← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد يمضي أبعد من هذا كما فعل أبو نواس فيصل إلى حد التقزيز، ومثله الهجاء إذ كان من الهجاء بالأحساب وبالعيوب النفسية والخلقية كما كان الحال في الجاهلية، ومنه الهجاء بالعيوب الجسدية، ومنه الهجاء السياسي، وقد بدأ في العصر الأموي، ومنه الهجاء بالكلام البذيء وهو ما عرفه الشعر العربي في العصر العباسي. وفي ميدان الخمر كان هناك من يجاهر بشربها، وبأنه يجد لذة في ارتكاب معصيتها غير مبال بشيء، ومن كان يلم بالإشارة إليها مكتفيًا بذلك مما يمكن أن يكون معناه أنه لم يكن من شاربيها، بل يجري على تقليد فني لا أكثر ولا أقل، ومن لا يأتي على ذكرها من قريب أو بعيد، وفي ميدان المديح كان هناك الشعراء المعتدلون كما كان هناك المغالون الذين قد يخرجون بممدوحهم من نطاق البشرية؛ فيخلعون عليهم بعض الصفات الإلهية كما هو الحال في "مدائح بن هانئ الأندلسي للمعز لدين الله الفاطمي" بتأثير العقيدة الإسماعيلية التي كان الشاعر وممدوحه يعتنقانها، وإن لم ينتشر هذا اللون الجامح السخيف من المدائح. لكن الغالب في كل ذلك هو التمسك حقيقة أو إدعاء، صراحة أو ضمنًا بقيم الإسلام ومبادئه، حتى إننا لا نجد شيئًا من الشعر يعلن فيه الشاعر كفره أو ينال من الإسلام وتاريخه، فضلًا عن أن يصدر منه في حق النبي والصحابة أية إساءة. أما من كان يصر على معرفة الناس عنه أنه يشرب الخمر، ويتفانى في شربها، فإنه كان يريد استفزاز الناس من حوله لوجدانه لذة في ذلك، لا إعلان تمرده على أحكام الدين، ورغبته في التفلت من شرائعه. وهذا في الإسلام، أما في الجاهلية فقد كانت القيم عربية جاهلية بما فيها من خير وشر، وعقل وحمق، كان الناس يتفاخرون مثلًا بالكرم والمنعة، وحماية الجار

стр. 142

والقدرة على ظلم الآخرين دون أن يستطيع أولئك الآخرون ردًّا على هذا الظلم بظلم مثله، وكانوا يرون شرب الخمر ولعب الميسر مكرمة يتغنون بها، لما يرتبط به من نشوة تبعث الأريحية والسخاء. كما كانت العصبية القبلية على أشدها حتى لتجر وراءها من الكوارث ما لا يخطر على بالنا الآن، كاشتعال حرب طحون بسبب تافه تستمر سنوات وسنوات دون أن يهدأ لها أوار، ولكن بالنسبة إلى الدين لم يظهر الاعتقاد في الأوثان، والتعبد لها والقيام بشعائرها في شعر تلك الفترة مثلما لم يتحدث الشعراء عن النصرانية إلا في أضيق نطاق ممكن، اللهم إلا إذا قيل إن هذا وذاك كان موجودًا على نحو كاف، لكن المسلمين حذفوه وهو ما لا أظنه صحيحًا رغم ما يردد في هذا الصدد فريق من الباحثين. على أن الشاعر في هذا كله كان حريصًا على أن يكون واضحًا مفهومًا، فلا استغلاق في شعره ولا إلغاز، اللهم إلا في العصور المتأخرة حين يتعمد بعضهم النظم في لغز تعمدًا، أما في العصر الحديث، فكما سبق القول أصبح الغموض عند فريق من الأدباء غرضًا يقصد قصدًا كأنه قيمة في ذاته، وذلك بتأثير بعض المذاهب الأدبية التي أفرزها تاريخ الآداب الغربية وتأثرنا نحن بها، تلك المذاهب التي يرجعها المرحوم "أنور الجندي" إلى طبيعة البلاد الغربية ذات الجبال والغيوم والعواصف، والليل البهيم المرتبط بالأساطير الرمزية، على عكس طبيعة بلاد العرب التي ينتشر فيها النور، والشمس، والضوء وينكشف فيها الأفق تمامًا. ومن ثم عجزت الأساطير، والرمزيات، وأدب الظلال أن تجد لها مكان عندها. ومن المضحك أن بعض الشعراء والأدباء العرب يزعمون تقليدًا منهم لما يقرءونه في النقد الغربي، أن الشعر الواضح لا يمكن أن يكون شعرًا حقيقيًّا، إذ لا بد من

стр. 143

المعاناة في قراءة الشعر وفهمه، بل لقد يقولون أن الشعر لا يكتب؛ ليفهم بل ليشعر به ليس إلا، وليت شعري كيف يستطيع الإنسان أن يتمتع بشعر لا يمكن فهمه! إن مثل تلك المزاعم العجيبة تناقض طبيعة العقل البشري الذي يقول: إنه في مجال الأدب لا يمكن أن يتذوق القارئ والسامع أي إبداع ما لم يفهمه أولًا ولو على نحو مقارب، أما مع غموضه واستغلاقه، فهذا ما لا يمكن أن يكون. وقامت طوال التاريخ الأدبي العربي حركة نقدية ناشطة حول الشعر؛ فكان عندنا كتب تصنف الشعراء، وتجعلهم طبقات، وكان عندنا كتب الموازنة، وكان عندنا كتب النقد التطبيقي والتفسيري، وكان عندنا الكتب التي تتناول التصوير البياني، وتحاول أن تفض أسراره، وكان عندنا نقاد كـ" عبد القاهر الجرجاني " صاحب "نظرية النظم". القصص كجنس أدبي أما الفن القصصي، وكان مزدهرًا في الأدب العربي على مدار تاريخه الطويل؛ فلم تقم حوله حركة نقدية كالتي قامت حول الشعر، بل ليس هناك فيما نعرف كتاب واحد مخصص للنقد القصصي، وكل ما يمكن أن نخرج به في هذا المجال لا يعدو شذرات، ونظرات عارضة هنا وهناك، إن العرب القدماء لشديد الأسف لم يهتموا بالتقعيد لفن القصص كما صنعوا مع الشعر والرسائل والخطب، رغم أنهم أبدعوا قصصًا كثيرًا متنوعًا ورائعًا. ولسنا ندري السبب في أن الجاحظ أو أبا هلال العسكري أو قدامة بن الجعفر أو ابن الأثير أو الصفدي أو أحدًا من أدباء المقامة، لم يحاول أن يقنن لنا المواصفات والقواعد التي تحكم ذلك الفن مثلًا، لقد كانوا يعرفون الفن القصصي من قبل

стр. 144

الإسلام؛ فضلًا عن أنهم قد ترجموا بعد الإسلام كثيرًا من القصص الأجنبي من الفرس والهند مثلًا، إلى جانب ما أبدعته براعتهم إبداعا، ليس ذلك فقط، فقد رأيناهم يعجبون بالمقامات وغيرها من ألوان هذا الفن إلا أن ما كتبوه في باب الإعجاب لا يزيد عن العبارات الانطباعية التي تخلو من التقعيد والتحديد والتفصيل. ولعل هذا الصمت النقدي هو الذي دعا بعض الكتاب منا، ومن المستشرقين إلى الادعاء بأن العرب لم يعرفوا قبل العصر الحديث أن الفن القصصي قبل أن ينقلوه عن الغرب إثر اتصالهم به في نهضتهم الحديثة، وهذا الرأي رأي متسرعًا، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قصص كثير منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الاجتماعي، ومنه الفلسفي ومنه الوعظي ومنه الأدبي، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي، ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفى بلغته، والبسيط المنساب، ومنه الطويل مثل: "رسالة النمر والثعلب" لسهل بن هارون و"رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد و"رسالة الغفران" و"رسالة الصاهل والشاحج" للمعري و"رسالة حي بن يقظان" لكل من ابن سينا وابن الطفيل والسهروردي، وقصص ألف ليلة وليلة وسيرة عنترة، وسيرة سيف بن ذي يزن. ومنه القصير كالحكايات التي تغص بها كتب الأدب التاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى في أربعة مجلدات كبار بعنوان: (قصص العرب) و (كليلة ودمنة) لابن المقفع، و (البخلاء) للجاحظ، و (الفرج بعد الشدة) و (نشوار المحاضرة) للقاضي التنوخي، والمقامات، و (عرائس المجالس) للثعالبي، و (مسار العشاق) للسراج

стр. 145

القاري، و (سلوان المطاع في عدوان الأتباع) لابن ظفر الصقلي، و (المكافأة) لابن الداية، و (غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة) للوطواط، و (المستطرف من كل فن مستظرف) للأبشيهي، و (عجائب المقدور في أخبار تيمور) و (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء) لابن عرب شاه، وبعض قصص ألف ليلة وليلة أيضًا. وما ما ذكره ابن النديم في (الفهرست) من كُتب الأسمار الخرافية التي تُرجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُويت عن ملوك بابل، أو ألفت بالعربية؛ فكانت حوالي ١٤٠ كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو ٨٠ كتابًا، كلها في أخبار العشاق في الجاهلية والإسلام، ودعنا مما ألف بعد ذلك. ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشنفرى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحطيئة و"طاوي ثلاث عاصب البطن مرمل"، وكثير من قصائد عمر بن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار للأسد، وهلم جرًّا. على أن ليس معنى ذكر الكتب والمؤلفات في هذا السياق أن الفن القصصي لم يعرف عند العرب إلا في عصر التدوين، بعد أن انتشر نور الإسلام، وتخلص العرب من الأمية، وأصبحوا أمة كاتبة قارئة، مثقفة كأحسن ما تكون الأمم ثقافة وتحضرًا، بل كان هذا الفن معروفًا قبل ذلك في الجاهلية. وهذا الحكم يستند: أولًا: إلى أن حب القصص نزعة فطرية لا يمكن أن يخلو منها إنسان، فضلًا عن مجتمع كامل كالمجتمع العربي قبل الإسلام. وفي الفقرة التالية يؤكد كاتب مادة

стр. 146

" Story Telling " في "الويكيبيديا" عن حق أن جميع المجتمعات البشرية قديمًا وحديثًا قد عرفت رواية القصص. وهذه عبارته نصًّا " people in all times and places have told stories. وثانيًا: إلى أن لدينا قصصًا كثيرًا تدور وقائعه الجاهلية، وينتسب أبطاله إليها، وقد اقْتَصَر دَورُ الكُتّاب الأمويين والعباسيين على تسجيل ذلك القصَص كما وصلهم، وربما تدخلوا بأسلوبهم في صياغته، وهذا أبعد ما يمكن أن تكون أقلامهم قد وصلت إليه، ومن الواضح أن هذا القصص يصور المجتمع العربي قبل الإسلام تصويرًا لا يستطيعه إلا أصحابه. وبالنسبة إلى الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة، فيمكن تصنيف ما تركه لنا العرب بهذا المجال إلى: - قصص تستبين بها مظاهر حياتهم، وأسباب مدنيتهم، بذكر أسواقهم وأجلاب تجارتهم، والمساكن التي كانت تأويهم، وسائر ما كان على عهدهم من دلائل الحضارة، ووسائل العيش. - وقصص تتضمن معتقداتهم، وأخبار كهانهم وكواهنهم، وتبسط ما كانوا يعرفون من حقائق التوحيد والبعث والدار الآخرة، وما كانوا يتوسلون به من إقامة الأوثان، وتعهدها بألوان الزلفى والقربان. - وقصص تجلو علومهم ومعارفهم، وتتوضح منها ثقافتهم، وما كان متداولًا بينهم من مسائل العقل والنقل، التي هدتهم إليها فطرهم، أو أنهتها إليهم تجاربهم.

стр. 147

- وقصصٍ يُرَى مِنها ما كانوا يتغنون به من المكارم والمفاخر، وما كانوا يتذممون به من المناقص والمعرات، سواء أكان ذلك يتصل بكل منهم في نفسه، أم فيما يتصل بالأقربين من ذويه، أم فيما يضم أهل قبيلته، أم فيما يشمل الناس جميعًا. - وقصص تعدد غرائزهم وخصالهم، فتكشف ما طبع عليهم من وفرة العقل وحدة الذكاء، وصدق الفراسة وقوة النفس، وما أهلتهم له طبيعة بلادهم، وأسلوب حياتهم من شريف السجايا، وممدوح الخصال. - وقصص تشرح ما أثر عنهم من عادات وشمائل في الأسباب الدائرة بينهم، وتبين ما انتهجوه في مواسمهم، وأعيادهم، وأفراحهم، وأعراسهم، مما يمثل حياتهم الاجتماعية أصدق تمثيل. - وقصص تمثل أحوال المرأة العربية، وما تجري عليه في تربية أطفالها، ومعاشرتها زوجها، ومعاونتها له في الحياتين الاجتماعية والمدنية، بالسعي في سبيل الرزق، والاشتراك في خوض معامع الحروب، والأخذ بقسط من الثقافة الأدبية السائدة في ذلك العهد. - وقصص تمثل ذلاقة لسانهم، وحكمة منطقهم، وما ينضاف إلى ذلك من فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى، وجمال الأسلوب، وحسن التصرف في الإبانة والتعبير. - وقصص تسرد بارع ملاحهم، ورائع طرفهم في جواباتهم المسكتة وتصرفاتهم الحكيمة وتخلصاتهم اللبقة، مما يدل على حضور الذهن، وسرعة البديهة وشدة العارضة.

стр. 148

- وقصص تُعرب عما يقع بين العامة والملوك، والقواد والرؤساء والقضاة ومن إليهم من كل ذي صلة بالحكم والحكام، مما يتناول حيلهم في المنازعات والخصومات، ويوضح طرائقهم في رفع الظلمات، ورجع الحقوق وما يجري هذا المجرى. - وقصص تصور احتفاظهم بأنسابهم، واعتزازهم بقبائلهم، وتمجيدهم للأسلاف، وتعديدهم ما تركوا من مآثر، وما أدى إليه ذلك من مفاخر ومنافرات. - وقصَصٍ تنقل ما كانوا يتفكهون به من أسمار ومطايبات، ومناقضات وأفاكيه، مما نال به المحدثون والندماء ثني الجوائز والخلع من الخلفاء والوزراء، وما ارتفعت به مكانتهم عند السادة والوجوه في المجتمعات والمنتديات. - وقصص تؤرخ مذكور أيامهم، وتفصل مشهور وقائعهم، ومقتل كبائرهم، وتصف الحروب والمنازعات التي كانت تدور بين قبائلهم، أخذًا بالثأر، وحماية للذمار. - وقصص تحكي ما كان للجند من أحداث، وأحاديث في الغارات والغزوات، والفتوح مصورة نفسيتهم وأحمالهم، وواصفة تطوراتهم العقلية والخلقية بنشأة الدولة العربية، وانفساح رقعتها، مفصلة عددهم وآلاتهم، وأسلحتهم في حياتهم الجديدة. على أن النهضة الأدبية الحديثة قد أدخلت على القصص العربي أشياء جديدة لم يكن لها وجود فيما خلفه لنا العرب القدماء في حدود ما نعلم، ومن تلك الأشياء رواية القصة على لسان عدة أشخاص من أبطالها كل يراها من زاويته، ويفسر ما

стр. 149

يراه تفسيرًا يختلف كثيرًا أو قليلًا عن تفسير الرواة الآخرين، وهذا الشكل الفني أساسه فكرة النسبية التي أفرزها العصر الذي نعيش فيه. ومن ذلك أيضًا "تيار الوعي" وهو أحد مظاهر التأثر بالدراسات النفسية، ومن هذا الجديد كذلك المزج بين القصة والمسرحية، هذا المزج الذي تمثل في "بنك القلق" لتوفيق الحكيم وسماه صاحبه "مسرواية" وإن لم ينتشر كما كان يرجى له. وهناك أيضًا النّقد القصصي، والتأريخ للروايات والقصة القصيرة والترجمة لأعلامهما، وهو أمر لم يعرفه الأدب العربي القديم، إذ كان النقد آنذاك منصبًّا على الشعر بالدرجة الأولى ثم الخطابة، والرسائل الديوانية بعد ذلك، وها هو ذا مثلًا كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، و (الصناعتين) لأبي هلال العسكري، وكتاب (نقد النثر) المنسوب لقدامة بن جعفر، و (المثل السائر) لابن الأثير، فلنقلب فيها كما نحب، فلم نجد أي كلامًا في النقد القصصي. أما الآن فالدراسات النقدية والتاريخية التي تدور حول فن القصة، وأعلامه، واتج اهاته وأشكاله، قد بلغت من الكثرة والتنوع مدى بعيدًا، وهذا من شأنه أن يساعد أدباء القصة على التجويد والتطوير المستمر، ولا شك أننا مدينون في هذا المجال للنقد القصصي الغربي الذي قرأناه في لغاته الأصلية أو المترجمة، وهذا النقد يرجع في أساسه إلى ما كتبه أرسطو على المسرحية، والملحمة حسبما مر. أما كُتب النقد والأدب والتراجم التراثية المعروفة، فالموجود فيها كلام انطباعي أو نقد لغوي بلاغي ليس أكثر، كما أن كلمات الحكاية والقصة والرواية لا تستخدم فيها إلا بالمعنى اللغوي العادي كما في قولنا: شرح فلان القصة، أو حكى الحكاية، أو هكذا كانت روايته للكلام، بمعنى الخبر ليس إلا، ولا تستخدم كمصطلح أدبي.

стр. 150

وحتى العصر الحديث كانت تكتب إبداعات الفن القصصي العربي كلها بالفصحى كما الحال في الشعر بوجه عام، إلا أن الحال قد تبدل في العصر الحديث كما شرحنا آنفًا، فوجدنا من يكتبون الحوار في القصص والمسرحيات باللهجات العامية بشبهة أن هذا مما تتطلبه الواقعية، كما تناولت القصص كل موضوعات الحياة؛ فلم تترك موضوعًا لم تطرقه، وكان الغالب على لغتها التحوط في اللفظ، فلا بذاءة ولا عري إلا في نطاق ضيق كما هو الحال في بعض قصص ألف ليلة وليلة مثلًا. كذلك كان الإسلام حاضرًا في كل وقت جهارًا أو بين السطور، بحيث لا يوجد شيء من الخروج على مقتضيات الإيمان في أي عمل قصصي؛ مهما كانت جرأة كاتبه، ويرتبط بهذا ما يحسه قارئ هذه الإبداعات من أن اعتزاز المبدعين بالدين والأمة التي تنتسب إلى هذا الدين هو شعور موجود على الدوام صراحة أو ضمنًا. وكما كان البعد عن الغموض والاستغلاق ديدن الشعراء، فكذلك كان الأمر مع القصاصين حتى لو كان قصصهم رمزيًّا، مثلما هو الشأن في رسالة "حي بن يقظان" لابن الطفيل وابن سينا والسهروردي على سبيل التمثيل، إلا أن هذه السمات شرعت تتخلخل في العصر الحديث وبخاصة في الفترة الأخيرة، حيث تلفت النظر ظاهرة الأدباء اللذين يصدمون الأمة بكتاباتهم في عقائدها، وفيما تعتز به من نظام أخلاقي استمدته من قيم الإسلام، ومبادئه الطاهرة النبيلة. هذا عن الشعر والقصة وهو ما ينطبق في خطوط عامة على الخطابة والرسائل الديوانية، وكتب الرحلات وغيرها.

стр. 151

خصائص الأدب العربي لا بد من التذكير بأن الأدب العربي القديم لم يكن يعرف فن المسرح، كما أخذناه فيما بعد عن الغرب، وإن كان هناك "طيف الخيال" مثلًا لابن دانيال الموصل، وهو فن تمثيلي يقوم بأدوار الأشخاص في صور من الورق المقوى أو الجلد يحركها المخايل كما هو معروف، وبالمثل لم يعرف الأدب العربي القديم فن الملاحم بالمقاييس الغربية طبقًا لما هو موجود في الإلياذة والأوديسة، اللهم إلا إذا وسعنا مفهوم الملحمة، ولم نشترط أن تكون منظومة أو تحتوي على آلهة وثنية مثلًا، فعندئذٍ يمكن أن نقول إن لدينا سيرة عنترة وذات الهمة، والظاهر بيبرس، وسيف بن ذي يزن وما إليها. كذلك من خصائص الأدب العربي اتساع المساحة المكانية والزمانية التي يشغلها، إذ يمتد منذ العصر الجاهلي الذي لا ندري بالضبط أوله، وإن كان العرف قد جرى على تحديده بنحو مائتي عام طبقًا للنصوص التي وصلتنا عنه، حتى العصر الحديث، وإلى ما شاء الله، كما امتد لعدة قرون من أواسط آسيا إلى شواطئ أفريقيا على المحيط الأطلسي، ثم تقلصت تلك المساحة المكانية بعد ذلك لتقتصر على ما يسمى الآن بالعالم العربي. وكانت اللغة العربية التي نعرفها اليوم عي لغة ذلك الأدب طوال هاتيك القرون المتطاولة، لم تتغير قواعدها في قليل أو قصير، وإن زاد معجمها بطبيعة الحال تبعًا للمخترعات والمستجدات الحضارية والثقافية، وهو أدب تعاون في إبداعه أدباء من بلاد وشعوب شتى تظللهم جميعًا راية الإسلام.

стр. 152

وفوق ذلك امتاز هذا الأدب بالغنى بحيث لم يترك شيئًا في الحياة أو في النفس البشرية إلا تناوله، ووضعه تحت المجهر؛ ليشرحه بكل حرية وجسارة، ولو نظرنا على سبيل المثال في كتب الرحلات، وما سجله مؤلفوها من مشاهدات وخبرات في أسفارهم وتنقلاتهم، سواء داخل بلاد المسلمين أو في بلاد الكفار، لعرفنا إلى أي مدى كانت هذه الحرية وتلك الجسارة، فضلًا عن الموضوعية الشديدة التي كانوا يلتزمونها في نطاق عصرهم وظروفهم. كذلك يُؤكد الأستاذ "أنور الجندي" ﵀ أن الأدب العربي القديم كان ملتزمًا الصراط المستقيم منذ أشرقت شمس الإسلام، ثم انحرف الشعر إلى الخمريات، والغزل المكشوف والغلمانيات، بتأثير الشعراء الفرس اللذين تأثروا بالمجوسية من أمثال بشار وأبي نواس، مثلما انحرف النثر إلى الأسجاع والمحسنات البديعية والمقامات، وهذا الكلام موجود في كتابه (خصائص الأدب العربي). ونحن نشكر للأستاذ الجندي غيرته على الأدب العربي، وحرصته على استقامة سبيله، بيد أننا لا نشاركه في تصوير العرب كأنهم ملائكة مبرءون من العيوب لولا الفرس الأشرار الذين أغروهم بالشر والفساد، ذلك أن العرب هم بشر من البشر مثلهم مثل الفرس وغير الفرس، ولقد وقف العرب في وجه الإسلام طويلًا متمسكين بوثنيتهم لا يكفون عن الائتمار بالرسول وأتباعه، غير متورعين عن قتل من يستطيعون قتله من أصحابه، كما أنهم كانوا يعلون في الجاهلية من شأن الخمر والقمار، وتفشو فيهم العصبية القبلية اللعينة التي لم تفارقهم تمامًا بعد الإسلام كما هو معروف. كذلك كان هناك ابن أبي ربيعة في العصر الأموي، ومطاردته للنساء في الطواف حول الكعبة، وفي غير ذلك من مشاعر الحج المقدسة حين لم يكن ثم نفوذ أو

стр. 153

تأثير للفرس، وحتى عندما أصبح الفرس ذوي نفوذ وتأثير في العصر العباسي؛ فإن هذا لا يعفي العرب من المؤاخذة، فهم ليس سذجًا أغرارًا ولا هم معتقون من الحساب كسائر البشر. ثم إنه ليس ثمة دليل على أن بشار بن برد أو أبا نواس كان مجوثيًّا، بل هما -إلى أن يثبت العكس- كانا مسلمين يؤمنان بالله والرسول والقرآن، وإن لم تتطابق تصرفاتهما وقيم الإسلام في كل الأحوال، أي أنها في أسوأ الاحتمالات من المسلمين العصاة. ولقد درست شخصية بشار وشعره منذ وقت طويل في كتاب كبير، فوجدت الرجل مسلمًا مثل أي مسلم آخر، وإن أخذت عليه سفاهته في بعض العبارات، وانحرافه في بعض المواقف والتصرفات، ومن منا يبرأ من العيوب في كل الأحوال! ومع هذا فأنا لا أنكر مثلًا أن أبا نواس هو زعيم الشذوذ الجنسي في الأدب العربي، إلا أن هذا لا يعفي الشعراء العرب الذين جروا في ركابه، واقتفوا سنته الكريهة، كما لا أنكر أن بشارًا هو صاحب الرائية الفاجرة التي نظمها في التفاخر بخداع فتاة صغيرة، والشماتة بما سببه لها من فضيحة والسخرية منها ومن وقوعها في حبائله. أما الشعر الخمري فيرجِعُ إلى الجاهلية إذ كان العرب من المغرمين بشرب الخمر غرامًا شديدًا، حتى لقد احتاج الأمر إلى أن يحرم الإسلام على مراحل ثلاث لا دفعة واحدة، وفي الإسلام أيام الفتوح على عهد عمر، وقبل أن يظهر الشعوبيون أو يكون للفرس تأثير أي تأثير، كان هناك "أبو محجن الثقفي" المعروف

стр. 154

بإدمانه الخمر ومجاهرته بذلك، وهي المهاجرة التي أدت إلى أن يحبسه "سعد بن أبي وقاص" وهو القائل: إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي مشاشي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها لكن لا بد أن نردف هذا بأنه ﵀ قد تاب وأناب وصلح حاله، وأخذ يجاهد في سبيل الله، لكن أبا نواس هو أيضًا قد تاب وابتهل إلى الله أن يغفر له ويرحمه ويتجاوز عن زلاته. وقبل العصر العباسي والشعوبيين لدينا "الوليد بن يزيد" الخليفة الأموي، وكان على ما تصوره الروايات وما ينسب إليه من أشعار متهتكًا متهالكًا على الخمر، ينظم فيها الأشعار التي لا يبالي فيها بحرمة أو حياء. وقد قام المرحوم الجندي في كتابه المذكور آنفًا بحملة على استخدام الأدباء العرب للسجع والمحسنات البديعية؛ لكني لا أدري لهذه الحملة وجهًا؛ إذ أن استخدام السجع مسألة فنية ترجع إلى طبيعة اللغة العربية المعروفة بغنى معجمها، وموسيقية ألفاظها وتراكيبها، مما لا وجود له بهذه الدرجة فيما نعرفه من اللغات الأخرى. ورغم أن الأدب العربي في العصور المختلفة قد جنح إلى الإسراف في تلك النزعة، حتى لقد غطى الاهتمام بتلك المحسنات على الاهتمام بالفكرة والشعور؛ فإن عصور القوة قد شهدت أدباء فحولًا كانوا يستخدمون السجع وغيره من الزخارف الأسلوبية استخدامًا عبقريًّا يبرز ما يريدون التعبير عنه من معان وأحاسيس على أبهى ما يكون، ومن هؤلاء الهمذاني والحريري صاحبا المقامات المعروفات.

стр. 155

إذ إنّ تِلك المقامات شاهد قوي على عبقريتهما في تصريف اللغة، وإبداع القصص على أحسن ما يُرام، ولقد قرأنا وقرأ كثير من كبار النقاد والأدباء في العصر الحديث تلك المقامات، فألفيناها بدعًا لا يجارى ولا يمارى، والهمذاني والحريري بالمناسبة عربيان صميمان، كذلك فليس الشعوبيون هم الذين اختطوا أسلوب الأسجاع والزخارف البديعية، وإلا فهل كان أبو تمام وابن زيدون من الشعوبيين؟! لقد كان كلاهما مغرمًا بالسجع والمحسنات، وكان كلاهما عربيًّا وسابقًا على ابن العميد وابن عباد الذين عزا إليهما الأستاذ الجندي "كبر أزمة السجع" كما سماها. بل لقد كان السجع المتكلف المتساخف هو ديدن الكهان العرب في العصر الجاهلي قبل أن يكون ثم فرس وشعوبيون، فما القول في ذلك؟. كذلك لا نستطيع مجاراة الأستاذ الجندي في رفضه تقسيم الأدب العربي على أساس زمني، فنقول: الأدب الجاهلي، والأدب الإسلامي، والأدب الأموي، والأدب العباسي والمملوكي، والعثماني، والأدب الحديث، ذلك أن مثل هذا التقسيم من شأنه تسهيل دراسة الأدب حتى لا يضيع الدارس في خضم الهادر دون صون تحدد له المسارات والطرق، كما أن كل عصر من تلك العصور يتسم بخصائص في الموضوعات، وفي الأساليب وغيرها تميزه عن سواه من العصور الأخرى. وإن كانت هناك في ذات الوقت سمات مشتركة بين تلك العصور أو بين بعضها فقط، فضلًا عن وجوب التنبه إلى أن تلك الخصائص الفارقة لا تبرز بين عشية وضحاها، بل تتشكل وتتبلور قليلًا قليلًا ثم لا تختفي مباشرة مع اختفاء العصر الذي تبلورت فيه بل يأخذ اختفاؤها وقتًا، لقد وصم ﵀ هذا

стр. 156

التقسيم بأنه تقسيم أجنبي ظالم، ولست أدري موقع الظلم في تلك المسألة الاعتبارية التي لا تمنع أحدًا من تقسيم الأدب العربي على أساس آخر يرتضيه. ولقد وجدنا ابن سلام وابن قتيبة في كتابيهما الرائدين في التأريخ للأدب، يصنفان الشعراء ضمن اعتبارات أخرى على أساس الزمن، أي أن التقسيم الزمني ليس وارد الغرب كما قد يُظن، وبالمناسبة فمثل هذا التقسيم لا يراعى في الأدب وحده بل في التأريخ لعلم التفسير والحديث والفقه، والفلسفة أيضًا، ولم يقل أحدٌ أنه تقسيم أجنبي ظالم. ثم إنه ليس كل شيء أجنبي سيئًا بالضرورة، والحكمة ضالة المؤمن يأخذه أن وجدها، فالغربيون بشر لهم حسناتهم مثلما لهم سيئاتهم، أقول هذا رغم أني أقف في طريق كثير مما ينقله الببغاوات العرب من الغرب عن غفلة أو عن رغبة في الإدراك، داعيًا إلى أن ننظر أولًا في الوارد عن الغربيين؛ فإنْ كان نافعًا أخذناه وانتفعنا به وذكرنا فضلهم في ذلك، وإلا رفضناه وحذرنا منه، ووقفنا في وجهه. لكننا مع الأستاذ الجندي في الوقوف بقوة في وجه التيار الإباحي في الأدب العربي الحديث، الذي ينطلق من مفاهيم غربية لا تتناسب والإسلام الذي ندين به، ولا نرضى به بديلًا، إن هنالك كتابًا وكاتبات من العرب يعملون في مؤلفاتهم على إشعال الشهوات بحجة أنهم يمارسون حرية التعبير. بل إنّ مِنْهُم من يتوغل في هذا الاتجاه إلى درجة لا تصدق ولا تطاق، وبعض الكاتبات العربيات الآن يكتبن عن تجاربهن الجنسية بعري مقزز، غير متحرجات من وصف أي شيء، ولا استعمال أي لفظ مهما تكن شناعة هذا أو ذاك. والحجة التي يستند إليها هؤلاء الكتاب والكاتبات هي أن الجسد ملك شخصي لصاحبه يصنع به ما يشاء، وإن حرية الشبان والشابات العرب تبدأ بحريتهم

стр. 157

الجنسية، وتمردهم على الأعراف والتقاليد والقيم الخلقية والدينية، وإلا كانوا متخلفين عن العصر، وهم في هذا إنما يمشون على خطى الغربيين كحذوك النعل بالنعل. وإذا ما وجه أحد إليهم نقدًا على أساس أن هذا يناقد الخلق والدين، كان جوابهم: أنه لا دخل للدين ولا للأخلاق في الإبداعات الأدبية، والواقع أنهم يقولون هذا لا لأن الأدب لا ينبغي أن يخضع لشيء من خارجه كما يزعمون، بل لأنهم يتبنون قيمًا غير القيم التي نتمسك نحن بها، إنها قيم الانحلال، والسعار الجنسي. وما من أدب في الدنيا إلا وهو يعكس ثقافة صاحبه، وفكره وقيمه الخلقية والدينية أو الإلحادية لا مشاحة في هذا، ولا مناص منه، فالأديب لا يأتي بمضامين كتاباته من الهواء بل من داخل نفسه التي بين جنبيه، فهي مستودع العقائد، والنزعات، والتوجهات الخلقية والفكرية. ونحن مع المرحوم أنور الجندي أيضًا في استنكاره الشديد للمحاولات التي يبذلها بعض الكتاب لإحلال العامية محل الفصحى في كتابة الحوار القصصي والمسرحي، وإن زاد بعضهم في الطنبور نغمة، فنادوا بأن تشغل العامية موضع الفصحى في كل مجالات الكتابة، إن هؤلاء إنما يتغيون ما يتغياه أولئك المستشرقون الذين كانوا ينادون بنبذ الفصحى، واصطناع العامية بدلا منها كي نتقدم، ونساير العصر وترتقي العلوم في بلاد العرب. مع أن العامية في كل مكان هي مجرد لهجة للاستعمال اليومي ليس غير، فهي من ثم فقيرة فقرًا شنيعًا بحيث لا تستطيع أن تؤدي شيئًا من العلوم والآداب التي نعرفها، اللهم إلا الأزجال، ومعروف أن هذه الدعوة إنما تقصد ضرب الوحدة

стр. 158

العربية في الصميم، لأنه إذا ما تفرقت الشعوب العربية لغويًّا، وأمسى لكل شعب لغته الخاصة به التي لا يفهمها شعب عربي آخر كان ذلك أول مسمار يندق في نعش العروبة، التي هي محور الإسلام ومادته الصلبة. وحينئذ سرعان ما ينهار عمود الإسلام -أو على أقل تقدير- يتحلحل ولا يثبت على حاله، ولسوف تقوم حينئذ حواجز سميكة من اللغة بيننا، وبين تراثنا وقرآننا وأحاديث نبينا، فنضطر إلى ترجمتها بما يجر ذلك من تغيير في النص المترجم كل حين كما هو الحال مع الكتاب المقدس الذي لا يثبت على حال أبدًا. ونحن مع أنور الجندي كذلك في وجوب الاهتمام بكتابات ابن حزم والغزالي، وابن خلدون، وابن تيمية، وأمثالهم بوصفها إبداعات أدبية مثلما هي إبداعات فكرية، بل إن كتابات هؤلاء وأمثالهم لتفوق في الجمال والعمق والروعة الفكرية، والأسلوبية كثيرًا من النصوص النثرية التي درجنا على دراستها في كتب الأدب، وحصصه، ومحاضراته. ولكن لا بد أن نضيف ما هو معلوم من أن قدماء نقادنا هم الذين استنوا سنة استبعاد أمثال الغزالي وابن خلدون من دائرة اهتمامهم، مركزين على ما يسمي بـ"النثر الفني" وهو النثر المنحصر في الرسائل الديوانية، وما إليها. ذلك أن كلام الجندي يفهم منه أن هذه ثمرة من ثمار تقليد المستشرقين في دراستهم للأدب العربي، وهذا غير صحيح في حدود علمي، فالمستشرقون عادة ما يوسعون دائرة الأدب بحيث تشمل أمثال أولئك الكتاب الذين ذكرنا أسماءهم آنفًا، إذ الأدب في الغرب لا يقتصر على النثر الفني كما نعرفه، بل يشمل كل كتابة تتسم بجمال التعبير، ودفئه أيًّا كان موضوعها حتى ولو كان تاريخًا أو جغرافية أو فلسفة. بل كثيرًا ما يقصد بهذا المصطلح هناك كل ألوان الكتابة بإطلاق، وقد درج الكتاب في العقود الأخيرة عندنا على ترجمة هذه الكلمة بمعناها الأخير إلى "أدبيات"، فيقولون: الأدبيات السياسية، والأدبيات القانونية وهلم جرة.

стр. 159

أما أنا فأوثر ببساطة أن أترجمها إلى "كتابة أو كتابات" فنقول: الكتابة أو الكتابات السياسية أو القانونية، وتشرح مادة " Litrature" في الموسوعة البريطانية الأمر بما لا يخرج عما قلناه، وتزيد الموسوعة اليونيفرسالية الفرنسية المسألة إيضاحًا. وعلى نفس المنوال أجدني مع المرحوم الجندي أيضًا في وجوب الاعتزاز بديننا، والمحافظة عليه في كل كتاباتنا وتفكيرنا، لا على أساس إلغاء عقولنا وترديد ما هو موجود في القرآن والسنة دون تفكير، بل على أساس اقتناعنا التام به، وتحققنا أنه من عند الله، ومن ثم فلا مكان عندنا لمن يشككون في القرآن أو في ثوابت الإسلام، ولا لمن ينادون باطراح الدين خلف ظهورنا حين نستقبل البحث الأدبي. وكأن الدين الذي أتى به المصطفى ﵇ ضد البحث العلمي، وهو ما فعله للأسف "طه حسين" حين عاد وهو شاب من أوربا مغترًا بالقليل الذي حصله هناك، فألف كتابه في (الشعر الجاهلي) في عجلة وتسرع دون أن يمحص ما سجله فيه، مما أظهر العلماء الأثبات رعونته، وسطحيته وفساده، وتناقضه مع نفسه، ومع وقائع التاريخ، وشواهد النصوص على السواء. كذلك لا مكان في نفس المسلم الحق للشكوك، ومشاعر اليأس المظلم والإحباط الدائم، والقلق المستمر دون سبب، تلك الشكوك والمشاعر التي تغذيها الفلسفات الوجودية والاعتقادات الإلحادية، ويعتنقها بعض الببغاوات في بلاد العرب والمسلمين عن غير اقتناع، بل عن تقليد، وتصور خاطئ بأن هذا هو ما ينبغي على المثقف العصري أن يعتقده، ما دامت هذه البضاعة قد أتتنا من الغرب. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 160

الدرس: ٧ تأثير المقامات في الأدب الأوربي .

стр. 161

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (تأثير المقامات في الأدب الأوربي) تعريف المقامة وتاريخ نشأتها وآراء نقاد الأدب فيها تأثير المقامات في الأدب الأوربي: ينفي الدكتور شوقي ضيف عن المقامة أن تكون قصة قائلًا: "إنها -وإن اشتملت على بعض العناصر القصصية كالحوار والمضمون، وتصوير عناصر الشر والفساد للمجتمع- تفتقر عادة إلى الحبكة، إذ إن بديع الزمان لم يضع في اعتباره أنه يؤلف قصة، بل قصد أن يضع تحت أعين تلاميذه مجاميع من أساليب اللغة العربية المنمقة، كي يقتدر على صناعتها، ويتفوق في كتابتهم الأدبية، ووضع ذلك في صورة قصصية تنحو نحو بلاغة اللفظ، وحب اللغة لذاتها؛ فالقصص فيها ليس أساسًا، وإنما الأساس العرض الخارجي والحلية اللفظية". وهذا كلام غريب مجاف للحقيقة، ذلك أن المقامة يتحقق فيها الجانبان معًا، وعلى أحسن وضع في معظم الحالات، الجانب القصصي، وجانب الزخرف الأسلوبي، ونحن حين نقرأ المقامات الهمذانية مثلًا، نشعر بروعة الأمرين جميعًا، ونقرأ ما كتب الهمذاني في شغف وترقب ونشوة؛ نشوة فنية، ونشوة لغوية في ذات الوقت، وإن كانت النشوة الفنية أقوى وأبرز بما يدل على أن المقامة هي عمل قصصي بالدرجة الأولى، وأن الزخرف البديعي الذي يوشيها، ويغشيها قد زادها فرادة وروعة، إذ كان من شأنه لو لم يكن صاحبها أديبا قصاصا متمكنًا في فن القصص على أرسخ ما يمكن تصوره أن يبوخ الأمر في يده، فتأتي المقامات فاترة متكلفة تكاد تختنق تحت أثقال البديع كما هو الحال في بعض الكتابات البديعية في عصور الأدب العربي المتأخرة.

стр. 162

ويؤكد الباحث الإسباني "إيكناثيو فيراندو" عن حق أن المقامات ليست قالب جميل بدون أي مضمون، كما أدعى بعض الباحثين في الماضي، وما يزالون في الوقت الحاضر، ولدينا قبل هذا بزمن طويل صلاح الدين الصفدي، وله شهادة مهمة في كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) يحسن إيرادها هنا، إذ تدل على أن النقاد القدماء أنفسهم كانوا ملتفتين بكل قوة إلى الجانب القصصي في المقامات، وما فيه من تشويق الحبكة، ومتعة الفكاهة؛ حتى ليقبل الفرنج بكل شوق على قراءتها، وهو ما يدل على أن الأمر فيها أمر إنما هو أمر فن قصصي لا أمر لغة وبديع وبلاغة؛ لأن مثل تلك الأشياء لا تظهر في الترجمة كما هو معروف. قال الصفدي في (تقويم مقامات الحريري): "ويُحكى أنّ الفِرنج يقرءونها على ملوكهم بلسانهم، ويُصَوّرونها، ويتنادمون بحكايتها، وما ذاك إلا لأن هذا الكتاب أحد مظاهره تلك الحكايات المضحكة، والوقائع التي إذا شرع الإنسان في الوقوف عليها تطلعت نفسه إلى ما تنتهي إليه، وتشوقت نفسه إلى الوقوف على آخر تلك القصة، هذا إلى ما فيها من الحكم والأمثال التي تشاكل كتاب (كليلة ودمنة)، وإلى ما فيها من أنواع الأدب، وفنونه المختلفة وأساليبه المتنوعة. وإننا لنتساءل: كيف عرف الدكتور شوقي ضيف ﵀ أن الهمذاني أو الحريري إنما ألفا مقامته لتعليم الناشئة أساليب البلاغة اللغوية لا ليبدعا فنًّا قصصيًّا يشوق، ويمتع بما فيه من سرد وحوار، ووصف، وحبكة، هل قال أي منهما ذلك، ونفى عن نفسه أن يكون هدفه كتابة شيء قصصي؟ وحتى لو كتب هذا هل يمنع ما كتبه ما نراه أمامنا بأم أعيننا، من واقع لا يمكن أن تخطئه العين،

стр. 163

يقول بأبلغ لسان وأقوى بيان: "إن كثيرًا من المقامات هي أعمال قصصية بالدرجة الأولى. ثم يأتي البديعُ فيزيدُها جمالًا فوق جمال، فليقل الأديب ما يشاء حول ما يكتب ويؤلف، فالعبرة بالمكتوب لا بالمزعوم، ومع ذلك فالهمذاني والحريري لم يقل أيهما بشأن مقامته شيئًا ينفي عنها أن تكون من الفن القصصي في صميم الصميم؛ فأنا لنا إذًا أن نتبرع دون أي سبب بنفي الهوية القصصية عنها. والواقِعُ أنّ جَميعَ العَناصر القصصية؛ من سرد، ووصف، وحوار، وحبكة، متوفرة تمامًا في كثير من مقاماتهما بالإضافة للأسلوب البديعي الذي يدل على أن كل منهما أديب من طراز سامق. إذ لم تشغله البديعيات هنيهة عن إتقان فنه القصصي، ولا جارت عليه، بل زادته رونقًا على رونق، وأضافت إلى روعة إبداعه روعات، وأين هذا من بعض كُتاب القصة الحاليين عندنا، مِمّن يُعَانون من فقر المعجم، وركاكة الأسلوب، والجهل بقواعد النحو والصرف. صحيح أن الذوق الأدبي قد تغير الآن بين جماهير القراء، بيد أن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى الافتئات على ذلك الفن، وأصحابه الذين كانوا في إبداعهم أبناء عصرهم الأوفياء، وقد بهر عدد من مشاهير النقاد العربي في العصر الحديث بكثير من نماذج هذا الفن عند الهمذاني، وما فيه من عناصر قصصية جعلته يصمد للمقارنة مع أية قصة قصيرة حديثة؛ فكتبوا عنها في إعجاب ووله وعلى رأسهم: الدكتور شكري عياد، والدكتور علي الراعي.

стр. 164

المقامة المضيرية، كمثال من المقامات ولكي لا يكون الكلام نظريًّا لا علاقة له بالواقع، ها أنذا أسوق إحدى مقامات الهمذاني، وهي المقامة المضيرية؛ حتى يلمس الدارس بنفسه مدى صحة ما قلناه عن الفن القصصي، وتحققه على أحسن ما يرام في هذا الشكل الأدبي على يد الهمذاني، ولسوف يرى الدارس عجبًا من الأمر، إذ إن هذه المقامة تخلو من التقعر اللغوي تمامًا، وليس فيها شيء مما يفد على الذهن حين نشير للأساليب البلاغية، وإن كان السجع والجناس متوفرين لا يغيبان: " حدثنا عيسى بن هشام، قال: كنت بالبصرة، ومعي أبو الفتح الإسكندري، رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه، والبلاغة يأمرها فتطيعه، وحضرنا معه دعوة بعض التجار؛ فقدمت إلينا مضيرة تثني على الحضارة، وتترجرج في الغضارة، وتؤذن بالسلامة، وتشهد لمعاوية ﵀ بالإمامة، في قصعة يزل عنها الطرف، ويموج فيها الظرف، فلما أخذت من الخوان مكانها، ومن القلوب أوطانها؛ قام أبو الفتح الإسكندري يلعنها وصاحبها، ويمقتها وآكلها، ويثلبها وطابخها. وظنناه يمزح، فإذا الأمر بالضد، وإذا المزاح عين الجد، وتنحى عن الخوان، وترك مساعدة الإخوان ورفعناها، فارتفعت معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلبت لها الأفواه، وتلمظت لها الشفاه، واتقدت لها الأكباد، ومضى في إثرها الفؤاد، ولكنا ساعدناه على هجرها، وسألناه عن أمرها؛ فقال: قصتي معها أطول من مصيبتي فيها، ولو حدثتكم بها لم آمن الوقت وإضاعة الوقت.

стр. 165

قلنا: هاتِ، قال: دعاني بعض التجار إلى مضيرة، وأنا ببغداد، ولزمني ملازمة الغريم والكلب لأصحاب الرقيم، إلى أن أجبته إليها، وقمنا فجعل طول الطريق يثني على زوجته، ويُفَدّيها بمهجته، ويصف حذقها في صنعتها، وتأنقها في طبخها، ويقول: يا مولاي، لو رأيتها والخرقة في وسطها، وهي تدور في الدور، من التنور إلى القدور، ومن القدور إلى التنور، تنفث بفيها النار، وتدق بيديها الأبزار، ولو رأيت الدخان، وقد غبر في ذلك الوجه الجميل، وأثر في ذلك الخد الصقيل، لرأيتَ منظرًا تحار فيه العيون، وأنا أعشقها؛ لأنها تعشقني، ومن سعادة المرء أن يرزق المساعدة من حليلته، وأن يسعد بظعينته، ولا سيما إذ كانت من طينته. وهي ابنه عمي لحى طينتها طينتي، ومدينتها مدينتي، وعمومتها عمومتي، وأرومتها أرومتي؛ لكنها أوسع مني خُلقًا، وأحسن خَلقًا، وصدعني بصفات زوجته، حتى انتهينا إلى محلته. ثم قال: يا مولاي، ترى هذه المحلة! هي أشرف محال بغداد، يتنافس الأخيار في نزولها، ويتغايرُ الكبار في حلولها، ثم لا يسكنها غير التجار، وإنما المرء بالجار، وداري في السطة من قلادتها، والنقطة من دائرتها، كم تقدر يا مولاي أنفق على ك ل دار منها؟ قله تخمينًا إن لم تعرفه يقينًا، قلت: الكثير، قال: يا سبحان الله! ما أكبر هذا الغلط، تقول الكثير فقط، وتنفس الصعداء، وقال: سبحان من يعلم الأشياء. وانتهينا إلى باب داره، فقال: هذه داري، كم تقدر يا مولاي أنفقت على هذه الطاقة؟ أنفقت والله عليها فوق الطاقة، ووراء الفاقة، كيف ترى صنعتها وشكلها؟ أرأيت بالله مثلها؟ انظر لدقائق الصناعة فيها، وتأمل حسن تعريجها،

стр. 166

فكأنما خط بالبركار، وانظر إلى حذق النجار في صنعة هذا الباب، اتخذه من كم؟ قل: ومن أين أعلم؟ هو ساج في قطعة واحدة، لا مأرود ولا عفن، إذا حرك أن، وإذا نقر طن، من اتخذه يا سيدي؟ اتخذه أبو إسحاق بن محمد البصري، وهو والله رجل نظيف الأثواب، بصير بصنعة الأبواب، خفيف اليد في العمل؛ لله در ذلك الرجل، بحياتي لا استعنت إلا به إلا على مثله. وهذه الحلقة؛ تراها اشتريتها في سوق الطرائف، من عمران الطرائفي بثلاثة دنانير معزية، وكم فيها يا سيدي من الشبه؟ فيها ستة أرطال، وهي تدور بلولب في الباب، بالله دورها ثم أنقرها وأبصرها، وبحياتي عليك إذا اشتريت الحلق إلا منه؛ فليس يبيع إلا الأعلاق، ثم قرع الباب، ودخلنا الدهليز، وقال: عَمّرك الله يا دار، ولا خربك يا جدار؛ فما أمتن حيطانك، وأوثق بنيانك، وأقوى أساسك، تأمل بالله معارجها، وتبين دواخلها وخوارجها، وسلني كيف حصلتها؟ وكم من حيلة احتلتها حتى عقدتها؟. كان لي جار يكنى أبا سليمان، يسكن هذه المحلة، وله من المال ما لا يسعه الخزنة، ومن الصامت ما لا يحصره الوزن، مات ﵀ وخلف خلفًا أتلفه بين الخمر والزمر، ومزقه بين النرد والقمر، وأشفقتُ أن يسوقه قائد الاضطرار، إلى بيع الدار؛ فيبيعها في أثناء الضجر أو يجعلها عرضة للخطر، ثم أراها، وقد فاتني شراها، فأتقطع عليها حسرات إلى يوم الممات؛ فعمدت إلى أثواب لا تمد تجارتها، فحملتها إليه، وعرضتها عليه، وساومته على أن يشتريها نسية، والمُدبر يحسب النسية عطية، والمتخلف يعتدها هدية، وسألته وثيقة بأصل المال؛ ففعل وعقدها لي ثم تغافلت عن اقتضائه، حتى كادت حاشية حاله ترق، فأتيته فاقتضيته، واستمهلني فأنظرته، والتمس غيرها من الثياب فأحضرته.

стр. 167

وسألته أن يجعل داره رهينة لدي، ووثيقة في يدي؛ ففعل ثم درجته بالمعاملات إلى بيعها؛ حتى حصلت لي بجد صاعد، وبخت مساعد، وقوة ساعد، ورب ساع لقاعد، وأنا بحمد الله مشدود، وفي مثل هذه الأحوال محمود. وحسبك يا مولاي أني كنت منذ ليالٍ نائم في البيت مع من فيه، إذ قرع علينا الباب، فقلت: من الطارق المنتاب؛ فإذا امرأة معها عقد لآل في جلدة ماء ورقة آل، تعرضه للبيع فأخذته منها إخذة خلس، واشتريته بثمن بخس، وسيكون له نفع ظاهر، وربح وافر بعون الله تعالى ودولته. وإنما حدثتك بهذا الحديث؛ لتعلم سعادة جدي في التجارة، والسعادة تنبت الماء من الحجارة، الله أكبر لا ينبيك أصدق من نفسك، ولا أقرب من أمسك. اشتريت هذا الحصير في المناداة، وقد أخرج من دور أهل الفرات، وقت المصادرات، وزمن الغارات، وكنتُ أطلب من مثله منذ زمن أطول فلا أجد، والدهر حُبْلَى ليسَ يُدرى ما يلد، ثم اتفقا أني حضرت باب الطاق، وهذا يعرض بالأسواق؛ فوزنت فيه كذا وكذا دينارًا، تأمل بالله دقته ودينه وصنعته ولونه، فهو عظيم القدر لا يقع مثله إلا في الندر، وإن كنت سمعت بأبي عمران الحصين فهو عمله، وله ابن يخلفه الآن في حانوته لا يوجد أعلاق الحصر إلا عنده؛ فبحياتي لا اشتريت الحصر إلا من دكانه، فالمؤمن ناصح لإخوانه لا سيما من تحرم بخوانه. ونعود إلى حديث المضيرة؛ فقد حان وقت الظهيرة: يا غلام، الطست والماء، فقلت: الله أكبر ربما قرب الفرج، وسهل المخرج، وتقدم الغلام، فقال: ترى هذا الغلام، إنه رومي الأصل عراقي النشء، تقدم يا غلام واحسر عن رأسك، وشمر عن ساقك، وامض عن ذراعك، وافتر عن أسنانك، وأقبل وأدبر، ففعل

стр. 168

الغلام ذلك وقال التاجر: بالله من اشتراه! اشتراه، والله أبو العباس من النخاس، ضع الطست وهات الإبريق؛ فوضعه الغلام وأخذه التاجر وقلبه، وأدار فيه النظر؛ ثم نقره فقال: انظر إلى هذا الشبه، كأنه جذوة لهب، أو قطعة من الذهب، شبه الشام وصنعة العراق، ليس من قلقان الأعلاق؛ قد عرف دور الملوك ودارها، تأمل حسنه، وس لني ماذا اشتريته؟ اشتريته والله عام المجاعة، وادخرته لهذه الساعة. يا غلام، الإبريق فقدمه وأخذه التاجر فقلبه ثم قال: وأنبوبه منه، لا يصلح هذا الإبريق إلا لهذا الطست، ولا يصلح هذا الطست إلا مع هذا الدست، ولا يحسن هذا الدست إلا في هذا البيت، ولا يجمل هذا البيت إلا مع هذا الضيف، أرسل الماء يا غلام فقد حان وقت الطعام. بالله ترى هذا الماء ما أصفاه أزرق كعين السنور، وصاف كقضيب البلور، استقي من الفرات، واستعمل بعد البيات؛ فجاء كلسان الشمعة في صفاء الدمعة، وليس الشأن في السقاء الشأن في الإناء، لا يدلك على نظافة أسبابه أصدق من نظافة شرابه. وهذا المنديل سلني عن قصته؛ فهو نسل جرجان، وعمل آل رجان، وقع إلي فاشتريته، فاتخذت امرأتي بعضه سراويلًا، واتخذت بعضه منديلًا، دخل في سراويلها عشرون ذراعًا، وانتزعت من يدها هذا القدر انتزاعًا، وأسلمته إلى المطرز حتى صنعه كما تراه وطرزه، ثم رددته من السوق وخزنته في الصندوق، وادخرته للظراف من الأضياف، لم تذله عرب العامة بأيديها، ولا النساء لمآقيها؛ فلكل علق يوم، ولكل آلة قوم.

стр. 169

يا غلام، الخوان فقد طال الزمان، والقصاع فقد طال المصاع، والطعام فقد كثر الكلام؛ فأتى الغلام بالخوان، وقلمه التاجر على المكان، ونقره بالبنان، وعجمه بالأسنان، وقال: عَمّر اللهُ بغداد فما أجود متاعها، وأظرف صناعها، تأمل بالله هذا الخوان، وانظر إلى عرض متنه، وخفة وزنه وصلابة عوده وحسن شكله، فقلت: هذا الشكل، فمتى الأكل؟ فقال: الآن عجل يا غلام الطعام، لكن الخوان قوائمه منه. قال أبو الفتح الإسكندري: فجاشت نفسي وقلت: قد بقي الخبز، وآلاته والخبز وصفاته، والحنطة من أين اشتريت أصلًا، وكيف اكترى لها حملًا، وفي أي رحًا طحن، وإجانت عجن، وأي تنور سجر، وخباز استأجر، وبقي الحطب من أين احتطب ومتى جلب، وكيف صفف حتى جفف، وحبس حتى يبس، وبَقي الخباز وأصله، والسميز ونعته، والدقيق ومدحه، والخمير وشرحه، والملح وملاحته، وبقيت السكرجات من اتخذها، وكيف انتقذها، ومن استعملها ومن عملها؟ والخل كيف انتقي عنبه؟ أو اشتري رطبه، وكيف صهرجت معصرته؟ واستخلص لبه، وكيف قير حبه؟ وكيف يساوي دنه؟ وبقي البقل كيف احتيل له حتى قطف؟ وفي أي مبقلة رصف؟ وكيف تؤنق حتى نظف. وبقيت المضيرة كيف اشتري لحمها؟ ووفي شحمها، ونصبت قدرها، وأججت نارها، ودقت أبزارها حتى أجيد طبخها، وعقد مرقها، وهذا خطب يطم وأمر لا يتم، فقمت فقال: أين تريد؟ قلت: حاجة أقضيها، فقال: يا مولاي، تريد كنيفًا يزري بربيعي الأمير، وخليفي الوزير، قد جصص أعلاه، وصهرج أسفله، وسطح سقفه، وفرشت بالمرمر أرضه، يزل عن حائطه الذر فلا يعلق، ويمضي على أرضه الذباب فينزلق، عليه باب غير أنه من خليط ساج وعاج، مزدوجين أحسن ازدواج، يتمنى الضيف أن يأكل فيه.

стр. 170

فقلت: كل أنت من هذا الجراب، لم يكن الكنيف في الحساب، وخرجت نحو الباب، وأسرعت في الذهاب، وجعلت أعدو وهو يتبعني ويصيح: يا أبا الفتح، المضيرة. وظن الصبيان أن المضيرة لقب لي، فصاحوا صياحًا فرميت أحدهم بحجر من فرط الضجر، فلقي رجل حجر بعمامته، فغاص في هامته؛ فأخذت من النعال بما قدم وحدث، ومن الصفع بما طاب وخبث، وحشرت إلى الحبس، فأقمت عامين في ذلك النحس، فنذرت ألا أكل مضيرة ما عشت؛ فهل أنا في هذا يا آل همذان ظالم؟! قال عيسى بن هشام: فقبلنا عذره، ونذرنا نذره، وقلنا: قديمًا قد جنت المضيرة على الأحرار، وقدمت الأراذل على الأخيار". وهَذه المقامة كما يرى القارئ هي قطعة برأسها، تُقرأ دفعة واحدة، ولا يستطيع القارئ أن يفلت من إرسالها، وتشويقها وسحرها، دون أن يتمها في هذه الدفعة الواحدة؛ إذ هي عمل محكم ليس فيه ثغرة، يمكن أن يتعلل بها المتعلل لأخذ نفسه، بل لا بد له أن يمضي حتى يفرغ منها في طلق واحد، وعندئذٍ وعندئذ، فقط يستطيع أن يتنفس. وعلى كل حال فقد عاد الدكتور شوقي ضيف، فقال: "إن المقامات عرفت منذ وقت مبكر خارج الأدب العربي؛ ففي الأدب الفارسي مثلًا: ألف القاضي حميد الدين أبو بكر بن عمر البلخي ثلاثة وعشرين مقامة على نسق مقامات الحريري، وأتمها سنة خمسمائة وإحدى وخمسين للهجرة وكذلك عرفت في الأوساط اليهودية، والمسيحية الشرقية؛ فترجموها، وصاغوها على مثالها باللغتين العبرية والسريانية.

стр. 171

أما في أوربا فقد عني المستشرقون بمقامات الحريري؛ فترجمت إلى اللاتينية، والألمانية، والإنجليزية، إلا أنه يؤكد أن تأثيرها كان محدودًا وبخاصة إذا قارنا بينها وبين ألف ليلة وليلة في هذا المجال، ذَلك أنّ المقامات -كما يقول- ليست القصة عمادها، بل عمادها الأسلوب، وما يحمل من زخارف السجع والبديع. ثم يقول: إننا مع ذلك يمكن أن نرى أثرها في بعض القصص الأسباني، الذي يصف لنا حياة المشردين والشحاذين، وإن لهذا القصص عندهم بطل يُسمى "بيكارون" يشبه من بعض الوجوه أبا الفتح الإسكندري في مقامات بديع الزمان، وأبا زيد السروجي في مقامات الحريري. وفيما يَخُصّ تقليد القاضي المذكور لمقامات الحريري ثمة كتاب للدكتور بديع محمد جمعة عنوانه (دراسات في الأدب المقارن) تناول في فصل منه هذا المسألة بشيء من التفصيل، وهو يبدأ بتعريف فن المقامة محاولًا الرجوع بهذا الفن العربي الأصيل إلى أول من ابتدعه من المؤلفين العرب. والمقامة في بداياتها الأولى فن أدبي يقوم عادة على حكاية من حكايات الشطارة والاستجداء، ذات بطل واحد ينتقل من مكان لمكان، ومن موقف إلى آخر؛ مغيرًا هيئته في كل مرة متخذًا الكدية وسيلة لكسب ما يقيم حياته، إلى أن تنتهي الحكاية بانكشاف حقيقة حاله، وافتضاح أساليب مكره وخداعه، التي يلجأ إليها لتحصيل مطعمه ومشربه، كل ذلك في لغة بديعية مفعمة بالفكاهة، والتهكم والحرص على متانة الأسلوب، وإظهار البراعة اللغوية المتمثلة في سعة المعجم اللفظي، وكثرة التسجيع، والجناس، والتوازن والتوريات، وغير ذلك من ألوان المحسنات المعقدة، ولزوم ما لا يلزم، مع حلاوة التصوير، وإبراز بعض الأوضاع الاجتماعية، وتدبير المآزق للبطل، ثم إخراجه منها بذكاء ولوذعية.

стр. 172

ثم تطور ذلك الفن، ودخله التحوير في الموضوعات والأهداف؛ فاتسع لكل شيء؛ حتى للوعظ الديني والتوجيهات الخلقية ... إلى آخره. وبلغ من اتساع انتشار المقامات، واهتمام الكتاب بها، أن أحصى بعض الدارسين عدد الذين مارسوا تأليفها؛ فوجدهم تجاوزوا الثمانين مؤلفًا بدءًا من بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري، وانتهاءً بنصيف اليازجي في القرن التاسع عشر الميلادي. أما في الأدب الفارسي؛ فلم يمارسها إلا أديب واحد هو القاضي حميد الدين، من أهل القرن السادس الهجري، الذي أقر بأنه ليس إلا تلميذًا من تلامذة بديع الزمان؛ فكفى الباحثين مؤنة التدليل على أنه إنما استقاها من العربية وأدبها، وإن كان الدكتور جمعة قد استأنس رغم هذا بما قاله كل من براون المستشرق الإنجليزي، وكريم شاورذي الباحث الإيراني. وإذا كان البطل في كل من المقامات الهمذانية، والمقامات الحريرية شخصًا واحدًا لا يتغير، هو أبو الفتح الإسكندري عند بديع الزمان، وأبو زيد السروجي عند الحريري، وكذلك راوية كل منهما شخصًا واحدًا أيضًا، هو عيسى بن هشام في الأولى، والحارث بن همام في الثانية؛ فإن البطل لدى القاضي حميد الدين يتغير في كل مقامة، أما الموضوع، فيبقى ثابتًا دون تغيير، كما هو الحال عند الهمذاني، والحريري حيث الكدية هي المحور في معظم مقامات الأول، وكل مقامات الثاني. وكما قامت المقامات في الأدب العربي ضمن ما قامت على المحسنات البديعية، والإغراق فيها، والاستعانة بالألغاز، والحرص على إبراز سعة المعجم اللغوي، وبخاصة ما يكثر في لغة العرب من غريب الألفاظ؛ فكذلك حاول القاضي حميد

стр. 173

الدين أيضًا الجري في نفس المضمار، وإن لم يكن للفارسية ذات الثراء الذي تتمتع به لغة القرآن، حسبما ذكر المؤلف. ومن مظاهر التأثر الحميدي بمقامات بديع الزمان كذلك كثرة استخدامه للألفاظ العربية؛ فضلًا عن الجمل، والعبارات الكامنة المنقولة من لغة الضاد، حتى في المواضع التي لا يكون ثمة داع لذلك من ضرب مثل، أو سوق شاهد في أصله العربي. بل لقد قلد الحميدي تركيب الجملة العربية في كثير من الأحيان؛ فكان يأتي بالفعل في أول الكلام على عكس ما تقتضيه اللغة الفارسية، التي يقع فعلها في آخر الجملة لا في بدايتها، فضلًا عن إيراده كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والأشعار، والأمثال العربية كما هي، إضافة إلى بعض الأشعار التي نظمها هو بلغة القرآن، ليس ذلك فقط بل إنه قد اقتصر في عدد من الحالات على إيراد بعض المقامات الهمذانية كما هي، بعد ترجمتها إلى الفارسية مع زيادة بعض الإضافات بغية إظهار تفوقه وبراعته، مثلما هو الحال في المقامة السكباجية؛ التي تقوم على المقامة المضيرية لدى الحريري. كذلك تتشابه المقامات هنا وهناك في العدد إذ تبلغ كل منهما أربعًا وعشرين مقامة. هذه نقاط الاتفاق، أما الاختلافات؛ فتَكْمُن في أن بطل مقامات الحريري يختلفُ من مقامة إلى مقامة، كما أنّ رَاويها هو نفسه كاتبها، على حين أن بطل المقامات لدى الهمذاني واحد دائمًا؛ عِلاوةً على أنّ راويها شخص غيره، كذلك ففي الوقت الذي نجد فيه البديعي يسمي معظم مقاماته بأسماء البلدان؛ فإن الحميدي لا يصنع شيئًا من هذا، بل يطلقها على كل مقامة اسمًا مشتقًّا من الفكرة التي تعالجها.

стр. 174

وإلى جانب ذلك؛ فإن في مقامات الأديب الفارسي كثيرًا من المناظرات كتلك التي قامت بين السني والملحد، والأخرى التي دارت بين الشيب والشباب؛ ثُمّ إنه بِسبب انتشار التصوف في إيران، في الفترة التي عاش فيها القاضي حميد الدين، وجدنا الكاتب الفارسي يخلع على كثير من مقاماته خلعة صوفية بتعبير المؤلف، كما في المقامة "السكباجية" التي تجري في إثر المقامة المضيرية للهمذاني، إذ يوجد فيها شيخ ومريدون. وأخيرًا فقد أذكر أن الدكتور زكي مبارك كتب قائلًا: "إن فن المقامة قد انتقل أيضًا إلى الأدبين السرياني والعبري، وهو ما أشار إليه الدكتور شوقي ضيف كما رأينا منذ قليل، ولعل الله يقيض لمسألة انتقال هذا الفن من العربية إلى السريانية والعبرية من يدرسها هي كذلك. وفي القرن السادس عشر والسابع عشر ظهر في أوربا -كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال- جنس جديد من القصص، خطا بالقصة خطوات نحو الواقع، وهو ما نطلق عليه قصص الشطار، ووجد أول ما وجد في أسبانيا، وهو قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، وتُسَمّى في الإسبانية "بكاريسكا" وتختص بأن المغامرات فيها يحكيها المؤلف على لسانه؛ كأنّها حدثت له. وهي ذات صبغة هجائية للمجتمع ومن فيه، ويُسافر فيها البطل المؤلف على غير منهج في سفره، وحياته فقيرة بائسة يحياها على هامش المجتمع، ويظل يتنقل بين طبقاته ليكسب قوته، ويحكم على المجتمع من وجهة نظره هو حكم تظهر فيه الأثرة والانطواء على النفس، وقصر النظر في اعتبار الأشياء من الناحية الغريزية النفعية، فكل من يعارضه فهو خبيث؛ ومن يمنحه الإحسان خير.

стр. 175

وأول قصة من هذا الجنس القصصي في الأدب الإسباني هي قصة عنوانها: "حياة لسابيو دوتورموس وحظوظه ومحنه" وهي قصة تنبع من واقع الحياة في الطبقات الدنيا، وتصفها كما يمليها منطق الغرائز الصريح، وهي معارضة تامة لقصص الرعاة، وتسير على نقيضها؛ لأنها تصف واقع لا مثالية فيه ولا أمل. تأثر الفن القصصي الجديد في أوربا بفن المقامة ثم ينتقل الدكتور إلى القضية التي تهمنا هنا ألا وهي: قضية تأثر هذا الفن القصصي الجديد بالمقامة؛ فيقول: "ويوجد وجوه شبه قوية بين قصص الشطار السابقة الذكر، وبين المقامات العربية كما نعلمها عند بديع الزمان الهمذاني، ثم الحريري، ولم تبحث هذه المسألة بحثًا مقارنًا بعد، ولكنّ الأَدِلّة التاريخِيّة تقطع بأن مقامات الحريري عرفت في الأدب العربي في إسبانيا. ومن كتاب العرب الإسبانيين -يقصد الأندلسيين- من ألفوا مقامات على غرارها في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، مثل: ابن القصير الفقيه، ومثل أبي طاهر محمد بن يوسف السرقسطي، وقد شرح مقامات الحريري كذلك كثير من العرب الإسبانيين من أشهرهم: عقيل بن عطية المتوفى عام ألف ومائتين وأحد عشر، ثم أبو العباس أحمد الشليش المتوفى عام ألف ومائتين واثنين وعشرين. ثم إن مقامات الحريري ترجمت إلى اللغة العبرية، ترجمها سالمون بن زقبيل في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم ترجمها الحريزي وظهرت ترجمته عام ألف ومائتين وخمسة؛ وقد كانت هذه المقامات رائجة كل الرواج، لا بين العرب فحسب بل بين العبريين والمسيحيين أيضًا، ولهذا ترجموها إلى لغاتهم.

стр. 176

وإذًا قد لقيت هذه المقامات حظًّا كبيرًا في الأدب العربي في الأندلس، وغير معقول أن تظل مجهولة لدى كتاب الإسبان، وقصاصيهم بعد ذلك، وهذا التلاقي التاريخي هو الذي يفسر وجوه التشابه الكثيرة الواضحة بين المقامات، وجنس قصص الشطار في الأدب الإسباني، وقد آثر الكتاب الأسبان أن ينحو منحاها الواقعي على أن يسيروا على منوال قصص الرعاة المثالية، فكان جهدهم ذا أثر كبير في القضاء على قصص الرعاة، وفي التقريب بين القصة وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا فيه كتاب القصة للآداب الأوربية الأخرى. ولا يكتفي الدكتور هلال بذلك؛ بل يمضي فيبين امتداد تأثير المقامات، ذلك التأثير الذي يقوم عليه ما بسطه هو من شواهد قوية مقنعة، إلى خارج الأدب الإسباني، فيقول: "وممن تأثر بهم أي: بالأدباء الإسبان المتأثرين بالمقامات العربية، في الأدب الفرنسي "شارل سوريل" في قصته تاريخ "فرانسيون" الحقيقي الهازل، وقد نشرها في باريس عام ألف وستمائة واثنين وعشرين، وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا، وهي على لسان شخصية "فرانسيو" يهجو فيها العادات والتقاليد بوساطة أشخاص من المتسولين، ومن يعد في حسابهم في نظر المؤلف، كما يهجو مختلف الطبقات الأخرى. وقد كانت هذه القصة، وأمثالها أصلًا لما سلكه الكاتب الفرنسي "لوساج" في قصته "جون بلا" التي ظهرت طبعتها الكاملة في فرنسا عام ألف وسبعمائة وسبعة وأربعين؛ وفيها يهجو المؤلف العادات والتقاليد على لسان البطل الذي سُمّيت القصة باسمه؛ كما كان قد انتفع بهذا الاتجاه العام الأقرب إلى الواقع الكاتب الفرنسي الآخر "جوتييه" في قصته التي عنوانها (موت الحب) " mart la mour " التي ظهرت في باريس عام ألف وستمائة وستة عشر، وفيها يُصَوّر

стр. 177

حبًّا ماديًّا بين راعٍ نفعي غليظ الطبع، وراعية في صفاتهما الحقيقية بين الرعاة العاديين، وهو حب لا مثالية فيه. ثم يخلص كاتبنا إلى القول بأنه بهذا الجهد المشترك لكتاب القصص في الآداب المختلفة، قضي على قصص الرعاة كما قضي من قبل على قصص الفروسية والحب، وقامت على أنقاضها قصص العادات والتقاليد في معناها الحديث، وخلت القصة بذلك من العناصر العجيبة الخارقة للمألوف، واتخذت حوادث حياة العادية، مادة خصبة لموضوعاتها. وفي نفس الموضوع يكتب الدكتور جميل حمداوي في منتدى الزوراء قائلًا: لم تظهر لفظة "بيكاريسكا" باعتبارها لفظة إسبانية إلا في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر، قُبيل ظُهور الرواية الشطارية الأولى في الأدب الإسباني للروائي المجهول، ألا وهي: حياةُ "لفاريو دوترموس" وحظوظه ومحنه، وتدل هذه اللفظة على جنس أدبي جديد تشكل في أسبانيا لأول مرة، ثم انتقل بعد ذلك إلى فرنسا وألمانيا، وإنجلترا وأمريكا، وتعني هذه الرواية ذلك المتن السردي الذي يرصد حياة "البيكارو" أو الشطاري المهمش. لذلك تنسب هذه الرواية إلى بطلها "بيكارو" الشاطر أو المغامر الذي يقول عنه قاموس الأكاديمية الإسبانية: نموذج شخصية خالعة وحذرة وشيطانية وهزلية، تحيا حياة غير هنيئة، كما تبدو في عيون المؤلفات الأدبية الإسبانية، أو أنه بطل مغامر شطاري، مهمش، صعلوك، محتال متسول. وتعتقد الأكاديمية الأسبانية أن لفظة "بيكارو" مشتقة من فعل "بيكار" في معناه الشعبي المجازي، وهو الارتحال، والصيد، واللسع، وتعني "بيكاريسك" في اللغة

стр. 178

الفرنسية الأعمال التي تصف الفقراء والمعوزين والمعدمين والصعالكة، والمتسولين والأنذال، أو قيم المتشردين والمحتالين واللصوص في القرون الوسطى. و"البيكارو" باعتباره بطل رواية "البيكاريسكية" ليس بمقترف جرائم في معنى الجرائم الحقيقي، ولكنه ينتمي إلى طائفة المتسولين، لا يبالي كثيرًا بالقيم، ومساوئ الأخلاق؛ ما دام الواقع الذي يعيش فيه منحطًّا، وزائفًا في قيمه، يَسُوده النفاق والظلم، والاستبداد والاحتيال، حتى من قبل الشرفاء والقساوسة والنبلاء، ومدعي الإيمان، والكرم والثراء، وما هم "البيكارو" سوى البحث عن لقمة الخبز، ورزق العيش، لذلك فهو في حياته مزدوج الشخصية؛ جاد في أقواله ونصائحه ومعتقداته، وذكي يتكلم بالنصائح، ويتفوه بإيمان العقيدة، ولكنه في نفس الوقت يسخر من قيم المجتمع وعاداته، وأعرافه المبنية على النفاق والهراء. وهدف "البيكارو" من اتخاذ عمل منتظم لرزقه، بل يتسكع في الشوارع، ويتصعلق بطريقة بوهمية، وجودية، وعبثية، يقتنص فرص الاحتيال والحب والغرام، منتقلًا من شغل لآخر كصعلوك مدقع، يرفضه القانون وسنة الحياة والعمل، يفضل الارتحال والكسل والبطالة، وعلى رغم من كل هذا يحصل على المال لا باغتصابه، بل بالحيل والذكاء واستعمال المقدرة اللغوية، والحيل والمراوغة، وفصاحة اللسان، وبلاغة البيان، والأدب، ويجعل الناس يقبلون عليه بسلوكياته ومواقفه، ويرغبون في مصاحبته ومعاشرته إشفاقًا عليه، وعطفًا واستطرافًا. وتعتبر نصوص "بيكاريست" بمثابة قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، أي: إنها قصصُ مُغامرات الشطار، ومحنهم ومخاطراتهم، لذا غالبًا ما تكتب صيغة سيرية أو طبوغرافية، روائية واقعية سواء بضمير المتكلم أم بضمير

стр. 179

الغائب؛ لذا تسمى أيضًا برواية "الأتوبوغرافية البيكاريسكية" التي يؤكد متى اعتماد الرواية على تصوير البعد الذاتي، وتجسيد تقاطعه مع البعد الموضوعي. وتتخذ هذه الروايات صيغة هجائية، وانتقادية لأعراف المجتمع، وقيمه الزائفة المنحطة، فاضحة إياها بطريقة تهكمية ساخرة، منددة بالاستبداد والظلم والفقر. وتتغنى الرواية "البيكاريسيكة" باعتبارها رواية شعبية بالفقراء والكادحين والمهمشين، الذين صودرت حقوقهم، وممتلكاتهم، وحرياتهم، وأصبحوا يعيشون على هامش التاريخ. لم يظهر الأدب "البيكاريسكي" في إسبانيا إلا تأثرًا بالفن الشعبي العربي بالأندلس، ولا سيما ظهور طبقة اجتماعية من الشطار العرب المسلمين المهمشين المشردين، الذين آثروا حياة الصعلكة، والبطالة والتمرد على قوانين المجتمع والسلطة، وكانوا يعيشون على حافة المجتمع سواء بالأندلس، أم في ربوع أخرى من العالم العربي الإسلامي، الذي انفتحت عليها أسبانيا. ويقضي هؤلاء الشطار "بيكاروس" حياتهم في التسول والاتحاد والغناء، وممارسة الكدية، والاحتيال قصد الإيقاع بالآخرين من أجل الحصول على المال، أو الحب أو لقمة العيش، وكان هؤلاء الصعاليك المحتالون المرحون يسمون في الثقافة الإسبانية بالمورو، وتحضر صور هؤلاء كثيرًا في الرواية الشطارية الإسبانية، إذ يقول أستاذي الدكتور محمد آنقار: "لم تكن الرواية الشطارية الأسبانية تتبلور من حيث نوع سردي بعيدًا عن التيارات، والأنواع الأدبية كالغنائية والمسرح الشعري، والقصة الموريسيكية، والقصية العاطفية أو الرعوية، التي حفلت كلها بصور غزيرة للمسلمين والعرب والمغاربة، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.

стр. 180

إلا أن مما يلفت النظر في الرواية "الشطارية" هو ضآلة صور "المورو" على الرغم من أن الظاهرة الموريسكية لم تكن قد تلاشت نهائيًّا خلال تلك الفترة، ويتعلق الأمر على الخصوص بالروايتين النموذجيتين "لافاريو" وتاريخ حياة "البسكو" وتعتبر رواية "لاثاريو دوترموس" نموذجًا "شطاريًّا" في إدانة المسلم، وتصوير وضعيته الرديئة حتى لدى الأوساط الدنيا لكي يعلم الناس أن "المورو" لا يؤدب إلا بعقابه، وتوبيخه، وصده عن غيه. ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه كما يطرحه الأدب المقارن، هو: هل تأثرت الرواية "البيكاريسكية" الإسبانية بأدب المقامات؟ للإجابة عن هذا السؤال، انقسم الباحثون إلى قسمين: فريق ينكر هذا التأثير، وفريق آخر يؤكده ويثبته. ومن بين المثبتين هذا التأثير نذكر الدكاترة: محمد غنيمي هلال، وسهير القلماوي، وأحمد طه بدر، وعبد المنعم محمد جاسم، وعلي الراعي الذي يرى أن أثر المقامات الذي يعترف به الدارسون وعرب وغربيون، ربما كان أقوى أثر مفرط تركه العرب في الأدب الغربي. فعن طريق محتال المقامة قام الأدب الاحتيالي في إسبانيا، وامتد من ثم إلى فرنسا وألمانيا وإنجلترا؛ ليكون الأساس لصرح الرواية الواقعية التي أسهمت في خلقها أقلام كتاب مرموقين، من أمثال: "ديفو" و"فيلدنج" و"ديكنز" في إنجلترا و"لوساج" و"بلزاك" و"فلوبير" في فرنسا، بل لا تزال هذه الرواية الواقعية الاحتيالية موجودة بيننا في عملين محددين أولهما: (فيلكس ترول) لـ"توماس مان" الألماني، والثاني (مغامرات أوجيه مارش) للكاتب الأميريكي "سول بريو". ولقد انتقل نموذج بطل المقامات العربية القديمة في العصور الوسطى العصر العباسي، إلى الآداب الأوربية؛ يقول غنيمي هلال: "فأثر فيها بخلق نموذج أدبيّ
следующие страницы →