← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بسم الله الرحمن الرحيم الدرس الخامس (الشعر الغنائي ودلالات التأثر والتأثير فيه) معنى الشعر الغنائي وماهيته الشعر الغنائي ودلالات التأثر والتأثير فيه: نبدأ أولًا بتحديد مصطلح الشعر الغنائي، يقول الدكتور "محمد مندور": إن كلمة "غنائي- Lyric " مشتقة من " Lyre " أي: العود، وفي رأيه أن هذا اللون من الشعر كان يتغنى به منذ فجر الإنسانية، سواء عند الأوربيين أو عند العرب، ولست في الواقع أدري الأساس الذي استند إليه الدكتور مندور في الجزم القاطع بأن الشعر الغنائي كان يتغنى به منذ فجر الإنسانية، أي: منذ خلق الله البشر على سطح الأرض، إن ذلك أمر من أمور الغيب التي لا يمكن الحكم عليها إلا على سبيل الظنون والظنون فقطـ. كذلك يفهم مما قال؛ أن كل شعر من هذا النوع كان يتم التغني به في ذلك الزمن، فهل هذا صحيح؟! إننا الآن نرى بأم أعيننا كيف أن أقصى ما يناله الشاعر المحظوظ في هذا المجال، أن يتحمس له أحد المطربين أو الملحنين، فيغني له بضع قصائد رغم سهولة التلحين والغناء الآن، وازدياد الطلب عليه، واهتمام الناس كلهم تقريبًا به، وإقبالهم عليه، وإنفاقهم الكثير في سبيل التلذذ بمتعته. فهل يمكن القول بأن الوضع في فجر الإنسانية كان أفضل مما هو الآن، وأن كل قصيدة تنظم في ذلك الحين كان يتغنى بها؟! ثم أن كلمة " Lyre " ليس معناها العود، بل الهارب الصغير، كذلك في الشعر الغنائي لم يكن هو وحده الذي كانت تغنى بعض نصوصه، بل كان يشركه بذلك الأمر الشعر الملحمي، إذ قيل: إن الشاعر الإغريقي كان يتجول في البلاد، ويحمل آلته الموسيقية منشدًا ملحمته عليها، مثلما كان يصنع الراوي الذي يروي سيرة أبي زيد الهلالي وأمثالها حتى وقت قريب.

стр. 107

بل كان الشاعر الملحمي لينشد الملحمة كلها بهذه الطريقة، بخلاف الحال في القصائد التي لا يغني المغني من أي من دواوينها إلا بعض النصوص ليس إلا، إن حدث أن غُني شيء منها أصلًا، وربما يصح الكلام لو قيل إن كلمة " Lyric " كانت تطلق في بلاد الإغريق على الأغنية التي تغنى على القيثارة أو على الهارب الصغير، ثم توسع في استعمال الكلمة للدلالة على الأشعار التي يمكن أن تغنى لا التي تغنى فعلًا فحسب. وعلى هذا فقد يكون تعريف المصطلح في طبعة سنة ٢٥٠٠ من " Britannica Councile Encyclopaedia" دائرة المعارف البريطانية الموجزة هو التعريف الصحيح، إذ نقرأ أن الشعر الغنائي هو الشعر الذي يمكن غناؤه أو يفترض أنه يمكن غناؤه، على آلة موسيقية كانت في الماضي البعيد -هي الهارب الصغير عادة- أو هو الشعر الذي يعبر عن العواطف الشخصية المكثفة على نحو يوحي بأننا إيذاء أغنية. ولكي نزيد الأمر إيضَاحًا نورد تعريف ( The Penguin Dictionary of literary terms and literary theories- معجم البينجوين لمصطلحات الأدب ونظرياته) لذات المصطلح لما فيه من توازن ووضوح، وبعد عن الحذلقة والإغراب اللذين نجدهما في بعض التعريفات الأخرى. فالشعر الغنائي نوع من القصائد يتميز عن شعر الملاحم والمسرحيات، ويتسم بالقصر حتى إن القصيدة منه لا تزيد طولًا عن بضع عشرات من الأبيات، وغالبًا ما تعبر عن مشاعر فرد ما أو أفكاره على نحو شخصي وذاتي، وهذا اللون من الشعر يستغرق معظم الشعر الموجود في أي أدب.

стр. 108

بعد ذلك ينتقل الدكتور مندور إلى قضية أخرى هي: هل الشعر الغنائي محاكاة أو تعبير عن الوجدان؟ ثم هل هو تعبير عن الوجدان الفردي أو عن الوجدان الجماعي؟ وينتهي أخيرًا إلى أنه تعبيرٌ عن الوجدان الفردي والجماعي على السواء، وإن كان قد عاد فقال عن الشعر الجاهلي إنه قد نشأ مطابقًا مُطابقة عجيبة لنظرية "المحاكاة الأرسطوطاليسية"، فهل نَفهم من هذا أنه يقصي هذا الإبداع مملكة الشعر الغنائي أم ماذا؟. وهذا إن صح أن الشعر الجاهلي كان كله شعر محاكاة، وتصوير حسي للبيئة الطبيعية والبشرية على السواء، وهو شعر لا يكاد يظهر فيه وجدان الشاعر إلا في القليل، بحيث لا نستطيع أن نقول عنه: إنه تعبير عن الوجدان ذاته، فالشعراء قد وصفوا في دقة حسية بالغة الناقة، والحصان، وحمار الوحش، والذئب، كما وصفوا الأطلال والدمنة، والأثافي وبعض الآرام والهضاب والدروب، وأعشاب الصحراء. وبالمثل وصفوا المرأة وصفًا حسيًا دقيقًا، وانحصر غزلهم فيها في هذا الوصف، ولم يعرفوا الغزل العاطفي، ولواعج الغرام إلا بعد ظهور الإسلام، وفي بيئة الحجاز المترفة في العصر الأموي، حيث ظهر الغزل العذري عند المجنون، وقيس بن ذريح، وجميل بن معمر، وابن قيس وسيد عزة حسب كلامه نصًّا. والواقع أنّ الشعر الغنائي يمكن أن يكون شعرًا تعبيريًّا أو شعر محاكاة أو مزيج من هذا وذاك، ويُمكن أن يكون شعرًا واضحًا أو شعرًا رمزيًّا يبرز فيه دور الموسيقى والإيحاء لا التعبير المباشر، ويُمكِنُ أن يكونَ شعرًا فرديًّا أو شعرًا يُعَبّر فيه صاحبه عن مشاعر الجماعة وآمالها وآلامها وقيمها، ومخاوفها ومفاخرها، ويمكن أن يكون وجدانيًّا أو واقعيًّا، ويمكن أن يكون واقعيًّا متشائمًا أو واقعيًّا متفائلًا،

стр. 109

ويمكن أن يكون هامسًا أو مجلل النبرة، ويمكن أن يكون تأمليًا أو وصفيًا، ويمكن أن يكون سلطانيًّا أو قصصيًّا، ويمكن أن يكون موضوعيًّا أو ذاتيًّا. ولا تناقض في شيء من هذا الكلام، فالحياة لا تعرف هذه الحواجز المصطنعة، التي تقول: إما هذا وإما ذاك، ولقد رأينا الكاتب نفسه يقرر أن الشعر الجاهلي كان مطابقًا مطابقة عجيبة لنظرية "المحاكاة الأرسطو طاليسية" وهذا شيء مخالف لما قرره قبلًا من أن الشعر الغنائي هو شعر الوجدان. ومع هذا فإننا لا نوافقه على القول بأن شعرنا الجاهلي كان كله أو معظمه شعر محاكاة، إذ فيه وجدان كثير، وهذا الوجدان ليس وجدانًا غراميًّا فحسب؛ لأن الكلام عن الحروب وصف الحال مثلًا يدخل فيه الوجدان كما يدخل في النسيب للمرأة، ذلك أن العواطف والانفعالات الإنسانية ليست مقصورة على ميدان الحب وحده، بل هي أوسع من ذلك مدىً وأكثر تنوعًا. وإن تتابع المدارس الشعرية المختلفة الاتجاهات، والميول والاهتمامات على مدى تاريخ هذا الفن، لهو دليلٌ لا يُصَدّ ولا يرد على صحة ما نذهب إليه، ذلك أن هذه الاتجاهات، لا تكره الشعر على غير طبيعته بل تستعمل إمكاناته الموجودة فيه على سبيل الفعل، أو على سبيل القوة، معتدلة في ذلك أحيانًا ومتطرفة أحيانًا أخرى، ولهذا نرى النقاد والشعراء يختلفون في تعريف هذا الفن تبعًا لتركيزهم على هذه الناحية أو تلك منه. وهذا يفسر لنا تعدد التعريفات التي نجدها مثلًا في ( Encyclopedia of literature and criticism - موسوعة الأدب والنقد) حيث تورد لنا مادة " Lyric" خمسًا من تلك التعريفات عازية كل منها إلى صاحبه أو صاحبته، ويذكر كاتب مادة " Lyric" في (معجم "بينجوين" لمصطلحات الأدب ونظرياته"

стр. 110

أن الشعر الغنائي في مصر القديمة هو أقدم شعر في العالم، إذ يعود إلى نحو٢٦٠٠ قبل الميلاد، ثم يأتي الشعر العبري والإغريقي بعده، وأن هذه الأشعار جميعًا قد نشأت في أحضان الاحتفالات الدينية. وأنا وإن كان الجزء الأول من هذا الكلام يدغدغ مشاعري الوطنية، أرى أنه لا يصح إلا على أساس أن هذا الشعر المصري هـ وأقدم ما وصلنا فعلًا من شعر، أما أن يكون أول شعر غنائي في العالم على الإطلاق؛ فلا أظن أنه يمكن البرهنة عليه، فنحن نعرف أن عمر الجنس الإنساني على وجه الأرض أقدم من ذلك كثيرًا جدًّا، ومن المستحيل أن يبقى البشر قبل التاريخ المذكور صامتين لا يتغنون بما يجيش في قلوبهم، وعقولهم من أفكار وأحاسيس، ولا بما تعرضه أمور الطبيعة على أعينهم آذانهم من صنوف الجمال والمتعة. لهذا فإننا نقبل كلام كاتب المادة عن أقدمية الشعر الغنائي المصري في الحدود التي عيناها. أما أن يكون فن الشعر قد نشأ ضربة لازب في ظلال الاحتفالات الدينية؛ فمن الصعب الموافقة عليه، ذلك أن الدين إنما يمثل جانبًا من جوانب الحياة، مهما تكن ضخامة هذا الجانب، وإلا فهناك أيضًا لذة الحب ومرارة الحزن، وآلام المرض، ونشوة الخمر، وعواصف الحرب وفورة النصر، وانكسارة الهزيمة، والانتشاء بالجمال المبثوث في أرجاء الكون، ومشاعر الحِقْد، والقهر والغيظ، وهلم جرة. وكل واحد من هذه الملابسات أو المشاعر هو في الواقع باعث قوي لنظم الشعر بغض النظر عن تدين الشخص أو عدمه، بل بغض النظر عن إيمانه أو أكفره أصلًا، ولا يعقل أن الإنسان القديم لم يكن يحث بدافع لقول الشعر إلا في أزمان الاحتفالات الدينية فحسب.

стр. 111

أي الفنين أسبق من الآخر؛ الشعر أم النثر ومن الأسئلة التي تطرح في هذا السياق أي الفنين أسبق من الآخر؛ الشعر أم النثر؟ وكثير من النقاد على أن الشعر سابق على النثر، ومن هؤلاء الدكتور "طه حسين" في محاضرته التي ألقاها سنة ١٩٣٠م، بقاعة الجمعية الجغرافية بالقاهرة بعنوان "النثر في القرنين الثاني والثالث للهجرة"، ثم نشرها بعد ذلك في كتابه (من حديث الشعر والنثر)، وكذلك كاتب الفصل الخاص بفن الشعر من كتاب (التوجيه الأدبي) الذي اشترك في تأليفه طه حسين وأحمد أمين، وعبد الوهاب عزام، ومحمد عوض محمد، ونشر في بداية الأربعينات من القرن الفائت. والعقاد في فصل عنوانه "الشعر أسبق من النثر" من كتابه (حياة قلم). إلا أنّ الناظر في المسألة يتحقق بكل بساطة أنّ الشِّعر أعقد من النثر، إذ لا يكفي أن يمسك الأديب بالقلم، ويقرر أن ينظم شعرًا، فيفعل، بل لا بد أولًا أن تكون لديه موهبة الشعر، كما لا بد أن يهبط عليه ما يسمى بالإلهام أيًا كانت حقيقة ذلك الإلهام، بخلاف الأمر في كتابة مقالة، أو تأليف قصة مثلًا حيث يكون للتنظيم والإرادة مدخل كبير فيهما. كذلك فإنه إذا كان الأدباء قلة بين البشر؛ فإن الشعراء هم قلة القلة. وينبغي ألا نغفل عن ذكر الحقيقة التي يعلمها كل إنسان، وهي أن قيود الشعر كثيرة وصعبة، فعندنا الوزن، وعندنا القافية، وعندنا قصر البيت الذي ينبغي أن يضع فيه الشاعر فكرته، أو قطعة مستقلة من تلك الفكرة، ويفرغ منها فيه، وهذا أشبه من يحجل في القيود ويمتع بحركات هذه المقيدة من يشاهدونه مع ذلك،

стр. 112

أو من يمشي على حبل في الهواء مع احتفاظه باتزانه وإيهامنا أنه يتصرف بتلقائية وثقة تامين. ومعلوم أيضًا أن الإبداع الشعري بطبيعته قليل، وأن مداه قصير، وحصاده محدود على عكس النثر، ولعلنا لم ننس ما يقال عن الشعراء الحوليين المحككين في الجاهلية، وهم الشعراء الذين كان الواحد منهم يصرف عامه أو حوله كله في نظم قصيدة واحدة من بضع عشرات قليلة من الأبيات وتنقيحها. وسواء صح هذا على حرفيته أو كان تعبيرًا مجازيًّا عن شدة اهتمام تلك الطائفة من الشعراء بتجويد إبداعهم واجتهادهم في إظهاره على أجمل صورة، فإن المغزى واضح في أن الشعر ليس في صورة النثر أبدا، وهو ما عبر عنه الحطيئة مثلًا حين قال: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه ز لت به إلى الحضيض قدمه ... ..... ..... .... ... وكذلك قول الفرزدق مثلًا؛ إنه قد تأتي عليه أوقات يكون خلع ضرسه فيها أهون عليه من نظم بيت واحد من الشعر. وهذا بالتأكيد هو السبب فيما يروى من أن العرب كانت تحتفي بشعارئها، وتحتفل بهم أيما احتفال، مما لم يرد مثيله عن الخطيب أو القصاص، كما أنه هو السبب في أن الشعراء وحدهم كانوا يتصلون في اعتقاد الناس بعالم الجن والشياطين عند العرب، أو بعالم الآلهة عند الإغريق، مما لم يقال شيء منه عن سائر الأدباء. ولقد عرفنا في عصرنا شعراء تحولوا إلى كتابة الرواية أو المقال الأدبي مثلًا، لكننا لا نعرف روائيين أو كتاب مقالات تحولوا إلى كتابة الشعر، إذ الشعر يقوم على

стр. 113

الموهبة -كما هو معروف- بخلاف غيره من فنون الأدب التي يمكن بشيء من الإرادة والاهتمام ممارسة كثير من الأدباء لها، فمن لم تكن لديه تلك الموهبة لن يكون شاعرًا، وإن أمكن في بعض الحالات أن يكون ناظمًا. لكن هل معنى ذلك أن النثر أسبق من الشعر؟ صعب أيضًا القول بهذا، وإن كنت أظن أن الشعر والنثر ظهرا جميعًا في ذات الوقت، فكلاهما أدب من الأدب، كل ما هنالك أن الشعر لا يستطيعه إلا الشعراء، أي: أولئك الفئة من البشر الذين أصبغ الله عليهم عطية الشعر، وأن النثر كان يستطيعه فئات كثيرون منهم. ولسنا نقصد هنا النثر بإطلاق، بل النِّثر الأدبي الذي يتميز بدفء الوجدان، ويحرص مبدعه على توفير الإيقاع والتعبير التصويري ما أمكن، وإلا فالناس كلهم يستطيعون كما كان يظن "مسيو جوردان" في مسرحية "موليير" ( Le Bourgeois gentilhomme) أن يكونوا ناثرين مادام النثر هو أن يتكلم الإنسان بغير الشعر حتى لو كان هو الكلام اليومي الذي لا صلة بينه وبين الأدب والفن، إذ كان تعليق "مسيو جوردان" حين عرف أن اللغة إما نثر، وإما شعر لا تخرج عن ذلك أبدًا، أنه قد ظل إذًا أربعين سنة كاملة يتكلم النثر دون أن يدري. والحق أن لو كان القائلون بسبق الشعر على النثر، يقصدون النثر الفكري، والعلمي لا النثر الأدبي، لوافقناهم على ما يقولون، فهذا الضرب من النثر يحتاج إلى أن تكون الأمة قد قطعت مرحلة طويلة من التطور العقلي والفكري، قبل أن تظهر تلك الكتابة النثرية لديها، أما إذا أريد النثر الفني فلا مشاحة في

стр. 114

مواكبته الشعر إن لم يسبقه ولو اعتباريًّا على الأقل، وإن كنا نتحرج من القول بسبق النثر الفني على الشعر؛ لأن النثر الفني والشعر كليهما أدب. كُل ما في الأمر أن الله قد يسر كل أديب من الأدباء لما خلق له، فهذا شاعر، وهذا قصاص وهذا كتاب الرحلات، وهذا مؤلف مقالات وهلم جرة، وقد أكد كاتب فصل الشعر في كتاب "التوجيه الأدبي" أن الشعر أقدم دروب الأدب جميعًا، أما الأدب المنثور فهو أحدث من الشعر كثيرًا، وهو يستشهد بقصائد "هوميروس" التي كانت -حسب قوله- تنشد ويتغنى بها قبل أن يُؤلف كتاب أو يظهر أثر فني. وكذلك بالشعر الجاهلي الذي كان -كما قال- ينشد في المجامع والمحافل، وتتداوله الرواة وتتناقله الأفواه، وله في الحياة الاجتماعية آثار واضحة قوية، ثم نبحث عن نثر جاهلي فلا نكاد نجد له أثرًا، فإذا أمعنا في البحث ألفينا نتفًا من سجع الكهنة والحكماء يشك كثيرًا من صحة نسبتها إلى قائليها، بل إلى العصر الجاهلي نفسه، ثم هي فوق هذا ليست بالأثر الأدبي الخطير. ثم يمضي الكاتب فيضرب مثلًا ثالثاُ من الأدب الإنجليزي، حيث نجد أن أقدم الآثار الأدبية هي القصائد التي تصور أعمال "بيولف" وترجع إلى القرن السادس أو السابع الميلادي، وبالمثل فقصائد "تشوسر" في قصص "كانتربري" هي أجل الأعمال الأدبية لدى الإنجليز المحدثين -حسبما ورد في كلامه- وهو يعزو هذه الظاهر إلى أن الأدب المنثور يتطلب معرفة بالكتابة، والكتابة اختراع متأخر في تاريخ كل أمة. بيد أنه من المفيد هنا الإشارة إلى أن "تشوسر" صاحب قصص "كانتربري" كانت يكتب النثر أيضًا ترجمة وتأليفًا، بل إن له كتابًا عن "الأسطرلاب" ألفه لابنه

стр. 115

الصغير "لويس" الذي كان يدرس حينها في أكسفورد، بما يفيد أن الكتابة النثرية كانت متقدمة في عهده حتى لتوضع بها المؤلفات العلمية أو شبه العلمية، وهذا أقوى رد على استشهاد الكاتب بهذا الأديب الإنجليزي لتعضيض رأيه في سبق الشعر على النثر. بل إن "تشوسر" في بعض حكاياته متأثر بقصص " بوكاشيو " وهي قصص نثرية لا شعرية، ليس ذلك فحسب، بل إن إحدى تلك القصص (وهي القصة الأخيرة) قد كتبت نثرًا، وهذا رد آخر على دعوى الكاتب، ومن معاصري "تشوسر" يمكن أن نذكر "جون ويكلف" المصلح الإنجليزي المشهور، وصاحب الخطب الكنسية المتقدة حماسًا، والخطب أحد فنون النثر، ولدينا قبله المؤرخ " جيفري أوف مونماوث " ابن القرن الحادي عشر، وعندنا أيضًا ناثرون في اللغة "الأنجلو ساكسونية" السابقة على الإنجليزية. أما بالنسبة إلى "هوميروس" فمن أين يا ترى استمد موضوعاته التاريخية الخرافية التي أدار عليها ملحمتيه المعروفتين؟ أليس مما كان الناس قبله وفي عصره يرونه نثرًا في مجالسهم ومنتدياتهم قبل أن يحولها هو شعرًا؟ أم ترى الكاتب يقول: إنهم لم يكونوا يتحدثون طوال حياتهم إلا بالشعر المنظوم؟ إن هذا لهو المستحيل بعينه، ذلك أن تأخر معرفة الأمم بالكتابة والقراءة ليس بمانع من ظهور الإبداع النثري، إذ إن البشر لا يملكون فقط أيديًا للكتابة، بل قد زودهم الله بأفواه للكلام أيضًا. وإذا كانوا في فترة من فترات تاريخهم لا يستطيعون أن يكتبوا، فإن هذا لا يمنعهم من الإبداع النثري شفاهة، أترى الأمم الجاهلة بالقراءة والكتابة لم تكن تخطب مثلًا أو تحكي قصة أو تضرب الأمثال؟ فإن قيل: إنه لم تصلنا تلك الإبداعات

стр. 116

النثرية، فمن السهل تفسير ذلك بأن الذاكرة لا تقدر على الاحتفاظ بالنصوص النثرية، مقدرتها على الاحتفاظ بنصوص الشعر، لما فيه من أوزان وقواف تساعد على ذلك الحفظ كما هو معلوم. و"طه حسين" وهو واحد ممن اشتركوا في وضع الكتاب الذي نحن بصدده، إن لم يكن هو كاتب الفصل الخاص بالشعر، يقول بوجود خطب جاهلية تجمع بين الإقناع والإمتاع، ومن ثم كانت تتسم بالجمال الفني، كل ما هنالك أنها لعدم شيوع الكتابة بين العرب آنذاك لم تصلنا؛ لأنها لم تعتمد على الوزن والقافية، فكان من الصعب على الذاكرة أن تحتفظ بها احتفاظها بالشعر، وهذا الكلام موجود في محاضرته "النثر في القرنين الثاني والثالث للهجرة" المنشورة في كتابه (من حديث الشعر والنثر). ثم إن المنطق يقول بما قلناه من أن الأمر كله أدب، ثم بعد ذلك يكون هذا شعرًا، وذاك قصصاّ مثلًا، ولدينا في الجاهلية إلى جانب الشعر المثل والقصة والخطابة، وسجع الكهان، لا الشعر وحده فقط، أما إذا قمنا بالشك في تلك الفنون فقد قام " ديفيد صمويل مرجليوث " المستشرق البريطاني أيضًا بالشك في الشعر الجاهلي كله على بكرة أبيه، كما تبعه "طه حسين" فأعلن ارتيابه في معظم ذلك الشعر على الأقل إن لم يكن فيه جميعًا، أي أن هذا باب لا يمكن إغلاقه في وجه محبي الجدل، المولعين بالخصام. ثم إننا لا نقول بأن كل ما وردنا عن الجاهلية من نثر قد آتانا على صورته الأصلية، إذ إن الذاكرة البشرية لا تستطيع مهما كانت قدرتها على الاستيعاب، والحفظ كالذاكرة العربية قبل الإسلام، أن تحفظ كل شيء لا تخرم منه حرفًا، حتى لو كان المحفوظ شعرًا تساعد موسيقاه، وقلة نصوصه على المحافظة عليه أفضل من سواه، فما بالنا بالنصوص النثرية التي تخلو من ذلك العامل المساعد.

стр. 117

أما قوله: إن الشِّعر في صدر الإسلام كان أغزر من النثر، فماذا تراه فاعلًا أمام أحاديث النبي ﵇ وخُطبه وهي تكافئ وحدها عدة دواوين شعرية من حيث الحجم، رغم أنها لا تغطي كل ما قاله النبي ﵇ في هذا الصدد كما هو معروف، وكذلك لا ينبغي أن ننسى خطب الخلفاء والولاة والقادة العسكريين، والعلماء وأئمة المساجد، وما كان القصاص يروونه من قصص في المساجد وغير المساجد. وكتاب (أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها)، الذي سجل فيه صاحبه ما كان يقع بينه وبين معاوية بن أبي سفيان من حوارات تاريخية، وكان معاوية قد استقدمه؛ ليستمع منه أخبار ملوك اليمن. ويذكر ابن النديم أن عبيدة وفد على معاوية، فسأله عن الأخبار المتقدمة، وملوك العرب والعجم، وسبب تبلبل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلاد، وكان قد استحضره من صنعاء لليمن، فأجابه إلى ما سأل، فأمر معاوية أن يدون ذلك وينسب إلى عبيد. وعندنا فضلًا عن هذا ما تركه لنا عروة بن الزبير، والزهري، وأبان بن عثمان، وغيرهم من كتابات في السيرة النبوية، ولا ننسى قبل كل هذا كتاب الدواوين، وما كان يحضرونه من رسائل، وبيانات رسمية، وهذا كله ليس إلا أمثلة على ما وراءه. كذلك إن قلنا: إن الشعر أسبق من النثر الفني، فمعنى هذا أن من كانوا يريدون أوان ذاك أن يعبروا عن مشاعرهم، ويصوروها بصورة فنية، إما أن يكونوا كلهم شعراء، وأما أن يتكلم الشعراء وحدهم، ويخرس من لا يتصفون بموهبة الشعر، وكِلا الأمرين لا يمكن أن يكون، وأما إن مضينا خطوة أخرى وشبهنا الشعر بالطوابق العلوية من البيت، والنثر بالطابق الأرضي منه.

стр. 118

فلنا أن نقول حينئذ: إنه لا بد من إقامة الطابق الأرضي أولًا حتى يمكننا بناء الطوابق الأخرى، وقد قال بذلك الرأي بعض الباحثين كـ" MARGOLIOUTH " الذي أكد في دراسته المشهورة المسماه بـ" The Origins of Arabic Poetry " وهي الدراسة التي شكك فيها في وجود الشعر الجاهلي كله، أن السجع العربي قد ظهر أولًا قبل أن يظهر الرجز، وهو أبسط ألوان النظم، ثم تأتي في النهاية قصائد الشعر كما نعرفها في الأوزان الأخرى الأكثر تعقيدًا، أي أن النثر عنده سابق على السجع، وهذا سابق على الرجز، وذاك سابق على سائر أوزان الشعر، وقد قال "بروكلمان" من قبله بذات الرأي، ويجد القارئ كلام المستشرق الألماني في مقدمة الفصل الثالث من الجزء الأول من كتابه (عن تاريخ الأدب العربي) وهو الفصل المسمى "قوالب الشعر العربي". كذلك لا بأس من إعادة القول بأننا في الشعر أمام فن أدبي أكثر تعقيدًا وقيودًا من فن النثر، فكيف يكون ذلك الفن أسبق من تلك الفنون الأكثر سهولة، وفي بداءة الفصل الأول من الباب الثاني من كتابه (الأدب فنون) يؤكد الدكتور "عز الدين إسماعيل" أيضًا أسبقية الشعر على النثر إسنادًا إلى "سام بيولوجي" ونفسه، إذ الشعر تعبير عن الانفعالات كما يقول، على حين أن النثر هو وسيلة التعبير عن الأفكار. وإنّ الإنسان ليتساءل: ألم يكن الإنسان القديم يفكر حتى يقال: إنه ابتدع الشعر أولًا وظل لا يعرف غير الشعر إلى أن عرف التفكير فابتدع النثر بدوره للتعبير عنه؟ ثم ألا يقبل النثر أيضًا أن يكون أداة للتعبير عن الانفعالات؟ فماذا يصنع من لا يستطيعون الشعر إذًا؟ أيكبتون انفعالاتهم ويتخلصون منها فتؤذيهم في نفوسهم أذى شديدًا؟ ثم أليس هناك الشعر التعليمي، وهو يعبر عن الأفكار؟.

стр. 119

ولقد فهمنا أن يقال: إن الشعر مرتبط بحاجة نفسية رغم تأكيدنا أن النثر هو أيضًا مرتبط بهذه الحاجة، كما أن الشعر مرتبط بالأفكار مثلما النثر مرتبط بها، لكننا لا نفهم كيف يكون الشعر مرتبطًا بحاجة الإنسان البيولوجية؟ أتراه يؤكل؟ أتراه يشرب؟ أتراه يساعد على التخلص من فضلات الأكل والشرب مثلًا؟ فكيف يقال: إنه يقوم بحاجة الإنسان البيولوجية إذًا؟ والكاتب ذاته لم يوضح ماذا يقصد بهذا بل ألقى كلمته، ومضى وكأنها مسألة بديهية لا تحتاج إلى توضيح أو حجاج رغم أنها بكل تأكيد ليست كذلك. عمر الشعر العربي كذلك من القضايا أيضًا التي تهمنا أيضًا في هذا السياق "عمر الشعر العربي": يقول الجاحظ في كتابه (الحيوان): "وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن، أول من نهج سبيله، وسهل الطريق إليه "امرؤ القيس بن الحجر" و"مهلهل بن ربيعة"، فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام". لكن الجاحظ لم يقدم دليلًا هذا الذي قال، إذ كيف يمكننا الاقتناع بأن الذي مهد السبيل للشعر هو امرؤ القيس والمهلهل بما يعني أنهما أول من قالا الشعر من العرب، وأن شعرهما من ثم يتسم بما يتسم به أول كل شيء، من البدائية وقلة الفن والسذاجة بالنسبة لما جاء بعده، على حين أن ما خلفه لنا "الملك الضليل" من شعر سواء من ناحية المقدار أو من ناحية القيمة الفنية، حتى لقد جعلوه أميرًا للشعراء الجاهليين، يكذب ذلك تكذيبًا شديدًا.

стр. 120

وعلى أية حال فهناك أشعار تروى على أزمان أبعد كثيرًا من هذه المدة التي حددها الجاحظ، كتلك التي تُنسب لعاد وثمود مثلًا، صحيح أن ابن سلام في مقدمة كتابه (طبقات الشعراء) قد نفى أن تكون مثل تلك الأشعار حقيقية، إلا أنّ الحُجّة التي استند إليها في ذلك النفي ليست بالحاسمة، ذلك أنه اعتمد فيها على ما جاء في القرآن الكريم عن أولئك القوم من أنهم لم تبق منهم باقية، وهو ما أدى به إلى التساؤل قائلًا: إذا كانت عاد وثمود قد استؤصلتا كما جاء في القرآن، فمن الذي أدى لنا تلك الأشعار يا ترى؟. لكن فاته أن القرآن لم يقل إنهم جميعًا استؤصلوا، بل الذين استؤصلوا منهم هم الكافرون فقط، كما جاء في الآيات من (٥٠ - ٦٨) من سورة هود، كذلك من الممكن جدًّا أن يكون غيرهم من العرب ممن كانوا يحفظون تلك الأشعار هم الذين أدوها لنا، ولست أقصد بذلك أن هذه الأشعار وأشباهها صحيحة بالضرورة؛ فليس ذلك همي هنا، بل كل ما أريد أن أوضحه هو أن الحجة التي ساقها "ابن سلام" لا تستطيع أن تحسم المسألة، وبخاصة أنه ليس هناك ما يمنع أن يكون عاد وثمود قد قالوا شعرًا، ولا أن يكون ذلك الشعر قد بقي تلك المدة التي تفصل بينهم وبين الإسلام، إذ هي ليست بالمدة الطويلة، فها نحن أولاء ما زلنا نهمتم بأشعار الجاهلية التي يقر بها الباحثون، ونقرؤها وندرسها، ونحفظ كثيرًا من نصوصها رغم انصرام كل هاتيك القرون التي تبلغ ال ١٦٠٠ من السنين. وكان "ابن سلام" يظن أن عادًا وثمود كانتا قبل زمنه بآلاف السنين، وأنه لم يبق منهما شيء، لكن ثمود لم يكن يفصل بينها وبين الإسلام في الواقع أكثر من ألف سنة أو أقل، إذ يعود تاريخ الثموديين إلى المسافة الزمنية الممتدة من قبل الميلاد

стр. 121

بعدة قرون إلى ما بعده بفترة، وكانوا يسكنون مدائن صالح، وما حولها، وجاء في القرآن الكريم أنهم قد أخذتهم الرجفة، إلا أنهم رغم هذا قد خلفوا لنا كثيرًا من النقوش في بلادهم وخارج بلادهم، مما يدل على أن فهم ابن سلام للآية الكريمة الخاصة باستئصالهم لم يكن فهمًا دقيقًا، كذلك اللغة التي كتبوا بها نقوشهم لا تختلف عن العربية الفصحى كما نعرفها اللهم إلا فيما لا يقدم، ولا يؤخر. وبالإضافة إلى ذلك فقد تنبه الباحثون إلى أن الشعر الجاهلي الذي بين أيدينا لا يمكن أن يكون أول ما نظمته العرب من أشعار بل لا بد أن تكون قد سبقته أشعار أخرى على مدى زمني طويل، حتى استوى الفن الشعري على سوقه. أما إلى أي مدى يمتد هذا الزمن في الماضي بالضبط، فعلمه عند الله، إذ لم يستطع حتى الآن أي باحث الإتيان بما يشفي ويكفي في هذا السبيل. وهناك من الباحثين من يرجع الشعر العربي إلى ما قبل الإسلام بزمن كبير، فمثلًا يشير " La poésie " في كتابه ( arabe anté - islamique) " طبعة باريس، سنة ١٠٨٠م، إذ يتحدث المستشرق الفرنسي عما كتبه "سوزومين" المؤرخ الإغريقي الكنسي من أهل القرن الخامس الميلادي، من أن إحدى ملكات العرب في القرن الرابع قد انتصرت على القوات الرومانية الموجودة في فلسطين وفينيقيا، فأخذت الرعية تحتفل بهذا الانتصار مرددة الأغاني الشعبية، وإن لم يصلنا من ذلك شيء ولو عن طريق الترجمة، وهو ما أسف له " poésie ". ومعنى هذا لديه أن هناك شعرًا عربيًّا يعود إلى القرن الرابع الميلادي، أي: أن الشعر الجاهلي لا يعود إلى ما قبل الإسلام بقرن أو قرن ونصف فقط كما كنا نردد، بل لا بد أنه امتد إلى ما وراء القرن الرابع نفسه؛ لأنه لا يعقل أن يكون

стр. 122

العرب قد وصلوا إلى نظم مثل تلك الأغاني إلا بعد أن كان فن الشارع قد نضج عندهم تمامًا. وعند الدكتور "عمر فروخ" أن الشعر الذي وصل إلينا من الجاهلية يمثل دورًا راقيًا لا يمكن أن يكون الشعر قد بلغ إليه في أقل من ألفي سنة على أقل، غير أنه لم يصل إلينا من ذلك الشعر الأول شيء، وهذا موجود في كتابه (تاريخ الأدب العربي) في الجزء الأول. أما من ناحية التأثير والتأثر في ميدان الشعر الغنائي، فمثلًا نرى أن عدد البحور الشعرية التي كان ينظم عليها الإيرانيون القدماء قصائدهم كان محدودًا، إذ لم تكن تزيد عن بضعة أبحر تشبه بحور الهزج، والرجز والمتقارب، والدوبيت العربية، إلا أن الأمر اختلف بعد الإسلام وانتشار اللغة العربية وآدابها في بلادهم، فقد رأيناهم ينقلون جميع الأوزان العربية لأشعارهم، مع اختلاف مساحة انتشار كل منهما هنا عنها هناك، فعلى حين يشيع في الشعر الفارسي بحور الهزج والرمل، والخفيف، والمتقارب، نرى أن الطويل، والكامل، والوافر والسريع والبسيط، والمتقارب هي أشيع البحور في شعر العرب. وهناك القافية أيضًا، وقد أخذها الشعر الفارسي من نظيره العربي، كما أن كثيرًا من الألفاظ والصور البيانية قد انتقلت من الشعر العربي إلى الفارسي، وكان هناك رأي يقول بأن الشعراء الفُرس القدامى لم يكونوا يعْرِفُون الأوزان في نظم قصائدهم، بل كانوا ينظمونها مطلقة من الأوزان والتفاعيل، ثم نقلوا هذا عن العرب بعد الإسلام، إلا أنه ثبت أن الأمر خلاف ذلك، وأنهم كانوا يعرفون بعض الأبحر حسبما مر آنفًا.

стр. 123

وعلى الناحية الأخرى رأينا بعض الشعراء العرب يدخلون في أشعارهم ألفاظًا فارسية ككقول أحدهم: وولهني وقع الأسنة والقنا ... وكافر كوبات لها عجر قفد بأيدي رجال ما كلامي كلامهم ... يسومونني مردا وما أنا والمرد والذي يفسره دكتور "محمد غنيمي هلال" بأن هناك في الغالب تحريف من الناسخ جعله يكتب "يسومونني" بدل من "يسمونني"، ويكون المعنى إذًا هو أنهم حين رأوه قالوا هذا رجل؛ لأن "مرد" معناها عندهم رجل، على حين ظن هو أنهم يظنونه واحدًا من المرد -أي: الغلام الأمرد. ومن شواهد ذلك أيضًا قول "العماني الشاعر" في مدحه لهارون الرشيد: لمّا هوى بين غياض الأُسْدِ ... وصار في كفِّ الهِزَبْر الوَرْدِ آلى يذوق الدَّهْرَ آبِ سَرْدِ ... ...... ..... ...... ..... أي: حلَفَ ألّا يذوقَ الماءَ البارِدَ أبد الدهر، وهو ما أرجعه الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) هو أن الأعرابي قد يحب أن يتملح بإيراد شيء من كلام الفارسية في قصائده. وهناك الموشحات ذلك الجنس الشعري الذي اشتهرت به الأندلس، وكانت تدور في كثير من نماذجها حول الغزل، كما كانت تخرج عن النظام العروضي والقفوي التقليدي الذي يجري على وتيرة واحدة ووزنًا وقافية من أول القصيدة إلى نهايتها حسبما هو معروف، والمعروف أن الموشحات تنتهي بما يسمي "الخرجة"، وكانت الخرجة تستعمل في كثير من الأحيان كلمات من اللغة الأوربية من أهل البلاد، فهذا تأثر من جانب الموشحات باللغة الأعجمية التي كان يتكلمها سكان الأندلس من أصل أوروبي.

стр. 124

ولكن من الناحية الأخرى نجد شعراء " التروبادور " قد تأثروا بالموشحات تأثرًا شديدًا بعيد المدى سواء في مضمون قصائدهم أو في نظامها الموسيقي، وكان شعراء التروبادور يعيشون في بلاط الملوك والأمراء، ويتغنون بالحب على نحو يذل فيه المحب لمحبوبته، ولا يجد في ذلك ما ينال من عزة نفسه. وقد لوحظ أن شعراء "التروبادور" يبنون قصائدهم في المتوسط من سبع مقطوعات كما يفعل الوشاحون، وهو العدد الغالب على الموشحة، كذلك نجد في قصائد شعراء "التروبادور" ما يقابل المطلع والغصن والقفل في الموشحات، كما أن المصطلح الذي يطلق على مجموع الغصن والقفل معًا هو البيت، بالضبط مثلما هو الحال في هذه الموشحات. ثم إن نظام القافية في شعر شعراء "التروبادور" يسير على نفس المنوال الذي تسير عليها قافية من ذلك الفن، وبالمثل يقابلنا في غزل شعراء التروبادور شخصية الرقيب، والواشي والعاذل والحاسد، والجار، وكذلك الرسول الذي يستخدم في مهمته خاتمًا، كما في الموشحات فضلًا عن استعمال ضمير المذكر للحبيبة في كثير من الأحيان. وهناك محاضرة على جانب كبير من الأهمية ألقاها عام١٩٨١ م في ندوة بكلية الآداب جامعة الخرطوم، دكتور "عبد الله الطيب" عن "أثر الأدب العربي في شعر تي إس إليوت" وتتلخص فكرتها في أن الشاعر الإنجليزي المعروف قد تأثر في شعره، وبالذات في أشهر قصائده وهي "الأرض خراب" بالشعر الجاهلي في وقوفه على الأطلال الخربة المقفرة، رغم عدم وجود أي ذكر للعرب والمسلمين في التعليقات التي ذيَّل بها "إليوت" قصيدته، في الوقت الذي كان حريصًا على الإشارة إلى كل ما أخذه من هذه الأمة أو تلك، أو من هذا الكتاب المقدس أو

стр. 125

ذاك، وهو ما أثار الدكتور الطيب، ودفعه إلى تقصي البحث في تلك المسألة، إذ عزز عليه -حسبما فهم- أن يتجاهل "إليوت" ثقافة العرب والمسلمين كل هذا التجاهل، وكأنها لم تكن إحدى دعائم النهضة الأوربية. ورأي الدكتور الطيب أن "إليوت" قد استوحى الروح العامة لقصيدته من معلقة "لبيد بن ربيعة"، ذلك أن الشعر الإنجليزي من "بريمستون"، "بريمستون" دائمة المطر والخضرة فلا شأن له إذًا بالأرض الخراب، اللهم إلا إذا كان قد قرأ مُعَلّقة "لبيد" التي يبدأ صاحبها كلامه بوصف بعض المواقع التي أصبحت خربة مقفرة، بعد أن غادرها أهلوها، بل إنه في الصورة التالية من القصيد المشار إليها " april is the cruelest month breathing relax " إنما يتابع لبيدًا في تصوره للربيع الذي يسقط فيه المطر، ويزدهر النبات مثلما يتابع كذلك وصف فصلي الصيف والشتاء. وعلى نفس الشاكلة يرى الدكتور الطيب أن الشاعر الإنجليزي يحتذي امرأ القيس أيضًا حتى في الواقعة الماجنة التي ذكر فيها أنه دخل الخضر على عنيزة، فاشتكت جرأته، وتهوره وحذرته أنه إذا لم يكف عن عبثه ذاك، فإنه مرجلها عن بعيرها عما قليل. ولم يكتف الأستاذ الدكتور برصد هذه التشابهات بين "إليوت" وبعض الشعراء العرب الجاهليين، بل مضى فتحدث عن ترجمة المعلقات قبل "إليوت" إلى الإنجليزية على يدي "السير ويليام جونز" الذي لم يكتفِ بالترجمة بل صدر كل معلقة منها بمقدمة تحليلية، كما كتب دراسة بالفرنسية عن لبيد وامرئ القيس وغيرهما من شعراء العرب والمسلمين، فوق ما وضعه من مؤلفات عن ديانة الهندوس، والمقارنة بينها وبين الإسلام.

стр. 126

ومن شأن هذه الكتابات أن تلفت انتباه "إليوت" الذي كان مهتمًا بـ " sense cretianot" لغة الهندوس، الذي كان يتعلق بها، وأي شيء يتعلق بها أشد مما كتبه "جونز" في المقارنة بين ديانة الهندوس والدين الإسلامي، علاوة على أن "إليوت" كان يتردد على ذات المكتبة التي تضم بحوث جونز في الأدب العربي، وترجمته للمعلقات. بيد أنه رغم ذلك كله كان حريصًا على إبراز أصالة فكره، ومصدر إلهامه، وأنه لا يدين العرب والمسلمين بشيء، انطلاقًا من التعصب الديني والقومي لديه، حتى لقد تجاهل عن عمد الإشارة إلى اثنين من الشعراء الإنجليز الذين تأثر بهم تأثرًا لا يمكن إغفاله وهما " Walter de la Mare " و " wazwears " وذلك إمعان منه في التنكر لفضل العرب إذ أن كل من هذين الشاعرين قد ذكرهم في الصورة التي أخذها "إليوت" عنه. بل إنه إمعان منه في التضليل والتجاهل قد أشار إلى أنه إنما أخذ صورته التالية أن " Dry stons gives no Sound Of Water " من سفر حزقيال، رغم أنها لا وجود لها في السفر المذكور بل في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٧٤). وواضح من التشابه بين النصين. هذا ما جاء في كتاب (فصول في الأدب المقارن) للدكتور "شفيع السيد"، وقد عَلّق الدكتور شفيع بأنه ينبغي أن تكون هذه المحاضرة، وما جاء فيها عن "إليوت" وإمكان تأثره في شعره بمصادر عربية وإسلامية، منطلقًا لمراجعة مسلماتنا عن كثير

стр. 127

من الشعراء الأوربيين، فلعلهم قد تأثروا بتراثنا وآدابنا، على أن يكون الفيصل في هذا كله هو التأكد من وقوع مثل ذلك التأثر فعلًا، لا القفز بمجرد التشابه إلى القول بالتأثير دون برهان. وهذا كلام متزن تمام الاتزان، إلا أنه لا ينفي عن محاضرة الدكتور الطيب أنها من الأدب المقارن في الصميم، إذ ليس بلازم أن تكون هناك صلة بين الأدبين أو النصين أو المبدعين اللذين نريد أن ندرسهما دراسة مقارنة كما تشترط المدرسة الفرنسية بوجه عام، بل يكفي مثلًا أن نلمح فيهما تشابهًا أو تناقضًا أو ما إلى ذلك، مما من شأنه أن يبعثنا إلى القيام بمثل تلك الدراسة، وهو ما فعله هنا الدكتور الطيب، وسواء بعد ذلك أثبت مثل ذلك التأثير أم لا. وأخيرًا فلعل من المفيد أن يرجع القارئ إلى ما جاء عن مصادر القصيدة "الإليوتية" في المقال الخاص بها في الموسوع ة المشباكية " wikipedia" وعنوانه " The West Land" ولسوف يرى بنفسه صحة ما نبه إليه الدكتور الطيب من أنه لا توجد أدنى إشارة إلى أي شيء عربي أو إسلامي بين تلك المصادر، بل إن في نهاية الكلام إشارة إلى أن "إليوت" قد استوحى فكرة "الأرض الخراب" من الدراسة التي قامت بها " Jessie Weston " في كتابها " From Ritual to Romance " عن نفس الموضوع في الأساطير الكلتية. أما بالنسبة لتأثر شعرنا الحديث بالشعر الغربي، فقد لاحظ "جبرا إبراهيم جبرا" مثلًا أن الأساطير والإشارات التي انطوت عليها "الأرض اليباب" مثل فيلبس الفنيقي، وتموز، والملك الصياد) وغيرها من الأساطير وجدت سبيلها إلى أعمال الكتاب العرب؛ لما فيها من أصل محلي كان عاملًا في تقريب أرض "إليوت" من محاولتهم الشعرية والنسج على منوالها.

стр. 128

وإن لم يتجاوز الأمر السطح الخارجي في رأي "عمر أزراج" الذي شرح ذلك في الجزء الأول من مقال له بعنوان "حول تأثير إليوت على الشعر العربي- السياب وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش كنماذج"، قائلًا أن عدم تفاعل النقاد والشعراء العرب الحيوي والإبداعي مع شعر "إليوت" يعود إلى عدة أسباب بعضها يتصل بشعر "إليوت" ومرجعياته الفلسفية والرمزية والأسطورية والتاريخية، وبعضها يتصل بالترجمة العربية، وبالنقد العربي في صلتهما بإنتاج "إليوت" الشعري والنقدي والفلسفي، إذ من المعروف أن شعر "إليوت" لم يكن سهلًا للقارئ الأوربي نفسه، ولا للشعراء والنقاد والدارسين الغربيين أنفسهم أيضًا سواء في الماضي أو في الحاضر، وأن صدور شعر "إليوت" عن مرجعيات الفلسفة و"المثيولوجيا" والتاريخ، وعن المصادر الشعرية الغربية القديمة والمختلفة والديانات وغيرها من المرجعيات، هو العائق أمام التفاعل الأفقي المعتاد في الثقافة العربية من أشعار "إليوت". وإلى جانب ذلك؛ فإن الترجمات المتوفرة منذ عدة عقود إلى الآن عن شعر "إليوت" هي تَرجمات أفراد، وغالبًا ما تكون ناقصة وأحيانًا خاطئة، وأكثر من ذلك فإن الذين ترجموا بعض أعمال "إليوت" لم يعملوا مع هذا الشاعر عن قُرب حينما كان على قيد الحياة على تذليل الصعوبات التي تعترض ترجمة هذا النص أو تلك الكلمة أو تلك الإشارة الرمزية، علمًا أن مثل هذا العمل المشترك والجماعي هو الذي يضمن إنجاز الترجمة الأمينة والمطابقة للأصل كما قال. ومثالًا على تأثر بعض الشعراء العرب المحدثين بـ"إليوت" نسوق ما ذكره الدكتور "شاهين" في كتابه (تي إس إليوت وأثره في الشعر العربي، السياب، صلاح عبد الصبور ومحمود درويش- دراسة مقارنة) من أن "قصيدة لحن" الموجودة في

стр. 129

ديوان صلاح عبد الصبور "الناس في بلادي "إليوتية" في مظهرها" موضحًا أن قصائد إليوت التي تأثر بها عبد الصبور هي صورة سيدة، وأغنية العاشق ألفريد بروفروك، والرجال الجوف. ومما ذكر دكتور شاهين أيضًا أن الشاعر العراقي "بدر شاكر السياب" فد أفلت من سطوة هذا التأثير؛ لتشكل أنشودته -يقصد أنشودة المطر- صورة قائمة بذاتها، ومستقلة تمامًا عن المصدر، رغم كل ما في أنشودته من ظلال استشفها من رائعة "إليوت" "الأرض اليباب"، وقد قام المؤلف بالمقارنة بين قصيدة أنشودة المطر، وبين الأرض اليباب مركزًا في أثناء هذا على المقاطع التي يلاحظ فيها تأثر السياب بـ"إليوت"، مستنتجًا رغم ذلك أن السياب لم يحاك "إليوت" محاكاة خارجية شكلية، بل كانَ تأثره يتميز بأصالة تغني القارئ عن الرجوع إلى مصدر التأثير من أجل تذوق النص الجديد. وعن قصيدة " أنشودة المطر" للسياب أيضًا، وتأثرها بشعر "إليوت" روحًا وألفاظًا، يقول "عبد المنعم عبد الله عجب الفيا" في مقال له عنوانه "مأساة تموز -دراسة في تأثير إليوت على شعر السياب": لقد اتخذ السياب في هذه القصيدة من سيمة المطر ناظمًا جماليًّا، أو معادلًا موضوعيًا حسب المفهوم "الإليوتي" للتعبير عن الجفاف المادي والمعنوي، ورغبة منه في إحياء الموات الذي يسود العالم، وذلك مثلما فعل "إليوت" حينما وظف ثيمة الماء للتعبير عن ذات الفكرة في الأرض الخراب، لذلك نجد أن مفردة (مطر) تكررت في قصيدة السياب كثيرًا، وقد وردت أحيانًا في صيغة لازمة موسيقية توالت في إيقاع منتظم "مطر- مطر- مطر" أكثر من مرة. وبهذه الطريقة التي تكررت به مفردات "ماء" في قصيدة إليوت، فقول السياب:

стр. 130

دغدغ صمت العصافير على الشجر أنشودة المطر مطر .... مطر .... مطر ... وفي الواقع محاكاة لقول "إليوت" بالقسم الخامس والأخير من الأرض الخراب المُسَمّى "ماذا يقول الرعد" حيث يصور "إليوت" رحلة البحث الصحراوية عن الماء بمعناه المادي والمعنوي، تصويرًا رائعًا تتقطع له الأنفاس: "لا ماء هنا وإنما صخر" لو كان هنالك فقط صوت الماء، حيث تغرد عصافير السمان على أشجار الصنوبر طك- طك- طك، "قطرة .. قطرة .. قطرة"، لكن لا ماء. حتى الخليج الذي يتكرر ذكره في قصيدة السياب أكثر من مرة، والذي صار لا يهب سوى الموت وعظام الغرقى، فيه إشارة إلى خليج الدردنيل الذي غرق فيه "جان فيردنان" صديق "إليوت" في الحرب العالمية الأولى، وقد وردت إليه الإشارة في قول إليوت في الأرض الخراب: I think we are in rats' alley Where the dead men lost their bones " أفكر أنا في ممر الجرذان حيث فقد الموتى عظامهم" ويأتي ذكر الخليج في أنشودة المطر في مقطع شعري يتكرر من نحو ثلاث مرات في صورة لازمة موسيقية، حيث ينادي الشاعر الخليج بقوله: يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار فيرتد إليه صدى النداء خاسئًا حسيرًا:

стр. 131

يا خليج يا واهب المحار والردى مستبدلًا كلمة لؤلؤ بالردى، إن الموت بالماء أو الموت غرقًا هو عنوان الجزء الرابع من "الأرض الخراب"، ويمثل هذا العنوان خاصية من خصائص "إليوت" الأسلوبية الساخرة، وهي توظيف المفارقة كقيمة جمالية للتعبير عن رؤاه الشعرية، فالماء العنصر الأساسي والوحيد في انبعاث الموات، وإعادة الحياة إلى الأرض الخراب، يتحول إلى عامل من عوامل هذا الموات نفسه، ويعبر الجزء الرابع الموت بالماء أقصر أجزاء قصيدة "إليوت"، وقد خَصّصَه "إليوت" للحديث رمزًا عن صديقه "جان فردينال" الذي مات غرقًا في خليج الدردنيل، وذلك من خلال توظيف أسطورة الإله الفنيقي "فيلباس" حيث يقول: "فيلباس الفنيقي ميت منذ أسبوعين، نسي صوت النوارس، ولجة البحر العميق والربح والخسارة، تيار بعمق البحر فت عظامه في رفق، وإذ صار يعلو ويهبط، وهو يلج الدوامة مر بمراحل طفولته والشباب". استلهم السياب في "أنشودة المطر" صورة هذا الملاح الغريق الذي تناثرت عظامه في قاع البحر، بعد أن ظلت طافيًا بفعل الموج لبعض الوقت؛ ليُعيد صياغتها لوصف الخليج العربي الذي صار لا يلقي باللؤلؤ كما كان يفعل من قبل، وإنما يلقي بالزبد، وجثث الغرقى من البحارة والمهاجرين البائسين الفقراء حيث يقول: وينشر الخليج من هباته الكثار على الرّمال رغوة الأجاج، والمحّار وما تبقّى من عظام بائس غريق

стр. 132

من المهاجرين ظل يشرب الردى .. من لجة الخليج والقرار لاحظ التناص في قوله: "من المهاجرين ظل يشرب الردى، من لجة الخليج والقرار" وقول "إليوت": "تيار بعمق البحر فت عظامه في رفق وإذ راح يعلو ويهبط ويلج الدوامة". كذلك استعار السياب في "أنشودة المطر" صور شعرية أخرى لـ"إليوت" من غير الأرض الخراب، ومن ذلك تشبيه المساء بإنسان، وهو من التشبيهات المستحدثة، التي أدخلها "إليوت" ووقف عندها النقاد، وقلده فيها الشعراء، وقد ورد هذا التشبيه في أول قصيدة أغنية حب "ألفريد جي بروفروك"، ومن ذلك أيضًا تشبيه "إليوت" الشهير للمساء المتردد على الكون كتمدد مريض مخدر على منصة طبيب جراح، والوارد في مطلع القصيدة المذكورة، وقد استعار السياب هذه التشبيهات في أنشودة مطر في قوله: "كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء" وقوله "تثاءب المساء". والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 133

الدرس: ٦ خصوصية الأدب العربي وميزاته الحضارية .

стр. 134

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (خصوصية الأدب العربي وميزاته الحضارية) نشأة الأدب العربي وسماته الخاصة خصوصية الأدب العربي وميزاته الحضارية: للأستاذ أنور الجندي ﵀ عليه كتاب بعنوان (خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث)، وهو كتاب يثير الفكر، ويحرك العقول ويستفزنا إلى البحث عن ما يغني أدبنا، ويحافظ على أصالته وقيمه الخيرة، وينفي عنه أوضار التقليد الضار الذي يضيع معالمه ويفسده ويحمِلُه ما لا نرضاه له من مضامين مؤذية تتنافي، وقيمنا الإسلامية الكريمة. وإن كنا لا نتفق معه في كل ما قال، ولعل أول ما يثيره الكتاب من قضايا هو قوله "إن الأدب العربي لم يتشكل في صورته الحقيقية إلا منذ ظهور الإسلام الذي جمع العرب في الجزيرة العربية، فكان عاملًا في تحويل العرب إلى أمة تامة". ومعنى هذا: أنه يلغي تاريخ الأدب العربي قبل الإسلام تمامًا، وهو ما لا نستطيع تقبله إذ لا يمكن إلغاء كل ذلك التاريخ دفعة واحدة كأنه لم يكن، فضلًا عن أن تجاهلنا لتلك الفترة التي لا يعلم مقدار طولها الحقيقي إلا الله إذ إن أدب تلك الفترة ماثل أمام أعيننا طوال الوقت، متمثلًا فيما يسمي بالأدب الجاهلي، كما أن ذلك الأدب يتضمن كثيرًا من القيم الكريمة التي لم يلغها الإسلام، بل باركها ورحب بها وأبقاها، كقيمة العفاف والكرم والنجدة والمروءة مثلًا. كذلك فإن اللغة التي كتب وما زال يكتب بها الأدب العربي منذ سطوع شمس الإسلام إلى يوم الناس هذا، إنما قد ورثناها عن ذلك الأدب، علاوة على أنه يعطينا صورة دقيقة للمجتمع العربي في ذلك الحين، فهو إذًا وثيقة لغوية وتاريخية، واجتماعية في غاية الأهمية، فكيف نتنكر بهذه السهولة للأدب الذي أورثنا تلك اللغة العبقرية، وقدم لنا تلك الصورة الصادقة للمجتمع العربي في فترة الجاهلية؟.

стр. 135

وإذا كان الرسول الكريم وصحابته الأطهار لم يتنكروا لذلك الأدب أو يديروا ظهورهم له جميعه عاطلًا مع باطل، فكيف يتصور متصور أن نصنع نحن ما لم يدر لهم ببال؟. لو أنه قال: إننا حين ندرس الأدب الجاهلي ينبغي أن نكون على ذكر من اعتماد ما فيه من قيم كريمة، ونبذ عكسها لما يحتويه من قيم ضارة، لكنا نوافقه تمام الموافقة، وهذا بالمناسبة هو موقفنا من الأدب العربي جميعه، حتى في مرحلة صدر الإسلامي، وهي المرحلة التي قد يظن أن أدبها صورة مطابقة تمامًا للقيم الإسلامية، ألا وهو وجوب وضع هذا الأدب في كل عصوره تحت المجهر، فما كان في مضامينهم متفقًا مع قيم الخير والجمال والحق قبلناه، وما لم يكن قلنا فيه رأينا بمنتهى الصراحة، واستنكرنا ما تضمنه من قيم الزيف والتشويه والأذى، على أن يكون مرجعنا في هذا هو الإسلام وقيمه ومبادئه. وليس معنى ذلك أننا ننادي بتحويل الأدب العربي إلى مواعظ ونشرات دينية. بل معناه أن نترك للأديب الحرية كاملة داخل ذلك النظام القيمي الإسلامي، فلا يناقِ ض هـ ولا ينقضه، وهو حر بعد هذا يتناول من الموضوعات ما يشاء على النحو الفني الذي يشاء، أي: أننا في نفس الوقت الذي لا نوجب على الأديب مثلًا أن يأمر الناس بالصلاة، لا نقبل منه أن يكتب قصيدة أو قصة أو غير ذلك من الإبداعات الأدبية، يحرض الناس فيه على ترك الصلاة، أو يسخر من المصليين وهكذا. قد يقال: إنّ الأدَبَ والفن لا يزدهران إلا في جو الحرية، فنجيب بأن الحرية المطلقة لا وجود لها في أي مكان في العالم، والذين ينادون بهذا إنما يريدون التفلت من قيم الإسلام إلى قيم أخرى، يريدون نشرها تحت ستار حرية التعبير،

стр. 136

وهذا واضح مفهوم رغم كل الغبار الذي يثيره هؤلاء في أعيننا كي لا نطلع على ما يخططون له. وهذا كله إن كان قصدنا أن نرسم الأدب العربي شيئًا يستأنس به الأدباء في إبداعاتهم، أما إن كان المراد رسم صورة الأدب العربي في مسيرته الطويلة كما هو، فهذا موضوع آخر، وهو ما نرد الحديث فيه الآن، فأما من الناحية اللغوية فكانت العربية الفصحى هي أداته التي لا يعرف أداة غيرها، اللهم إلا في الزجل الأندلسي تقريبًا. وفي بعض خرجات الموشحات الأندلسية التي قد تختلط فيها بعض الكلمات الأجنبية بالكلمات العامية، ثم جاء العصر الحديث، فأثيرت مسألة الكتابة بالعامية، وتولى كبر الدعوة إليها على حساب الفصحى طائفة من عتاة المستشرقين، الذين لا تهمهم المسألة بذاتها قليلة أو كثيرة، لكنهم إنما كانوا يرمون من وراء ذلك إلى القضاء على لغة القرآن، لتمزيق الروابط التي تصلنا بالتراث، وبكتاب الله وأحاديث رسول الله، ومن ثم ننسلخ عن ماضينا وهويتنا، ونُضحي أمساخًا مشوهة لا هم لها إلا تقليد الغرب في كل شيء. ثم سرعان ما رأينا بعض الكتاب من الأدباء والنقاد، يزينون لكتاب القصص والمسرحيات اصطناع العامية في الحوار، بحجة الحفاظ على الواقعية، وصدق التصوير. ثم تتابعت الكتابات التي تفعل ذلك، وكثرت نسبيًّا، وإن كان هناك في ذات الوقت أدباء كثيرون وبخاصة ذوي المقامات والمواهب العالية لا يزالون يلتزمون الفصحى في كل شيء، سردًا وحوارًا ووصفًا.

стр. 137

وأما من ناحية الأجناس الأدبية، فلدينا الشعر والقصة والمقامة، والخطبة والرسالة والرحلة ... إلخ، ولسوف نقصر الكلام على الشعر والقصص مجتزئين بهما عن سائر الفنون. الشعر كجنس من أجناس الأدب العربي ونبدأ بالكلام عن الشعر، الذي كان كله حتى العصر الحديث شعرًا غنائيًّا كما هو معروف، وكانت القصيدة في بداية أمرها ولعدة قرون تتكون من أبيات كل منها ينقسم إلى شطرين متساويين، ويختلف عدد أبيات كل قصيدة عن أخرى بدءً من سبعة أبيات إلى بضع عشرات منها غالبًا، وإن أطال بعض الشعراء كابن الرومي قصائدهم أحيانًا إلى بضع مئات من الأبيات. كما كانت القصيدة تجري من أولها إلى آخرها على وزن واحد في شكل واحد من أشكاله وعلى قافية واحدة مهما طالت أو قصرت، ثم ظهرت الموشحات بعد بضعة قرون، وازدهرت في الأندلس ازدهارًا واسعًا، وظهرت كذلك الرُّباعيات والمزدوجات، والمخمسات وما إلى ذلك، ولكن الشعر العربي في كل ذلك كان يصب في البحور الخليلية أيًّا كان الشكل الفني الذي يصب فيه، سواء كان قصيدة أو موشحة أو رباعية. ثم عرفنا في العصر الحديث ما يسمى بـ"الشعر الجديد أو شعر التفعيلة" الذي يقوم على نظام السطور لا الأبيات، حيث يتكون كل سطر من تكرار تفعيلة بعينها تكرارًا اعتباطيًّا، فمرة يكون السطر عبارة عن تفعيلة واحدة، ومرة يكون ستًّا أو سبعًا أو ثلاثًا أو اثنتين حسبما يعنُّ للنّاظم أن يقف ويستأنف نظمه في سطر جديد.

стр. 138

وأحيانًا ما يكون في القصيدة الواحدة أكثر من تفعيلة، وعلى ذات الشاكلة تفتقر القصيدة التفعيلية إلى نظام قفوي معروف، إذ الشاعر حر في أن يقفي متى شاء، وأن يترك التقفية متى يشاء، مثلما يمكنه التنويع في القافية على النحو الذي يشاء. ومن هنا خفت نغم القصيدة، وظل يخفت رويدًا رويدًا حتى مات في كثير من القصائد، فانتفى عنها الشعر، وأضحينا أمام جثث يزعم أصحابها، ومن يوافقونهم من النقاد على هذا العبث والإفساد المزاعم الطويلة العريضة التي تصم الآذان، إلا أنها لا تجدي فتيلًا إيذاء تلك الجثث التي خلت من الحياة والحيوية، فإذا أضفنا إلى هذا ما أصبح ملمحًا بارزًا من ملامح كثير من نصوص هذا الشعر في الفترة الأخيرة، وهو الغموض الذي يبلغ حد الاستغلاق، تبين لنا حجم الكارثة التي نزلت بالشعر العربي على أيدي هؤلاء المغرمين بالتدمير والتجريف في الوقت الذي يملئون الدنيا صياحًا، بأنهم إنما يعملون على إنقاذ الشعر العربي من المأزق الذي وقع فيه، على حين أنهم هم أنفسهم مأزق هذا الشعر ومصيبته وبلواه. إذ صار الشعر على أيديهم فاقد للمعنى واقترب في حالات كثيرة من الهلوسات والبهلوانيات، فإذا اعترضت بأنّ هذا ليس بشعر، أجابوك بأن الشعر لم يخلق ليقول شيئًا، بل يلعب الشعر بالكلمات وحسب، ومع هذا تراهم مغرمين غرام عجيبًا بإذاعة شعرهم، كما تراهم يتهافتون أشد التهافت على النقاد؛ ليكتبوا عنه وعنهم، وكثيرًا ما نرى أولئك النقاد الذين يزعمون أن لغة الشعر ليست للتوصيل ولا للتواصل، وهم يزحرون ويتصببون عرقًا في تفسير ما يقصده الشعر من معنى، وهذا أكبر دليل على عظم التدليس الذي ينتهجه الفريقان كلاهما في حديثهم عن فن الشعر.

стр. 139

أما في نُصوص هذا الصنف من الشعراء التي ما زالت تقول شيئًا مفهومًا، فقد انحدرت في كثير من الأحيان إلى العدوان على قيمنا الخلقية والدينية، التي نعتز بها كل الاعتزاز، نعم قد انتهى الشعر العربي -أو كاد أن ينتهي- في أيدي هؤلاء الشعراء إلى طريق مسدود، بعد أن قضوا على كل ما هو نضر فيه، فلم يعد له في معظم ما يكتبون معنى ولا نغم، ولا فيه شعور، وأضحى كنشارة الخشب على القارئ أن يمضغها ويتجرعها ويعمل المستحيل كي يسيغها، وهيهات ثم هيهات. وبالنسبة لموضوعات القصيدة كان هناك المديح والهجاء والرثاء والخمر، والحماسة، والغزل والغلمان ... إلخ. ولم تكن كل هذه الموضوعات موجودة منذ البداية، فالمديح مثلًا لم يظهر إلا في أواخر العصر الجاهلي، على حين أن شعر الغلمان لم يعرفه العرب إلا في العصر العباسي بتأثير فارسي حسبما لاحظ الدارسون، كذلك فقد جد في العصور العباسية المتأخرة شعر التصوف والمدائح النبوية، وهو ما لم يكن يعرفه الشعر العربي قبل ذلك تقريبًا. ولم تعرف القصيدة العربية الاقتصار على الغزل أو وصف الخمر إلا في العصر الأموي، كما غَلب على القصيدة العربية في نصوصها المبكرة تعدد الموضوعات، أما بعد ذلك فما أكثر أن وجدنا القصيدة تنفرد بموضوعها لا يشرك فيها موضوع آخر، لكن ذلك لم يضح ملمحًا ثابتًا للقصيدة العربية إلا في العصر الحديث. ومن ناحية تمييز القصائد بعضها عن بعض، لم يكن هناك عناوين للأشعار على خلاف النثر من كتب ورسائل وقصص، وكانوا إذا أرادوا أن يشيروا إلى قصيدة من القصائد المشهورة، قالوا: بائية أبي تمام، وسينية البحتري، ونونية ابن زيدون، وميمية المتنبي، على رغم أنه قد يكون للشاعر أكثر من قصيدة على هذا

стр. 140

الحرف، ذلك أن شهرتها تدفع الذهن إلى ناحيتها دفعًا، فيعرف السامع أو القارئ أن المقصود بها هو تلك القصيدة لا غيرها من القصائد التي على نفس رويها. أما في القصائد الأخرى؛ فكان يقدم لها عادةً بعبارة: "وقال يمدح أو يهجو أو يرثي فلانًا" وهذا كل ما هنالك، ولكن الأمر اختلف في العصر الحديث بتأثير الشعر الغربي الذي كانت قصائده تعرف العناوين من قبل اتصالنا بهم، فعرفت قصائدنا عناوين هي أيضًا، وبخاصة أنها أمست لا تدور حول أكثر من موضوع واحد. كذلك دخل شعرنا ما يُسَمّى بـ"القصائد والأناشيد الوطنية"، وهو موضوع لم يعرفه الشعر العربي إذ لم يكن المسلمون ينظرون لأنفسهم بوصفهم شعوبًا وأوطانًا متميزة، بل على أنهم جميعًا يمثلون أمة واحدة رغم اختلاف الديار والحكام أحيانًا. وبالمثل استجد شعر التأملات الفكرية والاستبطانات النفسية، والتهاوين الذهنية، وكذلك الاستعانة بالأساطير الوثنية الشرقية والإغريقية، مما لم يكن الشعراء العرب يفكرون فيه. وفي ميدان الغزل كان هناك الغزل العفيف، والغزل المفحش، والغزل المعتاد الذي يتغنى بالمرأة وبجمالها، وما يفعل هذا الجمال بالقلوب واصفًا كل شيء في جسدها دون إفحاش رغم ذلك، وكان هناك كذلك الغزل بالغلمان الذي قد يكتفي فيه الشاعر بالحديث عن هيامه بغلام من الغلمان، وتصوير صدود الحبيب عنه، والعذاب الذي يقاسيه جراء ذلك، غير متحرج في تلك الأثناء من وصف جماله، ووجه الفتنة فيه.

стр. 141

وقد يمضي أبعد من هذا كما فعل أبو نواس فيصل إلى حد التقزيز، ومثله الهجاء إذ كان من الهجاء بالأحساب وبالعيوب النفسية والخلقية كما كان الحال في الجاهلية، ومنه الهجاء بالعيوب الجسدية، ومنه الهجاء السياسي، وقد بدأ في العصر الأموي، ومنه الهجاء بالكلام البذيء وهو ما عرفه الشعر العربي في العصر العباسي. وفي ميدان الخمر كان هناك من يجاهر بشربها، وبأنه يجد لذة في ارتكاب معصيتها غير مبال بشيء، ومن كان يلم بالإشارة إليها مكتفيًا بذلك مما يمكن أن يكون معناه أنه لم يكن من شاربيها، بل يجري على تقليد فني لا أكثر ولا أقل، ومن لا يأتي على ذكرها من قريب أو بعيد، وفي ميدان المديح كان هناك الشعراء المعتدلون كما كان هناك المغالون الذين قد يخرجون بممدوحهم من نطاق البشرية؛ فيخلعون عليهم بعض الصفات الإلهية كما هو الحال في "مدائح بن هانئ الأندلسي للمعز لدين الله الفاطمي" بتأثير العقيدة الإسماعيلية التي كان الشاعر وممدوحه يعتنقانها، وإن لم ينتشر هذا اللون الجامح السخيف من المدائح. لكن الغالب في كل ذلك هو التمسك حقيقة أو إدعاء، صراحة أو ضمنًا بقيم الإسلام ومبادئه، حتى إننا لا نجد شيئًا من الشعر يعلن فيه الشاعر كفره أو ينال من الإسلام وتاريخه، فضلًا عن أن يصدر منه في حق النبي والصحابة أية إساءة. أما من كان يصر على معرفة الناس عنه أنه يشرب الخمر، ويتفانى في شربها، فإنه كان يريد استفزاز الناس من حوله لوجدانه لذة في ذلك، لا إعلان تمرده على أحكام الدين، ورغبته في التفلت من شرائعه. وهذا في الإسلام، أما في الجاهلية فقد كانت القيم عربية جاهلية بما فيها من خير وشر، وعقل وحمق، كان الناس يتفاخرون مثلًا بالكرم والمنعة، وحماية الجار

стр. 142

والقدرة على ظلم الآخرين دون أن يستطيع أولئك الآخرون ردًّا على هذا الظلم بظلم مثله، وكانوا يرون شرب الخمر ولعب الميسر مكرمة يتغنون بها، لما يرتبط به من نشوة تبعث الأريحية والسخاء. كما كانت العصبية القبلية على أشدها حتى لتجر وراءها من الكوارث ما لا يخطر على بالنا الآن، كاشتعال حرب طحون بسبب تافه تستمر سنوات وسنوات دون أن يهدأ لها أوار، ولكن بالنسبة إلى الدين لم يظهر الاعتقاد في الأوثان، والتعبد لها والقيام بشعائرها في شعر تلك الفترة مثلما لم يتحدث الشعراء عن النصرانية إلا في أضيق نطاق ممكن، اللهم إلا إذا قيل إن هذا وذاك كان موجودًا على نحو كاف، لكن المسلمين حذفوه وهو ما لا أظنه صحيحًا رغم ما يردد في هذا الصدد فريق من الباحثين. على أن الشاعر في هذا كله كان حريصًا على أن يكون واضحًا مفهومًا، فلا استغلاق في شعره ولا إلغاز، اللهم إلا في العصور المتأخرة حين يتعمد بعضهم النظم في لغز تعمدًا، أما في العصر الحديث، فكما سبق القول أصبح الغموض عند فريق من الأدباء غرضًا يقصد قصدًا كأنه قيمة في ذاته، وذلك بتأثير بعض المذاهب الأدبية التي أفرزها تاريخ الآداب الغربية وتأثرنا نحن بها، تلك المذاهب التي يرجعها المرحوم "أنور الجندي" إلى طبيعة البلاد الغربية ذات الجبال والغيوم والعواصف، والليل البهيم المرتبط بالأساطير الرمزية، على عكس طبيعة بلاد العرب التي ينتشر فيها النور، والشمس، والضوء وينكشف فيها الأفق تمامًا. ومن ثم عجزت الأساطير، والرمزيات، وأدب الظلال أن تجد لها مكان عندها. ومن المضحك أن بعض الشعراء والأدباء العرب يزعمون تقليدًا منهم لما يقرءونه في النقد الغربي، أن الشعر الواضح لا يمكن أن يكون شعرًا حقيقيًّا، إذ لا بد من

стр. 143

المعاناة في قراءة الشعر وفهمه، بل لقد يقولون أن الشعر لا يكتب؛ ليفهم بل ليشعر به ليس إلا، وليت شعري كيف يستطيع الإنسان أن يتمتع بشعر لا يمكن فهمه! إن مثل تلك المزاعم العجيبة تناقض طبيعة العقل البشري الذي يقول: إنه في مجال الأدب لا يمكن أن يتذوق القارئ والسامع أي إبداع ما لم يفهمه أولًا ولو على نحو مقارب، أما مع غموضه واستغلاقه، فهذا ما لا يمكن أن يكون. وقامت طوال التاريخ الأدبي العربي حركة نقدية ناشطة حول الشعر؛ فكان عندنا كتب تصنف الشعراء، وتجعلهم طبقات، وكان عندنا كتب الموازنة، وكان عندنا كتب النقد التطبيقي والتفسيري، وكان عندنا الكتب التي تتناول التصوير البياني، وتحاول أن تفض أسراره، وكان عندنا نقاد كـ" عبد القاهر الجرجاني " صاحب "نظرية النظم". القصص كجنس أدبي أما الفن القصصي، وكان مزدهرًا في الأدب العربي على مدار تاريخه الطويل؛ فلم تقم حوله حركة نقدية كالتي قامت حول الشعر، بل ليس هناك فيما نعرف كتاب واحد مخصص للنقد القصصي، وكل ما يمكن أن نخرج به في هذا المجال لا يعدو شذرات، ونظرات عارضة هنا وهناك، إن العرب القدماء لشديد الأسف لم يهتموا بالتقعيد لفن القصص كما صنعوا مع الشعر والرسائل والخطب، رغم أنهم أبدعوا قصصًا كثيرًا متنوعًا ورائعًا. ولسنا ندري السبب في أن الجاحظ أو أبا هلال العسكري أو قدامة بن الجعفر أو ابن الأثير أو الصفدي أو أحدًا من أدباء المقامة، لم يحاول أن يقنن لنا المواصفات والقواعد التي تحكم ذلك الفن مثلًا، لقد كانوا يعرفون الفن القصصي من قبل

стр. 144

الإسلام؛ فضلًا عن أنهم قد ترجموا بعد الإسلام كثيرًا من القصص الأجنبي من الفرس والهند مثلًا، إلى جانب ما أبدعته براعتهم إبداعا، ليس ذلك فقط، فقد رأيناهم يعجبون بالمقامات وغيرها من ألوان هذا الفن إلا أن ما كتبوه في باب الإعجاب لا يزيد عن العبارات الانطباعية التي تخلو من التقعيد والتحديد والتفصيل. ولعل هذا الصمت النقدي هو الذي دعا بعض الكتاب منا، ومن المستشرقين إلى الادعاء بأن العرب لم يعرفوا قبل العصر الحديث أن الفن القصصي قبل أن ينقلوه عن الغرب إثر اتصالهم به في نهضتهم الحديثة، وهذا الرأي رأي متسرعًا، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قصص كثير منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الاجتماعي، ومنه الفلسفي ومنه الوعظي ومنه الأدبي، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي، ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفى بلغته، والبسيط المنساب، ومنه الطويل مثل: "رسالة النمر والثعلب" لسهل بن هارون و"رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد و"رسالة الغفران" و"رسالة الصاهل والشاحج" للمعري و"رسالة حي بن يقظان" لكل من ابن سينا وابن الطفيل والسهروردي، وقصص ألف ليلة وليلة وسيرة عنترة، وسيرة سيف بن ذي يزن. ومنه القصير كالحكايات التي تغص بها كتب الأدب التاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى في أربعة مجلدات كبار بعنوان: (قصص العرب) و (كليلة ودمنة) لابن المقفع، و (البخلاء) للجاحظ، و (الفرج بعد الشدة) و (نشوار المحاضرة) للقاضي التنوخي، والمقامات، و (عرائس المجالس) للثعالبي، و (مسار العشاق) للسراج

стр. 145

القاري، و (سلوان المطاع في عدوان الأتباع) لابن ظفر الصقلي، و (المكافأة) لابن الداية، و (غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة) للوطواط، و (المستطرف من كل فن مستظرف) للأبشيهي، و (عجائب المقدور في أخبار تيمور) و (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء) لابن عرب شاه، وبعض قصص ألف ليلة وليلة أيضًا. وما ما ذكره ابن النديم في (الفهرست) من كُتب الأسمار الخرافية التي تُرجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُويت عن ملوك بابل، أو ألفت بالعربية؛ فكانت حوالي ١٤٠ كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو ٨٠ كتابًا، كلها في أخبار العشاق في الجاهلية والإسلام، ودعنا مما ألف بعد ذلك. ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشنفرى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحطيئة و"طاوي ثلاث عاصب البطن مرمل"، وكثير من قصائد عمر بن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار للأسد، وهلم جرًّا. على أن ليس معنى ذكر الكتب والمؤلفات في هذا السياق أن الفن القصصي لم يعرف عند العرب إلا في عصر التدوين، بعد أن انتشر نور الإسلام، وتخلص العرب من الأمية، وأصبحوا أمة كاتبة قارئة، مثقفة كأحسن ما تكون الأمم ثقافة وتحضرًا، بل كان هذا الفن معروفًا قبل ذلك في الجاهلية. وهذا الحكم يستند: أولًا: إلى أن حب القصص نزعة فطرية لا يمكن أن يخلو منها إنسان، فضلًا عن مجتمع كامل كالمجتمع العربي قبل الإسلام. وفي الفقرة التالية يؤكد كاتب مادة
следующие страницы →