Полный текст (584 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فأغلب المؤثرات العربية من أصوات وكلمات وعبارات وحكم وأمثال أدخلها العرب أنفسهم في اللغة البنتوية، من خلال سعيهم للتواصل مع السكان المحليين، ثم تلقاها منهم السكان المحليون بهيئتها الجديدة هذه.
وإذا كان هناك اقتراض في الاتجاه المعاكس، فلا بد أنه قد حدث في وقت متأخر، يصعب تقدير نسبة الألفاظ العربية في اللغة السواحيلية، لأن هذا التأثير كما أسلفنا متفاوت بين الساحل والداخل، إلا أنه قد شمل جُل أوجه الحياة لاسيما الممارسات الإسلامية والتجارة والإدارة وبعض العادات والتقاليد.
أما في ما يختص بالثقافة السواحيلية، فقد أشار سيد حامد حريز إلى أن ملامح الثقافة العربية للمجتمع السواحلي تختلف من مكان لآخر داخل المنطقة السواحيلية في قوتها وكثافتها، وبالطبع بحسب موقع المكان قربًا أو بعدًا من الساحل والجزر كما أسلفنا، وفي بعض الأماكن تقتصر هذه الثقافة فقط على اللغة والملبس، بينما تنعكس في أماكن أخرى في اللغة والعادات والمعتقدات والأزياء والمسكن والفنون ... إلى آخره.
إن من أهم الآثار الإسلامية على الشعوب التي حظيت بنعمة الإسلام في أسيا وأفريقيا، تطور أو نشأة أدب مكتوب بلغات هذه الشعوب يستمد جذوره من الأدب العربي الإسلامي، ونذكر على سبيل المثال في أسيا الأدب الفارسي الحديث والأدب التركي والأدب الأردي، وفي أفريقيا الأدب السواحيلي والأدب الهاوسي والأدب الفولاني، ولكن ما حدث في أسيا كان عبارة عن تطور، لأن لتلك الشعوب أدبا مكتوبًا بأبجديات غير عربية، كان موجودًا قبل تأثرهم بالثقافة العربية الإسلامية، بينما نجد أن الشعوب الإفريقية المذكورة أعلاه لم تعرف أدبًا مكتوبًا قبل دخول الإسلام. وأن آدابها المكتوبة نشأت منذ البداية متفرعة من الأدب العربي الإسلامي ومكتوبة بالحرف العربي.
стр. 282
لقد لاحظ الباحثون المهتمون بآداب الشعوب الإسلامية في إفريقيا، أن النشاط الفكري وسط هذه الشعوب يبدأ دائمًا باللغة العربية نفسها، ثم ينشأ على أثره الأدب المعبر عنه باللغات المحلية، لذلك فإن أقدم المخطوطات التي عُثر عليها في سواحل شرق إفريقيا، كانت مخطوطتي "كلوا" و"باتي" وكلتهما كانت مكتوبة باللغة العربية، كما وجدت عبارات باللغة العربية مكتوبة على شواهد بعض القبور ترجع إلى القرن الثامن الميلادي.
ولا يستبعد الباحثون وجود تراث أدبي مكتوب بالخط العربي قبل هذا التاريخ، لم يتم اكتشافه بعد.
على أية حال لا شك في أن كل هذه الآثار ترجع للعرب أنفسهم، وليس هناك ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن للسكان المحليين يدًا فيها.
لكن الأسئلة الأهم في هذا السياق: متى ظهر التراث الأدبي السواحيلي المكتوب بالحرف العربي؟ وكيف نشأ؟ ومن هم رواده؟ أهم العرب السواحليون أم السكان المحليون؟.
إنّ بداية تأليف اللغة السواحيلية كان بالنظم، والنقد بالنصوص التي تم العثور عليها في هذا الفن، أربع قصائد مطولة ترجع إلى القرن الثامن عشر وكلها قصائد تعليمية، ولعل أهمها وأقدمها كانت قصيدة "الهمزية" للشيخ عيدروس بن عثمان بن علي، وهي عبارة عن ترجمة لقصيدة باللغة العربية لشرف الدين البوصيري، كما وجدت بعض المقتطفات من قصائد المولد مترجمة من القصائد العربية.
ولكن لا يستبعد "كنبرت" الباحث الإنجليزي المتخصص في الأدب السواحلي، وجود قصائد ألفت أصلًا باللغة السواحلية، ويحتوي الشعر السواحلي أيضًا
стр. 283
على قصائد مطولة ذات طابع ملحمي ولكن بما أن الملاحم غير معروفة في الشعر العربي، فيرجح "كنبرت" أن السواحيليين قد استلهموا هذا الفن من نماذج من الشعر الفارسي أو الأردي.
نشأ الشعر السواحيلي إسلاميًّا وظل هكذا إلى يومنا هذا، وحتى هذا الشعر الذي نظم بعد الاستعمار رغم أن موضوعاته قد لا تكون إسلامية، إلا انه إسلامي الروح والقالب، وقد استخدم الشعر السواحلي عددًا من الأوزان الشعرية العربية، وأهمها حسب "كنبرت اوتنزي شعري، اوكوافي، كسارمبي"، وقد لوحظ أن الوزنين الأولين يستخدمان لنظم الشعر ذو الأغراض الدنيوية، بينما نجد أن معظم مفعل الوزنين الأخيرين كان للأغراض الدينية، ويبدو أن وزن "أوكوافي" كان أقدم هذه الأوزان، إذ عليه نظمت القصيدة الهمزية، ولعل أهم ما آلف على وزن "الكسارمبي" كانت قصيدة الانكشاف للشيخ عبد الله بن علي بن ناصر، وقوام هذا الوزن مقاطع من أربع شطرات تحمل الشطرات الثلاث الأولى قافية مستقلة، وتمثل قافية الشطر الرابع القافية الرئيسية للقصيدة، وقد نظمت هذه الأبيات في وصف الموت وعذاب القبر وأهوال يوم القيامة.
وقبل أن نختم هذا الجزء المتصل بنشأة الأدب السواحلي المكتوب نشير إلى أن للنثر أيضًا موقعًا معتبرًا في هذا الأدب، حيث يتمثل الأدب العربي الإسلامي في المقام الأول في السيرة النبوية وقصص الأنبياء وأدبيات العصر العباسي وقصص الألف ليلة وليلة، لم يشر كنبرت ١٩٧١ إلى أي عمل باللغة العربية نظمًا كان أو نثرًا، يرجع إلى القرون الماضية أنجزه مؤلف سواحلي حتى من ذوي الجذور العربية، دعك من السكان المحليين.
стр. 284
وقد أكد سيد حامد حريز إلى أن الشعراء في شرق إفريقيا قد نظموا باللغة العربية في أغراض مختلفة ولكن دون الإشارة إلى شاعر بعينه، مما قد يوحي بمحدودية هذا الجانب من النشاط، وقد رأينا أن أولى القصائد السواحيلية التي تم العثور عليها في إقليم شرق إفريقيا، كانت من نظم شعراء ذوو أصول عربية أو فارسية، أما في النثر اللغة العربية فلم يرد السيد حامد حريز في كتابه الجامع حول المؤثرات العربية في الثقافة السواحيلية أي عمل في هذا السياق.
وقد أورد عبد الرحمن أحمد عثمان في ثروة المصادر والمراجع لكتابه "المؤثرات الإسلامية والمسيحية على الثقافة السواحيلية" أربعة كتب وخمس مخطوطات لمؤلفين من داخل المنطقة قيد الدراسة أو ما جاورها، والمؤلفون هم: سعيد بن علي المغيري، والشيخ محي الدين الكلوي، وسلمة بنت سعيد بن سلطان، والشيخ الليثي بن محمد القادري وبرهان بن مكلة القمري، وعبد الله محمد باكثير الكندي، وعبد الله بن زين الوهط الثقاف، بالإضافة إلى راشد البراوي الذي كتب عن الصومال الجديد.
ويلاحظ من خلال هذه الأسماء أن غالبية هؤلاء المؤلفين ينحدرون من أصول غير محلية، كما يلاحظ غياب الأعمال الفكرية المتعمقة في العلوم الإسلامية كالتوحيد والفقه والتفسير وعلم الكلام، أو أعمال في اللغة العربية، على شاكلة مؤلفات الشيخ عبد الله بن فودي المذكورة أعلاه.
ومن المعروف أن أسرتي النبهاني والمزروعي، قد أسهمتا كثيرًا في دفع عجلة الحركة الفكرية في إقليم شرق أفريقيا، وآلف بعض أفرادها كثيرًا باللغة السواحيلية، وكنا نتوقع أن نقف على أعمال لهم باللغة العربية.
стр. 285
تأثير الأدب العربي في لغة الهوسا وآدابها
وكانت كلمة "الهوسا" تطلق على الشعوب والقبائل الساكنة بين مملكتي برنو شرقًا والمنطقة الواقعة في الضفة الغربية لنهر النيجر غربًا، ومن حدود مملكة "أهير" شمالًا إلى حدود نهر "البنو" جنوبًا.
كما تطلق تلك الكلمة على اللغة التي يتحدث بها هذه الشعوب والقبائل، فهي لغة كانت ولا تزال مُنتشرة على نطاق واسع في غرب أفريقيا كلها، وهي إحدى اللغات الأفريقية الثلاث التي يتكلم بها المسلمون في أفريقيا، وهذه اللغات هي العربية أولًا، ثم الهوسا ثانيًا، فالسواحيلية ثالثًا.
وكانت هاتان اللغتان الأخيرتان تكتبان بالحرف العربي، قبل أن يتدخل المحتلون الأوربيون المبشرون بحقبة استعمارية ويحولوهما إلى الحرف اللاتيني، وفي معجم سياقي للكلمات العربية في لغة الهوسا للدكتور مصطفى حجازي السيد نجد نحو ألف كلمة عربية دخلت لغة الهوسا، ولا أظنه قد استقصى كل ذلك الصنف من الكلمات، بل كل ما هنالك أنه اجتهد وأورد ما استطاع ليس إلا، وما يستطيعه أي إنسان ليس هو كل المتاح كما هو معروف.
ثم لا ينبغي أن ننسى قلة مفردات اللغة الهوساوية وقصر تاريخها وندرة معاجمها، فهذا يجعل رقم الألف كبيرًا من ناحية، ويبين لنا من ناحية أخرى الصعوبة التي تواجه مؤلف مثل ذلك المعجم، ومن تلك الكلمات المقترضة: "النبي، القاضي، الدين، الغش، الصوم، السارق، النعش، النصف، الطعام، الأمر، العمود، الرعد، الحاج، الصبح، السر، الدعاء، العشاء، الأدب، الآخرة، اللوح، الفخر، البصل، ضرورة، نصيحة، صحيفة، سكر، منافق،
стр. 286
معنى، مكيدة، معاملة، اخذ، جف، مثل، كيف، غرس، شاء، زين، حل، حصد، أبدًا، كذا، فقط، نعم".
وكما هو الوضع في مثل تلك الحالة، نجد أن هذه الكلمات كثيرًا ما تدخلها تحويرات صوتيه ودلالية، حتى تناسب بيئتها اللغوية الجديدة، كأن يستبدل صوت بصوت أو تحذف بعض الأصوات من الكلمة، أو تستعمل الكلمة في غير معناها الأصلي، علي سبيل التوسع أو التضييق أو التوهم، وهذا علاوة على العبارات الكاملة مثل: "الله أكبر، الحمد لله، لا اله إلا الله، في سبيل الله، والعياذ بالله، فرض كفاية، بيت المال، البحر المحيط، دفتر الخراج، بلا حد، ساعتئذ ... هكذا".
ومما تركته العربية أدبها في اللغة الهوسا، الطريقة التي يصوغ بها أهل تلك اللغة كثيرًا من صورهم البلاغية فتراهم إذا أرادوا أن يضربوا المثل بشخص على فضيلة الشجاعة، ذكروا عنترة، وإذا أرادوا أن يضربوا المثل على الغنى، قالوا: قارون، وإذا أرادوا أن يشيروا إلى تدين شخص ما أو تظاهره بالتدين، أشاروا ألي أنه يحمل المسبحة في يده ويكر حباتها، وإذا أرادوا أن يثنوا على فتاه بالجمال، وصفوها بأنها بنت عرب، وهكذا.
كما نراهم في كثير من رواياتهم وقصصهم يستخدمون لأبطالهم أسماء عربيه، مثل سعيد ومحمد وأحمد، بل لقد يستخدمون أسماء رمزيه عربية، بالإيماء إلي ما يتصفون به من مزايا وعيوب، مثل: فصيح، منصور، ظالم، ثقيل، أبو الرءوس.
وفي خطابتهم نجدهم يجرون علي سنة الرسائل العربية، وبخاصة القديمة في بدئها بعبارة، من فلان إلي فلان الفلاني تحية وحبا واحترامًا أما بعد، وكذلك في ختامها إذ ينهون رسائلهم بعبارة والسلام، مثلما نصنع في رسائلنا العربية.
стр. 287
كما يبدأ بعض كتابهم قصصهم بالبسملة والحمدلة وما إلى ذلك، وكثير من الأمثال الهوساوية تعكس تأثرًا بنظيرتها العربية أو تشبهها كثيرًا، كقولهم: ما يزرع الإنسان يحصده، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، والظن ذنب حتى لو صار حقيقة، وما يناله الإنسان أو يصيبه مكتوب منذ بدء الخلق، من حام حول البيت يوشك أن يدخله، لا تكون الأمور إلا بالنيات، وكل من يرحم غيره يرحمه الله، والكلام السيئ يفوق طعن السهام، وابن الحلال يلام والعبد ليس له إلا العصا، ولا تعطي الإنسان سهما فيعود ويطلقه عليك، ولا يذوق الإنسان عسل النحل حتى يذوق اللدغ، ومحبك لا يبصر عيبك، والعنزة المذبوحة لا يؤلمها السلخ، واختار الجار قبل الدار، والله أعلم بمن اتقاه.
وغني عن القول أن الأمثال المستشهد بها هنا قد ترجمت من الهوسا إلى العربية.
وفي الشعر الهوساوي نجد شعرًا تعليميًّا كثيرًا، وهذا النوع من الشعر ترجع بداية ظهوره إلى القرن السادس الهجري، حيث كان العلماء ينظمون العلوم المختلفة من فقه وتوحيد وتجويد ومعاجم، وهم متأثرون في هذا بالمنظومات التعليمية العربية كما هو واضح.
كذلك هناك الأشعار الوعظية والزهدية التي تعتمد في مادتها على القرآن المجيد، والحديث الشريف، وكتب التفسير، وتستمد كثيرًا من خيالاتها من الأدب العربي إلى جانب العناصر المحلية الإفريقية، ولدينا أيضًا المدائح النبوية، وهي متأثرة ببردة البوصيري المشهورة، وترتبط بتقاليد معينة وتهتم دائمًا بذكر المعجزات والبطولات الخاصة بنبي الإسلام ﷺ .
وعندنا كذلك شعر الاستحثاث الديني والوطني، حيث يعمل الشاعر بكل قواه على إيقاظ الناس وإشعال حماستهم، وإشعارهم بالفجوة الهائلة التي تفصل
стр. 288
المسلمين عن الحضارة الغربية المتفوقة، ويبذل جهده من أجل إيقاظهم ودفعهم إلى العمل العلم.
وهناك شعر التوجيه الاجتماعي، وفيه يرصد الشاعر السلبيات الأخلاقية الاجتماعية والسياسية، من ظلم وتباغض وحسد ورشوة وفساد سياسي وفرقة وما إلى ذلك، مبغضًا الناس فيها ومذكرًا إياهم بيوم الحساب.
ومن نماذج تأثير الأدب العربي على نظيره الهوساوي الشواهد التالية:
فمن الشعر مثلًا نقرأ نائف سليمان والي:
أشكر الله الرب ... الذي وهبني البصر والسمع
ووهبني التفكير السليم ... تبارك أساله العون
هب لي الحظ ... في الفصل مطير
وقول صالح كنتا جورا:
يرون الآية ويرفضون أمرها ... يتزوجون المرأة ويرفضون حجابها
من يرفض حجاب زوجته ... يكن هو والملك في خلاف
قال وقرنا فهز رأسه ... لا أملك العبد فلا أطبق الحجاب
لا توجد الجارية التي تجلب الماء ... وتروح الغابة لجلب الحطب
وقول الحاج "مودي اسبيك" وهو من مواليد سنة ١٩٣٠ ميلادية:
"في اليوم التالي ذهبت إلى مكة؛ لأني قد أحرمت، ذهبت وأديت ما علي من عمل، ومكثت في مكة المكرمة، أعبد الله الملك الأحد، وهنا في مكة صمت، في مكة الصيام ليس صعبًا، يوجد الطعام والشراب والمكرونة، فيها كل ما تهوي إليه النفس، وهكذا ليس في الدنيا مثل مكة حقيقة".
стр. 289
وقول أسماء بنت الشيخ عثمان في مدح المصطفى -صلى الله عليه سلم- وهي من شعراء القرن الرابع عشر:
نوره فاق نور القمر ليلة الرابع عشر ... لأنه لا نور مثل نور محمد
وهكذا كل الشجعان في شجاعتهم ... لم يبلغوا شجاعة أفضل الخلق أحمد
المسك والكفور كلاهما ... لم يصلا إلى رائحة جسم النبي محمد
وهكذا جمال خلقته لا مثيل لها ... لأنه لا يوجد أبدا مثل محمد
لم يخلق مخلوق مثله ... ولن يخلق أبدا مثل محمد
وهكذا في الخلق الجميل لا مثيل له ... ولا في بشاشة وجهه وجمال ابتسامة محمد
وقول "معاذ هطبيا" منتقدًا بعض العادات المذمومة:
الحمد لله ترك الشعر تأثيره ... سألت الله رزق الدين والدنيا
ختم السعادة أن نموت على الإيمان ... اللهم احفظنا من شر الأشرار من الإنس والجن والحيوان
وقول سعد زنجر متناولًا بعض الآيات القرآنية في قصيدة له بعنوان الشمال جمهورية أم ملكي:
أرى إله الملك هو الواحد، هو له ما يشاء جميعًا؛ فيولي الملك في الدنيا، وهو الذي ينزعه من الخلق فيذوقوا مرارة الحياة، وهو الذي يعز من يشاء جميعًا، ويَجعَلُ البعض يذوق الصعاب، يُخرج الليل من النهار، ويخرج نور الصبح من الليل، يحيي الأموات جميعًا، وهو وحده يميت الحي.
وإلى جانب هذا يُلاحظ الدّارسون، أن الكلمات العربية تبرز في قافية القصائد الهوساوية بروزًا واضحًا، وأحيانًا ما يستعير الشاعر الهوساوي بعبارات عربية
стр. 290
كاملة مثل "قف عندك، لا أمان ولا مجالسة، تفسد المال، تنقص الإيمان شارب الخمر، تضر في صدره، تم بحمد الله، ثم بعون الله، سبحان الله، أستغفر الله، إنما الأعمال بالنيات".
أما في الفن القصصي؛ فلنأخذ الحاج أبو بكر إمام رائد الأدب الهوساوي الحديث، مثالًا على تأثر الأدب الهوساوي بنظيره العربي، وهو من مواليد سنة ١٩١١ ميلادية، وكان يعتز بثقافته الشرقية أيما اعتزاز، ففي قصة "الكلام رأس مال" نراه قد نصب البغبغاء راويًا للأحداث وسماه وزيري وجعله ذو ثقافة عربية، يقص الحكايات على ألسنة الحيوان والطير على غرار ما يدور في كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة، إذ ما يكاد ينتهي من حكاية حتى يصيح الديك مؤذنًا، فيؤجل الحكاية الجديدة إلى الليلة التالية.
ومن قصصه التي يظهر عليها الأثر العربي بكل وضوح، قصة الثور الذي اشتكى للحمار سوء معاملة صاحبه له وإرهاقه إياه بالعمل الشاق، فنصحه الحمار بالتمارض حتى يريحه صاحبه، وكان الفلاح ذكيًّا يفهم لغة الحيوانات، فلما سمع ذلك، استعمل الحمار الناصح بدلًا من الثور المنصوح، مما كان الثمرة أن عاد الحمار في نصيحته مبينًا للثور أن عليه أن يكف عن التمارض وإلا ذبحه صاحبه، وهكذا عادت الأمور إلى ما كانت عليه.
وهذه الحكاية مشهورة في الأدب العربي، وهي مأخوذة من كتاب كليلة ودمنة، وأمثالها كثير في قصص ذلك الكاتب، كما هو الحال في قصة الأرنب المحتال، والقملة والبرغوث، والسائح والصائغ، والبطتان والسلحفاة.
فضلًا عن القصص التي استلهمت كتاب ابن المقفع كليلة ودمنة، ثم قصص أخرى استوحت الأحاديث النبوية الشريفة، كقصة الله يعرف ما في قلوب العباد
стр. 291
التي احتذت حديث ثلاثة بني إسرائيل الأبرص والأعمى والأقرع مع بعض التحويرات الطفيفة.
على أنّ هُناك شِعر نظمه شعراء هوساويون ولكن بلغة عربية، وهذا الشعر يظهر فيه التأثر بالشعر العربي، الذي نعرفه في البلاد العربية سواء الحديث منه أو القديم، وهو أقوى من ذلك المكتوب بلغة الهوسا، وسوف نركز هنا على ما نظمه من ذلك اللون من الشعر بعض الشعراء النيجيريين.
يقول الدكتور محمد سعيد جبران في دراسة منشورة له بمنتديات موقع " takomy.com " عنوانها: "الاتجاه الإسلامي للشعر النيجيري الحديث": إن الشعراء النيجيريين قلدوا في شعرهم العربي، العرب في أوزانهم وقوافيهم، واستخدموا في أشعارهم الوحدات الموسيقية التفعيلات، ولاذوا بالأوزان الخليلية الأوزان القصيرة والأوزان الطويلة، وعولوا كثيرًا على البيت المغلق واستخدام القوافي المختلفة، والتزموا بها في قصائدهم، إتباعًا لبعض شرائط عمود الشعر، ولا يعني ذلك أنهم لم يستخدموا الأوزان المستحدثة، فقد استخدموها ولكن بندرة وقلة ملحوظة.
فقد تأثر عمر إبراهيم في موشحة الكون ما مات لولا الحب بهيكلية الموشح الأندلسي، إذ جعل له مطلعًا أو مذهبًا، ثم جعل هذا المطلع بل صدره ملتزمًا مع التغير في الشطر الثاني ليكون قفلًا، ثم أتبع ذلك بما يسمى في الموشح بالدول وأمثل لذلك بقوله:
مطلع
يا حبيبي يا حبيبي أصغي السمع للحبيب
стр. 292
الدور
هل أتاك اليوم أني صرت عظمًا في الشعار
ذهب اللحم بخارًا صاعدًا من حل ناري
مائلًا فوقي سحابًا لا أرى ضوء النهار
وهو لا ينزل مطرًا أو يراك بجواري
قفل
هل تبالي بنحيبي يا حبيبي يا حبيبي
وهكذا إلى أن أتم الموشح الطويل بالخرجه وهي قوله:
يا حياتي يا خلودي في مآب المستطاب
وعلى ذلك جاء موشحه تيمن لا أقرع، بيد أن تقليد الأندلسيين في هذا الفن المستحدث نادر في الشعر النيجيري، أما الذي تم تقليدهم لهم فيه من الناحية الإسلامية في هذا الشعر، فهو ما شاع في شعر الأندلسيين المتصوفين والزاهدين من استخدام لازمة "صلوا عليه وسلموا تسليمًا" عقب كل بيتين، فقد جاره الشيخ محمد الناصر كبر أو جارى هذا الأسلوب الأندلسي في قصيدته التي مطلعها:
الحمد لله الذي منا حبا ... محمدًا أهل الكريم الأطيب
خير الورى نسبا ... وخيرهم أبا
ولذلك كان السيد المعلوما ... صلوا عليه وسلموا تسليما
وعلى الرغم من شيوع العشرينيات لأبي زيد في بلاد نيجيريا منذ القديم، فان هؤلاء الشعراء لم يوفقوا في مجاراة هذا الشعر المبني في كل وحدة من وحدات
стр. 293
حروفه على الثمانية والعشرين على عشرين بيتًا، يبتدئ كل بيت منها وينتهي بالحرف نفسه، كما لم يجاروا المعشرات وكلاهما درب من الشعر الأندلسي المستحدث، كان من أبرز شعرائه في الأندلس الفازاري ومالك ابن المرحل.
على أن الدرب الذي أكثروا من ممارسته والقول فيه، إنما هو المخمسات أو التخميس، فلقد أثرت لهم فيه نماذج كثيرة وقصائد وفيرة، نذكر من ذلك هذه المقاطع من تخميس الشاعر مصطفى ابن الحاج عثمان من قصيدة عبد الله بن فودي الحائية التي يقول فيها:
ألا يا خليلي صدقتك الروائح ... علمت يقينا هيجتك النصائح
ولكن لهت عنها النفوس الجوائح ... طربت فأشجاني الطيور الكوالح
وفرحني منها الغيوث الروائح ... ضحكت فأبكاني غراب يصايح
سررت فأشجاني الطيور النوائح ... مرضت فأشجاني الفحول النواطح
وخوفني أيضا دياب بوارح ... وأمنني منها الظباء السوابح
وهو تخليص طويل أحاط فيه بأبيات قصيدة نفوز المشهورة.
ومن الذين أكثروا في صياغة هذه التخميسات الشيخ أبو بكر عتيق في ديوانه هدية الأحباب والخلان، فله فيه تخميس تحت هذه العناوين ترحيب وتوديع، الغرر البهية في استعطاف خير البرية، مفاتيح الأقفال في التوسل لأكابر الرجال، المواهب الأحادية في مدح الحضارات المحمدية، المدد الرحماني في مدح سيدي أحمد التيجاني والتوسل إلى الله به وبأكابر أصحابه ذوي القرب والتدالي، ومن
стр. 294
شعراء نيجيريا المتأخرين الذين عالجوا هذا اللون من أشكال الشعر أعني المخمسات، الشاعر محمد الناصر كبر، قال ﵁ مخمسًا قصيدة الشيخ أبي بكر عتيق: سنكة كنوه المعنونة بالأحادية في مدح الحضارات المحمدية:
يا أشرف الخلق يا أعلى الورى عرف ... يا أكرم الخلق يا أسمى الورى شرفا
يا أعظم الخلق يا أوفاهم مغترفا ... يا رحمة الله يا من قد رمى فصفا
ونال ما ليس يدريه الذي وصف ... أتى ببابك المضطر مرتجيا
الناصر كونوي يشدوك مستحيا ... يقول ما قال عتيق منك مجتزيا
أذكى صلاة وتسليم عليك أيا ... مشكاة مصباح رب العرش يا صدفا
وخلاصة ما لاحظناه عن طبيعة الألفاظ والتعابير المستعملة في شعر هذا الاتجاه، أن شعراء هذا الأفق مالوا في غالب النتاج الشعري بما عرف من رسائلهم العقائدية في الإبلاغ والإيصال، إلى البعد عن التصعيب في تناول الألفاظ، وجنحوا إلى استعمال المأنوس من التعابير التراكيب، وهذا لا يعني بالطبع وجود بعض القصائد الحوشية الغامضة، التي مال فيها أصحابها إلى الإغراب والتعمق قصدًا منهم، لإظهار مخزونهم اللغوي أو مجارة الفحول من الشعراء على نحو ما نقرؤه في قصيدة للشيخ عبد الله بن فودي "الجيمية والحائية". أو في بعض قصائد الأمين محمد البخاري وخاصة قصيدة "السينية".
وقد حرص هؤلاء الشعراء على أن يزينوا أشعارهم في مختلف الأغراض بالتصوير البلاغي الذي يزيد الشعر وضوحًا، ويضفي على لوحاته رونقًا،
стр. 295
ولكنهم لم يبالغوا ولم يكثروا من هذا الاستخدام، فاستعملوا التشابيه والاستعارات والكنايات، ومن علم البديع القديم التلميح، الذي اصطلح المعاصرون على تسميته الاستدعاء، واستعملوا الاقتباس والتضمين والمبالغة والطباق.
أما ألوان البديع المستحدث الذي ظهر شعر أدب الدول المتتابعة، فقد استعملوا شعرًا أو شكل الدائرة في الشعر، وهو الذي يسمى المدور، وبنى بعضهم أوائل أبيات قصائده علي حروف آية من الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: ٢٥٧)، أو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٨) وقوله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: ١٧٣).
وصفوة القول: إن الشعر العربي الحديث في نيجيريا، أو بعبارة أخرى إن شعر الاتجاه الإسلامي في هذه البلاد، يؤرخ لظهوره وبدئه مع ظهور الحركة الإصلاحية الإسلامية، التي نهض بها الشيخ عثمان ابن فودي والأسرة الفودوية في القرن السادس عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي. وإنه تفاعل خلال القرنين الماضيين مع تعاليم الإسلام وقضاياه ومع عقيدته ورآه وسار شعراؤه من منطقهم العقدي في مسيرة روائع الشعر والأدب العربي الإسلامي من حيث المضامين التقليدية مثل: المدح، والرثاء، والوصف، والهجاء، والشكوى، والحنين، والعتاب.
والمضامين التي جَدّت بظهور الإسلام مثل: الشعر النبوي، والأمداح، والحب الإلهي، وذكر المقامات والتشفع والتوسل.
стр. 296
وقد استطاع هؤلاء الشعراء في المدن الإسلامية النيجيرية مثل: سكتوا، برنو، وكشنا، وكانو، جاريه، وغيرها من المدن. وجلهم ينتمي إلى طبقة المصلحين والأمراء والفقراء والقضاة، والي طبقة المثقفين الذين تشربوا روح الدين القويم، أن يطوعوا تلك المضامين الشعرية المختلفة التقليدية والجديدة لهذه الروح الدينية، فجاء عطاؤهم الشعري مكتنزًا بالقيم الشعرية والفكرية والفنية، ملتزمًا بقضايا الدين والأمة، معبرًا عن الخوارج الشخصية والغيرية، متسمًا كنصوص الأدب الإسلامي بعامة بالعفة والطهر بريئة من الفحش والانحراف والعبثية.
وقد تأثر شعراء نيجيريا المحدثون بأشعار العرب، من حيث مظهرية بعض الأشكال والصياغة والتراكيب علي نحو ما تأثروا من حيث المضامين، وعلى الرغم من ضآلة صلة الكثير منهم، بالتراث العربي الواسع وشعر الشعراء المشاهير في مختلف العصور الأدبية، فإن جملة منهم تفتحت علي بعض مناحي التراث المتمثلة في شعر بعض شعراء الجاهلية، وشعر صدر الإسلام وبعض شعراء الأمويين والعباسيين علي نحو ما في شعر عبد الله بن فودي، ومحمد بلو، محمد البخاري ويحيى النفاخ وأبي بكر عتيق.
كما تأثروا بشيء من أشكال الشعر الأندلسي وشعر الدول المتتابعة فيما ذكرناه من أشكال المخمسات، والموشح، والشعر الهندسي، تلك هي جوانب التأثر في هذا الاتجاه، من حيث المضامين والخصائص الفنية.
على أن الملاحظة التي تقرر في هذا الملمح: أن هذا الاتجاه الإسلامي في الشعر العربي الحديث بنيجيريا، لم يكن على الرغم من تحقق ارتباطه بوشائج مع التراث القديم، على صلة وجدل ثقافي مع مظاهر تطور الشعر العربي الحديث في العالمين العربي والإسلامي.
стр. 297
فغاية ما انتهى إليه من تلك الصلة الاستمداد من أدب الدول المتتابعة، إذ لم نجد من خلال الأشعار التي وقفنا عليها أثرًا لتفاعل شعرائه مع الاتجاهات التيارات التي عرفها شعراء العربية المحدثون منذ القرن التاسع عشر، مثل: اتجاه البعث والإحياء الذي يمثله في مصر محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وفي العراق: الزهاوي والرصافي والكاظمي. وفي الشام: شفيق جابري، وخليل مردم والزركلي ومحمد البز.
أو جماعة الديوان التي يتزعمها عبد الرحمن شكري وعباس محمد العقاد، وجماعة أبوللو التي كان من شعرائها أحمد ذكي أبو شادي، وإبراهيم ناجي، وعلى محمود طه، بل جماعة المهجر الشمالي والمهجر الجنوبي.
وما من ريب في أنّ الاستعمار الانجليزي البغيض كان له الدور البارز في تغريب اللغة العربية عن هذه الديار، وفي فصل هؤلاء الشعراء وعزلهم عن تيار الحركة الفكرية والأدبية الإسلامية، وتغييبهم عن تراث أمتهم.
وربما أفضت بنا هذه الملاحظة إلى القول: إن شعراء ما قبل استعمار القرن التاسع عشر كانوا أكثر قربًا من التراث، وأشد دنوًّا في القدرة على محاكة الأشعار العربية القديمة من حيث المحتوى والإطار؛ مما جعل شعرهم أقوى نسجًا وأمتن ديباجة من شعراء القرن العشرين.
وفوق ذلك هناك كتب أدبية عربية ترجمت إلى لغة الهوسا: إما من العربية مباشرة، وإما من الإنجليزية، مثلًا مثل: ألف ليلة وليلة وسيف بن ذي يزن، كما يظهر في الأدب القصصي الهوساوي تأثر واضح بقصص كليلة ودمنة التي تتخذ أبطالها من الحيوان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 298
الدرس: ١٢ أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (٢) .
стр. 299
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (٢))
أثر الأدب العربي في الأدبي الفارسي
لقد حاكى الشعر الفارسي الشعرَ العربي الذي انفتح عليه شعراء الفارسية وأدباؤها بعد الإسلام بشكل عام في دروبه وقوالبه وأغراضه الشعرية، وحذا حذوه في عروضه وبديعه، وكان أكثر شعراء الفارسية في القرون الإسلامية الأولى ينظمون أشعارهم بالفارسية والعربية، وعرَف الشعر الفارسي لونًا من النظم يسمى "الغزل" وهو شيء يختلف عن الغزل في الشعر العربي؛ لأنه إذا كان هذا المصطلح في العربية يعني محادثة النساء والإفاضة بذكرهن، وينحصر موضوعه في الحب والوجد، فإن الغزل في العرف الشعري الفارسي ليس غرضًا من أغراض الشعر فحسب كما هو الحال في العربية، بل أضحى أيضًا لونًا من ألوان الشعر له ملامح خاصة، ومواصفات محددة.
فهو قطعة شعرية يتراوح عدد أبياتها بين خمسة وأربعة عشر، بغض النظر عن غرض تلك القطعة، وقد اعتاد شعراء الفارسية على نظم ثمانية أبيات أو تسعة في الغزل، فإذا تجاوز هذا المقدار كان ذلك أمرًا مذمومًا، ولا بد أن تنظم أبيات الغزل الفارسي على قافية واحدة، فضلًا عن مجيء صدر البيت الأول على نفس القافية، ومع هذا فقد ابتدع الشاعر "نيما" أسلوبًا جديدًا في الغزل الفارسي المعاصر، يتمثل في الخروج على نظام القافية والوزن الواحد، يسمى "الغزيل"، ويمكن تصنيف الغزل الفارسي إلى:
- "غزل وطني" وظهر في أشعار عارف القزويني وفروخي اليزدي وأبي القاسم اللاهوتي.
- و"غزل تقليدي" وهو الغزل الذي يعد استمرارًا لأسلوب الغزل القديم، ويقف في طليعته شهريار ورهي معيري.
стр. 300
- ثم "الغزل الجديد أو التصويري" ولم تتبلور ملامح هذا النوع من الغزل حتى الآن؛ لكثرة ما يطرأ عليه من تغييرات بفعل الحركة التجديدية الشعرية، ومن أشهر شعراء هذا الغزل حسين منزوي ومحمد ذكائي وولي الله دروديان.
ومما تأثر فيه الشعر الفارسي أيضًا بنظيره العربي "شكل القصيدة"، ومعروف أن القصيدة عند العرب هي أرقى النماذج الشعرية، ويعزو "جورج زيدان" ذلك إلى استعداد اللغة العربية لاحتضان هذا القالب، نظرًا لكثرة المترادفات في هذه اللغة مما يسهل عملية التقفية، وهي في الأدب الفارسي درب من دروب الشعر، لا يقل عدد أبياتها عن أربعة عشر بيتًا، وإن لم يكن هناك حد أقصى للعدد رغم أن من النقاد من لا يجيز الزيادة على مائة وعشرين بيتًا، ويشترط فيها: أن تكون على قافية واحدة ووزن واحد، مع ضرورة أن يكون وزن البيت الأول بنفس القافية.
وأغراض القصيدة الفارسية غير محدودة كما هو الوضع في الشعر العربي، إذ قد تكون في المدح والذم والهجاء، وقد تكون ذات مضمون فكري أو فلسفي، حتى لو كانت تبدأ بالغزل والنسيب ووصف الربيع، كما هو الحال في غالب الأحيان، وكما هو الحال أيضًا في الشعر العربي نرى أن طريقة الانتقال من الغزل إلى الموضوع الأصلي للقصيدة، وهو ما يدعى "بالتخلص" يتطلب براعة خاصة.
ونظرًا لأهمية ذلك الموضوع فقد أدرج حسن التخلص ضمن أصناف البديع، مثلما هو الشأن في البديع العربي، ويمكن أن نستشهد في هذا السياق بالشاعر "فروخي سيستاني" الذي تؤكد الدكتورة "عفاف زيدان" أنه قد تأثر كثيرًا ببعض شعراء العرب، وعلى رأسهم أبو نواس وأبو تمام، وتبرز الدكتورة "عفاف زيدان" أن المتخصصين في الثقافة الفارسية لم يجدوا حرجًا في تحويل مفاهيم البلاغة
стр. 301
العربية إلى لغتهم، كذلك فحين حاول الشعراء الفرس تكوين القصيدة الفارسية لم يجدوا أمامهم تراثًا من لغتهم يمكنهم الاسترشاد به، فاتجهوا نحو النثر والشعر العربيين، حتى إن الشعر الفارسي لينظم حتى الآن على أوزان الشعر العربي، وتضيف في كتابها (فروخي السيستاني، عصره وبيئته وشعره) أن التعصب القومي لم يمنع الفرس أن يأخذوا أشياء كثيرة عن الثقافة العربية، بحكم ضرورة نشأة الأدب الفارسي الوليد بجوار هذا الأدب العريق.
وتقول عن "السيستاني" الذي ولد عام ٣٦٠ هـ وعاش نحو ٦٩ عامًا: إن قارئ قصائده يُصاب بالدهشة، إذ لو حذفنا المسميات الفارسية من شعره لوجدنا أنفسنا أمام شعر عربي مترجم إلى الفارسية، وتدلل على ذلك بأبيات كثيرة من قصائده، فهو يصف ممدوحه بأنه أكرم من حاتم الطائي:
يا من أنت في المحافل ... أكرم من مائة حاتم
كما يتخذ من "عنترة بن شداد" مثالًا للشجاعة:
مبارزون يحاربون بالسيف على قمة الجبل ... ولكل واحد منهم مائة عبد مثل عنترة
ويقول لممدوحه: إنه رغم طول معلقة امرئ القيس، فإنها حين تقال في مدحه تصبح قصيرة مثل "قوافي المثنوي" لجلال الدين الرومي: إن الشعر الذي يكون أطولَ من شعر "قفا نبكي" إذا قيل في مدحه يكون قصيرًا، بل أقصر من قافية الشعر المثنوي.
وذلك في إشارة إلى مطلع "معلقة امرئ القيس" الذي يقول فيه:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
كما أخذ من أبي تمام فكرة مطلع "قصيدة عمورية":
стр. 302
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
وضمنه بيتًا يقول فيه:
أيها الملك أيها السلطان ... أيها الأمير لقد أبطلت البدع
وطمستها وأفنيتها ... بسيفك المهند البتار
واقتبس أيضًا من النابغة الذبياني قوله:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وصاغ ذلك على النحو التالي:
لقد قلت إنهم النجوم ... والأمير يوسف مثل القمر
وأنا حينما أرى القمر ... لا أعرف النجوم
وتنقل الكاتبة أبياتًا لسيستاني يبدو فيها شديد التأثر بأبي نواس كما في قول الأخير:
ولى الصيام وجاء الفطر بالفرح ... وأبدت الكأس ألوانًا من المُلح
إذ يقول سيستاني:
لقد ولى الصيام أمس من خيمتنا وجاء ... عيد الفطر السعيد بكأسه وشرابه
وفي بيت آخر يقول أبو نواس:
وإني بشهر الصوم إذ بان شامت ... وإنك يا شوال لي لصديق
فيقول السيستاني:
يا رفاقي سأقول كلامًا صادقًا فاسمعوه ... إن طبعي يرتاح لشهر شوال
كما يقول أيضًا عن شهر رمضان:
стр. 303
ماذا يحدث إذا ذهب
قل له .. اذهب وتبختر بدلال
فإن ذهابه قد أراح الجميع من العذاب
فإذا كانت وجوه الدنيا قد اصفرت من تعبه
فشكرًا لله؛ لأن الخمر صافية قد جعلت وجوهنا ناضرةً حمراءَ
ثم تعلق الباحثة قائلةً: إن بين الشاعرين شَبهًا كبيرًا، ولعل فروخي كان يعرف الكثير عن حياة نواسي ويعمد إلى تقليده، لقد كان الرجلان مسرفين في المجون، متهالكين على الخمر مشغوفين بوصفها، إلا أن فروخي أنقى من أبي نواس لفظًا وأعف لسانًا، وإن لم يعدل أبا نواس في خفة الروح وشدة المجون أو الاستهتار، وكذلك لم يكن على الرغم من مجونه واستهتاره كافرًا أو جاحدًا.
وكان البحتري قد بكَى إيوان كسرى ووصفه وصفًا رائعًا، فحذا حذوه الشاعر الإيراني " منوجهري " -أحد شعراء القرن الخامس الهجري- فوقف على الأطلال ثم تغزل في مطلع القصيدة، ثم انتهى إلى مدح أحد العظماء، وكذلك فعل الشاعر الإيراني "خاقاني أفضل الدين إبراهيم بن علي الشيرواني" -المتوفى نهاية القرن الثاني عشر الميلادي- إذ وصف هو أيضًا ذلك الإيوان.
ولدينا كذلك الحب العذري، وبخاصة قصة عشق "قيس بن الملوح لليلى العامرية" فهي من أعظم القصص في الأدبين العربي والفارسي في موضوع الحب والتدلل والحرمان، وإذا كانت قصة المجنون عند العرب تجسد أخبارًا مثيرةً تناقلها الناس، فقد لقيت لدى أدباء إيران رواجًا لا نظيرَ له، ثم اتخذت شكل العمل الأدبي المتكامل، بعدما كانت مجرد أخبار متفرقة تعبر عن الحرمان والعذاب، والمعاناة
стр. 304
والعشق. وكان فضل الريادة في هذا للشاعر الإيراني "نظامي الكنجوي" وهو من أهل القرن السادس الهجري، وقد نظم قصة "ليلى والمجنون" في ٤٧٠٠ بيت.
كذلك كان الحبُّ العذري منطلقًا إلى الحب الصوفي في الأدب الفارسي، وهو ما ظهر في صنيع نظامي، وهذا لا ينسينا أن الأدب الصوفي نفسه قد نشأ في الأدب العربي، وعني به الكتاب عنايةً فائقةً، ثم انتقل بعد ذلك إلى الأدب الفارسي، فعُني به الكتاب هناك، ثم انتقلت تلك العناية إلى الشعراء. وهكذا تطور الأمر في الأدب الفارسي حتى جاء وقت غلبت فيه التأليفات الصوفية الشعرية على النثرية في ذلك الأدب، في حين كان العكس في الأدب العربي، إذ ظلت الغلبة للمؤلفات الصوفية النثرية على المؤلفات الشعرية الصوفية.
ويعد الشاعر الإيراني جلال الدين الرومي محمد بن محمد البلخي، وهو من أهل القرن السابع الهجري، من أعظم شعراء التصوف الإسلامي. وقد حدثنا عند كلامه عن عشق المجنون عن "طريق السالكين" المملوءة بالمصاعب والدم، لينتهي أخيرًا إلى ذكر عدد من مقامات الصوفية في قصيدته "شكوى الناي"، فالناي لديه رمز للروح التي كانت في عالم الذَّر، فلمّا تجلى الله للروح سكنت الجسد.
وهذه الصيدة تقع في ثمانية عشر بيتًا افتتحها بالمثنوي، فقال ما ترجمته:
اسمع النايَ مُعْرِبًا عن شكاتِهْ ... بعد أن بات نائيًا عن لِداتِهْ
وهكذا أدّى العشق العذري وما فيه من الحرمان، إلى إثارة خيال المتصوفة، وأوقد مخيلتهم فأبدعت أفكارًا شتى دخلت العِرفان الفارسي من الباب الواسع، على حسب ما جاء في كتاب الدكتور حسين جمعة (مرايا للالتقاء والارتقاء بين الأدبين العربي والفارسي).
стр. 305
وفي كتابها (المقدمة الطللية للعشر الفارسي، دراسة مقارنة مع القصيدة العربي) تقف الدكتورة "سميرة عبد الستار عاشور"، عند واحد من الموضوعات الجزئية، هو مقدمة القصيدة الفارسية التي تأثرت بنظيرتها العربية في شكلها العام، وفي أقسامها وخصائصها الفنية، لقد كانت قصائد المديح في الشعر الفارسي تُفتح بالغزل والتشبيب والوقوف على الأطلال، تمهيدًا لذكر الصبابة، ثم يعقب ذلك الانتقال من مطلع القصيدة الغزلي إلى ما يليه من المدح، ثم تُختتم القصيدة بالدعاء للممدوح.
أما عن موضوعات النسيب فتدور حول محنة الأيام، وشكوى الفراق، ووصف الدمن والأطلال، ونعت الرياح والأزهار وغير ذلك، كذلك لدينا مقدمات وصف الخمر التي شاعت منذ بداية الشعر الفارسي بعد الإسلام، كما هو الحال في مقدمات "الرودكي" المتوفى عام ٣٢٩هـ والمتأثر في خمرياته بفن أبي نواس، وقد بلغ التأثير العربي مداه في هذا الجانب في شعر " منوجهري " الذي توفي سنة ٤٣٢هـ والذي يعد رائد الوقوف على الأطلال في الشعر الفارسي، فأخذ الشعراء اللاحقون يذكرون الأطلال في شعرهم؛ تقليدًا له، وهناك من يرى أنه اختط تلك الطريقة كي يكون له تميز يبز به شعراء الفرس الكبار المعاصرين له كـ"عنصري" مثلًا، ومن هنا نراه يتغنى بوصف البوادي والصحارى، ويتأسف على الديار الخربة، بل إنه كان يتعمد سوقَ أسماء الشعراء العرب في قصائده، فضلًا عن الأمثال العربية والإشارات التاريخية الخاصة بالعرب، وكثير من الألفاظ والاصطلاحات المهجورة.
وتلاحظ الدكتورة "سميرة عاشور" أن جميع الشعراء الفرس الذين استعملوا المقدمة الطللية كانوا يجيدون العربية إلى درجة النظم بها أحيانًا كما كانوا يتباهون
стр. 306
بذلك، لكنها تضيف أن تلك المقدمة لم تلقَ قبولًا واسعًا عند الفرس، فلم ينظمها إلا عدد محدود من الشعراء على رأسهم "منوجهري".
أيّما يكن الأمر، فها هم أولئك الشعراء الفرس يقفون على الأطلال في مقدمات قصائدهم، معاكسين ما كان يدعو إليه في فترة من فترات حياته الشعرية الشاعر العباسي أبو نواس ذو الأصل الفارسي، إذ كان يسخر من ذلك التقليد، ومن أصحابه العرب، ومن أسلوب حياتهم البدوي، داعيًا إلى استبدال المقدمة الخمرية بتلك المقدمة؛ لأنها أنسب للعصر الجديد -كما كان يقول- ولا شك أن هذه مفارقة طريفة وعجيبة.
ومن شعر "منوجهري" الذي يبدأ بمقدمة طللية، نأخذ هذا الشاهد وهو من قصيدة له يمدح بها السلطان "مسعود الغزنوي":
ألا أيها الخيام اطوِ الخيمة ... فإن دليل القافلة قد رحل عن المنزل
في البداية دق الطبال طبول الرحيل ... ثم أخذ الحداة في شد المحمل
اقتربت صلاة المغرب وهذا ... المساء أرى القمر مقابلًا للشمس
لكن القمر يصعد للأعالي بينما ... تهبط الشمس خلف جبل بابل
كأنهما الميزان ذو الكفتين الذهبيتين ... تميل إحدى كِفتيه عن الأخرى
ومن مقدمات "معزي النيشابوري" وهو من شعراء القرنين الخامس والسادس الهجريين، نلتقط هذه المقدمة:
أيها الحادي لا تنزل إلا في ديار محبوبي ... لأنوح زمانًا على الربع والأطلال والدمن
وأملأ الربع بدم قلبي ... فأصبغ به أرضَ الدمن
стр. 307
وأجعل الأطلال نهر جيحون من دمع عيني ... إذ أرى خيمة الإيوان خاليةً من وجه الحبيب
والمرج مجهون من قده ممسوك اللدنة ... مكان الكأس والدم رتعت حمر الوحش
وبدلًا من القيسار والناي والمِزمار ... ارتفع نعيب الغربان
فكأن روحي قد هجرت جسدي ... منذ هجرت سُعدَى خيمتها
وسنة حجرتها وولت ... ليلى من مخدعها
لا يمكن المرور بلا معاناة بمنزل ... حجري القلب عذب الشفاه فضي الظهر
ذلك البستان الذي كان ... مقامًا للمحبوب مع الخلان
أصبح مرتعًا للذئاب والثعالب ... ووطنًا لحُمر الوحش والعُقاب
حل السحاب محل القمر ... والسم موضع السكر
والحجر مكان الجوهر ... والشوك محل الياسمين
وإذا كنا نقرأ في كتاب ابن قتيبة (الشعر والشعراء) قولًا له: " سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مُقَصّدَ القصيد إنما ابتدأ فيه بذكر الديار والدمن والآثار، فبكَى وشَكا، وخاطب الرَّبْع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العَمَد في الحلول والظغن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم عن ماءٍ إلى ماءٍ، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكَا شدةَ الوجد، وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن التشبيب قريبٌ من النفوس، لائطٌ بالقلوب، لما قد
стр. 308
جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحدٌ يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسببٍ، وضاربًا فيه بسهمٍ، حلال أو حرامٍ.
فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عَقَّبَ بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النّصَبَ والسّهَرَ، وسُرَى الليل وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمَامَةَ التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكأفاة، وهزَّه للسِّماح، وفَضَّله على الأشباه، وصَغَّر في قدْرِه الجزيل.
فالشاعر المجيد مَن سلك هذه الأسالب، وعَدلَ بيْنَ هذه الأقسام، فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يُطِل فَيُمِل السامعين، ولم يَقْطَعْ وبالنفوس ظمآءٌ إلى المزيد. وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزلٍ عامر، أو يبكيَ عند مُشَيَّدِ البنيان؛ لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر، والرسم العافي. أو يرحلا على حمارٍ أو بغلٍ ويصفهما؛ لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجواري؛ لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد؛ لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشّيح والحَنْوَةِ والعَرارَة ".
إذا كنا نقرأ في كتاب ابن قتيبة ذلك، فإن شمس الدين محمد بن قيس الرزاي صاحب (المعجم في معايير أشعار العجم)، يسوق في كتابه هذا كلامًا يذكرنا بما جاء عند ابن قتيبة، إذ قال:
"ذكر جماعة من أهل البراعة، أن النسيب هو غزل يجب على الشاعر أن يجعل مقدمته فيه، وذلك لمَيل النفوس إلى الاستماع لأحوال المحبين، وغزل العاشقين، وعن طريقه يشوق الممدوح، ويحسه على حسن الاستماع له، فيجتذب حواسه،
стр. 309
ولا ينشغل بغيره، وبهذا يدرك مراده من قصيدته فتقع من الممدوح موقع القبول، وإن لم يلتزم الشعراء أصحاب المقدمات الطللية هنا وهناك بتفاصيل ما قاله ابن قتيبة التزامًا، بل كانوا يحومون في كثير من الأحيان حولها، مكتفين بالإتيان ببعض ما أشارت به".
وفي موضوع المقامة وتأثيرها على الأدب الفارسي نقف عند ما كتبه الدكتور "بديع محمد جمعة" في كتابه (دراسات في الأدب المقارن) الذي يتناول فيه ضمن ما يتناول طائفةً من قضايا الأدب المقارن المتعلقة بالأدبين العربي والفارسي، وهذه القضايا هي قصص المعراج بين (رسالة الطير) لأبي حامد الغزالي، و (منطق الطير) لفريد الدين العطار، و (قصص الحيوان) في الأدبين العربي والفارسي، وتأثر "لافونتين" الفرنسي بحكايات كليلة ودمنة، ثم أثر حكاياته بدورها على الأدبين المذكورين، والمقامات في الأدبين العربي والفارسي، و (ليلي والمجنون) بين الأدبين العربي والفارسي، وأخيرًا (تحرير المرأة) بين قاسم أمين والشاعرة الإيرانية "بيروين".
وسوف نقتصر هنا على الموضوع الثالث الخاص بالمقارنة بين الأدبين المذكورين في فن المقامات، ويبدأ الأستاذ الدكتور بتعريف فن المقامة محاولًا الرجوع بهذا الفن العربي الأصيل إلى أول من ابتدعه من المؤلفين العرب، والمقامة في مقاماتها الأولى: هي فن أدبي يقوم عادةً على حكاية من حكايات الشطارة والاستجداء، ذات بطل واحد، ينتقل من مكان لمكان، ومن موقف إلى آخر، مغيرًا هيئته في كل مرة، متخذًا الكُديةَ وسيلةً لكسب ما يقيم حياته إلى أن تنتهي الحكاية بانكشاف حقيقة حاله، وافتضاح أساليب مكره وخداعه، التي يلجأ إليها؛ لتحصيل مطعمه ومشربه.
стр. 310
كل ذلك في لغة بديعية مفعمة بالفكاهه والتهكم، والحرص على متانة الأسلوب، وإظهار البراعة اللغوية المتمثلة في سعة المعجم اللفظي، وكثرة التسجيع والجناس والتوازن والتوليات، وغير ذلك من ألوان المحسنات المعقدة، ولزوم ما لا يلزم، مع حلاوة التصوير، وإبراز بعض الأوضاع الاجتماعية، وتدبير المآزق للبطل، ثم إخراجه منها بذكاء ولودعية.
ثم نطور ذلك الفن ودخله التحويل في الموضوعات والأهداف فاتسع لكل شيء، حتى للوعظ الديني والتوجيهات الخلقية ... إلخ، وبلغ من اتساع انتشار المقامات واهتمام الكتاب بها أن أحصى بعض الدارسين عدد الذين مارسوا تألفيها، فوجدهم تجاوزوا الثمانين مؤلفًا، بدأً من بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري، وانتهاء بنصيف اليزجي في القرن التاسع عشر الميلادي.
أما في الأدب الفارسي: فلم يمارسها إلا أديب واحد هو "القاضي حميد الدين" من أهل القرن السادس الهجري، الذي أقر بأنه ليس إلا تلميذًا من تلامذة بديع الزمان، فكفَى الباحثين بذلك مؤنة التدليل على أنه إنما استقاها من العربية وأدبها، وإن كان الدكتور جمعة قد استأنس رغم هذا بما قاله كل من "براون" المستشرق الإنجليزي و"كريم كشاورزي" الباحث الإيراني.
وإذ كان البطل في كل من المقامة الهمذانية والمقامات الحريرية شخصًا واحدًا لا يتغير هو "أبو فتح السكندري" عند بديع الزمان، و"أبو زيد السروجي" عند الحريري، وكذلك راوية كل منهما شخصًا واحدًا أيضًا، هو "عيسى بن هشام" في الأولى، و"الحارث بن همام" في الثانية، فإن البطل لدى القاضي "حميد الدين" يتغير في كل مقامة. أما الموضوع فيبقى ثابتًا دون تغيير كما هو الحال عند الهمذاني والحريري، حيث الكدية هي المحور في معظم مقامات الأول وكل مقامات الثاني.
стр. 311
وكما قامت المقامات في الأدب العربي على المحسنات البديعية، والإغراق فيها، والاستعانة بالألغاز، والحرص على إبراز سعة المعجم اللغوي، وبخاصة ما يكثر في لغة العرب من غريب الألفاظ، فكذلك حاول القاضي "حميد الدين" أيضًا الجري في نفس المدمار، وإن لم يكن للفارسية ذات الثراء الذي تتمتع به لغة القرآن حسبما ذكر المؤلف.
ومن مظاهر تأثير الحميدي بمقامات بديع الزمان كذلك: كثر استخدامه للألفاظ العربية، فضلًا عن الجمل والعبارت الكاملة المنقولة من لغة الضاض، حتى في المواضع التي لا يكون ثَم تداع لذلك من ضرب مثل أو سوق شاهد في أصله العربي، بل لقد قلد "الحميدي" تركيب اللغة العربية في كثير من الأحيان، فكان يأتي بالفعل في أول الكلام على عكس ما تقتضيه اللغة الفارسية التي يقع فعلها في آخر الجملة لا في بدايتها، فضلًا عن إيراده كثيرًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأشعار، والأمثال العربية كما هي، إضافةً إلى بعض الأشعار التي نظمها هو بلغة القرآن، ليس ذلك فقط بل إنه قد اقتصر في عدد من الحالات على إيراد بعض المقامات الهمذانية كما هي بعد ترجمتها إلى الفارسية، مع زيادة بعض الإضافات؛ بُغيةَ إظهار تفوقه وبراعته، مثلما هو الحال في "المقامة السقباجية" التي تقوم على "المقامة المضيرية" لدى الحريري، كذلك تتشابه المقامات هنا وهناك في العدد، إذ تبلغ كل منهما أربعًا وعشرين مقامةً. فهذه نقاط الاتفاق.
أما الاختلافات فتكمن في أن بطل مقامات "الحميدي" يختلف من مقامة إلى مقامة، كما أن راويها هو نفسه كاتبها، على حين أن بطل المقامات لدى الهمذاني واحد دائمًا، علاوة على أن راويها شخص غيره، كذلك في الوقت
стр. 312
الذي نجد فيه البديع الهمذاني يسمي معظم مقاماته بأسماء البلدان، فإن "الحميدي" لا يصنع شيئًا من هذا، بل يطلق على كل مقامة اسمًا مشتقًّا من الفكرة التي تعالجها تلك المقامة.
وإلى جانب ذلك، فإن في مقامات الأديب الفارسي كثيرًا من المناظرات كتلك التي قامت بين السني والملحد، والأخرى التي دارت بين الشيب والشباب، ثم إنه بسبب انتشار التصوف في إيران في الفترة التي عاش فيها القاضي "حميد الدين"، وجدناه يخلع على كثير من مقاماته خلعة صوفية، بتعبير المؤلف، كما في "المقامة السقباحية" التي تجري في إصر المقامة "المضيرية للهمذاني" إذ يوجد فيها أيضًا شيخ ومريدون.
وقد لمس الأستاذ الباحث مسألة جدًّا مهمة، وهي أن فن المقامات لم يكتب له الرواج والانتشار في الأدب الفارسي، ذلك أنه لم يكرر المحاولة أحد بعد "الحميدي"، وهو يعلل هذا بأن الفارسية فقيرة في الكلامات المترادفة والمتساجعة، بالقياس إلى لغة الضاض، ومن ثَم لا تصلح كثيرًا لكتابة المقامات التي تقوم أساسًا على السجع والمحسنات البديعية.
أما في مجال القصص فقد لاحظ بعض الباحثين أن الفرس في الحكايات التي نقلوها عن العرب، قد أضفوا عليها من الخرافات والأساطير ما حولها عن وضعها الحقيقي، ومن ذلك ما صنعوه مع قصة "كليب وائل" التي ألفوا على مناولها قصة "رستم وسهراب"، فواضح كما يقول الدكتور "خليل عبد المجيد أبو زيادة": إن قصة كليب قصة واقعية قد حدثت فعلًا في الجاهلية، وإن زخرفها خيال المؤلفين اللاحقين، ذلك أن حياة الغرب قد نقلت لنا -حسب كلامه- من خلال تلك القصة فجاءت صحيحةً كما نعرفها، فهم قوم ذو أنفة وإباء، يرفضون الظلم ويحاربونه أينما كان، ولا يخشون إلا الحق، فهذا "جَساس" لم
стр. 313
يرعَ الصهر الذي كان بينه وبين كليب، وقتله كي يضع حدًّا لبطشه وجبروته، وبالمثل فإن أخته "جليلة" تمثل المرأة العربية التي تقدس الحياة الزوجية، وتخلد إلى جانب زوجها مهما يكن الأمر، ومن ثم رأيناها تحاول منع أخيها كليبًا من قتل زوجها، رغم ما تعلمه من طغيان هذا الزوج وظلمة.
كذلك تصور لنا القصة حياة العرب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بخلاف القصة الفارسية التي لم تأتِ بالكثير عن حياة الفرس خارجَ المجال السياسي.
ومن ناحية الأم نراها في القصة العربية سيدةً ذات قيم أخلاقية رفيعة، تحب زوجها وتحاول منع الفتنة، فتكتم في ضميرها ما قد يثير القلاقل بين ابنها وأخيها، أما الأم في القصة الفارسية فامرأة مرفهة تعيش في ترف وحرية، لا يهمها من أمر الدنيا سوى العشق والهيام، وتفرط في نفسها في سهولة، إذ تحب رستمَ، وتنام معه وتحمل منه، رغم أنها لم تكن قد رأتْه من قبل، بل إنها لتخبر ابنها بحقيقة أمرها مع رستم دون وازعٍ من الحياء.
هذا عن الأدب الفارسي.
أثر الأدب العربي في الأدب الملاوي
إن العصر الإسلامي في إندونيسا يبدأ حوالي عام ١٤٠٠م، وفي ذلك الوقت أضحت الملاوية لغة التخاطب بين التجار العرب والهنود وبين سكان البلاد، وكانت في ذلك الوقت تُكتب بالحروف العربية قصرًا، وهذه اللغة الملاوية هي اللغة التي يستعملها الآن أهل إندونيسيا، لغة قومية لهم، وقد دخلتها من لسان الضاد ألفاظٌ وعبارات كثيرة جدًّا دينية وغير دينية، مثل: "بركة - آذان - غيب - جهاد - عبادة - هلال - فتوى - صلاة - مِنبر - مرتد - روح - عالم - حكاية - عبارة - حكمة - حق - هواء - نغم
стр. 314
- علم - فلك - فكر - دليل - دولة - آلة - أدب - قاعدة - دواء - معلم- مجلس - لفظ - فهم - فصل - ديوان -مذهب - حاكم - عسكر - خبر - فلسفة - فصيح - إجازة - مثل - محبة - مبذر - رزق - سلام - مسافر - معشوق - كوفية - غيب - ابن - بنت - صحبة - بطل - هجرة - هبة - أخلاق- خادم - خاص - تام - خيانة - أصيل - عاشق- قبة - خيمة - القيامة - الإيمان - المعصية - الحاج - القاضي - الإمام - المسجد - الآخرة ... إلخ".
وبدأً من عام ١٩٣٠ميلادية، صارت اللغة الإندونيسية -وهي الملاوية سابقًا- هي لغة الجذر الإندونيسية جميعًا، فصار الناس يتعاملون بها في المخاطبات والرسائل، وفي المدارس والصحف والمجلات والكتب، والمصالح الحكومية، وبعد زوال الاستعمار من تلك البلاد، أُنشئ مجمع لغوي يعنَى باللغة القومية، وتكتب الإندونيسية الآن بالحرف العربي والحرف اللاتيني جميعًا، وإن كانت كتابتها بالحرف العربي عمومًا أقل انتشارًا، إلا أنه مستعمل رغم ذلك على نطاق واسع في المناطق الداخلية وفي القرى، حيث يهتم الناس بحفظ القرآن الكريم، ودراسة العلوم الدينية، وقراءة الكتب القديمة.
وفي الأدب الملاوي تكثر الحكايات ومنها -بل أشهرها- حكاية "الأمير حمزة" والمقصود حمزة بن عبد المطلب عم الرسول، الصحابي الجليل ﵁ وتقصُّ الحكاية سيرته وفروسيته وبطولته في الدفاع عن حوذة الإسلام في بدر وأحد، ونهايته المأساوية على يد "وحشي" الغلام الحبشي الذي استأجره بعض مشركي مكة؛ لقتل الصحابي العظيم، فانتهز منه غرة وهو مشغول بجندلة صناديد المشكرين في غزوة أحد، إذ صوَّ ب إليه سهمًا في موضع قاتل، فجندله.
стр. 315
وهناك حكايات أخرى كثيرة، بعضها مقتبس من كتاب المقفع (كليلة ودمنة)، وبعضها مستوحى من (ألف ليلة وليلة)، سواء من ناحية الوصف أو من ناحية الإغراق في الخيال واختلاط الشخوص والأحداث الواقعية والأسطورية، كـ (الحصان المجنح) و (المصباح السحري) و (الجن والعفاريت) مثل حكاية (سيم سكين ونذير شاه).
وإلى جانب هذا هناك لون آخر من الكتابة يمكن أن نذكر منه (سيرة معرفة) و (سيرة نور محمد) و (سيرة حمزة فنتوري).
ومن الأدب الإندونيسي الحديث يمكن أن نشير إلى "أسمر إسماعيل" المولود سنة ١٩٢١م، وهو شاعر وكاتب مسرحي يستلهم التاريخ الإسلامي ويستمد موضوعاته منه، وهناك أيضًا "جماعة البوسطة الاجتماعية" وكذلك "جماعة جريدة عَلَم الإسلام" التي كان القائمون عليها قد اتجهوا إلى مصر، حيث تعلموا وتأثروا بأجوائها الثقافية والأدبية، وبما يسودها من دعوات إصلاحية إسلامية، وهو ما انعكس في كتاباتهم بعدما عادوا إلى مسقط رأسهم، إذ عبروا في إبداعاتهم عن اتجاه إسلامي واضح.
ونتحول إلى ماليزيا لاستكمال حديثنا عن الأدب الملاوي وما بينه وبين الأدب العربي من صلات، حيث تقابلنا من أسماء الشعراء ذوي الاهتمامات الإسلامية، والمتأثرين بالثقافة العربية سحيم الحاج محمد وعبد العزيز محمود الشهير بأدهم تِهرة، وأحمد كمال عبد الله، وثم مقال جيد كتبه الدكتور "محمد مصطفى بدوي" عن ذلك الشاعر الأخير، يقول فيه:
" دخل الإسلام إلى جزر الملايو في أواخر القرن الثالث عشر للميلاد، ولم يكن ذلك عن طريق السيف أو الفتوحات العسكرية، بل كان عن طريق الاحتكاك
стр. 316
التجاري الاقتصادي والثقافي، وقد دخل أبناء الملايو بمجملهم في الإسلام، وحملوه بقوة وما يزالون، ويذخر الأدب الماليزي القديم بالمواضيع الإسلامية المستقاة في معظمها من التراث الإسلامي العربي القديم، ومنها سيرة حياة الرسول ﷺ وقصص من حياة الصحابة ﵃ بالإضافة إلى تواريخ وقصص مغامرات أخرى.
وقد حافظ الشعر الماليزي الحديث في معظمه على وشائج قوية مع التراث الإسلامي بشكل عام، ومع العربي على وجه الخصوص، والمتصفح للروايات الماليزية والشعر الماليزي المكتوبين في القرن العشرين وبخاصة بعد الاستقلال عام ١٩٦٣ ميلادية، يجد أن الإسلام لا يزال في مقدمات اهتمامات الأدب الماليزي، ونجد في الشعر الماليزي كل ما نعهده من مقاصد الشعر الإسلامي، من مثل مدح الله والتغني بحبه الذي يلامس شغافَ القلوب، وكذلك التغني بحب الرسول المصطفى ﷺ كما يجسد الشعر الماليزي المعاصر همومَ الشعب والأمة، وتظهر فيه نبرة الحزن والأسى للوهدة التي يتردى فيها المسلمون بابتعادهم عن الإسلام اليوم.
ونجد الشعراء الماليزيين المسلمين شأنهم في ذلك شأن إخوانهم من شعراء الإسلام في كل مكان من العالم الإسلامي، يعبرون عن الغضب والحزن والتفجع إزاءَ ما يشهده عالم المسلمين اليوم من اعتداءات صارخة، وانتهاكات لأبسط المبادئ الإنسانية، يمارسها أعداء الإسلام تحت سمع العالم وبصره، ولا من مجير.
ومن أهم شعراء ماليزيا الشباب الذين يحملون الإسلامَ في قلوبهم، وفي شعرهم، الشاعر أحمد كمال عبد الله، الذي اتخذ له اسمًا فنيًّا عرف به هو "كِمالا". ولد الشاعر في إحدى ضواحي العاصمة الماليزية "كوالالمبور" في العام ١٩٤١، وقد
стр. 317
عمِل في بداية عمره المهني في التدريس، وكتب بعضَ القصائد والأقاصيص والمقالات الأدبية، ثم طور اهتمامه بالشعر، فنشر عددًا من الدواوين الشعرية، نذكر منها (ميديتاسي) "تأملات" في العام ١٩٧٢، و (عين) في العام ١٩٨٣، وقد نال عددًا من الجوائز التقديرية في المهرجانات الشعرية التي تقيمها الهيئات الأدبية في ماليزيا عن عدد من أعماله الشعرية في السنوات ١٩٧٢، ١٩٧٥، ١٩٨٢، ١٩٨٣. وقد شغل منصب الأمين العام للاتحاد الوطني للكتاب الماليزيين من ١٩٧٢ إلى ١٩٧٤.
وله بالإضافة إلى الشعر كتابات في القصة والنقد الأدبي، ويُذكَر أنه أدى فريضة الحج منذ عامين. وتنضح قصائد "كِمالا" بالاهتمامات والمقاصد الإسلامية المختلفة من الروحية الذاتية الشخصية، إلى الوطنية، إلى الاهتمام بشئون الأمة الإسلامية الواسعة. وقصائده التي تعالج الشأن الروحي تعلن بوضوح حب الشاعر العميق لله وللنبي ﷺ وهو في ذلك يشارك الطبيعة بمظاهرها المختلفة الحية منها والجامدة.
أما قصائده الوطنية فتعبر عن القلق الذي يساوره من ابتعاد مواطنيه عن جادة الصواب والحق، ومن انجراف الشعب وراء الأوهام التي تبعثها الحضارة الغربية المجافية للإسلام.
وبالانتقال إلى القصائد التي تعبر عن هموم الأمة، نجد الشاعر يتألم لِمَا يحل بالشعوب الإسلامية -وخاصةً فلسطين وفي البوسنة والهرسك- من ويلات على أيدي الأعداء، وعلى مرأى ومسمعٍ من العالم الذي يقف موقف المتفرج.
ولنبحث أولًا في قصائده الروحية التي يمكن أن تعد في مصاف روائع الأدب الإسلامي على مر العصور، في قصيدة قصيرة بعنوان (حَميم)، يصور الشاعر
стр. 318
العلاقةَ الوثيقةَ التي يرى أنها تربطه بالخالق الرحيم، الذي يحفظه من الويلات ومن الانحراف، وتمتلئ القصيدة بالرموز الموحية، وغني عن البيان أن العنوان المأخوذ إما من أوائل سور الحواميم أو الكلمة العربية "حم" بمعنى الصديق والخليل، هذا العنوان مشحون بالإيحاءات الروحية:
عاد المسافر بعد سنوات من الترحال إلى قريته سالمًا
ولم يعطب فيه عضو
بل على العكس لقد ازدادت خبرته
فالمسافر هو الشاعر نفسه الذي طوَّف في الآفاق الروحية والعالمية، وعاد إلى موطنه أو ذاته سالمًا، وهو يرى الفضل في ذلك لله ولرحمته ولطفه:
يا من أنت هو اللطيف
أنت حميتني
ولذلك لم تأكلني السباع الجائعة والثعالب الوحشية
والشاعر رغم اتضاعه كمخلوق، فإن الله قد وهبه التكريم والرفعة بمنحه الحب الذي يربط قلب الشاعر إلى الذات العلية:
مع أنني لا أعدو أن أكون ذرة
فهذا حبي الذي تنفخ أنت فيه الروح والإيمان
ويختم الشاعر قصيدته برؤية نور الله في كل شيء:
في ومضة النور ليس هناك إلاك
стр. 319
وفي قصيدة مطولة تحمل عنوان "عين" يطوف الشاعر في مشاهد من التاريخ والتراث الإسلامي، يعرضها علينا مستخلصًا منها العبر والدروسَ، وهنا أيضًا يجدر أن نلاحظ: أن العنوان المأخوذ من اللغة العربية يشير إلى العين الداخلية أو البصيرة، في المشهد الأول ينقلنا الشاعر أمام كهف حِراء المغطَّى بنسيج العنكبوت، وتتوالى المعاني والأفكار، ويتذكر الشاعر ساكن ذلك الغار ﵊ وصاحبه، ويدعونا لمشاركته الدهشة والدفء والحب التي تثيرها في النفس تلك المشاهدة:
النبي الأمين سكن هنا
وكذلك أبو بكر الصديق الذي أحبه حبًّا عظيمًا
إن أصداء رحيل النبي لا تزال تتردد في دروب المدينة
مدينة النور تداعبني
وأقف مأخوذًا أمام الألحان الدافقة
في المقطع الثاني تطالعنا قصة آسيا زوجة فرعون المؤمنة، وفي الثالث ننتقل إلى مشاهد من حياة رابعة العدوية، أما في المقطع الرابع فيسرد علينا الشاعر قصةَ أهل الكهف:
إذا كانوا قد ناموا ثلاثمائة بأمري إذًا ما الحاجة للمنطق؟
أما المقطع الخامس فيروي مشاهد من حياة النبيين الكريمين إبراهيم وموسى ﵉ وفي المقطع السادس مناجاة يرفعها الشاعر إلى الذات العلية:
يا رب
تقبل تلك النجوى التي تنشدها روحي
стр. 320
المقطع السابع يعالج مشاهد من رحلة الإسراء والمعراج، أما في المقطع الثامن فنرافق هاجر زوجة إبراهيم في سعيها بين الصفا والمروة حتى تفجر ماء زمزم في قلب الصحراء:
هاجر حلت السر
ماء زمزم العذب أعلن حبها وشوقها
وبالانتقال إلى قصيدة ثالثة "سمعت"، نجد الشاعر يعلن حبه على الملأ، وهو في ذلك يشترك مع سائر مخلوقات الله من حيوان وجماد ومظاهر طبيعية:
سمعت الريح المتعبة
تهمس للجبال عند غروب الشمس
آخر يوم من شهر الصوم
هناك في بلد بعيد ولد شاعر يحب الله
وحال الريح في ذلك هو
حال دودة الأرض التي تخبر طفلتها
هناك رجل يغني للحب للأرض
للسماء لك، لي، لله ولنبيه!
والهمس نفسه حول جنون الشاعر بالحب الإلهي نسمعه من حوريات الأزهار المائية، ومن الأعشاب البحرية، ومن الأصوات المكتومة في الغابات، ومن الصبايا يتوضأن؛ استعدادًا لصلاة الفجر، ومن النصال التي تعد لتكسير الجبال والصخور، وأخيرًا من البرق الذي يدمر كل شيء في طريقه.
следующие страницы →