← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وإذًا قد لقيت هذه المقامات حظًّا كبيرًا في الأدب العربي في الأندلس، وغير معقول أن تظل مجهولة لدى كتاب الإسبان، وقصاصيهم بعد ذلك، وهذا التلاقي التاريخي هو الذي يفسر وجوه التشابه الكثيرة الواضحة بين المقامات، وجنس قصص الشطار في الأدب الإسباني، وقد آثر الكتاب الأسبان أن ينحو منحاها الواقعي على أن يسيروا على منوال قصص الرعاة المثالية، فكان جهدهم ذا أثر كبير في القضاء على قصص الرعاة، وفي التقريب بين القصة وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا فيه كتاب القصة للآداب الأوربية الأخرى. ولا يكتفي الدكتور هلال بذلك؛ بل يمضي فيبين امتداد تأثير المقامات، ذلك التأثير الذي يقوم عليه ما بسطه هو من شواهد قوية مقنعة، إلى خارج الأدب الإسباني، فيقول: "وممن تأثر بهم أي: بالأدباء الإسبان المتأثرين بالمقامات العربية، في الأدب الفرنسي "شارل سوريل" في قصته تاريخ "فرانسيون" الحقيقي الهازل، وقد نشرها في باريس عام ألف وستمائة واثنين وعشرين، وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا، وهي على لسان شخصية "فرانسيو" يهجو فيها العادات والتقاليد بوساطة أشخاص من المتسولين، ومن يعد في حسابهم في نظر المؤلف، كما يهجو مختلف الطبقات الأخرى. وقد كانت هذه القصة، وأمثالها أصلًا لما سلكه الكاتب الفرنسي "لوساج" في قصته "جون بلا" التي ظهرت طبعتها الكاملة في فرنسا عام ألف وسبعمائة وسبعة وأربعين؛ وفيها يهجو المؤلف العادات والتقاليد على لسان البطل الذي سُمّيت القصة باسمه؛ كما كان قد انتفع بهذا الاتجاه العام الأقرب إلى الواقع الكاتب الفرنسي الآخر "جوتييه" في قصته التي عنوانها (موت الحب) " mart la mour " التي ظهرت في باريس عام ألف وستمائة وستة عشر، وفيها يُصَوّر

стр. 177

حبًّا ماديًّا بين راعٍ نفعي غليظ الطبع، وراعية في صفاتهما الحقيقية بين الرعاة العاديين، وهو حب لا مثالية فيه. ثم يخلص كاتبنا إلى القول بأنه بهذا الجهد المشترك لكتاب القصص في الآداب المختلفة، قضي على قصص الرعاة كما قضي من قبل على قصص الفروسية والحب، وقامت على أنقاضها قصص العادات والتقاليد في معناها الحديث، وخلت القصة بذلك من العناصر العجيبة الخارقة للمألوف، واتخذت حوادث حياة العادية، مادة خصبة لموضوعاتها. وفي نفس الموضوع يكتب الدكتور جميل حمداوي في منتدى الزوراء قائلًا: لم تظهر لفظة "بيكاريسكا" باعتبارها لفظة إسبانية إلا في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر، قُبيل ظُهور الرواية الشطارية الأولى في الأدب الإسباني للروائي المجهول، ألا وهي: حياةُ "لفاريو دوترموس" وحظوظه ومحنه، وتدل هذه اللفظة على جنس أدبي جديد تشكل في أسبانيا لأول مرة، ثم انتقل بعد ذلك إلى فرنسا وألمانيا، وإنجلترا وأمريكا، وتعني هذه الرواية ذلك المتن السردي الذي يرصد حياة "البيكارو" أو الشطاري المهمش. لذلك تنسب هذه الرواية إلى بطلها "بيكارو" الشاطر أو المغامر الذي يقول عنه قاموس الأكاديمية الإسبانية: نموذج شخصية خالعة وحذرة وشيطانية وهزلية، تحيا حياة غير هنيئة، كما تبدو في عيون المؤلفات الأدبية الإسبانية، أو أنه بطل مغامر شطاري، مهمش، صعلوك، محتال متسول. وتعتقد الأكاديمية الأسبانية أن لفظة "بيكارو" مشتقة من فعل "بيكار" في معناه الشعبي المجازي، وهو الارتحال، والصيد، واللسع، وتعني "بيكاريسك" في اللغة

стр. 178

الفرنسية الأعمال التي تصف الفقراء والمعوزين والمعدمين والصعالكة، والمتسولين والأنذال، أو قيم المتشردين والمحتالين واللصوص في القرون الوسطى. و"البيكارو" باعتباره بطل رواية "البيكاريسكية" ليس بمقترف جرائم في معنى الجرائم الحقيقي، ولكنه ينتمي إلى طائفة المتسولين، لا يبالي كثيرًا بالقيم، ومساوئ الأخلاق؛ ما دام الواقع الذي يعيش فيه منحطًّا، وزائفًا في قيمه، يَسُوده النفاق والظلم، والاستبداد والاحتيال، حتى من قبل الشرفاء والقساوسة والنبلاء، ومدعي الإيمان، والكرم والثراء، وما هم "البيكارو" سوى البحث عن لقمة الخبز، ورزق العيش، لذلك فهو في حياته مزدوج الشخصية؛ جاد في أقواله ونصائحه ومعتقداته، وذكي يتكلم بالنصائح، ويتفوه بإيمان العقيدة، ولكنه في نفس الوقت يسخر من قيم المجتمع وعاداته، وأعرافه المبنية على النفاق والهراء. وهدف "البيكارو" من اتخاذ عمل منتظم لرزقه، بل يتسكع في الشوارع، ويتصعلق بطريقة بوهمية، وجودية، وعبثية، يقتنص فرص الاحتيال والحب والغرام، منتقلًا من شغل لآخر كصعلوك مدقع، يرفضه القانون وسنة الحياة والعمل، يفضل الارتحال والكسل والبطالة، وعلى رغم من كل هذا يحصل على المال لا باغتصابه، بل بالحيل والذكاء واستعمال المقدرة اللغوية، والحيل والمراوغة، وفصاحة اللسان، وبلاغة البيان، والأدب، ويجعل الناس يقبلون عليه بسلوكياته ومواقفه، ويرغبون في مصاحبته ومعاشرته إشفاقًا عليه، وعطفًا واستطرافًا. وتعتبر نصوص "بيكاريست" بمثابة قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، أي: إنها قصصُ مُغامرات الشطار، ومحنهم ومخاطراتهم، لذا غالبًا ما تكتب صيغة سيرية أو طبوغرافية، روائية واقعية سواء بضمير المتكلم أم بضمير

стр. 179

الغائب؛ لذا تسمى أيضًا برواية "الأتوبوغرافية البيكاريسكية" التي يؤكد متى اعتماد الرواية على تصوير البعد الذاتي، وتجسيد تقاطعه مع البعد الموضوعي. وتتخذ هذه الروايات صيغة هجائية، وانتقادية لأعراف المجتمع، وقيمه الزائفة المنحطة، فاضحة إياها بطريقة تهكمية ساخرة، منددة بالاستبداد والظلم والفقر. وتتغنى الرواية "البيكاريسيكة" باعتبارها رواية شعبية بالفقراء والكادحين والمهمشين، الذين صودرت حقوقهم، وممتلكاتهم، وحرياتهم، وأصبحوا يعيشون على هامش التاريخ. لم يظهر الأدب "البيكاريسكي" في إسبانيا إلا تأثرًا بالفن الشعبي العربي بالأندلس، ولا سيما ظهور طبقة اجتماعية من الشطار العرب المسلمين المهمشين المشردين، الذين آثروا حياة الصعلكة، والبطالة والتمرد على قوانين المجتمع والسلطة، وكانوا يعيشون على حافة المجتمع سواء بالأندلس، أم في ربوع أخرى من العالم العربي الإسلامي، الذي انفتحت عليها أسبانيا. ويقضي هؤلاء الشطار "بيكاروس" حياتهم في التسول والاتحاد والغناء، وممارسة الكدية، والاحتيال قصد الإيقاع بالآخرين من أجل الحصول على المال، أو الحب أو لقمة العيش، وكان هؤلاء الصعاليك المحتالون المرحون يسمون في الثقافة الإسبانية بالمورو، وتحضر صور هؤلاء كثيرًا في الرواية الشطارية الإسبانية، إذ يقول أستاذي الدكتور محمد آنقار: "لم تكن الرواية الشطارية الأسبانية تتبلور من حيث نوع سردي بعيدًا عن التيارات، والأنواع الأدبية كالغنائية والمسرح الشعري، والقصة الموريسيكية، والقصية العاطفية أو الرعوية، التي حفلت كلها بصور غزيرة للمسلمين والعرب والمغاربة، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.

стр. 180

إلا أن مما يلفت النظر في الرواية "الشطارية" هو ضآلة صور "المورو" على الرغم من أن الظاهرة الموريسكية لم تكن قد تلاشت نهائيًّا خلال تلك الفترة، ويتعلق الأمر على الخصوص بالروايتين النموذجيتين "لافاريو" وتاريخ حياة "البسكو" وتعتبر رواية "لاثاريو دوترموس" نموذجًا "شطاريًّا" في إدانة المسلم، وتصوير وضعيته الرديئة حتى لدى الأوساط الدنيا لكي يعلم الناس أن "المورو" لا يؤدب إلا بعقابه، وتوبيخه، وصده عن غيه. ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه كما يطرحه الأدب المقارن، هو: هل تأثرت الرواية "البيكاريسكية" الإسبانية بأدب المقامات؟ للإجابة عن هذا السؤال، انقسم الباحثون إلى قسمين: فريق ينكر هذا التأثير، وفريق آخر يؤكده ويثبته. ومن بين المثبتين هذا التأثير نذكر الدكاترة: محمد غنيمي هلال، وسهير القلماوي، وأحمد طه بدر، وعبد المنعم محمد جاسم، وعلي الراعي الذي يرى أن أثر المقامات الذي يعترف به الدارسون وعرب وغربيون، ربما كان أقوى أثر مفرط تركه العرب في الأدب الغربي. فعن طريق محتال المقامة قام الأدب الاحتيالي في إسبانيا، وامتد من ثم إلى فرنسا وألمانيا وإنجلترا؛ ليكون الأساس لصرح الرواية الواقعية التي أسهمت في خلقها أقلام كتاب مرموقين، من أمثال: "ديفو" و"فيلدنج" و"ديكنز" في إنجلترا و"لوساج" و"بلزاك" و"فلوبير" في فرنسا، بل لا تزال هذه الرواية الواقعية الاحتيالية موجودة بيننا في عملين محددين أولهما: (فيلكس ترول) لـ"توماس مان" الألماني، والثاني (مغامرات أوجيه مارش) للكاتب الأميريكي "سول بريو". ولقد انتقل نموذج بطل المقامات العربية القديمة في العصور الوسطى العصر العباسي، إلى الآداب الأوربية؛ يقول غنيمي هلال: "فأثر فيها بخلق نموذج أدبيّ

стр. 181

آخر، تطورت به القصة الأوربية بعد أن عرفت تلك الآداب المقامات العربية عن طريق الأدب العربي في إسبانيا، وقد أثر نموذج بطل الحريري في الأدب العربي الأندلسي، ثم الأدب الأسباني بعامة، ثم تعاون هذا التأثير كله في خلق قصص الشطار، التي تعد قصة حياة "لاثاريو دوترموس" نموذجًا له. ويؤيد رأي الدارسين العرب باحثون إسبان هم أيضًا ذهبوا إلى تأثر الرواية "البيكاريسكية" بأدب المقامة العربية، ومن هؤلاء مؤلفا دائرة المعارف الوجيزة في الحضارة العربية، حيث يقولان: "إن هذا النوع الأدبي -يعنيان المقامة- قد تَسرّبا للأدب الفارسي، وغيره من آداب شرقية، ويبدو أنه قد أثر أيضًا إلى حد ما على كتاب الرواية الأوائل في كل من إسبانيا وإيطاليا". وينفي الناقلُ الإسباني "آنخرفلورس" التأثير المباشر للمقامات "البيكاريسك" لانعدام الطابع "الأتوبغرافي" في مقامات الحريري باستثناء مقامة واحدة، وهي المقامة "الحرامية" ولأنّ الترحال كان موجودًا في الآداب القديمة: اليونانية والرومانية؛ فإذا سلمنا جدلًا بأن بطل المقامات يقوم في كل مقامة منفردا برحلة تورطه في شتى الملابسات، مع أناس مختلف الأصوات والطبقات الاجتماعية؛ فلا يجب أن ننسى أن هذا التراث القصصي الذي يمثل البطل المتجول، والذي يبدو واضحًا في رواية "البيكاريسك" الإسبانية هو في الواقع سابق لظهور هذه الرواية، وسابق لانتقال أدب المقامات من الشرق العربي إلى المغرب وإلى الأندلس الإسلامي. ويجاري الدكتور عبد المنعم محمد جاسم مذهب المستعرب الإسباني "أنجلف فلورس" حينما قال: والذي أريد أن أقولَه في نهاية هذا المطاف حول إمكانية التأثير العربي في الرواية الإسبانية: إن هذا التيار العميق الغور، والبعيد المدى من

стр. 182

القصص والنوادر، والطرائف الشعبية العربية كان ذا أثر أبعد في التمهيد لظهور رواية "البيكاريسك" الإسبانية من المقامات التي وقف عندها الباحثون مرارًا وتكرارًا، وحاولوا أعطائها دورًا لم تكن بطبيعتها مؤهلة له. فالمقامات كانت تكتب للتداول في صفوف الضالعين والمتبحرين في علوم اللغة، وبما أنها كانت عسيرة اللغة، وعسيرة الفهم، وكثيرة المجاهل؛ فإنها لم تترجم إلى اللغة اللاتينية، أو اللغة الأسبانية. وعلى كل حال فأنا لا أحاول في هذا البحث الاستدلال على أية فصول من الأدب الأسباني، جاءت منقولة أو واضحة التأثر بأصول عربية؛ لكن القارئ قد يجد فيما أردت إثبات جديد لوجهة نظر الكاتب والناقد "آنخرفلورس" القائلة بأنّ الرواية بمظاهرها المختلفة، قد ظهرت في أسبانيا قبل أي بلد آخر بسبب أثر الحساسية العربية في الآداب الإسبانية. ويذهبُ الدُّكتور محمد أنقار إلى ضرورة التريث في الحكم على مدى تأثير المقامة، في "البيكاريسك" الروائي حتى تتوافر الأدلة العلمية الدقيقة، والحجج القاطعة؛ ولكن هذا لا يلغي أمكانية مقاربة "البيكاريسك" على ضوء السرد العربي القديم، ومن خِلال قواعد فن المقامة، تلك صور نادرة "للمورو" في هذه الرواية، أي: رواية "لآثاريو ديترموس" التي لا يعلم بعض النقاد الصلة بينها وبين الحكي العربي القديم، على مستوى العلاقة بفن المقامة أو بعض النوادر والحكايات. وإذا كانت مثل هذه الاحتمالات لا تزال في حاجة إلى تمحيص علمي مقنع؛ فإن ذلك لا يلغي بتاتًا إمكانية قراءة هذه الرواية "الشطارية" بموازاة مع أعراف السرد العربي القديم وأساليبه؛ مثلما هو الشأن في دراسة محمود طرشونة.

стр. 183

وهناك نقطة واحدة لا أُحِبُّ المُضي دون أن أقول كلمة سريعة بشأنها، ألا وهي: زعم المستشرق الإسباني أن البطل الجوال في قصص "البيكاريسك" قد ظهر في الأدب الإسباني قبل انتقال فن المقامة من المشرق العربي للأندلس، وهو زعم خاطئ؛ إذ إن قصة حياة "لوثاريو دوترموس" وحظوظه ومحنه، التي ذكر محمد غنيمي هلال أنها أول قصة من نوع "البيكاريسك" في ذلك الأدب قد ظهرت عام ألف وخمسمائة وأربعة وخمسين على حين انتقلت المقامة للأندلس قبل ذلك بعدة قرون. ويزيدُ الأمرَ إيضاحًا دكتور عيسى الدودي في مقاله: "تأثير المقامة في فن السردي الأوربي المنشور في منتدى المؤتمر" فيقول: اعترف كثير من المهتمين بالأدب الأندلسي، بكون المقامة كانت جسرًا لمرور القصة لإسبانيا وعموم أوربا، وذلك استنادًا إلى المقارنات التي عقدوها بين المقامة والأدب السردي في أوربا، وانتهوا إلى هذه القناعة بعد أن توصلوا إلى كثير من أوجه التشابه بين الفنين. بدأ فن المقامة في الانتشار في أواخر القرن الرابع الهجري، وأبرز أعلام هذا الفن في المشرق الحريري والهمذاني، ثم إنه قدر لهذا اللون من الأدب الانتشار الواسع في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وكثر المقلدون لهذا اللون من الأدب. وقد عرف الأندلسيون المقامة عن طريق من رحل إليهم من المشرق، كما قدر للأندلسيين الوافدين المشرق الاطلاع على هذا الفن الأدبي، وخاصة من أسعدهم الحظ، وأقاموا في بغداد، وبعد أن أتموا دراستهم عادوا إلى بلدهم، ونشروا هذه المقامات، فلقيت قبولًا من طرف الأندلسيين، ونالت حظّها من المعارضة والشرح والنقد والتعليق، ونُسجت على منوالها مقامات مشهورة، كـ"مقامة أبي حفص عمر الشهيد"، و"مقامة أبي محمد بن مالك القرطبي" و"مقامة عبد الرحمن بن فتوح" و"مقامة ابن المعلم".

стр. 184

ثم إن هناك من توجه لشرحها كمحمد بن سليمان المالقي، وعبد الله بن ميمون العبدري الغرناطي، وأبي العباس الشريشي، وعقيل بن عطية، ومقامات البطاليوسي، وابن المرابع الأزدي صاحب مقامة العيد، وابن القصير الفقيه، ولسان الدين الخطيب، بالإضافة إلى مقامتين لمحارب بن محمد الواد آشي، والمقامة الدوحية أو العياضية، ومقامة ابن غالب الرصافي. ويبقى أبرز من تأثر بالمقامات الشرقية السرقسطي، وتُسمى مقاماته بالمقامة السرقسطية، وهي المعروفة باللزومية؛ وهي خمسون مقامة عارض بها مقامات الحريري. والمقامة هي: حكاية عن حيلة تافهة بطلها مُتشرد ظريف، يتقمص في كل مرة شخصية معينة؛ فهو مرة قراد يسير بقرده؛ ليجمع الناس في حلقات، فيضحكهم، ويأخذ من أكياسهم. وهو مرة واعظ محترف يلج المساجد تدمع عينه، ويرتل آيات الذكر ورقائق الوعظ، وسير الصحابة، ومرة ثالثة ينحط لدرجات وبيئة، فيسرق أكفان الموتى، ويجمل خادمه ليوقعه في حبه المتهورين. ويتوخى صاحب المقامة من ذلك: الوصول إلى قلوب الناس، وكسب مودتهم بمقدرته اللغوية، وألاعيبه اللفظية، وذلك بالإغراق في السجع والصناعة البديعية، حتى أن الدكتور عبد الله بن علي بن ثقفان قد سمى المقامة بالقصة اللغوية، وهذا ما جعل الأندلسيين يطلقون اسم المقامة على كل قطعة من النثر المنمق المرصع بالأشعار النفيسة. وإذا انتقلنا إلى الحديث عن تأثيرها في الأدب الأوربي خاصة السردي منه: فإن كثيرًا من الباحثين تحدثوا عن تأثير فن المقامات في الأدب الأوربي تأثيرًا واسعًا متنوع الدلالة؛ فقد غزت هذه المقامات قصص الشطار الإسبانية بنواحيها الفنية، وعناصرها ذات الطابع الواقعي.

стр. 185

وتعلق "حبيبة تلبور قادي" عن هذا اللقاء الأدبي بقولها: "وهذا اللقاء التاريخي هو الذي يشرح وجوه الشبه الكبيرة بين المقامات، وقصص الشطار في الأدب الأسباني، وقد فضل الكتاب الأسبان أن ينسجوا على منوال قصص المقامات الواقعية، عوضًا أن ينسجوا على منوال قصص الرعاة، واستطاعوا بعد جهد جهيد أن يقربوا بين قصصهم وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا كبيرًا في الآداب الأوربية. ثم إن المقامة حولت الأدباء من الجري وراء الخيال، وذلك بنسجه قصص الحب والفروسية والرعاة إلى الواقعية، وتقريب الفرد من المجتمع، ودعته ليفتح عينيه على واقعه، لذلك اتجه الكتاب الروائيون بإيحائها إلى التحدث عن أحوال المجتمع، وظروف الأغمار من الناس، ثم أبدعوا روائعهم في هذا الاتجاه الواقعي، متناسين هذه الأحلام الهادئة التي كانوا يملئون بها قصصهم الخيالية. وأول قصة من هذا النوع في الأدب الإسباني كان عنوانها "حياة لاثاريو ومحنته" وقد نشرت أول مرة سنة ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين، وفيها وصف لطفل بائس كان ابنًا لطحان فقير، سُجنَ وذو جريمة صغيرة كانت منه، ومات في السجن دون عائل يرعاه، فبدأ حياته شحاذًا يتسول، وقد اهتدى في حرفته الفقيرة بأعمى متمرس، كان سيبين له طريق الشحاذة، ثم يختلفان بعد حينٍ لشراهة الأعمى وطمعه في ابتزاز صاحبه، فتركه ليعمل خادمًا لدى قس محترف، يعيش على أموال الصدقات، ويشاهد غرائب عجيبة من بخله، وجشعه، وأثرته. وممن تأثر كذلك بالأدباء الأسبان في هذا المجال "شارل سريل" في قصته "تاريخ فرنسيون الحقيقي الهازل" وقد نشرت باريس سنة ألف وتسعمائة واثنين وعشرين، وهي أول قصة من قصص شطار في فرنسا على لسان فرنسيون

стр. 186

يهجو فيها العادات والتقاليد، بواسطة أشخاص من المتسولين، ومن يعد في زمرتهم في نظر المؤلف، كما يهاجم مختلف الطبقات في عهده من خلال أولئك الأشخاص، وقد سار على نهجه لوساج في قصته التي يهجو فيها العادات والتقاليد، على لسان البطل الذي سميت القصة باسمه "فيل بلا". وانتفع بهذا الاتجاه "جوتييه" في قصة "موت الحب" وهذه المقامات زكت الاعتقاد أن قصص الشطار قد حوت نقدًا مريرًا للأنظمة الإقطاعية التي كانت سائدة في القرون الوسطى، يُشبه ذلك النقد المرير الذي قدمه بديع الزمان للواقع الإقطاعي في العصر العباسي من خلال مقاماته. كما أن هناك من الباحثين من يثير تأثير المقامة في الكوميديا الإلهية، "لدانتي" إذ ليس من المعقول أن يكون هذا الكاتب بمعزل عن الثقافة العربية الإسلامية، وهو المُلم بجميع نواحي الثقافة والمعرفة آنذاك. وقد درس الموضوع بمزيد من الجدية والعمق المستشرق الإسباني "بلاثيوث" في كتابه (المعتقدات الإسلامية حول العالم الآخر في الكوميديا الإلهية) وهو خلاصة دراسة استغرقت عشرين عامًا، وازن فيها المؤلف بين قصيدة "دانتي" من جهة، وبين الكتب الدينية الإسلامية وبعض الكتب الدينية العربية كالقرآن الكريم، وكتب الحديث والتفسير والسيرة ومؤلفات المتصوفين، ولا سيما كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي و (رسالة الغفران) للمعري، وقصص الإسراء والمعراج، وانتهى المؤلف في دراسة كل هذا إلى القول بأن "دانتي" كان مطلعًا على كثير من نواحي الثقافة الإسلامية، وأنه استقى من هذا المنبع بعض الصور والمعلومات التي وردت في الكوميديا الإلهية، مما يتعلق بالبعث والحشر وخلود النفس ومشاهدة الجنة والنار. ونشير إلى أنه وظف هذه المعاني الدينية وفق تصوره، إذ يقول الدكتور نذير طعمة: "لقد تأثر "دانتي" بمعمارية المعراج، فأفرغها من مضامينها الإسلامية، وملأها بمضامين ومواقف تنسجم مع ثقافته ومعتقده.

стр. 187

وهذا يأخذنا إلى الربط بين المقامة والفن الروائي؛ فقد ذكر "بيير كاركيا" أن الفن الروائي لم يجد متنفسًا له سوى في المقامة، وهي كلمة ترجمت إلى الإنجليزية بلفظة "السنمبيلي" وإلى فرنسية بلفظة "سيونس" مما يفيد أنه يمكن قراءتها في جلسة واحدة. وينقل محمد رجب البيومي عن الفيلسوف الفرنسي "آنس درينان" هذا الإعجاب بالمقامة التي آثرها على مجموعة "بلزاك" الأدبية، بحيث أن الحريري قاد شحاذه في خمسين موقفًا مختلفًا، بقوة اختراع عجيبة، ودقة وتأمل في الأخلاق والعادات؛ لنعلم مهارة الغرابة التي تنطوي عليها فكرة المقامات، أرادوا أن يضعوا في القرن التاسع عشر مهزلة بشرية يشير إلى مجموعة "بلزاك" المسماة بهذا الاسم؛ فلم يعرفوا كيف يجعلونها في قالب مقبول؛ في حين حقق الحريري هذه الفكرة والمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر، أما بلزاك فقد نقصته شخصية أبي زيد الذي لا تكاد تلمسها حتى تفلت. وننهي حديثنا عن المقامة بالإشارة إلى أن التراث العربي الإسلامي ليس هو الوحيد الذي أثر في الفن السردي بإسبانيا، بل هناك تأثيرات مسيحية لا يمكن القفز عنها وتجاهلها، ويؤكد هذه الحقيقة عبد العزيز الأهواني بقوله: "وحين نتجاوز الألفاظ، والأخبار، والقصص سنجد في كتب التاريخ الأندلسي أمثال قصة "البيت المقفر" في طليطلة، وكيف أمر "لذريق" آخر ملوك "القوط" بفتحه، فكان نذيرًا بدخول العرب إلى إسبانيا". وقصة بنت ليون صاحب سبته مع ذلك الملك، وكيف غيرت التاريخ، وكلها قصص أخذت بغير شك من التراث الشعبي المسيحي. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 188

الدرس: ٨ قصة حي بن يقظان وأثرها في قصة "روبنسون كروزو" وغيرها .

стр. 189

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (قصة حي بن يقظان وأثرها في قصة "روبنسون كروزو" وغيرها) تطور قصة حي بن يقظان في الأدب العربي قصة حي بن يقظان، وأثرها في قصة "روبنسون كروزو" وغيرها: في التراث العربي يوجد أكثر من قصة بعنوان "حي بن يقظان"، وهي قصة رمزية تدور حوادثها حول شخصٍ نشأ في جزيرة وحده، وتصور علاقته بالكون والدين. أول منشئ لقصة "حي بن يقظان" هو الفيلسوف ابن سينا، ثم أعاد كتابتها شهاب الدين السهروردي، وبعدها صاغها من جديد الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل، ثم كانت آخر رواية القصة بقلم ابن النفيس. على أن أشهر مؤلفٍ من بين هؤلاء الأربعة هو ابن طفيل، وبسبب من شهرة هذه الرواية قيل إن قصصًا غربيةً مثل قصة "روبنسون كروزو" و"طرزان" قد نسجت على منوالها. وتُعَرِّف مادة "حي بن يقظان" في الموسوعة العربية العالمية برواية ابن طفيل فتقول: "حي بن يقظان اسم قصة عربية أصيلة، تمثل شكلًا باكرًا من أشكال الفن القصصي عند العرب، وتبرز أنماط فهم الناس للدين؛ كما تظهر آراء صاحبها ومفهومه في قضايا العقل والشريعة، كتبها فيلسوف غرناطة في القرن السادس الهجري، أبو بكر محمد بن عبد الملك بن الطفيل القيسي، توفي سنة خمسمائة وإحدى وثمانين للهجرة، ولم ينقل لنا من أعماله -وهو مقل- غير هذه القصة". وقد صب ابن طفيل في هذه القصة آراءه القائلة بعدم التعارض بين العقل والشريعة، أو بين الفلسفة والدين في قالب روائي قصصي. نشأ بطل القصة حي بن يقظان في جزيرة معزولة، وكان قد ألقي فيها طفلًا أو نشأ بشكل طبيعي من مادتها وترابها، وبعد أن نمى وترعرع تأمل الكون الذي حوله،

стр. 190

فوصل إلى حقيقة التوحيد بالفطرة؛ وينتقل إلى جزيرة أخرى فيلتقي بشخصين وهما سلامان وأبسال؛ يعلم الأول منهما أهل الجزيرة الذين يتدينون تدينًا سطحيًّا الحقائق الإلهية، والوجودية عن طريق ضرب الأمثال. بينما يميل الثاني إلى التأمل والنظر العقلي، وفيه نزعة صوفية. ويدرك حي بعد أن يتفاهم مع أبسال أن ما توصل إليه من إدراك لحقائق الوجود والكون بالفطرة، وما ورثه أبسال عن طريق النبوة، إنْ هُو إلا وجهان لحقيقة واحدة؛ فالكونُ واحد، والخالق واحد، وهو رَبُّ السّماوات والأرض، وصانع الموجودات، قد نصل إليه عن طريق التأمل الذاتي كأفراد، لكن الجماعات بحاجة إلى طريقة أبسال في ضرب الأمثال الحسية لمعرفة ذلك؛ لأنه لا قدرة للعامة على إدراك الحقيقة المجردة، التي قد يصل إليها أصحاب التأمل الذاتي والنظر العقلي. والنبوة حق ولا بد منها، والخليقة بحاجة إليها للوصول إلى معرفة الخالق، إلا أن حيًّا لا يُكاشف أهل الجزيرة بالحقيقة كلها، ويعود مع أبسال إلى الجزيرة الأخرى؛ ليعبدا الله عبادة روحية خالصة، حتى يأتيهما اليقين. وتمثل القصة العقل الإنساني الذي يغمره نور العالم العلوي، فيصل إلى حقائق الكون والوجود بالفطرة والتأمل، بعد أن تلقاها الإنسان عن طريق النبوة، وتؤكد قصة (حي بن يقظان) على أهمية التجربة الذاتية في الخبرة الفكرية والدينية، وقد تركت آثارها على كثير من الجامعات والمفكرين، وترجمة إلى اللاتينية واللغات الأوربية الحديثة، وكان ابن طفيل أستاذًا لابن رشد الذي سماه "دانتي" الشارح الأكبر، والذي عن طريقه عرفت أوربا في عصر النهضة أرسطو وفلسفته.

стр. 191

وقد حدد ابن رشد ثلاثة مستويات لفهم الشريعة والدين، وهي ليست بعيدة عن جوهر ما ذهب إليه ابن طفيل في (حي بن يقظان) فهناك فهم العامة للدين، وفهم الخاصة، وفهم خاصة الخاصة وإن كان للدين جوهر واحد لا يتغير. وقصة "حي بن يقظان" وضعت أيدينا على تباين المستويات لهذا الفهم، بشكل روائي قصصي يطرح قضية فلسفية، وتتجلى براعة ابن طفيل في مزجه الأفكار الفلسفية الدقيقة بالقصص الشعبي، وفي جهده؛ لتسويغ هذه الأفكار منطقيًّا وفنيًّا، وقد ذكر ابن طفيل تأثره في قصته بفلسفة ابن سينا. وفي قصة "حي بن يقظان" جوانب من النضج القصصي، وإن كان قالب القصة ليس سوى إطار لصب الآراء الفلسفية والصوفية في النص، وقد قدر كثير من النقاد هذا الجهد القصصي لابن طفيل، فعدوا "حي بن يقظان" أفضل قصة عرفتها العصور الوسطى جميعًا. وهناك روايتان تفسران لنا ولادة حي بن يقظان: الأولى: تقول إنه تولد من الطين في جزيرة جنوب خط الاستواء تسمى الوقواق، وهي جزيرة خيالية كما هو واضح. على حين تخبر الأخرى بأنه قد ولد لأميرة تزوجت على غير إرادة أخيها الملك من قريب لها اسمه يقظان، ثم أنجبت منه طفلًا، فخافت أن يفتضح أمرها، فيعاقبها أخوها عقابًا رهيبًا هي وزوجها؛ لأنه لم يكن لها أن تتزوج، فألقت ابنها في تابوت وأسلمته لليم الذي حمله إلى جزيرة مهجورة، وتصادف أن مرت في هذا المكان الذي استقر فيه التابوت غزالة كانت تبحث عن ابنها الذي فقدته؛ فسمعت صوت بكاء فاتجهت نحوه فعثرت على الطفل الرضيع؛ فأخذته وأرضعته وحضنته وربته، وكانت تحمله هنا وهناك أينما اتجهت.

стр. 192

ويكبر حي بن يقظان، وتمر حياته بسبع مراحل -كما يقول كاتب مادته في النسخة العربية من موسوعة "الويكيبيديا": أما الأولى: فهي إرضاع الغزالة لحي وحضانتها له، ورعايتها إياه حتى بلغ سبع سنوات. ثم بعد ذلك وفاة الغزالة وتشريحها من قبل حي لمعرفة سبب الوفاة، حيث بدأت تتكون عنده المعرفة عن طريق الحواس والتجربة. وهنا تأتي المرحلة الثالثة، وكانت في اكتشافه للنار. أما المرحلة الرابعة: فكانت في تصفحه لجميع الأجسام، التي كانت موجودة حوله، إذ جعل يكتشف الوحدة والكثرة في الجسم والروح، وتشابه الكائنات في المادة واختلافها في الصور. وتلا ذلك المرحلة الخامسة: وكان في اكتشاف الفناء، وهذا شجعه إلى الخروج من رصده إلى معارف في العالم بقدمه وحدوثه. وعند بلوغه الخامسة والثلاثين من عمره، بدأ حي مرحلته السادسة: وهي مرحلة الاستنتاج بعد التفكير؛ فتوصل إلى أن النفس منفصلة عن الجسد كما شعر داخله بالشوق إلى واجب الوجود. وأخيرًا يدرك حي بن يقظان في المرحلة السابعة أن سعادته لا تتحقق إلا في ديمومة المشاهدة، لهذا الموجود الواجب الوجود، والبقاء داخل حياةٍ رسمها هو نفسه. وتمثل هذه القصة العقل الإنساني الذي يستطيع بجهده الذاتي، أن يصل إلى حقائق الكون والوجود بالفطرة والتأمل، كما تؤكد أهمية التجربة الذاتية في الخبرة الفكرية والدينية؛ وقد تركت آثارها على كثير من الجامعات والمفكرين، وتُرجمت إلى اللاتينية واللغات الأوربية الحديثة.

стр. 193

ومن الواضح أن ابن طفيل في إيراده الروايتين اللتين تفسران مولد حي بن يقظان، إنّما يجري على ما جاء في القرآن من أن الإنسان كجنس من أجناس الكائنات، قد جبل من الطين إلا أنه كأفراد لا يتولد من التقاء رجل بامرأة؛ ذلك أن هذه القصة إنما تعكس تطور الجنس البشري على الأرض، منذ خلق الله الإنسان إلى العصر الذي كان يعيش فيه ابن الطفيل، إذ من المستحيل أن يتطور الفرد الإنساني بهذه الطريقة، وبتلك السرعة، وعلى هذا النحو السلس الذي تطورت به حياة ابن يقظان في القصة، فيكتشف النار مثلًا، ويَعرفُ التّشريح والتفكير العلمي المنهجي، والتأمل في الكون، والإيمان بالله وبالآخرة، وبضرورة الأخلاق الفاضلة، وما إلى هذا بتلك البساطة وفي ذلك الزمن القصير. فهي بهذا قصة رمزية؛ ولولا رَمزيتها لما قبلنا أن تقوم غزالة بإرضاع طفل بشري، أو تنظفه من وساخاته وفضلاته، أو تحميه من الآفات الطبيعية، والهوام والحشرات والزواحف التي تعج بها الغابات، أو تحمله على ظهرها من مكانٍ إلى مكان، ببساطة لأن هذا أمر مستحيل، وقد صب ابن طفيل في هذه القصة آراءه القائلة بعدم التعارض بين العقل والشرعية، أو بين الفلسفة والدين -كما سبق أن أومأنا- وهي فكرة كان يتبناها بعض الفلاسفة والمتكلمين المسلمين، إذ كانوا يقولون إن العقل الإنسان كافٍ وحده لوصول الإنسان إلى الحقيقة، بشأن وجود الله ومعرفة صفاته والإيمان بالآخرة. ومن ثم وجوب تحمل المسؤولية، واستحقاقه للحساب الإلهي، وما يترتب عليه من الثواب والعقاب. وكانوا يفسرون الرسول في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) بأنه هو العقل، وهذا التفسير يعكس شططًا في التفكير، إذ لا تساعد عليه اللغة العربية، ولا النصوص القرآنية والحديثية، ولا ريب أن نصوصًا قرآنية

стр. 194

مثل قوله تعالى في سور "النساء": ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٦٣ - ١٦٦) أو قوله في سورة "طه": ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (طه: ١٣٣، ١٣٤) هذه النصوص تدل دلالة قاطعة على أنه لا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، دون رسل من البشر لا من العقل؛ حسبما يقول بعض الفلاسفة والمتكلمين المسلمين. ثم لو كان العقلُ وحده كافيًا في مثل تلك الأمور؛ فلماذا لم يكل الله عباده إليه؟ كذلك فمعروف لنا جميعًا من تجارب التاريخ الواقع الأليمة، أنه رغم إرسال الأنبياء والرسل، فما زال وسيظلُّ هُناك كفارٌ، ومنافقون، ومتمردون، ومتشككون، ومؤمنون، وعصاة، وظلمة ومستبدون وطغاة، ولصوص وقتلة، وزناة وكسالى، وسبابون، ومغتابون؛ فما بالنا لو ترك الله البشر لعقولهم المجردة دون أن يبعث إليهم برسلٍٍ تأخذ بيد تلك العقول، وتشير لها إلى الطريق، وتعينها على التفكير السليم.

стр. 195

" حي ابن يقظان" وتأثيرها في الفكر والأدب العالمي هذا عن حي بن يقظان، فماذا عن صيرورتها خارج النطاق العربي الإسلامي، وتأثيرها في الفكر والأدب العالمي؟ تجيب على ذلك ذات المادة من موسوعة "الويكيبيديا" في نسختها الإنجليزية، فقد جاء فيها أنه ظهرت لرواية ابن طفيل ترجمة لاتينية عام ألف وستمائة وواحد وسبعين، بقلم "إدوار بكوك" الذي كان قد أعدها منذ عام ألف وستمائة وستين، وأنها قد أوحت إلى المفكرين بمفهوم "التبيولا رازا" أي: العَقل في حالته الأصلية، قبل أن تدخله أي فكرة أو معلومة، وقبل أنْ يَخْبُر الحياة أو يعرف أي شيء فيها، وهو المفهوم الذي طوره "جون لوك" في رسالته " anesa conserning human understanding ". وكان "لوك" تلميذًا لـ"بو كوك" وقرأ ترجمته لكتاب ابن طفيل، وأبدى إعجابه به. كما أوحت حي ين يقظان إلى "روبرت بويل" بكتابة روايته " the Espaliering naturest" التي تقع أحداثها أيضًا فوق جزيرة من الجزر. أما أول ترجمة إنجليزية فقد صدرت عام ألف وستمائة وستة وثمانين بقلم "جورج آشويل" اعتمادًا على الترجمة اللاتينية السالفة الذكر، ثم ترجمت مرة أخرى إلى الإنجليزية من العربية مباشرة، عام ألف وسبعمائة وثمانية على يد "سايمون أوكلي" لتظهر بعدها ترجمتان إنجليزيتان أخريان، كما أشار مُحَرّر المادة إلى اطلاع "إسبينوزل" الفيلسوف الألماني على الرواية، وتشجيعه إلى أحد أصدقائه على ترجمتها إلى الهولندية؛ فكانت الترجمة التي دارت سنة ألف وستمائة واثنتين وسبعين، والتي ظهرت ترجمة هولندية أخرى بعدها بنحو ثلاثة عقود عام ألف وسبعمائة وواحد.

стр. 196

كما ظهرت ترجمتان ألمانيتان أخريان: أولاهما تستند إلى الترجمة اللاتينية، والثانية مأخوذة من النص العربي دون وسيط. وقد اطلع الفيلسوف الألماني "لايف نتس" على إحدى هاتين الترجمتين، وأثنى على ما في الرواية من فلسفة عربية إسلامية ثناءً كبيرًا، وبالمثل اطلع أساتذة السربون على ترجمة "بو كوك" وكانوا مبتهجين بها أشد الابتهاج. وفي سنة ألف وسبعمائة وتسع عشرة ألهمت إحدى الترجمات الإنجليزية لحي بن يقظان، الروائي "دانيل بيفو" فكتَبَ رِوَايتَهُ "ربنسون كروزو" التي جرت وقائعها في إحدى الجزر المهجورة، وهي العمل الذي يعده مؤرخو الأدب أول رواية إنجليزية. ثم ظهرت رواية أخرى عام ألف وسبعمائة وواحدٍ وستين في بريطانيا على نفس الشاكلة تحتوي على أشياء كثيرةٍ جدٍ من ترجمة "بوكوك" لحي بن يقظان، ثم أعيد طبع ترجمة "بوكوك" ثانية عام ألفٍ وثمانمائة وأربعة، أما ترجمة ابن يقظان إلى الأسبانية، فقد تأخر ظهورها إلى بداية القرن العشرين، ثم ظهرت ترجمة فرنسية لها في نفس العام بقلم المستشرق "ليون جوتيه". وفضلًا عن هذا كانت "حي بن يقظان" إرهاصًا على نحو من الأنحاء برواية "جان جاك روسو" المشهورة "إيميل" كما أن بينها وبين رواية "ردير كبلينج" " the jungle book " شبهًا واضحًا، وكذلك بينها وبين رواية "طرزان" التي ألفها "إدجار ريس باروز" وتدور حول طفلٍ رضيع، هجرته أمه في جزيرة استوائية خالية من السكان؛ حيث التقطته، وربته واعتنت به ذئبة من الذئاب. وهناك كتاب مفكرون أوربيون غير قليلين تأثروا بترجمة "بوكوك" لرواية "حي بن يقظان"، منهم "جون ولس" و"روبرت بركلي" و"كارل ماركس" وطائفة "الكويكرز" المعروفة وآخرون.

стр. 197

وفي عام ألف وسبعمائة وواحد وعشرين، ظهر في أمريكا كتاب " the kreshtian fresofr" للكاتب والقسيس الأمريكي البيوريتاري "كوتن ميثر" الذي لم يمنعه وسمه المسلمين بالكفر من استيحاء رواية حي بن يقظان في كتابه هذا، ولا من الاعتراف بتأثيرها عليه، ناظرًا إلى حي بطل الرواية بوصفه نموذجًا للفيلسوف النصراني المثالي، ومحاولًا من خلاله فهم نفسية سكان أمريكا الأصليين -أي: الهنود الحمر- بُغية تحويلهم إلى مذهبه "البيوريتاني". الصلة بين "حي ابن يقظان" و"روبنسون كروزو " وكما نرى؛ فإن مادة "حي بن يقظان" في النسخة الإنجليزية من "الويكيبيديا" تُؤكِّد أنّ تأثيرَ رواية ابن طفيل على الآداب الأوربية تأثير واسع وعميق، وعند هذه النقطة نحب أن نتوقف بشيء من التفصيل إزاء قضية الصلة بين تلك الرواية، وبين رواية "ديفو" "روبنسون كروزو" ولكن علينا أولًا أن نتعرف إلى "روبنسون كروزو" مثلما تعرفنا إلى حي بن يقظان، وسوف يكون اعتمادنا هذه المرة أيضًا على ما جاء في المادة الخاصة بتلك الرواية، في موسوعة "الويكيبيديا". فنقول: إن "روبنسون كروزو" قصة كتبها "دانيال ديفو" ونشرها لأول مرة عام ألف وسبعمائة وتسعة عشر، وهي تَحكي قصة شابٍ عاش في جزيرة من الجزر وحيدًا، لمدة طويلة دون أن يُقابل أحدًا من البشر، ثم بعد عدة سنوات التقى بأحد المتوحشين، فعلمه بعض ما وصل إليه الإنسان المتحضر من تقدم فكريٍ، واتخذه خادمًا له، ثم يعود في نهاية المطاف مصطحبًا خادمه إلى أوربا حيث العالم المتحضر.

стр. 198

وتبدأ القصة بمغادرة "كروزو" إنجلترا في رحلةٍ بحرية في سبتمبر عام ألف وستمائةٍ وواحدٍ وخمسين، مخالفًا رغبات والديه ويسطو القراصنة على السفينة، ويُصبح "كروزو" عبدًا للمغاربة؛ إلا أنه يتمكن من الهرب في زورق، ويُصادف قائد سفينة برتغالية قادمة من الساحل الغربي لإفريقيا في طريقها إلى البرازيل، وهناك يُصبح "كروزو" مالكًا لإحدى المزارع، وينضَمُّ إلى بعثة لجلب العبيد من إفريقيا. وتغرق السفينة التي كان فيها وقت ذاك، في عاصفة تبعد أربعين ميلًا في البحر في مدخل نهر "أورينيكو" في الثلاثين من سبتمبر عام ألف وستمائة وتسعة وخمسين؛ فيموتُ جميع رفاقه ما عداه، ويتمكن من استخلاص الأسلحة والأدوات، والتجهيزات الأخرى التي كانت في السفينة قبل أن تتحطم تمامًا وتغوص في الماء، ثم يقوم ببناء صورٍ لمسكنه الذي أقامه في كهف، ويصنع أيضًا تقويمًا يتعرف به على مرور الزمن، من خلال علاماتٍ يرسمها على قطعة خشب، كما يقوم بالصيد وزراعة الذرة ويتعلم صناعة الفخار، وتربية الماعز، ويَقرأ الإنجيل، ويصبح متدينًا فجأة، ويشكر الله على مصيره فلا شيء قد فقد منه إلا المجتمع. وفي يومٍ من الأيام يكتشف "كروزو" جماعة من آكلي لحوم البشر، يقومون بزيارة الجزيرة؛ ليقتلوا ويأكلوا أسراهم، وعندما استطاع سجين من السجناء الهروب انضم إلى "كروزو" الذي سماه "فراي داي" باسم يوم الجمعة الذي قابله فيه؛ فصار يعلمه الإنجليزية حتى يستطيع التفاهم معه، كما نجح إلى تحويله إلى النصرانية. ثم تصل مجموعة جديدة من السكان الأصليين لصنع وليمة أخرى من اللحوم البشرية، ويستطيع جمعة و"كروزو" قتل معظمهم مع الاحتفاظ باثنين من

стр. 199

أسراهم: أحدهما والد جمعة، والثاني أسباني. ويخبر هذا الأخير "كروزو" أن مجموعة من الأسبان الذين غرقوا موجودون على هذه الجزيرة، ويستطيع الثلاثة بمعاونة هؤلاء الإسبان بناء سفينة يبحرون بها إلى إسبانيا. بيد أن سفينة الإنجليزية تظهر، ويقع فيها تمرد يسيطر أصحابه على السفينة، ويتركون قائدهم على الجزيرة، إلا أن القائد يستطيع بمساعدة "كروزو" استرداد السفينة، ثم يسافر "كروزو" بعد ذلك إلى البرتغال للبحث عن قائده القديم، الذي يخبره بأن مزرعته البرازيلية قد جعلت منه رجلًا غنيًّا، ومن البُرتغال يُسافر "كروزو" برًّا إلى إنجلترا عن طريق أسبانيا أو فرنسا، حيث يتعرض هو ورفاقه في جبال "البرنيز" لهجوم من الذئاب، ويقرر "كروزو" بيع مزرعته، إذ إن عودته إلى البرازيل تستلزم تحوله إلى "الكاثوليكية" وهو ما لا يريده. ثم تزوج ليصبح أبًا لثلاثة أطفال، وعندما تموت زوجته يصبح أرمل، يعود إلى جزيرته في نهاية المطاف. هذا وقد سبق أن رأينا كيف تؤكد مادة حي بن يقظان في "الويكيبيديا" أن للرواية العربية تأثيرًا قويًّا على نظيرتها الإنجليزية، وهو رأي من الآراء المختلفة في هذه القضية، التي ينقسم مقارنو الأدب بشأنها، إذ هناك من يتجاهل تلك الصلة، ولا يتحدث عنها بتاتًا، بل لا يومئ إليها مجرد إيماء، وكأنها لم تكن، ولا يمكن أن تكون. وهناك من يؤكد أن "ديفو" إنما سرق ما كتبه "سل كرك" البحار الإسكتلندي عن مغامرته الحقيقة المشابهة لما جاء في قصة "روبنسون كروزو" تلك المغامرات التي نُشرت أكثر من مرة، قبل كتابة "ديفو" لروايته، وهناك من يشير إلى وجود الشبه بين العملين، إلا أنه يردف ذلك بأنه لم يثبت أن "ديفو" قد استوحى كتاب ابن طفيل، إذ ليس هناك أي دليل على أنه وقع في يده فضلًا عن أن يكون قد قرأه.

стр. 200

وهناك من يُوافق على أنه لم يثْبُت تاريخيًّا أن "ديفو" قد اطلع على حي بن يقظان ب يد أنه يحتم مع هذا أن يكون قد قرأها وتأثر بها، أي: أنه يعتمد على البرهان النظري ولا الواقعي. يقول الدكتور سعيد إبراهيم عبد الواحد، في مقال له بعنوان "الترجمة إثراء للثقافات المختلفة" منشور في (مجلة الديوان العربي) الضوئية عن "حي بن يقظان": "إنها من أعظم قصص العصور الوسطى ابتكارًا، وقد كان لهذه القصة الأثر الفعال في الآداب الأوربية بعد عصر النهضة، وذلك بعد أن ترجمة إلى لغاتٍ أجنبية مختلفة، وانتشرت طبعاتها في كل مكان، فقد ترجمة إلى العبرية سنة ألف ومائتين وثمانين، على يد اليهودي إسحاق بن اللطيف، ثم زاد عليها ميشل بن يوشع، الملقب بالشرنوبي بعض الحواشي والشروح، كان هذا عام ألف وثلاثمائة وتسعة وأربعين. وفي العام ألف وستمائة وواحد وسبعين ظهرت طبعة جديدة تحمل النص العربي للقصة، مع ترجمة لاتينية قام بها "إدوار بوكوك" وقد كانت مصدرًا لعدة ترجمات ظهرت بالإنجليزية فيما بعد، كما تنسب إلى "اسبينوزا" ترجمة لقصة "حي بن يقظان" من اللغة اللاتينية إلى اللغة الهولندية، ويذكر فاروق سعد في كتابه عن حي بن يقظان، أنّ "جُورج كيف" قد قدم في العام ألف وستمائة وأربعة وسبعين، ترجمة رائعة باللغة الإنجليزية عن النص اللاتيني المترجم عن العربي أصلًا، وبعدها بعدة سنوات أي في العام ألف وستمائة وستة وثمانين ظهرت ترجمة أخرى للقصة من اللاتينة إلى الإنجليزية، قام بها "جورج آشول". وفي عام ألف وسبعمائة وثمانية نُشرت ترجمة إنجليزية لقصة حي بن يقظان، أعدها "سيمن أوكلي" معتمدًا على النص العربي المحقق من "بوكوك" وتتميز

стр. 201

ترجمة "أوكلي" بأنها كاملة. أما عن الترجمات الحديثة: فقد قام "برومل" بترجمة "حي بن يقظان" إلى الإنجليزية، عام ألف وتسعمائة وأربعة. وعرفت اللغة الألمانية ترجمة لقصة ابن طفيل "حي بن يقظان" قام بها "بارت يوس" ونُشرت في "فرانك فورت" عام ألف وسبعمائة وستة وعشرين، كما أنّ هُناك تَرجمة أخرى لقصة لحي بن يقظان إلى اللغة الألمانية، قام بها "آي كورم" ونشرت في برلين عام ألف وسبعمائة وثلاثة وثمانين. وفي عام ألف وتسعمائة نشرت في سرقسطة الترجمة الأسبانية لقصة "حي بن يقظان"، وقام بها "بونص" وحديثًا في العام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين ظهرت ترجمة أخرى إلى الأسبانية، قام بها "أنخر جنسلس بالانسيا" وترجمها اليوم "جوتيه" قصة حي بن يقظان إلى الفرنسية، وقد صدرت إحدى طبعات هذه الترجمة في بيروت عام ألف وتسعمائة وستة وثلاثين. ولعل "جوتيه" هو أول من بحث علاقة قصة "حي بن يقظان" بقصة "روبنسون كروزو" المكتوبة عام ألف وسبعمائة وتسعة عشر في بريطانيا تحت عنوان "مغامرات عجيبة في قصة حياة روبنسون وكروزو" ووقف "جوتيه" عند حد افتراض اطلاع "ديفو" على قصة ابن طفيل. وفي دائرة المعارف الإسلامية ذهب إلى اعتبار أن "كروزو" تمثل نمطًا للرجل العملي دنيويًّا في حين يمثل حي بن يقظان مثلًا للحياة التأملية التصوفية، ويأتي "آينس بيكر" في كتابه (تاريخ القصة الإنجليزية) الصادر في لندن سنة ألف وتسعمائة وثلاثٍ وأربعين، ليعتبر حي بن يقظان أحد المصادر المحتملة لقصة "روبنسون كروزو" وينضم "وليم كري" و"ليفج أولفسن" إلى أولئك الذين جزموا باطلاع "ديفو" على قصة حي بن يقظان، في حين يقف "أوجستين سيرارو" و"ديرهارو" و"يختو ناش" دون الجزم.

стр. 202

أما الكتاب العرب عمر فاروق، ومحمد غلاب، وعلي المسراتي، وخالد الطوقان، وكمال اليزجي، وأنطوان كرم، وإبراهيم مدكور، ومحمد لطفي جمعة، ولطفي عبد البديع، وسعيد عبد الفتاح عاشور، وكامل الكيلاني؛ فقد ذهب جميعهم على تأكيد أثر قصة حي بن يقظان في قصة "روبنسون كروزو". وممن افترض أيضًا اطلاع "ديفو" على "حي بن يقظان" المستشرق "جيشون" كاتب مادة حي بن يقظان في الطبعة الجديدة من دائرة المعارف الإسلامية، إذ كتب: "أنه من المحتمل أن تكون قصة "روبنسون كروزو" التي ظهر جزؤها الأول عام ألف وسبعمائة وتسعة عشر، مدينة بعض الشيء لترجمة "أوكلي" لقصة ابن الطفيل. كذلك يقر كامل الكيلاني في مقدمة ترجمته المبسطة للناشئين لكتاب "روبنسون كروزو" أنه قد ظهر فيه أثر القصة العربية الخالدة حي بن يقظان، أما الدكتور عمر فروخ، فقال في كتابه (تاريخ الأدب العربي): "لقد قلد هذه القصة كتاب كثيرون أشهرهم، وأقربهم إلي السياسي القصصي الأدبي "دانيال ديفو" في قصته "روبنسون كروزو". كذلك كتب جميل صليبة، وكامل عياد، في مقدمة تحقيقهما لكتاب ابن الطفيل ما يلي: "وتمتاز قصة ابن الطفيل عن قصة "روبنسون كروزو" من الناحية الفلسفية، كذلك تمتاز على غيرها من القصص الفلسفية الشرقية، بالقرب من الحقيقة الواقعة، وبالوصف الطبيعي، وبالتفصيلات الدقيقة عن الحياة العملية، عدا رشاقة الأسلوب، وسهولة العبارات، وحسن الترتيب؛ وهي بهذه المزايا تعتبر في مقدمة الآثار العربية التي تستحق الخلود في تاريخ الفكر البشري. وبالمثل تؤكد مادة "روبنسون كروزو" في ذهلول الموسوعة العالمية المجانية الضوئية أن رواية "ديفو" مستوحاة من حي بن يقظان، إذ نقرأ فيها أن ذلك العمل هو قصة

стр. 203

أوربية مأخوذة عن قصة حي بن يقظان لابن طفيل الأندلسي، وأنّه بعد ترجمة قصة حي بن يقظان بدأ الغربيون ينسجون على منوالها، ولعل أهم ما نسجوه قصة "روبنسون كروزو" للكاتب "دانيال ديفو" ورغم هذا؛ فإن كاتب المادة لا يغفل الفروق التي بين الروايتين بل يرصدها معليًا في الوقت ذاته من شأن الرواية العربية على نظيرتها الإنجليزية. وأما الدكتور محمد غنيمي هلال فيستبعد أن يكون لحي بن يقظان تأثير على قصة "ديفو" لأن التشابه بينهما ظاهري ضئيل -كما يقول- علاوة على أن لقصة "روبنسون كروزو" أصلًا تاريخيًّا يتمثل في مغامرات البحار الإسكتلندي "سلك كيرك" التي كتب عنها زميل له من البحارة عام ألف وسبعمائة وتسعة أي: قبل ظهور "روبنسون كروزو" بعشر سنوات. ومع هذا نرى الدكتور هلال في ذات الوقت، يؤكد أن قصة الكاتب الأسباني "بلتسار جراتسيان الكريتي كوك" التي ظهرت أجزاؤها الثلاثة تباعًا في خمسينات القرن السابع عشر، والتي تشبه قصة ابن الطفيل، لا بد أن تكون قد تأثرت بهذه الأخيرة، إذ من المؤكد في رأيه أن يكون "جرسيان" قد اطلع على قصة ابن الطفيل رغم أنها لم تكن قد ترجمت بعد إلى أية لغة أوربية؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن نرجع هذا التشابه بين العملين إلى مجرد المصادفة. وهناك أيضًا مدني صالح الذي يخلص في مقاله المنشور في العدد التاسع من مجلة الأقلام العراقية، إلى أن قصة "روبنسون كروزو" هي عنصر من عناصر البيئة "ديفو" الثقافية، وهو ما يؤيده فاروق سعد صاحب كتاب (حي بن يقظان لابن طفيل)، وهذا يعني أن ذانك الكاتبين يريان أنه لا وجود لأية صلة أو عملية تأثير وتأثر بين قصة ابن طفيل، وقصة دانيال ديفو.

стр. 204

وبالمِثْل؛ فإن كاتب مادة "روبنسون كروزو" في موسوعة "الإنكارتا" الإنجليزية في طبعة سنة ألفين وتسع، لا يشير إلى أية صلة بين العملين مكتفيًا فقط بلفت النظر إلى ما قيل عن تأثر "ديفو" في كتابه "روبنسون كروزو" بما وقع لـ"ألكسندار سركيك" من مغامرات حقيقية قرأها الجمهور على نطاق واسع قبل الصدور "روبنسون كروزو". ونفس الشيء يُرَدِّده كاتب ذات المادة في النسخة الفرنسية من طبعة سنة ألفين وتسع من "الإنكارتا" إذ يرجع مصدر إلهامها إلى ما وقع "لألكسندر سركيك" البحار الإسكتلندي" الذي غرقت سفينته، واضطر للعيش وحيدًا فوق جزيرة من جزر أرخبيل "خوان فرناندس بشيري"، وعلى نفس الشاكلة تمضي "انسياكلو بيديا بريتانيكا" في طبعات سنة ألف وثمانمائة في ترجمتها لـ"ديفو" إذ كل ما تقوله في هذا الصدد: هو أن المؤلف قد اعتمد جزئيًّا على مذكرات بعض الرحالة والناجين من الغرق من أمثال "سركيك" ثم لا شيء آخر. وتكتفي مادة "دانيال ديفو" في "انسيكو بديا يونيفرسليس" بالقول بأن رواية "ديفو" تستلهم مغامرات البحارة الإسكتلندي "سركيك". وممن وقفوا نفس الموقف الذي وقفه مدني صالح دكتور غسان مرتضى الذي قام بالمقارنة بين العملين، مبينًا أن التشابه بينهما يثير كثيرًا من الأسئلة حول مدى تأثير الرواية الأولى في الثانية، وبخاصة أن "حي بن يقظان" تسبق "روبنسون كروزو" في الظهور بزمن جد طويل، فضلًا عن ترجمتها إلى بعض اللغات الأوربية قبل ظهور رواية مغامرات "روبنسون كروزو". وقد قام دكتور مرتضى بتلخيص قصة "حي بن يقظان" الذي قذفت به الأمواج إلى جزيرة الواقواق الخيالية، فتحدث عما ذكره ابن الطفيل من ولادة حي غير

стр. 205

العادية، وكيف عاش في كنف غزالة أعانته على الحياة كما تعين الأم وليدها، وكيف راعى الفروق الجسدية التي تميزه عن حيوانات الغابة، وكيف أخذ يستر عورته وجسده بأوراق الأشجار، ثم كيف ماتت الغزالة، فحاول معرفة سبب موتها لكن دون جدوى، وكيف دفنها كما تفعل الغربان إلى آخره. وانتقل الباحث بعد ذلك الحديث عن نمو مدارك ابن يقظان وحواسه، واكتشافه للنار، وفهمه لمسألة الجسد والروح، وكيف أخذ يدرك طبيعة الأجسام والأشياء من حوله، ويعرف طبيعة الأفلاك والأجرام السماوية، ليتوصل إلى أن هذا كله لا يصدر عن فاعل مختار في غاية الكمال، وعندما بلغ ابن يقظان الخامسة والثلاثين تحول حرصه من معرفة المصنوع إلى معرفة الصانع؛ فزهد في الطعام والشراب، ولجأ إلى كوخ ينفق وقته في التأمل رغبة في الوصول إلى مرتبة مشاهدة الحق، إلى أن تم له ذلك، ففني عن ذاته وعن جميع الذوات، ولم يعد في الوجود إلا الحي القيوم، وبقي كذلك حتى بلغ الخمسين من عمره. ثم أوضح الباحث كيف تعلم حي بن يقظان لغة الكلام، من رجل اسمه "آسال" قدم إلى الجزيرة وكيف اصطحبه "آسال" إلى مدينته لإقناع الناس بأهمية التأمل إلى حياتهم الروحية؛ لكن ذلك لم يجد معهم للنقص الذي كان في فطرتهم؛ فرجعا معًا إلى جزيرة الواقواق حيث أخذا يعبدان الله بطريقتهما حتى أتاهما اليقين. ثم ينتقل الباحث إلى تلخيص رواية "روبنسون كروزو" فيقول: "إنها تتحدث عن مغامرات "روبنسون كروزو" الذي ترك بيته وأهله خلافًا لرغبتهم ورحل طالبًا الثروة والمغامرة؛ فصادف أثناء ترحاله مخاطر وأهوالًا كثيرًا، منها غرق سفينته، ثم نجاته رغم هذا، ووصوله على ظهر موجة إلى اليابسة في جزيرة ليس فيها إلا الأدغال والوحوش؛ ليجد نفسه هناك وحيدًا دون رفيقٍ من بني جنسه.

стр. 206

ثم محاولته التأقلم مع حياته الجديدة مستغلًا كل ما حوله من موجوداتٍ في تدبير مأكله، وصنع ملبسه، ثم تخليصه بعض العبيد من يد جماعةٍ من آكلي لحوم البشر، وتعليمه العبد "فراي داي" اللغة الإنجليزية، ومبادئ النصرانية. بعد ذلك يورد الباحث أوجه الاتفاق بين "حي بن يقظان" و"روبنسون كروزو" على النحو التالي: - رمى القدر كلًا من حي و"روبنسون" في جزيرة لا حياة فيها لبني البشر. -اضطر كلًا منهما أن يتأقلم مع حياته مستخدمًا أدواتٍ بسيطة؛ ليحمي نفسه. - يلتقي حي بآسال، ويلتقي "روبنسون بفراي داي" فيعلم آسال حيًّا الكلام، ويُعلم "كروزو فراي داي" اللغة الإنجليزية ومبادئ النصرانية. - حاول ابن طفيل أن يؤدي عبر "حي بن يقظان" رسالة مفادها أن الإنسان قادر بفضل حواسه وعقله، وحدثه الوصول إلى حقائق الكون كلها، ومعرفة الله بعقله المحض دون الاستعانة بالأديان، أما "دانيال ديفو" فأراد إيصال رسالة مختلفة بعض الشيء. - تتفق القصتان في كثير من الجوانب الفنية، وفي تعليل الحدث، واعتماد الحوار الداخلي، وتصوير شخصية نامية متطورة. ثم يسرد المحاضر أوجه التباين بين الروايتان، وهي كما يلي: - وصل حي إلى الجزيرة وعمره لم يتجاوز اليوم الواحد، على حين وصل "كروز" إليها وهو شاب؛ فتأقلم الأول مع واقعه ذاتيًّا وبالفطرة، فيما استخدم "كروزو" خبراته السابقة في عملية التأقلم.

стр. 207

- حاول الكاتبان إبراز مقدرة الإنسان في التأقلم مع الطبيعة والحياة دون معين، لكن ابن طفيل كان هدفه رمزيًّا يتمثل في إبراز مقدرة الإنسان على التطور ماديًّا وروحيًّا دون شرائع مسبقة، أما ديفو فلم يكن هدفه سوى عرض جانب المغامرة، بما تنطوي عليه من تصعيدٍ قصصي وتشويق. - لقاء حي بآسال كان لقاءً نديًّا بخلاف لقاء "روبنسون بفراي داي" الذي كان لقاء مصلحة ومنفعة. - في رواية "حي بن يقظان" تكثر الأفكار الفلسفية، مما أضعف عنصر التشويق والإثارة، على عكس رواية "روبنسون كروزو" التي اتسمت بالإحكام الفني. - الجانب المهم في شخصية حي هو التأمل، أما في شخصية "روبنسون" فهو الاكتشاف وبناء السلوك وفقًا لهذا الاكتشاف. - تحدث ابن طفيل في الرواية بضمير الغائب، أما رواية "دانيال ديفو" فقد كُتبتْ بضمير المُتكلم مما أعطاها واقعية أكثر. - رواية ابن طفيل رواية عقلية فكرية؛ ليس فيها وجود للعناصر الاجتماعية الأندلسية أو الأسبانية بخلاف رواية "ديفو" التي تمجد الحياة الاجتماعية، وصراع الإنسان عبر العمل للسيطرة على الطبيعة. وهنا يطرح المحاضر السؤال التالي: هل أثرت رواية حي بن يقظان في "روبنسون كروزو"؟ ليجيب موضحًا أن الترجمتين اللاتينية والإنجليزية لرواية حي بن يقظان قد ظهرتا قبل إصدار "ديفو" روايته بأكثر من عشرين سنة، فمن المحتمل إذًا أن يكون "ديفو" قد اطلع على عمل ابن طفيل، وهو أمرٌ قد يؤكده اهتمام الأوربيين عمومًا بالثقافة العربية آنذاك.

стр. 208

لكن المسألة ليست مسألة عواطف ورغبات، لذا لا بد -في رأيه- من التروي قبل إطلاق الأحكام، وإضافة إلى ذلك ثمة اعتقاد متداول بين بعض الباحثين، مؤداه أن "ديفو" قد اعتمد على روايته على حادثة حقيقية معروفة، وقعت لبحار إسكتلندي يدعى "ألكسندر سركيك" وهو ما يعني أن تأثر "ديفو" بالرواية العربية ضعيف جدًّا. وبِخُصوص اتهام "ديفو" بالسطو على ما كتبه "سلكيرك" البحار الإسكتلندي الذي وقع له مثل ما وقع لبطل "ديفود" ثم مقال كتبه الدكتور نجم عبد الكريم بعنوان "روبنسون كروزو سرقة أدبية في سياق المغامرة" نشرته صحيفة الشرق الأوسط العربية اللندنية، بتاريخ الإثنين الحادي عشر من أكتوبر عام ألفين وأربعة، جاء فيه: "ينسب الكثير من النقاد العرب أن رائعة الكاتب الإنجليزي "دانيال ديفو" مغامرة "روبنسون كروزو" إنما هي مأخوذة من تراثٍ عربي، واعتبروها عبارة عن سطوٍ أدبي على قصة ابن طفيل حي بن يقظان، وهناك من يقارن بين أحداثها وبين رحلات السندباد، وفيهم من نسب مغامرات "روبنسون كروزو" إلى تأثرها ببعض الرحالة من العرب. ومما لا شك فيه أن الأعمال الأدبية العظيمة لا تنبع من فراغ، ولا يلزم أن يخوض الكاتب تجربة أبطال روايته أو مسرحيته؛ فهناك دائمًا مؤثرات خارجية تدفع بالعمل الإبداعية إلى البروز؛ وفقًا لمدى قدرات وإبداعات ذلك الكاتب في تصويرها، لكن السيدة "سيلكيرك" التي التقيتها مصادفة في مناسبة اجتماعية بمدينة "مارلو" الإنجليزية تزعم بعكس ذلك تمامًا، فهي ترى أن "دانيال ديفو" مؤلف رواية مغامرات "روبنسون كروزو" ما هو إلا كاتب أفاق، وسارق لأفكار غيره وكان جزاؤه أن مات فقيرًا عندما دفن في مقابر الفقراء.

стр. 209

وتزعم السيدة "سيلكيرك" أنها تحتفظ بالأدلة أكيدة على حقيقة شخصية "روبنسون كروزو" لأنه جدها الرابع، واسمه ألكسندر سيلكيرك" والسيدة "سيلكيرك" هذه قد تجاوزت العقد الثامن من عمرها، لكنها تتمتع بذهنية متوقدة، وتتحدث بحماسٍ عن جدها الذي تعتبره الأب الحقيقي لرواية مغامرات "روبنسون كروزو". عندما علمت بأنني من المهتمين بالكتابة والنقد، وجهت إلي سؤالًا عما هو مضمون رواية مغامرات "روبنسون كروزو"؟ فأجبتها أنها تروي عن ملاح بريطاني "روبنسون كروزو" تحطمت السفينة التي كان يعمل عليها في وسط المحيط الهادي، لكنه تمكن من التشبث بقطعة كبيرة من الخشب؛ ليتخذ منها طوافة تقيه الغرق، إلى أن تقذف به الأمواج على شواطئ جزيرة لم تطأها من قبل قدم إنسان؛ فيجد نفسه مضطرًا للتعايش مع الحياة الجديدة في تلك الجزيرة مع الحيوانات والطيور. وتمر الأيام ويجد "كروزو" نفسه ما إن يخرج من مغامرة مثيرة، حتى يدخل في مغامرة أكثر منها إثارة، وقد اتخذ لنفسه عددًا من الأصدقاء هم عبارة عن بغبغاء وقرد وعنزة، وقد صور "ديفو" حياة "كروزو" في تلك الجزيرة بشكل رائع وشائق؛ إلى أن تنقذه سفينة عابرة وتعيده إلى المدينة. بَعدَ أنْ لخّصتُ رِواية مغامرات "روبنسون كروزو" للسيدة "سيلكيرك" أضفت أن هذه الرواية ضربة رقمًا قياسيًّا في الترجمة عن اللغة الإنجليزية إلى اللغات الأخرى، فأنا مثلًا قرأتها باللغة بالعربية، كما قرأها الملايين من الناس بلغاتهم المختلفة؛ قالت السيدة "سيلكيرك": "ليس هذا فحسب، بل إنها تفوقت على أشهر كتابين ظهرا في العصر الذي كتبت فيه، وهما ألف ليلة ولية المقبلة إلينا

стр. 210

منكم يا عرب، و"دنكي شوت" التي ترجمت إلى الإنجليزية عن الإسبانية، وهي "الاستفانس". فأجبتها: ولعلمك إنك لست الوحيدة ممن يزعمون بسطو "دانيال ديفو" على أحداث "روبنسون كروزو" والبعض منهم لديه مقارنات يدلل بها على ذلك السطو؛ فما هو دليلك على أن مؤلف "روبنسون كروزو" قد سطا على تراث جدك "إلكسندر سيلكيرك" الذي لم يسمع به أحد من قبل، ظهر الانزعاج على ملامح السيدة، وقالت بعصبية: "جدي ولد في قرية "لافيو" الإسكتلندية عام ألف وستمائة وستة وسبعين، وهو يعرف "ديفو" وكانا يلتقيان في حانة واحدة في السنوات الأولى من القرن السابع عشر، وكان جميع الناس يعرفون تلك المغامرة، والتجربة التي مر بها جدي "سيلكيرك" وكان "ديفو" يسمعه منه لعدة أشهر، ويدون بعض أحداثها، ولكنه قد زيف الكثير مما جاء فيها من أحداث. ثم أخذت تروي قصة جدها الذي كان يعمل بحارًا في سفينة تجارية، كان ربانها شديد القسوة على بحارته، وقد بلغت قسوته أن قام بشنق ثلاثة من الرجال أمام زملائهم في وسط البحر، وألقى بجثثهم في المياه في أثناء رحلة لأمريكا الجنوبية، ولم يكن أمام البحارة، وهم يقاسون من عذابات الربان سوى التمرد والثورة، الذي دفعت بهم إلى الفتك بالربان ومساعديه، وفروا بالسفينة يجوبون بحار الجنوب، بينما كانت السفن البريطانية تطاردهم؛ فاتفق "ألكسندر سيلكيرك" -الجد الرابع للسيدة التي تروي الحكاية- مع زميل له على الفرار من السفينة، ونفذا خطتهما في جوف الليل، بعد أن قام بسرقة قارب صغير انطلقا به على غير اتجاه إلى أن قذفت بهما الأمواج على شواطئ جزيرة ذات طبيعة أخاذة مليئة بالطيور والحيوانات الأليفة؛ لأنها -أي: الحيوانات- كانت تقف أمامهما،

стр. 211

ولا تنطلق هاربة خائفة منهما، وهذا يدل على أن الجزيرة لم تطأها أقدام بشرية من قبل. وفي اليوم الثاني لوجودهما في الجزيرة مات زميل "ألسكندر سيلكيرك" لأنه تناول فراولة مسمومة، وظل "ألكسندر" يعيش في الجزيرة بمفرده، بعد أن هيأ لنفسه أجواءً تسمح له بالعيش فيها طيلة حياته، ومما عثر عليه في أوراقه عن وصفه تلك الجزيرة -كما تقول حفيدته- أنها جنة الله في الأرض؛ فكافة أنواع الفواكه والأطعمة موفورة فيها بكثرة، ومياه غدرانها عذبة كالشهد، وكُنت أصطاد فيها الغزلان والديكة البرية، وإذا رغبت في شرب شيء من اللبن؛ فما ألذه من ضرع "ماري" تلك العنزة التي كانت تتبعني أينما أذهب. وقد بنى "سيلكيرك" كوخًا من عيدان الخيزران وأوراق الشجر العريضة. وقد استرسلت السيدة في وصف تلك الجزيرة، على ضوء قراءتها للأوراق التي خلفها لها جدها، ومن أطرف ما قالت في هذا الصدد: "إن القطط والكلاب لم تكن بينها تلك العداوة التي نعرف عنها في معيشتها بين ظهرانينا؛ فالحيوانات في تلك الجزيرة الساحرة كانت تعيش في بسلام ومحبة" -والكلام ما زال للسيدة "سيلكيرك". ومما ذكره جدي في أوراقه: "كنت أشاهد الحيوانات كيف تقضي وقتها باللعب معًا، فالفئران كانت تركب على ظهر القطط، والقطط تتسابق مع الكلاب، وكثيرًا ما كنت أجدها تنظف جلود بعضها البعض بألسنتها، ولم يحدث أن وجدت عداءً بين أي من الحيوانات التي تعيش على يابسة تلك الجزيرة". ولكن الذي حفز "ألكسندر سيلكيرك" للعودة إلى المدينة، هو عثوره على مجرى للتبر، أخذ يجمع منه ما يستطيع جمعه، وعبأه بأكياسٍ جلدية صنعها من جلود

стр. 212

الحيوانات، وحذر أنّ هَذه الثروة ستمكنه من العيش برغد في حالة عودته إلى العالم المتحضر؛ فصار يجمع الحطب والأخشاب بكميات كبيرة، ويضرم فيها النار ليتصاعد منها الدخان الذي يلفت إليه انتباه السفن البعيدة، وبعد محاولات متعددة أثمرت خطته أن سفينة "ديوك" قد اقتربت من تلك الجزيرة، وكان ذلك في عام ألف وستمائة وتسعة وخمسين. وما إن تمكن من الصعود إليها، حتى علم من البحارة أن الملكة "إليزابيس" قد أصدرت عفوًا شاملًا عن جميع البحارة الملاحقين من الإنجليز، احتفالًا بانتصار بريطانيا على الأسطول الأسباني؛ فوصل "الإكسندر سيلكيرك" حاملًا أكياس التبر التي كون منها ثروة طائلة، وقد وعدتني السيدة "سيلكيرك" بأن تزودني بنسخ من الصور الأصلية بالأوراق التي كتبها جدها "الإكسندر سيلكيرك" الذي توفي عام ألف وسبعمائة وثلاثة وعشرين من دون أن يعرفه أحد؛ بينما دوت شهرت "دانيال ديفو" في كافة أنحاء العالم، وأصبح من أشهر المؤلفين في التاريخ بينما هو ليس سوى سارق لقصة جدي على -حد تعبير السيدة- التي راجعت معها تفصيل ما أوردته من معلومات في هذه المقالة؛ فوافقت على ما جاء فيها مع بعض التعديلات، التي أشارت إلي بها. ولكن أين هي الحقيقة؟ الحقيقة أن مغامرات "كروزو" صارت أكبر من كل الادعاءات". وتعقيبًا على ما قالته السيدة البريطانية نذكر نبذة عن جدها البعيد، وعن الجزيرة التي عاش فيها، على مدى عشرات الشهور وحيدًا دون أنيس من بني الإنسان؛ فنقول: "إن "إلكسندر سيلكيرك" ولد سنة ألف وستمائة وست وسبعين، ومات سنة ألف وسبعمائة وإحدى وعشرين، وهو رجل "إسكتلندي" عاش وحيدًا في جزيرة معزولة من جزر "شيلي" بأمريكا الجنوبية؛ فكانت له تجربة مثيرة، فعندما

стр. 213

كان يعبر البحار الجنوبية عام ألف وسبعمائة وأربعة في حملة للقرصنة البحرية تشاجر مع قبطان السفينة. وبناء على طلبه ترك في إحدى جزر "خوان فورنانديز" على بعد حوالي ستمائة وأربعين كيلو متر غرب "تشيلي" فعاش هناك وحيدًا لمدة اثنين وخمسين شهرًا، حتى أنقذه القبطان "وولس روجرس" وقد سجل القُبطان تجارب "سيلكيرك" في كتابه (رحلة ممتعة حول العالم) كما وصفه القبطان "إدور كوك" في كتابيه (رحلة إلى البحار الجنوبية) و (حول العالم). أما اسم رواية "ديفو" فمأخوذ من اسم إحدى الجزر التابعة لأرخبيل "خوان فرنانديز" الذي يتبع دولة "تشيلي" وهي "روبنسون كروزو" و"سانتكلارا" و"ريجندو سيلكيرك" ويعش نحو أربعمائة نسمة من المتحدثين بالأسبانية في جزيرة "كروزو" التي اشتهرت بوصفها الجزيرة التي عاش فيه المنبوذ "الإكسندر سيلكيرك" وحيدًا لأكثر من أربع سنوات؛ من عام ألف وسبعمائة وأربعة، إلى عام ألف وسبعمائة وتسعة، وكانت الرحالة الأسباني "خوان فرنانديز" أول من اكتشف هذه الجزر عام ألف وخمسمائة وثلاثة وستين للميلاد. والآن وبعد أن ألممنا جيدًا بشكل القصتين ومضمونهما، واطلعنا على المقارنات المختلفة بينهما، وعرفنا الظروف التي صدرت فيها كل منهما، يمكننا أن نقول: "لا شك أنه كان لمغامرة "سيلكيرك" التي سجلها القبطان الذي أنقذه، ونشرها على الجمهور؛ فضل كبير على رواية "ديفو" إذ لا يعقل أن تنشر تلك المغامرات في العصر الذي يعيش فيه كاتب، وأديب، وسياسي مثله دون أن يدري ويتأثر بها في قصته.

стр. 214

والإجماع منعقد على الاعتراف بهذا التأثير؛ لكن هل هذا يعني بالضرورة أنه لا مكان لأي تأثير من جانب حي بن يقظان في ذلك العمل؟ لقد تمت ترجمة الرواية الأخيرة الإنجليزية واللاتينية، قبل كتابة "ديفو" روايته بزمن غير قصير، وليس من المعقول أيضًا أن يجهل واحد مثله ذلك العمل الذي شد كبار عصره في أوربا كلها، وأعجبهم إعجابًا شديدًا، وكانت له تلك التأثيرات العميقة على عددٍ من مفكري القارة وفلاسفتها، مما سقنا بعضه فيما سبق. ومن هنا فإنني أقول: "إنه من المرجح أن يكون "ديفو" قد تأثر بها أيضًا كما تأثر بمغامرات "سليكيرك" تأثر بها على الأقل من حيث أنها شجعته أن يحول ما قرأه عن مغامرات البحار "الإسكتلندي" إلى عمل قصصي، وعلى تضمين قصته بعض القضايا الفكرية، مثلما اشتملت حي بن يقظان على مثل تلك القضايا، وإن اختلفت نوع قضاياه عن قضايا ابن الطفيل؛ نظرًا لاختلاف شخصيتيهما، وبيئتيهما، وثقافتيهما ووظيفتيهما، صحيح أن أحدًا من المقارنين لم يستطع حتى الآن -في حدود علمنا- أن يضع يده على شيء يثبت أن "ديفو" قد اطلع فعلًا على حي بن يقظان، بيد أن هذا كما قلت لا يستلزم بالضرورة أن لا يكون الاطلاع قد حدث، أو أن التأثر لم يقع إذ الأمران مختلفان تمامًا. وعلى هذا؛ فإنني لا أستطيع الجزم بتأثير القصة العربية على نظيرتها الإنجليزية، كما صنع بعض المتحمسين من الباحثين العرب والأوربيين، بل أكتفي بالترجيح نظرًا لما ذكرته قبل قليل من الأسباب الحاملة على ذلك، بالإضافة إلى وجوه التشابه القوي بين العملين، وقرب الزمنين اللذين ظهرا فيهما، أما الجزم بنفي أي تأثير لرواية ابن الطفيل على "روبنسون كروزو" فأمر لا يمكن الإقدام عليه ولا حتى تقبله. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 215

الدرس: ٩ ألف ليلة وليلة والموشحات وتأثيرهما على الأدب الغربي الحديث .
следующие страницы →