أممي من حيث المبادئ ولكنه يتغنى بالأمجاد القومية والماضي القومي والتاريخ القومي، ويتعصب للغته وتراب أرضه عصبية قد تجوز على المشاعر القومية عند الآخرين كما قد تتنافى مع المبادئ التي اتخذها له شعارا. لماذا لا يحق للسياب أن يتعصب لوطنه وقوميته على هذا النحو؟ ألأن الحزب الشيوعي العراقي الذي ينتمي إليه يمثل الأقليات؟ ثم ماهو التعويض الذي يرجوه الغريب عن التعاسة والبؤس في ديار الغربة؟ انه بحاجة إلى صدر الأم، إلى صدر الوطن الجميل العطوف، وحين أتحدث صورة الأم وصورة الوطن كان السياب يقترب من العراق قربا مساويا لبعده عن الأممية. كانت الأممية وثبة في فضاء مجهول لا تتلاءم وطبيعة الطفل الذي يرى الحياة قبرا ونخلة على ضفة " بويب " ولا تنسجم وطبيعة اليافع الذي يحلم بالحبيبة؟ الام، ولا تتواءم ومشاعر المراهق الذي يعانق الحب والموت في آن، ولا تتمشى واحساسات الشاب الذي يحب كل فن جميل ولو كان صاحبه خائنا لكفاح الطبقات الكادحة. وعاش الشاب منقسم النفس: لأن الكفاح الجماهيري كان قد أصبح؟ منذ سنوات - قدرا لا يستطيع التراجع عنه، ولأن الفردية الصارخة كانت ما تزال تشده إلى أحلام الحب والموت، وحين تزوجت هذه الفردية الوطن، واتحدت به اتحاد التطابق، استراح الشاعر إلى وضع جديد، وإذا هو يحس - ألم أو تأنيب نفسي؟ ان رابطته بالأمية قد انفصمت في يسر، وانحلت العقدة حين تباعد طرفاها عفوا دون أن تحتاج إلى إرادة لتقطعها قطعا.
ليس معنى هذا أن الأممية تنكر الشعور المخلص الصادق في خدمة الوطن والتضحية من أجله. ولكني هنا أتحدث عن وضع محدد، وعن أحاسيس مرهونة بظروفها. ومن تتبع الصفحات السابقة من هذه الدراسة استطاع ان يجمع عددا كبيرا من الأسباب الكبيرة والصغيرة التي أدت بالسياب إلى الانفصال عن الحزب الشيوعي العراقي، وكل ما
стр. 212
أريد أن أقوله هنا هو ان تلك الأسباب المجتمعة وضلت بفعلها وتأثيرها إلى اللحظة الحرجة
حين كان السياب يعاني تجربة غربة مريرة، ساعتئذ أحس؟ بطريقة عفوية؟ إن الوطن أحق با بستقطاب مشاعره، بل هو قد استقطب حقا مشاعره جميعا على نحو من الحنين والتصور الرومنطيقي:
الشمس اجمل في بلادي من سواها، والظلام
حتى الظلام؟ هناك اجمل فهو يحتضن العراق
واحسرتاه متى أنام
فأحس أن على الوسادة
من ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق (١)
وكان هذا الشعور ينسجم مع طبيعة طفولته وذكرياته، لآن المسافة بينها وبين فرديته أصغر بكثير من المسافات بين تلك الفردية والنزعة الإنسانية الكبرى. ساعتئذ أحس؟ مخطئا أو صيبا - أن الوطنية بمعناها القومي تصلح بديلا عن تلك النزعة الإنسانية العامة، فنانق الاتجاه الجديد، دون ان يعلن لأحد ان صلته بالحزب قد ماتت؟ هكذا في يسر - من غير ان تعاني شيئا من سكرات الموت، أو شيع بالبكاء والعويل. تلك حقيقة لا تغير منها العوامل الأخرى التي طرأت بعد العودة إلى العراق، وإنما تزويدنا اطمئنانا إليها:
عاد السياب إلى بغداد فوظف في مديرية الأموال المستوردة بوساطة من صديقه عبد الرزاق الشيخلي، وعاد دولب الحياة يجري كما كان يجري من قبل. إلا أن العراق الذي كان يتراءى له في الغربة لم يكن كذلك: كلما اقترب المرء من دنيا الحقيقة ذابت من حولها
стр. 213
أنسجة الأوهام؛ ولكن؟ مهما يكن من شيء - فان القروش القليلة في بغداد وبين الصحاب أجمل كثيرا من غسل الصحون وتنظيف الغرف وترتيب الأسرة في الكويت.
وأكبر شيء تلقاه السياب الضربة المفاجئة انه وجد رفاقه اليساريين قد تناسوا مواقفه في المظاهرات وقصائده المثيرة للجماهير، وأحس أن الغربة قد جعلت ألوان كفاحه تميل إلى الشحوب، بينا أخذ يلمع في الاتجاه اليساري اسم شاعر آخر، هو عبد الوهاب البياتي، فلم يغفر السياب لليساريين ما عده تنكرا لفنه في سبيل اليسار، ولم يغفر للبياتي هذه الجرأة التي منحته الشهرة دونه، ولم يغفر للزمن ذنبه في أن أتاح للبياتي تلك الفرصة؛ وأخذت النار تقترب من الفتيل المشبع بالبنزين؟ الفتيل الدقيق الذي يربط بين السياب واليساريين.
وأخذ السياب يعرض ما كتبه أثناء اغترابه على الرفاق، فأعجبتهم الروح العامة في قصيدة " الأسلحة والأطفال " ولكنهم أبدوا شيئا من التردد في قبول " المومس العمياء "، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد في فرض رأيهم عليه حين أمروه؟ على حسب تعبيره - بأن ينشر القصيدة الأولى قبل الثانية (١) . وبدأت المحاكمات والمكايدات الصغيرة تكشف عما قد اختمر في نفسه، وكانت الظروف معينة على تطوير تلك المكايدات. فقد نصحه بعض أصدقائه بأن يثبت وجوده في الميدان لئلا ينساه الناس، وأن يطلب الشهرة خارج حدود العراق، ذلك لأن ما ينشر في العراق ربما يتجاوز حدوده في كثير من الأحيان، وتلفت السياب حوله فرأى ان مجلة الآداب خير ما يكفل لشعره الذيوع والشهرة، فأرسل إلى المجلة قصيدة بعنوان " يوم الطغاة الأخير " وكتب تحت العنوان: " أغنية ثائر عربي من تونس لرفيقته "، وليس في القصيدة
стр. 214
أية دلالة على تونس أو على أي مميزات خاصة تجعل الثائر عربيا، ولكن السياب كان يعلم أنه يتقدم إلى مجلة الآداب أول مرة، وأن للمجلة طابعا خاصا ونزعة معينة تحرص عليهما، فكان إهداء القصيدة تقربا إلى المجلة وقرائها.
ويقول السياب: " وثارت ثائرة الشيوعيين لهذا الإهداء " (١) ولا يستطيع المرء الذي لم يلابس طبيعة تلك المماحكات والمكايدات عن كثب أن يجد أية علة مقبولة للغضب من تلك العبارة، فالثائر حين يثور لا يتخلى عن انتمائه، اللهم الا أن يكون بعض الناقمين على ذلك الإهداء كانوا يرفضون ان يعدوا التونسي عربيا. وأيا كانت الأسباب فان السياب مضى في المكايدات شوطا آخر، ليوجد لنفسه عذرا في الانفصال مستمدا من أحداث الواقع لا من الأحاسيس النفسية الدخيلة. فنشر قطعا من قصيدة " المومس العمياء " في مجلة الأسبوع العربي التي كان يصدرها خالص عزمي (٢) ، ومنها تلك القطعة التي تتحدث عن أن " بطلة " قصيدته عربية النسب، فلما قرأها بعض الرفاق (وأكثرهم من اصل إيراني) هنأوه عليها (٣) لأنه غمز من قناة العرب وأسطورة العرض والشرف الرفيع؛ وكان السياب؟ في حقيقة الأمر - قد جعل ذلك المقطع من قصيدته للغاية التي أدركها الرفاق فيه، فأحس في سرورهم أنه يكاد ولا يكيد، وأنه قد عرض قومه للشماتة، فأحب أن يرد الصاع بمثله، فلما نشر القصيدة كاملة في كراسة مستقلة، كتب تعليقا على ذلك المقطع يقول فيه: " ضاع مفهوم القومية عندنا بين الشعوبيين والشوفينيين، يجب أن تكون القومية شعبية والشعبية قومية؟. أفليس عارا علينا نحن العرب أن تكون بناتنا بغايا يضاجعن الناس من
стр. 215
كل جنس ولون؟ " (١) وكان واضحا ان هذا التعليق توجبه جديد لمحتوى ذلك المقطع من القصيدة وانه أيضاً مماحكة سافرة؛ وقابلة جماعة من الرقاق وقالوا له: ما الضرر في أن يضاجع المومس العربية أي امرئ كان ما دامت هي قد رضيت أن تكون بغيا؟ ورد السياب بأنه لا يستنكر مضاجعة البغي وإنما يستنكر أن تتجه امرأة عربية إلى احتراف البغاء، وهذا موضوع يهم العرب، وعلى الشاعر أن يضرب على الأوتار الحساسة في نفوس قرائه (٢) . ولكن التصريح بالشعوبية كان يعني غمزا من نوع جديد، وكان السياب يدرك كما كان الرفاق يدركون أن الأمر خرج إلى حيز قلب المبادئ أو الثورة عليها وإلا فكيف تصبح القومية شعبية والشعبية قومية؟ ان كان لهذا الكلام معنى؟
واشتدت المهاترات، وارتفعت حدة الاتهامات المتبادلة، في المجلس العامة والخاصة عن طريق الأحاديث؟ دوم أن يلجأ أحد الطرفين إلى إدانة الآخر كتابة؛ وكان ذلك يعني أن السياب قد تخلى عن انتمائه الحزبي، وحين أراد الرفاق ان يعلنوا تخليهم هم أيضاً عنه قاطعوا قصيدته " المومس العمياء " بل تلقوا قصيدة " الأسلحة والأطفال " حين نشرت بفتور شديد؛ إلا أن الكثيرين سهم ظلوا على علاقة طيبة به، رغم ما يدور في مجالسهم من منازعات جدلية حادة. وفي تلك الفترة تحول محيي الدين إسماعيل؟ وكان مثله قد تخلى عن انتمائه الحزبي - من " مجرد واحد من معارفه " إلى صديق حميم من أصدقائه، وأخذ الصديقان يعيدان النظر في كثير من المسائل التي تلقياها من قبل بالتسليم ويطرحانها للمناقشة (٣) . ويصور الأستاذ العبطة تلك الفترة من حياة بدر بقوله: " وكانت جلساتنا في الأماسي ما بين ١٩٥٤ - ١٩٥٥
стр. 216
في مقهى الفرات في أول شارع الأمين يحضرها كاظم جواد وعبد الصاحب ياسين ورشيد ياسين ومحيي الدين إسماعيل، وفي هذه الأماسي التي قد تطول إلى آخر الليل في المقهى أو تتحول إلى الحانات الرخيصة المنثورة في شارع الأمين آنذاك. في هذه الأماسي تتجلى لنا طبيعة السياب في حالتي الانبساط والغضب، وقد يهم القارئ ان يعرف شغف السياب بالنكتة وترتيب المقالب على أصدقائه وأحبابه. وللتاريخ نشير إلى المخانقات التاريخية بينه وبين كاظم جواد أو بينه وبين رشيد ياسين التي قد تصل إلى الشتم إلى التثاقل السياب من عبد الوهاب البياتي في هذه الفترة بالذات " (١) .
ان لفظة " تثاقل " تعد نوعا من التلطف في التعبير عن معركة قلمية ضارية دارت بين السياب ومؤيديه من ناحية والبياتي ومؤيديه من ناحية أخرى، وكانت في حقيقة الأمر نقلا للنزاع السياسي العقائدي إلى صعيد أدبي، إذ كان العراك على موضوعات والأشكال الأدبية مما لا يشتثير ريبة القائمين على توجيه الحياة السياسية. ولا ريب في أن عوامل فردية خاصة لعبت دورها في اشتداد الخلافات، فقد كان السياب يحس أن البياتي قد انتزع مكانته الشعرية بين اليساريين أثناء غياب السياب في الكويت وإيران، وكان البياتي على أهبة إصدار ديوان من الشعر هو الذي سماه من بعد " أباريق مهشمة "، بينما يجد السياب صعوبة في العثور على من ينشر له " الأسلحة والأطفال " في كراسة، ومروجو القالة الذين تهزهم بالمتعة النفسية مناظر التهارش يذهبون ويجيئون بما يملأ النفوس من بارود الضغينة، وللأدباء الشبان حدة في التنافس ينسون معها كثرا من فضائل الحلم أو التجلد أو المجاملة أو الأناة. وقديما قال ابن الرومي: " لو كان المشتري حدثا لكان
стр. 217
عجولا "، والعجلة أخت الحدة أو ظئرها الرءوم. ولدى الأدباء في العالم العربي إحساس خاص بجمال المعارك الأدبية، لأنها أسواق للشهرة والإعلان والمنافرة، وهي؟ في نظرهم - دلالة على الحيوية وسبيل إلى إثارة النظارة للمشاركة، ولهذا وقف السياب وكاظم جواد ومحيي الدين إسماعيل صفا واحدا ضد البياتي وعبد الملك نوري ومن التف حولهما من الأنصار والمعجبين.
وتجاوزت المعركة حدود العراق، دون أن يكون هناك قدرة على الفصل في مجال الخصومة بين الضغائن الذاتية والمقاييس الفنية، وكان نقلها ذلك يعني ارتفاع الجلبة والتخاصم حول أشياء مختلفة تمتد من أصغر الأمور حتى كبريات المسائل النقدية والفنية، ولكن دون أن تتفاوت نسبة الغيرة والحمية بتفاوت الموضوعات، وذلك أدعى لاسترعاء الإسماع والأنظار، وأقدر على تنبيه الناس في داخل العراق وخارجه إلى هدير الحركة الأدبية فيه، ولم يكن هناك انقسام على أصول أدبية مذهبية، وإنما هي مقاييس عامة حينا أو شديدة الخصوص حينا آخر، ولهذا لم ترسم تلك الخصومة خطأ فاصلا بين مدرستين أدبيتين، ولا حققت نتيجة سوى جراح في النفوس؛ ومن الطريف أن تلك المعارك كانت؟ دون أن تعلن عن ذلك - ترفع شعارا قبليا قديما يقول: أنا وأخي ضد ابن عمي وأنا وابن عمي ضد الغريب، فالسياب مثلا وكاظم جواد يقفان ضد البياتي، ما دام البياتي خصما مشتركا، ولكن سرعان ما يدب الخلاف بين السياب وجواد لتبايننظريتيهما في تفسير قصيدة أو بيت واحد من قصيدة (١) .
стр. 218
- ١٩ -
فترة الآداب
كانت معدات المعركة جاهزة حين نشرت مجلة الأديب صورة للبياتي ومعها حديث له عن بعض الشعراء المشهورين مثل ناظم حكمت وبابلو نيرودا، ومن قبل ذلك نشر نهاد التكرلي فيها مقالا عنوانه " عبد الوهاب البياتي المبشر بالشعر الحديث "؟ وكان قد أعده ليكون مقدمة لديوان " أباريق مهشمة "؛ إذن فان مجلة الأديب قد تبنت؟ هي لا تدري - موقفا متحيزا، ولم يعد في مقدور الفريق الآخر أن يلوذ بالصمت، ولما أخذ أفراده يبحثون عن مجال لهم وجدوا مجلة " الآداب " تفتح لهم صدرها الرحب. في تلك الفترة كان أصدقاء السياب يلحون عليه بألا يتهاون بأمر نفسه وأن يتصل بمجلة الآداب وينشر فيها قصائده، ونزل عند رغبتهم نفسه فكتب إلى الدكتور سهيل ادريس بذلك فتلقى منه جوابا حافلا بالتقدير والتشجيع حتى قال بدر في رده عليه: " كان لرسالتك الكريمة التي أرسلتها أثر بالغ في نفسي وهي شاهد على نبل نفسك وكبر قلبك وإخلاصك في العهد الذي قطعته على نفسك بخدمة المجموعة العربية وأدبها السائر نحو النور " (١) ومع الرسالة قصيدة " أنشودة المطر ". وما لبثت مجلة الآداب أن نشرت
стр. 219
نبذة لكاظم جواد ينتقد فيها قصة لعبد الملك نوري وقصيدة للبياتي، ويقول في القصيدة أن فكرتها مسروقة من قصة " أشباح بلا ظلال " للقاص العراقي نزار سليم (١) ، وبذلك صح للسياب ومؤيديه منبر يسمعون الناس منه أصواتهم.
وكان توثيق العلاقة مع مجلة الآداب يعني لدى السياب؟ الذي كان قد ألف المزج بين الأهداف الشعرية والانتماء الحزبي - انتماء من نوع جديد. وكانت القضية لديه واضحة الابعاد، ولم نكن متجوزين حين جعلنا انفكاك روابطه من الحزب الشيوعي أمرا مواكبا لتضخم معنى الوطن في نفسه، إذ ها هو يصوغ المشكلة صياغة لا تتحمل التأويل حين يقول: " اننا مصممون على خوض هذه المعركة حتى النهاية، فهي ليست معركة سياسية مؤقتة، انما مسألة دفاع عن قيم وطنية وأدبية مهمة. إننا نحارب المكارثية الجديدة التي تريد ان تنبعث عندنا بعد ان أخذت تحتضر في موطنها الأصيل؟ ان السؤال هو؟ أيجب أن يكون الأديب (عالميا) !! قبل ان يكون وطنيا أم انه يجب ان تبدأ بوطنه وأمته، ويفضي من خلالها إلى الإنسانية الواسعة؟ " (٢) ، ولهذا أصبح السياب يتحدث عن العراق وحسب، وظهر أثر في الموضوعات التي تناولها في قصائده أنشودة المطر. ولما ظهرت الدعوة إلى تأييد الجبهة الوطنية التي تألفت حينئذ في العراق أبى السياب وأصحابه أن يوقعوا على عريضة التأييد إلا إذا نص فيها على قضية فلسطين وقضية المغرب العربي (٣) .
وفي أثناء ذلك ظهر ديوان " أباريق مهشمة "، فكتب كاظم جواد مقالا ليس فيه رفق بالأباريق، كشف فيه عن الغارات التي شنها
стр. 220
البياتي على أشعار الآخرين حتى استلبها وأدرجها في شعره (١) . وثار البياتي لهذا النقد وظن أن مجلة الآداب ضالعة في الهجوم على شعره، فرد على ذلك بمقال نشره في جريدة الوادي هاجم فيه الناقد وأصاب بشظايا هجومه الدكتور سهيل إدريس ومجلة الآداب ونثر تهمة العمالة والمأجورية للاستعمار على رءوس خصومه كما ينثر الذهب في أعراس الأغنياء. وقص السياب المقال من الجريدة وأرسله إلى سهيل وكتب إليه يعبر عن أسفه لما قيل في حقه وعن سخطه على مقال البياتي، ويعتذر عن عدم إرسال قصيدة للنشر لأنه هو واخوانه " مشغولون بمكافحة هذه الطغمة من المزيفين المغتربين الذين إذا انهزموا في مجال الفكر وعجزوا عن دحض الحقائق لجأوا إلى السب المبتذل والتهم الباطلة يكيلونها جزافا، دون ضمير يحاسبهم ولا قيمة خلقية أو مبدئية تردعهم " (٢) . وفي هذه الرسالة نفسها يشير إلى كتيب له في المطبعة؟ لعله " المومس العمياء " - ويقول ان طبعه لم ينجز بعد " لأن مدير المطبعة فرد من أفراد هذه العصابة المتآمرة على قيمنا الخيرة وأدبنا المخلص، عصابة البياتي وعبد الملك نوري ورهطهما " (٣) .
وتطور الأمر إلى التفكير في اللجوء إلى حمى العدالة. لماذا لا ترفع قضية على البياتي ينال فيها ما يلجمه عن التهم الباطلة؟ ويقول السياب في رسالة للدكتور إدريس " ستصلك قريبا رسالة من الأخ عدنان الراوي يشرح لك فيها بعض الأمور المتعلقة بإقامة الدعوى على البياتي. وقد قررنا أنا والأخ كاظم إقامة دعوى أخرى على البياتي لأن سكوتنا عنه يعتبر تشجيعا له على استهتاره كما يعبر تخليا عن " الآداب " وعنك، وثق أيها الأخ الكريم أننا لن تتخلى عنك مهما كانت الظروف.
стр. 221
نحن نعلم تماما أية قوة عمياء تسند البياتي ونواجهها نحن ونتحداها، ولكنا قد آلينا على أنفسنا ألا نسمح لأية قوة في الأرض أن تهين المثل التي نؤمن بها والقيم التي لأجلها نحيا " (١) . وانتهت هذه الفورة إلى سكون واكتفى خصوم البياتي بأن نشروا في الآداب ما عدوه تعبيرا لا عن سخطهم وحسب بل عن سخط جميع الأوساط الأدبية " على اختلاف نزعاتها واتجاهاتها الفنية " على مقالة البياتي " لما فيها من تجريح متهافت كشف القناع عن زيف كاتبها وأبان عن عقلية لا ترقى في أسلوبها عن الأساليب البوليسية العتيقة في إلصاق التهم والافتراءات إذا ما اوعزتها الحجة؟ " (٢) .
في ذلك الجو المتلبد بتهم العمالة والجاسوسية والخيانة والزيف والأساليب البوليسية تبلورت قصيدة " المخبر " التي يصور فيها السياب نفسية جاسوس؛ وكان ينوي إذا نشرتها الآداب أن يفتتحها بهذه العبارة: " الجاسوس يفتري على اختيار أناس ويلصق بهم التهم الباطلة والأكاذيب، وأقرب الناس إليه وأشبههم به من داس على ضميره فاتهم الوطنيين بالخيانة وأكل لحم أخيه ميتا " (٣) ، فلما نشرت القصيدة في الآداب لم يكتب تحت عنوانها إلا الآية القرآنية " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " (٤) ، ولما أدرجت في ديوان أنشودة المطر لم تظهر الآية مرافقة للعنوان (٥) .
ومن الطبيعي أن تسترعي هذه " الملائكة " انتباه المهتمين بالقضايا الأدبية، وأن يبدو السياب فيها؟ إلى جانب رفاقه وإزاء خصومه -
стр. 222
أديباً صاحب قضية يدافع عنها بكل قوة، وان يكون صاحب رأي في تلك القضية وفي قضايا الأدب جملة، وأن لا يكون رأيه مقصورا على شعره وتجربته الذاتية فيه، فالشاعر يحور في تصوره للشعر إلى نظام نقدي؟ موجود في نفسه بالقوة أو بالفعل - وما دام باب الاجتهاد في الأدب مفتوحا على مصراعيه، فلا بأس من أن يكون الشاعر أحد المجتهدين. وذهبت مجلة الكاتب الغربي تطلب رأيه في سؤال قدمته إلى غيره من الشعراء والأدباء: " هل هناك أدب تقدمي؟ " فكان من جوابه: " ما دمنا نؤمن بأن الحياة في كل مجال من مجالاتها ما تزال منذ البدء في تطور وتقدم إلى الأمام فان من البديهي بعد ذلك أن يكون في كل زمان أدب تقدمي، أو سمه ما شئت من الأسماء ما دامت التسمية تحمل هذا المفهوم، والأدب التقدمي هو الأدب الذي يعبر عن أفكار القوى النامية في مجتمع ما " (١) ، وهذا كلام يحمل صيغة الفرض النظري المقبول في ظاهره ولكنه عند الأمثلة يفقد قيمته، فكما أن أدب الصعاليك في الجاهلية يمثل فكرة الثائرين على التقاليد القبلية فهو لذلك أدب تقدمي فان غزل عمر بن أبي ربيعة يمثل الجيل النامي الناشئ في العصر الأموي الذي أراد أن يوجه إلى السياسة الأموية احتجاجا سلبيا، فهو أيضاً شعر تقدمي، وكذلك الأدب الماجن الذي ظهر في العصر العباسي فانه تعبيرا عن جيل فتي من الشعوبيين كره السيادة العربية، وأخذ يعلن الثورة على ضياع الفرد الفنان في غمار الفوضى الاقتصادية والسيطرة المذهبية الصارمة، فهو بنفس النسبة شعر تقدمي لأنه يمثل أفكار قوى نامية في مجتمع ما؟ ذلك أذن تعريف يجر إلى الفوضى، فإذا قال السياب بعد ذلك: " أما خصائص هذا الأدب فهي التفاؤل والثقة في المستقبل والإيمان بالإنسان واحترامه كفرد وكمجموع
стр. 223
وتفهم حقيقة الروابط التي تربط الأفراد؟ الخ " بدا لنا انه عاد إلى مفهومه اليساري عن التقدم وانه نقض على نفسه ذلك الفرض التعميمي الذي يفترض وجود الأدب التقدمي " في كل زمان ".
وفرضت العلاقة بالآداب على الشاعر أن يشحذ أسلحته النقدية ليكون مستعدا للدفاع عن شعره. فان من سنة هذه المجلة ان تعهد ينقد العدد الواحد من أعدادها إلى ناقد أو ناقدين، وتنشر النقد في عدد تال. وبما أن السياب أخذ يخص الآداب بقصائده فانه قد استهدف بذلك لنقد الناقدين وتعليق المعلقين، ولهذا وجد شعره عرضة لنقد أناس لا ينتمون إلى الأنصار والمعجبين ولا إلى الخصوم الحانقين، ولعلها كانت تجربة جديدة يواجهها وهو يحسب انه يقود ثورة تجديدية في الشعر، يستحق عليها التقدير والتحفي. ومن الطريف أن يواجه السياب أول عهده بهذا الانفتاح على آلاف القراء ناقدين كبيرين عرف عنهما الأخذ بالنظرة اليسارية في تقويم الأدب والشعر، وهما رئيف خوري ومحمود أمين العالم، وكلاهما يدرس القصيدة دراسة موضوعية متأنية، وكلاهما يؤمن بالأدب المتفائل المؤمن بالإنسان، وليس لدى أحدهما أو كليهما أي نكتة من ضغن توحي بالتجني أو بالتحامل أو بالغرض. وكان من رأي رئيف خوري حين قرأ قصيدة " رؤيا فوكاي " أن السياب " يعرف كيف ينبغي للشعر الجديد حقا أن يكون من حيث الموضوع والتعبير إلا انه حين يحاول النهوض بما يعرف انه الواجب تخونه مقدرته فيحس قارئه أنه قصد إلى شيء أروع وأتم مما استطاع إلى تحقيقه سبيلا، فقد ترك شيئا كثيرا وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله " (١) . وكان رأي الأستاذ العالم حين قرأ " مرثية الآلهة " أنها قصيدة " مثقلة بكثير من الأفكار غير المتمثلة تمثلا فنيا ويصوغ الشاعر
стр. 224
مضامينها صياغة تكاد تقضي نهائيا على إنسانية هذه المضامين فهي مزدحمة بالصور غير المترابطة، ولقد فرض الشاعر على بنائها حشدا ضخما من الأساطير والثقافات والمعاني غير المهضومة، وظل ما فرضه على القصيدة قائما من خارج القصيدة كعمل سياسي موحد فهي حشد من الدلالات التي لم تنجح في أن تتناسج في داخل العمل الفني بل ظلت منضافة إليه " (١) . والرأيان متفقان على أن كلتا القصيدتين لم تنضج فنيا في نفس الشاعر، فهي قاصرة عن المخطط الواعي الذي يريده لها؟ عند رئيف - وهي ذات فجاجة في التكوين العام لأن حشد الأساطير والصور فيها من الخارج قد أضعف قدرتها على التلاحم الداخلي. وفي رأي رئيف صلة وثيقة بقول أحد النقاد القدماء في نقد كاتب من الكتاب: انه " يتطاول صاعدا فيتقاعس قعيدا " (٢) وفي رأي محمود صلة وثيقة بما عرضت له هذه الدراسة من إخفاق المبنى في قصائد بدر بسبب الازدواج الناجم عن الحشد من الخارج. ولست أتحدث هنا عن القصيدتين فلذلك مكان آخر، وإنما يعنيني في هذا الموطن صدى هذا النقد في نفس السياب. فبدلا من ان يتأمل قصيدتيه مرة أخرى بعين الناقد لا بعين المعجب، كتب يرد على رئيف خوري ردا حادا أخرجه فيه من دائرة النقد الأدبي ولام الآداب لأنها لم تعهد بنقد العدد إلى ناقد من نقاد الشعر المعروفين، ذلك أن رئيف خوري أديب كبير وحسب ولكنه ليس من نقاد الشعر البارزين وإنما له في كل عرس قرص فقابليته موزعة هنا وهناك " فهو ليس بالناقد المبرز والقصاص المبدع ولا الشاعر الكبير، وان كان بمجموعه أديبا كبيرا، وهم لم يزاول نقد الشعر إلا مزاولة نظرية " (٣) ، وتصدى لمحمود العالم بروح اقل تهجما، وتعلق
стр. 225
عليه بجزئية من حديثه؟ حين أشار العالم إلى أن السياب يحذو حذو اليوت - فقال: " وزعم الأستاذ العالم أنني أحذو حذو اليوت فيما اكتب، كلا ياسيدي، أن ما اكتبه هو شيء من صميم التقاليد الشعرية العربية، ودونك أبا تمام لتعرف كيف كان يستخدم التاريخ والأساطير وشعر السابقين وكل ثقافة في شعره " (١) .
وكان رد رئيف على حدة السياب وعنفه يحمل الهدوء المبطن بالتفنيد الساخر: كيف صحت عملية الجمع الحسابي تلك؟ (ناقد غير مبرز قصاص غير مبدع شاعر غير كبير: كيف ينتج عنها أديب كبير؟) وأخذ السياب بالهدوء والركانة في رد رئيف فكتب يقول: " أراني مدينا لك بالاعتذار والحق أن كلمتي التي كتبتها تعليقا على قراءتك للعدد الشعري من الآداب كانت تتسم بالقسوة والنرفزة؟ كما سميتها - وقد تلمست من خلال ردك الأخير روحا كبيرة رحبة الأفق زادتني إعجابا بك على إعجاب وإكبارا على إكبار " (٢) .
ويهمنا من ذيول هذا الحوار شيئان: أولهما أن السياب فهم من قول رئيف " فقد ترك شيئا كثيرا وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله "؟ فهم منه أنه يحذف من القصيدة أشياء كان من الممكن ان توفر لها الخصب والغنى، بينما يعني رئيف أن الشقة واسعة بين ما قيل وما كان يجب أن يقال. وبسبب هذا الخطأ في الفهم اعترف السياب بعيبه الكبير وهو للإفاضة التي تثقل القصيدة: " لقد كنت إلى وقت قريب أبرم بنفسي لأني استفيض في الموضوع الذي أعالجه فأقول كل ما عندي، لأن الشاعر الحق هو من يقول خير ما عنده لا كل ما عنده أو كل ما يمكن أن يقال " (٣) ، وهل هذا الاعتراف بما هو اكبر من المأخذ الذي
стр. 226
رآه الأستاذ العالم في قصيدته " مرثية الآلهة "؟ كل ما هنالك أن السياب ظن أنه برئ من الحشد لكل ما يعرفه أو لكل الفعال يعرض في طريقه بينا يرى الناقد أنه لم يكن قد برئ من ذلك بعد. وثاني الأمرين أن السياب بدلا من أن يلتزم بحدود الدفاع عن قصيدتيه نقل المعركة بينه وبين البياتي إلى معركة بينه وبين صلاح عبد الصبور متخذا من ثناء رئيف على عبد الصبور تكأة لإظهار عيوب زميله المصري، ولم يكن الذي يملأ نفسه غيظا فوز عبد الصبور بشيء يسير من ثناء ناقد كبيروحسب، بل استغلال أنصار عبد الصبور لذلك الثناء، ودفع صاحبهم إلى مقدمة الصورة لينتزع شعار الفوز بزعامة الشعر الحديث من يد السياب.
وكان الهجوم المتبادل في أول أمره صغير الموضوع يدور حول أي الشاعرين اكثر من صاحبه تكسيرا للأوزان، ولكن لعل الدكتور سهيل ادريس كان يريد للنار أن تلتهم مقدارا اكبر من الحطب حين عهد بنقد العدد الثالث من الآداب (١٩٥٦) ؟ وفيه قصيدة للسياب بعنوان " في المغرب العربي "؟ إلى عبد الصبور دون غيره، واستبق صدور ذلك النقد فكتب للسياب ينبه بذلك التدبير، فكان رد السياب: " وقد رحبت بإسنادك قراءة العدد الماضي إلى الأستاذ عبد الصبور الذي نرجو أن يكون منصفا في نقده، وإلا فأقلامنا حاضرة، وستكون أمامنا فرصة ثمينة لإعادة تقييم الكثير من المعايير والآراء. هذا هو رأيي ورأي الأخ محيي الدين (إسماعيل) أما أخونا كاظم فهو عاتب عليك لأنك أسندت قراءة عدد الآداب إلى شخص يجهل حتى أوزان الشعر، ولكننا؟ الأخ محيي وإياي - أقنعناه بوجاهة الدافع الذي دفعك إلى ذلك: إظهار الحقيقة عن طريق تصارع القيم والمعايير " (١) .
стр. 227
وظهر نقد عبد الصبور للقصيدة بما يسمح للأقلام المعدة ان تتحرك بجلبة فوق الطروس، فقد أثنى على المحاولة الشكلية فيها وهي المراوحة بين وزنين ولكنه شفع ذلك بقوله " ولكن مما يعيب هذه المحاولة أنها بلا منهج ملتزم فقد كان الأوفق ان تثنى الأصوات في القصيدة فصوت ذو نغم يحكي الحاضر وصوت ذو نغم آخر يحكي التداعيات " (١) . وكشف عن الخلط بين القيم الدينية والقيم القومية في تعليل ثورة المغرب في قصيدة، وتولى الأستاذ ناجي علوش تصحيح ما قاله عبد الصبور، وشد السياب على يد صاحبه شاكرا معجبا بقوة منطقه، وغمز من وطنية عبد الصبور غمزا تجريحيا قاسيا (٢) .
إلى هذا الحد كانت الآداب؟ بنوع من المصادفة التي تشبه العمد - قد عرضت نتاج السياب الجديد على ناقدين كبيرين وشاعر يعده السياب من خصومه؟ بطبيعة المنافسة في الصنعة الواحدة - فلماذا لا يعرض هذا النتاج على شاعر من أصدقائه ثم على شاعر حيادي - في الظاهر - لم يصطدم حتى الآن مع السياب في معركة سافرة؟ فعهدت بقراءة عدد يحوي قصيدة السياب " غارسيا لوركا " إلى حليفه كاظم جواد فلم يقل شيئا سوى انه معجب بقصيدة بدر أيما إعجاب وخلص إلى أن السياب شاعر مجدد لم يجد الإنصاف حتى الآن لان أشرار أثينا يطردون أخيارها؟ كما قال ارسطوفان - ولكنه من ناحية أخرى ذكر ان القصيدة من اغرب واجمل ما قرأ إذ جاءت تعبيرا عن تجربة لوركا بنفس أسلوب لوركا (٣) ، وكان في هذا بارع الغمز لصاحبه لأنه كان يتدارس معه شعر الشاعر الأسباني، وهو قد ترجم له قصيدتين ونشرهما في مجلة الآداب نفسها، فهو يتهم صديقه بطريقة مواربة انه
стр. 228
انتزع صور لوركا وطريقته حين شاء ان يتحدث عنه.
وأما الشاعر المحايد؟ في الظاهر - فهو محمد مفتاح الفيتوري، وقد راجع قصائد العدد الذي وردت فيه قصيدة " قافلة الضياع " فكان رأيه فيها أنها " لا ترتفع إلى مستوى أغنية المطر زائعة صديقي بدر السياب، بل لا اعتقد انه سيخالفني كثيرا عندما اقرر أنها لا ترتفع كثيرا عن مستوى هذا الشعر الذي نحاربه معا: شعر الخيالات السقيمة والحقائق التاريخية الجامدة والتجارب العقلية المشاعة، شعر القوالب الصناعية الخالية من حرارة الحياة وجدية المأساة " (١) ، وقد كشف الفيتوري عن أن الأسطورة التي تعتمد عليها القصيدة؟ وهي قصة قابيل وهابيل - تختلف اختلافا جذريا عن مأساة اللاجئين - موضوع تلك القصيدة - وان التوفيق بين المحملين الأسطوري والموضوعي يتطلب جهدا يتجاوز حد المقارنة الخارجية والربط الشكلي.
ولو أنا حكمنا على اكثر الجهد الشعري للسياب خلال السنوات الثلاث (١٩٥٤ - ١٩٥٦) من زاوية ما قاله فيه ناقدان كبيران وثلاثة من الشعراء المنتمين إلى المدرسة الحديثة في الشعر لحكمنا بأن النتيجة؟ في مجملها - كانت سالبية الطابع؛ ولكنا حين ننظر اليوم إلى تلك القصائد متسلسلة لا نشك في ان تجدد المحاولة وتنوعها يحمل من معاني الإخلاص والرغبة في البلوغ اكثر مما تستطيع القصيدة الواحدة أن تنبئ به في انقطاعها عما حولها وفي فقدانها، وذلك سيتضح في فصل تال نتحدث فيه عن تلك القصائد مجتمعة ومنفردة.
وقبل الانتقال إلى ذلك الفصل لا بد من أن نستدرك ما فوقه علينا السياق العام الذي حاولنا فيه إعطاء صورة متكاملة عن " فترة الآداب ". فقد حدثت هنالك أحداث وشئون تتفاوت في صغرها أثناء
стр. 229
تلك المرحلة؛ ومنها أن بدرا تزوج (عام ١٩٥٥) فتاة من أبي الخصيب ليست من ذوي قرباه إلا أن أختها كانت زوجا لعمه عبد القادر السياب، وكانت إقبال؟ وهذا هو اسمها الذي ردده السياب في شعره من بعد - خريجة في دار المعلمات الابتدائية، بسيطة الثقافة وخاصة حين تعيش في كنف رجل يعتد بثقافته ويشعر أنها مصدر من مصادر شهرته ومركزه الاجتماعي، ولهذا أخذ نفسه بتلقينها بعض الدروس الخصوصية، ولكن شعوره بما يجب ان يكون عليه دور المرأة في حياة الفنان، وحلمه المثالي القديم بالسعادة البيتية، جعلاه يحس بأنها لا تستطيع ان تفقه دوره الكبير في الحياة وفي الشعر، ويضيف مصطفى؟ وانا انقل شهادته هنا في حذر؟ بأنه كان في طبعها شيء من العجرفة، فكان بدر يتجنب إثارة المشكلات البيتية لأنه يكره ان يتحول جو البيت إلى " نقار " مستمر، وكانت ذات طموح في تغيير الوضع الاجتماعي الذي وجدته عليه؟ وهو موظف بسيط ذو راتب ضئيل - فلذلك اندفع بالحث والتشجيع إلى العمل المرهق. واظن أن مصطفى هنا قد اخذ بعضا من الحقيقة وترك بعضها لان بدرا لم يكن يخلو من هذا الطموح نفسه فكان قبل الزواج يمارس عددا من الأعمال ويعاني الإرهاق ليوفر لنفسه قدرا يسد حاجته من المال. ولكن إذا كان الزواج حمله؟ وهذا امر طبيعي - مسؤليات جديدة، فانه رده إلى شيء من الاعتدال، وقلل من إسراعه في الشرب؛ ويقول الأستاذ العبطة؟ مؤيدا ما قاله مصطفى - " وهو في السنة الأخيرة (١٩٥٦) اعتزل المقاهي والحانات بعض الشيء " (١) إلا انه ربط بين الزواج وبرود عاطفته من جهة التزامه الاجتماعي (٢) ؛ وقد المح السياب إلى مشاغله الكثيرة التي حفت به بعد الزواج وعدها مسئولة عن تشتته وعدم
стр. 230
قدرته على الإنتاج المنظم فقال في رسالة بعث إلى الدكتور إدريس: " ستدرك مع الزمن كيف تفترس المشاكل والمشاغل وقت المتزوج. أنها مشاكل ومشاغل ليست من صنع الزوجين، ولكنها مع ذلك مشاغل ومشاكل، وقد عاقتني هذه المشاغل عن إرسال شيء إلى الآداب طوال هذه المدة " (١) ؛ ولعل في هذه الشكوى ذريعة للاعتذار، وسيتبين لنا من دراسة قصائد السياب عام ان تزوج والعام الذي تلاه خصب يقل نظيره فيما أنتجه قبل الزواج.
ومن أحداث تلك الفترة ظهور كتاب يجمع عشرين قصيدة مترجمة عن الإنكليزية لشعراء ينتمون إلى أقطار مختلفة ومذاهب شعرية متفاوتة وفيهم من الكاتبين بالإنكليزية اليوت وباوند واديث سيتول وسبندر وفلتشر وداي لويس وولتر دي لامير وفيهم لوركا وريلكه ونيرودا ورامبوا وبريفيه وغيرهم. وقد كان من الحق ان يقارن الدارس بين أصول تلك القصائد وما صارت إليه في اللغة العربية، ولكن هذه دراسة تتطلب جهدا تحقيقيا مستقلا لا يتحمله هذا البحث؛ وقد قمت ببعض المقارنات هنا وهنالك ووجدت أن الترجمة يعوزها أحياناً قدر كبير من الفهم الدقيق للأصل، كما تفتقر إلى مستوى أسلوبي شعري يراعى فيه شيء من هذا عند الحديث عن دين السياب لاديث سيتول، ومن شاء نموذجا من المقارنة فليقرأ ترجمة السياب لقصيدة ناظم حكمت ويقارنها بترجمة عفيف فراج للقصيدة نفسها (٢) .
وقد أثار هذا الكتاب إنكار فريقين: أولهما مجلة " الثقافة الوطنية " البيروتية، فانها علقت على الكتاب بقولها: " وهذا شخص
стр. 231
اسمه بدر شاكر السياب اصدر كتابا ضم طائفة من القصائد لشعراء من الفاشست النازيين أمثال ازرا باوند ومن الجواسيس الذين اشتغلوا في الانتلجنت سيرفس من أمثال ستيفن سبندر " (١) . ورد السياب بأنه ليس شيوعيا حتى يتهمه الشيوعيون بالانحراف، ودافع عن القصائد التي اختارها بانها ذات محتوى إنساني (٢) . واصبح السياب يترصد ما قد تقوله عنه مجلة الثقافة الوطنية، وحين اخبره بعضهم؟ بلهجة التحدي - ان المجلة ستنشر مقالا طويلا في الهجوم عليه رجا الدكتور إدريس إذا ما ظهر مثل هذا المقال ان يقتطه من المجلة ويرسله إليه بالبريد المسجل ليتسنى له الرد عليه: " ردا آخذ به ثأر كل مثقف أصابه رشاش من أذى هذه المجلة ومثيلاتها " (٣) . أما الفريق الثاني الذي واجه هذا الكتاب بشيء من الاستنكار فهو الحكومة العراقية حينئذ: فقد أوقف السياب اثر صدور الكتاب؟ في شتاء سنة ١٩٥٥ - ثم قدم للمحاكمة، ودافع عنه الأستاذ محمود العبطة أمام حاكم جزاء بغداد الأول " وقد احتار السيد الحاكم في تكييف الجريمة، فأجلت الدعوى، وأخيرا جرم بموجب أحكام قانون المطابع العثماني الصادر في سنة ١٣٢٣ وحكم عليه بغرامة قدرها خمسة دنانير لأنه لم يذكر اسم المطبعة في الكتاب " (٤) .
ومن أحداث تلك الفترة أيضاً محاولة البياتي؟ حسب شهادة
стр. 232
السياب - إجراء صلح أو مهادنة بينهما، ويقول السياب في ذلك: " فأجبته ان هذا لن يكون إذا لم يعتذر من الدكتور سهيل ومجلة الآداب بالصورة التي يراها الدكتور سهيل مناسبة. والذي اعتقده ان اعتذاره سيكون انتصارا لنا وللآداب وللحق " (١) . ورغم أن المعركة مع صلاح عبد الصبور قد جعلت حدة الخصومة بين السياب والبياتي خافتة الصوت، فان كلا من الشاعرين لم يخمد تماما جذوة الغيرة في نفسه من نده. وحين عرض الأستاذ خضر الولي من بعد أسئلة أدبية على أدباء العراق؟ ومن بينهم الشاعران - عبر كل منهما عما يحسه تجاه الآخر فاستطرد بدر ليعيب قصيدة " سوق القرية " للبياتي وأردف ذلك بقوله: " وإنما استشهدت بالياتي لأنني أرى فيه شاعرا مبدعا حين يكتب عن تجربة صادقة وبأسلوب لا يجعله التفكير بالقارئ البسيط ينحدر إلى مستوى النثر " (٢) . وردد البياتي تهمة الانحدار إلى النثرية ضد بدر وسماه " صديقنا " وقال: " ولعل القارئ سيأخذ العجب حين يرى أنني اقتصرت على السياب دون غيره ولكن عجبه سيزول إذا ما علم أنني كنت اعتبر السياب في محاولاته الأولى من شعرائنا الشباب الأوائل الذي ستتحقق على أيديهم بعض القصائد الناجحة " (٣) ؛ لقد اخفت الزمن صوت النقمة الطاغي ليحل محله نوع من الاعتراف الحذر أو المقيد.
ولقد هيأت تلك الفترة للسياب أن يتحدث في مشكلات الأدب والشعر وان يسمع الناس رأيه فيها، وكان قد وقع في نظراته إلى الشعر والشاعر تحت تأثير سبندر، واستعار شيئا من آرائه في مقال له عن الواقعية؛ وحين سئل عمن اعجب بهم من شعراء الغرب أجاب في عصبية:
стр. 233
" حين يسألني سائل عمن أعجبت بهم من شعراء العرب أحدق في وجهه برهة من الزمن محاولا أن استشف أغوار نفسه: ايجد ام يهزل فيما يسأل؟ بمن أعجبت من شعراء الغرب منذ هوميرس حتى ديلان توماس اتراه يدرك ضخامة ما يسأل عنه؟ " ثم تتسع دائرة التأثير لدى السياب رغم ذلك فإذا هو معجب بشكسبير ودانتي وهوميروس وفرجيل وغوته وكيتس واديث سيتول واليوت (١) . ويقر بتأثيره في الشعر؟ تدريجيا - بالبحتري والمهندس أولاً ثم بأبي تمام ثم بشللي وكيتس ثم اليوت ثم اديث سيتول (٢) ويعتقد أن طريقته الشعرية مزج بين طريقة سيتول وأبي تمام معا. ونلمح في كل هذا ان للشاعرة الإنكليزية منزلة هامة في نفسه؛ وانه اعجب من بين الشعراء المحدثين بالجواهري وابي شبكة والفيتوري " لمتانة الأسلوب وحرارة العاطفة دون ميوعة والموازنة بين الفكرة والصورة والعاطفة والاتجاه الواقعي " (٣) . فإذا سئل عن الواقعية ذكر انها اتجاه يندرج تحت لوائه شعراء من شتى المدارس الشعرية فكل من استحق اسم شاعر يمكن أن يسمى واقعيا.
وقد كان هذا المفهوم الواقعي هو محور محاضرته التي ألقاها في مؤتمر الأدباء الثاني بدمشق حين قرر أن الأدب الخالد هو الذي يصور محاربة الإنسان للشر، والشر اليوم قد تبلور في الاستعمار وقواه وفئاته، وأكد انه من دعاة الأدب الواقعي الملتزم. ثم قسم الأدب العربي إلى ثلاثة أقسام: واقعي ومحايد ومنحل، والأخير نوعان: نوع يدعو الناس إلى الهزيمة ونوع ماجن داعر؛ والشعر الواقعي هو الصالح للبقاء وهو يفرض نفسه على الناس تلقائيا (٤) .
стр. 234
لعل مؤتمر الأدباء الثاني أول فرصة سنحت للسياب ليقف بين أدباء وشعراء يمثلون مختلف الأقطار العربية، وقد كان مفهومه لما يريد من الأدب أقوى بكثير من مفهومه لموضوع المحاضرة وهو " وسائل تعريف العرب بنتاجهم الأدبي الحديث " فان ما يمس الموضوع من محاضرته يمثل أفكارا سطحية مثل: تشجيع الدولة للأديب، وإنشاء دار للنشر ترصد لها الحكومات العربية أموالها وتشرف عليها لجنة تنبثق من المؤتمر، شريطة ان تلتزم كل دول الجامعة العربية بدخول كتبها إلى أقطارها، ثم تأسيس رابطة للأدباء العرب على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والأدبية. فهذه الأفكار تدل على التناقض الضمني بين فكرة السياب عن الأدب وأفكاره عن طرق ترويجه، وابسط امتحان لهذه الأفكار ان نسأل: إذا كان الأدب الواقعي الناضج يفرض نفسه على الناس تلقائيا فما الحاجة إلى تشجيع الدول؟ ثم كيف تشجع اكثر الدول يومئذ الأدب الواقعي الملتزم وترصد الأموال لنشره وأكثرها كان يرى في ذلك الأدب خطرا على كيانه، ثم؟ وهذا أدهى وأمر - ما الذي سينتج عن تأسيس رابطة من الأدباء على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والادبية، وكيف يمكن لهذه الرابطة ان تعمل وبأي مقاييس تنظر إلى الأدب، وقوة التناقض في كيانها تهدم كل قرار ايجابي؟ ان هذا الخلط يدل على شيئين. انه لم يبق من ثورة السياب في نطاق النظرية الفنية إلا الإيمان الغامض بشيء اسمه الأدب الواقعي الملتزم وأنه لم يكن؟ من الناحية العملية؟ يدرك شيئا من الواقع الذي تعانيه الدول العربية حينئذ (١) .
وقد أتيحت الفرصة أيضاً للسياب لينشر مجموعة من شعره في ديوان جديد، وكان الدكتور سهيل إدريس يحفزه إلى ذلك، وتشهد
стр. 235
رسائله بأنه كان يعد ذلك الديوان لتنشره دار الآداب، فهو يقول في إحدى رسائله: " أشكرك على عرضك الكريم. وسأعد العدة منذ الآن لتهيئة ديوان من الشعر، وقد كلفت الأخ محيي الدين بكتابة مقدمة له " (١) ويقول في أخرى: " سنلتقي في بلودان وسأسلمك الديوان الذي اعكف الآن على استنساخ قصائده وتبويبها " (٢) ولكن الديوان لم يظهر على هذا النحو، لأسباب لا ندريها، وربما كان في سياق الأحداث المقبلة ما يومئ إليها من بعيد.
стр. 236
- ٢٠ -
نحو القومية
ذات يوم من أيام ١٩٥١ أحس بدر انه تحول إلى وجهة شعرية جديدة وانه لن يكتب شعرا كالذي تضمنه ديواناه " أزهار ذابلة " و " أساطير "، وكان في الحقيقة يومئ إلى الربط بين شعره واتجاهه اليساري - ذلك الاتجاه الذي بدأ مبكرا منذ سنة ١٩٤٦ - على وجه التقريب - وأستمر حتى عام ١٩٥٤؛ ولو انا راجعنا حصيلة الشعر الذي يمثل ذلك الاتجاه في مدى ثماني سنوات أو تسع لوجدنا ان ما تبقى منه لا يمثل إلا نسبة ضئيلة في شعر السياب عامة أو بتعبير أدق - فيما جمع من شعره في دواوين. تلك حقيقة هامة تقول أن السياب الإنسان قد تعرض للمطاردة والمحاكمة والتنكر والفصل من العمل والسجن والاغتراب في سبيل عقيدة آمن بها مدة ثماني سنوات أو تسع، ولكن السياب الشاعر لم يقل ثماني قصائد أو تسعا يرضى عنها في نصرة تلك العقيدة. فأما جانب من قصائده فقد كان خطب تستدعيها المظاهرات والمحافل الشعبية، وأما القصائد الأخرى فأكثرها مشمول بالاقتسار والفجاجة وعدم التلاحم بين شاعريته ومعتقده. ولهذا وجد الشاعر نفسه ينسلخ فنيا من انتمائه الحزبي، وكان ذلك أمر سهلا، لأنه لم يستطيع ان يجعل الفن والانتماء حقيقتين متكاملتين، تستدعي الوحدة منها الأخرى. وبذلك انتهت المرحلة الثانية وهي مرحلة
стр. 237
البحث عن أسلوب غير ذاتي في الشعر وتتسم في مجموعها بتجارب مختلفة في السيطرة على القصيدة الطويلة وتنقسم قصائدها في ازدواجية صارخة بين سيطرة المبادىء، ومحاولة الهرب منها إلى شعر ذي لون اجتماعي كئيب تنسلل فيه الانقسام واضحا بين حرية الإدارة والجبرية الخانقة، ولكن القصائد جميعا تتميز بنظرات إنسانية وموضوعات إنسانية، وبإخلاص لا ينكر للتخلص من الذاتية ومن التغني الفردي بسحر الحبيبة وآلام الحب، فقد اخذ السياب يتحدث فيها عن الآخرين أفراداً وجماعات، عن آلامهم وأفراحهم، عن كفاحهم وبؤسهم ومتناقضات أوضاعهم، بقلب إنساني كبير ومشاركة شعورية ذات حظ من الأصالة والعمق. وهكذا اختفت الحبيبة التي كانت مصدر الأفراح والهموم، واستراحت الام في قبرها وفي أعماق قلب ابنها، ومضى بويب يشق طريقه بنفسه دون ان يحتاج وقفة رثاء أو حنين، وأصبحت جيكور نقطة في مربع من مربعات الشطرنج الكوني الكبير، وعلت لفظة " الغد " على لفظة " الموت "؛ حتى الأشخاص السلبيون أمثال الحفار والمومس كانوا يقفون - في النهاية - متشبثين بالحياة، يرفضون الدخول في عالم الظلمات الحالكة.
إلا إن التجربة الإيرانية الكويتية ردت السياب رغما عنه إلى فرديته، حين جعلته يحس بالغربة العميقة، ولكنه لم يلبث ان ربط بين نفسه وبين وطنه: فإذا هو العراق شيء واحد، وأراحه هذا الربط حين تحقق إذ كان قد اصبح لا يرضى لنفسه ان يطلع على الناس باكيا آلامه وجوعه وفقره وحبه المخفق كما كان يفعل في المرحلة الأولى؟ تلك تجارب قد مضى عهدها ولا يريد لها أن تعود، إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وتجلت الوحدة الكاملة بينه وبين العراق في قصيدة " أنشودة المطر " فكانت فاتحة المرحلة الثالثة، مرحلة التعرف إلى حقيقة ما يعانيه
стр. 238
دون أن يزج به في سياق الكفاح العام في مختلف أقطار العالم.
وكانت قصيدة " أنشودة المطر " تنبئ أن الشاعر قد اكتشف العلاقة بين الجفاف والخصب المتعاقبين، أي اهتدى إلى أسطورة " تموز " أو " أدونيس " دون أن يذكر ذلك صراحة؛ ورأى نفسه؟ كما رأى العراق - من خلال تلك الأسطورة فتم التطابق بين الفرد ووطنه، واستراح الشاعر من الازدواج القديم المتباعد الطرفين الذي كان يجعله تارة مع حفار القبور وتارة مع الأسلحة والأطفال. وكان هذا الاهتداء يشبه الوقوع على منجم أو كنز: ذلك لأن الأسطورة في جميع وجوهها تصلح لموقفه الجديد صلاحية عجيبة؛ فأدونيس (أو تموز) شاب جميل محبوب يستطيع ان يحتضن شخصية الشاعر المحروم من الحب، وافروديت أو عشتار أم وحبيبة معا؛ والأسطورة في مجموعها خير ما يرمز للعراق حين يدرس فيه معنى الخصب والجفاف وحكم الكهنة والقرابين؛ وهي أسطورة تمثل الحضارة الزراعية ولهذا تصلح ان تكون ملاذا للشاعر الهارب من أخيلة اليسار الصناعي ومن طغيان المدينة الكبيرة ذات الحياة الآلية؛ بل ان اهتداءه لتلك الأسطورة يعني العودة إلى الريف من خلالها، وإعلان الكراهية الدفينة للمدينة الحديثة. ولهذا لا يدري الدارس أيهما اسبق: اكتشافه العلاقة النفسية بينه وبين الأسطورة الزراعية أم اعتزامه فصم العلاقة بينه وبين يساريته، إذ يبدو ان أحدهما أدى إلى الآخر على نحو طبيعي، وكان ظهور تموز أو أدونيس طريقه إلى القوى الغيبية أي إلى الإيمان بدين، ونوعا من التعويض عن تلك الغربة الطويلة التي أحس بها في ظل العقلانية الواعية. وقد انالشاعر حين يتخذ أسطورة فليس من الضروري أن يتجاوز حدود استغلال الرموز الكامنة فيها، وهذا صحيح، ولكن الذي أقوله هنا هو ان العودة إلى الرموز البدائية؟ وهي رموز دينية - قد نقلت السياب إلى مصطلح شعائري ودنيا من الشعائر
стр. 239
وبذلك سهل عليه التعامل الفكري مع منطقة دينية لتفسير الحياة الحاضرة، وكانت هذه الخطوة تمهيدا لما بعدها؟ كما سأبين من بعد -.
وليس في مقدور أحد ان يتنبأ بالوجهة التي كان شعر السياب يزمع السير فيها بهد " أنشودة المطر " لو لم يتصل بمجلة الآداب. فالقصيدة لا تتجاوز الربط الوثيق بين الفرد ووطنه، وهي قد مثلت هذه الرابطة اثر تجربة فذة ربما لم تتكرر قوة واتساعاً وعمقا، فما هو الوتر الذي يستحق أن يعزف عليه؟ وماذا يكون لون المعزوفة الجديدة؟ قرابة تسع سنوات مضت والشاعر كأنما لم يسمع إلا نبأ عابرة عن ناس يسمون اللاجئين، ولا يقرأ شيئا عن الدم المراق في جبال الاوراس، ولا يحس بوطأة الاستعمار المقنع وغير المقنع في البلدان العربية، ولا هو شديد الاحتفال بشيء مما حدث في مصر ولا يعرف من أهلها إلا شاعرا منافسا يسمى صلاح عبد الصبور: أين كان هذا الشاعر وأية صلة تربطه (أو لا تربطه) بهؤلاء الناس الذين يريد إن يقرأوا شعره؟ كانت يسارية زائفة تلك التي تصور أنها تحرم عليه تحسس الآلام والآمال في مجتمعه الكبير الذي يسمى البلاد العربية، وكان زيفها يدل على ضيق في مفهوماته الحزبية، ولذلك فلا غرابة إذا وجد نفسه أسير نفسه، فثار عليها إلى أفق اعتقد انه ارحب. وكانت المنافسات الفردية حافزه الكبير للتقرير الحاسم، ورأى البياتي قد اصبح شاعرا مرموقا تحتل قصائده كل عدد من أعداد " الثقافة الوطنية " البيروتية، فلم يكتف بقطع الروابط مع حزب يرفع من شأن البياتي، بل ذهب يفتش عن مجلة متداولة تكفل له منافسته، ومضى شوطا ابعد من ذلك: فبعد إن كان شديد الإعجاب بناظم حكمت (١) ، تغير رأيه فيه
стр. 240
إلى الضد، لا لأن ناظم حكمت يساري، بل لأن البياتي يتكئ عليه كثيرا ويحاكيه ويحب ان يقرن اسمه باسمه.
ولاحت الآداب واحة في صحراء شاعر ظمآن إلى الشهرة، إلا أن الارتباط بها كان يمثل صلة من نوع جديد، فهي تصل إلى أنحاء العالم العربي في المشرق والغرب، وليست مقصورة على قطر واحد كالصحف العراقية المحلية، أو كالكراسات الصغيرة التي كان السياب ينشر فيها قصائده فلا تتعدى كثيرا الحدود الإقليمية، ولهذا فان الشاعر الذي يحس بأن الشهرة والمسئولية أمران متلازمان لا بد من أن نفرض على نفسه؟ في مثل هذا الوضع - التجويد والتجديد وسوف يتضح لنا مدى حرص السياب على التجديد والتجويد حين نتحدث عن القصائد، ولكن يكفي هنا أن نقتبس فقرة من إحدى رسائله تدل على اهتمامه الشديد بالجدة في الطريقة الشعرية وتبين إحساسه بالمسئولية الجديدة في ما يسميه محاولة، فهو يتحدث عن قصيدته " أغنية في شهر آب " بقوله: " هي بالحري محاولة لمتابة الشعر بأسلوب جديد: للقارئ ان يفهم ما وراء الرموز وله ألا يرى رموزا بالمرة؛ له أن يرى في (تموز) رمزا للخصب والحياة وفي موته موتا للخصب والنماء، وفي مرجانة الزنجية التي تضيء النور وتفتح المذياع لتتصل سيدتها بالعالم ولتسمع موسيقى الجاز؟ تراث مرجانة التي لا تعلم انه ترتثها، والذي تظنه سيدتها وأمثالها " رفعة " في الذوق و " ومدنية "؟ اكثر مما يبدو على السطح، وله ان يقارن بين نقالة الإسعاف في أول القصيدة وبين نقالة الموتى في ختامها، وبين الأسماك المصنوعة من الذهب والفضة وبين الخضر وسمكته الميتة التي ألقاها في مياه " بحر الحياة: فعادت حية، له أن يغعل ذلك كله وله ألا يفعل، أنها محاولة لا أدعي أنها
стр. 241
ناجحة؟. " (١)
وفي الرسائل المبكرة بين الدكتور سهيل إدريس والسياب أوضح صاحب الآداب للشاعر انه قطع على نفسه العهد " بخدمة المجموعة العربية وأدبها السائر نحو النور " (٢) وكان توجيها للشاعر في الطريق الجديد، ولهذا جاءت الرسائل تحمل نغمة جديدة لم نكن نسمعها مثل: " اننا نؤمن بالإنسانية وبالأمة العربية لا بأشخاص بذاتهم ولا بحزب سياسي بذاته " ومثل: " أن النصر لنا ولأمتنا "، ومن ذلك: " أرجو؟. أن أوفق إلى إرضاء قراء مجلتنا القومية الشريفة " وما أشبه ذلك. فهل سار شعر السياب أيضاً في هذه الطريق نفسها؟
اكبر الظن أن بعض قصائد هذه الفترة التي امتدت قرابة ثلاث سنوات قد جعلت الكثيرين يظنون ان السياب بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي العراقي استل قلمه الحاد وجنده في خدمة القضية العربية، ولم يعد من الصعب على من يحبون رفع الشعارات ان يسلكوه في صف دون آخر؛ ولكن الحقيقة الفنية أقوى دلالة من الأماني والرغبات؛ ونظرة واحدة إلى قصائد هذه الفترة تنبئنا عن واقع الحال هنالك: فالقصائد التي نظمها السياب في هذه الفترة ربما لم تزد على خمس عشرة قصيدة، منها أربع فقط تتناول القضايا العربية العامة على نحو مباشر صريح، ومن هذه اثنتان تتناولان المغرب العربي، وواحدة تتحدث عن اللاجئين، وواحدة عن بور سعيد. أما بقية القصائد فبعضها يتحدث عن قضايا إنسانية عامة كقنبلة هيروشيما، وبعضها عن لوركا، ولكن ابرز ما يلفت النظر إليها من حيث الموضوع عودة الشاعر إلى موضوعات متصلة بمشكلات ذاتية مثل " مرثية جيكور " و " عرس
стр. 242
في القرية " وفي الثانية رجوع إلى موضوعه القديم وهو زواج الفتاة القروية؟ التي أحب مثلها ذات يوم - من شخص ثري.
لم يكن السياب محدد المجال في فترة انتمائه اليساري لكني يقال انه بعد انفصاله قد أخذته الحيرة إزاء الموضوع الشعري الذي يجدر به ان يطرقه، ولكن بروز الموضوعات ذات الطابع القومي العربي في شعره على نحو ساطع لأول مرة يجعلنا نؤكد محاولته لانتماء جديد. وكان كما دلت محاضرته في مؤتمر الأدباء العرب لا يزال من الزاوية النقدية يستعير مفهومات الواقعية الحديثة ويحاول قياس الأدب الصحيح بها، ولذلك فأنه لم يستطع ان يتخلى عن الالتزام الذي يربط بين الفن وتحرير الشعوب كما لم يتخل عن مفهومات إنسانية عامة تغص إليه الحرب والدمار، فكتب قصيدة عن مأساة هيروشيما والقنبلة الذرية. ولكن تسلسل الماضي إلى شعره ٠في هذه الفترة - متمثلا في " عرس في القرية " و " مرثية جيكور " يدل على ان الجرح القديم الذي اكتسى بطبقة كثيفة من الحرشف الجلدي عاد فانتقض حتى ليغدو بعد قليل هو المنفذ الذي تنسكب منه الدماء، فتشغل صاحبها عن النظر إلى الدماء المنسكبة من ظهور الفقراء وجنوبهم. وأيا كان الأمر فان الشاعر عاد إلى موضوعات المرحلتين السابقتين من أبواب جديدة: باب إنساني عريض وباب قومي عربي وباب ذاتي. وقبل ان نلح هذه المداخل معا علينا أن نقرر أن السياب لم يخل تماما عن القصيدة الطويلة ولكنه عدل عنها مرغما بسبب حجم المجلة والمساحة التي تستطيع تخصيصها، وكان في هذا كل الخير لشعره، لأنه أخذ يحاول " التحليل المر " إن صح التعبير، فيمنح القصيدة تكاملا وترابطا؛ بل ان المحاولتين اللتين استمر فيهما بدعوى النفس الملحمي وهما " رؤيا فوكاي " و " بور سعيد " يكملان إخفاقه القديم في البناء الكبير.
стр. 243
- ٢١ -
الينابيع الثقافية
ترى هل كان السياب يحس أن " أنشودة المطر " نقله مفاجئة في المبنى والمستوى؟ أكبر الظن ان غريزته الفنية أدركت ذلك إدراكاً مبهما ولهذا فإنه جعل رمزه الجديد المفضل ذلك التعاقب بين الخصب والجدب في اكثر قصائد هذه الفترة، ثم لعل تلك الغريزة هي التي حفزته إلى أن يتجاوز ذلك المستوى الذي بلغه في " أنشودة المطر " أو لا يقصر عنه؟ على الأقل - ولهذا حاول في كثير من قصائده أن يتفوق على نفسه، وان يطلع ببناء فني جديد. وكانت هذه الفترة احفل الفترات الشعرية بالتجديد في المبنى والموضوعات والصور والرموز، فإن لم تكن كذلك فإنها تتحدث عن محاولة مستمرة للتفرد في الطريقة وأدواتها ووسائلها.
وللينابيع الثقافية أثرها في هذا المستوى وفي طبيعته: فقد حشد السياب عددا كبيرا من الأساتذة يمتدون من دانتي حتى اليوت ومن أبي تمام إلى الجواهري، عندما سئل عمن بهم أو عمن أثروا فيه؛ ولكن الحقيقة كانت اقل من ذلك كثيرا، فقد ظل داتني والمتنبي وشكسبير أسماء تذكر في معرض المباهاة الثقافية، كما توارت صورة اليوت ومن قبلها صورة كيتس، ولم تبق من علي محمود طه إلا أصداء باهتة ذابت قبيل أنشودة المطر؟ فيما أحسب - وآخر ما يمثلها قصيدة
стр. 244
" أم سجين في نقرة سلمان " (١) التي نسجت على منوال " جانة الشعراء "؛ أما الجواهري " أعظم شاعر ظهر في هذه الحقبة من شعرها الحديث " و " أستاذ هذا الجيل الطالع من الشعراء العراقيين " (٢) فلم تتبق منه إلا رحى تطحن قرونا؟ قعاقع يستدعيها المقام في قصيدتي فوكاي وبور سعيد. وظل السياب متمسكا بالجمع بين الشرق والغرب اللذين ظن كبلنغ سفها انهما لا يجتمعان، فكان يزعم لنفسه ان شعره مشتق من الجمع بين طريقة ابي تمام واديث سيتول.
والحقيقة أن السياب في بحثه عن منبع شعري يتلائم وطبيعته ومنهجه وقع تحت تأثير كل من لوكا واديث سيتول، وربما لم يكن من المصادفة ان كلا منهما لم يكن منتميا إلى معتقد سياسي معين. وقد أعجبه في الشاعر الأسباني عمق تعبيره عن القسوة والموت وقدرته الفذة في تصوير الواقع من خلال صور حسية مجسمة وتلاعب بالألوان وجمع للملامح المتباعدة في إطار شعري واحد تتصل فيه المجسمات الواقعية بأخيلة غريبة طليقة لا واقعية؛ ومع ذلك كله فأن تأثر السياب بلوركا لم يكن عميقا لأن صور لوركا؟ وهي المادة التي يحتاجها السياب اكثر من حاجته للموضوع والطريقة - كانت غريبة الوقع لما يغمرها من سمات سريالية، ولم يكن السياب يستطيع الابتعاد كثيرا عن الوضوح في الصورة، لأنه تعود منذ نشأته الشعرية ان يتخذ الصور للتوضيح
стр. 245
المعنوي لا للإبهام الموحي. ولهذا اقتصر تأثير لوركا في شعره على استعارة عدد غير كثير من الصور، أو على المحاكاة القياسية لبعضها الآخر؛ فقوله مثلا (١) :
والبرد ينث من القمر
إنما يعد مستعارا من قول لوركا على لسان القمر " افتحوا السقوف والصدور لأدفئ نفسي فأنا بردان " (٢) ؛ وللقمر دور هام في شعر لوركا، ولكن السياب؟ رغم اتكائه على لوركا أحياناً في هذه الناحية - لم يستطع أن يتبنى ذلك الدور نفسه للقمر. كذلك فإن محاولته التلاعب بالألوان وإضافة الألوان إلى الصدى " أصداؤها الخضراء.. أصداؤها البيضاء.. أصداؤها الحمراء؟ " (٣) ربما كانت محاكاة لوركا على استغلال الألوان في شعره. ويظهر في قصيدة " النهر والموت " أثر لوركا واضحا فهناك تتدفق المياه وتتحدث الطبيعة مرددة " بويب، بويب " فيخيل للشاعر انه يسمع " أجراس برج ضاع في قرارة البحر؟ وتنضح الجرار أجراسا من المطر " ويحس الشاعر ان الدماء والدموع في الكون " أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين " (٤) . ولا ريب أننا نقرأ هنا قول لوركا (٥) :
الأطفال: يا جدولا رقراقا يا ينبوعا ريقا
ماذا يحتوي قلبك الألهي المتفتح بالعيد
أنا: جرس الموت الذي يدق في الضباب.
وقوله أيضا:
стр. 246
ملء قلبي الحريري أنغام وأضواء
ودقات أجراس ضائعة.
وفي قصيدة السياب نفسها " لألح القمر يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال " وهو قياس على لوركا " والحرس المدني يتقدم زارعا الحرائق " (١) وعلى قوله في موضع آخر: " بينما يزرع الصيف غمغمات النمورة واللهيب " (٢) . ومع أن قول السياب " ناب الخنزير يشق يدي؟ " (٣) مستوحى مباشرة من قصة أدونيس فأنه لا يبعد أن يكون ناظرا أيضا إلى قول لوركا " فشق نعالهم وكأنما شقها بعضات خنزير بري " (٤) في قصيدة " مصرع انطونيو الكامبوريو ". وفي هذه القصيدة يتحدث لوركا عم مدى تطعن بها النجوم صدر الماء الرمادي، كما يتحدث في قصيدة أخرى عن القمر الذي يلقي بمدينته في هواء الليل (٥) ، وعن الأسماك التي تضيء مدى مزينة بدم الأعداء (٦) . ولما حاول السياب أن يكتب قصيدة في لوركا (٧) استمد من طريقته في التصوير فتحدث عن " المدى التي تمضغ الشعاع " وعن " شراعه الأخضر كالربيع "، وحشد في القصيدة ما يمثل لوركا، في نظرة، من حيث الفكرة والصورة والمبنى الشعري. فبنى القصيدة على التضاد العنصري واللوني، حسبما أوحى له بذلك صديقه كاظم جواد (٨) الذي كان يتدارس وإياه بعض قصائد لوركا، ولهذا جعل قلب لوركا
стр. 247
تنورا متوقدا بالنار فوارا بالماء معا، وعينيه تنسجان شراعا من اللظى خيوطه من مغازل المطر، ومن الحياة (كما تمثلها ثدي الأمهات والمدى التي تسيل منها لذة الثمر ومدى القابلات التي تقطع السرر) والموت (المتمثل في مدى الغزاة؟ أمثال الحرس المدني -) وهي تمضغ الشعاع. وهذا الشراع ندي (لين) قوي (صلب) أخضر كالربيع أحمر دموي، كأنه زورق من ورق وضعه طفل في ماء للعب أو كأنه " شراع كولمبس " وضعه في الماء مغامرا متحديا.
أما الشاعرة الإنكليزية فإن علاقته بها أقوى وأعمق، وربما كان من الغريب أن تحتل اديث سيتول كل هذه المكانة من نفسه، فأنها شغلت نفسها طويلا في العناية بالإيقاعات الصوتية وهي مغموسة النفس في التيار الديني وتستمد كثيرا من صورها من قصة المسيح، وتعد بعض صورها أشد غرابة من صور لوكا، ولكن الجواذب التي ربطت السياب بشعرها كانت متنوعة: فقد كان يريد منبعا غير اليوت الذي حاول البياتي أن يحاكي بعض نماذجه، ولهذا فهو يرجو؟ على إقراره بعظمة اليوت - ان ينفي عن نفسه تأثره به، لكي لا يرد هو والبياتي موردا واحدا؛ ثم انه عجز عن أن يجد ضالته في شعر ديلان توماس، رغم التقارب الشديد بين هذا الشاعر واديث سيتول، لأن توماس اشد واكثر تجوزا في الاستعمال اللغوي والصوري، وكان اهتداؤه إلى شاعرة؟ من غير الطبقة الأولى - يعد كشفا يبعث في نفسه الارتياح إلى استقلاله في النظرة والانفراد عن الآخرين. وقد أعجبه في شعرها ذلك الفزع الذي تغلغل فيه بسبب الحرب وتفجير القنبلة الذرية، ففي هذه المرحلة قل احتفالها نسبيا بموسيقى الألفاظ، كذلك كانت تجمعه بها رابطة أخرى هي حاجة الاثنين إلى التركيز، شغفها بترصيع القصائد بالدلالات الأسطورية، لا اتخاذ المبنى الأسطوري محملا للقصيدة؟ كما يفعل اليوت. ولما كانت نواحي
стр. 248
التلاقي بينه وبين تلك المرأة الشعرة كثيرة فانه تحدث دائما عنها في إجلال بالغ وذهب يعلن في شيء من المباهاة انه تأثر طريقتها في الشعر، وقرنها دائما باليوت ليقول ان الشعر الإنكليزي الحديث عرف شاعرين عظيمين لا واحدا.
ولم يقف تأثير سيتول عند حد المرحلة التي تتحدث عنها بل تجاوزها إلى المرحلة التالية، كما فعل لوركا على نطاق أضيق. كذلك بدأ تأثيرها مبكرا إذ تعرف إلى شعرها أواخر أيام الطلب في دار المعلمين، ولكن أثرها لم يبلغ أقصى قوته إلا في فترتي صلته بالآداب ومجلة شعر. فهي التي جعلته شغوفا بقصة " قابيل " يرددها في مناسبات عديدة، وعنها أخذ صورة التقابل الرمزي بين السنبلة والذهب (النضار) (١) :
النار تصرخ في المزارع والمنازل والدروب ... في كل منعطف تصيح أنا النضار أنا النضار ... من كل سنبلة تصيح ومن نوافذ كل دار؟ ... وصورة طائر الحديد الذي يلقي القنابل على المدن الآمنة (٢) :
يا صليب المسيح ألقاك ظلا ... فوق جيكور طائر من حديد وصورة الحياة السارية التي تنبض في عروق الكون على وجوه مختلفة؛ فقوله:
أحسست ماذا؟ صوت ناعورة ... أم صيحة النسغ الذي في الجذور ... إنما هو مستمد من قولها (٣) : ومن خلال ما يعمله الموت
стр. 249
ومن خلال جفاف الغبار
يسمع صوت النسغ الصاعد كأنه
أصوات بقرية هائلة تنبعث من
" ميامس " محتجبة مرعبة
And through the works of Death
The dusts aridity is heard
Of mounting saps like monstrous bull - voices of unesen of fearfu.
Mimes:
وقد كرر هذه الصورة في قصيدة أخرى فقال (١) :
أسمع من شوارعها الحزينة
ورق البراعم وهو يكبر أو يمص ندى الصباح
والنسغ في الشجرات يهمس؟.
ومما يدل على المحاكاة المعتمدة بعض التلاعب كان يجريه في التصوير أحياناً، بين قلب وتحوير، فالصيحة (٢) تنبعث من قلب الأرض كالرعد هاتفة بالمسيح وهي تزأر:
ليكن هناك حصاد
ور يكن بعد اليوم فقير
لأن المسيح قد بذر في كل ثلم
ويتحول السياب بهذا المنظر فيصور (٣) الموت وهو يركض في الشوارع هاتفا بالنيام ان يستيقظوا قائلا: " أنا المسيح، أنا السلام "!، والقرابة بين الصورتين تدل على الاتباع المعتمد، ويشفع السياب هذه الصورة بقوله:
والنار تصرخ يا ورود تفتحي ولد الربيع
стр. 250
وهذا تحوير أيضاً لقول الشاعرة (١) :
الورد على الجدار تصيح
" أنا صوت النار "
The Rose upon the wall
Cries -! I am the voice of Fire:؟
وقد جرأته الشاعرة الإنكليزية على اقتباس الرموز المسيحية، لاكثار من ذكر المسيح ولعازر ويهوذا، وأن كانت هناك عوامل أخرى شجعته على ذلك؟ كما سأوضح من بعد -. وهو يترجم عنها بعض الأبيات ويضمنها قصيدة " رؤيا فوكاي " (٢) ، ومن هذا المثال يبدو كيف انتزع الأبيات التي ترجمتها من مواضع في القصيدة، وكيف رتبها حسبما شاء، وعندما بلغ إلى قوله:
فأزحف على الأربع ... فالحضيض والعلاء سيان،
زاد على ذلك قوله: " والحياة كالفناء "، وهذه الزيادة قد جاء بها من قصيدة أخرى (٣) .
Where life and death are wqual
مما يدل على ان هذا الربط المتباعد، كان يعتمد على اختزانه لقصائد الشاعرة في ذاكرته إلى جانب الترجمة المعتمدة.
ويجري السياب على منوال الشاعرة الإنكليزية أيضا في استخدام رموز المطر، ففي قصيدة " أنشودة المطر " تجتمع لديه الكآبة الفردية من منظر المطر بالاستبشار لما قد يتمخض عن المطر من زوال الجوع، وهذا يشبه جمع الشاعرة في قصيدتها " أمطار نيسان " (٤) بين البهجة بالحياة