← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولا تنطلق هاربة خائفة منهما، وهذا يدل على أن الجزيرة لم تطأها أقدام بشرية من قبل. وفي اليوم الثاني لوجودهما في الجزيرة مات زميل "ألسكندر سيلكيرك" لأنه تناول فراولة مسمومة، وظل "ألكسندر" يعيش في الجزيرة بمفرده، بعد أن هيأ لنفسه أجواءً تسمح له بالعيش فيها طيلة حياته، ومما عثر عليه في أوراقه عن وصفه تلك الجزيرة -كما تقول حفيدته- أنها جنة الله في الأرض؛ فكافة أنواع الفواكه والأطعمة موفورة فيها بكثرة، ومياه غدرانها عذبة كالشهد، وكُنت أصطاد فيها الغزلان والديكة البرية، وإذا رغبت في شرب شيء من اللبن؛ فما ألذه من ضرع "ماري" تلك العنزة التي كانت تتبعني أينما أذهب. وقد بنى "سيلكيرك" كوخًا من عيدان الخيزران وأوراق الشجر العريضة. وقد استرسلت السيدة في وصف تلك الجزيرة، على ضوء قراءتها للأوراق التي خلفها لها جدها، ومن أطرف ما قالت في هذا الصدد: "إن القطط والكلاب لم تكن بينها تلك العداوة التي نعرف عنها في معيشتها بين ظهرانينا؛ فالحيوانات في تلك الجزيرة الساحرة كانت تعيش في بسلام ومحبة" -والكلام ما زال للسيدة "سيلكيرك". ومما ذكره جدي في أوراقه: "كنت أشاهد الحيوانات كيف تقضي وقتها باللعب معًا، فالفئران كانت تركب على ظهر القطط، والقطط تتسابق مع الكلاب، وكثيرًا ما كنت أجدها تنظف جلود بعضها البعض بألسنتها، ولم يحدث أن وجدت عداءً بين أي من الحيوانات التي تعيش على يابسة تلك الجزيرة". ولكن الذي حفز "ألكسندر سيلكيرك" للعودة إلى المدينة، هو عثوره على مجرى للتبر، أخذ يجمع منه ما يستطيع جمعه، وعبأه بأكياسٍ جلدية صنعها من جلود

стр. 212

الحيوانات، وحذر أنّ هَذه الثروة ستمكنه من العيش برغد في حالة عودته إلى العالم المتحضر؛ فصار يجمع الحطب والأخشاب بكميات كبيرة، ويضرم فيها النار ليتصاعد منها الدخان الذي يلفت إليه انتباه السفن البعيدة، وبعد محاولات متعددة أثمرت خطته أن سفينة "ديوك" قد اقتربت من تلك الجزيرة، وكان ذلك في عام ألف وستمائة وتسعة وخمسين. وما إن تمكن من الصعود إليها، حتى علم من البحارة أن الملكة "إليزابيس" قد أصدرت عفوًا شاملًا عن جميع البحارة الملاحقين من الإنجليز، احتفالًا بانتصار بريطانيا على الأسطول الأسباني؛ فوصل "الإكسندر سيلكيرك" حاملًا أكياس التبر التي كون منها ثروة طائلة، وقد وعدتني السيدة "سيلكيرك" بأن تزودني بنسخ من الصور الأصلية بالأوراق التي كتبها جدها "الإكسندر سيلكيرك" الذي توفي عام ألف وسبعمائة وثلاثة وعشرين من دون أن يعرفه أحد؛ بينما دوت شهرت "دانيال ديفو" في كافة أنحاء العالم، وأصبح من أشهر المؤلفين في التاريخ بينما هو ليس سوى سارق لقصة جدي على -حد تعبير السيدة- التي راجعت معها تفصيل ما أوردته من معلومات في هذه المقالة؛ فوافقت على ما جاء فيها مع بعض التعديلات، التي أشارت إلي بها. ولكن أين هي الحقيقة؟ الحقيقة أن مغامرات "كروزو" صارت أكبر من كل الادعاءات". وتعقيبًا على ما قالته السيدة البريطانية نذكر نبذة عن جدها البعيد، وعن الجزيرة التي عاش فيها، على مدى عشرات الشهور وحيدًا دون أنيس من بني الإنسان؛ فنقول: "إن "إلكسندر سيلكيرك" ولد سنة ألف وستمائة وست وسبعين، ومات سنة ألف وسبعمائة وإحدى وعشرين، وهو رجل "إسكتلندي" عاش وحيدًا في جزيرة معزولة من جزر "شيلي" بأمريكا الجنوبية؛ فكانت له تجربة مثيرة، فعندما

стр. 213

كان يعبر البحار الجنوبية عام ألف وسبعمائة وأربعة في حملة للقرصنة البحرية تشاجر مع قبطان السفينة. وبناء على طلبه ترك في إحدى جزر "خوان فورنانديز" على بعد حوالي ستمائة وأربعين كيلو متر غرب "تشيلي" فعاش هناك وحيدًا لمدة اثنين وخمسين شهرًا، حتى أنقذه القبطان "وولس روجرس" وقد سجل القُبطان تجارب "سيلكيرك" في كتابه (رحلة ممتعة حول العالم) كما وصفه القبطان "إدور كوك" في كتابيه (رحلة إلى البحار الجنوبية) و (حول العالم). أما اسم رواية "ديفو" فمأخوذ من اسم إحدى الجزر التابعة لأرخبيل "خوان فرنانديز" الذي يتبع دولة "تشيلي" وهي "روبنسون كروزو" و"سانتكلارا" و"ريجندو سيلكيرك" ويعش نحو أربعمائة نسمة من المتحدثين بالأسبانية في جزيرة "كروزو" التي اشتهرت بوصفها الجزيرة التي عاش فيه المنبوذ "الإكسندر سيلكيرك" وحيدًا لأكثر من أربع سنوات؛ من عام ألف وسبعمائة وأربعة، إلى عام ألف وسبعمائة وتسعة، وكانت الرحالة الأسباني "خوان فرنانديز" أول من اكتشف هذه الجزر عام ألف وخمسمائة وثلاثة وستين للميلاد. والآن وبعد أن ألممنا جيدًا بشكل القصتين ومضمونهما، واطلعنا على المقارنات المختلفة بينهما، وعرفنا الظروف التي صدرت فيها كل منهما، يمكننا أن نقول: "لا شك أنه كان لمغامرة "سيلكيرك" التي سجلها القبطان الذي أنقذه، ونشرها على الجمهور؛ فضل كبير على رواية "ديفو" إذ لا يعقل أن تنشر تلك المغامرات في العصر الذي يعيش فيه كاتب، وأديب، وسياسي مثله دون أن يدري ويتأثر بها في قصته.

стр. 214

والإجماع منعقد على الاعتراف بهذا التأثير؛ لكن هل هذا يعني بالضرورة أنه لا مكان لأي تأثير من جانب حي بن يقظان في ذلك العمل؟ لقد تمت ترجمة الرواية الأخيرة الإنجليزية واللاتينية، قبل كتابة "ديفو" روايته بزمن غير قصير، وليس من المعقول أيضًا أن يجهل واحد مثله ذلك العمل الذي شد كبار عصره في أوربا كلها، وأعجبهم إعجابًا شديدًا، وكانت له تلك التأثيرات العميقة على عددٍ من مفكري القارة وفلاسفتها، مما سقنا بعضه فيما سبق. ومن هنا فإنني أقول: "إنه من المرجح أن يكون "ديفو" قد تأثر بها أيضًا كما تأثر بمغامرات "سليكيرك" تأثر بها على الأقل من حيث أنها شجعته أن يحول ما قرأه عن مغامرات البحار "الإسكتلندي" إلى عمل قصصي، وعلى تضمين قصته بعض القضايا الفكرية، مثلما اشتملت حي بن يقظان على مثل تلك القضايا، وإن اختلفت نوع قضاياه عن قضايا ابن الطفيل؛ نظرًا لاختلاف شخصيتيهما، وبيئتيهما، وثقافتيهما ووظيفتيهما، صحيح أن أحدًا من المقارنين لم يستطع حتى الآن -في حدود علمنا- أن يضع يده على شيء يثبت أن "ديفو" قد اطلع فعلًا على حي بن يقظان، بيد أن هذا كما قلت لا يستلزم بالضرورة أن لا يكون الاطلاع قد حدث، أو أن التأثر لم يقع إذ الأمران مختلفان تمامًا. وعلى هذا؛ فإنني لا أستطيع الجزم بتأثير القصة العربية على نظيرتها الإنجليزية، كما صنع بعض المتحمسين من الباحثين العرب والأوربيين، بل أكتفي بالترجيح نظرًا لما ذكرته قبل قليل من الأسباب الحاملة على ذلك، بالإضافة إلى وجوه التشابه القوي بين العملين، وقرب الزمنين اللذين ظهرا فيهما، أما الجزم بنفي أي تأثير لرواية ابن الطفيل على "روبنسون كروزو" فأمر لا يمكن الإقدام عليه ولا حتى تقبله. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 215

الدرس: ٩ ألف ليلة وليلة والموشحات وتأثيرهما على الأدب الغربي الحديث .

стр. 216

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (ألف ليلة وليلة والموشحات وتأثيرهما على الأدب الغربي الحديث) أثر "ألف ليله وليله" في الأدب الغربي ألف ليلة وليلة، والموشحات، وتأثيرهما على الأدب الغربي الحديث: "ألف ليلة وليلة" كما جاء في المادة المخصصة لها في الموسوعة العربية العالمية، هي: مجموعة من الحكايات التي روتها شخصية تُسمى شهر زاد للسلطان شهريار، وشهريار ملك عاين خيانة زوجته؛ فتحول إلى سفاح، يأخذ بكرًا كل ليلة، ويفترعها ثم يقتلها من ليلتها، حتى ضَجّ الناس وهربوا ببناتهم، ولم يبق في تلك المدينة إلا شهر زاد ابنة الوزير. وشهر زاد حاكية هذه القصص شخصية قرأت الكتب، وسِيرَ المُلُوك وأخبارَ الأُمَم، قيل: إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ والشعر؛ فقالت لأبيها وزير السلطان: زوجني هذا الملك، إما أن أعيش، وإما أن أكون فداءً للبنات، وسببًا لخلاصهن؛ وكانت تَقُصّ عليه كُلّ ليلة حكاية، ثم تسكتُ عندما يُدركها الصباح عند موقف مشوق؛ مما جعل السلطان يستبقيها لسماع حكاياتها الباقيات. وبفضل هذه الحكايات التي روتها شهر زاد، تحولت شخصية شهريار من شخصية شريرة، إلى شخصية خيرة، ومع أنّ المسعودي وابن النديم، يشيران إلى كتابٍ فارسي بعنوان "هزار أفسان" قريب الشبه في عنوانه وشخصياته الرئيسية بألف ليلة وليلة، إلا أنّ ألف ليلة وليلة بتقاليدها القصصية الشفهية التي تناقلتها الأجيال، واحتفاظها بصورة مميزة للحياة العربية ورموزها الحضارية عبر العصور، خصوصًا العصر المملوكي، تؤكد براعة المخيلة العربية، واستمرارية التقليد الشفهي القصصي، إلى أن تم تدوينها.

стр. 217

تعودُ أقدم مخطوطة وصلت إلينا من "ألف ليلة وليلة"، إلى القرن الحادي عشر الهجري، وقد كُتبت بِلُغة أقرب للعامية، ومَسجُوعَة أحيانًا، وتتجه بخطابها القصصي إلى الإنسان العادي، ولم تتقيد بقواعد النحو العربي، ولم يعرف لها مؤلف، ولذلك عُدّت أدبًا شعبيًّا. تُصور "ألف ليلة وليلة" حياة الحكام والتجار، وحياة الفقراء والكادحين، وتشع فيها أجواء العجائب، وعوالم الغرائب، ويشكل انتصار الخير على الشر محورًا أساسيًّا في هذه الحكايات التي تكتظ بأجواء السحر، وعوالم الجن. ففي حكاية "مصباح علاء الدين" يتحول الشاب المتواضع علاء الدين، بمساعدة الجني، إلى ثري يتغلب على الوزير الشرير، ويتزوج من ابنة السلطان، ويتكرر في هذه القصص تحول البشر بفضل السحر إلى حيوانات مختلفة، وتكثر فيها قصص المغامرات المثيرة؛ مثل رحلات السندباد، وما شاهده من عجائب المخلوقات، مثل: طائر الرخ، والسمكة التي التبس أمرها على الملاحين، فرسوا عليها ظنًّا منهم أنها جزيرة في البحر. والملاحظ أن الكلام عن هذا الكتاب في التراث العربي شحيح غاية الشحة، حتى إننا لا نجد حديثًا عنه تقريبًا إلا في كتابين اثنين هما: (مروج الذهب) للمسعودي، و (الفهرست) لابن النديم، والنّصان قصيران نسبيًّا، وإن كان نَص المسعودي أقصر كثيرًا من نص ابن النديم، ولا يشفي غليلًا. فأما في (مروج الذهب) فيقول المسعودي: إنه قد ذكر كثير من الناس، أنّ هَذه أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة، نظمها من تقرب للملوك بروايتها، وصال على أهل عصره بحفظها والمذاكرة بها، وأنّ سَبِيلَها الكُتب المنقولة إلينا، والمُترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية، وسبيلُ تأليفها مما ذكرنا مثل كتاب

стр. 218

(هزار أفسانة) وتفسير ذلك من الفارسية إلى العربية ألف خرافة، والخُرافة بالفارسية يقال لها: أفسانة والناس يسمون هذا الكتاب: (ألف ليلة وليلة) وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتها، وهما: شيرزاد ودنيا زاد. ومثل كتاب (فرزة وسيماس) وما فيه من أخبار ملوك الهند والوزراء، ومثل كتاب (السندباد) وغيرها من الكتب في هذا المعنى. وأما في كتاب ابن النديم؛ فنقرأ تحت عنوان "الفن الأول في أخبار المساومين والمخارفين" وأسماء الكتب المصنفة في الأصناف، أن أول من صنف الخرافات، وجعل لها كتبًا وأودعها الخزائن، وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوان، الفرس الأول؛ ثُمّ أغْرَق في ذلك ملوك الأشغانِيّة، وهم الطبقة الثالثة من ملوك الفرس، ثم زاد ذلك واتسع في أيام ملوك الساسانية، ونقلته العرب إلى اللغة العربية، وتناوله الفصحاء والبلغاء؛ فهذبوه ونمقوه، وصنفوا في معناه ما يشبهه. فأول كتاب عمل في هذا المعنى كتاب (هزار أفسان) ومعناه: "ألف خرافة" وكان السبب في ذلك أنّ ملكًا من ملوكهم، كان إذا تزوج امرأة وبات معها ليلة، قتلها من الغد؛ فتزوج بجارية من أولاد الملوك، ممن لها عقل ودراية، يُقال لها: شهر زاد، فلما حصلت معه ابتدأت تخرفه، وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل الملك على استبقائها، ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث، إلى أن أتى عليها ألف ليلة. وهو مع ذلك يطؤها إلى رُزقت منه ولدًا، فأغارته وأوقفته على حيلتها معه؛ فاستعقلها ومال إليها واستبقاها. وكان الملك "قهرمانة" يقال لها: دنيا زاد؛ فكانت موافقة لها على ذلك، وقيل: إن هذا الكتاب ألف لحمانة ابنة بهمن، وجاءوا فيه بخبر غير هذا، والصحيح -إن شاء الله- أنّ أول من سمر بالليل الإسكندر، وكان له قوم يضحكونه

стр. 219

ويخرفونه، لا يريد بذلك اللذة، وإنما كان يريد الحفظ والحرس، واستعمل لذلك بعده الملوك كتاب (هزار أفسان) ويحتوي على ألف ليلة، وعلى دون المائتي سمر؛ لأن السمر رُبّما حُدّث به في عدة ليالٍ، وقد رأيته بتمامه دفعات، وهو بالحقيقة كتاب غث بارد. وابتدأ أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياني صاحب كتاب (الوزراء) بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم، وغيرهم. كل جزء قائم بذاته لا يعلق بغيره، وأحضر المُسامرين فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما يحلو بنفسه، وكان فاضلًا فاجتمع له من ذلك أربعمائة ليلة وثمانون ليلة، كُل ليلة سمر تام يحتوي على خمسين ورقة، وأقل أو أكثر. ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتميمه ألف سمر، ورأيت من ذلك عدة أجزاء بخط أبي الطيب أخي الشافعي. والآن أحب أن نقرأ معًا قصة من كتاب (ألف ليلة وليلة) كي يكون الكلام عن شيء واضح ملموس، لا كلامًا نظريًّا؛ والقصة التي اخترتها لكم هي قصة: "الصياد والعفريت": تقول شهر زاد للملك شهريار: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان رجل صياد، وكان طاعنًا في السن، وله زوجة وثلاثة أولاد، وهو فقير الحال، وكان من عادته أنه يرمي شبكته كل يوم أربع مرات لا غير، ثم إنّه خرجَ يومًا من الأيام في وقت الظهر إلى شاطئ البحر، وحط معطفه وطرح شبكته، وصبر إلى أن استقرت في الماء، ثم جمع خيطانها؛ فوجدها ثقيلة، فجذبها فلم يقدر على ذلك، فذَهب بالطرف إلى البر، ودَقّ وتدًا وربطها فيه، ثم تعرى وغطس في الماء حول الشبكة.

стр. 220

وما زال يُعالج حتى أطلعها، ولبس ثيابه وجاء إلى الشبكة؛ فوجد فيها حمارًا ميتًا، فلما رأى ذلك حزن، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: إن هذا الرزقَ عجيب وأنشد يقول: يا خائضًا في ظلام الله والهلكة ... أقصر عليك فليس الرزق بالحركة ثم إنّ الصيادَ لمّا رأى الحمار ميتًا خلصه من الشبكة وعصرها، فلما فرغ من عصرها نشرها، وبعد ذلك نزل البحر، وقال: "بسم الله" وطرحها فيه وصبر عليها حتى استقرت ثم جذبها، فثقلت ورسخت أكثر من الأول، فظن أنه سمك فربط الشبكة وتعرى، ونزل وغطس، ثم عالج إلى أن خلصها وأطلعها على البر، فوجد فيها زيرًا كبيرًا، وهو ملآن برمل وطين. فلما رأى ذلك تأسف، ثم إنه رمى الزير وعصر شبكته ونظفها، واستغفر الله، وعاد إلى البحر ثالث مرة، ورمى الشبكة وصبر عليها حتى استقرت، وجذبها فوجد فيها شفافة وقوارير، فأنشد قول الشاعر: هو الرزق لا حل لديك ولا ربط ... ولا قلم يجدي عليك ولا خط ثمّ إنه رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أرم شبكتي غير أربع مرات، وقد رميت ثلاثًا ثم إنه "سم الله" ورمى الشبكة في البحر وصبر إلى أن استقرت وجذبها؛ فلم يُطق جذبها وإذا بها وإذا بها اشتبكت في الأرض، فقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" فتعرى وغطس عليها، وصار يعالج فيها إلى أن طلعت على البحر، وفتحها فوجد فيها قمقمًا من نحاس أصفر ملآن، وفمه مختوم برصاص، عليه طابع خاتم سيدنا سُليمان. فلما رآه الصياد، فرح وقال: هذا أبيعه في سوق النحاس؛ فإنه يساوي عشرة دنانير ذهبًا، ثم إنه حركه فوجده ثقيلًا، فقال: لا بد أني أفتحه، وأنظر ما فيه،

стр. 221

وأدخره في الخرج، ثم أبيعه في سوق النحاس، ثم إنه أخرج سكينًا، وعالج في الرصاص، إلى أن فكه من القمقم، وحطه على الأرض وهزه لينكت ما فيه، فلم ينزل منه شيء، ولكن خرج من ذلك القمقم دُخان صعد إلى السماء، ومشى على وجه الأرض؛ فتعجب غاية العجب. وبعد ذلك تكامل الدخان واجتمع، ثم انتفض فصار عفريتًا، رأسه في السحاب، ورجله في التراب برأس كالقبة، وأيدٍ كالمداري، ورجلين كالسواري، وفم كالمغارة، وأسنان كالحجارة، ومناخير كالإبريق، وعينين كالسراجين، أشعثَ أغبر؛ فلما رأى الصياد ذلك العفريت، ارتعدت فرائصه، وتشبكت أسنانه، ونشف ريقه، وعمي عن طريقه. فلما رآه العفريت قال: لا إله إلا الله سُليمان نبي الله. ثم قال العفريت: يا نبي الله، لا تقتلني؛ فإني لا عُدّت أخالف لك قولًا، أو أعصي لك أمرًا؛ فقال له الصياد: أيها المارد، أتقول سليمان نبي الله، وسليمان مات من مدة ألف وثمانمائة سنة، ونحن في آخر الزّمان فما قصتك؟ وما حديثك؟ وما سبب دخولك إلى هذا القمقم؟ فلما سَمِعَ الماردُ كلام الصياد قال: لا إله إلا الله، أبشر يا صياد فقال الصياد: بماذا تُبشرني؟ فقال: بقتلك في هذه الساعة أشَرّ القتلات. قال الصياد: تستَحِقُّ على هذه البشارة يا قيم العفاريت زوال الستر عنك، يا بعيد، لأي شيء تقتلني، وأي شيء يوجب قتلي، وقد خلصتك من القمقم، ونجيتُك من قرار البحر، وأطلعتك إلى البر، فقال العفريت: تمنى علي أي موتة تموتها، وأي قتلة تُقتلها، فقال الصياد: ما ذنبي حتى يكون هذا جزائي منك؟ قال العفريت: اسمع حكايتي يا صياد، قال الصياد: قل وأوجز في الكلام؛ فإن روحي وصلت إلى قدمي.

стр. 222

قال: اعلم أني من الجن المارقين، وقد عصيت سليمان بن داود وأنا صخر الجني، فأرسل لي وزيره آصف بن برخيا؛ فأتى بي مكرهًا، وقادني إليه، وأنا ذليل على رغم أنفي، وأوقفني بين يديه، فلما رآني سُليمان استعاذ مني، وعرضَ عَليّ الإيمانُ والدخولَ تحت طاعته فأبيت، فطلب هذا القمقم، وحبسني فيه، وختم علي بالرصاص، وطبعه بالاسم الأعظم، وأمر الجان فاحتملوني وألقوني في وسط البحر. فأقمت مائة عام، وقلت في قلبي: كل من خلصني أهنيته إلى الأبد؛ فمرت المائة عام، ولم يخلصني أحد، ودخلت مائة أخرى؛ فقلت: كل من خلصني فتحت له كنوز الأرض، فلم يخلصني أحد، فمرت علي أربعمائة عام فقلت: كل من خلصني أقضي له ثلاث حاجات؛ فلم يخلصني أحد، فغضبت غضبًا شديدًا، وقلت في نفسي: كل من خلصني في هذه الساعة قتلته، ومنيته كيف يموت، وها إنك قد خلصتني ومنيتك كيف تموت. فلما سَمِعَ الصّياد كلام العِفريت قال: يا الله، العجب! أنا ما جئت أخلصك إلا في هذه الأيام، ثم قال الصياد للعفريت: اعف عن قتلي يعف الله عنك، ولا تهلكني يُسلط الله عليك من يهلكك؛ فقال: لا بد من قتلك، فتمنى علي أي موتةٍ تموتها، فلما تحقق ذلك منه الصياد راجع العفريت وقال: اعف عني إكرامًا لما أعتقتك، فقال العفريت: وأنا ما أقتلك إلا لأجل ما خلصتني. فقال الصياد: يا شيخ العفاريت، هل أصنع معك مليح فتقابلني بالقبيح، ولكن لم يكذب المثل حين قال: فعلنا جميلًا قابلوه بضده ... وهذا لعمري من فعال الفواجر ومن يفعل المعروف مع غير أهله ... يجازى كما جوزي مجير بن عامر

стр. 223

فلما سَمِعَ العفريتُ كَلامَه قال: لا تطمع فلا بد من موتك؛ فقال الصياد: هذا جني وأنا إنسي، وقد أعطاني الله عقلًا كاملًا، وها أنا أدبر أمرًا في هلاكه بحيلتي وعقلي، وهو يدبر بمكره وخبثه. ثم قال للعفريت: هل صممت على قتلي؟ قال: نعم، فقال له: بالاسم الأعظم المنقوش على خاتم سُليمان أسألك عن شيء وتصدقني فيه، قال: نعم، ثم إنّ العفريت لما سمع ذكر الاسم الأعظم، اضطرب واهتز، وقال: اسأل وأوجز، فقال له: كيف كنت في هذا القمقم، والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك، فكيف يسعك كلك! فقال العفريت: وهل أنت لا تصدق أنني كنت فيه؟ فقال الصياد: لا أصدق أبدًا حتى أنظرك فيه بعيني، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وفي الليلة الرابعة: قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنّ الصيادَ لما قال للعفريت: لا أصدقك أبدًا حتى أنظرك بعيني في القمقم، انتفض العفريت وصار دخانًا صاعدًا إلى الجو، ثم اجتمع ودخل في القمقم قليلًا قليلًا، حتى استكمل الدخان داخل القمقم، وإذا بالصائد أسرع، وأخذ سدادة الرصاص المختومة، وسَدّ بها فم القمقم ونادى العفريت، وقال له: تمن علي أي موتة تموتها لأرميك في هذا البحر، وأبني لي هنا بيتًا، وكل من أتى هنا أمنعه أن يصطاد، وأقول له: هنا عفريت، وكل من أطلعه يبين له أنواع الموت يخيره بينها، فلما سَمِعَ العِفريت كلام الصياد أراد الخروج فلم يقدر، ورأى نفسه محبوسًا، ورأى عليه طابع خاتم سُليمان، وعلم أن الصياد سجنه، وسجن أحقر العفاريت وأقذرها وأصغرها. ثم إنّ الصياد ذهب بالقمقم إلى جهة البحر، فقال العفريت: لا لا، فقال الصياد: لا بد لا بد، فلطف المارد كلامه وخضع، وقال: ما تريد أن تصنع بي يا

стр. 224

صياد؟ قال: ألقيك في البحر إن كنت أقمت فيه ألفًا وثمانمائة عام، فأنا أجعلك تمكث إلى أن تقوم الساعة، أما قلت لك: أبقني يبقك الله، ولا تقتلني يقتلك الله، فأبيت قولي وما أردت إلا غدري؛ فألقاك الله في يدي فغدرت بك، فقال العفريت: افتح لي حتى أحسن إليك. فقال له الصياد: تكذب يا ملعون، أنا مثلي ومثلك، مثل وزير الملك يونان، والحكيم رويان، فقال العفريت: ما شأن وزير الملك يونان، والحكيم رويان؟ وما قصتهما؟ إلى آخره. وإنّ الإنسان ليتساءل عن السبب في هذا الصمت شبه التام الذي أحاط بهذا العمل، في الكتب العربية القديمة، رغم افتتان الأجيال الأخيرة به، وبخاصة في الغرب، ولعلّ المسئول عن ذلك أنّه لا ينتمي لأحد من الكتاب، لا المشهورين ولا غير المشهورين؛ إذ هو نَتَاجٌ شَعبيٌّ ليس له صاحب معين، بل كان كل من يقدر على الإضافة إليه يصنعُ ذلك حسبما تيسر. وأغلب الظنِّ أنّه لم يكن هناك كتاب أصلًا على غرار الوضع الذي أمامنا الآن، وإنّما كانت الليالي تحكى شفاهيًّا، وتتناقل من جيل إلى جيل، على هذا النحو الذي كفل لكل مستطيع حرية الإضافة إليه، دون عائق؛ فهو كلام غير مثبت، ومن ثم لم يكن هناك حرج في الإضافة إليه، إذ من ذلك الذي كان من الممكن أن يعترض على مثل تلك الإضافات، والعمل لم يكن له صاحب كما قلنا. لقد كان الطُّلاب يقصدون مؤلفي الكتب في تلك الأزمان، ويقرءونها عليهم، فيجيزونهم بها، إلا أنّنا في هذه الحالة لم يكن لدينا كتاب، ولا كان للعمل صاحب معين أصلًا، بل لقد ظلّ باب الإضافة مفتوحًا حتى بعد أن تم تسجيل النص كتابةً بزمن طويل، إذ تحتوي مثلًا ترجمة جالان، التي قام بها ذلك

стр. 225

المستشرق الفرنسي في القرن الثامن عشر، على بعض حكايات مثل: "علاء الدين والمصباح السحري" و"علي بابا والأربعين حرامي" لا وجود لها في أية مخطوطة من مخطوطات ذلك العمل، على ما يخبرنا محرر مادة ألف ليلة وليلة، في موسوعة "الوكيبيديا" إذ أدخلها جلال في صلب الكتاب بناءً على ما سماعه إياها من عالم حلبي اسمه "حنا دياب". وبالمثل؛ فإنّ نص الكتاب المنشور بالعربية والألمانية في برسلاو بألمانيا قبل منتصف القرن التاسع عشر بقليل، يحتوي على قصص لم تكن في صلب "ألف ليلة وليلة"، أضافها "كرستيان هبش" من قصص سمعها أو قرأها هنا وهناك. كذلك قد تَصِحُّ الإشَارَةُ إلى أنّ الأسلوبَ الذي صيغت به قصص "ألف ليلة وليلة" ليس من الأساليب الفخمة التي تعود عليها الأدب العربي، كما لم يخل ذلك الأسلوب من الأخطاء اللغوية والنحوية، علاوة على ما يفيض به من نكهة شعبية، وعدم اهتمام بالصحية التاريخية؛ لما يشتمل عليه من أحداث وشخصيات، ودعنا مما تعج به بعض القصص من مجون فاحش. ثم لا ينبغي أن يغيب عن بالنا ما لاحظته منذ وقت طويل، من أن التراث العربي، وإن عَرَف الإبداع القصصي على نطاق واسع مذهل، كان ينقصه للأسف أن تُواكب تلك الحركة الإبداعية حركة نقدية توجهها، وتأخذ بيدها، وتُساعدها على التطوير والتجديد والتحسين، وذلك رغم ما كان هناك من حركة نقدية شعرية نشطة، بل مدوية. وحركة نقد خاصة بالرسائل والخطب، وإن كانت أقل منها نشاطًا وصخبًا. ولا ندري الآن السر في هذا الصمت النقدي تجاه الإبداع القصصي العظيم، الذي خَلّفه لنا أجدادُنَا، ولكن هكذا كانت الأمور، وظَلّت حتى العصر

стр. 226

الحديث، حين تأثرنا بالأدب الغربي؛ فاهتممنا بالنقد القصصي، الذي لم يكن في مبتدئه سوى قطرات من ماء، ثم استحال غربًا متدفقًا آخر الأمر. على أية حال ظل هذا حال "ألف ليلة وليلة" حتى بعدما تحولت إلى نص مكتوب، ولم يقتصر ذلك النص على صورة واحدة، بل تعدد بتعدد البيئات التي سجلته، ومن هنا أصبح لدينا عدد من المخطوطات المختلفة لذلك العمل، حسب البلاد المُختلفة التي وُجدَتْ فيها تلك المخطوطات، إلى أن لفت الكتاب أنظار الغربيين؛ فعندئذٍ تبَدّل الحالُ غير الحال، وكتب لـ"ألف ليلة وليلة" حياة جديدة تختلف عن حياتها السابقة، وبخاصة حين عرفنا في العالم العربي نظام التعليم الجامعي، وبالذات بعد أن أدخلنا دراسة الأدب الشعبي ضمن مقرراته؛ فتتابعت الدراسات التي تُعنى بذلك الكتاب وكثرت. وكانت أول ترجمة لذلك الكتاب على يد "أنطوان جالان" المستشرق الفرنسي، الذي كان يعيش في القرن الثامن عشر، ثم تبعتها ترجمة "إدور وليم لين" ما بين ألف وثمانمائة وثمانٍ وثلاثين، وألف وثمانمائة وأربعين، ثم ترجمة "جون باين" ما بين عامي ألف وثمانمائة واثنين وثمانين، وألف وثمانمائة وأربعة وثمانين، ثم ترجمة "رتشر برتن" الإنجليزية، التي ظهرت عام ألف وثمانمائة وخمسة وثمانين. وهناك ترجمة فرنسية أخرى قام بها "مار دريه" ثم تُرجمت "ألف ليلة وليلة" منها إلى الإنجليزية، ترجمة ثانية غير ترجمة "برتن" كما قام حسين هنداوي بترجمة النص الذي تولى تحقيقه العراقي محسن مهدي، كذلك ظهرت ترجمة إنجليزية بقلم "ماركلم أورسولا لاينس". سنة ألفين وثمانمائة في ثلاثة مجلدات عن دار "البنجون" المعروفة.

стр. 227

وفي البرازيل شرع "ماميدي مصطفي جاروش" يطبع ترجمته البرتغالية التي ظهر منها حتى الآن ثلاثة مجلدات من نحو ستة مجلدات، طبقًا لما خطط له، إلى آخر ما هنالك من ترجمات إنجليزية وفرنسية وإيطالية، وألمانية وأسبانية وبرتغالية، ورومانية وهولندية ودانيماركية، ويويانية وسويدية وروسية، وبولندية، ومجرية. وكان لقصص "ألف ليلة وليلة" ولا يزال تأثير عظيم على الأدب، وسواه من الفنون في العالم الغربي، وغير العالم الغربي؛ فهي إنجاز أدبي ضخم قدّره الغربيون؛ فترجموه إلى لغاتهم، وأمعنوا فيه دراسة وتحليلًا؛ حتى تحولت الليالي إلى وحي لفنانين كثيرين، ظهر في أعمالهم الروائية والمسرحية والشعرية والموسيقية وغيرها. وتضم قائمة المتأثرين بها من الأدباء وحدهم أسماء مثل: "هنري فلدنج" و"سلمان رشدي" و"خرخلوس برخيس" و"ثاكلي" و"اسكت" و"جوتا" و"جيرال دي نرفال" و"دماس" و"استندال" و"فلبير" و"هلكي كونل" وهلمَّ جرًّا. لقد نسجت قصص على منوالها، واشتهر كثير من شخصياتها "كعلاء الدين" و"السندباد" و"علي بابا" مثلًا كما استوحي جو الغرائب والعجائب الذي يسودها، عند كتابة كثير من القصص في عصرنا هذا، فرأينا فيها الجني والبهموت، والبساط الطائر، وهذا غير استلهامها في ميدان الفنون الأخرى؛ فقد وضع "رامسيكي كورساكوف" مثلًا سيمفونيته الشهيرة "شهر زاد" عام ألف وثمانمائة وسبعة وثمانين، كما ألهمت الرسام "إدموندولاك" وغيره. وتحولت بعض حكايته إلى أفلام، كفلم "علاء الدين" و"لص بغداد" فضلًا عن كثير من ألعاب الأطفال وبرامج تسليتهم.

стр. 228

ومن الأعمال الأدَبية التي تأثرت بألف ليلة وليلة مسرحية "كالدرون" الكاتب الأسباني "إنما الحياة حلم" إذ استعار مؤلفها هيكل قصة النائم الذي صحا، وتلخص أن ملكًا سمع شحاذًا يشكو سوء حاله، فسقاه شرابًا مخدرًا لينام ثم يستيقظ فيجد نفسه محوطًا بمظاهر الثروة والأبهة، ثم يغلبه النوم مرة أخرى ثم يستيقظ فيجد نفسه في هذه المرة، وقد عاد شحاذًا كما كان. وهناك أيضًا المعجزة الثالثة والعشرون في "ديوان المعجزات" للشاعر الأسباني "جونثالوا ديبرثيوا" وهي تشبه تمام الشبه قصة التاجر البغدادي المسلم، الذي سُرقت منه أمواله في الصين؛ فاضطر إلى استدانة ألف مثقال من أحد التجار هناك، واعدًا إياه أن يردها له في ميعاد وموضع معين، إلا أنه لما اتسع حاله وحلّ ميعاد الدين، استحال عليه أن يكون في الموضع المذكور؛ فما كان منه إلا أن وضع المبلغ في خشبة وألقاها في الماء داعيًا الله أن يوصلها إلى صاحب المال، وهو ما حدث. ولدينا "الأيام العشرة" للكاتب الإيطالي الشهير "بويكاشيو" الذي ضمن عمله هذا مائة حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، وأسندها إلى سبع سيدات، وثلاثة رِجال اعتزلوا المدينة في بعض الضواحي فرارًا من الطاعون، وفرضوا على كل منهم حكاية يقصها على أصحابه، كل صباح تسجية للفراغ؛ وقد صار "تشوسر" في ضربه؛ فكتب قصص "كانتربري" على المنوال ذاته، كما اقتبس منها الكاتب الانجليزي "شكسبير" موضوع مسرحيته "العبرة بالنهاية" ولسنج الكاتب الألماني مسرحيته "نافان الحكيم". وهناك شبيه لها يتمثل في رواية من روايات القرن الثامن عشر الميلادي، عنوانها " the man skrebt fown en saragosa" لـ"جان بوتوكي"

стр. 229

البولاندي كما استوحاه "وليم تومس بيك فورد" في روايته "فاسك" و"إدجر ألن بو" في قصته " the sothand and saknd tern of shahr zad" الليلة الثانية بعد الألف من ليالي شهر زاد، التي أنهاها بإعدام الملك شهريار زوجته شهر زاد، على خلاف ما في ألف ليلة وليلة الأصلية، وهي تصور الرحلة الثامنة والأخيرة من رحلات السندباد، وما لقيه أثناءها من غرائب مدهشة، ولكن بعد أن حول "بو" بيئة الحوادث إلى بيئة عصرية. وكان من جراء قصة "بو" أن كتبت "كيتلين كير نان" قصة أخرى استوحتها من سلفها الأمريكي، اسمها " the sothand and therd tern of shahr zad" وفي قصته febl one thaothand and one nit of snofol نرى "بل ولينجهام" يتخذ من حكاية شهر زاد أساسًا إذ تقوم "سنو وايت" بقص حكاياتها للسلطان بما فيها من شخصيات سحرية؛ كي تفلت من مصير القتل الذي ينتظرها. ومن الأعمال التي تأثرت بـ"ألف ليلة وليلة" أيضًا: قصة " the story telars dotar". التي كتبتها "كاميرون دوكي" للأطفال" مُستلهمة إياها من "ألف ليلة وليلة" ومن الذين اعتمدوا عليها أيضًا "جون بارت" الذي ذكرها مرارًا في أعماله القصصية، أو أخذ منها بعض عناصرها وشخصياتها "وليجيسون جرت" مسرحية ظهرت عام ٢٠٠٥ بعنوان: "ألف وواحدة" استوحى فيها أشياء من "ألف ليلة وليلة" مع خلطها بعناصر عصرية حقيقية ومتخيلة، وأخرى من كتابات "فلوبير" وثالثة من أفلام "هتشكوك" ورابعة من "مايكل جاكسون". وفي ذات العام نشر الروائي "جوزيف كوفي نو" رواية بعنوان " frest and saknd arebian nit slost slstil verses " وهذا العنوان في حد ذات يكفي للدلالة على ما نريد قوله.

стр. 230

وفي اليابان في أقصى الشرق نجدُ "ألف ليلة وليلة" قد تكررت ترجمتها في القرن التاسع عشر مرتين، وفي القرن العشرين عدد من المرات، وكان لها حضور طويل في أعمال غير قليل من الروائيين والشعراء، الذين ذكر بعضهم فضلها، وأشادوا بها. وفي مَجال الشعر الإنجليزي وحده لدينا قصيدة "ويلز ويرث" " the belud" "tenson the kolekshns" "the arebin nit" وإذا أردنا شيئًا من التفصيل فلنأخذ مثلًا: حكايات "كانتربري" التي ألفها "تشوسر" و"لنجاة مراني" كتاب بعنوان (آثار عربية في حكايات كانتربري) تذكر فيه أن ثلاثًا من حكايات "كانتربري" تشبه بعض قصص "ألف ليلة وليلة" فالقسم الأول من حكايات الفارس الصغير يُقابله الحصان الطائر، والمرآة والخاتم السحريان، وهو يشبه ما ورد في ألف ليلة وليلة عن الحكماء الثلاثة، الذين قدموا للملك نفس هذه الهدايا السحرية. كما أن القسم الثاني من حكاية الفارس الصغير، وهو قصة الأميرة "تكانيس" التي أدركت عدم وفاء الرجال، وعزفت عن الزواج بعد سماعها حكاية في هذا الموضوع على لسان الطيور، هذا القسم يشبه حكاية أخرى من ألف ليلة وليلة، رأتْ الأميرة فيها حلمًا من عالم الطيور، يماثل ما سمعته كانيس على لسان تلك الطير، ولا تكتفت الباحثة بهذا الكلام الموجز المرسل بل تترجم ال حكايات "التشوسرية" الثلاث، ثم تضع إزاءها النصوص العربية، كي يستطيع من يريد المقارنة بينهما بنفسه. ثم تقوم برصد وجوه الشبه تفصيلًا. وأخيرًا تختم كلامها بقولها: "إن الحكايات العربية الموازية لحكايات "تشوشر" سابقة عليها في الظهور إلى عالم الوجود، فضلًا عما ثبت مما لا يدع مجالًا للريب؛

стр. 231

من أنها قد تُرجمت إلى اللاتينية قبل كتابة "تشوشر" لحكاياته، وهو ما يدل على أن الحكايات العربية كانت من المكونات لخلفية حكايات "كانتربري". هذا من جهة المضمون، وتبقى الناحية الفنية، وقبل أن تتناول الكاتبة هذا الجانب تشير إلى ما يسمى في عالم الحكايات الشعبية بقصة الإطار، وهي نوع من القصص يتكون من عدة حلقات، كل منها يشكل حكاية مستقلة؛ إلا أنها مرتبطة في ذات الوقت بالحكايات الأخرى؛ قائلة: إنه كان هناك في أوربا وقت ذاك ثلاث حكايات من ذلك الصنف، هي حكايات "روماي السبعة" و"ألدي كامير" وحكايات "كانتربري". والذي يهمنا من كلام الكاتبة هنا: هو ما قالته عن الحكايات الأخيرة، وخلاصته: أنّ عددًا من الحُجّاج الذين كانوا في طريقهم لزيارة مثوى القديس "توماس بكت" التقوا في إحدى الحانات القائمة في ضاحية من الضواحي اللندنية، وفيهم الفارس والطحان والطباخ والكاتب، والمحامي والبحار، والطبيب والقسيس، والراهب والراهبة؛ فضلًا عن "توباز" راوي القصة ذاته الذي يشرع في وصف الحقول والبساتين، والجو الطبيعي، والحانة وصاحبها، وكل شخص من تلك الشخصيات. ثم يحكي لنا الطريقة التي اتفق هؤلاء الحجاج ليلتهم تلك، في الحانة المذكورة على أن يقطعوا بها رحلتهم إلى المزار الذي كانوا يقصدونه، وذلك بأن يحكي كل منهم قصة ذات مغزًى أخلاقيّ رفيع، تعينهم على قطع الطريق، وتخفف عنهم مشاقه. وهكذا يبدأ كلًا منهم في حكاية قصته مع مقدمة ووصلة تربطها بما قبلها، في الوقت الذي ينصت الجميع بانتباه إلى ما يقول، مع مقاطعة هنا أو هناك، تطفي

стр. 232

قدرًا من الحياة والموضوعية على الموضوع برمته، وقد تتطور المقاطعة إلى خصام وجدال، سَرْعان ما يتدخل صاحب الحانة بفضه بالتي هي أحسن. فإن انتقلنا إلى "ألف ليلة وليلة" وجدناها أيضًا أنها تقوم على حكاية إطار، حكاية شهرزاد وشهريار، إذ تأخذ شهر زاد كل يوم برواية حكاية صغيرة، أو حلقة من حكايات طويلة تشغل بها الملك المتعطش لدماء النساء، عن ممارسة هوايته، وتبقيه متشوقًا، ينتظر الحكاية أو الحلقة التالية، فيبقي هو بدوره على حياتها، حتى تكمل له قصتها المشوقة، ولا تنتهي تلك الحلقات إلا مع انتهاء الكتاب كله كما هو معروف. فضلًا عن أن أبطالَ الكتاب يَظَلّون حاضرون طوال الوقت، منذ أول حكاية إلى أن نبلغ الحكاية الأخيرة. ومن هنا يتبين لنا أن الأبطال في كلا الكتابين، هم الذين يروون الحكايات الموجودة فيه، وإن كانت هناك مع ذلك بعض الاختلافات الفنية، لحساب هذه مرة وتلك أخرى. ولعلنا قد لاحظنا كيف تتطور العناصر المأخوذة أو المستوحاة من عمل ينتمي إلى أحد الآداب القومية، عبر رحلته إلى أدب قومي آخر، ولا يبقى كما هو، بل يتحول في العادة متخذًا أشكالًا مختلفة، ومُكتسبًا طعومًا مُتباينة تبعًا لاختلاف البيئات، وتباين الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية في كل بلد، عنها في البلاد الأخرى غالبًا. لكنّ هذه الحقيقة لا ينبغي أن تلغي فضل الأدب المعطي، ولا أن تسلب حقّ الإبْدَاع عن الأدب الآخذ، إذ لا شيء يأتي من فراغ، بل كل إبداع أدبي أو غير أدبي إنما هو في الواقع حلقة في سلسلة طويلة متشابكة، مكوناتها: ثمرات العقل والخيال البشري على مر العصور، وعبر الأوطان.

стр. 233

ولنأخذ أيضًا قصيدة ألفريد تين سون " collection of the arebin laies " التي يقول النقاد: إنه قد استوح ى أسوارها الساحرة من قراءته في "ألف ليلة وليلة" وبالذات من قصة "نور الدين وأنيس الجليس"، وعلى وجه أخص ذلك الجزء الذي تحكيه شهر زاد في الليلة الثالثة والثلاثين، فضلًا عن تردد ألفاظ مثل: بغداد وهارون الرشيد، والبلبل والخلافة في القصيدة، واستخدام الهلال للإمبراطورية العثمانية المسلمة، مع تكرار عبارة " the golden brim of god haron alrasheed " في آخر كل مقطع. ومما مارسته أيضًا "ألف ليلة وليلة" من تأثير في حقل الأدب الاشتراك في تمهيد السبيل لظهور مذهب الواقعية السحرية "ماجيك ريليزم" في الكتابات الروائية، ذلك المذهب الذي شاع في ثمانينات القرن العشرين، على يد عدد من روائيي أمريكا اللاتينية من أمثال الأرجنتيني "خورخي لويس بوخيس" والكولمبي "يرسيم بركيس" إذ يرسُم الكاتِبُ تفاصيل قصته رسمًا موغلًا في البساطة والألفة، وهو ما يزيد من حدة الاصطدام بالغريب والمستحيل الحدوث، حين يجاوره ويشتبك معه. والوَاقِعُ أنّ جُذور هذه الواقعية السحرية البعيدة، موجودة في الأساطير القديمة، وبخاصة في حكايات "ألف ليلة وليلة" وليس أدلّ على ذلك من إعلان "بلخيس" نفسه مرارًا عن تأثره بذلك الكتاب في بناء طريقته الإبداعية، بما تعج به من الخوارق والمعجزات، والدهشة والغرابة، واللا معقول. وبالمناسبة فلـ"بورخيس" مقالٌ عن مترجمي ألف ليلة وليلة ذلك الكتاب الذي كان يحمله معه أينما ذهب، كما أنّ الكثير من قصصه، وبخاصة في مجموعته "المرايا والمتاهات" قد بُنيت على أساس أشياء مستعارة من ألف ليلة وليلة؛ حيث

стр. 234

تتسمُ الحِكَايةُ بالبَسَاطَةِ والأُلفَة وتُوغِلُ في أمور الواقعي اليومي ثم فجأة ودون تمهيدات، يطير البطل مثلًا، أو تبتلعه الأرض، أو تخرجه الفتاة التي أسرها العفريت سلسلة من خواتم تخصُّ الرجال الذين واقعوها، برغم تحذيراته لها وهكذا. كما قرأ "جابريل جارثيا ماركيس" مختارات من ألف ليلة وليلة في طفولته، وظل مفتونًا بها. أثر الموشحات في الأدب الغربي وإلى جانب "ألف ليلة وليلة" هناك "الموشحات" ذلك الجنس الشعري الذي اشتهرت به الأندلس، وكانت تدور في كثير من نماذجها حول الغزل، كما كانت تخرج على النظام العروضي والقفوي التقليدي، الذي يجري على وتيرة واحدة، وزنًا وقافية من أول القصيدة إلى نهايتها، حسبما هو معروف. ويتركب كل موشح من وحدتين تتكرران عددًا من المرات، وحدة يبدأ بها الموشح في العادة، وتُسمى قُفْلًا؛ فإذا لم يبدأ بها، وبدأ بالوحدة الثانية سُمّي الموشح أقرع، وهذه الوحدة الثانية تُسمى غصنًا. ويتكون الموشح النموذجي في العادة من ستة أقفال؛ تحصر بينها خمسة أغصان، ولكن الوشاح غير ملزم بذلك إن شاء أن يزيد أو ينقص، واجتماع القفل والغصن التالي له يسمى دورًا، وبَعْضُهم يُسَمّيه بيتًا، فالمُوَشّح النّمُوذَجي على هذا الأساس، يتكون من خمسة أدوار، أو أبيات، وقُفل ختامي يدعونه الخرجة، ولكن الأقرع يشذ عن ذلك لأن أحد أقفاله ساقط. وللوشاح أن يجعل عدد أجزاء الغصن حسبما يريد، وأهم هذا التوشيح من حيث النغمة: قيام القفل أحيانًا على وزن، وقيام الغصن على وزن آخر؛ فتسير

стр. 235

الموشحة في وزنين، والغالب أن يتفق القفل والغصن في الإيقاع العام، وقد يختارُ الوَشّاحُ وزنًا مباشرًا أوزان القصيد فينسج عليه موشحته مثل: أيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع وهذا ما يسميه "ابن سناء الملك" الموشح الشعري، أو يستخرج وزنًا جديدًا ينظم عليه موشحته، وقد حاولَ المُستشرقُ الأسباني خُليان ريبيرا، وتبعه على ذلك بعض المستشرقين، مثل: جوميس وبلال، وكذلك بعض المؤلفين العرب، مثل: الدكتور عبد العزيز الأهواني، والدكتور مصطفى عوض الكريم، وبطرس البستاني، أن يفسر سببًا بظهور الموشحات في الأندلس، فأرجع أن أهل تلك البلاد كانوا في حياتهم اليومية، يتكلمون العامية الأعجمية؛ في الوقت الذي كان يخصصون العربية الفصحى للأمور الرسمية. ومن ثم نشأ بينهم طراز شعرية جديد يقوم بين المزاوجة بين العربية الفصحى، والعامية الأعجمية، وهو الشكل الذي أثار استياء العلماء المحافظين، فكان من جراء ذلك أن نهض الناس جميعًا -حسب عبارته- يتناقلونه سرًّا، فيما بينهم، وذاع أمره داخل البيوت، وفي أوساط العوام، وما زال يعظم؛ حتى أصبح يومًا من الأيام لونًا من الأدب. وهذه نظرية خاطئة إذ تفترض أنّ أهل الأندلس كانوا يتحدثون بالعامية الأعجمية، وهو ما لم يحدث، ولا قال به أحد، وكيف يمكن أن يقوله أي أحد، بل كيف يمكن أن يخْطُر شَيءٌ من هذا بِبَاله، ولم يحدث يومًا أن اتخذ العرب لغة أهل البلاد التي فتحوها؛ لقد كان العرب أعَزّ من ذلك بآماد لا تتصور. ثم كيف يكون الناس جميعًا يتناقلون هذا الشكل الشعري سرًّا فيما بينهم؟! إنّ السر معناه أن ينفرد به بعض الناس دون بعض، أما أن يكون سرًّا بين الناس جميعًا، فلا أدري كيف يكون؟!

стр. 236

كذلك بأن الموشحة لم تكن تنظم بالعامية الأعجمية، بل كل ما هنالك أن خرجات بعض الموشحات من بعض المئات -البعض فقط- كانت تكتب بالعامية، وبعض هذه الخَرجات المَكتُوبة بالعامية، كان يُكتب بالعامية الأعجمية، علمًا بأن الخرجة لا تمثل إلا جزءًا صغيرًا جدًّا من الموشحة، وأن ذلك النوع من الخرجات لم يكن يكتب جميعه بالعامية، ولا بالعامية الأعجمية؛ إذ قد يقتصر هذا على كلمة أو كلمتين فحسب. وفضلًا عن ذلك فإن الأسجال وهي فن شعري ينظم بالعامية كاملًا، إنما كانت تنظم العامية العربية لا الأعجمية، كما يعرف ذلك كل أحد، ولو كانت عامية أهل الأندلس هي الأعجمية؛ لنظمت الأسجال على الأقل بتلك العامية لا بالعامية العربية، التي يفترض حسب تلك النظرية أنها لم تكن تستعمل هناك. ثم إنّه لم يَحْدُث أنّ أحدًا من العرب القدامى، ممن كتب عن ذلك الطراز من النظم، سواء أكان من أهل الأندلس أو من غيرهم، قد أشار ولو مجرد إشارة، إلى شيء من هذا الذي قاله "ربيرا" أما لو كان هناك من الأندلسيين غير المسلمين، من كتب شيئًا من هذا الذي يقول "رييرا" فليرنا إياه. وقد تعرض العقاد ﵀ إلى موضوع "تأثير الموشحات على الشعر الغربي" فذكر ما قاله "دانتي" من أنّ نظم الشعر بالعامية؛ قد شاعَ في إقليم بلوفَانس؛ حيث تنتقل الأمم اللاتينية إلى الجنوب، فانتشر من ذلك الإقليم أولئك الشعراء الجوالون، الذين عُرفوا باسم "التروبادور" المأخوذ من "طرب أو طروب" في رأي بعض المستشرقين، والذي قال إن اسم "التنزو" الذي يطلق على شعرهم، مأخوذٌ من كلمة تنازع، لأنهم كانوا يلقون الشعر سجالًا، يتنازعون فيه المفاخر والدعاوى، بالإضافة إلى ما لوحظ من شبه شديد بين أوزان هذا الشعر، وأوزان الزجل الأندلسي.

стр. 237

وما وجد في أشعار الأوربيون في شمال الأندلس، من كلمات عربية وإشارات إلى بعض العادات الإسلامية، كتخميس الغنائم، واختصاص الأمير بالخمس منها. كذلك لمس محمد مفيد الشوباشي في كتيبه "العرب والحضارة الأوربية" هذا الموضوع؛ فأشارَ إلى أنّ من درسوا الأدب الأوربي، وتطوره قُبيل العصر الحديث؛ يلاحظون أن الشعراء "التروبادور" هم الذين أحدثوا أكبر أثر فيه، فتبدلت حاله كل التبدل، وعرف السبيل القوايم على حد تعبيره. لقد كانت أشعار هؤلاء الشعراء الجوالين الذين ظهروا في أسبانيا خلال القرن العاشر الميلادي -على ما يبدو- لونًا من الزجل، تطور ودخلت عليه كلمات أسبانية، إلا أنه لم يفقد خصائص الشعر الأندلسي، حسبما يقرر الشوباشي الذي يستند في كلامه هذا إلى ما كتبه بعض من تطرق إلى ذلك الموضوع من الكتاب الأوربيين؛ كـ"إيميل هنريو و"بريفو" و"بربري". والذي يبدو أن تأثير الشعراء التروبادور" قد انتقل بعد هذا إلى ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا؛ وإن لم يدخل في تفصيلات القضية، اللهم إلا في رده على بعض من ينكر من الأوربيين، ما تدين به أشعارهم قبل عصر النهضة إلى الشعر العربي في الأندلس. وفي كتابه (الأدب المقارن) يوضح الدكتور محمد غنيمي هلال موضوع تأثر شعراء التروبادور بالموشحات سواء في مضمون قصائدهم، أو في نظامه الموسيقي، قائلًا: "إنّ شعراء التروبادور" كانوا يعيشون في بلاط الملوك والأمراء، ويتغنون بالحب على نحو يذل فيه المحب لمحبوبته، ولا يجد في ذلك ما ينال من عزة نفسه، وإنه لوحظ أنهم يبنون قصائدهم في المتوسط من سبع مقطوعات، كما يفعل الوشاحون، وهو العدد الغالب على الموشحة.

стр. 238

كذلك نجد في تلك القصائد ما يُقابل المَطْلَع والغُصْنَ والقُفل في الموشحات، كما أن المصطلح الذي يطلق على مجموع الغصن والقفل معًا، هو البيت. بالضبط مثل ما يطلق في الموشحات. ثم إن نظام القافية في شعر شعراء التروبادور يسيرُ على نفس المنوال الذي تسير عليه القافية من ذلك الفن، وبالمثل يقابلنا في غزلهم شخصية الرقيب، والواشي، والعاذل، والحاسد، والجار، وكذلك الرسول الذي يستخدم في مهنته خاتمًا، كما في الموشحات فضلًا عن استعمال ضمير المذكر للحبيبة في كثير من الأحيان. وفي كتابه (دور العرب في تكوين الفكر الأوربي) يبرز الدكتور عبد الرحمن بدوي دور الموشحات في الأسجال الأندلسية في نشأة الشعر الأوربي، مُشيرًا إلى أنّ أوّلَ من قال بهذه النظرية هو "خونيال ربيرا" المستشرق الأسباني الذي عكف على دراسة موسيقى الأغاني الإسبانية، ودواوين الشعراء التروبادور والتروفير، وهم الشعراء الجوالة في العصر الوسيط في أوربا، و"الميسنجر" وهم شعراء الغرام؛ فانتهى من دراساته إلى أن الموشح والزجل هما المفتاح العجيب الذي يكشف لنا عن سر تكون القوالب التي صبت فيها الطرز الشعبية، التي ظهرت في العالم المتحضر إبان العصر الوسيط. وأثبت انتقاله بحور الشعر الأندلسي فضلًا عن الموسيقى العربية إلى أوربا، عن نفس الطريق الذي انتقل به الكثير من علوم القدماء وفنونهم، من بلاد الإغريق إلى روما، ومن روما إلى بيزنطة، ومن هذه إلى فارس وبغداد والأندلس، ومن ثم إلى بقية أوربا، وكنت أود لو أضاف الدكتور بدوي إلى ذلك أن كتابًا آخرين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مثل "نيكل وأوفون سلفستر وفيوري وفرانت إيجلي" يعضدون هذه النظرية.

стр. 239

ويمضي الدكتور عبد الرحمن بدوي؛ فيوضح كيف استخدم شعراء التروبادور "البروفانسليون" الأوائل أقدم قوالب الزجل الأندلسي، كما يظهر في شعر أول شاعر تروبادور "بروفن سادي" وهو "جيوم التاسع" "دوخ أكيتانيا" الذي يعدونه أول شاعر في اللغات الأوربية الحديثة، والذي بقي من شعره إحدى عشر قصيدة من بينها خمس كتبت بعد سنة ألف ومائة واثنتين. وتتألف كل منها من فقرات تشبه في قالبها فقرات الزجل، من حيث تأليفها من ثلاثة أشطار متحدة القافية، يتلوها أشطار من قافية واحدة في كل الفقرات، كما نجد هذا النمط من النظم أيضًا عند شاعرين تروبادورين قديمين آخرين هما: "ثركامون ومركابرو" اللذان عاشا في النصف الأول من القرن الثاني عشر، ثم انتشر هذا النمط من النظم في الشعر العربي في أوربا، وفي الشعر الديني الذي ألفه الأدباء الفرنسسكان في القرنين الثالث عشر والرابع عشر وفي أغاني الكرنفانات في فينتسا في القرن الخامس عشر. ويستمر الدكتور بدوي قائلًا: إن الشعراء المتعلمين في أسبانيا نفسها، قد ظلوا يستخدمون أنماط النظم، على طريقة الأسجال العربية، ومنهم "ألفونس" الحكيم في القرن الثالث عشر، ورئيس القساوسة في هيتا في القرن الرابع عشر، و"فياسيندينو وخواندل إنثينا" في القرن الخامس عشر، وأوائل القرن السادس عشر. ولم يقتصر الأمر على طريقة النّظم بل امتد التأثير العربي في نشأت الشعر الأوربي، أيضًا إلى طريقة علاج الموضوعات؛ ففكرة الحب النبيل التي تسود الغزل في الشعر البروفنسالي نجد أصلها في الشعر الأندلسي، وكذلك في أسجال ابن قزمان، كما يؤكد هذا "مينندث بيدال" أشد الباحثين حماسة في توكيد تأثير الموشح والزجل في نشأة الشعر الأوربي في نهاية في العصر الوسيط.

стр. 240

وإذًا فلا يقتصر التأثير على بعض الموضوعات، مثل: المغامرات الغرامية الشائكة أو الفاضحة، والإهداء إلى حامٍ، وافتخار الشاعر بنفسه كما اقتصر على ذلك "ألفريد جانوا" في كلامه عن تأثير الشعر الأندلسي العربي في شعر الشعراء التروبادورا" الأوائل، بل امتد في نظر بيدال إلى جوهر هذا الشعر التروبادوري، وهو فكرته في الحب النبيل إذ يرى بيدال أن هذه الفكرة قد عرضها ابن حزم في (طوق الحمامة) وأنها كانت فكرة سائدة عند أهل الظاهر في نظرتهم إلى الحب؛ فقد كانت موجودة قبل ذلك في كتاب (الزهرة) لابن داود الظاهري صاحب الدعوة الحب العذري، الذي توفي في أواخر القرن الثالث الهجري. وكذلك نجد هذه الفكرة في شعر الحكم الأول الذي توفي في أوائل القرن الثالث الهجري، وفي شعر ابن زيدون، الذي يقول مثلًا في ولادة: ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن ... وول أقبل وقل أسمع ومر أطع وممن تناول هذه القضية أيضًا الدكتور عبد النبي سطيف الذي يوضح بدوره في كتابه (الموشحات الأندلسية وأثرها في الشعر الغنائي الغربي) كيف كان الشعراء التروبادور الذين ينتمون إلى إقليم "البروفانس" في جنوب فرنسا صلة الوصل بين الشعر الغنائي الأوربي، والشعر العربي الأندلسي، ولا سيما موشحاته وأزجاله. وكان "جيوم التاسع" أول من عرف من شعراء التروبادور الذين تأكدت صلتهم بالموشحات الأندلسية، وتعد حياته مفتاح البحث عن الصلة العربية الأوربية في ميدان الشعر الغنائي، وقد اتصلت حياة أول الشعراء التروبادور بالحضارة الإسلامية اتصالًا مباشرًا، في جنوبي فرنسا، وفي أسبانيا، وفي المشرق العربي، وكان صوتًا معبرًا عن واقع مجتمعه في عصره، مُنفتحًا عن الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس. وقد بقي من اليوم إحدى عشرة قصيدة تعكس جميعها

стр. 241

تأثره بالموشحات الأندلسية، في العناصر الأساسية المكونة لشعره؛ وهي: اللغة، والشكل، والمضمون، وأسلوب التعبير، ومن شعره: كل فرحة تهون أمام هذه الفرحة الكبرى ... وكل نبالة تتخلى عن مكانها لسيدتي بذا امتازت به من طرف ولطافة، ونظرة بهيجة، وسيعيش مائة عام ذلك الرجل الذي يحالفه الحظ، فيفوز بفرحة حبها، إنّ فَرْحَة حُبّها تشفي السقيم، والغضب منها يميت السليم، إن نفوذ حبها قد يؤدي بالعاقل إلى الحمق، وبالوسيم إلى ضياع وسامته، وبالمتأدب اللطيف إلى الفظاظة والقبح، كما أنه قد يُهذب طباع الفظ من الرجال، وإذا تفضل سيدي ومنحني حبه؛ فإنني مستعد لقبوله اعترافًا بفضله، وأن أكون كتومًا للسر، وملاطفًا ظريفًا، أقول وأفعل ما يريد؛ حتى أستحق رضاه، وأنال منه الثناء. ومن الشعراء التروبادور أيضًا "جيف رودل" وكان عميد منشدي الغزل الروحي العفيف، المعبر عن العشق المثالي للمرأة، وتعبر قصائده الغنائية عن تجربة حبه الفريدة، التي خلفت أثرًا بالغًا في الأدب الرومانسي في فرنسا وإيطاليا وانجلترا، وغيرها. وأصبح منهجه في الحب منارة لكل الشعراء، إذ غدا شعره ومنهجه في الحياة مثالًا يُحتذى للتعبير عن التعلق اليائس بالحبيب البعيد. وكانت أغنيته الخامسة أغنية الحب البعيد، كفيلة بتوضيح بعض قسمات هذا الحب الفريد والغريب في آن مع على الحساسية الأوربية: عندما تطول الأيام في شهر آيار تعجبني أهالي العصافير المغردة من بعيد وحينما أنتهي من سماعه

стр. 242

أتذكر حبًّا بعيدًا فأمشي مطبق الرأس في تأمل غير مهتمٍ بالغناء ولا بآثار البيوت فهي لا تفضل في نظري ثلوج الشتاء ويقول أيضًا: لن أسعد بأي حب غير هذا الحب البعيد؛ لأنه لا توجد امرأة تضاهي محبوبتي في أي مكان قريب أو بعيد؛ لقد بلغت سمو الحسن والنسب والصفاء، ما يجعلني أتمنى أن أكون أسيرًا عند المسلمين لأحس بسعادة الاقتراب منها. كما عكست قصائد "رودن" نظام القوافي المقبوس من الموشحات العربية الأندلسية؛ فضلًا عن مذهب الغزل العذري العربي والبعد عن أساليب التعبير عن التعقيد في اللفظ، والتركيب، والتكرار المستساغ. كذلك يذكر الدكتور سطيف الشاعر "مار كابرو" الذي كان واحدًا من أنجب تلاميذ "جيوم" التاسع؛ فقد عاش هذا الشاعر بين فرنسا وأسبانيا في قصر الأمير "جيوم" العاشر، وترك أربعة وأربعين قصيدة مختلفة الأشكال، متنوعة الأغراض، وإن غلب الهجاء عليها، وكانت حياته حياة لهو وعبث، ومع هذا فقد خصص بعضًا من إبداعه الشعري لهجاء اللهو والفجور. ويعكس شعر ذلك الشاعر جوانب مختلفة من التأثير العربي الإسلامي في شعره؛ في الشكل، والأسلوب، والمضمون في آنٍ معًا، وبخاصة تركيب الأغصان والأقفال، وتوزيع القوافي. وكان "مركابوا" متأثرًا بالشعر الغزالي عند ابن أبي

стр. 243

ربيعة، ولنستمع من شعره إلى هذه السطور من قصيدة، "الزرزور" تلك التي يقول فيها: طر أيها الزرزور محلقًا ... واغدو في الصباح مبكرًا توجه نحو بلد تلتقي فيه ... محبوبة لي هناك تجدها وتراها ومهمتك هي أن تقول له مستفسرًا في نفس الوقت: لماذا خانت عهدها؟ ويمضي الدارس مبينًا كيف كانت الرياح عربية إسلامية، تهب على شبه الجزيرة الإيطالية من الشمال والجنوب معًا، من التأثير التروبادوري أولًا، ومن صقلية حيث النفوذ "النورماندي" وأن ثمة ما يشبه الإجماع بين دارسي "دانتي" على أنه استمد أصول فنه من مصادر عديدة، كان من أبرزها الشعر التروبادوري إذ كان يعرف لغة مبدعيه، معرفة ممتازة، ساعدته على تذوق شعرهم. كذلك كانت المرأة "البروفنسالية" المثقفة كما يقول بريفو: مثل المرأة العربية بعامة تلهم مشاعر الشعراء، وتثير بطولة الفرسان، وتأثر العظماء بأدبها وجمالها، وتقول الشعر، ويحتكم إليها مبدعوه، وتسير بذكرها الركبان؛ فيتمناها كل من أحس بنفسه نخوة الرجولة. وقد أسهمت المرأة "البروفنسالية" إسهامًا قويًّا في نشر تقاليد التروبادور المستلهمة من الشعر العربي الأندلسي، في أنحاء أوربا بين أمثال الأميرة "ألنور" حفيدة "جيوم التاسع التولوذي" والأميرة "كنستانس" بنت ملك "أراجون ألفونصو الثاني" أما الأميرة إيلونور" فكانت وراء قدوم العديد من الشعراء التروبادور "البروفنساليين" إلى انجلترا، وبالتالي وراء التأثير الإسلامي في الشعر الغنائي الإنجليزي في العصور الوسطى، وفتحت قصرها ملتقى للأدباء والشعراء، والفنانين القادمين من

стр. 244

الجنوب يحملون معهم عبق البروفانس. وأما الأميرة "كونستانس" فقد كانت وراء انتشار فن التروبادور في أوربا الشرقية. ولم يقتصر تأثير الشعر العربي الأندلسي على الشعراء التروبادور بل شمل الشعر الأوربي الحديث -كما يؤكد الباحث- وتم ذلك على يد "عزرا بوند" الشاعر المعروف، الذي تسربت عناصر من الثقافة العربية الإسلامية إلى شعره؛ مؤثرًا بدوره في الشعر العربي الحديث، لتكمل بذلك دورة التأثير، التي بدأت بشعر الموشحات، والأزجال في الأندلس. وانتقلت الشعراء التروبادور في مختلف أنحاء القارة الأوربية، ثم إلى "دانتي وسونتاته" لتصل إلى شيخ شعراء العصر الحديث وحواريه في الوطن العربي وفي خارجه. ورغم كل ما تقدم -وهو غيض من فيض- فإن محاور مادة الموشحة من دائرة المعارف الإسلامية "سيكلوبيديا الإسلام" في طبعتها الجديدة، يتجاهل جميع ما سيق في قضية تأثير شعر الموشحات على الشعر الأوربي الحديث، من حيثيات وبينات، وشواهد وتفصيلات، ولا يلتفت إلى الموضوع إلا في الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة، وعلى نحو جِدٍّ موجز. وكل ما قاله أن أقدم الشعراء التروبادور وهو وليم الأكويكي الذي ازدهر شعره في القرنين الثاني عشر، والثالث عشر الميلاديين، أيام الموشاحين اليهود قد استعمل نظامًا موسيقيًّا يشبه نظام الموشحات، وأن هذا هو أهم عنصر فيما يُسمى بالنظرية العربية، التي تعمل على تفسير عبقرية الشعر "البروفنسالي" جزئيًّا على الأقل من خلال التأثير العربي. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 245

الدرس: ١٠ تأثير الأدب العربي في الشاعر الألماني جوت .

стр. 246

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (تأثير الأدب العربي في الشاعر الألماني جوته) نشأة جوته وثقافته تأثير الأدب العربي في الشعر الألماني جوته: ولد "يوهان فولف جان جوته" في الثامن والعشرين من أغسطس سنة ألف وسبعمائة وتسعٍ وأربعين في مدينة فرانكفورت، وكان الأب يوهان كاسبر جوته الذي كان مستشار الأسرة الملكية، هاويًا لجمع اللوحات الفنية والنباتات، وتنحدر الأم كاترينا "إلزابس جوته" من عائلة عريقة ذات أصول إيطالية. وقد كان الأب معلمًا لابنه وابنته؛ فدرّس لهُما علومًا كثيرة، وعلمهما لغاتٍ عديدة كالإنجليزية والفرنسية، واليونانية واللاتينية؛ لكن أحب الأشياء إلى نفسه كان الرسم والموسيقى. وفي الدروس الدينية التي كان جوته يستمع إليها من أحد أصدقاء الأسرة ومن خارج القصر "يوهان يعقوب اشتارك" لم يجد إجابة مرضية عن أسئلته التي كانت تملؤ نفسه وروحه حيرة وشكًّا؛ وقد عَبّر عن ذلك فيما بعد قائلًا: "لم تكن الكنيسة البروتسطنطية إلا نوعًا من الأخلاق الجافة، ولم تكن المواعظ الدينية في الكنيسة تثير التفكير، ولم تكن التعاليم تستطيع إرضاء الأرواح". وقد ظلت وجهت نظره نحو الكنيسة وعقائدها تتسم بالحالة والشك؛ حتى وصلت في ما بعد إلى حد الرفض، وقد وصف جوته تاريخ الكنيسة بأنه خليط من التضليل والتسلط، وكان أهم ما زال في نفور من الأرسوزكسية اللوثرية قضية الخطيئة الموروثة. وقد ولد الشغف بالأدب في نفس جوته في طفولته، ونَمّته المَكْتبة الضخمة لوالده، وصاحَبَ هذا الشغف المبكر بالأدب شَغفٌ بالمَسْرَح، وفي الثلاثين مِن سبتمبر سنة ألف وسبعمائة وخمس وستين، غادر جوته فرانك فوت؛ ليبدَأ

стр. 247

دراسة القانون في ليبزك حتى سنة ألف وسبعمائة وثمانٍ وستين، وكانت هذه الدراسة شيئًا ثقيلًا على نفس الشاب المفعمة بحب الأدب والفن؛ لذلك اهتم بالأدب أكثر من اهتمامه بالقانون وعلومه. وفي ليبزك أيضًا تلقى دروسًا في الرسم، كما تَعرّف على فنِّ النّحت الإغريقي، وفي ليبزك كانتْ أُسْطُورة "فوس" الشعبية منتشرة، إذ كانت ليبزك المكان الذي ولدت فيه هذه الأسطورة، وقد تأثر بها جوته تأثرًا كبيرًا، وبعد عودته إلى "فرانكفورت" ظَلّ عامًا ونصفًا في مرحلة نقاهةٍ، تخللتها فترات من الانتكاسات الصحية، وفي إبريل سنة ألف وسبعمائة وسبعين، غَادَر "فرانكفورت" ليغير دِراسته في "استراسبورج" فعاد ثانية إلى الكتب الدراسة الجافة التي يمقتها. وفي منطقة "الألزاز" حيث تقع "استراسبورج" تفتحت مواهبه الفنية، ولم يحب جوته شيئًا كما أحب الطبيعة في "الألزاز" في حوض نهر "الراين" ويبدو ذلك جاليًا في معظم كتاباته في ما بعد، وقد التقى جوته بـ"هلدر" في "استراسبورج" وشكل هذا اللقاء نقطة تحول في حياة جوته الأدبية، وكان "هلدر" الشخصية الأولى التي يجدُ جوته عندها الكثير من الإجابات على ما بداخله من الأسئلة. وكان "هلدر" هو الذي فتح عيون الأدباء الألمان من الجيل الجديد، على العبقرية الدرامية لمسرح "شكسبير" وأنهى جوته دراسة القانون؛ غير أن رسالته التي قدمها للتخرج، لم تنل بعد مناقشتها درجة تؤهله للعمل الحكومي، إذ كانت الدرجة التي حصلت عليها الرسالة ضعيفة؛ إلا أنه أعاد مناقشتها مرة أخرى في السادس من أغسطس سنة ألف وسبعمائة وإحدى وسبعين في "استراسبورج" وحصل هذه المرة على درجة الإجازة في الحقوق، وقرّر بعدها أن يعمل محاميًا في فرانكفورت؛ لكنه ترك مجال المحاماة بعد عدة أشهر.

стр. 248

وعاد جوته بعد هذه الفترة إلى التفكير في مشاريعه الأدبية، ووقع بين يديه كتاب قديم عن فترة حرب الفلاحين؛ فأعجب بقصة أحد قطاع الطرق الذي كان ينتمي إلى عائلة من النبلاء، فقرر تحويلها إلى عمل أدبي مسرحي، وأجرى الكثير من التّعديلات الفنية والدرامية عليها، ووضع لها مخططًا تصويريًّا تمهيديًّا لبعض مشاهدها، وبعد أن أتم المسرحية نسخ منها عدة نسخ وأعطاها لأصدقائه؛ فلاقت منه استحسانًا كبيرًا، وكان عنوان المسرحية "جوت فريج فون بري شنجن ذو اليد الحديدية". ارتحل جوته في مايو سنة ألف وسبعمائة واثنتين وسبعين إلى "فيتسلار" لإكمال تدريبه العملي في المجال القانوني، وفي إحدى الحفلات التقى جوته بصديقه "يوهان كريستين كسنر" وبرفقته خطيبته "شارلوتا بوف" فوقع جوته في حب "شارلوتا" ونشأ صراع نفسي عنيف في نفسه، بين صداقته لـ"كسنر" وحبه لـ"لوتا" جسده بعد ذلك في روايته "آلام الشاب فرتر". ولم يستطع جوته تحمل هذا الصراع النفسي، فقرر العودة إلى فرانكفورت، جاء خبر انتحار أحد أصدقاء جوته بعد عودته إلى فرانكفورت هربًا من حبه للوته، خطيبة صديقه "كسلر" فألهمه كتابة رواية "آلام الشاب فرتر". وبعد نشر الرواية لاقت نجاحًا منقطع النظير، وأحدثت ضجة أدبية لا في ألمانيا فقط، وإنّما في أوربا كلها، وتحول النجاح الأسطوري للرواية إلا ما يشبه الحمى، أو الهستريا بين الجيل الجديد من الشباب؛ حتى إن بعضهم أقدم على الانتحار انبهارًا بشخصية فرتر التي عدت في تلك الفترة مثلًا أعلى، يجسد مشاعر الجيل الجديد من الشباب. وفي تلك الفترة شرع "جوته" في كتابة العديد من الأعمال؛ لكنه لم يكتب منها غير مقطوعات وشذرات قصيرة منها: "أنشودة محمد" ونشأت في تلك الفترة فكرة

стр. 249

كتابة "فوست" وبعد عودته إلى فرانكفورت زاره كارل أوجست الذي أصبح دوقا لـ"فيمر" و"زاكسن"، ورأى فيه الشخص المناسب الذي يصلح أن يكون مستشارًا له في شئون إدارة الإمارة، ودعاه إلى أن يكون مستشارًا له وصديقًا. وفي يونيو عُين مستشارًا رسميًّا في المجلس الوزاري، رغم وجود اعتراضات عليه من جانب الوزراء والموظفين في الحكومة، ثم أخذت الدوق يولي "جوته" المزيد من المناصب في الإمارة، ففي السنوات التالية تَقَلّد جُوته العديد من المناصب، وهي: رئيسُ اللجنة العسكرية، ومدير إنشاء الطرق، ورئيس الإدارة المالية، ورئيس الشئون الثقافية؛ فكان جوته في الواقع بمثابة مدير الحكومة، أو رئيس الوزراء في الإمارة. وفي بداية سبتمبر سنة ألف وسبعمائة وست وثمانين، خَرَج جوته راحلًا من زيمر دون أن يخبر أحدًا برحيله، ولم يكن هناك من يعلم أمر تلك الرحلة، غير الأمير وسكرتيره "فلب زايدل" واتجه مُسافرًا صوب مدينة البندقية عبر "ريجنسبرج" و"ميونخ" و"ميتنفال" و"انسبرك" و"فيرونا" وكانت الوجهة الحقيقية هي روما، التي تعد كعبة للفنانين من كل أنحاء أوربا في ذلك الوقت. ثم قرر جوته إنهاء إقامته في إيطاليا، والعودة إلى "فايمر" في نهاية إبريل سنة ألف وسبعمائة وثمانٍ وثمانين. وفي عام ألف وسبعمائة وواحد وتسعين تولى جوته إدارة المسرح الملكي في "فايمر" وصارت كرستيانة زوجته مُستشارة شخصية له فيه، وفي عام ألف وسبعمائة واثنين وتسعين اشترك جُوته مع صديقه الدوق "كار أوجست" الشغوف بالأمور العسكرية، في الحملة العسكرية في فرنسا، وشهد فشل تحالف قوى الإقطاع والرجعية، وكان في "مينز" عام ألف وسبعمائة وثلاثة وتسعين، وشهد ضرب الحصار على المدينة التي قامت فيها أول جمهورية ألمانية.

стр. 250

وحينَ بدأتْ الإمْبَراطُورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية في التداعي تحت ضربات جيوش نابليون، بدأ "جوته" و"شيلر" مشروعهما الثقافي الإصلاحي؛ فكتب "شلر" رسائله عن التربية الجمالية للإنسان، في عام ألف وسبعمائة وخمسة وتسعين، وأنجز بين عامي ألف وسبعمائة وستة وتسعين، وألف وثمانمائة وخمسة -عام رحيله- أهم أعماله الدرامية. أما جوته فقد أنهى بين عامي ألف وسبعمائة وأربعة وتسعين، وألف وسبعمائة وستة وتسعين، روايته التعليمية "سنوات تعلم فلهم مايستر" التي تُعتبر المِثَال الأعلى للرواية التعليمية. وبتشجيع من صديقه المقرب "شلر" استأنف "جوته" الكتابة في عامه الأكبر "فوست" فأنهى الجزء الأول منه، وكذلك بِضْعة فصول من الجزء الثاني، وحينَ تُوفي "شلر" في عام ألف وثمانية وخمسة شعر جوته بالحزن العميق، والخسارة الكبيرة لوفاة صديقه العظيم. وبرحيل "شلر" يظل الكلاسيكي الكبير "جوته" حتى وفاته عام ألف وثمانمائة واثنين وثلاثين الوحيد المتبقي من هذه المدرسة، في حين أخذت الرومانسية في الانتشار والسيطرة شيئًا فشيئًا، على الحياة الأدبية؛ لكن جوته ظل هو القمة التي لا تدانيها قمة أخرى، وبقي باعتراف الرومانسيين قلمًا أدبيًّا كبيرًا، ولم تكن خسارة رفيق الطريق "شلر" هي السبب الوحيد في تشاؤم جوته واكتئابه في ذلك الوقت، بل أيضًا الحرب القادمة التي بدأت تتوغل في ألمانيا، وتجتاح في طريقها الدوقيات والولايات الألمانية، وعاثت فيها الفساد والنهب. فمع معركة في الرابع عشر من أكتوبر سنة ألف وثمانية وست، دخل الجنود الفرنسيون فيمر، وأخذوا ينهبون البيوت، وقد بدأ جوته في عام ألف وثمانمائة وستة في إعداد طبعة كاملة من أعمال لدى الناشر كوته في "اشتوتجارت".
следующие страницы →