ظروف قاهرة، بل جعلها عمياء، ليجعل نبذها حتى عند طلاب الشهوة أشد، ويكدس فوق كاهلها المرهق عبء السنين وزحف الشيخوخة، وموت الطفلة، والعمى المقعد، دون أن يكون هناك بصيص من نور بين تلك الظلمات المتراكمة في ذلك البحر اللجي الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب؛ فالقصيدة من ثم تملأ النفس بنقمة على علة محتجبة، وتبهم الغاية، وتحيل التأمل في المصير إلى كآبة مرهقة. والتوفر على نظم القصيدتين في فترة واحدة يؤكد ان الجسر الذي يصل بين حرية الإرادة والجبرية المطلقة ما يزال مفقودا لدى الشاعر، وانه لم يستطع بعد أن يختار طريقه في النظرة إلى الإنسان. كان ما يزال يحس وهو في الجماعة الكادحة المكافحة أنه أحد أبنائها الذين يستطيعون أن يغيروا معالم الشقاء والويلات، فإذا خلا إلى نفسه وتحس آلامه الفردية؟ وهو ضائع في الكويت " ينفق ما يجود به الكرام على الطعام " (١) ، وجد الصورة السالبية الاستسلامية أقرب إلى تصوير ما يعانيه في قرارة نفسه ورأى صورة " المومس العمياء " مثالا فاجعا لذلك الاستسلام.
وفي أساطير اليونان أن أدونيس (وهو صورة أخرى لتموز) تنازعت حبه كل من برسفونة التي اختطفها (هيديز) القيم على العالم السفلي حين كانت تجمع الأزهار في المروج الصقلية، وأفروديت (وهي صورة أخرى من عشتاروت) ربة الحب، فقضي عليه أن يقسم السنة بينهما، لهذه شطر وللأخرى شطر. كذلك كان الشاعر في هذه الفترة وفي ما سبقها، ما يكاد يمشي خطوة حتى يحس بأنه موزع بين قوتين تشده كل منهما إليها ونريد أن تستأثر به، ولم يستطع أن يجمع بين قوتين إلا حين استكشف رمز " أدونيس " أو " تموز "، ولكن الحديث عن هذا
стр. 177
الكشف سابق لأوانه، وان كانت حدة الانقسام في هذه الفترة إرهاصاً نفسيا بذلك الكشف.
ويتسلل الانقسام؟ أو الازدواج؟ إلى القصيدة الواحدة من قصائده، في مبناها الموضوعي والفني، ففي قصيدة " الأسلحة والأطفال " عاد الشاعر إلى ذلك المبنى السهل الازدواجي الذي اختاره في قصيدة " فجر السلام "، أعني موضوع التقابل بين " السلام والحرب " وبنى قصيدته على أساسه. ومع أن الموضوع مستوحى من طبيعة انتمائه السياسي والإنساني العام، فانه؟ فيما يبدو - اتكأ فيه على الشاعر الفرنسي أراغون، إذ لمح لديه ما يمكن أن يتطور إلى قصيدة طويلة، ومن المحقق انه كان قد عرف " عيون إلزا " لذلك الشاعر؟ وهي قصيدة ترجمها السياب ونشرها في كراسة ونشرها في كراسة مع قصيدة أخرى لأراغون بعنوان " الأيام الضائعة ". ولقصيدة " عيون إلزا " عنوان فرعي هو " الحب والحرب " وهذا هو الموضوع الذي اتجه إليه السياب في قصيدة " الأسلحة والأطفال "، وكان الجو في قصيدة أراغون يسيطر على نفسه، ولكنه تحول به تحولا قويا: كلا الشاعرين على سيف خليج وأحدهما ينظر إلى السفن التي أغرقتها المعارك الحربية والثاني ينظر إلى السفن المحملة بالبضائع؟ وربما بالركاب - وهي تهم بالأقلاع؛ والحنين إلى العراق يغمره، فيتصورها سفنا حربية نقل الجنود إلى المعركة وهم يلوحون لحبيباتهم الواقفات على رصيف الميناء ويودعونهن " وداع الذي لا يعود "، وبينما يتحدث أراغون عن " القبرة " ويرمز بها إلى الحبيبة، يتحدث بدر عن " القبرة " التي تصدح في الفضاء، لتضفي على صورة السلم طمأنينة وارتياحا، ويمزح بين القبرة وبين الفجر فيذكر أبياتا لشكسبير في مسرحية روميو وجوليت فيستعيرها على النحو التالي:
стр. 178
" دعيني فما تلك بالقبرة ... دعيني أقل انه البلبل ... وان الذي لاح ليس الصباح " (١) ... ويتصور أرغوان أنه سيصرخ طالبا العودة إلى حبه كأنه شاحذ سكاكين ينادي في الصباح الباكر " سكاكين..سكاكين " ويستعير السياب هذا النداء ويحوله إلى نداء اخر - نداء امرىء يلم ما لدى الناس من أدوات معدنية عتيقة ليقدمها مادة لصناع الاسلحة، كي يصنعوا منها القتل والدمار، وهو في ندائه يصيح: " حديد عتيق..رصاص..حديد ". ويتحول الصراع بين الحب والحرب في قصيدة أراغون إلى الصراع بين حياة السلم جملة الخروب، وبذلك يتسع المجال أمام السياب ليكبر الصورة، ويتفنن في جزئياتها المفردة فالمنظر العام في القصيدة قروي الطابع يبدو فيه الأطفال رمزا للبراءة المطلقة في لعبهم ولهوهم، ويستعير فيه الشاعر صورة من طفولته، وهو يلقط المجار على ضفة النهر فيتصور أن أقدام الأطفال الأبرياء " محار يصلصل في ساقية " ويرسم حور طافحا بالنعومة حين يتصور أن أكفهم المصفقة " كخفق الفراشات مر النهار عليه بفانوسه الأزرق ". ثم يرسم من خلال الجو الذي يضفيه الأطفال على الحياة صورة للوداعة والسعادة والطمأنينة: فالأب ينسى التعب حين يعود فيتلقاه طفله " يكركر بالضحكة الصافية " والعجائز يجمعن من حولهن أولئك " الورود " - في الشتاء - لهم حكايات جميلة، ويتخيلن حين يرونهم أنهن عدن إلى عهد الطفولة الجميل؛ فإذا طلع الصباح نهض الأطفال يخفقون بخطاهم الصغيرة على السلالم ويدغدغون وجوه أهلهم النائمين، أو يرافقون أمهاتهم إلى الموقد لا ذكاء النار فيه؟.
стр. 179
ولكن سرعان ما يتحول هؤلاء الأطفال إلى جنود يخوضون ساحات الموت بدلا من ساحات الطفولة وملاعبها وإذا هناك جثة دامية وخربة بالية؟.ان نذر الشر تحيط بالأطفال وهم يلهون ويغردون كالعصافير، ويغطي على أصواتهم الرقيقة صوت أجش يصيح في أرجاء القرية " حديد عتيق، رصاص، حديد " - صوت ينضح بالدم، صوت ذلك التاجر المشؤوم (١) الذي يشبه في حرفته " حفار القبور " فهو لا يستطيع ان يطعم أبناءه إلا بالاتجار فيما يصبح مادة لحصادهم، أو قبورا لهم.
وحين يتردد الصوت المنكر مرة ومرة تكبر الربوة التي يلعب عليها الأطفال، فإذا بها تشمل كل ربوات هذه الأرض - ولا تعود مقصورة على القرية - ففي كل بلد أطفال أبرياء يلعبون، والناس سعداء كالأطفال سيتخذ هذا الحديد أغلالا لهم ونصلا لقطع أوردتهم وقفلا دون حريتهم: يستوي في ذلك أطفال كورية وعمال مرسيلية وأبناء بغداد؛ ويتقابل الصوتان: صوت الأطفال وصوت التاجر، ولكن الصوت الثاني يفتح أمام عيني الشاعر صور الويل والخراب والدمار والأشلاء والانفجارات، وانهدام الجدران التي خط عليها الصغار لفظة " سلام " ويتغير وجه الأرض:
فمن يملأ الدار عند الغروب ... بدفء الضحى واخضلال السهوب (٢) ... ويستمر التاجر في ندائه: فإذا أم تخرج من بيتها لتبيعه السرير العتيق " المهاد الذي التقى عليه عاشقان " ليصبح في المستقبل شظايا تفصل ذراعا عن ذراع، ولكن هكذا شاء أرباب " وول ستريت ":
стр. 180
وأرباب وول ستريت القساه ... يحيلون حتى حديد السرير ... جناحا عليها المنايا تغير ... ويعود الصوتان إلى التقابل: وما أسرع ما يرى الشاعر آلام العذاب القاتل الذي يعانيه عمال المناجم ليبنوا حضارة سلمية من مركبة " يخف لها الصبية حين يسمعون أجراسها " وجسر وناعورة ومحراث يهز قلب التراب " وتخضل حتى الصخور الضنينة "؟ ولكن وسائل السلم قد تتحول في يسر إلى وسائل دمار فلا يسمع إلا " صوت الرصاص وآهات الثكلى والطفل الشريد ". ولكن كيف تكون حال الأرض إذا خلت من الأطفال؟ وعند هذا الحد ينتهي التقابل بين الصوتين، فيقسم الشاعر بأقدام الأطفال وبالخبز والعافية أن جباه الطغاة لا بد من أن تعفر، ولا بد من تحويل أدوات الحرب إلى حروف هادية.، ولا بد من تحرير آسية من المغيرين: ثم يأخذ في إهداء " السلام " إلى مناظر السلم الجميل من حقل ودار ومعمل وزهرة وصبية وشاعر، وقد انتشرت ملاءة ذلك السلم فوق الدون والصين " والحاصدين، وصياد أسماكها الأسمر " فلولا الحرب التي يثرها الطغاة لما بكت نساء الجنود ولا بكى الأب بنيه، ولا شبت نيران الحقد لتحصد حي الزنوج ولا عاش أبناء يافا - على مقربة من لألاء مدينتهم - يعانون الزمهرير القاتل؛ ويمضي الشاعر في نشر رايات السلام فوق مختلف البقاع: فوق مدفن شكسبير، وباريس روبسبير وايلوار وتونس والرباط وفينيسية والكرنفال والمسيبسي وأغاني الزنوج من حوله؟ ويعود منظر الصبية العصافير، والدواليب تدور في كل عيد:
فقد لاح فجر العبيد ... وأنا رفعنا لواء السلام ... رفعناه فليخسأن الظلام ...
стр. 181
فالرصاص والحديد لم يعودا يتخذان للحرب وإنما لبناء كون جديد.
تلك بإيجاز هي الصورة العامة للقصيدة، ويتضح منها أن المبنى الشعري أقيم على أساس المقابلة بين دنيا الأطفال في براءتها وحيويتها وما تضفيه من هناءة في القلوب، وما تعقده من علاقات سلمية في الحيات وبين الدعوة إلى الحديد والرصاص؟ وقد كان هذا التقابل يمثل الدورتين الأولى والثانية في القصيدة على نحو مسترسل ضاف، فيه طول النفس وفيه جمال التصوير لدينا الأطفال والصورة المضادة لها، ولكنه انقلن إلى تصوير جزئية صغيرة - منظر أم فقيرة تبيع سريرا كان ذات يوم مهدا للحب - ثم عاد يرسم التقابل بين تعب العمال في استخراج المعادن التي تبني الحضارات، وتحول هذه المعادن نفسها في خدمة الشر والطواغيت، ثم يجيء قسم بتحرير الأرض من أولئك الطغاة، وتمجيد عالم السلام وصانعيه في عدد كبير من الأمكنة، وتختم القصيدة بالأمل في فجر جديد؛ وقد أضطرب البناء على الشاعر، ولكنه في كل مرة لم يفلت الخيط العام الذي يربط أجزاء القصيدة، وذلك الخيط هو الالتفات دائما إلى الأطفال - والى سحر عالم الطفولة، فإذا أضطره المقام إلى الابتعاد عن تصوير هذه الناحية إيجابيا تساءل: كيف يكون العالم إذا خلا من الأطفال؟
فمن يتبع الغيمة الشاردة ... ويلهو بلقط المحار؟ ... ويعدو على ضفة الجدول ... ويسطو على العش والبلبل ... ومن يتهجى طوال النهار ... ومن يلثغ الراء في المكتب ...
стр. 182
ومن يرتمي فوق صدر الأب ... إذا عاد من كده المتعب؟ (١) ... ولهذا احتفظ بأجزاء قصيدته مرتبطة معا، وان كان اضطراب المبنى قد جعلها عرضة للتكرار غير الفني، وللاختلال في الصورة الكبرى. لماذا حدث ذلك؟ - أعني اضطراب المبنى - قد يكون هناك غير سبب واحد: أما أولا فأن الاحتفاظ بالازدواجية التي ظهر في الدورتين الأوليين لم يكن ممكنا، فقد وضع فيهما الشاعر الخطوط الأولى لكل ما يريد ان يقوله وثانيا ان الشاعر لا يكف قلمه عن الأسراب وراء أية جزئية في موضوعه، ولم كان ذلك خروجا على المبنا العام، وثالثا إن الموضوع الذي اختار الشاعر كبير يتسع للحياة الإنسانية كلها ومن ضعف التصور أن يظن أي شاعر انه قادر على الوفاء بمثل هذا الموضوع، وموقفه أدق حين يكون - كبدر - شاعرا يستهويه التفصيل؛ ورابعا لأن المبنى المزدوج يظل يتقبل مزيدا من الدورات دون أن يبلغ مرحلة الختام، ولهذا اضطر الشاعر ان يحول القصيدة إلى " شعارات "، يحيي فيها جميع العاملين من أجل السلام، وان يمنحها خاتمة تشبه أن تكون من قبيل التفاؤل المقرر سلفا.
ومع ذلك كله فان للقصيدة جمالا خاصا يفردها بين كل ما عرفناه من قصائد بدر، لانا إذا تجاوزنا الشكل السياسي المفروض على ذهن الشاعر من الخارج وجدناها قصيدة تنبض بشتى صور الطفولة العذبة، وتفيض بمشاعر إنسانية قوية وخاصة عند التصدي لغياب نجوم الطفولة عن عالم الإنسان - انها انتصار للحياة على الموت، وهذا شيء فذ في شعر السياب - أو في اكثر شعره، على وجه الدقة. وهي بهذا كله ترتفع كثير على قصيدة " فجر السلام " وان اشبهتها في بعض تفاؤلها
стр. 183
الختامي. وهي إلى ذلك تعبير عن قدرة بدر على ان يصور الحياة ببساطة ودون حشد زاخر من الصور، مثلما حاول أن يفعل في " حفار القبور ". ومع ذلك كان بدر فيها - من حيث البناء الكلي - ضحية طموحه بأن ينقل قطاعات كثيرة من الحياة الإنسانية، ويضعها في إطار واحد، ولو اكتفى برسم صورة الأطفال اللاعبين، المنادي الذي يشتري المعادن العتيقة وما ينجم عن هذا التقابل من فزع في نفسه إزاء صورة ثالثة تمثل الدمار، وتقتل البراءة بقتل رموزها، ولكن ذلك أقدار على التأثير الفني، عن طريق الاكتمال الطبيعي في البناء. ومهما يكن من شيء فأن قارئ القصيدة يحس بنضج الحنين في نفس الشاعر إلى بيت وطفل، ولعل هذا الشعور العاتي هو الذي مكنه من أن يجعل الأطفال محور الجمال وقطب الترابط في قصيدته، غير ناس أن ينعش من خلال ذلك صور طفولته في جيكور.
وتتميز القصيدة باتساق الروافد الثقافية في حزمة واحدة، وقد ألمحت من قبل إلى الأثر الخفي الذي تركه فيها أعوان، وتلك الاقتباس الجميلة التي وقعت موقعا جميلا حين انتزعها عامدا من رواية روميو وجولييت؛ ولأول مرة نجد عنده اقتباسا من اديث سيتول (١) ، الشاعرة التي ستهبه في المستقبل دنيا من الصور والرموز؛ وتناسب في ثنايا القصيدة خفقات من قصيدة شوقي، التي يتحدث فيها عن الأطفال:
ألا حبذا صحبة المكتب ... وأحبب بأيامه أحبب
ويا حبذا صبية يلعبون ... رداء الحياة عليهم صبي بل ان المفارقة التي رسمها شوقي بين عالم الأطفال وعالم المستقبل الذي لعب بمقاديرهم ونثر تلك الباقة الجميلة بيد قاسية، هي المفارقة
стр. 184
التي نقلها السياب بين عالم الوداعة وعالم الحديد والرصاص. ومن الطريف ان الشاعر عاد إلى جزء من قصيدة " نهاية " - وكان قد نشرها في ديوانه " أساطير " - فاقتبس ذلك الجزء الذي يصور فيه منظر أب غرق أبنه، فهو في لوعته وتفجعه يتردد هنا وهناك كالمذهول سائلا عنه المياه، وضمنه قصيدة " الأسلحة والأطفال " ليقول انه رأى هذا المنظر في الواقع عيانا وشهد صورة مجسمة التي يجلبها الموت (١) .
وحين أعاد الشاعر نشر هذه القصيدة في ديوانه أنشودة المطر (دار مجلة شعر - بيروت، ١٩٦٠) أجرى فيها بعض التغيير والحذف، فهذا البيت:
سلام على (الدون) فاض النعيم ... اصبح:
سلام على (الكنج) ؟ ... وحذف من القصيدة كل شيء يتحدث عن طواغيت " وول ستريت " كما اسقط هذا المقطع التالي الذي يتحدث عن حي الزنوج:
ولم تحصد النار حي الزنوج ... ولا مج فيه الرصيف الدماء ... ولا اجتاحه المجرمون العلوج ... بما جرروا من غلاظ الحبال ... وما صفدوا من رقاب الرجال ... ولا أن مرضى بطاء الليال ... وحذف مقطعا آخر طويلا يتحدث عن الزنوج وعن وسائل الفتك بهم (٢) ؛ وتخلى أيضاً عن الخاتمة التي جاء فيها:
стр. 185
فقد لاح فجر انطلاق العبيد ... وانا رفعنا لواء السلام ... رفعناه فليخسان الظلام ... وليس ما أخلت به الطبعة الثانية مما حذف لان الشاعر حاول أن يعدل في المبنى الفني؛ وقد يسأل سائل: هل أخل هذا الحذف ببناء القصيدة، وهل يستطع ان يدركه من كان لا يعرف الطبعة الأولى؟ وهذا سؤال لا يحتاج جوابا، فقد سبق أن أشرت إلى أن التفصيلات الجزئية في القصيدة كثيرة، ومعنى ذلك ان هناك جزئيات أخرى لو أسقطت منها لما أحس القارئ بأن هناك لبنة سقطت من موطنها الطبيعي. والسؤال الذي يحق ان يلقى هو: لم حذفت تلك الأجزاء دون سواها؟ إذ من الواضح ان المحذوف يتصل بموضوع واحد، وهو إخفاء الهجوم على طواغيت " وول ستريت " وإخراس الصوت الذي يتحدث عن قضية الزنوج، وطمس الخاتمة التي تتحدث عن رفع " لواء السلام ". ولا يحتاج القارئ إلى تأمل كثير كي يدرك سر الحذف، فان كان الذين تولوا نشر الكتاب هم الذين قاموا بذلك، فان طبيعة المحذوف تفضح ماهية الهدف، وان كان السياب هو الذي تولى ذلك فانه أمر قد يحمل على نزعة المراضاة والمجاملة للناشر، وهو أمر يقرر ان هذه النزعة لدى السياب؟ كما أشرت من قبل - كانت تصيب مبادئه ودفنه بخدوش، وأحيانا بجروح عميقة. أم ترى أن السياب راجع خطأه حين وجد ان الزنوج كانوا ينعمون بالحرية والمساواة وان عصا التفرقة العنصرية قد كسرت إلى الأبد؟ من العسير ان ننسب إلى الشاعر عرضه للمبادئ والمواقف؟ حسب متطلبات السوق الراهنة -، ولكن من العسير أيضاً أن تتصور مفكرا يتنازل عن نزعته الإنسانية في سبيل عرض هذا الأدنى؟ اعني المراضاة والمجاملة، والفوز لقاء ذلك بطبعة أنيقة لديوان شعر.
стр. 186
- ١٦ -
المومس العمياء
حين انتقل الشاعر إلى كتابة قصيدة " المومس العمياء " لم يكن يدرك أن القصيدة التي تبنى على التضاد بين موضوعين (كالحياة والموت أو الحرب والسلام) قد تخفق، ولم يحس انه قد اخفق حقا في هذه المحاولة مرتين، ومع ذلك فانه في قصيدة " المومس العمياء " تجنب موضوع التضاد، شبعا مؤقتا من ذلك النوع من المبنى، وانتحى منحى آخر، لعله ابسط بكثير من البناء المزدوج.
كان في قصيدة " حفار القبور " قد ترك الباب مفتوحا ليعود إليه، لكنه بدلا من ان يعاد الكتابة مرة أخرى عن الحفار، وجد انه قد ضحى بالمرأة البغي في سبيل التصوير الفني حينئذ، فلم لا يتناول الحديث من زاوية النظر إلى تلك المرأة، فان الموضوع اشد اثارة واقرب إلى النفوس من موضوع " الحفار "؛ وإذا كانت شخصية الحفار تمثل النزعة السادية الطاغية؟ كما أشرت من قبل - فأن تصوير نظريتها، في حالة استسلامية، اقرب إلى الناحية الإنسانية لأنه يستطيع ان يثير قدرا اكبر من الشفقة والعطف والرثاء.
ولقد كانت بعض الأدوات التي أسعفته في قصيدة الحفار ما تزال جاهزة لديه: فهو بحاجة إلى المنظر الليلي وإلى صورة الحارس
стр. 187
المكدودة، وصورة العابرين، وإلى السكير الذي يرتاد حي البغاء، ولكن لا بد من تغير الدافع المحرك للقصيدة: فقد كان هو المال لإشباع الشهوة الجنسية، أي أن الظمأ الجنسي كان هو الدافع الأقوى في توجيه قصيدة الحفار، ويصبح عنصر المال أقوى في قصيدة " المومس والعمياء " وتصبح الشهوة الجنسية وسيلة للحصول عليه، وتغدو الغاية من العنصرين: الشهوة والمال هي الحصول على القوت. وحين يتغير الدافع في القصيدة تتغير معالم أخرى كثيرة تبعا لذلك: فتدخل في الصورة شخصيات جديدة منها عدد من البغايا، والقواد، والجنود وصورة والد الفتاة التي أصبحت بغيا، وزوجة الشرطي، وبائع الطيور في حي البغاء، وعندما يتغير الدافع ويقوى عنصر المال يصبح إفراده بالحديث أمراً طبيعيا في القصيدة الجديدة؛ وتتعدد المسارب النفسية إلى الموضوع: فيمكن الوقوف عند الانتحار، والاحتجاج الجريح على هذا الوضع السلبي، والتغلغل في الذكريات، والمقارنة بين الصبا وخطر الشيخوخة الزاحفة، وبالجملة فأن قصيدة حفار القبور ليست سوى صورة لرجل معين يمشي في الطريق من الجبانة إلى المبغى ثم يعود إلى القبور. أما قصيدة " المومس العمياء " فأنها تاريخ حياة امرأة؟ شريط زماني يسترسل في داخل مخطط مكاني عريض هو حي البغاء في بلد عراقي. ولذلك كان هم الشاعر أن لا يعزل استرسال ذلك الشريط عن الواقع المكاني، بل ان يبقي البعدين الطولي الزمني والعرضي المكاني متجاوزين أو متلازمين.
وتاريخ حياة إنسان قد يقص حسب تتابعه الزمني، ولكن القصيدة تضيق ذرعا بذلك أحياناً، لأن نمو القصيدة ليس من الضروري أن يعتمد على تسلسل الزمن؟ كنمو الإنسان؛ فإذا تذكرنا ان قصة حياة فتاة تحترف البغاء لا تصور إلا في لحظتين: ما قبل السقوط وما بعده، أدركنا ان اللحظة الأولى هي
стр. 188
الجديرة بالتصوير، لرسم المفارقة البعيدة أولاً بين الماضي والحاضر، وللهرب إلى أحضان الماضي الجميل من شقاء التعاسة الراهنة؛ أي أن نمو قصيدة تتناول مثل هذا الموضوع يتم بالمزج بين الرؤية للواقع على ضوء من الذكريات، كما يكون للتداعي واللمح الرجوعي أثرهما في بناء القصيدة. وعلى التداعي والرجعات الخاطفة اعتمد السياب كثيرا في قصيدته، حتى جاءت سلسلة: حلقاتها الرؤية (أو التأمل في الواقع) والاستنكار، وليس يربط بين تلك الحلقات أحياناً إلا الخيط العام وهو صلة المرأة بكل حلقة منها على حدة. ويتم وصل هذه الحلقات بسرعة خاطفة تفوت على القارئ الفحص عن مدى التعسف أو الضرورة في ذلك الربط.
وتتخلص القصة؟ من حيث كيانها التاريخي - في سطور: فتاة اسمها سليمة، من أصل عربي صريح، عاشت في كنف أب فقير، كان يعمل حصادا بأجر، وذات يوم سمعت طلقا ناريا في الحقول، فهرعت تستطلع الخبر، وقلبها يحدثها ان والدها ربما صاد بطة تصلح طعاما لهم في ذلك اليوم، ولكنها تجد أباها مضرجا بدمائه، قتله إقطاعي (أو حارسه) اتهمه بأنه دخل حقله يسرق من قمحه الناضج، والفلاحون من حوله يهمسون في ذلة مرددين تلك التهمة: " رآه يسرق ". وتنشب الحرب وتجيء آلاف الجنود إلى العراق، فتستباح اعراض، وتقع سليمة فريسة لهذا المد العاتي، وتصبح بغيا محترفة، ويكون الإقبال عليها في شبابها كبيرا، ولكنها تصاب بالعمى وتحس بوطأة السنين الزاحفة، كما يتغير اسمها بعد فقد البصر فيدعونها " صباح ". وبسبب عماها يبتعد عنها طلاب الشهوة وتحس بالجوع والحاجة إلى المال. وفي غمار تلك الحياة القاسية تفقد بنتا كانت من ثمرات الإثم؛ وها هي في ذلك الوضع المحزن تستدعي الأيدي التي تشتري جسدها بما يسد الرمق فلا يسمع دعاءها أحد.
стр. 189
إن هذا السرد التاريخي يبين ان انتقال القصيدة حسب السياق الزمني سيكون خلوا من الأحداث، ولهذا لا يمكن اعتماده في القصيدة واهم حادثة في حياة هذه الفتاة هي ما اتصل بمقتل والدها، ولهذا كان البدء بها ممكنا. ولكن الشاعر كان يعتقد أن القصيدة الطويلة لا بد من ان تكون ملحمية الطابع، والملحمة تتطلب فاتحة تمهيدية، فذهب يمهد للقصة طويلة زادت على ست صفحات: عرض فيها للصورة الليلية التي أطبقت على المدينة، فإذا المدينة نفسها عمياء، والعابرون في طرقاتها هم أحفاد " أوديب " الأعمى؟ فهم أيضاً نسل العمى - تقودهم شهواتهم العمياء إلى المبغى حيث المقبرة الكبرى التي تطبق على جيف مصبغة بأنواع الطلاء، واحد السكارى (أعمى آخر) يدق على الباب يحلم بدفء الربيع، فيسخر الشاعر منه ومن حلمه الكاذب ويخبره ان شيطان المدينة (أي المال) لم يراهن في ذلك الحي إلا على أجساد مهينة محطمة، فليضاجع أية امرأة منهن لييسر لها الطعام، وليس ذلك السكير بأسوأ حالا من الأب الذي جعل من ابنته متاعا يشرى بالمال، فهو قد دفعها (في عماه وجهله) إلى ذلك المصير، وليست التي لحقت بالمواخير أسوأ حالا من " النائمات في كنف الرجال " اللواتي يعاملن بامتهان فهن أيضاً عمياوات في الذلة المضروبة عليهن، وكلهن؟ سواء بقين في كنف الرجال أو في حظيرة الإثم - يربين أطفال الحقد في صدورهن ليعصفن بالرجل المستبد الممعن في عماه.
تلك هي المقدمة وهي رغم التنقل السريع بين جوانب مختلفة من الصورة الكبرى لوضع المرأة، وقسوتها التقريرية، ووضوح التوجيه المقصود، من خير المقدمات التي يعنى بها السياب عناية خاصة في قصائده الطويلة، لأن وحدة " العمى " الحقيقي والمجازي فيها تجعل قصة المومس العمياء جزءا لا يتجزأ من اللوحة الكبرى.
وتبدأ القصة بعد ذلك بصورة بائع الطيور وهو يعرض سلعته في
стр. 190
حي البغايا، وتناديه سليمة لتتحسس ما يبيع، وفيما هي تمر يدها على الطيور تتذكر أسرابها التي كانت تراها في صباها، وتتذكر أباها والطلق الناري والفاجعة، وتسمع صوت قهقهات بعيدة فتعرف أن السمسار قد عاد " من الترصد بالرجال على الوصيد " وتتمنى لو كانت متزوجة فتخطر على بالها قصة زوجة بائسة هي امرأة الشرطي الذي يعمل حارسا في حي البغاء لكي يضمن ألا يتم اتجار بالخطايا " الا لعاهرة تجاز بأن تكون من البغايا "، وتدرك أن الزوجة ليست أحسن حالا؛ فينصرف خاطرها إلى الانتحار فتدفع عنها هذه الخاطرة لأنها " حرام " فيستبد بها الغيظ وتتساءل في حرقة بالغة: أذن " لم تستباح "؟ ويغلي الغيظ في صدورها حقدا على الرجال، وتتشفى بتوزيع الداء عليهم، ولكنها تتذكر انهم ليسوا سواء: فمن كان منهم كأهل قريتها كانوا أناسا طيبين، جائعين مثلها " ومثل آلف البغايا، بالخبز والاطمار يؤتجرون " ومن كانوا كالذين اغتصبوها؟ من جند الحرب - فهم المجرمون حقا، في استعلائهم وزهوهم؛ وتسمع وقع أقدام السكارى فيتمثل لها الوجود كله مقسوما في شطرين يفصل لبنهما سور، ها هنا بغايا وهنالك سكارى - تلك هي حياة البشر، وكل فريق منهما يطلب الآخر، ولكن السور عنيد كسور يأجوج ومأجوج الذي سمعت عنه في الصغر، لا يمكن ان يدكه إلا طفل اسمه " ما شاء الله "، ويدركها الإحساس بأن الزناة يعرضون عنها. ألانها عمياء؟ ولكن الذين يطلبون جسدها لا يبحثون فيه عن عينيها. أترى ان رفيقتها " ياسمين " هي سبب أعراضهم عنها لأنها تزينها بالطلاء، فتتعمد تشويه محاسنها؟ ولكن لا، أنها تغيرت حقا عن تلك الصبية التي كان شعرها يلهث بالرغائب والطراوة والعبير، الصبية ذات الثغر الجميل والنهد الكاعب. ولكن إلى متى هذا الجوع والذباب قد شبع من قمامة المدينة؟ الجوع الصارخ يجعلها تصرخ؟ بينها وبين نفسها - مستدعية السكارى
стр. 191
مدلة بنسبها العربي، لم لا يأتي هؤلاء السكارى فيضاجعون دماء الفاتحين؟ دم خير الأمم كما كان أبوها يقول - ليكون في ذلك درس لكل أب لا يزوج ابنته متشبثا بخرافة النسب. وتسطع المفارقة حين تتذكر المصباح الذي تضيئه للآخرين وهي لا تراه، بزيت تدفع ثمنه من سهاد مقلتها الضريرة؟ والزيت غزير في بلدها -؛ عشرون عاما مضت وهي تأكل بنيها من سغب، تريد الحياة وهي تخون سنة الحياة، وقد ماتت " رجاء " ابنتها، ولكن موتها كان راحة لها؟ انتظار؟ انتظار: " الباب اوصد، ذلك ليل مر، فانتظري سواه ".
ومن هذا العرض الموجز يتضح مبنى القصيدة، وتظهر الحلقات التي تكون السلسلة: الطيور؟ القهقهات؟ وقع أقدام؟ تذكر المصباح؟ وفي جوف كل حلقة منها خواطر مستدعاة أيضاً، فالتداعي في داخل الحلقات موضوعي (مثلا: تمني الزواج؟ لا زواج فالانتحار بديل - لا انتحار فاحتجاج جريح: لم تستباح؟) ولكن تداعي الحلقات نفسها تعسفي يفرضه الشاعر للاستمرار في البناء، وليس من رابطة بينهما كما أشرت من قبل - سوى صلتها بالمرأة التي تتحدث عنها القصيدة. وهذا بناء سهل لا يكلف الشاعر شيئا من التخطيط سوى ان يترك " بطل " القصيدة حرا في هواجسه، يثبت ما يشاء منها ويحذف ما يشاء، ولا يقف هذا الشكل حين يقف الا عند التعب من التذكر أو عند فقدان المدد الهاجسي الصالح للإثبات والاختيار، ولهذا جاءت خاتمة القصيدة مؤقتة اعني أنها حين أعلنت " ذلك الليل مر فانتظري سواه " تركت الباب مفتوحا للتقفية على آثارها بقصيدة أخرى؛ ومثل هذا المبنى يوفر وحدة موضوعية ونفسية كما يكفل إيجاد جو عام يقوي هاتين الوحدتين ولكنه لا يستطيع أن يؤمن " وحدة ضرورة " اعني نمو الحلقات نموا حتميا، إحداهما من الأخرى. وقد كان من الممكن لهذا المبنى ان يكون مركبا لو كانت الرجعات الخاطفة تنقلا بين
стр. 192
" المونولوج " الداخلي وتيار الحياة الخارجي، ولكن الشاعر آثر ان ييسر على نفسه حين راوح بين القصص السردي والتأمل الاستطرادي، حتى انه ليستنفر الأسلوب الملحمي في سياق القصة نفسه:
يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد ... لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد ... قصي عليها كيف مات وقد تضرج بالدماء ... فبدلا من ان يتركها تعرض القصة من الداخل، يأخذ هو دور الموجه للسياق القصصي.
اذن فإن المبنى لا يجعل من قصيدة " المومس العمياء " قصيدة متميزة، أو نموذجا للقصيدة كما يريدها الشعر الحديث، فهل هناك عناصر تكفل لها القبول في النطاق الشعري العام؟ هناك لباب وأهداب:
أما اللباب فيتمثل في الفكرة المحورية وهي الصورة الداخلية القابعة وراء الانشغال بالصورة الجزئية، صورة فتاة مسكينة جنت عليها ظروف العيش. وتقول الصورة ان المجتمع؟ من حيث الأخذ والعطاء - فريقان: فريق المسخرين؟ بفتح الخاء المشدودة - وهم هؤلاء الطيبون الذين يؤجرون مقابل الشبع، وهم يأنفون من لفظة " بغي " دون أن يكون بينهم وبينها فرق طبيعة المعاملة المتسلطة التي تنحدر فوق رؤوسهم؛ وفريق أرباب " السهام التبرية " التي تصفر في الهواء، وبها قتل والد سليمة، وباسمها قامت الحرب، وبفعلها تم تحويل البنت الشريفة إلى بغي، والرجل العاطل إلى قواد، والشرطي إلى حارس على ممارسة الزنا بعد دفع الثمن للدولة؛ وعندما تحول هذا المجتمع على هذا النحو انقسم أهله في فريقين: فريق السكارى وهم الرجال العمي الذين يدفنون خروق جواربهم في أحذيتهم ويساومون البغي ليوفروا ثمن العطور، وفريق البغايا وهن جميع النساء
стр. 193
اللواتي يمارسن حياة البؤس في ظل الزوج أو دون زوج، وبين الفريقين سور كسور يأجوج ومأجوج لا يفتحه إلا " الشاطر " المسمى " ما شاء الله ". وهذا هو القدر في اعتقاد أولئك التعساء:
ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين
حتم عليها أن تعيش بعرضها
؟؟؟
والله؟ عز الله - شاء
ان تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراق
آلاف آلاف الجنود
؟؟..
الله شاء
ألا يكن سوى بغايا أو حواضن أو اماء
أو خادمات يستبيح عفافهن المترفون (١)
هل يريد الشاعر ان يثير النقمة على " القدر "؟ انه يسرد ما يعتقده أولئك البائسون دون تلميح، ولكن ما شاء أن يأخذ التقرير موشحا بمفارقاته وجد فيه استهجانا أو سخرية، وهو اثر تحجبه طبيعة الانهماك في القصة وتفصيلاتها دون الماع إلى رؤية جلية، في هذا الصدد.
ويتمشى مع الفكرة المحورية ذلك التيار النقدي في القصيدة وهو يتناول سيطرة المال واثر الحرب في المجتمع، والتشبث بفكرة النسب اصريح، وغمز الواقع المتصل الاقتصادي غمزا جانبيا سريعا:
ويح العراق أكان عدلا فيه انك تدفعين
سبهاد مقلتك الضريرة
стр. 194
ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيرة ... كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين (١) ... ولكن اعمق نقد في القصيدة هم ذلك الذي يعالج العلاقة بين الحرفة والحياة: فالمرء يكدح للحياة في خدمة إقطاعي مثلا ولكنه يخون الحياة من حيث لا يدري، لأنه يعين الظلم عل الاستمرار ويفتح الباب لعبودية عشرات آخرين مثله، وكذلك البغي فان الطبيعة هيأتها لتكون أما، ولكنها تضاجع الرجال لتأكل لا لتبقي على استمرار النسل، بل تتعمد ان لا تثمر تلك المضاجعة فتقطع بذلك حبل الحياة، وتضفر حبلا سواه، فتشنق في النهاية بالحبل الذي تضفره.
ذلك هو لباب القصيدة، وهو يمنحها قوة موضوعية وفكرية؛ أما الأهداب فهي العلائق التجميلية والتخيلات الفنية ومنها: اعتماد الرموز والأساطير، فهذه أول قصيدة يتكئ فيها السياب على الأساطير اليونانية وغيرها بشدة، وكان من قبل لا يشتشير سوى قصة قابيل، اما الآن فهو يجمع إلى تلك القصة صورة ميدوزا وأوديب وافروديت وفارست وابولو، ولكن هذه الأساطير تدخل في قصيدته مدخل الإشارات التاريخية، والأسطورة الوحيدة التي تحتل موضعا راسخا في قصيدته هي التي تحدث فيها عن يأجوج ومأجوج والسور:
سور كهذا حدثوها عنه في قصص الطفولة ... يأجوج يغرز فيه من حنق أظافره الطويلة ... ويعض جندله الأصم، وكف مأجوج الثقيلة ... تهوي كأعنف ما تكون على جلامده الضخام ... والسور باق لا يكل، وسوف يبقى ألف عام ... لكن: إن شاء الإله ...
стр. 195
طفلا كذلك سمياه ... سيهيب ذات ضحى ويقلع ذلك السور الكبير (١) ... ومن تلك الأهداب استغلاله المفارقة الساخرة في القصيدة: المفارقة التي الحارس ساهرا على اقتضاء حق الدولة في إجازة الخطيئة لا على حماية الناس منها، وتجعل هذا الحارس نفسه وهو في حي البغايا يردد أغنية " تصف السنابل والازاهر والصبايا " والمفارقة التي تجعل الذباب شبعان من قمامة المدينة والخيول تجد غذاءها في الحظائر والحقول بينهما الإنسان جائع، والمفارقة التي جعلت " الشرف الرفيع " و " الآباء " و " العزة القعساء " سلعا تعرض في سوق الشهوات فلا تجد مشتريا. والمفارقة التي تجعل عمياء تنفق كسبها القليل لإضاءة مصباح، ثم تلك المفارقة الساخرة في الأسماء: فالمرأة تسمى سليمة وهي لديغة تسوطها الشهوات وترقع وهيها بالدهان، وإذا عميت اصبح اسمها " صباح "، وإذا رزقت بنتا سمتها " رجاء " ليموت رجاؤها جملة؟
وهناك عذوبة الاقتباس من حياة الناس في أحاديثهم اليومية وأغانيهم:
وتوسلته " فدوى لعينك؟ خلني بيدي أراها " (٢)
؟؟؟؟؟
وصدى يوشوش " يا سليمة يا سليمة
نامت عيون الناس آه؟ فمن قلبي كي ينيمه " (٣)
ومحاكاة الأغنية الشعبية بما يكسر من حدة الاندفاع السردي في قوله:
стр. 196
كالقمح لونك يا ابنة العرب ... كالفجر بين عرائش العنب
أو كالفرات على ملامحه ... دعه الثرى وضراوة الذهب
لا تتركوني فالضحى نسبي ... (١) من فاتح ومجاهد ونبي وهذا الارتكاز على لباب جوهري وأهداب تعتبر؟ في مجملها - علائق فنية جميلة قد يعوض بعض تعويض عن التعسف الذي ادخل الحيف على المبنى الفني الكلي، إذ نجد في اللباب مطلبا أكبر من الحديث عن مومس بائسة، كما نجد في الأهداب مكملات ضرورية للبراعة في السرد أو في التصوير. ومع أن القصيدة لا تتحمل بعدا رمزيا في جميع شخوصها وأحداثها، فإنها يمكن ان تتخذ في عمومها صورة لوضع اجتماعي عام يسوده الاضطراب والفقر والتشبث بمثل بالية؛ آلا أنها تصف اكثر مما تضرب جذور العلل والأدواء، ولا تحمل المسوغات حين تحشد الكوارث، وتطلق " الجبرية " من عقالها وتغل يد الإنسان عن التغيير، وتلقيه في الانتظار، ولعل بواعثها الذاتية إنما كانت نقمة الشاعر على المدينة وسأمه النفسي من تجاربه في دروبها المظلمة.
وقد خضع السياب فيها لمؤثرات خارجية: أما في الموضوع فإنه كان مأخوذا بسحر الروايات الميلودرمية الشائعة التي تهول على المشاهدين بما تكدسه من فواجع، لاعتقاد كتابها ان ذلك يبتز العطف والرثاء ويستدر الدموع؛ وأما في السياق فقد أراد أن تكون القصيدة شاهدا على أتساع الثقافة، ولهذا حشد فيها كثيرا من الإشارات إلي الأساطير - كما رأينا - وقد بدت أكثر تلك الإشارات مجتلبة، ما عدا ذكر أوديب، توطئة للحديث عن العمى، ورمزا للاستباحة العمياء التي لا تستطيع التفرقة بين الحلال والحرام؛ ثم إن " أوديب "
стр. 197
في القصيدة شديد بروحها " الجبرية " التي تشبه فكرة القدر اليونانية، وهي فكرة العقاب للبريء أو المخطئ جهلا دون تقديم علة، حتى ولا علة امتحان المؤمن (كما في قصة أيوب) . وقد كان السياب بحاجة إلى ان يدرك ان يدرك ان ترديد الأسماء الأسطورية أو التاريخية محض ترديد لا يصنع رموزا؛ وأن صهر الإشارات في سياق القصائد أكثر انسجاماً واقدر. على تحقيق حسن الظن بالثقافة الواسعة، ففي قوله:
انك تقطعين
حبل الحياة لتنقضيه وتضفري حبلا سواه
إشارة إلى بنيلوبه وهي تحيك غزلها ثم تنقضه في انتظار عولس، ولكنها انصهرت في السياق، وأصبحت تومئ من بعيد إلى قصة قديمة، وهي على هذا النحو خير من التصريح بذكر بنيلوبه وفرضه على المقرئ فرضا.
وليس في كل حين يكون الاستمداد من النبع الثقافي موفقا، كيف كانت في الصبا، حتى تنكر من نفسها ما صارت إليه:
تلك المعابثة اللعوب؟ كأنها امرأة سواها ... كالجدولين تخوض ماءها الكواكب، مقتاها ... والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير ... ؟.
كانت إذا جلست إلى المرآة يفتنها صباها ... فتظل تعصر نهدها بيد، وتحملها رؤاها ... من مخدع الآثام في المنفى إلى قصر الأمير ... تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير ...
стр. 198
وهذه اللفتة مستمدة من ثقافة السياب، فقد قرأ لعمر أبو ريشه قصيدته جان دارك - فيها احسب - ووقف فيها على قوله (١) :
وأكفها في شعرها ... تزداد دغدغة ولهوا
والناهدان بصدرها ... يتواثبان هوى وشجوا
فتشد فوقهما وسادتها ... وفي شغف تلوى؟.
وتمثلت خدنا يحل ... براحته لها المازر
ويضمها شغفا وتهمي ... فوقها القبل المواطر وقد ضل السياب حين تابع أبو ريشة كما ضل صاحبه من قبل، وكلاهما غرف من شهوات نفسه ما سكبه على " بطلة " قصيدته. لا لأن جان دارك لم تكن فتاة جملة ريانة العود مفعمة بالشهوة ولا لأن " سليمة " لم تكن مكتملة الأنوثة، صاخبة النفس بأحلام الجنس؛ ولكن لأن من يريد ان يتحدث عن " قديسة "؟ في قصيدة لا في سيرة حياة - لا يتحدث عن لبؤة قد تضرمت نيران الشهوة، ومن يريد أن يثير عطف الناس على مومس أذلتها الحيات لا علاقة له بالحديث عن سعار الجنس الذي كان يستبد بها في شبابها، إذ كيف يصدق الناس ان حاجتها هي التي دفعتها إلى ذلك المنحدر دون تركيبها الشهواني المستعر بشبق جارف؟
стр. 199
- ١٧ -
أنشودة المطر
حتى هذا الحد كان السياب يرى القصيدة الطويلة بناء يعتمد على قطبين (كما في فجر الإسلام والأطفال) أو على الاسترسال مع التداعي (كالسوق القديم وحفار القبور والمومس العمياء) ؛ وكل قصيدة منها لا بد من ان تعتمد على مشرع تمهيدي يهيء الجو العام أو يطرح المشكلة ولو لم يخبرنا ان قصيدة " أنشودة المطر " كانت قصيدة طويلة لتصورنا فيها حين تنظر إلى اعتمادها على فاتحة مسترسلة؛ وكذلك جاءت قصيدة " غريب على الخليج "، وهما تمثلان وجهتين لقطعة عملة واحدة، فتؤكدان التقارب الزمني بينهما. إلا أن قصيدة " غريب على الخليج " ربما كانت اسبق في زمن لأنها لا تزال تحمل طبيعة المقدمة التي افتتحت بها قصيدة " المومس العمياء " كما تحمل إثارة من صور هذه القصيدة وبعض أفكارها.
وقد يوهم بناء كل من هاتين القصيدتين " غريب على الخليج " و " أنشودة المطر " أن الازدواجية لا تزال هي القاعدة التي ترتكز إليها كل منهما. فالأولى تمثل الإحساس بالغربة والشوق العارم للعودة إلى العراق ولكن عدم وجود النقود يقف حائلا دون هذه العودة، والثانية تصور العراق نفسه من خلال المنظر الماطر. والحقيقة ان الازدواج في القصيدتين قد يسمى ازدواج التطابق: فالعراق والنقود التي تمكن الغريب من العودة شيئا متطابقان؟ أو هما أيضاً وجها
стр. 200
قطعة العملة الواحدة - أحدهما لا يستقل بالوجد دون الآخر، والعراق والمطر في قصيدة الثانية شيئان متطابقان أيضاً، بل هما اشد تطابقا من العراق والنقود، لآن الصلة بينهما صلة حياة مستمرة، لا عودة فردية محفوفة بظروف عابرة.
وتعتمد الإثارة فيهما على السحر البدائي الكامن في اللفظة؛ فاللفظة المتكررة هي التعويذة التي يرددها السحر القديم، أو هي " افتح يا سمسم "؟ كلمة السر التي تفتح على وقعها مغيبات النفس وهذه اللفظة هي " عراق " في القصيدة الأولى وصنوها " نقود "، وفي الثانية " مطر " وليس لها صنو منفصل، وإنما تحمل صنوها " عراق " في ذاتها حمل الأم للجنين.
في القصيدة الأولى " غريب على الخليج " تتفجر في داخل النفس " عراق " والموج يعول " عراق عراق " والاسطوانة في المقهى تردد " عراق "، وينفتح على ترديد اللفظة أبواب الماضي: فإذا بالطفولة المتمثلة في وجه الأم والنخيل وحكايا العمة والتنور الوعاج، واذا الشوق:
شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولادة (١)
- عودة طبيعية اثر تلك اللفظة السحرية، ولكن سرعان ما يعود الشاعر من حلم الماضي إلى واقعة ليرى نفسه:
تحت الشموس الأجنبية
متخافق الاطمار ابسط بالسؤال يدا
صفراء من ذل وحمى؟ ذل شحاذ غريب
بين العيون الأجنبية
стр. 201
بين احتقار وانتهار وازورار أو " خطية "
والموت أهون من " خطية "
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية
قطرات ماء؟. معدنية (١)
العراق هنا لا تحققه هذه القطرات المعتصرة: واحدة، اثنتان، ثلاث.. العراق يحققه رنين قطرات أخرى.. نقود.. لمعة الموج تقول: نقود؟ كواكب الخليج: نقود؟ وعند كل رنة يردد الصدى..ود.. فتصبح " أعود ".. " العراق " لفظة تفتح مغالق النفس المتناهبة بين جمال الماضي وبؤس الحاضر ولكن لفظة " نقود " تفتح العراق المغلق؟ ولكن لا عودة لأنه لا نقود؟ هنالك عوضا عنها قطرات الدموع وهي هذه المرة تتساقط: واحدة. اثنتان. ثلاث، من عيني الواقف أمام الباب المغلق؟ الباب المغلق ذي المصراعين: العراق والنقود، لكنها ليست قطرات الماء المعدنية التي كانت تعتصرها العيون الأجنبية.
القصيدة أذن تموج النفس في صعود يتلوه هبوط (الماضي؟ الحاضر، الأمل في العودة - اليأس منها) بين لفظتي " عراق؟ نقود "، فهي صورة سجين، لسجنه بابان مغلقان، يفضي أحدهما إلى الآخر، ولا تجدي القوة السحرية البدائية أمامهما شيئا لأن الواقع أقوى من السحر. وقبل ان نغادر هذه القصيدة يجدر بنا أن فيها إلى أمرين: أولهما أن الشاعر يلتفت لأول مرة إلى المسيح والصلب:
وحملتها فأما المسيح يجر في المنفى صليبه (٢)
وهي لمحة عابرة، ولكنها ضرورية لتصور ما حدث من بعد في
стр. 202
شعر السياب. والثاني: أن الباب الذي فتحه ترديد لفظة " عراق " أفضى إلى عراق الطفولة لا إلى عراق الواقع الراهن حينئذ؟ أو ما يسميه الشاعر " عراق روحه "، فكأن الصلة التي تربطه با العراق هي عالم الطفولة وذكرياتها.
وهذا الأمر الثاني يؤدي بنا توا إلى قصيدة " أنشودة المطر " والى الفرق الكبير بينهما وبين القصيدة السابقة، بل إلى الفرق بينهما وبين كل ما سبقها من قصائد دون استثناء، فهي تقارب قصيدة " غريب على الخليج " في استغلال السحر الكامن في الكلمة، ولكن الكلمة هنا حقيقة كلية، تحقق عالما جديدا لا عودة ذاتية؛ وفي كلتا القصيدتين تنبعث الطفولة، ولكن انبعاثها هنالك ذكرى جميلة (تزيد من وضوح المفارقة مع الحاضر) أما هنا فان الطفولة جزء من حياة كبرى - فالعودة إليها ليست هربا إلى الماضي، وإنما هي وصل للماضي بالحاضر، ووصل للذات بالمجموع، ووصل للفرد بالمجتمع، حتى ينتج عن ضروب هذا الوصل وحدة عامة تستشرف المستقبل في ثقة الإنسان المطمئن إلى المصير الإنساني.
الحبيبة؟ في فاتحة القصيدة - هي الأم أو القرية أو العراق، أو هذه الثلاثة مجتمعة، والحب قوة ساربة في الإنسان والطبيعة على السواء: العينان غابتا نخيل ساعة السحر وحين تبسمان تورق الكروم وترقص الأضواء كأنها أقمار في نهر يرجه المجذاف، أو كأن النجوم ترقص في غوريهما، فإذا غابتا في ضباب الأسى أصبحتا كالبحر " سرح اليدين فوقه المساء " وأخذ يخفق فيه تيار من الحياة؟ فهو يعكس دفء الشتاء وارتعاشه الخريف والموت والميلاد والظلام والضياء؟ لا فرق بين الأم الكبرى والأم الصغرى، كلتاهما لبعدها تثير في نفس الطفل " رعشة البكاء ونشوة وحشية تعانق السماء "؟. عينا الأم
стр. 203
الصغرى تغيم بالأسى، والطفل يحس برعشة البكاء، فتلتفت الأم الكبرى بعينين باكيتين ووقع قطراتهما يقول: مطر؟ مطر؟ مطر؟، أنشودة متصلة متقطعة في آن تشبه هذيان الطفل الذي قالوا له ان أمه ستعود، ورفاقه يهمسون ان قبرها هناك على التل، يشرب قطرات المطر؟ ويجتاح كله حزن غامر، فيزداد إحساس الغيب بالضياع على سيف الخليج، فيصيح به " يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى؟ ".
المنظر ناضح بالحزن حتى أعماقه، ورغم انه يصور طفولة الشاعر ويستمد اكثر مواده منها فانه الحقيقة التي يجب أن تلد حقيقة مغايرة.. من الحزن يجب ان يتولد المرح، كما يتحتم أن يتولد عن المطر خصب وغلال، ولكن الشاعر غريب ناء ولهذا فان المطر لم يولد في نفسه إلا جوعا، - شوقا إلى الام، إلى القرية، إلى الطبيعة؛ والشاعر والعراق سيان، لأن المطر لم يولد في العراق إلا الجوع؟ لأن الغلال التي يسكبها المطر لا يأكلها إلا الغربان والجراد؟ وتاريخ المطر في العراق طويل، ولهذا كان تاريخ الجوع فيه طويلا:
وكل عام حين يعشب الثرى نجوع (١) ... ما مر عام والعراق ليس فيه جوع ... والمطر يهطل: دفقة اثر دفقة؟ والرحى تدور في استخراج الغلال؟ ولكنها تمزجها بقطرات الدم؟ دم العبيد العاملين لإشباع الغربان والجراد،؟. إلا أن دفقات الأمطار والدماء لا بد ان تنداح كراتها وقطراتها عن عالم فتي جديد فيه الحقيقة المغايرة، فيه البسمة والنور:
стр. 204
في كل قطرة من المطر ... حمراء أو صفراء من أجنحة الزهر ... وكل دمعة من الجياع والعراة ... وكل فكرة تراق من دم العبيد ... فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد ... أو حلمة توردت على فم الوليد ... في عالم الغد الفتي واهب الحياة ... مطر؟ ... مطر؟ ... مطر؟ ... سيعشب العراق بالمطر (١) ... ويعود الشاعر فيتذكر جوعه؟ ظمأ إلى العراق، ويصيح بالخليج فلا يجيبه إلا صدى موجة تتكسر على الشاطئ حاملة الرغوة وبقايا بائس غريق ظل يشرب الردى من لحة الخليج - ارتوت عروقه حتى كادت تنفجر،؟ ولكن في العراق ريا آخر إلى جانب الظمأ والجوع: " ري الأفاعي التي تشرب الرحيق من زهرة يربها الفرات بالندى " إلا أن الحقيقة المغايرة لا بد أن تولد؟ من قطرات المطر وقطرات دم العبيد.
المطر " تلك هي الصفحة الخارجية من حقيقة الحياة، لشاعر يحس بالعربة عن الوطن والأم، ولكنه رغم المطر يحس بالظمأ، مثلما يحس العراق اثر المطر بالجوع، فالصفحة الداخلية من حقيقة الحياة هي الظمأ والجوع والموت؟ موت البائس الذي قذفه موج الخليج إلى الساحل، وموت الشاعر على سيفه في الوحشة والغربة والضياع؟
стр. 205
ولكن الموت لا يخيف، لأنه يلد الحياة، والجوع والظمأ لا يخيفان لأنهما سيفرجان عن شبع وري. الحقيقة الكبرى هي ان الطبيعة أم حانية: كلتاهما قد تبكي فتعبث اللوعة في نفوس، ولكن هذا البكاء بدء حياة جديدة، لأن قانون الحياة يقول: أن المطر لا بد من أن يلد عشبا، وشبعا وريا، وهذا الشبع والري من حق الذين يصنعون الحياة بدمائهم وليس من حق الغربان والجراد والأفاعي.
ها هنا الوحدة الكلية بين الفتى والأم والطبيعة والبائسين من بني الإنسان، مثلما هي الوحدة الكلية بين النشيد المتصل في القصيدة وشخوصها وبين الأضداد الظاهرية من حزن وابتسام وجوع وشبع وظمأ وري، لأن قوة التحول لن تجعلها أضداد إلى الأبد.
القصيدة بسيطة: لفظة واحدة استطاعت ان تغوص إلى سر الوجود، كما استطاعت ان تربط خيوطا مختلفة، وان توحد الطاقات في حبل قوي، هو حبل الأمل، فلم يعد الشاعر منفصلا بمشاعره الذاتية، ولم تعد النظرة الإنسانية مفروضة على هذه المشاعر من مبدأ خارجي، وإنما هي تسترسل؟ كما يسترسل المطر - من طبيعة الموقف كله، أنها صورة التلاحم بين الخصب والجوع دون إغراق في التصوير واستجلاب للانفعالات، وخروج بالأسى عن وقدته الطبيعية التي تشبه وقدة النار تحت الرماد. ومع أن عرض القصيدة قد اظهر كثيرا من الصبغة التقريرية، فأنها في الواقع من اشد قصائد السياب اعتماد على ألا لماح السريع والربط الداخلي، أول قصيدة من نوعها في شعره، وهي فاتحة ما يمكن ان يسمى " شعره الحديث " - اعني أنها في داخلها مبينة بنا تكامليا، وفي خارجها تتكئ على دورات متصاعدة، قليلة الاستطراد إلى الجزئيات التي تنحرف بها عن وجهتها العامة وعن غايتها النهائية. وإذا غاص القارئ بإحساسه الطبيعي في أعماقها وجد نهرا يعب كأنه صورة الخليج المرئي: فيه
стр. 206
اللؤلؤ والمحار وفيه الردى أيضاً، فيه الدم والجوع والحب والطفولة والموت، ولكن لا بأس: انه نهر الحياة الذي يحمل الناس جميعا إلى عالم فتي يهب الحياة. وهذا الهدوء التقبلي ليس جبرية وإنما هو اطمئنان إلى قوة التحول، إلى النظرة البدائية التي تربط الإنسان بالأرض وفصولها؟ القصيدة هنا كالأرض تهتز بالمطر لتربو نسمة الحياة، وان كان المطر يحدد سطحها ويجرف بعض معالمها، والأرض هي الأم، التي تمنح الحياة ولادة جديدة، ولما كانت القصيدة صورة للولادة الجديدة، فإن الإحساس بها يملأ النفس باستجابة غامضة، تكاد تكون لا شعورية.
ولهذا كله امتلأت القصيدة بصور نابضة أو متفتحة أو مشرفة على التفتح: " الكروم تورق؟ الأضواء ترقص؟ المجذاف يرج الماء - النجوم تنبض؟ ارتعاشه؟ الخريف؟ رعشة البكاء؟ الخليج يفهق بالؤلؤ والمحار والردى؟ العراق يذخر الرعود والبروق؟ الرجال يفضون الختم عنها؟ القطرة تنفتح عن أجنة الزهر -؟ " وليست هذه صورا للتزيين، وإنما تعتمد إيحاءات اللفظة والصورة معا لتمهد الطريق إلى التفتح الكبير؟ الذي تستعد له الحياة، وقد استطاع السياب أن يتخلص من صور الجنس التي كانت تعذبه وتملأ أخيلته في قصائده الأخرى حين جعلها تخب تحت صور الحياة عامة، ولم ينثرها على سطح الصورة الكبرى؛ وبالجملة صهر السياب ذاته وتجربته السابقة وموقفه الإنساني في " قصيدة "، بعد أن طال به العهد وهو يجيل قلمه في ميدان التجريب والخطأ.
стр. 207
فراغ
стр. 208
- ٣ -
تجلي إرم
стр. 209
فراغ
стр. 210
- ١٨ -
انفصام الرابطة الحزبية
لقصيدتي " غريب على الخليج " و " أنشودة المطر " دلالة أخرى سوى دلالتهما على المرحلة الفنية التي كان الشاعر قد بلغها، فقد صورتا إحساسه الذاتي بغربة قاسية فريدة، وعذابه الأليم في تلك التجربة الكويتية الايرانية، وحين أخذ يتأمل في طبيعة تلك الغربة وذلك العذاب ازداد إحساسه بالعراق؟ عراق الطفولة وعراق البؤس والجوع، واقترن الاثنان في نفسه اقترانا شعوريا وفنيا لم يتحقق من قبل على هذا النحو. لم يقفز إحساسه حينئذ إلى رؤية البؤس الانساني؛ لم يفكر في أطفال الزنوج أو في عمال مرسيليا، أو في الكادحين في كل مكان من الكرة الأرضية؛ ذابت تلك الخفقة التي عبرت عنها قصيدة " الأسلحة " والأطفال " ليحل محلها شعور مستبد طاغ بالطبيعة العراقية والذكريات العراقية ومطر العراق وعمال العراق وفلاحي العراق وجوع العراق؟ وكبرت صورة العراق في نفسه حتى طردت كل صورة أخرى، أي كبر الاحساس بالوطن وبالرابطة الوطنية القومية، دون سواها من الروابط الأخرى، وكانت قصيدة " المومس العمياء " مقدمة طبيعية لهاتين القصيدتين، لأنها جعلت تلك المرأة عربية عراقية مستباحة الجسم والنفس؛ وكانت التجربة المريرة مع حزب توده هي النافذة التي انفتحت لاستقبال ريح تلك الاحاسيس؛ انه؟ حسب تجربة السياب - حزب
стр. 211
أممي من حيث المبادئ ولكنه يتغنى بالأمجاد القومية والماضي القومي والتاريخ القومي، ويتعصب للغته وتراب أرضه عصبية قد تجوز على المشاعر القومية عند الآخرين كما قد تتنافى مع المبادئ التي اتخذها له شعارا. لماذا لا يحق للسياب أن يتعصب لوطنه وقوميته على هذا النحو؟ ألأن الحزب الشيوعي العراقي الذي ينتمي إليه يمثل الأقليات؟ ثم ماهو التعويض الذي يرجوه الغريب عن التعاسة والبؤس في ديار الغربة؟ انه بحاجة إلى صدر الأم، إلى صدر الوطن الجميل العطوف، وحين أتحدث صورة الأم وصورة الوطن كان السياب يقترب من العراق قربا مساويا لبعده عن الأممية. كانت الأممية وثبة في فضاء مجهول لا تتلاءم وطبيعة الطفل الذي يرى الحياة قبرا ونخلة على ضفة " بويب " ولا تنسجم وطبيعة اليافع الذي يحلم بالحبيبة؟ الام، ولا تتواءم ومشاعر المراهق الذي يعانق الحب والموت في آن، ولا تتمشى واحساسات الشاب الذي يحب كل فن جميل ولو كان صاحبه خائنا لكفاح الطبقات الكادحة. وعاش الشاب منقسم النفس: لأن الكفاح الجماهيري كان قد أصبح؟ منذ سنوات - قدرا لا يستطيع التراجع عنه، ولأن الفردية الصارخة كانت ما تزال تشده إلى أحلام الحب والموت، وحين تزوجت هذه الفردية الوطن، واتحدت به اتحاد التطابق، استراح الشاعر إلى وضع جديد، وإذا هو يحس - ألم أو تأنيب نفسي؟ ان رابطته بالأمية قد انفصمت في يسر، وانحلت العقدة حين تباعد طرفاها عفوا دون أن تحتاج إلى إرادة لتقطعها قطعا.
ليس معنى هذا أن الأممية تنكر الشعور المخلص الصادق في خدمة الوطن والتضحية من أجله. ولكني هنا أتحدث عن وضع محدد، وعن أحاسيس مرهونة بظروفها. ومن تتبع الصفحات السابقة من هذه الدراسة استطاع ان يجمع عددا كبيرا من الأسباب الكبيرة والصغيرة التي أدت بالسياب إلى الانفصال عن الحزب الشيوعي العراقي، وكل ما
стр. 212
أريد أن أقوله هنا هو ان تلك الأسباب المجتمعة وضلت بفعلها وتأثيرها إلى اللحظة الحرجة
حين كان السياب يعاني تجربة غربة مريرة، ساعتئذ أحس؟ بطريقة عفوية؟ إن الوطن أحق با بستقطاب مشاعره، بل هو قد استقطب حقا مشاعره جميعا على نحو من الحنين والتصور الرومنطيقي:
الشمس اجمل في بلادي من سواها، والظلام
حتى الظلام؟ هناك اجمل فهو يحتضن العراق
واحسرتاه متى أنام
فأحس أن على الوسادة
من ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق (١)
وكان هذا الشعور ينسجم مع طبيعة طفولته وذكرياته، لآن المسافة بينها وبين فرديته أصغر بكثير من المسافات بين تلك الفردية والنزعة الإنسانية الكبرى. ساعتئذ أحس؟ مخطئا أو صيبا - أن الوطنية بمعناها القومي تصلح بديلا عن تلك النزعة الإنسانية العامة، فنانق الاتجاه الجديد، دون ان يعلن لأحد ان صلته بالحزب قد ماتت؟ هكذا في يسر - من غير ان تعاني شيئا من سكرات الموت، أو شيع بالبكاء والعويل. تلك حقيقة لا تغير منها العوامل الأخرى التي طرأت بعد العودة إلى العراق، وإنما تزويدنا اطمئنانا إليها:
عاد السياب إلى بغداد فوظف في مديرية الأموال المستوردة بوساطة من صديقه عبد الرزاق الشيخلي، وعاد دولب الحياة يجري كما كان يجري من قبل. إلا أن العراق الذي كان يتراءى له في الغربة لم يكن كذلك: كلما اقترب المرء من دنيا الحقيقة ذابت من حولها
стр. 213
أنسجة الأوهام؛ ولكن؟ مهما يكن من شيء - فان القروش القليلة في بغداد وبين الصحاب أجمل كثيرا من غسل الصحون وتنظيف الغرف وترتيب الأسرة في الكويت.
وأكبر شيء تلقاه السياب الضربة المفاجئة انه وجد رفاقه اليساريين قد تناسوا مواقفه في المظاهرات وقصائده المثيرة للجماهير، وأحس أن الغربة قد جعلت ألوان كفاحه تميل إلى الشحوب، بينا أخذ يلمع في الاتجاه اليساري اسم شاعر آخر، هو عبد الوهاب البياتي، فلم يغفر السياب لليساريين ما عده تنكرا لفنه في سبيل اليسار، ولم يغفر للبياتي هذه الجرأة التي منحته الشهرة دونه، ولم يغفر للزمن ذنبه في أن أتاح للبياتي تلك الفرصة؛ وأخذت النار تقترب من الفتيل المشبع بالبنزين؟ الفتيل الدقيق الذي يربط بين السياب واليساريين.
وأخذ السياب يعرض ما كتبه أثناء اغترابه على الرفاق، فأعجبتهم الروح العامة في قصيدة " الأسلحة والأطفال " ولكنهم أبدوا شيئا من التردد في قبول " المومس العمياء "، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد في فرض رأيهم عليه حين أمروه؟ على حسب تعبيره - بأن ينشر القصيدة الأولى قبل الثانية (١) . وبدأت المحاكمات والمكايدات الصغيرة تكشف عما قد اختمر في نفسه، وكانت الظروف معينة على تطوير تلك المكايدات. فقد نصحه بعض أصدقائه بأن يثبت وجوده في الميدان لئلا ينساه الناس، وأن يطلب الشهرة خارج حدود العراق، ذلك لأن ما ينشر في العراق ربما يتجاوز حدوده في كثير من الأحيان، وتلفت السياب حوله فرأى ان مجلة الآداب خير ما يكفل لشعره الذيوع والشهرة، فأرسل إلى المجلة قصيدة بعنوان " يوم الطغاة الأخير " وكتب تحت العنوان: " أغنية ثائر عربي من تونس لرفيقته "، وليس في القصيدة
стр. 214
أية دلالة على تونس أو على أي مميزات خاصة تجعل الثائر عربيا، ولكن السياب كان يعلم أنه يتقدم إلى مجلة الآداب أول مرة، وأن للمجلة طابعا خاصا ونزعة معينة تحرص عليهما، فكان إهداء القصيدة تقربا إلى المجلة وقرائها.
ويقول السياب: " وثارت ثائرة الشيوعيين لهذا الإهداء " (١) ولا يستطيع المرء الذي لم يلابس طبيعة تلك المماحكات والمكايدات عن كثب أن يجد أية علة مقبولة للغضب من تلك العبارة، فالثائر حين يثور لا يتخلى عن انتمائه، اللهم الا أن يكون بعض الناقمين على ذلك الإهداء كانوا يرفضون ان يعدوا التونسي عربيا. وأيا كانت الأسباب فان السياب مضى في المكايدات شوطا آخر، ليوجد لنفسه عذرا في الانفصال مستمدا من أحداث الواقع لا من الأحاسيس النفسية الدخيلة. فنشر قطعا من قصيدة " المومس العمياء " في مجلة الأسبوع العربي التي كان يصدرها خالص عزمي (٢) ، ومنها تلك القطعة التي تتحدث عن أن " بطلة " قصيدته عربية النسب، فلما قرأها بعض الرفاق (وأكثرهم من اصل إيراني) هنأوه عليها (٣) لأنه غمز من قناة العرب وأسطورة العرض والشرف الرفيع؛ وكان السياب؟ في حقيقة الأمر - قد جعل ذلك المقطع من قصيدته للغاية التي أدركها الرفاق فيه، فأحس في سرورهم أنه يكاد ولا يكيد، وأنه قد عرض قومه للشماتة، فأحب أن يرد الصاع بمثله، فلما نشر القصيدة كاملة في كراسة مستقلة، كتب تعليقا على ذلك المقطع يقول فيه: " ضاع مفهوم القومية عندنا بين الشعوبيين والشوفينيين، يجب أن تكون القومية شعبية والشعبية قومية؟. أفليس عارا علينا نحن العرب أن تكون بناتنا بغايا يضاجعن الناس من
стр. 215
كل جنس ولون؟ " (١) وكان واضحا ان هذا التعليق توجبه جديد لمحتوى ذلك المقطع من القصيدة وانه أيضاً مماحكة سافرة؛ وقابلة جماعة من الرقاق وقالوا له: ما الضرر في أن يضاجع المومس العربية أي امرئ كان ما دامت هي قد رضيت أن تكون بغيا؟ ورد السياب بأنه لا يستنكر مضاجعة البغي وإنما يستنكر أن تتجه امرأة عربية إلى احتراف البغاء، وهذا موضوع يهم العرب، وعلى الشاعر أن يضرب على الأوتار الحساسة في نفوس قرائه (٢) . ولكن التصريح بالشعوبية كان يعني غمزا من نوع جديد، وكان السياب يدرك كما كان الرفاق يدركون أن الأمر خرج إلى حيز قلب المبادئ أو الثورة عليها وإلا فكيف تصبح القومية شعبية والشعبية قومية؟ ان كان لهذا الكلام معنى؟
واشتدت المهاترات، وارتفعت حدة الاتهامات المتبادلة، في المجلس العامة والخاصة عن طريق الأحاديث؟ دوم أن يلجأ أحد الطرفين إلى إدانة الآخر كتابة؛ وكان ذلك يعني أن السياب قد تخلى عن انتمائه الحزبي، وحين أراد الرفاق ان يعلنوا تخليهم هم أيضاً عنه قاطعوا قصيدته " المومس العمياء " بل تلقوا قصيدة " الأسلحة والأطفال " حين نشرت بفتور شديد؛ إلا أن الكثيرين سهم ظلوا على علاقة طيبة به، رغم ما يدور في مجالسهم من منازعات جدلية حادة. وفي تلك الفترة تحول محيي الدين إسماعيل؟ وكان مثله قد تخلى عن انتمائه الحزبي - من " مجرد واحد من معارفه " إلى صديق حميم من أصدقائه، وأخذ الصديقان يعيدان النظر في كثير من المسائل التي تلقياها من قبل بالتسليم ويطرحانها للمناقشة (٣) . ويصور الأستاذ العبطة تلك الفترة من حياة بدر بقوله: " وكانت جلساتنا في الأماسي ما بين ١٩٥٤ - ١٩٥٥