← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (تأثير الأدب العربي في الشاعر الألماني جوته) نشأة جوته وثقافته تأثير الأدب العربي في الشعر الألماني جوته: ولد "يوهان فولف جان جوته" في الثامن والعشرين من أغسطس سنة ألف وسبعمائة وتسعٍ وأربعين في مدينة فرانكفورت، وكان الأب يوهان كاسبر جوته الذي كان مستشار الأسرة الملكية، هاويًا لجمع اللوحات الفنية والنباتات، وتنحدر الأم كاترينا "إلزابس جوته" من عائلة عريقة ذات أصول إيطالية. وقد كان الأب معلمًا لابنه وابنته؛ فدرّس لهُما علومًا كثيرة، وعلمهما لغاتٍ عديدة كالإنجليزية والفرنسية، واليونانية واللاتينية؛ لكن أحب الأشياء إلى نفسه كان الرسم والموسيقى. وفي الدروس الدينية التي كان جوته يستمع إليها من أحد أصدقاء الأسرة ومن خارج القصر "يوهان يعقوب اشتارك" لم يجد إجابة مرضية عن أسئلته التي كانت تملؤ نفسه وروحه حيرة وشكًّا؛ وقد عَبّر عن ذلك فيما بعد قائلًا: "لم تكن الكنيسة البروتسطنطية إلا نوعًا من الأخلاق الجافة، ولم تكن المواعظ الدينية في الكنيسة تثير التفكير، ولم تكن التعاليم تستطيع إرضاء الأرواح". وقد ظلت وجهت نظره نحو الكنيسة وعقائدها تتسم بالحالة والشك؛ حتى وصلت في ما بعد إلى حد الرفض، وقد وصف جوته تاريخ الكنيسة بأنه خليط من التضليل والتسلط، وكان أهم ما زال في نفور من الأرسوزكسية اللوثرية قضية الخطيئة الموروثة. وقد ولد الشغف بالأدب في نفس جوته في طفولته، ونَمّته المَكْتبة الضخمة لوالده، وصاحَبَ هذا الشغف المبكر بالأدب شَغفٌ بالمَسْرَح، وفي الثلاثين مِن سبتمبر سنة ألف وسبعمائة وخمس وستين، غادر جوته فرانك فوت؛ ليبدَأ

стр. 247

دراسة القانون في ليبزك حتى سنة ألف وسبعمائة وثمانٍ وستين، وكانت هذه الدراسة شيئًا ثقيلًا على نفس الشاب المفعمة بحب الأدب والفن؛ لذلك اهتم بالأدب أكثر من اهتمامه بالقانون وعلومه. وفي ليبزك أيضًا تلقى دروسًا في الرسم، كما تَعرّف على فنِّ النّحت الإغريقي، وفي ليبزك كانتْ أُسْطُورة "فوس" الشعبية منتشرة، إذ كانت ليبزك المكان الذي ولدت فيه هذه الأسطورة، وقد تأثر بها جوته تأثرًا كبيرًا، وبعد عودته إلى "فرانكفورت" ظَلّ عامًا ونصفًا في مرحلة نقاهةٍ، تخللتها فترات من الانتكاسات الصحية، وفي إبريل سنة ألف وسبعمائة وسبعين، غَادَر "فرانكفورت" ليغير دِراسته في "استراسبورج" فعاد ثانية إلى الكتب الدراسة الجافة التي يمقتها. وفي منطقة "الألزاز" حيث تقع "استراسبورج" تفتحت مواهبه الفنية، ولم يحب جوته شيئًا كما أحب الطبيعة في "الألزاز" في حوض نهر "الراين" ويبدو ذلك جاليًا في معظم كتاباته في ما بعد، وقد التقى جوته بـ"هلدر" في "استراسبورج" وشكل هذا اللقاء نقطة تحول في حياة جوته الأدبية، وكان "هلدر" الشخصية الأولى التي يجدُ جوته عندها الكثير من الإجابات على ما بداخله من الأسئلة. وكان "هلدر" هو الذي فتح عيون الأدباء الألمان من الجيل الجديد، على العبقرية الدرامية لمسرح "شكسبير" وأنهى جوته دراسة القانون؛ غير أن رسالته التي قدمها للتخرج، لم تنل بعد مناقشتها درجة تؤهله للعمل الحكومي، إذ كانت الدرجة التي حصلت عليها الرسالة ضعيفة؛ إلا أنه أعاد مناقشتها مرة أخرى في السادس من أغسطس سنة ألف وسبعمائة وإحدى وسبعين في "استراسبورج" وحصل هذه المرة على درجة الإجازة في الحقوق، وقرّر بعدها أن يعمل محاميًا في فرانكفورت؛ لكنه ترك مجال المحاماة بعد عدة أشهر.

стр. 248

وعاد جوته بعد هذه الفترة إلى التفكير في مشاريعه الأدبية، ووقع بين يديه كتاب قديم عن فترة حرب الفلاحين؛ فأعجب بقصة أحد قطاع الطرق الذي كان ينتمي إلى عائلة من النبلاء، فقرر تحويلها إلى عمل أدبي مسرحي، وأجرى الكثير من التّعديلات الفنية والدرامية عليها، ووضع لها مخططًا تصويريًّا تمهيديًّا لبعض مشاهدها، وبعد أن أتم المسرحية نسخ منها عدة نسخ وأعطاها لأصدقائه؛ فلاقت منه استحسانًا كبيرًا، وكان عنوان المسرحية "جوت فريج فون بري شنجن ذو اليد الحديدية". ارتحل جوته في مايو سنة ألف وسبعمائة واثنتين وسبعين إلى "فيتسلار" لإكمال تدريبه العملي في المجال القانوني، وفي إحدى الحفلات التقى جوته بصديقه "يوهان كريستين كسنر" وبرفقته خطيبته "شارلوتا بوف" فوقع جوته في حب "شارلوتا" ونشأ صراع نفسي عنيف في نفسه، بين صداقته لـ"كسنر" وحبه لـ"لوتا" جسده بعد ذلك في روايته "آلام الشاب فرتر". ولم يستطع جوته تحمل هذا الصراع النفسي، فقرر العودة إلى فرانكفورت، جاء خبر انتحار أحد أصدقاء جوته بعد عودته إلى فرانكفورت هربًا من حبه للوته، خطيبة صديقه "كسلر" فألهمه كتابة رواية "آلام الشاب فرتر". وبعد نشر الرواية لاقت نجاحًا منقطع النظير، وأحدثت ضجة أدبية لا في ألمانيا فقط، وإنّما في أوربا كلها، وتحول النجاح الأسطوري للرواية إلا ما يشبه الحمى، أو الهستريا بين الجيل الجديد من الشباب؛ حتى إن بعضهم أقدم على الانتحار انبهارًا بشخصية فرتر التي عدت في تلك الفترة مثلًا أعلى، يجسد مشاعر الجيل الجديد من الشباب. وفي تلك الفترة شرع "جوته" في كتابة العديد من الأعمال؛ لكنه لم يكتب منها غير مقطوعات وشذرات قصيرة منها: "أنشودة محمد" ونشأت في تلك الفترة فكرة

стр. 249

كتابة "فوست" وبعد عودته إلى فرانكفورت زاره كارل أوجست الذي أصبح دوقا لـ"فيمر" و"زاكسن"، ورأى فيه الشخص المناسب الذي يصلح أن يكون مستشارًا له في شئون إدارة الإمارة، ودعاه إلى أن يكون مستشارًا له وصديقًا. وفي يونيو عُين مستشارًا رسميًّا في المجلس الوزاري، رغم وجود اعتراضات عليه من جانب الوزراء والموظفين في الحكومة، ثم أخذت الدوق يولي "جوته" المزيد من المناصب في الإمارة، ففي السنوات التالية تَقَلّد جُوته العديد من المناصب، وهي: رئيسُ اللجنة العسكرية، ومدير إنشاء الطرق، ورئيس الإدارة المالية، ورئيس الشئون الثقافية؛ فكان جوته في الواقع بمثابة مدير الحكومة، أو رئيس الوزراء في الإمارة. وفي بداية سبتمبر سنة ألف وسبعمائة وست وثمانين، خَرَج جوته راحلًا من زيمر دون أن يخبر أحدًا برحيله، ولم يكن هناك من يعلم أمر تلك الرحلة، غير الأمير وسكرتيره "فلب زايدل" واتجه مُسافرًا صوب مدينة البندقية عبر "ريجنسبرج" و"ميونخ" و"ميتنفال" و"انسبرك" و"فيرونا" وكانت الوجهة الحقيقية هي روما، التي تعد كعبة للفنانين من كل أنحاء أوربا في ذلك الوقت. ثم قرر جوته إنهاء إقامته في إيطاليا، والعودة إلى "فايمر" في نهاية إبريل سنة ألف وسبعمائة وثمانٍ وثمانين. وفي عام ألف وسبعمائة وواحد وتسعين تولى جوته إدارة المسرح الملكي في "فايمر" وصارت كرستيانة زوجته مُستشارة شخصية له فيه، وفي عام ألف وسبعمائة واثنين وتسعين اشترك جُوته مع صديقه الدوق "كار أوجست" الشغوف بالأمور العسكرية، في الحملة العسكرية في فرنسا، وشهد فشل تحالف قوى الإقطاع والرجعية، وكان في "مينز" عام ألف وسبعمائة وثلاثة وتسعين، وشهد ضرب الحصار على المدينة التي قامت فيها أول جمهورية ألمانية.

стр. 250

وحينَ بدأتْ الإمْبَراطُورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية في التداعي تحت ضربات جيوش نابليون، بدأ "جوته" و"شيلر" مشروعهما الثقافي الإصلاحي؛ فكتب "شلر" رسائله عن التربية الجمالية للإنسان، في عام ألف وسبعمائة وخمسة وتسعين، وأنجز بين عامي ألف وسبعمائة وستة وتسعين، وألف وثمانمائة وخمسة -عام رحيله- أهم أعماله الدرامية. أما جوته فقد أنهى بين عامي ألف وسبعمائة وأربعة وتسعين، وألف وسبعمائة وستة وتسعين، روايته التعليمية "سنوات تعلم فلهم مايستر" التي تُعتبر المِثَال الأعلى للرواية التعليمية. وبتشجيع من صديقه المقرب "شلر" استأنف "جوته" الكتابة في عامه الأكبر "فوست" فأنهى الجزء الأول منه، وكذلك بِضْعة فصول من الجزء الثاني، وحينَ تُوفي "شلر" في عام ألف وثمانية وخمسة شعر جوته بالحزن العميق، والخسارة الكبيرة لوفاة صديقه العظيم. وبرحيل "شلر" يظل الكلاسيكي الكبير "جوته" حتى وفاته عام ألف وثمانمائة واثنين وثلاثين الوحيد المتبقي من هذه المدرسة، في حين أخذت الرومانسية في الانتشار والسيطرة شيئًا فشيئًا، على الحياة الأدبية؛ لكن جوته ظل هو القمة التي لا تدانيها قمة أخرى، وبقي باعتراف الرومانسيين قلمًا أدبيًّا كبيرًا، ولم تكن خسارة رفيق الطريق "شلر" هي السبب الوحيد في تشاؤم جوته واكتئابه في ذلك الوقت، بل أيضًا الحرب القادمة التي بدأت تتوغل في ألمانيا، وتجتاح في طريقها الدوقيات والولايات الألمانية، وعاثت فيها الفساد والنهب. فمع معركة في الرابع عشر من أكتوبر سنة ألف وثمانية وست، دخل الجنود الفرنسيون فيمر، وأخذوا ينهبون البيوت، وقد بدأ جوته في عام ألف وثمانمائة وستة في إعداد طبعة كاملة من أعمال لدى الناشر كوته في "اشتوتجارت".

стр. 251

وفي تلك الفترة أنجز الجزء الأول ملحمتة الشعرية "فوست" التي صور فيها الرغبة العارمة في الوصول إلى امتلاك الحقيقة، وفي التخلص من القيود البشرية التي تمنع من الكمال، وهذا يمثل الجانب الأبيض داخل "جوته" نفسه، ثم صور في شخصية "مافستو" الجانب الأسود حيث الرغبة في التمرد الأعمى. وقد التقى "جوته" بنابليون بونابرت في إيرفورت في عام ألف وثمانمائة وثمانية، واستقبله نابليون وجلس معه، وأخذا يتناقشان ويتحاوران مواضيع فكرية وسياسية، وبعد أن انتهى الحديث نظر كل إلى من حوله مشيرًا إلى جوته قائلًا: هاكم رجلًا. فقد أعجب نابليون بأفكار جوته وعبقريته، وكان قد قرأ له من قبل أن يلتقيه رواية "آلان فرتر" ودعاه نابليون في ذلك الوقت المجيء إلى باريس، والإقامة بها، غير أنه لم يذهب إلى باريس، ولم يصبح صديقًا لنابليون، وكان هذا آخر لقاء بينهما. وفي عام ألف وثمانمائة وتسعة بدأ جوته يستعيد نشاطه الجسدي والنفسي، وشرع في كتابة سيرته الذاتية، وقد شَهِدَ جُوته موت جميع أصدقائه القُدامَى، ولم يكن يتوقف على التعلم والاطلاع على كافة الأفكار، ولذلك ظَلّ فِكْرُه وفلسفته للحياة تتطور مع كل مراحل حياته. في تلك الفترة التي شهدت صراع القارة الأوربية ضد جيوش نابليون، والمعارك التي استنفدت قواها، بدأ جوته يتجه إلى الشرق والاهتمام بتاريخه وأدبه، فبدأ بدراسة اللغتين العربية والفارسية؛ فقرأ القرآن واستهواه الشعر العربي القديم، وكذلك الشعر الفارسي، وأعجب بشكل خاص بالشاعر الفارسي حافظ شيرازي.

стр. 252

في تلك السن المتقدمة من عمره كان لا بد له من سكرتير، وكان هو "فريدريش رايمر" الذي كان مربيًا لأحد أبنائه، منذ عام ألف وثمانمائة وخمسة، وكذلك كان "كارل فريدريش سلر" يعزف له المقطوعات الموسيقية على البيانو، وكان جوته معجبًا بعزفه إلى حدٍ كبير. وفي عام ألف وثمانمائة وأربعة عشر قام جوته بعدة رحلات إلى المناطق المحيطة بنهري الري، والماين وزار فرانكفورت مسقط رأسه، وفي تلك الفترة توثقت صداقته بـ"كارل فريدريش راين هارد" و"كاسبرفور ترين بيرج" بينما حل "إكرمان" مكان رايمر في العزف على البيانو في "فاين مارك" وصار جوته في ذلك الوقت أكثر زهدًا في الحياة، وبدأ في كتابة الكلمات الأولى الغامضة، واستأنف كتابة الرحلة الإيطالية، وفي عام ألف وثمانمائة وواحد وعشرين أتم كتابة سنواته تجول "فين ماستر". وكتبها في شكل أقاصيص. وفي عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين مات دوق "كارل أوجست" ثم مات في عام ألف وثمانية وثلاثين أحد أبنائه في روما، وفي العام نفسه أتم كتابة الجزء الثاني من "فاوست". في الثاني والعشرين من مارس سنة ألف وثمانمائة واثنين وثلاثين لفظ جوته أنفاسه الأخيرة، بينما كان جالسًا في مقعده، وكانت الوفاة بسبب التهابٍ في الرئتين، وشيع جسمانه إلى قبره في يوم السادس والعشرين من مارس. وكان قد ظهرت في ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر حركة نادت بالأدب المقارن، حيث تتجمع الآداب المختلفة كلها في أدب عالمي واحدٍ، يبدو وكأنه نهر يرفده كل أدب من الآداب القومية، بأسمى ما لديه من نتاج إبداعي، وقيم إنسانية وفنية.

стр. 253

وكان زعيم هذا الاتجاه الشاعر الألماني جوته، الذي عد نفسه نموذجًا تتجمع فيه صفة العالمية؛ فلقد كان مطلعًا على الآداب الأوربية، متمثلًا قيمها واتجاهاتها، وغض بصره إلى خارج الحدود الأوربية الضيقة المضطربة؛ فوجد في الآداب الشرقية الإسلامية عاملًا رحبًا لا نهائيًّا من الطهر والطمأنينة، بدا له وكأنه قبس من نور النبوة، كما وجد منعًا صافيًا من الإبداع والإلهام المتجدد، عبّر عنه بوضوح في ديوان سماه "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي". وكتب في مقدمته: هذه باقة من القصائد يرسلها الغرب إلى الشرق. ويتبين من هذا الديوان أن الغرب قد ضاق بروحانيته الضعيفة الباردة، فتطلع إلى الاقتباس من صدر الشرق. وقد استطاع جوته بثقافته العميقة الواسعة، ومكانته البارزة، وقدرته الفذة على الإبداع، أن يجعل فكرة التواصل بين الآداب الأوربية خاصة، والآداب كلها بعامة تستقر في الأذهان، وتصبح من الأمور المسلمة التي لا تقبل الجدل، على الرغم من طغيان العصبية القومية في أوربا. وهكذا بدت دعوة الأدب العالمي، وكأنها كانت بمثابة تمهيد طبعي لنشوء فكرة الأدب المقارن، كما جاء في كلام الدكتور محمد سعيد جمال الدين في كتابه (الأدب المقارن دراسات تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي). ويمثل الأديب الألماني "يوهان فلفجان جوته" حالة ساطعة في ميدان الأدب المقارن، إذ يكثر لديه التأثر بالشعر العربي، والاحتذاء بالإسلام عمومًا، والقرآن العربي، والنبي محمد على وجه الخصوص، فضلًا عن إعجابه بحافظ الشيرازي، واستحضاره إياه استحضارًا قويًّا في أشعاره، نصوصًا من إبداعه، ووقائع من حياته.

стр. 254

وقد صدر في يونيه عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين في سلسلة كتاب الهلال، كتاب أكثر من رائع عن هذا الموضوع من المرحوم عبد الرحمن صدقي، مدير دار الأوبرا الأسبق، عنوانه "الشرق والإسلام في أدب جوته" وإن كنا قد قرأناه في طبعة سلسلة المكتبة الثقافية التي صدرت قبل ذلك -فيما أذكر- وفرحنا به كثيرًا، إذ وجدناه يلقي ضوءًا وهاجًا، على قضية أشد لمعانًا وهجًا هي قضية تأثر أديب وعالم ومفكر بقامة جوته الألماني بالإسلام والقرآن والنبي محمد ﷺ . ثم مرت الأيام، ورأيت كتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي عن "ديوان الشرقي للمؤلف الغربي" وهو ديوان الشعر للأديب الألماني يتبدى فيه هذا التأثر والإعجاب بالإسلام والرسول، والكتاب الذي أنزله الله عليه، وبعض شعراء أمته. ثم صدر كتاب ثالث في ذات الموضوع، عن سلسلة عالم المعرفة في فبراير سنة ألف وتسعمائة وخمس وتسعين، بعنوان: "جوته والعالم العربي"، بقلم الكاتبة الألمانية "كاترينا ممزل" وترجمة الدكتور عدنان عباس علي. وتعرض الكتاب الأخير لاهتمام جوته بالثقافة العربية والإسلامية، وبما وضعه المستشرقون من دراسات عنها، واستيحائه بعضًا من عبارات الشعر الجاهلي، وموضوعاته وأساليبه الفنية، وبخاصة في المعلقات، التي أشاد بها في تعليقاته وبحوثه، وكذلك تأثره الغَلّاب بالقرآن الكريم، وروحانيته وعقائده، وبخاصة عقيدة التوحيد، والقضاء والقدر، وإسلام النفس لمشيئة الله، ونفوره من عقيدة الصلب والفداء النصرانية جراء ذلك، وترديده أسماء الله الحسنى في الديوان الشرقي، وإعجابه بالشاعر المسلم حافظ الشيرازي. وتقول الكاتبة: إنّ عَلاقة جوته بالإسلام وبنبيه محمد، ظاهرة من أكثر الظواهر مدعاة للدهشة في حياة الشاعر، فكل الشواهد تدل على أنه كان في أعماق

стр. 255

وجدانه شديد الاهتمام بالإسلام، وأن معرفته بالقرآن الكريم كانت بعد معرفته بالكتاب المقدس، أوثق من معرفته بأي كتاب من كتب الديانات الأخرى. ولم يقتصر اهتمامه بالإسلام، وتعاطفه معه على مرحلة معينة من حياته، بل كان ظاهرة تميزت بها كل مراحل عمره الطويل؛ فقد نظمه وهو في الثالثة والعشرين من عمره، قصيدة رائعة أشاد فيها بالنبي محمد ﷺ وحينما بلغ السبعين أعلن على الملأ أنه يعتزم أن يحتفل في خشوع بتلك الليلة المقدسة التي أنزل فيها القرآن على النبي. وبين هاتين المرحلتين امتدت حياة طويلة، أعرَبَ الشّاعِرُ خِلالها بشتى الطرق، عن احترامه وإجلاله للإسلام، وهذا ما نجده قبل كل شيء في ذلك الكتاب، الذي يعد إلى جانب "فاوست" من أهم وصاياه الأدبية للأجيال، ونقصد به "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي". بل إن دهشتنا لتزداد عندما نقرأ العبارة التي كتبها في إعلانه عن صدور هذا الديوان، وقال فيها: إنه هو نفسه لا يكره أن يُقال عنه: إنه مسلم، وتتحدث الكاتبة عن التّحول الذي تم عن أيدي بعض كبار المفكرين في أوربا، في القرن التاسع عشر تجاه الإسلام؛ مِمّا كان من نتيجته تغير النظرة التقليدية العدائية نحوه إلى حد ما، وهو ما أثر على فكر جوته وشخصيته. إلى جانب شعوره بأن عقائد الإسلام ومبادئه، تقترب من اقتناعاته الشخصية إلى حد بعيد؛ كالتوحيد المطلق، والإيمان بدور الرسل في اتصال البشرية بالسماء، ورفض المعجزات الخارقة، والاقتناع بأن الاعتقاد لا يكفي، بل لا بد أن يتخذ التدين الحق صورة البر والإحسان، فضلًا عن حث الفيلسوف "هيلدر" له على قراءة القرآن الكريم، الذي كان هذا الفيلسوف يجله إجلالًا كبيرًا. وهي القراءة التي كان من ثمراتها: احتكاك جوته بأسلوب القرآن، وإحساسه بجلاله وروعته، وإشادته به مرارًا.

стр. 256

ما تركه القرآن في الأثر فيما خططته براعة جوته والآن إذا ما نظرنا إلى ما تركه القرآن في الأثر فيما خططته براعة جوته، وجدنا شاعرنا مثلًا في خطاب مبكر منه لـ"هلدر" يستشهد بقوله تعالى في سورة "طه" على لسان موسى ﵇: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (طه: ٢٥). كما أشارت المؤلفة إلى عدد من الآيات التي اقتبسها في كتاباته وتعليقاته ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١١٥). ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٦٤). ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧) ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٨) وغير ذلك من الآيات التي تلقانا في رسائله الشخصية، ومقالاته وكتبه وأشعاره. وفي شبابه نظم جوته قصيدة بعنوان "أنشودة محمد" مدحه ﵇ فيها مديحًا حارًّا يدل على مدى الاحترام الذي كان يكنه للرسول الكريم، وقد كتبها في سنة ألفٍ وسبعمائة وثلاثٍ وسبعين، بعد أن قرأ كل ما تحت يده من دراساتٍ عنه ﷺ وفي هذه الأمدوحة، التي بدأها جوته على شكل حوارٍ بين علي وفاطمة ﵄ نَجِدُه يُشبه ﵇ بنهر يتدفق في هدوء، لا يلبس أن يستحل سيلًا هادرًا يكتسح ما أمامه؛ ليصب في نهاية المطاف في المحيط الذي يرمز عنده إلى الألوهية.

стр. 257

وفي "مسرحية محمد" نراه يظهر اهتمامًا خاصًا بعقيدة التوحيد الإسلامية، التي يؤكدها على لسان النبي العظيم في مناجاته لربه تحت قبة السماء المرصعة بالنجوم، ارتفع أيها القلب العامر بالحب إلى خالقك؛ كن أنت مولاي، كن أنت يا من تحب الخلق أجمعين، يا من خلقتني، وخلقت الشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء. وقد ظل جُوته حتى آخر حياته، يُؤمن بهذا كله، ومن ذلك ما كتبه حين كانت زوجة ابنه مريضة بمرضٍ خَطير لا يسعني أن أقول أكثر من أني أحاول هنا أن ألوذ بالإسلام، ومنه أيضًا رده على صديقة التمست منه النصيحة، بشأن وباء الكوليرا المنتشر آنذاك في مشارق البلاد وغربها: "ليس بوسع امرئ أن يقدم النصح لامرئ آخر في هذا الشأن؛ فليتخذ كل إنسان القرار الذي يناسبه، إننا جميعًا نحيا في الإسلام، مهما اختلفت الصور التي نقوي بها عزائمنا". ومنه كذلك وصفه لكتابٍ كان أحد أصدقائه أهداه إياه بأنه يحفز على التفكير في كل الآراء الدينية الرشيدة، وأن الإسلام لهو الرأي الذي سنقر به نحن جميعًا، إن عاجلًا أو آجلًا. وفي "الدّيوان الشّرقي للمؤلف الغربي" نقرأ هذه الأبيات التالية التي تقترب جدًّا جدًّا جدًّا من القرآن الكريم: "لله المشرق، لله المغرب، والأرض شمالًا، والأرض جميعًا تسكن آمنة ما بين يديه، هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في البر والبحر، ولكي تنعموا برؤيتها، وتنظروا إلى السماء، من حماقة الإنسان في دنياه أن يتعصب كل منا لما يراه، وإذا كان الإٍسلام معناه أن لله التسليم؛ فعلى الإسلام نحيا ونموت نحن أجمعين، ويسوع كان طاهِرَ الشُّعور ولا يؤمن في أعماقه إلا بالإله الواحد الأحد، ومن جعل منه إلهًا فقد أساء إليه، وخالف إرادته المقدسة.

стр. 258

وهكذا فإن الحق هو ما نادى به محمد فبفكرة الله الواحد الأحد ساد الدنيا بأسرها، أيتها الطفلة الرقيقة، هذه الأسماط من اللآلئ، وهبتها لك عن طيب نفس، بقدر ما استطعت كذبالة لمصباح الحب، لكنك تأتين الآن وقد علقت فيها علامة هي ما بين كل قريناتها من التمائم، أقبحها في نظري. وهذا الجنون الحديث المفرط، أتريدين أن تأتي به إلى شيراز؛ أم يجب علي أن أتغنى بالخشبة الجاسية المتقاطعة على الخشبة. والكلام هنا عن صليب كانت فتاته قد علقته على عقد أهداها إياه لتزين به جيدها. لم لا أصطنع من الأمثال ما أشاء، ما دام الله قد ضرب مثل البعوضة للرمز على الحياة. والكلام في هذا يطول كثيرًا، فنكتفي بهذا القدر ولكن بعد أن نقول كلمة في ما كتبه في بعض أشعاره، تأثرًا بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج: ١٥) وهذا نصه: "النبي يقول: إذا اغتاظ أحد من أن الله قد شاء أن ينعم على محمد بالرعاية والهناء؛ فليثبت حبلًا غليظًا بأقوى عارضة في قاعة بيته، وليربط نفسه فيه، فسوف يحمله ويكفيه، ويشعر أن غيظه قد ذهب ولن يعود". ومعنى الأبيات هو: من يظن أنّ الله لن ينصر نبيه؛ فليذهب وليخنق نفسه بحبل، يتدلى من سقف بيته، باعتبار أنّ السبب في الآية معناه الحبل، وأنّ السماء هي السقف. ولكن لي تفسيرًا آخر للآية يبدو أكثر وجاهة، سواء من ناحية منطق العقل، أو من ناحية اللغة وأساليب العرب والقرآن، ذلك أنه لا معنى لأن يقول الواحد منا لمن يُكذبه بأنه سوف ينتصر عليه، أن اذهب وانتحر لترى أيزول سبب سخطك

стр. 259

أم لا؟. كما أننا نقرأ في سورة غافر قوله تعالى على لسان فرعون غيظًا من موسى واطمئنانه إلى نصر ربه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ (غافر: ٣٦، ٣٧). فـ"أسباب السموات" وهي مثل "سبب إلى السماء" بالضبط لا تعني الحبال، بل السُّبل التي توصل إلى السماء للاطلاع إلى إله موسى، وعلى هذا فمعنى آية "الحج" هو أن من كان يشُكّ في نصرة الله لرسوله؛ فليحاول إن كان يستطيع ولن يستطيع، أن يثبت صحة ما يقوله، من أن الله لا ينصر نبيه؛ حتى يرتاح ويزيل عن نفسه مشاعر الغيظ والحقد. ثم هل كان الانتحار عن طريق حبل معلق في سقف البيت، من الأمور المعروفة عند العرب، وأيضًا فمد السبب إلى السماء، غير تعليق السبب في السقف؛ فهذا ينزل من فوق إلى تحت، وذاك يصعد من تحت لفوق، ثم كيف يمكن للمنتحر بعد أن يكون قد مات أن ينظر ليرى هل يذهبن كيده ما يغيظ، أي ما يكن؛ فأوجه من هذا التفسير القول بأن المقصود هو: "من كان يستطيع أن يتبين أنّ الله لن ينصر نبيه؛ فليثبت ذلك عن طريق الاطلاع على ما في السماء، وهذا أمر بطبيعة الحال مستحيل تمامًا". ويقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأنعام: ٣٥) فهذه الآية كما نرى تسير في نفس اتجاه آيتي "الحج" و"غافر"، وهو ما يعضد ما طرحته من تفسير الآية الكريمة؛ هذا التفسير

стр. 260

الذي أحسب أنه أقوى من التفسير الذي يقول به المفسرون، وتأثر به مترجم الآية الذي قرأه جوته. وكان من أثر قراءته له كتابة ما كتب؛ لقد ظهر جوته في أوائل القرن الثامن عشر الميلاد، وكان رجلًا نادرًا المثال لم ينحصر في نطاق، ولم يستأثر بأسلوب، ولم ينذر نفسه لمذهب، كان شاعرًا وعالمًا وفيلسوفًا، يناقض أيما مناقضة القول المأثور: "الشرق شرق والغرب غرب، وهيهات يلتقيان". كان مغرمًا بسفر أيوب في صباه، ورأى فيه المثال العربي الأصيل من ناحية الشهامة المروءة والنجدة والفروسية. وعندما كبر اتصل بالأديب "هلدر" فأذكى فيه الغرام بالشرق، وتأثرت له بعض ترجمات القرآن، فتأثر بالقرآن أبلغ تأثير، وحفظ منه ما تيسر، واقتبس آياتٍ كثيرة، وظهرت في شعره الأخير الذي أسماه "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" كقوله مثلًا: "قل لله المشرق ولله المغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وفي راحتيه الشمال والجنوب معًا، وهو الحق وما يشاء بعباده الحق سبحانه له الأسماء الحسنى، وتبارك اسمه الحق وتعالى علوًّا كبيرًا آمين. وقوله أيضًا: "وينازعني وسواس الغي وأنت المغيث، المعيذ من شر الوسواس الخناس، اللهم اهدني في الأعمال والنيات إلى الصراط المستقيم". وقوله: "وللناس في ترديد أنفاسهم آيتان من الشهيق والزفير، هذا يُفعم الصدر، وهذا يفرج عنه. كذلك الحياة عجيبة التركيب؛ فاشكر ربك إذا بليت، واشكر ربك إذا عُفيت، ويعمد جوته إلى التضمين الصريح، ومن ذلك تضمين الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (البقرة: ٢٦).

стр. 261

فيقول في مقطوعة له بعنوان "التشبيه": لم لا أصطنع من التشابيه ما أشاء، والله يجد لي في جمال عيني الحبيبة لمحة من جماله رائعة عجيبة؟! وتأثر جوته أيضًا بسيرة محمد ﷺ ولم يحفل بنزعة التعصب ضد نبينا الكريم، فقال في بعض أشعاره: "من حماقة الإنسان في دنياه، أن يتعصب كل منا لما يراه، وإذا كان الإسلام معناه التسليم لله؛ فإننا جميعًا نحيا ونموت مسلمين". وقد ألّفَ مَسْرَحِيّة عن محمد ﵊ ونظم منها فاتحة الفصل الأول وعنوانه: "مناجاة محمد" وخَتم مناجاة محمد بقوله: "فارتفع أيها القلب العامر بالحب نحو الخالق، إنك وحدك مولاي يا رب، إنك المحيط بكل شيء، خالق الشمس والقمر والكواكب، خالق السماء والأرض وخالق نفسي". وقوله في بعثة محمد ﷺ حينما يتأمل في الملكوت، جاءه المناخ على عجل، جاءه مباشرة بصوتٍ عالٍ، ومعه النور، اضطرب الذي كان يعمل تاجرًا؛ فهو لم يقرأ من قبل، وقراءة كلمة تعني الكثير بالنسبة له، لكن الملاك أشار إليه وأمره بقراءة ما هو مكتوب، ولم يبالِ، وأمره ثلاثًا اقرأ، فقرأ لدرجة أن الملك انحنى، واستطاع القراءة، واستمع الأمر وبدأ طريقه. كما أعجب جوته بالمعلقات، وعاش مع عرب البادية بشمائلهم وعزهم، من البسالة والإقدام، والبُعد عن العار، والأخذ بالثأر، وطلب المجد والفخار، وفَطِنَ إلى ما في كل معلقة من مزايا وفضائل، وحمله ذلك على القول: دعوني كما أهوى على صهوة جوادي، واقبعوا أنتم في بيوت المدر، وخيام الوبر، إني لأنطلق جذلان في هذا الفضاء الشاسع، وليس فوق عمامتي إلا النجوم الزواهر، وما زينت السماء الدنيا بمصابيح، إلا هدى للناس، ومتعة للناظرين.

стр. 262

وتأثر جوته أيضًا بألف ليلة وليلة، وبشخصية المرأة الشرقية المتمثلة في شهر زاد، تأثر بلباقتها وذكائها، وفطنتها، جذبته فكرة الراوي العربي المربي، شَدّه العرب المغامرون أصحاب العمائم لا التيجان، ساكنوا الخيام لا القصور، حاملوا السيوف لا الحصون. ولقد بهرته بغداد بثقافتها وعلمها وأدبها، ووصل ولعه بها في "ديوان الغرب والشرق" لدرجة قيامه بمساواتها بمدينة "فيم" الألمانية، كما أوضحت "ممزن" بل إنه كتب في وصيته قائلًا: بمجرد أن تأتي بالترياق من بغداد، ينتقل المريض من حال إلى حال، والسؤال الآن: هل أسلم جوته؟ تقول "كاترينا ممزن" أستاذة الأدب الاجتماعي: إنّ علاقة جوته بالإسلام ونبيه الكريم، ظاهرة مدعاة للدهشة في حياته؛ فَكُلّ الشَّواهِد تَدُلّ على أنه في أعماقه شديد الاهتمام بالإسلام، وأنه كان يحفظ عشرات من آيات القرآن الكريم. وردًّا على سؤال يستفسر صاحبه عما أن كان جوته قد أسلم، قالت: إن إعجاب جوته بالإسلام لا يعني بالضرورة أنه اعتنقه، وترى أن جوته كان يكن تعاطفه للإسلام، ولكنها تنفي أن يكون قد تحول إليه. وأما أنا فلا أستبعد أن يكون قد أسلم فيما بينه وبين نفسه، أو فيما بينه وبين المقربين جدًّا من أصدقائه، ما دام قد وصل شغفه بالإسلام، واقتناعه بفضائله وقيمه وعقائده إلى الحد الذي نعرف. ويقول الدكتور رفيق أمين في مقال له منشور له بصحيفة الفرات، في الثالث من شهر أكتوبر سنة ألفين وسبع، بعنوان "جوته أحب الشعر العربي وترجمه وهام في دنيا المعلقات": لم يكن جوته في أدبه بالمواطن الألماني وحده، ولا بالأوربي وحده، بل كان العالمي. وبعبارة واحدة تعانق فيه الغرب والشرق.

стр. 263

ونحنُ هنا نقصر كلامنا على جوته الشرق، ونظرته إلى الشعر العربي الأصيل، ومن ذَلك اتّصاله بمكتبة جامعة جوتنجن لتوفيه بالمعلقات العربية في ترجمتها الإنجليزية، التي أصدرها في لندن المستشرق "وليم جونز" وفي ذلك الوقت نفسه، وما كاد الكتاب يرد على شاعرنا، وتحتويه يداه، حتى انكب يطالعه في روية وإمعان. وهكذا عاش الشاعر الألماني في عصر الجاهلية العربي، بفضل ما تُرجم إلى اللغات الأوربية وقتئذ من المعلقات، تلك القصائد المطولات التي أحرزت السبق في المسابقات الأدبية، التي كانت تعقدها القبائل في أسواقها الموسمية؛ ففي هذه المعُلقات العربية عاش جوته مع العرب في البادية، من الرعاة المقاتلة، التي تربط أبناء القبيلة الواحدة، وتدله على ما انطبع عليه العربي من روح الإقدام والبسالة، والتحرر من العار، وطلب المجد والفخار. ويقول: إنّه إذا كان شعراء العرب قد استهلوا قصائدهم بالغزل والنسيب؛ فليس هذا منهم بعجب، فإن ما يعرضون له من صفة الحرب في شعرهم، بفضائلها الصلبة القاسية، ومَناظِرِها الدامية، قد دعاهم أن يقدموا بين هذه الصورة القوية للعنجوية الجاهلية، ما يلطف حدتها، ويخفف شدتها، من وصف محاسن الحبيبة، وبَثّ دواعي الحب وشكوى الجفاء والبعد، وتَرديد الحنين، وتوكيد الحفاظ على الود. ويزيد في قيمة المعلقات السبع عند الشاعر الألمان: أنّ لكل منها صفة غالبة تتميز بها، ويشوق القارئ تنوعها، وهو يرى فيها رأي مترجمها المستشرق الإنجليزي، وخُلاصته أنّ مُعلقة امرئ القيس رقيقة مَرِحة، مشوقة المعنى، رشيقة اللفظ، شتى الفنون، ذات رونق مستحب، وطلاوة مُستطابه.

стр. 264

ومعلقة طرفة تتسم بالجرأة والحيوية والتوثب، ويسري فيها الابتهاج والتطرب، ومعلقة زهير رصينة متزمتة، عفيفة مترفعة، حافلة بالتعاليم الخلقية الراجحة، والحكم الجليلة النافعة، ومعلقة لبيد لطيفة الوقع، بارعة الحكاية، أنيقة الديباجة؛ يشكو الشاعر فيها من جفاء حبيبته؛ ليَخْلُص في ذلك إلى تعداد مناقِبه، والإشهادة بقبيلته، ومعلقة عنترة مستكبرة متفاخرة، متحدية متوعدة، بليغة الدلالة، جزلة العبارة وهي مع ذلك حالمة بمحاسن الوصف والاستعارة، ومعلقة عمرو بن كلثوم التغلبي فيها قوة عارضة، وجلالة مهيبة، وفخامة رائعة، ومعلقة الحارث بن حلزة فيه غزير الحكمة، نافذ البصيرة، ظاهر السمت، وافر الكرامة. وقد بلغ من حماسة جوته وهو يطالع الترجمة الإنجليزية لهذه المعلقات، في عام ألف وثمانية وثلاثة وسبعين أن أرسل إلى صديق له "كار فون كليبول" يُخبره بعزمه على أن يحاول بدوره ترجمة المعلقات، وقد أمكن العثور على هذه المحاولة أخيرًا؛ فأُضِيفَت إلى آثار جوته في طبعة "فيمار". هذا وإن القارئ لا يتمالك نفسه من الدهشة لما يبديه جوته من قبول سخي كريم للتشبع بالروح العربي، فقد اجتمع كتاب الغرب على رأي لا يخلو من شبهة العصبية ذميمة وهو أن الحضارة الحديثة مهدها ينال القديمة غير أن جوته أعلن عن عدوله عنها إلى حضارة الشرق العربي في حضارة العباسيين الزاهرة على ضفاف الفرات على أيام هارون الرشيد وصحبه. وهذا ما قاله جوته في إحدى مقطعات "الديوان الشرقي": دع الإغريق البسال يجبر الطينة ويضع التمثال، وليفتتن ما شاء الافتتان، بالدنيا التي أبدعتها يداه الصناعتان، أما نحن فمتعتنا لجة الفرات، نسبح فيها مسترسلين مع عنصر الماء،

стр. 265

حتى إذا ارتوت ظلة النفس تفجرت أفاويق الشعر فياضة مترنمة، فليغترف الشاعر من هذا الفيض بكفه الطهور؛ فإنه لا يتكون في يديه متلألئًا كالبلور. ويسترسل الشاعر الألماني في حماسته، حتى ينتهي الأمر به إلى النقمة على حياة المدينة، والتكبير والتهليل بما ينعم به الفارس البدوي من الحرية في الصحراء: دعني كما أهوى على صهوة جوادي، واقبعوا أنتم في بيوت المدر وخيام الوبر، إني لأنطلق جزلان في هذا الفضاء الشاسع، ليس فوق عمامتي إلا النجوم الزواهر، وما زينت السماء الدنيا بمصابيح، إلا هدى للناس ومتعة للناظرين. وقد بلغ هذا الشغف بالشرق العربي من جوته غاية بالغة؛ حتى كان يعالج محاكاة الكتابة العربية، وإقامة حروفها، ورسم كلماتها، وتوجيه سطورها من اليمين إلى اليسار، على خلاف الكتابة الأوربية، وقد جره هذا الشغف إلى التغني بالقلم العربي المتخذ من القصب، فنظم في مقطوعة بعنوان القلم: تخرج الأرض من القصب هذه الأعواد؛ للترفيه بها عن العباد، فاللهم اجعل أصدق المشاعر، وألطف الأفكار، تفيض من القلم الذي أخط به هذه الأشعار. وترى المُستشرقة الألمانية أن المتنبي الذي يعده كثيرون أهم شاعر عربي، قد حظي باهتمام خاص من الشاعر الألماني جوته، الذي أعلن إعجابه به، مُتجاهلًا بذلك كون المتنبي شخصية نكرة في أوربا في تلك الفترة، وقالت كتارينا ممزن الأستاذة بجامعة استانفورت الأمريكية في كتابها (جوته وبعض شعراء العصر الإسلامي): "إن المتنبي كاد أن يكون نكرة بالنسبة للقارئ الأوربي في عصر جوته، ولكنهم انتبهوا إليه بعد أن تحدث عن جوته بإعجاب، وإكبار في "الديوان الغربي الشرقي". فبعد سنوات، نشرت ترجمة كاملة لديوان المتنبي، ووصفه الناشر الألماني في العنوان بأنه أعظم شاعر عربي، وأشارت إلى أن للمتنبي ظلالًا في بعض أعمال

стр. 266

جوته، ومنها مشهد فكاهي في مسرحيته "مأساة فاوس" كما استوحى النبرة الغزلية في قصيدته "السماح بالدخول" التي كتبها يوم الرابع والعشرين من إبريل "نيسان" سنة ألف وثمانمائة وعشرين من غزليات المتنبي. وكتب الدكتور عدنان رشيد في صحيفة الرياض السعودية، بتاريخ الحادي والعشرين من أكتوبر سنة ألفين واثنتين، مقالًا عنوانه: "الشاعر الألماني جوته وألف ليلة وليلة" نقتطف منه ما يلي: عكف جوته في "فيمار" على دراسة أدب الشرق؛ فاهتم بالأدبين العربي والفارسي، وكذلك بحياة النبي ﷺ وألَمّ بأصُول الدّين الإسلامي، والفلسفة الإسلامية، وذلك بمساعدة المستشرقين الألمان. كما نشر حوارًا شعريًّا بين علي وفاطمة، ونَشَر أيضًا مسرحية عن النبي محمد ﷺ إلا أنه لم يستطع إنجازها إلى النهاية؛ فظلت ناقصة، وذلك بسبب انشغاله بتأليف مسرحية "بوتس" ومسرحية قيصر. وكان "جوته" يتذكر بعض قصص ألف ليلة وليلة، التي كانت جدته تقصه عليه قبل أن ينام، كما قرأ بعض القصص أثناء إقامته في "لايبز" للدراسة عام ألف وسبعمائة وخمسة وستين، وفي عام ألف وسبعمائة وأربعة ظهرت ترجمة ألف ليلة وليلة، في عدة أجزاء باللغة الفرنسية، وقام بترجمتها المستشرق الفرنسي "جالان". ثم قام بعد سنوات عدد من المستشرقين الألمان بترجمتها إلى اللغة الألمانية. لقد انعكس تأثير ألف ليلة وليلة على جوته، في رواية الأولى "ألان فرتر" فقد جاء في الرسالة المؤرخة في الثالث والعشرين من تموز في رواية "فيرتر" ما يلي: كانت جدتي تحدثنا عن الجبل الممغنط، وكيف تتفكك السفن التي يشتد دنوها منه، ويتطاير حديدها فيسقط ملاحوها في البحر بين الألواح المتداعية.

стр. 267

هذه الحِكاية الأسطورية تعود إلى ترجمة "جالا" وهي حكاية الثالثة من حكايات ألف ليلة وليلة بعنوان "ابن الملك" ويقول جوته في رسالة بعث بها إلى صديقته "فريدريكا بريو" في الخامس عشر من شهر أكتوبر، عام ألف وسبعمائة وسبعين: إنّ القلق الذي يَشْغَلُني يُعْزَى سَببَهُ إلى أني بعيدٌ عنك، ويجبُ أن أكون بقربك هنا في "استراسبورج" كما أريد أن أسطر على الورق أسطورة تعزيني في وحدتي، كم تشوقت لأن أصبح كالحصان المجنح؛ لأطير إلى قلبك، وأعزيك في وحدتك، ولكن لا أريد أن أعكر صفوك إذا كان بعدك عن أصدقائك يسليك. فذكر الحصان المجنح يعود إلى قصة وردت في ترجمة "جالا" تحت عنوان: "الجواد الظريف" وكذلك حكاية الجواد الساحر الهندية، التي يطوف بها الحصان من مدينة أخرى بسرعة فائقة، كما كان جوته يقصّ على الأطفال في "فرانكفورت" أساطير وحكايات ألف ليلة وليلة، فمثلًا كان جوته يسرد مثل هذه الحكايات على أطفال عائلة "ديفير أورفيل" التي تتصل بقرابة العائلة صديقته "لليشولمان". وأخرج جوته فيما بعد أعمالًا أدبية عكست تأثير قصة ألف ليلة وليلة على الشاعر وإعجابه بها، ومن هذه الأعمال الأدبية مسرحية "مزاج العاشق" وتصور الغيرة في شخص جوته تجاه "أنيته سونا بويف" ابنة صاحب الفندق الذي كان ينزل فيه أثناء الدراسة في "لايبز" وقد اضطر والدها في النهاية إلى إعلان زواجها من أحد الأطباء في "لايبز". وانفصلت العلاقة بين الفتاة وجوته، وقد تأثر جوته بقصة أمينة في قصص ألف ليلة وليلة، وأطلق على بطلة مسرحيته المذكورة اسم أمينة، وأمينة في كتاب ألف ليلة وليلة أرملة صغيرة السن جميلة وثرية، وقد أحبت رجلًا كان يبدي إعجابه بها من خلال النظرات والإيماءات، وسرعان ما تزوجته أمينة؛ فاضطرت أن

стр. 268

تعيش في ظروف التقاليد القاسية، وكان محرمًا عليها أن تكشف وجهها أمام شخص غريب، وأن تكلم أحدًا غير زوجها. وبعد شهر من زواجهما احتاجت أن تخيط لها ثوبًا، فخرجت إلى السوق لشراء القماش، بعد أن سمح لها زوجها بذلك شرط أن ترافقها خادمة في جولتها، ودخلت أمينة مع الخادمة دكانًا يملكه شاب صغير السن وسيم الوجه، وكان الكلامُ يجري مع الخادمة لأنه كان محرمًا على أمينة أن تكلم أحدًا غريبًا، وقد اختارت أمينة قماشًا أعجبها، غير أن غلاء سعره أحدث بعض الصعوبة في شرائه؛ فقد فرض البائع الشاب هذا السعر الخيالي لكي يساوم مع أمينة، وقبل البائع فيما بعد تخفيض سعر القماش لقاء قبلة من وجنة أمينة. وقبلت أمينة أن تمنح البائع قبلة لقاء تخفيض السعر، فتلفت بعباءتها وقدمت خدها للقبلة غير أن البائع الشاب بدلًا من أن يقبلها، ضغط بأسنانه على خدها فانبجس منه الدم، وقد حاولت أمينة عبثًا إخفاء أثر العضة لإبعاد الشك، وجعلت الغيرة تنهش في صدر الزوج، وأمر عبده بقطع رأسها، وقد حالت توسلات النسوة والجيران دون تنفيذ الأمر. وأراد الزوج أن تبقى ذاكرة أمينة معلقة دائمًا بالجرم والخيانة؛ فأمر بضربها بالسوط حتى ترك آثارًا في جسدها، وقد تأثر جوته بقصة الأمير حبيب، والأميرة دُرّة، ونسج على غِرارها أحداث مسرحية "فاوست" الجزء الثاني والأمير حبيب صبي حاد الذكاء، تولى تعليمه معلم فقيه، وعندما بلغ حبيب السابعة كان يتقن الفقه واللغة، إتقانًا جيدًا، ودرس التاريخ وتعلم فن الشعر وأصوله. وفي أحد الأيام اضطر المعلم إلى السفر؛ فودع تلميذه الصغير حبيب، فبكى حبيب على فراق معلمه، وجاء بعد يوم معلم آخر، لا يقل اطلاعًا ومعرفة عن

стр. 269

المعلم الأول، وبعد فَترة قصيرة غادر هذا المعلم تلميذه حبيب مستأذنًا بالسفر لإنجاز مهمة عائلية، وقبل أن يودعه قال له: إنك ستجتاز يا حبيب مخاطر كثيرة، وتَمرُّ بك مصاعب جسيمة، ستهزك وسيكون الثمن تضحيتك، وصبرك عليها هو زواجك من الأميرة درة حاكمة إحدى المقاطعات في العراق. ثم نشر بعد سنوات رواية تلمذت "وليم مايستر" في ثلاثة أجزاء، وهو تصور نضال الطبقة "البرجوازية" المثقفة في سبيل خلق مسرح وطني في ألمانيا، غير أن اليأس يستولى على وليم؛ فيترك ألمانيا، ويُهاجر إلى أمريكا، أثناء حرب الاستقلال؛ لانضمام إلى المحاربين الجنوبيين، ثم الحصول على العمل هناك. ولعَلّ الجُزء الثاني من الرواية "تجوال وليم مايستر" يتفق كل الاتفاق مع محتوى قصة علي الجوهري من قصص ألف ليلة وليلة، وسيرة علي الجوهري مشابهة لسيرة "وليم مايستر" في بعض الجوانب؛ فهو أيضًا جوال ومكافح، وداعية الإصلاح ومغامرٌ يَجُوب الأصقاع دون خوف أو وجل؛ فهو يسعى لتحقيق مطامعه؛ فيخفق في كثير الأحيان، ويحالفه النجاح في بعضٍ منها؛ فيخرج في النهاية منتصرًا على الفشل والمصاعب. وكتب جوته قصيدة تحت عنوان "دير شاتس بلابر" حفار الكنز؛ استوحاه من حكاية علي بابا والأربعين حرامي، وهي إحدى قصص ألف ليلة وليلة، ويقول فيها: أقضي أيامي الطويلة معدمًا متيمًا، أتَجَرّعُ الفَقر ضِيق أيامي، وأحلم في الثّراء بأيام آمالي، ولما أعياني الألم، ذهبت للبحث عن الكنز المفقود؛ ممنيًا نفسي بالرخاء، وحفرته حتى عفر ترابه دمائي، وتجولت في كل الأصقاع، حاملًا

стр. 270

مشاعر السرور، وكيسًا مملوءًا بعظم الأشباح، عشبًا تفوح منه رائحة ذكية، وبأسلوب المعلم الفهيم، بحثت عن كنزي القديم. وكان الليل حالك الظلام، فرأيت بصير السنور من بعيد، وإذا بنجمة تقترب من بين الظلمة الحالكة، فدقت الساعة معلنة، نهاية الليلة الزائلة، وفجأة قبل أن يحين الأوان، ملأ الضوء جو المكان؛ مُنبعثًا من بريق يومض بعمر الزمان، يحمل صبي له جمال حسان؛ فرأيت تلألؤ العيون الجميلة، من بين أكاليل الزهور الكبيرة، ويَعُبّ من شراب له نقاء السماء. وتقدمت منه بخطى وئيدة، وأنا مبهور لهذا الثناء؛ فقدمه ملطفًا أن اشرب من الكوز بصفاء؛ فزال عني كل عناء، وبدد في نفسي شعور الجفاء، فارتوي يا صاحِ بماء الشجاعة؛ كي تدرك معنى القناعة، وتزود المعرفة، ولا تعد بروح خائفة، لهذا المكان بثروته الزائلة، ولا تحضر هنا بعد بروح بائسة، اعمل في النهار، واستعطف المساء، فمضت أسابيع الجفاء، وأتت أعياد الرّخاء. وتأثر جوته بحكاية البِساط السحري من قصص ألف ليلة وليلة؛ فنسج على غرارها مسرحية "الابنة الطبيعية" عام ألف وثمانمائة واثنين، وافتتح بها مسرح "لاخشند" ونثر٤٦:٥٤ ونشر قصيدة شعرية في كتاب المعاني والحكايات، في الديوان الذي أصدره، وكتب بخط يده عنوانه "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي". علاء الدين والفانوس السحري: جميع البشر من كبير وصغير، يعملون على بناء المجتمع الكبير، ويعملون جاهدين لاحتلال المنصب الجديد، ويتطاولون على الآخرين، وعندما ترمقهم نظرات الحاسدين، يقيمون الدنيا ويقعدونها وكأنها نهاية العالمين.

стр. 271

وإلى جانب اهتمام جوته بقصص ألف ليلة وليلة، اهتم أيضًا كما رأينا بشعراء المعلقات؛ فاتصل جوته عام ألف وسبعمائة وثلاثة وثمانين، فاتصل جوته بمكتبة جماعة "جوتنج" لتوافيه بالمعلقات العربية في ترجمتها الإنجليزية، التي أصدر المستشرق الإنجليزي "ويلم جونز" وقتذاك. وقد تأثر جوته بهذه الأشعار، وامتدح الشعراء الجاهلين، وأحدثت مطالعة هذه الأشعار في نفسه أثرًا عميقًا، انعكس على عدد من قصائده، التي دونها في كتابه "الديوان الشعري للمؤلف الغربي" وقرأ معلقة امرئ القيس "قفا نبك" بترجمتها الإنجليزية، وقام فيما بعد بترجمتها إلى الألمانية. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 272

الدرس: ١١ أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (١) .

стр. 273

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (١)) أثر الأدب العربي في الأدبين الإفريقيين: الأدب السواحلي، والأدب الهوسوي في البداية أحب أن أشير إلي أن بعض دارسي الأدب المقارن يقولون عن مدارس الأدب المقارن في الغرب: إنها تنطلق مما يسمونه المركزية الأوربية، تلك المركزية التي لا تري إلا أوربا والغرب، إذ يعتقد الأوربيون أن الشعوب الأفريقية أسيويه، هي شعوب بدائية وطفولية، يمكن استبعاد آدابها وفنونها من مجال الأدب المقارن، دون أن يخامر المرء أدني شعور بالخسارة أو مجافاة شروط البحث العلمي، وأما الثقافات الشفوية التي تشيع في تلك البلاد هي بالتأكيد دون الثقافات الأوربية الغربية المدونة، وهي لذلك لا تصلح إلا للمتاحف والدراسات الأنثروبولوجية والدراسات التاريخية المتصلة بنشوء الإنسان وتطوره وارتقائه، وأن الأجناس الأدبية التي لا تتفق والتصنيفات الأدبية الأوربية يمكن أن تهمل دون شعور كبير بالإثم ما دامت خارجة عن القانون الأدبي الغربي، كما هو الشأن في نظر الأوربيين للمقامة أو الشعر الغنائي في الآداب الشرقية، وأن الأعمال الأدبية العظيمة في نظر الأمم والشعوب التي أنتجتها تقاس بما يسمى روائع الأدب الغربي، وتنال من الدرجات بمقدار قربها أو بعدها من النماذج الغربية، وكانت حصيلة هذه المظاهر العنصرية في جوهرها والعابثة في موقفها أن بعض الآداب كان يسالي أقل من الآداب الأخرى، وبعضها كان فريدًا في امتلاكه أهمية عالمية، وبعضها الآخر يمكن أن يهمل بوصفه بدائيًّا أو عاديًا. ولذلك وجدنا أن المقارنين الأوربيين في القرن التاسع عشر بكامله قد مضوا في إلحاحهم على أن المقارنة تكون على محور أفقي -أي: بين الأنداد- وإحدى نتائج هذا المنظور أن باحثي الأدب المقارن ومنذ البداية مالوا إلى العمل مع الكتاب الأوربيين فقط.

стр. 274

ولذلك دعا بعض باحثي الأدب المقارن المنصفين إلى ضرورة توسيع دائرة البحث في الأدب المقارن بغرض الوصول إلى نتائج أكثر مصداقية وحقائق أكثر رسوخًا وموضوعية. وهذه الدعوة تضعه على الطرف النقيض للدرس المقارن الغربي القائم على المركزية الغربية، التي ينبغي أن ترفض من المؤمنين بالرسالة السامية للأدب المقارن رفضًا قاطعًا. .وفي رأيهم أنه إذا كان الأدب في الغرب قد تخلى عن دراسة القضايا الواسعة والآفاق العريضة لتطور الأدب العالمي، واتجه نحو التخصص الضيق، محددًا قطر بحثه داخل الحدود القومية، وفي أحسن الأحوال معتمدًا على الأعمال الأوربية، فإنه ينبغي أن نسلم بضرورة تناول مسائل التطور الأدبي، من خلال الدراسات المقارنية التاريخية الأرحب أفقًا، وضرورة أن نأخذ بعين الاعتبار اشتمال هذه الدراسات على الأعمال الأدبية الغربية والشرقية كلتيهما. ولا ريب في أن تلك الدعوة الأخيرة هي دعوة أرحب أفقًا، وأكثر إنسانية، وأمعن في العلمية من تلك المركزية الأوربية وما يترتب عليها من تداعيات منهجية وإنسانية خطيرة، وينبغي أن تكون هذه نظرتنا إلى الأدب المقارن نحن العرب والمسلمين؛ إذ الإسلام يعلمنا سعة الأفق، كما ينبهنا إلى ضرورة التعاون والتآلف والتآخي بين المسلمين بعضهم وبعض. وهناك الآن كتب في الأدب المقارن تهتم بالأدب الإسلامي المقارن بالذات، وإذا كانت غاية المسلمين الوحدة الإسلامية فالسبيل إليها هو معرفة بعضنا بعضًا، وهذا لا يتم إلا إذا درسنا كل ما يتعلق بالأمم الإسلامية الأخرى، لأن من العيب الخطير أن نعرف عن أوربا وأمريكا التي استعمرتنا -وما زالت تثير لنا المشكلات وتضع في طريقنا العوائق وتعمل على احتلال بلادنا وتقسيمها

стр. 275

واستعبادنا وإلحاقنا بقاطرة الغرب- أكثر مما نعرف عن إخواننا في البلاد الإسلامية المختلفة. ومن المهم أن نتنبه إلى حقيقة تغيب عن أذهاننا كثيرًا، هذه الحقيقة هي أن تلك البلاد ذوات حضارات عريقة، وكانت متقدمة أيام أن كانت أوربا لا تزال بلادًا متخلفة، وإذا كانت أوربا تتعامل معنا بمنطق السيد، فينبغي أن نتعامل مع بعضنا البعض بروح الأخوة والمساواة والاحترام المتبادل، وإذا كنت قد أشرت إلى أن السبيل إلى الوحدة الإسلامية هو أن يعرف بعضنا بعضًا، ففي مجال الأدب المقارن ينبغي أن ندرس آداب الأمم الإسلامية الأخرى، وأن نقارن بينها وبين الأدب العربي، لنعرف مواطن التقارب ومواطن التباعد، وإذا كان هناك تأثير من طرف على آخر أبرزناه، وهذا كله من شأنه أن يعضد معرفتنا بعضنا ببعض، وأن يساعد على تمهيد الطريق نحو الأخوة الإسلامية، تلك التي ينبغي ألا تقوم على الشعارات والعواطف الهوجاء، بل على الدراسات العلمية الدقيقة. وينبغي في هذا المجال أن نتعلم من أوربا وأمريكا إتباعهما للمنهج العلمي، فهما تقيمان حياتهما على العلم ومناهج العلم وعلى الإحصاءات والدراسات الدقيقة، ولا تدخلان أي ميدان من ميادين الحياة إلا وقد درسته ومحصته وتحققت كل شيء فيه على قدر ما تستطيع، ومن هنا كان نجاح الأوربيين والأمريكان في أمور كثيرة، وفشلنا في هذه الأمور؛ لأننا للأسف كثيرًا ما نهمل المنهج العلمي، ونظن أن العواطف المشتعلة كافية في تبليغنا ما نريد، مع أن الإسلام يحضنا على العلم، ويريد منا أن ندقق كل شيء نعمله، وألا نقدم على شيء إلا وقد عرفنا أين نضع أقدامنا، بحيث لا نسير أي خطوة في الظلام، ولا نسير أي خطوة دون أن نعرف إلى أين نحن ماضون، ودون أن نلم بالنتائج التي نتغياها، ودون أن تكون في أيدينا الوسائل الكفيلة ببلوغنا هذه الغاية.

стр. 276

لو فعلنا ذلك فإن هذا سوف يكون -بمشيئة الله- خطوة صحيحة على الدرب، وسوف يقربنا هذا من الغرض المنشود، ألا وهو أن يعرف المسلمون بعضهم بعضًا معرفة علمية دقيقة ممحصة، وأن تقوم بينهم الوحدة. وسنبدأ أولًا بأثر الأدب العربي في الأدبين الإفريقيين: الأدب السواحلي، والأدب الهوسوي: والمقصود بالأدب السواحيلي: ذلك الأدب المسجل باللغة السواحيلية، وهي اللغة المنتشرة في شرق إفريقيا، في تنزانيا وكينيا وأوغندا وجنوب الصومال وشرق زئير وشمال الموزمبيق وشمال زامبيا وشمال المالاوي وجزر القمر، حيث ينتشر الإسلام انتشارًا واسعًا، حتى ليشكل الدين الرئيسي في معظم تلك المناطق، وكانت هذه الدول تخضع للاحتلال الأوربي منذ أواخر القرن الخامس عشر، من قبل البرتغاليين أولًا، إلى أن أخرجه منها العمانيون، تلبية لدعوة أهل البلاد، وحكموها منذ أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. ثم من قبل الأوربيين مرة أخرى منذ أواخر القرن التاسع عشر، إذ أخذ الإنجليز زنجبار وكينيا وأوغندا، والإيطاليون جنوب الصومال، والألمان تنجانيقة وما حولها وهي الآن جزء من تنزانيا، ثم البلجيك حوض الكونغو، الذي يتمثل الآن في شرق زئير، ثم حصلت تلك الدول على استقلالها في بداية ستينات القرن المنصرم. وهناك كلمات وعبارات كثيرة جدًّا جدًّا، استعارتها اللغة السواحيلية من لغة الضاد، ومنها: "بعد ذلك، سلام، عم، أب، بحر، عالم، يغير، عيب، يؤمن، بين، ضحية، أمانة، بطة، يشقى، دفتر، دقيقة، بندقية، إبليس، جمعة، إن شاء الله، فتك، حاج، هيبة، حق، يتجسس، جوهرة، يواجه،

стр. 277

مغرب، نصيب، يصدق، صنف، رمضان، تفضل، عصيان، نظافة، متوسط، صحة، يتشوق ... إلى آخره". ولا بد من لفت النظر إلى أن تلك الكلمات لم تبقَ على حالها الأصلي، بل اعترتها التحويرات والتشويهات، طبقًا لقواعد اللغة المستعيرة وأوضاعها، على ما يحدث في مثل تلك الحالة في كل اللغات. وفي الأدب السواحيلي أمثال كثيرة تتفق إلى حد بعيد والأمثال العربية، من ذلك مثلًا قولهم: الأسد الذي يزأر لا يقتل فريسة، فهو يشبه قولنا: الكلاب النباحة قليلًا ما تعض، وقولهم: علامة الصوت تزول وآثار الشتائم لا تزول، الذي يذكرنا بالمثل العربي الشعري: جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتئم ما جرح اللسان وكذلك قولهم: لا تصلح سور جارك قبل أن تصلح سورك، فهو قريب من المثل العامي، الذي يقول: الذي يحتاجه البيت يحرم على الجامع، وقولهم: بالمال يكسب الرجل النساء، الذي يستدعي إلى الذاكرة، قولنا: لا يعيب الرجل إلا جيبه، وقولهم: نصف رغيف أفضل من لا شيء، فهو مثل المثل الشعبي الذي يقول: نصف العمى ولا العمى كله، وقولهم: الغياب يجعل القلب ينسى، فعندنا نحن أيضًا البعيد عن العين بعيد عن القلب، وكذلك قولهم: اتبع العادات أو اهجر البلدة، فهو كقول العرب: إذا كنت في قوم فاحلب في إنائهم، والإصبع الواحدة لا تستطيع أن تقتل ولو نملة، الذي يذكرنا بقولنا اليد الواحدة لا تصفق. بل إنّ هناك آيات وأحاديث نُقلت كما هي إلى اللغة السواحيلية واستعملت حكمًا، مثل: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: ٦)، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦)، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (الأنبياء: ٣٥)، ((من حسن

стр. 278

إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، ((من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه عرضه))، ((اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)) وفي ميدان الفن القصصي، نجد قصصًا سواحيلية مستقاة من كتاب عبد الله بن المقفع "كليلة ودمنة" كقصة"حمار الرسام" وقصة "المعلم جرسوه" وقصة "الصقور والغربان" كما نجد قصصا أخرى مأخوذة من ألف ليلة وليلة كحكاية "محمد الكسلان" وحكاية "حاسب كريم" مع تنوينات محلية بطبيعة الحال، فضلًا عن أنهم يختمون الحكاية بعبارة وعظية مباشرة في بعض الأحيان. وإلى جانب هذا نجد قصصًا دينيًّا إسلاميًّا مستلهمًا من منابع عربية، كقصة سيدنا إبراهيم وزوجتيه وابنه إسماعيل، كذلك فكلمتا قصة وحكاية، قد أخذتا كما هما من العربية إلى السواحيلية، وإلى جانب هذا هناك عناوين قصصية غير قليلة تتضمن كل منها على الأقل كلمة عربية، بل قد يكون العنوان كله عربيًّا، كذلك نراهم يبدءون حكاياتهم بعبارة تشبه قولنا في الحكايات الشعبية: "كان يا ما كان". وفي مجال المقال لا يصح أن ننسى مثلًا مقالات الشيخ الأمين بن علي المزروعي، الذي تأثر في كتاباته بالدعوات الإسلامية الإصلاحية في العصر الحديث، كدعوة محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر الميلادي، إلى نبذ الخرافات والبدع، وكذلك دعوة الأفغاني ومحمد عبده إلى أهمية وحدة الأمة الإسلامية، وكان الرجل يؤمن أنه لا يمكن فهم الإسلام إلا من خلال إتقان اللغة العربية، فهي لغة القران والنبي ﵇. وفي فن الشعر، نرى السواحيلية قد أخذت لفظ الشعر العربي، واستعملته بنفس المعنى الذي نستعمله له، وكذلك لفظ التخميسة بمعنى المخمس، وهو الوحدة الشعرية المكونة من خمسة أبيات، يقاس عليها كل الوحدات الخماسية الأخرى

стр. 279

في القصيدة، كذلك فموضوعات الشعر في اللغة السواحيلية، هي ذاتها الموضوعات التقليدية في الشعر العربي، من مديح وهجاء وفخر ونسيب ورثاء ومدائح نبوية، ومن أشهر القصائد الدينية عندهم "قصيدة الوعظ"، وقصيدة "صلاة الاستسقاء"، وقصيدة "الدر المنظوم"، و"طيب الأسماء" في أسماء الله الحسنى، وقصيدة "تبارك"، وقصيدة "تقوى الله"، وقصيدة "القيامة"، وقصيدة "النشور"، وقصيدة "موعظة رمضان"، وقصيدة "الشفقة" التي تشتمل على نحو أربعمائة بيت، وفيها نرى جبريل وميكال ﵉، يقومان بتجربة يختبران بها البشر، ليرايا هل ما زال عند الناس تراحم وشفقة أو لا، فكانت النتيجة إيجابية. وهناك كذلك قصائد خالصة للغزوات الإسلامية في عصر الرسول، إلى جانب شعر السيرة المحمدية، والقصائد التي تستلهم حياة عظماء الإسلام، كقصيدة "عائشة" وقصيدة "فاطمة" وقصيدة "سيدنا علي ومضر" وقصائد المدائح النبوية، تلك التي تتخذ من قصيدة "البصير" الشهيرة مثالًا أعلى. وكثير من القصائد الشعرية السواحيلية تبدأ بالبسملة والتحميد والصلاة على النبي ﵊، تعبيرًا عن الإيمان والرغبة في التبرك باسم المصطفى، ومن القصائد السواحيلية التي تلفت نظر الباحث المقارن، القصيدة التي نظمتها "موانا كوبونا" عام ألف وثماني مائة وثماني وخمسين ميلادية في باتي إحدى مدن كينيا حاليًا، وهي عبارة عن نصيحة توجهها أم إلى ابنتها التي توشك أن تتزوج وتنتقل إلى بيت زوجها، والقصيدة تستوحي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ونصوص الأدب العربي النثري، وبخاصة تلك الوصية الشهيرة التي وصت بها قبل الإسلام أم جاهلية ابنتها، قبيل انتقالها إلى عش الزوجية، والتي تقول لها فيها:

стр. 280

"أي: بنية إنك فارقتي بيتك الذي منه خرجتي، وعشك الذي فيه درجتي، إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدًا، واحفظي له خصالًا عشرة، يكن لك زخرًا، أما الأولى والثانية فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة، فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، وأما الخامسة والسادسة، فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتمخيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة فالاحتراس لماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير، وأما التاسعة والعاشرة، فلا تعصين له أمرًا ولا تفشين له سرًّا، فانك إن خالفت أمره أوغرتي صدره، وإن أفشيتي سره لم تأمني غدره، ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مغتمًّا، والكآبة بين يديه إذا كان فرحًا". ويقول الدكتور الأمين أبومنقة محمد من مقال له عنوانه "التراث العربي الإسلامي في شرق إفريقيا وفي غربها دراسة مقارنة": تعتبر اللغة السواحيلية أكثر اللغات تأثرًا باللغة العربية، حتى ذهب البعض إلى الاعتقاد بأنها نشأت من اللغة العربية، بينما ظن آخرون أنها نسيج من اللغتين العربية والبنتوية. وهناك الآن إدراك واسع أن اللغة السواحيلية لغة بنتوية، تحتوي على قدر كبير من المؤثرات العربية، تكثر هذه المؤثرات لدى سكان الساحل وتقل تدريجيًّا كلما توغلنا إلى داخل القارة. وفي تقديرنا: أنّ ما حدث في زنجبار وغيرها من جزر وسواحل شرق أفريقيا، هو أن العرب هم الذين بدءوا التحدث باللغة البنتوية البسيطة، وكانوا يكملون ما يعوزهم من ألفاظها أو ما يفتقد إليه قاموسها بألفاظ من لغتهم الأم أي: العربية.

стр. 281

فأغلب المؤثرات العربية من أصوات وكلمات وعبارات وحكم وأمثال أدخلها العرب أنفسهم في اللغة البنتوية، من خلال سعيهم للتواصل مع السكان المحليين، ثم تلقاها منهم السكان المحليون بهيئتها الجديدة هذه. وإذا كان هناك اقتراض في الاتجاه المعاكس، فلا بد أنه قد حدث في وقت متأخر، يصعب تقدير نسبة الألفاظ العربية في اللغة السواحيلية، لأن هذا التأثير كما أسلفنا متفاوت بين الساحل والداخل، إلا أنه قد شمل جُل أوجه الحياة لاسيما الممارسات الإسلامية والتجارة والإدارة وبعض العادات والتقاليد. أما في ما يختص بالثقافة السواحيلية، فقد أشار سيد حامد حريز إلى أن ملامح الثقافة العربية للمجتمع السواحلي تختلف من مكان لآخر داخل المنطقة السواحيلية في قوتها وكثافتها، وبالطبع بحسب موقع المكان قربًا أو بعدًا من الساحل والجزر كما أسلفنا، وفي بعض الأماكن تقتصر هذه الثقافة فقط على اللغة والملبس، بينما تنعكس في أماكن أخرى في اللغة والعادات والمعتقدات والأزياء والمسكن والفنون ... إلى آخره. إن من أهم الآثار الإسلامية على الشعوب التي حظيت بنعمة الإسلام في أسيا وأفريقيا، تطور أو نشأة أدب مكتوب بلغات هذه الشعوب يستمد جذوره من الأدب العربي الإسلامي، ونذكر على سبيل المثال في أسيا الأدب الفارسي الحديث والأدب التركي والأدب الأردي، وفي أفريقيا الأدب السواحيلي والأدب الهاوسي والأدب الفولاني، ولكن ما حدث في أسيا كان عبارة عن تطور، لأن لتلك الشعوب أدبا مكتوبًا بأبجديات غير عربية، كان موجودًا قبل تأثرهم بالثقافة العربية الإسلامية، بينما نجد أن الشعوب الإفريقية المذكورة أعلاه لم تعرف أدبًا مكتوبًا قبل دخول الإسلام. وأن آدابها المكتوبة نشأت منذ البداية متفرعة من الأدب العربي الإسلامي ومكتوبة بالحرف العربي.

стр. 282

لقد لاحظ الباحثون المهتمون بآداب الشعوب الإسلامية في إفريقيا، أن النشاط الفكري وسط هذه الشعوب يبدأ دائمًا باللغة العربية نفسها، ثم ينشأ على أثره الأدب المعبر عنه باللغات المحلية، لذلك فإن أقدم المخطوطات التي عُثر عليها في سواحل شرق إفريقيا، كانت مخطوطتي "كلوا" و"باتي" وكلتهما كانت مكتوبة باللغة العربية، كما وجدت عبارات باللغة العربية مكتوبة على شواهد بعض القبور ترجع إلى القرن الثامن الميلادي. ولا يستبعد الباحثون وجود تراث أدبي مكتوب بالخط العربي قبل هذا التاريخ، لم يتم اكتشافه بعد. على أية حال لا شك في أن كل هذه الآثار ترجع للعرب أنفسهم، وليس هناك ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن للسكان المحليين يدًا فيها. لكن الأسئلة الأهم في هذا السياق: متى ظهر التراث الأدبي السواحيلي المكتوب بالحرف العربي؟ وكيف نشأ؟ ومن هم رواده؟ أهم العرب السواحليون أم السكان المحليون؟. إنّ بداية تأليف اللغة السواحيلية كان بالنظم، والنقد بالنصوص التي تم العثور عليها في هذا الفن، أربع قصائد مطولة ترجع إلى القرن الثامن عشر وكلها قصائد تعليمية، ولعل أهمها وأقدمها كانت قصيدة "الهمزية" للشيخ عيدروس بن عثمان بن علي، وهي عبارة عن ترجمة لقصيدة باللغة العربية لشرف الدين البوصيري، كما وجدت بعض المقتطفات من قصائد المولد مترجمة من القصائد العربية. ولكن لا يستبعد "كنبرت" الباحث الإنجليزي المتخصص في الأدب السواحلي، وجود قصائد ألفت أصلًا باللغة السواحلية، ويحتوي الشعر السواحلي أيضًا

стр. 283

على قصائد مطولة ذات طابع ملحمي ولكن بما أن الملاحم غير معروفة في الشعر العربي، فيرجح "كنبرت" أن السواحيليين قد استلهموا هذا الفن من نماذج من الشعر الفارسي أو الأردي. نشأ الشعر السواحيلي إسلاميًّا وظل هكذا إلى يومنا هذا، وحتى هذا الشعر الذي نظم بعد الاستعمار رغم أن موضوعاته قد لا تكون إسلامية، إلا انه إسلامي الروح والقالب، وقد استخدم الشعر السواحلي عددًا من الأوزان الشعرية العربية، وأهمها حسب "كنبرت اوتنزي شعري، اوكوافي، كسارمبي"، وقد لوحظ أن الوزنين الأولين يستخدمان لنظم الشعر ذو الأغراض الدنيوية، بينما نجد أن معظم مفعل الوزنين الأخيرين كان للأغراض الدينية، ويبدو أن وزن "أوكوافي" كان أقدم هذه الأوزان، إذ عليه نظمت القصيدة الهمزية، ولعل أهم ما آلف على وزن "الكسارمبي" كانت قصيدة الانكشاف للشيخ عبد الله بن علي بن ناصر، وقوام هذا الوزن مقاطع من أربع شطرات تحمل الشطرات الثلاث الأولى قافية مستقلة، وتمثل قافية الشطر الرابع القافية الرئيسية للقصيدة، وقد نظمت هذه الأبيات في وصف الموت وعذاب القبر وأهوال يوم القيامة. وقبل أن نختم هذا الجزء المتصل بنشأة الأدب السواحلي المكتوب نشير إلى أن للنثر أيضًا موقعًا معتبرًا في هذا الأدب، حيث يتمثل الأدب العربي الإسلامي في المقام الأول في السيرة النبوية وقصص الأنبياء وأدبيات العصر العباسي وقصص الألف ليلة وليلة، لم يشر كنبرت ١٩٧١ إلى أي عمل باللغة العربية نظمًا كان أو نثرًا، يرجع إلى القرون الماضية أنجزه مؤلف سواحلي حتى من ذوي الجذور العربية، دعك من السكان المحليين.

стр. 284

وقد أكد سيد حامد حريز إلى أن الشعراء في شرق إفريقيا قد نظموا باللغة العربية في أغراض مختلفة ولكن دون الإشارة إلى شاعر بعينه، مما قد يوحي بمحدودية هذا الجانب من النشاط، وقد رأينا أن أولى القصائد السواحيلية التي تم العثور عليها في إقليم شرق إفريقيا، كانت من نظم شعراء ذوو أصول عربية أو فارسية، أما في النثر اللغة العربية فلم يرد السيد حامد حريز في كتابه الجامع حول المؤثرات العربية في الثقافة السواحيلية أي عمل في هذا السياق. وقد أورد عبد الرحمن أحمد عثمان في ثروة المصادر والمراجع لكتابه "المؤثرات الإسلامية والمسيحية على الثقافة السواحيلية" أربعة كتب وخمس مخطوطات لمؤلفين من داخل المنطقة قيد الدراسة أو ما جاورها، والمؤلفون هم: سعيد بن علي المغيري، والشيخ محي الدين الكلوي، وسلمة بنت سعيد بن سلطان، والشيخ الليثي بن محمد القادري وبرهان بن مكلة القمري، وعبد الله محمد باكثير الكندي، وعبد الله بن زين الوهط الثقاف، بالإضافة إلى راشد البراوي الذي كتب عن الصومال الجديد. ويلاحظ من خلال هذه الأسماء أن غالبية هؤلاء المؤلفين ينحدرون من أصول غير محلية، كما يلاحظ غياب الأعمال الفكرية المتعمقة في العلوم الإسلامية كالتوحيد والفقه والتفسير وعلم الكلام، أو أعمال في اللغة العربية، على شاكلة مؤلفات الشيخ عبد الله بن فودي المذكورة أعلاه. ومن المعروف أن أسرتي النبهاني والمزروعي، قد أسهمتا كثيرًا في دفع عجلة الحركة الفكرية في إقليم شرق أفريقيا، وآلف بعض أفرادها كثيرًا باللغة السواحيلية، وكنا نتوقع أن نقف على أعمال لهم باللغة العربية.

стр. 285

تأثير الأدب العربي في لغة الهوسا وآدابها وكانت كلمة "الهوسا" تطلق على الشعوب والقبائل الساكنة بين مملكتي برنو شرقًا والمنطقة الواقعة في الضفة الغربية لنهر النيجر غربًا، ومن حدود مملكة "أهير" شمالًا إلى حدود نهر "البنو" جنوبًا. كما تطلق تلك الكلمة على اللغة التي يتحدث بها هذه الشعوب والقبائل، فهي لغة كانت ولا تزال مُنتشرة على نطاق واسع في غرب أفريقيا كلها، وهي إحدى اللغات الأفريقية الثلاث التي يتكلم بها المسلمون في أفريقيا، وهذه اللغات هي العربية أولًا، ثم الهوسا ثانيًا، فالسواحيلية ثالثًا. وكانت هاتان اللغتان الأخيرتان تكتبان بالحرف العربي، قبل أن يتدخل المحتلون الأوربيون المبشرون بحقبة استعمارية ويحولوهما إلى الحرف اللاتيني، وفي معجم سياقي للكلمات العربية في لغة الهوسا للدكتور مصطفى حجازي السيد نجد نحو ألف كلمة عربية دخلت لغة الهوسا، ولا أظنه قد استقصى كل ذلك الصنف من الكلمات، بل كل ما هنالك أنه اجتهد وأورد ما استطاع ليس إلا، وما يستطيعه أي إنسان ليس هو كل المتاح كما هو معروف. ثم لا ينبغي أن ننسى قلة مفردات اللغة الهوساوية وقصر تاريخها وندرة معاجمها، فهذا يجعل رقم الألف كبيرًا من ناحية، ويبين لنا من ناحية أخرى الصعوبة التي تواجه مؤلف مثل ذلك المعجم، ومن تلك الكلمات المقترضة: "النبي، القاضي، الدين، الغش، الصوم، السارق، النعش، النصف، الطعام، الأمر، العمود، الرعد، الحاج، الصبح، السر، الدعاء، العشاء، الأدب، الآخرة، اللوح، الفخر، البصل، ضرورة، نصيحة، صحيفة، سكر، منافق،
следующие страницы →