← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التجاري الاقتصادي والثقافي، وقد دخل أبناء الملايو بمجملهم في الإسلام، وحملوه بقوة وما يزالون، ويذخر الأدب الماليزي القديم بالمواضيع الإسلامية المستقاة في معظمها من التراث الإسلامي العربي القديم، ومنها سيرة حياة الرسول ﷺ وقصص من حياة الصحابة ﵃ بالإضافة إلى تواريخ وقصص مغامرات أخرى. وقد حافظ الشعر الماليزي الحديث في معظمه على وشائج قوية مع التراث الإسلامي بشكل عام، ومع العربي على وجه الخصوص، والمتصفح للروايات الماليزية والشعر الماليزي المكتوبين في القرن العشرين وبخاصة بعد الاستقلال عام ١٩٦٣ ميلادية، يجد أن الإسلام لا يزال في مقدمات اهتمامات الأدب الماليزي، ونجد في الشعر الماليزي كل ما نعهده من مقاصد الشعر الإسلامي، من مثل مدح الله والتغني بحبه الذي يلامس شغافَ القلوب، وكذلك التغني بحب الرسول المصطفى ﷺ كما يجسد الشعر الماليزي المعاصر همومَ الشعب والأمة، وتظهر فيه نبرة الحزن والأسى للوهدة التي يتردى فيها المسلمون بابتعادهم عن الإسلام اليوم. ونجد الشعراء الماليزيين المسلمين شأنهم في ذلك شأن إخوانهم من شعراء الإسلام في كل مكان من العالم الإسلامي، يعبرون عن الغضب والحزن والتفجع إزاءَ ما يشهده عالم المسلمين اليوم من اعتداءات صارخة، وانتهاكات لأبسط المبادئ الإنسانية، يمارسها أعداء الإسلام تحت سمع العالم وبصره، ولا من مجير. ومن أهم شعراء ماليزيا الشباب الذين يحملون الإسلامَ في قلوبهم، وفي شعرهم، الشاعر أحمد كمال عبد الله، الذي اتخذ له اسمًا فنيًّا عرف به هو "كِمالا". ولد الشاعر في إحدى ضواحي العاصمة الماليزية "كوالالمبور" في العام ١٩٤١، وقد

стр. 317

عمِل في بداية عمره المهني في التدريس، وكتب بعضَ القصائد والأقاصيص والمقالات الأدبية، ثم طور اهتمامه بالشعر، فنشر عددًا من الدواوين الشعرية، نذكر منها (ميديتاسي) "تأملات" في العام ١٩٧٢، و (عين) في العام ١٩٨٣، وقد نال عددًا من الجوائز التقديرية في المهرجانات الشعرية التي تقيمها الهيئات الأدبية في ماليزيا عن عدد من أعماله الشعرية في السنوات ١٩٧٢، ١٩٧٥، ١٩٨٢، ١٩٨٣. وقد شغل منصب الأمين العام للاتحاد الوطني للكتاب الماليزيين من ١٩٧٢ إلى ١٩٧٤. وله بالإضافة إلى الشعر كتابات في القصة والنقد الأدبي، ويُذكَر أنه أدى فريضة الحج منذ عامين. وتنضح قصائد "كِمالا" بالاهتمامات والمقاصد الإسلامية المختلفة من الروحية الذاتية الشخصية، إلى الوطنية، إلى الاهتمام بشئون الأمة الإسلامية الواسعة. وقصائده التي تعالج الشأن الروحي تعلن بوضوح حب الشاعر العميق لله وللنبي ﷺ وهو في ذلك يشارك الطبيعة بمظاهرها المختلفة الحية منها والجامدة. أما قصائده الوطنية فتعبر عن القلق الذي يساوره من ابتعاد مواطنيه عن جادة الصواب والحق، ومن انجراف الشعب وراء الأوهام التي تبعثها الحضارة الغربية المجافية للإسلام. وبالانتقال إلى القصائد التي تعبر عن هموم الأمة، نجد الشاعر يتألم لِمَا يحل بالشعوب الإسلامية -وخاصةً فلسطين وفي البوسنة والهرسك- من ويلات على أيدي الأعداء، وعلى مرأى ومسمعٍ من العالم الذي يقف موقف المتفرج. ولنبحث أولًا في قصائده الروحية التي يمكن أن تعد في مصاف روائع الأدب الإسلامي على مر العصور، في قصيدة قصيرة بعنوان (حَميم)، يصور الشاعر

стр. 318

العلاقةَ الوثيقةَ التي يرى أنها تربطه بالخالق الرحيم، الذي يحفظه من الويلات ومن الانحراف، وتمتلئ القصيدة بالرموز الموحية، وغني عن البيان أن العنوان المأخوذ إما من أوائل سور الحواميم أو الكلمة العربية "حم" بمعنى الصديق والخليل، هذا العنوان مشحون بالإيحاءات الروحية: عاد المسافر بعد سنوات من الترحال إلى قريته سالمًا ولم يعطب فيه عضو بل على العكس لقد ازدادت خبرته فالمسافر هو الشاعر نفسه الذي طوَّف في الآفاق الروحية والعالمية، وعاد إلى موطنه أو ذاته سالمًا، وهو يرى الفضل في ذلك لله ولرحمته ولطفه: يا من أنت هو اللطيف أنت حميتني ولذلك لم تأكلني السباع الجائعة والثعالب الوحشية والشاعر رغم اتضاعه كمخلوق، فإن الله قد وهبه التكريم والرفعة بمنحه الحب الذي يربط قلب الشاعر إلى الذات العلية: مع أنني لا أعدو أن أكون ذرة فهذا حبي الذي تنفخ أنت فيه الروح والإيمان ويختم الشاعر قصيدته برؤية نور الله في كل شيء: في ومضة النور ليس هناك إلاك

стр. 319

وفي قصيدة مطولة تحمل عنوان "عين" يطوف الشاعر في مشاهد من التاريخ والتراث الإسلامي، يعرضها علينا مستخلصًا منها العبر والدروسَ، وهنا أيضًا يجدر أن نلاحظ: أن العنوان المأخوذ من اللغة العربية يشير إلى العين الداخلية أو البصيرة، في المشهد الأول ينقلنا الشاعر أمام كهف حِراء المغطَّى بنسيج العنكبوت، وتتوالى المعاني والأفكار، ويتذكر الشاعر ساكن ذلك الغار ﵊ وصاحبه، ويدعونا لمشاركته الدهشة والدفء والحب التي تثيرها في النفس تلك المشاهدة: النبي الأمين سكن هنا وكذلك أبو بكر الصديق الذي أحبه حبًّا عظيمًا إن أصداء رحيل النبي لا تزال تتردد في دروب المدينة مدينة النور تداعبني وأقف مأخوذًا أمام الألحان الدافقة في المقطع الثاني تطالعنا قصة آسيا زوجة فرعون المؤمنة، وفي الثالث ننتقل إلى مشاهد من حياة رابعة العدوية، أما في المقطع الرابع فيسرد علينا الشاعر قصةَ أهل الكهف: إذا كانوا قد ناموا ثلاثمائة بأمري إذًا ما الحاجة للمنطق؟ أما المقطع الخامس فيروي مشاهد من حياة النبيين الكريمين إبراهيم وموسى ﵉ وفي المقطع السادس مناجاة يرفعها الشاعر إلى الذات العلية: يا رب تقبل تلك النجوى التي تنشدها روحي

стр. 320

المقطع السابع يعالج مشاهد من رحلة الإسراء والمعراج، أما في المقطع الثامن فنرافق هاجر زوجة إبراهيم في سعيها بين الصفا والمروة حتى تفجر ماء زمزم في قلب الصحراء: هاجر حلت السر ماء زمزم العذب أعلن حبها وشوقها وبالانتقال إلى قصيدة ثالثة "سمعت"، نجد الشاعر يعلن حبه على الملأ، وهو في ذلك يشترك مع سائر مخلوقات الله من حيوان وجماد ومظاهر طبيعية: سمعت الريح المتعبة تهمس للجبال عند غروب الشمس آخر يوم من شهر الصوم هناك في بلد بعيد ولد شاعر يحب الله وحال الريح في ذلك هو حال دودة الأرض التي تخبر طفلتها هناك رجل يغني للحب للأرض للسماء لك، لي، لله ولنبيه! والهمس نفسه حول جنون الشاعر بالحب الإلهي نسمعه من حوريات الأزهار المائية، ومن الأعشاب البحرية، ومن الأصوات المكتومة في الغابات، ومن الصبايا يتوضأن؛ استعدادًا لصلاة الفجر، ومن النصال التي تعد لتكسير الجبال والصخور، وأخيرًا من البرق الذي يدمر كل شيء في طريقه.

стр. 321

وهكذا نرى أن الحب الذي يكنه "كِمالا" لله ولنبيه يظهر واضحًا في قصائده. لكن هذا الحب لا يجعل من كمالا شاعرًا صوفيًّا بالمعني التقليدي للكلمة، فهو لم يعزل نفسه في تكية أو زاوية عن قضايا شعبه ووطنه، ونحن نجد الاهتمامات الوطنية مبثوثة في كثير من قصائد "كمالا"، ولكن سيكون تركيزنا هنا على ثلاث من هذه القصائد هي: "لا تحزني يا ماليزياي" المكتوبة عام ١٩٨٤. "موزاييك موزاييك كوالالمبور" من العام ١٩٨٦. "هومبابا هومباي" العائدة للعام ١٩٨٩. ومن الواضح أن قصائد "كمالا" التي تهتم بالشأن الوطني نابعة من قلب متألم؛ لِمَا يعتري مجتمعه ووطنه من هلاك ومفاسد، وهي تارةً تتفجر ألمًا وغضبًا بأسلوب جزل، وطورًا تتخذ شكل السخرية المرة، لتعود في نهاية المطاف إلى الطلب لله أن يحفظ ذلك الوطن من الفساد والانحراف، وتعود لترى في دين الله المنقذ من التفكك والتحلل. ونلاحظ أن الشاعر يوجه سهامَ الانتقاد إلى الممارسات الفاسدة في مختلف مناحي الحياة، من سياسة واقتصادية واجتماعية وأخلاقية وبيئية وغيرها. ففي الناحية السياسية نجده مثلًا ينتقد خمول أعضاء مجلس النواب، فيتساءل بتهكم مرير في قصيدة "موزاييك": هل لا يزال السادة أعضاء مجلس الشعب نائمين في قاعة المجلس؟ ثم يعود في القصيدة ذاتها ليخاطب رئيس الوزراء: دولة رئيس مجلس الوزراء أنا أنقل إليك مطلب الشعب أن تكشف الغطاء عن الحسابات المصرفية للسادة الكرام

стр. 322

النواب والوزراء ويعود في قصيدة "هومبابا هومباي"، ليتساءل عمن سيخلف رئيس الوزراء، مثيرًا بذلك قضية أهمية الاستقرار السياسي، ومصير المسلمين في ماليزيا: بعد أن يترك "محاضر" مركزه مَن سيكون رئيس الوزراء التالي؟ ويكتسب هذا التساؤل حدة وأهمية إذا أدركنا طبيعة الحياة السياسية في ماليزيا، فصحيح أن السياسة والحكم والجيش والشرطة والإدارة، كلها بيد الملايو المسلمين، ولكن لا يغفل المراقب عن حقيقة العنصر الصيني -الذي شجعه الاستعمار البريطاني على القدوم والاستيطان في البلاد في أثناء احتلاله لها- يشكل ما يقرب من نسبة ٤٠% من السكان، ويمسك الصينيون بمقاليد الاقتصاد، ولا يتركون فرصةً إلا ويغتنموها للتعبير عن وجودهم وقوتهم، وأحداث عام ١٩٦٩ العنيفة لا تزال ماثلةً بقوة ووضوح في مخيلات الملايو والصينيين على حد سواء. ولذلك نرى الصينيين يطلقون المفرقعات النارية بصورة لافتة للنظر، وهذا ما يسجله "كمالا" في قصيدته ذاتها عندما يقول: هومبابا هومبايي المفرقعات المجنونة تخرب أرضنا فهل هونج كونج أو بيكين هي عاصمة بلادنا؟ فهو القلق على الهوية الإسلامية الذي يساور الشاعر، كما يساور أبناء قومه برمتهم.

стр. 323

وبالانتقال إلى الهم الاقتصادي، نجد الشاعر يغني أحزان الفقراء في قصيدة "لا تحزني يا ماليزياي": هناك لدى صيادي الأسماك أغان حزينة هناك أغان بلا إيقاع يغنيها الفلاحون الفقراء الباحثون عن المحبة بصوت أجش مبحوح ويلازم هذا الهم الشاعر مرتبطًا مع فضائح الرشوة والفساد، المصاحبين للازدهار والتطور الاقتصادي، فنجده في قصيدة "موزاييك" يشير إشارات خاطفة بجمل وعبارات مقطعة إلى المظهر الاقتصادي البراق، الذي يخفي وراءه مشاكل اقتصادية، بعيدة الغور، ترتبط بأخلاق الساسة ورجال الأعمال، فينتهي إلى التحذير من أخطار الديون الحكومية: كم يبلغ مقدار الدين الوطني عندنا؟ الحرية! العمال يضربون مطالبين برواتبهم كم يبلغ مقدار الوطني عندنا؟ إذا لم نلزم جانب الحذر فسترهن ماليزيا عند المرابين! ويعود هذا الهم إلى الظهور في قصيدة "هومبابا هومبابي" في أعتاب تخفيض قيمة العملة الوطنية:

стр. 324

هومبابا هومبابي بعد تخفيض الرينجيت ماذا سيكون مصير ماليزيا؟ وبالإضافة إلى الهموم السياسية والاقتصادية، يحمل الشاعر في قلبه الهم البيئي، إن التقدم الاقتصادي والصناعي وإنشاء المزيد من المصانع قد أدى إلى تخريب البيئة، وتلوث الأجواء في أمكنة كثيرة، وهذا يملأ نفس الشاعر بالأسى والضيق والقلق على المستقبل، وهو يفتتح قصيدته "موزاييك" بوصف مشهد لنهر "كلانج"، وهو شريان نقل حيوي يصب في مرفأ "كلانج"، وهو بدوره مرفأ بحري رئيسي في ماليزيا ذات أصيل رمادي: هل لا يزال هنالك شعر في قلبك يا كِمالا؟ إن نهر كلانج الكثيف الموحل يكتظ بسفن النقل يلهث ليتنفس هذا هو العرق مع اقتراب القرن الحادي والعشرين ثم ينتقل ليصف الضباب الملوث، ودخان المصانع الأسود الذي يملأ الضواحي، ويلازم هذا الهم الشاعر أيضًا ليجد له تعبيرًا جليًّا في قصيدة "هومبابا هومبابي" حين يقول: هومبابا هومبابي هذا الكوكب الأرضي لا يمكننا استبداله بواحد آخر

стр. 325

وإذا كان التلوث البيئي يشغل بال الشاعر، فإن التلوث الأخلاقي يقض مضجعه، ويثير في نفسه أعظم القلق، وهو يوجه النظر للأثر السيئ على الأخلاق الذي تمارسه وسائل الإعلام عامةً، والتلفاز خاصةً في "موزاييك" نقرأ: الإعلانات والنشرات الفاجرة أشرطة الفيديو القذرة لها عملاؤها برامج التلفاز اللاهثة تلد وتعلم اللأطفال القتل على طريقة مستر تي والقصص العاطفية اللاهبة على شاشة تلفاز القنال الثالث ثم ينعَى على المنجرفين وراء الإعلام الغربي ابتعادَهم عن القيم الإسلامية: هل يشبه وجه سو إيلين وجه السيدة عائشة؟! مادونا مثل رابعة العدوية! ألا تزال هناك ومضات من القرآن؟ وهو يرد هذا الانحراف في معظمه إلى النظام التربوي ذي التوجه الغربي: إن نظام التربية مثل سفينة منجرفة مع التيار والريح الغربية الفاسدة تنفخ النار في الرماد وأمام هذه المشاكل العصية والعقبات الكأداء الجديرة ببعث اليأس في النفوس، لا يجد الشاعر الأمل إلا في كَنف الله الرحيم، فيلجأ إلى الله الذي لا ملجأ سواه، وفي نهاية قصيدة "موزاييك" نقرأ هذه المناجاة:

стр. 326

يا إلهي ... احفظ هذه الأرض قبل أن تنقرض قبل أن تختفي ويبتلعها العمالقة الجائعون الجائعون ولئن كان الشاعر يصرخ في وجه مجتمعه، محذرًا من الفساد والابتعاد عن قيم الأخلاق، فهو في ذلك لا يعدو كونه ابن هذا المجتمع، المحافظ المتمسك بالأخلاق في كل مناحي الحياة، والشاعر يريده أن يبقى كذلك، وأن يرذل الممارسات الفاسدة الآخذة في الانتشار. إلا أن الهم العام عند "كمالا" لا يقتصر على حدود وطنه الضيقة، بل نراه يحمل في قلبه وعقله هم الأمة الإسلامية بالمعنى الواسع للكلمة، فهو يشعر أنه واحد من أبناء الأمة، التي تتعرض في هذه الأيام للنكبات والويلات على أيدي الأعداء، ونتمثل هنا بقصيدتين للشاعر هما "قصيدة الفجر" التي كتبها عام ١٩٨٢ إبَّان الحصار الإسرائيلي للقوات الفلسطينية في لبنان، و"رسالة من سراييفو" التي تعود للعام ١٩٩٢، وتصف حالةَ الشاعر النفسية إزاءَ جرائم الصرب بحق المسلمين في البوسنة. تبدأ "قصيدة الفجر" بموعد للشاعر مع روح الفاتح الإسلامي طارق بن زياد: موعد مع روح طارق بن زياد الإسلام لا يُقهر تعالوا نعبر هذا المضيق ترتجف رياح الفجر

стр. 327

وتضرب الأسوار أنت تصرخ كالرعد يمزق السكو ن احرق السفينة قاتل لا طريق للوطن، أرض الأندلس لله ونحن في رحمته ظلال الجنود عند الفجر على الشاطئ الله أكبر وينتقل الشاعر بعد هذا المشهد المجيد، إلى مشهد من العصر الحديث يضعه في مواجهة المشهد الأول: ألف حيلة من اليهود وحيلة وهذا لبنان محاصر وهذا عرفات وجنوده الستة آلاف يُقصفون ينهمر الرصاص بغزارة قذائف الهاون بيروت مدينة الموت الموت في كل مكان اليهود .. اليهود يمتصون دماء الشعوب

стр. 328

انهضي يا منظمة التحرير انهضي بجيشك الصغير وأسلحتك الصغيرة وروح طارق في صدره لن يستسلم يحمل في عطفيه كرامة الوطن الأم فلسطين وبعد عقد من السنين كانت الأمة لا تزال تواجه الأعداء وسكاكين الجزارين وفي العام ١٩٩٢ تحولت سراييفو وسائر مدن البوسنة إلى أراض للقتل، وسالت دماء المسلمين، وتهدمت مساجدهم، وانتهكت أعراضهم، وقد أثار هذا الإجرام مشاعر الأسى والغضب في قلوب المسلمين في سائر أنحاء العالم، وكان الشعراء أشد الناس تأثرًا بفظاعة المحنة، وقد تفجر الغضب في قلب شاعرنا، فعبَّر عنه في قصيدة "رسالة سراييفو" التي تبدأ بذكر الصمت الذي يلف العالم: أشجار صامتة أحجار صامتة بحيرات صامتة غزيت البوسنة والهرسك مساجد سراييفو المائة هوجمت ودمرت وأمطرت القذائف الموجهة على البوسنة القتل الشياطين الصرب يغسلون أجسامهم بدم البوسنة والهرسك يجرعون دموع الأطفال الأبرياء

стр. 329

وصرخات الضحايا ثم يسخر الشاعر من الأوهام التي تراود البعض بأن الدول الكبرى ستهب لنجدة المسلمين: واشنطن ماما نيويورك ماما باريس ماما بون ماما لندن ماما موسكو ماما يا للكارثة البوسنة والهرسك بلد إسلامي في قلب أوربا وميلاد جديد للحمراء وغرناطة؟ مستحيل مستحيل أبدًا وأكثر ما يحز في نفس الشاعر انفضاض الأشقاء المسلمين من حول أشقائهم في البوسنة والهرسك، فينادي بصوت ينضح مرارة: يا إخوتنا في الدول الإسلامية ما أخباركم؟ أين أنتم؟

стр. 330

أيها الإخوة في الإسلام، أين أنتم؟ ثم يتوجه الشاعر بالخطاب الساخر إلى القوة الكبرى في العالم: والآن تتجه الأنظار إلى سيادة رئيس الشرطة العالمية ما هي أولوياتك، سيادة الرئيس؟ أولوياتي واضحة كرسي الرئاسة هم البوسنة والهرسك ليست على جدول أعمالي آسف أنا آسف ويعود الشاعر إلى مخاطبة المسلمين بالمرارة نفسها: انسوا صرخات إخوانكم في الإسلام في البوسنة والهرسك دعوا مساجد سراييفو تموت دعوا الأذان يصغر في المآذن دعوا الإسلام ينهار في أرض أوربا ويعود الصمت ليلف العالم كما يلف نفس الشاعر: الأشجار صامتة خط الاستواء صامت الشمس صامتة

стр. 331

القمر صامت الصمت موحش الصمت مرعب ويختتم الشاعر قصيدته بمشهد يذكر بيوم الحساب: عندما كانت أرواحنا تعبر قابلنا ناسًا من القرن العشرين حمقى وغافلين عن مواجهة يوم الحساب هذه الإطلالة على العالم الشعري للشاعر الماليزي كفيلة بأن ترينا أن الإسلام لا يزال حيًّا في قلوب الشعراء والفنانين المسلمين في أصقاع العالم الإسلامي المترامي الأطراف، كما ترينا أن مقاصد الإسلام من روحية ودنيوية لا تزال تبعث الإلهامَ في نفوس هؤلاء الشعراء، وفي هذا إشارة إلى أن الأدب الإسلامي لا يزال بخير، برغم التراجع الذي نشهده على الساحة الإسلامية في نواح عديدة. إن الأدب الإسلامي لا يزال يحمل المِشعلَ؛ لينير درب هذه الأمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 332

الدرس: ١٣ تأثر الأدب العربي بالآداب الغربية (١) .

стр. 333

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (تأثر الأدب العربي بالآداب الغربية (١)) تأثر الأدب العربي في ميدان التأليف المسرحي بالأدب الغربي أولًا: التأثر في ميدان التأليف المسرحي: ولا بد هنا من كلمة سريعة للتعريف بفن المسرح، هذا الفن الذي يقوم بوجه عام على الصراع، الصراع بين دولتين، أو بين طبقتين، أو بين أُسرتين، أو بين شخصين، أو بين الشخص ونفسه، أو بين رغبته في عمل شيء ما وخوفه من الفضيحة الاجتماعية أو من العقاب الإلهي، أو بين فكرتين ... إلخ. وفي المسرح اليوناني قد يكون الصراع بين الآلهة والبشر، والصراع من ناحية أخرى قد يكون خارجيًّا كما في حالة الصراع بين شخص وآخر، أو بين دولة وأخرى، وقد يكون داخليًّا وهو ما يحدث عندما يكون الصراع في داخل الشخص نفسه، بين عقله وعاطفته مثلًا، كذلك يمكن النظر للصراع من زاوية أخرى، فَثَم صراع اجتماعي، وثم صراع سياسي، وثم صراع ديني، وثم صراع عسكري، وثم صراع نفسي، وثم صراع فكري. ومن ناحية رابعة قد يكون هذا الصراع مستمدًّا من التاريخ، وقد يكون مستمدًّا من الأساطير، وقد يكون مستمدًّا من واقع العصر الذي كتبت فيه المسرحية، وهكذا. وهذا الصراع يتم دائمًا من خلال الحوار، إذ المسرحية هي الفن الوحيد الذي يكتب كله حوارًا، فلا سردَ ولا وصف ولا تحليلَ، بل حوار وحوار فقط، مع بعض التعليمات التي يسجلها المؤلف في أول بعض المشاهد؛ كي يراعيها المخرج عند تحويل المسرحية من كتاب يُقرأ إلى تمثيل يشاهد. ولا يمكن حصر الغاية من التأليف المسرحي في شيء واحد بل ثم أهداف متعددة، منها التسلية والمتعة، ومنها الإثارة وإبعاد الملل، ومنها تمجيد بعض القيم الوطنية أو الدينية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية، أو حتى اللا أخلاقية، ومنها

стр. 334

كذلك إفشاء المعرفة، فكاتب المسرحية -أراد أم لم يرد- يطلع قراءَه ومشاهديه على تجارب ومطالعات وأفكار وتحليلات، كثيرًا ما لا يدرون عنها شيئًا، أو لا يدرون عنها شيئًا ذا بان، أو يدرون لكنه يعرضه عليهم من زاوية جديدة لا عهد لهم بها، أو على نحو أعمق أو بطريقة أبهر وأكثر تأثيرًا، وهذا كله علاوة على ترقية الذوق الأدبي والفني بطبيعة الحال. وبالنسبة للمواصفات التي ينبغي أن تتحقق في رَسْم الشخصية المسرحية، لا بد أن تكون كل شخصية من التمايز، بحيث تبقى في الذهن بعد انتهاء القارئ أو المشاهد من المسرحية، وهو ما يتحقق برسم معالمها الخارجية من ملامح وملابس، وطريقة مشي ونطق، وعناصرها الداخلية من تفكير ومشاعر، وانفعالات وأخلاق، وخلفيتها الاجتماعية مثل كونها أبًا أو أمًّا، أو ابنًا أو بنتًا، أو عاملًا أو مديرًا أو مدرسًا أو شحاذًا وهكذا. ولا بد في كل ذلك من الإقناع، أي: أن تأتي الشخصية طبيعية لا تصنع في رسمها، ولا إكراه لها على التصرف بطريقة لا تتسق مع سماتها، وأن تكون حية متطورة، لا ساكنة جامدة لا تتغير مهما مر عليها من أحداث واشتبكت فيه من صراعات. ثم عندنا الحوار، وما أدراك ما الحوار في المسرحية! فهو كل شيء تقريبًا في فن المسرح -كما قلنا- فعن طريقه نلم بكل ما يرد المؤلف تعريفنا به، إذ نحن لا نعرف أي شيء عن أي شخص أو عن أي أمر إلا من خلال الحوار، فإذا أراد المؤلف أن يتحدث عن شخص ما فليس أمامه إلا أن يسوق لنا ما ينبغي أن نعرفه عنه على ألسنة المتحاورين، ونفس الشيء إذا كان هناك حادث وقع وأراد أن يطلعنا عليه، إذ لا سبيل أمامه إلا أن ينطق بالحديث عنه إحدى الشخصيات،

стр. 335

على أن يتم الأمر بتلقائية، أي: بطريقة تستلزمها الأحداث والصراعات التي في المسرحية، لا أن يؤتَى به مجتلبًا دون أن يكون هناك ما يدعو إليه. ومن خلال الحوار تتضح شخصية المتكلم أول ما تتضح، كذلك ينبغي أن يكون الحوار مُحْكمًا لا ثرثرة فيه، إذ ليس الحوار مصطبة يجلس عليها المتكلم و"هات يا كلام!! " بل ينبغي أن يكون لكل كلمة وكل جملة دور في دفع حركة المسرحية إلى الأمام حتى تبلغ تمامها، أما الفضول فلا مكان له هنا، وعلاوة على هذا لا بد من إتاحة فرصة عادلة لكل الشخصيات في الحوار، وإلا أصيب الحوار بالترهل أو الشلل. ثم هل ينبغي أن يتحدث المتحاورون في المسرحية بالفصحى أو بالعامية؟ فأما المسرحيات التاريخية والفكرية والمترجمة والمنظومة شعرًا، فهي عادةً ما تكون فصحوية الحوار، لكن المشكلة والخلاف في المسرحيات العصرية، ففريق يجري في حواره على الأسلوب الفصيح كمسرحية أحمد شوقي "الست هدى" ومسرحيات "باكثير" ومسرحيات "ونَّوس"، ومعظم مسرحيات الحكيم، وفريق يجري على الأسلوب العامي وبخاصة في المسرحيات الملهوية، وقد استعرضها "الدكتور مندور" في الفصل الذي خصصه للمسرح في كتابه (الأدب وفنونه) حجج الفريقين، ويبدو من كلامه أنه يميل نحو استعمال الفصحى؛ بُغيةً الارتقاء بمستوى الجمهور الثقافي واللغوي، بدلًا من تركه حيث هو بعيدًا عن ذلك الرقي اللغوي والثقافة الرفيعة التي ترتبط به. وهو يستشهد في هذا المجال بما هو موجود في بريطانيا وفرنسا وغيرها من بلاد أوربا التي لا تختلف فيها لغة الكتابة عن لغة الحديث، كل ذلك باختلاف الحاصل في بلاد العرب، إذ لا يقدم المؤلفون المسرحيون هناك على الكتابة

стр. 336

باللهجات العامية، اللهم إلا عند تطعيم كلام بعض المتحاورين من العوام بمصطلح أو تعبير ذي نكهة عامية للإيحاء بالبيئة التي أتوا منها وبمستواهم الفكري والنفسي، وهو ما يدعو إلى استلهامه في مسرحياتنا التي من هذا النوع، مع الإبقاء على الفصحى وسيلة للحوار بوجه عام. وكانت المسرحيات في بداءة أمرها تنظم شعرًا، ثم تحولت مع مرور الزمن، فصارت تكتب نثرًا في العصور الحديثة، إلى جانب كتابتها شعرًا، وإن كان الغالب عليها الآن النثر لا الشعر. وتتكون المسرحية من فصول ومشاهد، وكانت قديمًا تشتمل على خمسة فصول لا تزيد ولا تنقص، كما كانت تلتزم ما يسمي بـ"الوحدات الثلاث" أي: أن يكون لها موضوع واحد، وأن تقع في يوم وليلة لا تزيد عليهما، وأن تدور أحداثها كذلك في مكان واحد، فلا تزيد دائرة المكان الذي تجري فيه الوقائع عن المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها الشخص خلال يوم كامل، إلا أن ذلك كله قد تغير مع القرون، فلم يعد هنا حد أعلى لشيء من هذا على ما هو معروف في المسرحيات الحديثة، إذ لم يعد هناك داعٍ للاستمساك بها بعد أن تطورت وسائل المواصلات بحيث يستطيع الإنسان أن يتنقل خلال الـ"٢٤" ساعة في مساحة من المكان لم تكن تخطر على بال الأقدمين الذين وضعوا هذا القيد على المؤلفين المسرحيين. ولا بد أن يكون للمسرحية نهاية، فلا تبتر بترًا، بل ينبغي أن يشعر القارئ والمشاهد أن الأمور قد وصلت إلى نهايتها الطبيعية، بغض النظر عن أن تكون تلك النهاية مريحة أو مزعجة، سعيدة أو شقية، تتفق مع ما يريده المستقبِل للعمل أو لا، وإلا أحس أنه أُخِذَ على غِرة، وهو ما لا يصلح مع الأعمال الفنية ولا

стр. 337

غير الفنية، فإن الطبيعة البشرية قد صُممت على طلب الاكتمال، وعلى الضيق بأي نقص، لا النقص عن بلوغ المثال الأعلى فقط، بل النقص أيضًا عن بلوغ الغاية المتوقعة عمومًا، وإلا بقي الفضول البشري قلقًا ومقلقًا لصاحبه، وهذا أمر جد مزعج. إن المسرحية تقوم على عنصر التشويق، وهو العنصر الذي يدفع مستقبل العمل إلى متابعته؛ بُغيةَ الوصول إلي نهاية شافية مريحة، فإذا بتر المؤلف المسرحية بترًا، كان هذا بمثابة حرمان الظامئ من قُلة الماء التي أعطيته إياها ليشرب، ثم لم تتركه يطفئ نار عطشه بل انتزعتها منه قبل أن يفعل. والسؤال الآن هو: هل عرف أدبنا العربي القديم هذا الفن الأدبي؟ والجواب: هو أنه لم يعرف فن المسرح الذي نعرفه الآن، وإن كان قد عرف بعض أشكال أخرى ساذجة لا تخلو من بعض العناصر التمثيلية، كالذي كان يصنعه أحد المتصوفة في عصر "المهدي" الخليفة العباسي، إذ كان يأتي برجال فيجلسهم أمامه واحدًا بعد الآخر بوصفهم صحابة رسول الله، ثم يأخذ في تعداد أعمال كل صحابي جالس أمامه ومآثره، لينتهي قائلًا لمن حوله: اذهبوا به إلى أعلى عليين. وفي القرن الثالث الهجري أيام "المعتضد بالله العباسي" كان هناك رجل اسمه "المغازلي" يستطيع تقليد الشخصيات المختلفة كالأعرابي والزنجي، مع تقديم بعض المشاهد الصادقة من حياتهم وتصرفاتهم، ولدينا أيضًا "خيال الظل" الذي برع فيه "ابن دانيال" في القرن السابع الهجري، وهو لون من الفن التمثيلي وإن لم يكن الممثلون بشرًا، بل أشكال على هيئة الرجال والنساء، مصنوعة من الجلد أو من الورق المقوى، ووراءها نور يظهر ظلالها على ستارة تُنصب بينها وبين

стр. 338

المشاهدين، في الوقت الذي يحرك هذه العرائس -الورقية أو الجلدية- رجل ماهر على النحو الذي يتطلبه الدور. وكان هناك في مصر -قبل ابتلائها بالحملة الفرنسية- ممثلون مسرحيون فكاهيون هم "الحكاواتيون"، يؤدون أدوارهم في الأماكن العامة أو في بيوت الكبراء، كما اكتشف نصان مسرحيان عاميان بعنوان "سارة وهاجر" و"سعد اليتيم"، ما زالَا يقدمان حتى اليوم في قرى الفيوم عند الاحتفالات الشعبية، ولا ننسى تمثيلية "خروج الحسين من المدينة قاصدًا العراق"، ذلك الخروج الذي انتهى بمقتله في كَربلاء، إذ كانت الشيعة منذ القرن السابع الهجري تحتفل به وتمثل ما حدث في تلك الواقعة، إلى أن توقف الأمر في العصر الحديث، وهو ما يطلق عليه "التعازي الشيعية"، وفيها يقوم بعض الأشخاص بأدوار الحسين وأهله وخصومهم، وكانت تلك المشاهد تمثل كلَّ عام في ذكرى كربلاء. فهذا وأمثاله ما كان موجودًا في تراثنا، وهو الذي عَبَّدَ الطريق إلى دخول المسرح كما تعرفه أوربا عندنا في العصر الحديث. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر هو: ما العوامل المسئولة عن عدم ظهور فن المسرح في أدبنا القديم كما ظهر عند الإغريق والرومان مثلًا؟ هناك نظريات متعددة في هذا التعليل، فبناء على أن المسرح هو فن الصراع، وأن الحرية الإنسانية أساس ذلك الصراع، الذي قد يكون صراعًا عموديًّا أي: بين الإرادة البشرية والإرادة الإلهية، أو صراعًا أفقيًّا بين الفرد والمجتمع، أو صراعًا ديناميكيًّا بين العفوية البشرية والقدر، أو صراعًا داخليًّا بين الإنسان ونفسه، ينفي "محمد عزيزة" الباحث التونسي صاحب هذه التقسيمات إمكانيةَ أن يكون هناك صراعٌ عمودي عند المسلمين، إذ لا يتصور وجود الإرادة البشرية إلى جانب

стр. 339

الإرادة الإلهية. وبالمثل نراه يزعم أن المسلم لا يستطيع أن يواجه مجتمعه ويدخل في صراع معه وإلا عُدَّ كافرًا، أما اللون الثالث من ألوان الصراع فيستلزم -حسبما يقول- أن يكون شعورنا بالتاريخ شعورًا دراميًّا، على حين أن كل شيء لدى المسلم هو أمر حتمي مكتوب لا سبيل إلى تغييره، وبخاصة أنه يؤمن بأن تلك الحتمية حتمية عادلة، أما النوع الرابع فلا بد له من شعور الشخص بالفردية، التي لا وجودَ لها عند المسلم. وهذا الكلام موجود في كتابه (الإسلام والمسرح) الذي ترجمه عن الفرنسية الدكتور "وفيق الصبان". والناظر في هذا الكلام يدرك لأول وهلة ما فيه من سذاجة مضحكة، أو استبلاهٍ مدهشٍ، إذ يكفي أن ينظر الإنسان حوله في معظم بلاد المسلمين، وبالذات في البلاد العربية ليرى أن عندنا الآن مسرحًا وكتابًا مسرحيين ومسرحيات من كل نوع، رغم أننا لا نزال مسلمين كما كان أجدادنا مسلمين، فكيف يفسر "عزيزة" ومَن نقل عنه ذلك الكلام من المستشرقين هذا الوضع الذي يكذب كل ما زعمه وادعاه؟ وبالنسبة للنوع الأول ألا يمكن للصراع بين إرادة المشركين وبين دين الله مثلًا، أو بين شهوة الإنسان المسلم وخوفه من عقاب ربه. أما الصراع الثاني -صراع الفرد المسلم مع مجتمعه- فهو لم يتوقف يومًا، فقد نشذ الخوارج مثلًا على ذلك المجتمع ولم يكفرهم أحد، وبافتراض أنه كان هناك تكفير، فهل منعهم ذلك أو منع سواهم من التمرد والخروج؟ وحتى لو تحرَّج الكاتب المسرحي المسلم من طرق ذلك الموضوع، ألا يمكنه أن يؤلف مسرحيةً تقوم على الصراع بين شخص مسلم ومجتمعه غير المسلم، كما كان الوضع مثلًا أيام محاكم التفتيش في إسبانيا

стр. 340

قبل عدة قرون، وعندما كان المسلمون يسامون سوء العذاب ويقتلون؟ بل إنه ومن الممكن أيضًا أن يتخذ هذا اللون من الصراع مسارًا معاكسًا، إذ كان في المجتمع المسلم على عهد النبي منافقون ويهود، يعملون دائمًا على تقويد ذلك المجتمع، ومن ثم يمكن تأليف مسرحية تدور على الصراع الذي كان بين كل من هاتين الطائفتين من ناحية، والرسول ومعه جماعة المؤمنين من ناحية أخرى. كذلك كيف يقال: إن الدرب الثالث من الصراع لا يُتصور بقوة في مجتمع مسلم، والمسلم مطالب بأن يبذل دائمًا أقصى جهده؛ لتغيير المنكر، إن هذا معناه بكل بساطة أن الزعم باعتقاد المسلم بأن كل شيء حتمي ومقدم سلفًا، ومن ثم لا يجوز دِينًا أن يحاول تغييره، هو زعم سفيه، وهذا من الناحية الشرعية، وإلا فالمسلم ككل إنسان كثيرًا ما يسخط على وضعه، ويتمرد على الظروف التي خلقت هذا الوضع، ويعمل بكل ما في وسعه على تغييرها إلى الأفضل، وإلا فكيف نفسر كل ما بذله المسلمون على مدار تاريخهم الطويل من جهد لتحسين أحوالهم؟! إن القول بغير هذا هو في الواقع عمًى في المنطق والتفكير. أما تصوير المسلم على أنه هادئ النفس دائمًا وأبدًا، لا يعرف التناقضات الداخلية ولا الصراع بين مطامحه وقدراته، أو بين عواطفه وشعوره بالواجب مثلًا، فهو تصوير يدل على سطحية الفهم، ثم إن حصر الصراع في هذه الألوان الأربعة هو تضييق وضيق أفق؛ لأن ألوان الصراع لا تنتهي، فصراع بين الزوج والزوجة، وصراع بين الحماة وكَنتها، وصراع بين الطلبة وأستاذهم، وصراع بين حزب سياسي وآخر، وصراع بين دولتين، وصراع بين طبقتين، وصراع بين طائفتين، وصراع بين حاكم وشعبه، وصراع بين ذوي المهنة الواحدة، وصراع

стр. 341

بين الجيران، وصراع بين مذهبين أو فكرتين أو ذَوْقين، بل يمكن أن تقوم مسرحية دون صراع، فقد يؤلف أحدهم مسرحيةً تدور على التوتر الذي يصطلي ناره شخص ما في موقف من المواقف. وهناك سبب آخر في نظر "عزيزة" أيضًا، وهو الادعاء بأن اللغة العربية لغة متجمدة لا تلائم متطلبات الدراما، فهي حين تعبر عن تجربة ما، إنما تلجأ إلى القوالب التعبيرية المحفوظة ولا تهتم بنقل التجربة كما يعيشها صاحبها. وهذا كلام فارغ كله تنطع وتفاهة، فليست هناك لغة يمكن اتهامها بتلك التهمة، فضلًا عن أن تكون تلك اللغة بالذات هي اللغة العربية المشهورة بغناها، ومرونتها، وإبداعاتها الغزيرة المتنوعة، لكن قد يكون هناك في بعض العصور الأدبية طائفة من المؤلفين، يبرز في كتاباتهم القوالب المحفوظة على حساب غيرها من التعبيرات التلقائية، وهذا شيء آخر غير ما يتحدث عنه "عزيزة"، وهو موجود في كل اللغات والآداب في بعض الفترات التاريخية. وعلى أية حال، هل تغيرت اللغة العربية بحيث أصبحت الآن تتسع للإبداع المسرحي؟ إنها بكل يقين لم يطرأ عليها شيء جذري، فماذا يقول المتنطعون السطحيون في هذا؟ وهناك مَن يقول أن العقلية العربية نزَّاعة إلى التجديد لا التفصيل، هذا التفصيل الذي تستلزمه الدراما، وقائل هذا هو الدكتور "عز الدين إسماعيل"، ولا أعرف على أي أساس استند في دعواه العجيبة تلك. وكنت أودُّ لو أنه بدلًا من إرسال القول على هذا النحو المتعسف، قد ساق على دعواه تلك ما يلزمه من الأدلة والشواهد طبقًا لِمَا يقضي منهج العلم، لكنه لم يفعل، ومن ثم فرأيه بهذا الشكل لا قيمة له، وبخاصة أن العرب قد تركوا وراءهم شعرًا وقصصًا ورسائل ورحلات وتراجم ذاتية وغيرية، مملوءةً بالتفصيلات الحية،

стр. 342

والدقائق الملونة، والصور الواقعية، مِمَّا يعرفه مَن له أدنى تماس بمعنى فنهم الأدبي الغزير. ويجد القارئ رأي الدكتور "عز الدين إسماعيل" هذا في كتابه (قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر). وهناك مَن يرى أن السبب في عدم معرفة العرب لفن المسرح، يكمن في أن الإسلام قد منع نقل المسرح الإغريقي القائم على الوثنية وآلهتها، وعلى الصراع بين الآلهة والبشر، وهو رأي قال به الدكتور "محمد مندور" في كتابه (المسرح والأدب وفنونه)، وكذلك توفيق الحكيم في مقدمة مسرحيته "الملك أوديب"، ومعنى هذا أن المسلمين اطلعوا على المسرح الإغريقي، وما فيه من وثنية تخالف الإسلام، فنفروا من ترجمته، لكن لم يحدث أن ساق مندور أو الحكيم أو غيرهما أي شيء يدل على معرفة المسلمين بالمسرح الإغريقي، ولو كانوا عرفوا ذلك المسرح ما أخطأ كبار تراجمتهم وفلاسفتهم كـ"مته بن يونس" و"ابن رشد" و"ابن سينا"، في ترجمة مصطلح "التراجيديا والكوميديا" فقالوا: إن المقصود بهما المدح والهجاء. وللدكتور مندور تعليل آخر ذكره في كتابه (المسرح) ملخصه: أنه قد قام بالمقارنة بين الشعر العربي القديم وأشعار الأمم الأخرى، فوجد أن ذلك الشعر يتميز بخاصيتين كبيرتين هما؛ الخطابية، والوصف الحسي، وهاتان الخاصتان لا تصلحان للدراما التي تحتاج إلى الحوار المختلف النغمات والخطابة الرنانة، وإلى خرق الحياة الشخصية، وتصوير المواقف والأحداث لا مجرد الوصف الحسي كما كتب، ويحق لنا أن نتساءل إزاء هذا الغلو الخطير: متى! وكيف! وأين! قام مندور أو غير مندور بمثل تلك المقارنة؟ وما عدد اللغات التي كان يعرفها سيادته؟

стр. 343

إنه لم يكن يعرف إلا الفرنسية وإلا الإنجليزية إلى حد ما، فهل يستطيع مَن هو في مثل وضعه هذا أن ينهض بتلك المقارنة التي تحتاج إلى طوائف من النقاد ومقارنين للآداب تعرف كل لغات العالم، وتجمع أشعار العرب ونظيرتها لدى الأمم الأخرى، وتعكف على كل هذا إلى أن تخرج بما تضع عليه يدها من نتائج؟ وأين الدكتور مندور من هذا كله؟ ثم مَن قال: إن الشعر العربي جميعه شعر خطابي ذو وصف حسي؟ إنه كأي شيء في العالم فيه الخطابية، وفيه الهمس والنجب، وفيه الانعزال عن الناس، وفيه الانغمار في الحياة والانشغال بمشاكلها، وفيه الوصف الحسي وفيه الوصف الباطني، وفيه التأمل الفكري وفيه التحليل العاطفي، وفيه القصص والحوار. إن "معلقة ابن كلثوم" مثلًا تغلب عليها "القعقعة" وهي قعقعة مطلوبة في السياق الذي قيلت فيه ولا يصلح له غيرها، وفيها مع ذلك الإبداع الفني على أحسن ما يكون، يعرف ذلك كل من قرأ تلك المعلقة البديعة، أما قصائد جميل وقيس وكُثير فكلها همس واستبطان ذاتي، وضراعة يائسة، وعذاب أليم، يتجرعه صاحبه في عجز، ولدينا قصيدة "مالك بن ريب" في رثائه لنفسه، تلك القصيدة التي قلما يتصور الإنسان أن لها شبهًا في أشعار العرب أو الأمم الأخرى، ولدينا شعر الفرزدق في الحديث عن الذئب، وشعر جرير في بكاء رفيقة عمره، ولدينا زهديات أبي العتاهية، وشعر أبي نواس القصصي في مغامرات له، والشراب، ولدينا قصيدة ابن الرومي في جمال صوت وحيد المغني، وقصيدته في رثاء ابنه محمد، وأشعاره في وصف الطبيعة، وعلى رأسها عينياته الشهيرة، ولدينا قصيدة

стр. 344

المتنبي في الحمى، وقصيدته في خولة، وميميته في سيف الدولة، ولدينا رثاء المعري في أبي حمزة الفقيه، ولدينا ندميات ديك الجن، وأبيات ابن خفاجة في الجبل، وقصائد البهاء الزهير، وبردة البصيري. بل إن القصيدة الوحيدة لكثيرًا ما تجمع بين القعقة والنجوى في قَرَنٍ واحد، كما هو الحال في "معلقة عنترة" مثلًا، حيث نسمع صوته مجلجلًا يحذِّر من يفكر في ظلمه، ويهدده بالويل والثبور، وعظائم الأمور، ليأتينا عقب ذلك صوته الهامس الجميل متحدثًا عن حصانه، وشكواه وعبرته وتحمحمه، جراءَ وقع الرماح في صدره، والذي لو كان يعرف كيف يتكلم لكلمه بلغة فصيحة مبينة كالتي يتكلمها هو، أو منتشيًا بغناء الذباب في الروضة فرحًا بالخضرة والنضرة، غِرْبَ هطول المطر. أما ما يقوله مندور فهو كلام في الهواء لا يثبت شيئًا ولا يدل على شيء، سوى أن صاحبه لا يبالي بما يقول، وهو مسلك خطير. وكثير من الشعر العربي القديم يفيض بالقصص والحوار، الذي يعكس نفسية كل متكلم، كما في معلقة "امرؤ القيس" ولامية الحطيئة في نزول ضيف على أسرة معدمة منعزلة عن الناس والحياة في البيداء لا تملك ما تضيفه به، وأشعار ابن أبي ربيعة والعذريين، ورائية بشار الفاجرة، وكثير من خمريات أبي نواس، وقصيدة البوصيري التهكمية، التي يشكو فيها لأحد المسئولين بالدولة فقره، وحاجة أهل بيته إلى التوسعة في النفقة، حتى يعيشوا كسائر الناس، ونونية صفي الدين الحلي التي يتغنَّى بها محمد عبد الوهاب، وكلها قائمة على الحوار الرشيق المطرف بين الشاعر وحبيبته.

стр. 345

إن الدكتور مندور حين يقول ما قال، إنما يوحي بأنه لا علم له بالشعر العربي، إذ لا يمكن أن يصدر قوله ذاك عن رجل يعرف هذا الشعر، ولو معرفةً بسيطهً، وهو أمر لا يليق. والواقع أن حسب القضية الخاصة بعدم معرفة العرب بالمسرح، هو أمر ليس من السهولة بمكان، فقد مضى كل شيء بغير رجعة، ولم يعد هناك عرب يمكن أن نسألهم عن السر في ذلك مثلًا، فأصبح البحث في المسألة كأنه بحث فيما وراء الطبيعة، وربما كان لصعوبة ظروف المعيشة التي كان يعيشها العرب دَخْل في ذلك، إذ لم تكن تدع لهم الفرصة لالتقاط الأنفاس والاهتمام بمثل ذلك الفن المعقد، فقد كانوا في حل وترحال؛ جريًا وراء الماء والكلأ، وكانت المعارك تشتعل بينهم لأتفه الأسباب، كما كانت النزعة الفردية متسلطة عليهم، اللهم إلا فيما تمليه عليه الحياة إملاءً لا معدى عنه كالحرب وتنظيم القوافل مثلًا. والمسرح يحتاج إلى جهود في الإخراج والتمثيل وإعداد المسرح ومستلزماته، وفوق هذا فالتمثيل يقتضي الاختلاط بجانب النساء، ولا أظن النفسية العربية في ذلك الوقت كانت تسيغه، أو تسيغ قيام الرجل بدور المرأة على المسرح، ثم إن عدم وجود مواد سهلة ورخيصة للتدوين وهذا لو أغضينا الترف عن انتشار الأمية فيهم إلى مدى بعيد، من شأنه أن يكون عقبة دون ظهور المسرح، إذ تحتاج المسرحية الواحدة في كتبابتها إلى عشرات الصفحات. هذا مجرد اجتهاد مني لا أدري مدى صوابه أو خطأه، لكن يبدو لي أنه لا يخلو من بعض الوجاهة، وهو جهد مُقل.

стр. 346

وعلى أية حال، فقد عرفت البلاد العربية فن المسرح بدأً من دخول الفرنس ي ين مصر في أواخر القرن الثامن عشر، إذ أقاموا بعض المسارح الخشبية للترويح عن جنودهم وضباطهم، وكان بعض المصريين يسترقون النظرَ من خلال الأخصة التي بين تلك الألواح، وإن كان ذلك كله قد انقضى بخروج أولئك المجرمين من مصر أوائل القرن التاسع عشر، ويقول المؤرخون: إن "مارون النقاش الشامي" هو مؤسس المسرح العربي، وربما سبقه "يعقوب صنوع" الملقب بأبي نظارة إلى هذا، وكان "مارون" قد زار إيطاليا، واطلع على فن التمثيل هناك فأعجب به إلى حد بعيد، وفكر في نقله إلى بلاده، ومعروف أن للمتقدم تأثيرًا على المتأخر لا يقاوَم بسهولة، إذ المتأخر ينظر إلى المتقدم بعين الانبهار والإجلال، وقد يكون ما يفعله المتقدم أمرًا سيئًا يخجَل منه، إلا أن للمتأخر رأيًا آخرَ في المسألة يجعله يحرص على تقليده؛ تصورًا منه أنه بهذا يعبر حاجز التخلف ويلحق بالمتقدمين. ولا ننسى الأثر الخطير الذي تتركه كتابات المستشرقين ومَن يتابعونهم من أبناء جلدتنا في هذا الموضوع، تلك الكتابات التي تعمل على بذر بذور الشك في قيمة الأدب العربي، لخلوه من فن المسرح قديمًا، وتصويره بصورة الأدب المتخلف عن نظيره في أوربا، مما يدفع العرب إلى العمل على إدخال هذا الفن في أدبهم، حتى لا يكون أقل من الآداب الأوربية التي تعرف هذا الفن منذ دهر طويل. ولقد مر بنا عينة من هذه الكتابات أثناء بحثنا عن الأسباب التي يُظَن أنها حالت بين الأدب العربي القديم ومعرفة فن المسرح، إذ وجدناها تصب في خانة العيب على اللغة والشخصية العربية، بما يرسخ أنهما لم تكونَا مؤهلتين لأن تحظيا بهذا الشرف.

стр. 347

ومن بين رواد هذا الفن في مصر "سليم النقاش" الذي أنشأ مسرحًا في الإسكندرية عام ١٨٧٦م، وتلا ذلك ظهور فرق شامية أخرى منها: فرقة أبي خليل قباني، وفرقة يوسف خياط، وفرقة إسكندر فرح، ثم ظهرت فرق مصرية صميمة كفرقة سلامة حجازي، وفرقة جورج أبيض، والفرقة التي كونها محمد تيمور، وفرقة عبد الرحمن رشدي، وفرقة نجيب الريحاني، وفرقة يوسف وهبي، وفرقة فاطمة رشدي، ثم أنشئ معهد التمثيل بالقاهرة في أوائل الثلاثينيات من ذلك القرن، وبعده بعِدة سنوات تكونت "الفرقة القومية"، كما أرسلت البعثات إلى البلاد الغربية المختلفة؛ لتعلم هذا الفن الجديد من منابعه، وتُرجمت الأعمال المسرحية كتب للنقد المسرحي، والكتب التي تؤلف لهذا الجنس الأدبي الجديد. وأدخل الأدب المسرحي في مقارنة أقسام اللغات، ومنها قسم اللغة العربية، بل إن بعض الكليات والمعاهد قد افردت قسمًا خاصًّا بالمسرح، وهناك أيضًا المجلات المتخصصات في هذا الميدان، ثم تتابع المطر واستمر مريره في أرض الكنانة، وفي بلاد العروبة كلها تقريبًا. ومن أهم المؤلفين المسرحيين في مصر: أحمد شوقي، وعزيز أباظة، وعبد الرحمن الشرقاوي، وصلاح عبد الصبور، وفاروق جويده، ودكتور أنس داود، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وأحمد سويلم، وهؤلاء من أهل المسرح الشعري، وتوفيق الحكيم، محمود تيمور، وعلي أحمد باكثير، ومحمود دياب، وألفريد فرج، وهم من كتَّاب المسرحيات النثرية، وكل هؤلاء يكتبون بالفصحى وأعمالهم معروفة للجميع.

стр. 348

أما في سوريا فلدينا "مصطفى الحلاج" ومن مسرحياته (القتل والندم) واحتفالًا بعيدهم الخاص في برستن، و (الدراويش يبحثون عن الحقيقة)، و (سعد الله والنوس) ومن مسرحياته (حفلة سمر من أجل ٥ حزيران)، و (الملك هو الملك)، وممدوح عدوان ومن مسرحياته (المخاض)، ومحاكمة الرجل الذي نحارب)، و (كيف تركت السيف)، و (ليل العبيد)، و (هَملت يستيقظ متأخرًا)، وعلي عُقلة عرسان ومن مسرحياته (الشيخ والطريق)، و (زوار الليل)، و (الغرباء)، و (السجين رقم ٩٥). وفي لبنان نذكر ميخائيل نعيمة، ومن مسرحياته (الأباء والبنون)، ويوسف الحايك ومن مسرحياته (عاقبة الظلم)، ورشاد دارغوس ومن مسرحياته (سيعودون)، وسهيل إدريس ومن مسرحياته (زهرة من دم)، وفي فلسطين برهان الدين العيوشي ومن مسرحياته (وطن الشهداء)، ومحي الدين الصفدي ومسرحيته (كليب)، ومحمود محمد بكر ومسرحيته (فلسطين)، وهارون هاشم رشيدي ومسرحيته (السؤال)، وسميح القاسم ومسرحيته (القرقاج)، وغسان كنفاني ومسرحيته (الباب)، ومَعين بسيسو ومسرحيته (شمشون ودليلة)، وفي الأردن جمال أبو حمدان ومن مسرحياته (الجراد)، و (السيف)، وفي العراق يوسف العامر ومن مسرحياته (المفتاح)، و (الخرابة)، ونور الدين فارس ومن مسرحياته (البيت الجديد)، و (الغريب)، و (جدار الغضب)، وعبد الملك نوري ومن مسرحياته (خشب ومُخمل)، وقاسم محمد ومن مسرحياته (بغداد الأزل بين الجد والهزل)، و (شخوص وأحداث من مجلة التراث). وفي الكويت سعد الفرج ومن ومسرحياته (عشت وشوفت)، و (دقت الساعة)، وصقر رشود ومن مسرحياته (الطيب والغاز)، وفي البحرين إبراهيم العريض

стр. 349

ومسرحيته (وا معتصماه)، وعبد الرحمن المعاودة ومن مسرحياته (الأمير سيف الدولة)، و (الأمير غسان)، وحسن الهرمي ومن مسرحياته (السماؤل بن عادياء)، وسلطان سالم ومن مسرحياته (نادي المتخرجين). وفي السودان خالد أبو الروس ومن مسرحياته (تاجوج والمحلق)، و (خراب سوبا)، و (الملك نمر)، و (عائشة بين صديقين)، وأمين القوم ومن مسرحياته (فتاة البادية). وفي ليبا عبد الله القوري ومن مسرحياته (الجانب المضيء)، و (الصوت والصدى)، وعبد الكريم خليفة الدَّناع ومسرحياته (دواء الرفض) و (السقوط)، ومحمد عبد الخليل القنيدي ومسرحياته (الأقنعة)، والأزهر أبو بكر حُميد ومن مسرحياته (وتحطمت الأصنام)، و (يوم الهاني)، وأحمد إبراهيم الفقيه ومسرحياته (هند ومنصور)، و (زائر المساء)، و (صحيفة الصباح)، وعبد الرحمن حقيق ومسرحياته (الزنجي الأبيض). وفي تونس الحبيب أبو الأعراس ومسرحياته (مراد الثالث)، وعز الدين المدني ومسرحياته (ثورة صاحب الحمار)، و (رحلة الحلاج)، و (ديوان الزنج)، و (الغفران)، و (مولاي السلطان حسن الحفصي) وسمير العبادي ومن مسرحياته (هذا فورست الجديد)، و (رحلة السندباد). وفي الجزائر الكاتب ياسين ومسرحياته (محمد)، و (خذ حقيبتك)، وكاكي ولد عبد الرحمن ومسرحياته (أفريقيا قبل السنة الأولى)، والدكتور الجنيدي خليفة ومن مسرحياته (في انتظار الفيلم الجديد). وفي المغرب أحمد الطيب العِلج ومن مسرحياته (الشهيد)، والطيب الصديقي ومن مسرحياته (وادي المخازن)، و (هني إسماعيل)، وعبد الكريم برشيد ومسرحياته (قراقوش)، و (عُطَيل)، و (الخيل والبارود)، و (الناس والحجارة).

стр. 350

نماذج من المسرحيات العربية التي تأثرت بالمسرح الغربي وبالنسبة للمسرحيات العربية التي تأثرت بالمسرح الغربي، يمكننا أن نأخذ مثالين عليها: الأول: مسرحية توفيق الحكيم (الملك أوديب)، والثاني: مسرحية صلاح عبد الصبور (مأساة الحلاج). فأما مسرحية الحكيم فهي إعادة صياغة لمسرحية (سوفوكليس) الكاتب المسرحي الإغريقي المسماة (أوديب ملكًا)، وقد حظيت مسرحية (سوسفوكليس) من توفيق الحكيم باهتمام بالغ، حتى لقد استغرق في كتابة صفحاتها القليلة نحو أربع سنوات، والسبب في ذلك -كما يقول الحكيم نفسه- هو صعوبة محاكاة هذه المسرحية التي فشل عشرات الكتاب الكبار من الأوربيين أنفسهم قبله في تقليدها، وتحويلها إلى مسرحية عصرية، وتضمينها معانيهم هم دون الإخلال بقيمة العمل الفني. والمحاكاة في المسرح فن شهير اتبعه كتاب أوربا من قبل، حيث يأخذون عملًا إغريقيًّا قديمًا فيحتفظون بشكله الخارجي مع تضمينه أفكارهم الخاصة، ولقد حاول الحكيم تحويل تلك المسرحية الوثنية الخرافية بالمعاني الإسلامية. ومسرحية (أوديب) بسيطة في أحداثها وشبه معروفة، إذ تكتب الآلهة على "أوديب" أن يتزوج أمه بعد أن يقتل أباه دون أن يعرف أنه أبوه، ثم يسمل عينيه في محاولة للتكفير عن ذلك الذنب حين تتكشف له الحقيقة، وقد حدث كل هذا رغم أنه قد قيل له قبلًا: إن هذا كله سوف يقع منه، مما جعله يترك وطنَه، ويهم بعيدًا عنرر

стр. 351

أبيه وأمه؛ كي لا يتورط فيما قال العرَّاف إنه سوف يقع منه، وهو ما لم يجده نفعًا بَتاتًا، إذ المكتوب لا مهرب منه. وتدور أحداث القصة الأسطورية بأرض مصر القديمة، إذ يقال: إنه كان هناك ملك اسمه "لايوس" يحكم مدينة طيبة، وكان هذا الملك لا يولَد له، وكان له عدد من العرافين قد أخبروه بأنه سوف يولد له رغم ذلك ولدٌ، إلا أن هذا الولد سوف يقتله ويتزوج أمه "جوكاستا" زوجة الملك، وعندما وضعت "جوكاستا" ولدًا، أشار العرافون عليه بالتخلص منه؛ حتى لا يكون هلاكه على يديه، ومن ثَم أمر الملك أحدَ مستشاريه بأن يحمل الطفل ويقتله في الصحراء بعيدًا عن المدينة، لكن الرجل أشفق على الطفل، فلم يقتلْه، بل تركه عند راع من الرعاة فرِحَ به فرحًا شديدًا، إذ لم يكن ينجب أطفالًا، وهناك عاش "أوديب" مع الرعاة حياة قاسية خشنة لا يعرف أبًا غير ذلك الراعي. وفي ذات يوم مرض الراعي فخرج "أوديب" بالأغنام وحده، فإذا به يرى موكبًا عظيمًا أمامه، وإذا بصاحب الموكب يطلب منه أن يفسح الطريق، لكنه رفض، وعندئذٍ عرَض عليه القائد المبارزة، فتقاتلَا لينتصر "أوديب" عليه ويقتله، وهنا شرع ضميره يعذبه تأنيبًا، إذ كيف يقتل رجلًا شيخًا؟! ثم زاد إحساسه بالذنب ففكر في معاقبة نفسه، فترك الأغنام، وهام على وجهه في الصحراء، وظل سائرًا إلى أن قادته قدمه إلى مشارف المدينة، فوجد على بوابتها أناسًا يعرضون على مَن يقتل "سفينكس" الواقف على بوابة مدينتهم، ويخلصهم منه ومن شره، أن يصبح ملكًا عليهم، وهذا "سفينكس" حيوان له رأس امرأة، وجسم أسد، وجناح طائر، يقسوا على أهالي طيبة ويسومهم سوءَ العذاب.

стр. 352

وكانت الآلهة قد أرسلته إلى طيبة، ليسأل الناس عن بعض الألغاز، ومَن لم يحل تلك الألغاز يقوم بقتله، وقد دفع هذا الوضع "كربون" خليفة الملك "لايوس" أن يعلن للناس بأن كل من يخلص البلد من محنتها التي يسببها لها هذا المخلوق الشرير، من حقه أن يتولى العرش، ويتزوج أرملة "لايوس" الملكة الجميلة "جوكاستا". وعندما دخل "أوديب" المدينةَ قابله "سفينكس" وسأله: ما هو الحيوان الذي يمشي على أربع صباحًا، وعلى اثنتين ظهرًا وعلى ثلاث مساءً؟ وكان جواب "أديب" أنه الإنسان، فهو في طفولته يحبو على أربعة، وعندما يكبر يمشي على اثنتين، وعند الشيخوخة يستعين بالعصا إلى جانب قدميه، ومن ثم يكون مشيه على ثلاث. وهناك روايتين عن مصير "سفينكس" بعد سماع الجواب، فالأولى تقول: إنه انتحر، والأخرى: إن "أوديب" قتله، ونتيجةً لذلك الجميل نصبه أهل المدينة ملِكًا عليهم، وتزوج الأرملة "جوكاستا"، وظن أهل المدينة أن الكوارث قد ذهبت عنهم بعد أن صار ملكهم شابًا قويًّا، إلا أن اللعنات ظلت تتوالى على المدينة، وازداد حالها سوءًا، فاستدعى الملك "أوديب" العرافين، لكنهم لم يتوصلوا إلى الحقيقة، إلى أن أتى رجل كبير السن وطلب الأمان قبل أن يتكلم، فأعطوه ما أراد، وعندئذٍ أمر الشيخُ "أوديبَ" بأن يخلع ثيابه، ففعل، فنظر الشيخ إلى ظهره قائلًا: هذه علامة تدل على أنك أنت ابن "لايوس"، وأنك أنت قاتل أبيك وزوج أمك، فشعر "أوديب" بأنه ارتكب ذنبًا إدًّا لا بد له من كفارة حتى ترضى الآلهة عنه، ومن ثم فقأ عينيه وغادر المدينة إلى الصحراء؛ عقابًا لنفسه على فعلته، وعلى مخالفة أوامر الآلهة.

стр. 353

ولقد حاول المؤلفون الأوربيون تحويل المسرحية ففشلوا فشلًا ذريعًا، كما حاول ذلك توفيق الحكيم المسلم، الذي حكم الناقد السويسري "ألويس دون ماريناك" أنه قد فشل في عمله أيضًا، رغم ما في محاولته من جمال، وهو ما أقر به الحكيم عن نفسه كذلك. وتكمن المشكلة في أن الخرافة الوثنية لاصقة في مسرحية "سوفوكليس"، فلا يمكن إبعادها إلا بتشويه العمل، والخروج عن المحاكاة إلى شيء آخر، وقد أبعد أديبنا المصري كثيرًا من عناصر الأسطورة عن مسرحيته؛ لأن المسلم لا يعتقد أن الإنسان مجبر جبريةً مطلقةً كما هو الحال في مسرحية الأديب الإغريقي، كما أن الإسلام يرفض تمامًا فكرة الإله القاسي، الذي يكتب على عبده الشقاءَ اللازمَ من قبل أن يولَد، وعلى نحو لا يمكنه أن يتفاداه مهما صنَعَ، وفوق هذا فالمسلم لا يعتقد أن أحدًا من الخلق يمكنه أن يعلم الغيب أبدًا، على عكس ما تقوله المسرحية الإغريقية من أن العرَّاف كان يعلم ما سوف يقع لـ"أوديب" من مصائب، وأنه قد أخبره بذلك، وأن "أوديب" قد حاول بكل ما أوتي من قوة تجنب الكارثة، إلا أن محاولاته قد ضاعت عبثًا. بل إنه كلما كان أوغل في البعد يقترب رغمًا عن أنفه مما حاول الابتعاد عنه وتفاديه. ومما لجأ إليه توفيق الحكيم من تحويلٍ في المسرحية كي تتفق مع العقيدة الإسلامية إلغاءه النبوءة التي عرف منها "أوديب" أنه سوف يقتل أباه ويتزوج أمه، والتي عمل كل ما في وسعه كي يتجنب آثارها، لكن ضاعت جهوده كلها رغم ذلك سدًى كما نعرف، وقد أثبت توفيق الحكيم رأي الأستاذ السويسري ورده هو عليه في آخر المسرحية المذكورة.

стр. 354

أما مسرحية (مأساة الحلاج) لصلاح عبد الصبور، فتعالج قصة مقتل الحسين من منصور المشهور بالحلاج في بغداد عام ٣٠٩ للهجرة، بعد محاكمته أمام ثلاثة قضاة، وتتخذ من شخصية هذا الشاعر الصوفي مناسبةً لطرح قضية الالتزام، كيف يا ترى يلتحم الأديب بمشكلات عصره؟ وهل يقتصر على تسجيل رأيه؟ أو ينزل إلى ساحة العمل فيرتكب العنفَ من أجل التغيير؟ وقد كتب الدكتور حمدي السكوت في مجلة "فصول" في أكتوبر سنة ١٩٨١م مقالًا عن صلاح عبد الصبور في اللغة الإنجليزية، جاء فيه عن موضوعنا: تكاد (مأساة الحلاج) أن تستأثر بكل ما كتب من مقالات حول صلاح عبد الصبور -يقصد باللغة الإنجليزية- ربما لأنها ترجمت ونشرت بالإنجليزية منذ تسع سنوات، ومن ثَم فقد وَجَد الدارسون الناطقون بالإنجليزية، والأجانب عمومًا، نصًّا متاحًا لعمل كامل يعد من أفضل أعمال الشاعر، فنشروا عنه مقالات عديدة. ويستأثر مترجم المسرحية الدكتور خليل سمعان بنصيب الأسد مما كتب من مقالات في الإنجليزية، فقد نشر في مجلة "دراسات في الأدب المقارن" " Comparative Liteaure St u dies" مقالًا بعنوان: " T.S. Eliot,s Influence on Arabic Poetry and Theatre": " أثر تي. إس. إليوت على الشعر والمسرح العربيين". ثم نشر مع الترجمة مقدمةً عنوانها: "تي. إس. إليوت وصلاح عبد الصبور: دراسة في العلاقات الأدبية بين الشرق والغرب". ثم نشر في "المجلة العالمية بدراسات الشرق الأوسط" مقالين؛ أولهما عن: " Drama as a v ehicle of Protest in Nasir,s Egypt": " المسرحية باعتبارها وسيلة للاحتجاج في مصر في عهد عبد الناصر" والثاني بعنوان: " Islamic Mysticism in Modern Arabic

стр. 355

Poetry and Dr a ms " التصوف الإسلامي في الشعر العربي الحديث والدراما ". أما المقال الذي نشره الدكتور سمعان في " International Journal of M. E. S" بعنوان: "المسرحية باعتبارها وسيلةً للاحتجاج في مصر في عهد عبد الناصر"، فيقرر فيه الكاتب أن صلاح عبد الصبور -وهو واحد من أبرز كتاب المسرح العربي المعاصر الذين عاشوا فترة الستينيات في القاهرة- قد عانَى ما عاناه المثقفون المصريون في تلك الفترة، واختار عن وعي حياة الحلاج واستشهاده؛ ليطلق صرخةً من القلب ضد ما يعتبره هو فسادًا سياسيًّا. ثم يقدم الكاتب ملخصًا سريعًا للمسرحية، مبرزًا أن صلاح عبد الصبور نشر المأساة -والعنوان مختار عن عَمْد، يقصد (مأساة الحلاج) - خارج وطنه، وقد قُوبل نشرها بالترحاب كقمة الشجاعة الاشتراكية. والكاتب يرى أيضًا هذا الرأي، ويروي أن صلاح عبد الصبور قد حاول أن يصف الأوضاع بدراسة وبلاغية ورصانة، واستخدم الحلاج ليتحدث نيابةً عنه حول الفقر على النحو التالي: فقر الفقراء جوع الجوعَى في أعينهم تتوهج ألفاظ لا أوقن معناها أحيانًا أقرأ فيها ها أنت تراني لكن تخشَى أن تبصرني لعن الديان نفاقك
следующие страницы →