردد فيه الشرطة، وقدر انه قد يسجن وانه سيفصل من وظيفته؟ دون ريب - ولم تعد لديه وسيلة يلجأ إليها سوى الهرب من العراق، فتنكر في ملابس إعرابي وسافر إلى البصرة، وفي أبي الخصيب سلمه بعض أقربائه إلى بعض " المهربين "، فنام ليلة في دار ذلك المهرب، وفي فجر اليوم الثاني؟ وكان يوما شتائيا باردا - أيقظه دليله، فسار بدر وراءه حتى بلغا نهرا صغيرا يفصل بين العراق وإيران، وحين اجتاز بدر ذلك النهير اصبح في ارض إيرانية (١) . ولم تزد إقامة بدر هذه المرة في إيران عن شهرين وعشرة أيام، فذهب هو وصديقه العربي الإيراني محمد حسين إلى عبادان لعلهما يجدان سفينة تنقلهما إلى الكويت، وكان بدر يحمل كيسا صغيرا من القماش فيه دشداشة وفانيلة ونعل وكتاب " كيف تتعلم اللغة الفارسية في أيام ". وبعد ثلاثة أيام استطاع هو ورفيقه ان يصلا إلى القصبة، إلى الجنوب من عبادان، وهناك نزلا عند مختار القرية، وقد تجاوزا فترة الضيافة المعهودة، فكان المختار ضيق الصدر بهما، حتى إذا وجدا السفينة التي تنقلهما إلى الكويت كانت سفينة شراعية، قاعها من الطين لأنها " مطعونة " فالطين فيها يحول دون تسرب الماء ويسكبها ثقلا، وربانها رجل قذر مقامر سكير كليل النظر. وبينما كانت السفينة تسير بهم في عرض الخليج كادت تصطدم بأحد الفنارات، وصاح بهم الربان: " تشاهدوا "، ولكن اليأس الغالب جعل بدرا يقوم فيعنف الربان، وبهذه الحركة حفز الركاب إلى إبعاد السفينة عن الخطر المحقق، ولكن الرياح والبرد القارس والجوع كانت عوامل قاهرة، ولما اشتد عصف الرياح اخذ بدر يدعو قائلا: " يا الله نجنا، يا مهلك موسى ومنجي فرعون؟. " وحين لاح بر الكويت كان يصرخ بينه وبين نفسه: " لقد

стр. 167

قهرت الخليج بسفينة مثقوبة " (١) . وهناك نزل هو ومحمد حسين على جماعة من الشيوعيين العراقيين كانوا قد فروا إلى الكويت، واضطروا إلى الإقامة فيها بعد أن حكم عليهم بالسجن غيابيا، وامتلأ المنزل بساكنيه إذ اصبح عددهم ثمانية، وفيهم السائق والعامل والافندي، وفيهم خريج من دار المعلمين الريفية، ومن بين نزلاء البيت ثلاثة مصابون بمرض السل، كذلك قال بدر (٢) ، أتراه كان على خطأ لو جعلهم أربعة؟ وتوزع الأصحاء العمل فيما بينهم، وكان ان وكل إلى بدر القيام بأعمال الكنس وغسل الآنية وإعداد الأسرة وتحضير الشاي والطعام؛ ومن الطبيعي ان يتوقع المرء وهو ينظر إلى هذا البيت المزدحم وقوع المجادلات والمنازعات بين سكانه، خصوصا وان المشارب متفاوتة، والاغتراب يضع النفوس في توتر متحفز، والهنات تكبر إذا صادفت أعصابا مرهقة، والموضوع الصغير يتطور في سياق الجدل التنفيسي إلى مشكلة، فكيف إذا عرفنا ان بدرا لم يكن راضيا عن الدور الذي يقوم به في خدمة تلك العصبة، وهو يرى انه كان يجب ان يتمتع بشيء من امتيازات الفتى المثقف الموهوب الذي يحسن شيئا آخر أهم من غسل الصحون وكنس الغرف وإعداد الأسرة؟ وكان الآخرون؟ وأكثرهم من العمال - يعدونه " أفنديا " ويلمحون لديه عدم التزام دقيق بما يعتقدونه ولاء حزبيا ومبدئيا فهو يشتري قصة " عشيق الليدي تشاترلي " للورنس، فيرونها في يده، فيستنكرون ذلك ويمنعونه من قراءتها، وينصحونه بأن لا يتجاوز في قراءاته الحدود المعقولة المقبولة: ان يساريا مثله يجب ان يتسامى على

стр. 168

الأدب المنحل والقصص البديء المكشوف، وان يقرأ؟ أن شاء القراءة - قصص غوركي وايليا اهرنبرغ وتشيكوف من الروس وكتابات دكروب وحنا مينه في لبنان، وشعر نيرودا وناظم حكمت. واتهمه الرفاق بأنه ينتمي إلى طبقة البرجوازية الصغيرة وان ما لديه من آراء شاذة إنما هي رواسب تخلفت في نفسه بسبب ذلك الانتماء، ومرة قال له احدهم: " انتم الافندية؟ انتم أبناء الطبقة البتي برجوازية "، فثار في وجهه قائلا: " تعال حاسبني، أينا الافندي وأينا الكادح؟ انك تتقاضى راتبا اكبر من راتبي، وتلبس ملابس خيرا من ملابسي، وتنام على فراشي، وتقوم بأعمال أهون مما أقوم به، انك لا تكنس ولا تغسل الاواني القذرة؟ " (١) . وحلت ذكرى الوثبة، فأحب الرفاق الاحتفال بذكراها واعدوا كلمات لتلك المناسبة، وكان فيهم إيراني خطب بلغته، فقال في خطبته: " إن فيصلا ونوري السعيد وعبد الإله اتفقوا ضد الشعب العراقي وعقدوا اجتماعا في قصر الزهور "، فاستولى الضحك على بدر ولم يستطع إسكاته، لأنه حين تصور الملك الطفل تنسب إليه أمور خطيرة الشأن، أضحكته المفارقة، ولكن الرفاق ثاروا عليه، وقرروا طرده من الحفلة وحرمانه من العشاء تلك الليلة (٢) . وهكذا كانت الفترة التي قضاها في الكويت مليئة بالمهارات والمنازعات، في موضوعات مختلفة، ولكن اشد ما غاظ الرفاق فيه تفضيله شكسبير على ناظم حكمت وادلاله عليهم بثقافته الواسعة في اللغة الإنكليزية وغضه؟ في معرض التحدي والمهاترة - من كل الشعراء اليساريين كأن يقول: " أخي، ليس ناظم حكمت وحده بل لو

стр. 169

وقف ناظم حكمت ثم وقف على رأسه بابلو نيرودا ثم وقف على رأس هذا اراغون ثم وقف قسطنطين سيمونوف فوق رأس اراغون لما بلغوا جميعا كعب شكسبير " (١) ويشفع هذا كله باستعلائية غياظة وهو يتحدث عن " دار المعلمين العالمية " حتى قال له أحدهم مهما ترا منذرا معا: " نحن يا عمي عمال وقد تكون أنت قد درست الأدب الإنجليزي في دار المعلمين ولكن؟ ولكن سيأتي يوم حين نجلس نحن الذين لا نعجبك وراء منصفات القضاء لنحاكمكم " (٢) . ليس من الضروري أن تكون التهمة الموجهة إلى السياب - وهي أنه يحمل رواسب الطبقة البرجوازية - تهمة صحيحة، ولكن حسبها أنها التفسير الذي استطاع أن يهتدي إليه رفاقه حين كانوا يرون في تصرفاته ما لا يقرونه من الزاوية العقائدية. لقد وجدوه - كما وجد هو نفسه - يقرأ غير ما يقرءون، ويضحك في أشد الأوقات جدية، ويطامن من شموخ الأدباء الماركسيين، ولا يتورع حتى عن قراءة أدب موسوم بالانحلال. ورغم هذا التباين في الميول والمفهومات، وربما في الغايات، ظل بينهم يستقبل الرفيق " جنجون "؟ منظمهم الحزبي - الذي كان يسكن في محلة نائية من محلات تاكويت، ويهرع إلى لقائهم وهو يحمل جريدة الحزب أو أحد منشوراته، للدراسة والمناقشة. ولما عاد إلى العراق؟ بعد ستة اشهر في الكويت؟ ووجد الأحوال فيه لم تتغير، لم يكن يحس بأنه؟ فيما تربى لديه من مشارب وآراء - قد اصبح غريبا على حزبه ومعقد انتمائه، وإنما ظل الحزب هو مفزهع الوحيد، ولهذا قرر أن يغادر العراق وأن يسافر إلى مهرجان الشبيبة في بوخارست، فأخذ من الحزب الشيوعي العراقي رسالة

стр. 170

توصيه إلى حزب توده الشيوعي في إيران (١) . وقد زلزلت التجربة الإيرانية في المرة الأولى والثانية من زيارته لإيران، بقية الدعائم الحزبية التي كانت ما تزال ثابتة ثبوتا مؤقتا في نفسه، وقربته من لحظة الانفصال. في تلك التجربة رأى العرب الذين يقطنون تحت الحكم الإيراني في منطقة " عربستان " ووجد لديهم شعورا قوميا قويا متسترا في آن، وذات يوم كان في أحد المشارب مع بعض أصحابه يتحدثون بالعربية فاقبل عليهم بعض الشبان العرب من أبناء عربستان، وراح أحدهم يقول في حسرة: انتم اخوتنا وكم تتمنى لو كنا معكم في بلاد واحدة، واخذ يغني اغنية عربية يذكر فيها الملك " فيصل " متدحا، ظنا منه أن ذلك يعجب العراقيين، فما كان من أحد السكارى الإيرانيين الا أن هجم على الفتى العربستاني صارخا: " أنت إيراني، غني على ملك إيران؟ شاهنشاه " (٢) . ورغم أن أهل تلك المنطقة يتكلمون العربية فان الحزب الشيوعي يصدر لهم صحيفة تسمى " خلق خوزستان " باللغة الفارسية؛ وقارن بدر بين الحزبين: الحزب الشيوعي العراقي يكاد يكون في خدمة الاقليات وصوتها المعبر عن آمالها، فهو يصدر لكل اقلية صحيفة بلغتها، وحزب توده الإيراني يفيض بنزعة قومية غالبة؛ يقول بدر: " ورأيت؟ فيما رأيت - إن حزب توده كثير الاهتمام بالحوادث التقدمية والوطنية في التاريخ الإيراني، فهناك مثلا يوم يحتفل فيه الشيوعيون الإيرانيون احتفالا عظيما هو ما يسمونه بيوم " مشروطيت " وأظنه؟. يوما طالب فيه بعض الأشخاص الإيرانيين بتطبيق روح الدستور في إيران (٣) .

стр. 171

ثم حدثت الثورة على مصدق في تلك الفترة، وشهد بدر كيف تخلى حزب توده عنه حتى تمكن زاهدي ومن وراءه من المتآمرين من إنجاح خطتهم، ولما ثار بدر على هذا التخاذل وسأل عضوا من حزب توده؟ في طهران - كيف يدعون الأمور تتجه في هذا المجال أكد له ذلك العضو أن الثوريين كانوا يقدرون على سحق زاهدي وأردف قائلا: اسمع أيها الرفيق العربي نحن على حدود اتحاد شوروي (الاتحاد السوفيتي) واذا استولينا على الحكم؟ نحن الشيوعيين - فهل تظن الأمريكان يسكتون عن ذلك؟ بالطبع لا.. سوف يتدخلون، وإذا ما تدخلوا أصيب الاتحاد السوفيتي بالضرر " (١) وأيا كان حظ هذا التعليل من الوحاهة أو التفاهة، فإن موقف حزب توده قد مكن الفرصة لاستقواء الاتجاه اليميني في إيران وحصر حزب توده في " قمع بلوطة "، ولكن هذا الموقف نفسه قد حطم بدر آمالا عريضة، وازدادت آماله تكسرا حتى أصبحت دقاقا مطحونا حين عاد إلى العراق وحدث رفاقه بما كان من تقاعس الحزب الإيراني، فوجد رفاقه العراقيين يصوبون ما اقدم عليه حزب توده، لأن في ذلك كل خير ومصلحة للسلام. وبقيت الشعرة الدقيقة التي كان يستبقيها معاوية بينه وبين الناس فلا يسمح لها بأن تنقطع، ولكن بدرا كان غير معاوية، ولذلك يقول في وصف خيط الشعاع الهبائي: " لقد بقيت رغم هذا عضوا في الحزب الشيوعي العراقي معزيا نفسي بأن القيادة قد تتغير ويأتي إليها أناس يقدرون مصالحهم القومية حق قدرها. غير أني لم يعد يربطني بالشيوعيين غير خيط واه ضعيف، وكان أقل خطأ يرتكبونه كافيا لأن يقطع هذا الخيط بيني وبينهم " (٢) .

стр. 172

وذلك هو الجانب الحزبي من التجربة الإيرانية التي أمدت السياب بشئون أخرى مفيدة، فقد تعرف فيها إلى أشخاص كثيرين، وأتيح له من خلالها مزيد من التمرس بنماذج نفسية وأخلاقية مختلفة، ومشاركة في بعض ضروب النشاط، فقد كان يخرج مع " الرفاق " في نزهاتهم أيام العطلة الأسبوعية ويستمع إلى الخطب والقصائد، ومرة ألقى قصيدة عن السلام بالعربية ثم قرئت ترجمتها بالفارسية، واستنسخها أحد الرفاق ودرسها لتلامذته في إحدى المدارس الثانوية (١) . ويقول: " لقد تعلمت في هذه السفرة من فنون الحب ما كنت أجهله ولم يكن ذلك إلا عن طريق رؤيتي للآخرين " (٢) . وقد تعرف إلى جوانب مختلفة من الحياة في عربستان وزار شمران؟ وهي مصيف على مسافة من طهران - وسكن في العاصمة الإيرانية وتردد إلى الحانات ودور البغاء في " دروازة قزوين "، ورأى؟ عن كثب - أساليب زاهدي في تعقب الحزب الشيوعي، وتعلم قليلا من الألفاظ. الفارسية لتعسفه على التفاهم مع الناس. ولما أزمع العودة إلى وطنه كان يعول على ثمانين تومانا استدانها منه أحد الشيوعيين العراقيين (وهو إيراني الأصل) ولكن المدين عجز؟ أو تظاهر بالعجز - عن الوفاء بدينه معتذرا بأن الأعمال معطلة وأنه لا يملك مصدرا للارتزاق، وعندئذ لجأ بدر إلى رفيق عراقي يعده مثال النزاهة بين من عرفهم من أعضاء الحزب ويرمز إليه بالحرفين (س. ج) فباعه فراشه وسريره واشترى تذكرة قطار في الدرجة الثالثة إلى المحمرة ليعود منها إلى العراق (٣) ، وهو مثقل النفس بالتجربة الإيرانية المريرة.

стр. 173

بقي أن أقول: أن التفرغ الذي هيأته له هذه المرحلة في الكويت وإيران، وشعوره بالغربة الضائعة، وتململه تحت وطأة الضيق المادي، وامتلاء نفسه بالمقارنات والمفارقات، كل تلك العوامل قد مكنته من الانصراف إلى إنجاز مشروعات شعرية غير قليلة، وخاصة في نطاق القصيدة الطويلة، وقد منحت شعره شيئا من تلوين جديد.

стр. 174

- ١٥ - الأسلحة والأطفال كان بدر يحمل في حقيبته عندما عاد من الكويت ثلاث قصائد، اثنتان منها طويلتان وهما: " الأسلحة والأطفال " و " المومس العمياء " وواحدة متوسطة الطول هي " غريب على الخليج " وهو يضيف إلى هذه الثلاث قصيدة رابعة يقول انه نظمها في الكويت: " أتعلم أن قصيدة أنشودة المطر التي كتبتها أثناء إقامتي في الكويت هاربا من العراق أيام نوري السعيد كانت قصيدة يغلب عليها طابع الالتزام ولكنني حذفت منها عدة مقاطع فصارت على ما هي عليه؟ " (١) فهذه تجعل القصائد الطوال ثلاثا، وتؤكد أن السياب وجد لديه في الكويت متسعا من الوقت ليحقق أمنيته الكبرى وهو أن يعرف بين الناس باسم " شاعر القصائد الطويلة "، ولكنه وجد عند عودته إلى العراق أن مثل هذه القصائد لا تتسع له صدور الجرائد والمجلات؟ بسبب الحجم -، وأن العثور على ناشر يضطلع بنشر كل قصيدة على حدة في كراسة خاصة أمر عسير، ولهذا اضطر أن يعود إلى الشكل المتوسط أو القصير، وكان ظهور القصائد التي تحمل اسمه على صفحات الجرائد اليومية أو المجلات وصلا لما انقطع أثناء غيابه، وتأكيدا لاستمراره في

стр. 175

الشعر، وذلك لأنه لم ينشر بيتا واحدا خلال الفترة التي قضاها في إيران والكويت، وحين عاد إلى العراق وجد أن غيابه قد كان مجالا لبروز شعراء آخرين ينافسونه في ميدان الشهرة، هذا إلى قلة صبر الناس على قراءة القصائد الطويلة، إذا تجاوزنا حلقات النقد الأدبي ومجالات الاهتمام الخاص بالشعر والحركة الشعرية الحديثة. وكان نظمه لقصيدتي " الأسلحة والأطفال " و " المومس العمياء " في فترة واحدة يدل على أن الانقسام القديم الذي أثمر قصيدتين سابقتين وهما: " فجر السلام " و " حفار القبور " ما يزال يفعل فعله في نفسه، فبينا تعد " الأسلحة والأطفال " انطلاقا طبيعيا من قصيدة " فجر السلام " وتطورا فنيا على أصول الموضوع المشترك، تجيء قصيدة " المومس العمياء " تتمة لأختها السابقة " حفار القبور " أو صورة من روح الاستسلام للتعذيب في مقابل تلك الروح " السادية " الطاغية عند الحفار. ومن الطبيعي أن يرحب " الرفاق " بقصيدة " الأسلحة والأطفال " وأن يبدوا شيئا من التردد في قبول القصيدة الثانية، لأن الأولى " تخدم السلام وتدعو إليه؟.. وان المعركة الرئيسية هي معركة السلام، وأما ما عداها؟ وخاصة المشاكل التي تناولتها المومس العمياء - فأشياء ثانوية " (١) ؛ وإذا كان هذا الموقف تعبيرا عن تعبيرا عن وجهة نظر سياسية، فأنه يتضمن أيضاً؟ سواء عرف الرفاق ذلك أو لم يعرفوه - حقيقة فنية، تتصل بطبيعة المهمة الشعرية: فقصيدة " الأسلحة والأطفال " صورة لحرية الإرادة الإنسانية والفعل الإنساني، وهي نغمة من الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير والثورة، ولذلك فأنها تحمل ما يحمله الأمل المتفائل من ارتياح نفسي، بينما تمثل قصيدة " المومس العمياء " أقسى أنواع الجبرية، إذ لم يكتف الشاعر بأن يصور مومسا مسكينة جنت عليها

стр. 176

ظروف قاهرة، بل جعلها عمياء، ليجعل نبذها حتى عند طلاب الشهوة أشد، ويكدس فوق كاهلها المرهق عبء السنين وزحف الشيخوخة، وموت الطفلة، والعمى المقعد، دون أن يكون هناك بصيص من نور بين تلك الظلمات المتراكمة في ذلك البحر اللجي الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب؛ فالقصيدة من ثم تملأ النفس بنقمة على علة محتجبة، وتبهم الغاية، وتحيل التأمل في المصير إلى كآبة مرهقة. والتوفر على نظم القصيدتين في فترة واحدة يؤكد ان الجسر الذي يصل بين حرية الإرادة والجبرية المطلقة ما يزال مفقودا لدى الشاعر، وانه لم يستطع بعد أن يختار طريقه في النظرة إلى الإنسان. كان ما يزال يحس وهو في الجماعة الكادحة المكافحة أنه أحد أبنائها الذين يستطيعون أن يغيروا معالم الشقاء والويلات، فإذا خلا إلى نفسه وتحس آلامه الفردية؟ وهو ضائع في الكويت " ينفق ما يجود به الكرام على الطعام " (١) ، وجد الصورة السالبية الاستسلامية أقرب إلى تصوير ما يعانيه في قرارة نفسه ورأى صورة " المومس العمياء " مثالا فاجعا لذلك الاستسلام. وفي أساطير اليونان أن أدونيس (وهو صورة أخرى لتموز) تنازعت حبه كل من برسفونة التي اختطفها (هيديز) القيم على العالم السفلي حين كانت تجمع الأزهار في المروج الصقلية، وأفروديت (وهي صورة أخرى من عشتاروت) ربة الحب، فقضي عليه أن يقسم السنة بينهما، لهذه شطر وللأخرى شطر. كذلك كان الشاعر في هذه الفترة وفي ما سبقها، ما يكاد يمشي خطوة حتى يحس بأنه موزع بين قوتين تشده كل منهما إليها ونريد أن تستأثر به، ولم يستطع أن يجمع بين قوتين إلا حين استكشف رمز " أدونيس " أو " تموز "، ولكن الحديث عن هذا

стр. 177

الكشف سابق لأوانه، وان كانت حدة الانقسام في هذه الفترة إرهاصاً نفسيا بذلك الكشف. ويتسلل الانقسام؟ أو الازدواج؟ إلى القصيدة الواحدة من قصائده، في مبناها الموضوعي والفني، ففي قصيدة " الأسلحة والأطفال " عاد الشاعر إلى ذلك المبنى السهل الازدواجي الذي اختاره في قصيدة " فجر السلام "، أعني موضوع التقابل بين " السلام والحرب " وبنى قصيدته على أساسه. ومع أن الموضوع مستوحى من طبيعة انتمائه السياسي والإنساني العام، فانه؟ فيما يبدو - اتكأ فيه على الشاعر الفرنسي أراغون، إذ لمح لديه ما يمكن أن يتطور إلى قصيدة طويلة، ومن المحقق انه كان قد عرف " عيون إلزا " لذلك الشاعر؟ وهي قصيدة ترجمها السياب ونشرها في كراسة ونشرها في كراسة مع قصيدة أخرى لأراغون بعنوان " الأيام الضائعة ". ولقصيدة " عيون إلزا " عنوان فرعي هو " الحب والحرب " وهذا هو الموضوع الذي اتجه إليه السياب في قصيدة " الأسلحة والأطفال "، وكان الجو في قصيدة أراغون يسيطر على نفسه، ولكنه تحول به تحولا قويا: كلا الشاعرين على سيف خليج وأحدهما ينظر إلى السفن التي أغرقتها المعارك الحربية والثاني ينظر إلى السفن المحملة بالبضائع؟ وربما بالركاب - وهي تهم بالأقلاع؛ والحنين إلى العراق يغمره، فيتصورها سفنا حربية نقل الجنود إلى المعركة وهم يلوحون لحبيباتهم الواقفات على رصيف الميناء ويودعونهن " وداع الذي لا يعود "، وبينما يتحدث أراغون عن " القبرة " ويرمز بها إلى الحبيبة، يتحدث بدر عن " القبرة " التي تصدح في الفضاء، لتضفي على صورة السلم طمأنينة وارتياحا، ويمزح بين القبرة وبين الفجر فيذكر أبياتا لشكسبير في مسرحية روميو وجوليت فيستعيرها على النحو التالي:

стр. 178

" دعيني فما تلك بالقبرة ... دعيني أقل انه البلبل ... وان الذي لاح ليس الصباح " (١) ... ويتصور أرغوان أنه سيصرخ طالبا العودة إلى حبه كأنه شاحذ سكاكين ينادي في الصباح الباكر " سكاكين..سكاكين " ويستعير السياب هذا النداء ويحوله إلى نداء اخر - نداء امرىء يلم ما لدى الناس من أدوات معدنية عتيقة ليقدمها مادة لصناع الاسلحة، كي يصنعوا منها القتل والدمار، وهو في ندائه يصيح: " حديد عتيق..رصاص..حديد ". ويتحول الصراع بين الحب والحرب في قصيدة أراغون إلى الصراع بين حياة السلم جملة الخروب، وبذلك يتسع المجال أمام السياب ليكبر الصورة، ويتفنن في جزئياتها المفردة فالمنظر العام في القصيدة قروي الطابع يبدو فيه الأطفال رمزا للبراءة المطلقة في لعبهم ولهوهم، ويستعير فيه الشاعر صورة من طفولته، وهو يلقط المجار على ضفة النهر فيتصور أن أقدام الأطفال الأبرياء " محار يصلصل في ساقية " ويرسم حور طافحا بالنعومة حين يتصور أن أكفهم المصفقة " كخفق الفراشات مر النهار عليه بفانوسه الأزرق ". ثم يرسم من خلال الجو الذي يضفيه الأطفال على الحياة صورة للوداعة والسعادة والطمأنينة: فالأب ينسى التعب حين يعود فيتلقاه طفله " يكركر بالضحكة الصافية " والعجائز يجمعن من حولهن أولئك " الورود " - في الشتاء - لهم حكايات جميلة، ويتخيلن حين يرونهم أنهن عدن إلى عهد الطفولة الجميل؛ فإذا طلع الصباح نهض الأطفال يخفقون بخطاهم الصغيرة على السلالم ويدغدغون وجوه أهلهم النائمين، أو يرافقون أمهاتهم إلى الموقد لا ذكاء النار فيه؟.

стр. 179

ولكن سرعان ما يتحول هؤلاء الأطفال إلى جنود يخوضون ساحات الموت بدلا من ساحات الطفولة وملاعبها وإذا هناك جثة دامية وخربة بالية؟.ان نذر الشر تحيط بالأطفال وهم يلهون ويغردون كالعصافير، ويغطي على أصواتهم الرقيقة صوت أجش يصيح في أرجاء القرية " حديد عتيق، رصاص، حديد " - صوت ينضح بالدم، صوت ذلك التاجر المشؤوم (١) الذي يشبه في حرفته " حفار القبور " فهو لا يستطيع ان يطعم أبناءه إلا بالاتجار فيما يصبح مادة لحصادهم، أو قبورا لهم. وحين يتردد الصوت المنكر مرة ومرة تكبر الربوة التي يلعب عليها الأطفال، فإذا بها تشمل كل ربوات هذه الأرض - ولا تعود مقصورة على القرية - ففي كل بلد أطفال أبرياء يلعبون، والناس سعداء كالأطفال سيتخذ هذا الحديد أغلالا لهم ونصلا لقطع أوردتهم وقفلا دون حريتهم: يستوي في ذلك أطفال كورية وعمال مرسيلية وأبناء بغداد؛ ويتقابل الصوتان: صوت الأطفال وصوت التاجر، ولكن الصوت الثاني يفتح أمام عيني الشاعر صور الويل والخراب والدمار والأشلاء والانفجارات، وانهدام الجدران التي خط عليها الصغار لفظة " سلام " ويتغير وجه الأرض: فمن يملأ الدار عند الغروب ... بدفء الضحى واخضلال السهوب (٢) ... ويستمر التاجر في ندائه: فإذا أم تخرج من بيتها لتبيعه السرير العتيق " المهاد الذي التقى عليه عاشقان " ليصبح في المستقبل شظايا تفصل ذراعا عن ذراع، ولكن هكذا شاء أرباب " وول ستريت ":

стр. 180

وأرباب وول ستريت القساه ... يحيلون حتى حديد السرير ... جناحا عليها المنايا تغير ... ويعود الصوتان إلى التقابل: وما أسرع ما يرى الشاعر آلام العذاب القاتل الذي يعانيه عمال المناجم ليبنوا حضارة سلمية من مركبة " يخف لها الصبية حين يسمعون أجراسها " وجسر وناعورة ومحراث يهز قلب التراب " وتخضل حتى الصخور الضنينة "؟ ولكن وسائل السلم قد تتحول في يسر إلى وسائل دمار فلا يسمع إلا " صوت الرصاص وآهات الثكلى والطفل الشريد ". ولكن كيف تكون حال الأرض إذا خلت من الأطفال؟ وعند هذا الحد ينتهي التقابل بين الصوتين، فيقسم الشاعر بأقدام الأطفال وبالخبز والعافية أن جباه الطغاة لا بد من أن تعفر، ولا بد من تحويل أدوات الحرب إلى حروف هادية.، ولا بد من تحرير آسية من المغيرين: ثم يأخذ في إهداء " السلام " إلى مناظر السلم الجميل من حقل ودار ومعمل وزهرة وصبية وشاعر، وقد انتشرت ملاءة ذلك السلم فوق الدون والصين " والحاصدين، وصياد أسماكها الأسمر " فلولا الحرب التي يثرها الطغاة لما بكت نساء الجنود ولا بكى الأب بنيه، ولا شبت نيران الحقد لتحصد حي الزنوج ولا عاش أبناء يافا - على مقربة من لألاء مدينتهم - يعانون الزمهرير القاتل؛ ويمضي الشاعر في نشر رايات السلام فوق مختلف البقاع: فوق مدفن شكسبير، وباريس روبسبير وايلوار وتونس والرباط وفينيسية والكرنفال والمسيبسي وأغاني الزنوج من حوله؟ ويعود منظر الصبية العصافير، والدواليب تدور في كل عيد: فقد لاح فجر العبيد ... وأنا رفعنا لواء السلام ... رفعناه فليخسأن الظلام ...
следующие страницы →