← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أبيه وأمه؛ كي لا يتورط فيما قال العرَّاف إنه سوف يقع منه، وهو ما لم يجده نفعًا بَتاتًا، إذ المكتوب لا مهرب منه. وتدور أحداث القصة الأسطورية بأرض مصر القديمة، إذ يقال: إنه كان هناك ملك اسمه "لايوس" يحكم مدينة طيبة، وكان هذا الملك لا يولَد له، وكان له عدد من العرافين قد أخبروه بأنه سوف يولد له رغم ذلك ولدٌ، إلا أن هذا الولد سوف يقتله ويتزوج أمه "جوكاستا" زوجة الملك، وعندما وضعت "جوكاستا" ولدًا، أشار العرافون عليه بالتخلص منه؛ حتى لا يكون هلاكه على يديه، ومن ثَم أمر الملك أحدَ مستشاريه بأن يحمل الطفل ويقتله في الصحراء بعيدًا عن المدينة، لكن الرجل أشفق على الطفل، فلم يقتلْه، بل تركه عند راع من الرعاة فرِحَ به فرحًا شديدًا، إذ لم يكن ينجب أطفالًا، وهناك عاش "أوديب" مع الرعاة حياة قاسية خشنة لا يعرف أبًا غير ذلك الراعي. وفي ذات يوم مرض الراعي فخرج "أوديب" بالأغنام وحده، فإذا به يرى موكبًا عظيمًا أمامه، وإذا بصاحب الموكب يطلب منه أن يفسح الطريق، لكنه رفض، وعندئذٍ عرَض عليه القائد المبارزة، فتقاتلَا لينتصر "أوديب" عليه ويقتله، وهنا شرع ضميره يعذبه تأنيبًا، إذ كيف يقتل رجلًا شيخًا؟! ثم زاد إحساسه بالذنب ففكر في معاقبة نفسه، فترك الأغنام، وهام على وجهه في الصحراء، وظل سائرًا إلى أن قادته قدمه إلى مشارف المدينة، فوجد على بوابتها أناسًا يعرضون على مَن يقتل "سفينكس" الواقف على بوابة مدينتهم، ويخلصهم منه ومن شره، أن يصبح ملكًا عليهم، وهذا "سفينكس" حيوان له رأس امرأة، وجسم أسد، وجناح طائر، يقسوا على أهالي طيبة ويسومهم سوءَ العذاب.

стр. 352

وكانت الآلهة قد أرسلته إلى طيبة، ليسأل الناس عن بعض الألغاز، ومَن لم يحل تلك الألغاز يقوم بقتله، وقد دفع هذا الوضع "كربون" خليفة الملك "لايوس" أن يعلن للناس بأن كل من يخلص البلد من محنتها التي يسببها لها هذا المخلوق الشرير، من حقه أن يتولى العرش، ويتزوج أرملة "لايوس" الملكة الجميلة "جوكاستا". وعندما دخل "أوديب" المدينةَ قابله "سفينكس" وسأله: ما هو الحيوان الذي يمشي على أربع صباحًا، وعلى اثنتين ظهرًا وعلى ثلاث مساءً؟ وكان جواب "أديب" أنه الإنسان، فهو في طفولته يحبو على أربعة، وعندما يكبر يمشي على اثنتين، وعند الشيخوخة يستعين بالعصا إلى جانب قدميه، ومن ثم يكون مشيه على ثلاث. وهناك روايتين عن مصير "سفينكس" بعد سماع الجواب، فالأولى تقول: إنه انتحر، والأخرى: إن "أوديب" قتله، ونتيجةً لذلك الجميل نصبه أهل المدينة ملِكًا عليهم، وتزوج الأرملة "جوكاستا"، وظن أهل المدينة أن الكوارث قد ذهبت عنهم بعد أن صار ملكهم شابًا قويًّا، إلا أن اللعنات ظلت تتوالى على المدينة، وازداد حالها سوءًا، فاستدعى الملك "أوديب" العرافين، لكنهم لم يتوصلوا إلى الحقيقة، إلى أن أتى رجل كبير السن وطلب الأمان قبل أن يتكلم، فأعطوه ما أراد، وعندئذٍ أمر الشيخُ "أوديبَ" بأن يخلع ثيابه، ففعل، فنظر الشيخ إلى ظهره قائلًا: هذه علامة تدل على أنك أنت ابن "لايوس"، وأنك أنت قاتل أبيك وزوج أمك، فشعر "أوديب" بأنه ارتكب ذنبًا إدًّا لا بد له من كفارة حتى ترضى الآلهة عنه، ومن ثم فقأ عينيه وغادر المدينة إلى الصحراء؛ عقابًا لنفسه على فعلته، وعلى مخالفة أوامر الآلهة.

стр. 353

ولقد حاول المؤلفون الأوربيون تحويل المسرحية ففشلوا فشلًا ذريعًا، كما حاول ذلك توفيق الحكيم المسلم، الذي حكم الناقد السويسري "ألويس دون ماريناك" أنه قد فشل في عمله أيضًا، رغم ما في محاولته من جمال، وهو ما أقر به الحكيم عن نفسه كذلك. وتكمن المشكلة في أن الخرافة الوثنية لاصقة في مسرحية "سوفوكليس"، فلا يمكن إبعادها إلا بتشويه العمل، والخروج عن المحاكاة إلى شيء آخر، وقد أبعد أديبنا المصري كثيرًا من عناصر الأسطورة عن مسرحيته؛ لأن المسلم لا يعتقد أن الإنسان مجبر جبريةً مطلقةً كما هو الحال في مسرحية الأديب الإغريقي، كما أن الإسلام يرفض تمامًا فكرة الإله القاسي، الذي يكتب على عبده الشقاءَ اللازمَ من قبل أن يولَد، وعلى نحو لا يمكنه أن يتفاداه مهما صنَعَ، وفوق هذا فالمسلم لا يعتقد أن أحدًا من الخلق يمكنه أن يعلم الغيب أبدًا، على عكس ما تقوله المسرحية الإغريقية من أن العرَّاف كان يعلم ما سوف يقع لـ"أوديب" من مصائب، وأنه قد أخبره بذلك، وأن "أوديب" قد حاول بكل ما أوتي من قوة تجنب الكارثة، إلا أن محاولاته قد ضاعت عبثًا. بل إنه كلما كان أوغل في البعد يقترب رغمًا عن أنفه مما حاول الابتعاد عنه وتفاديه. ومما لجأ إليه توفيق الحكيم من تحويلٍ في المسرحية كي تتفق مع العقيدة الإسلامية إلغاءه النبوءة التي عرف منها "أوديب" أنه سوف يقتل أباه ويتزوج أمه، والتي عمل كل ما في وسعه كي يتجنب آثارها، لكن ضاعت جهوده كلها رغم ذلك سدًى كما نعرف، وقد أثبت توفيق الحكيم رأي الأستاذ السويسري ورده هو عليه في آخر المسرحية المذكورة.

стр. 354

أما مسرحية (مأساة الحلاج) لصلاح عبد الصبور، فتعالج قصة مقتل الحسين من منصور المشهور بالحلاج في بغداد عام ٣٠٩ للهجرة، بعد محاكمته أمام ثلاثة قضاة، وتتخذ من شخصية هذا الشاعر الصوفي مناسبةً لطرح قضية الالتزام، كيف يا ترى يلتحم الأديب بمشكلات عصره؟ وهل يقتصر على تسجيل رأيه؟ أو ينزل إلى ساحة العمل فيرتكب العنفَ من أجل التغيير؟ وقد كتب الدكتور حمدي السكوت في مجلة "فصول" في أكتوبر سنة ١٩٨١م مقالًا عن صلاح عبد الصبور في اللغة الإنجليزية، جاء فيه عن موضوعنا: تكاد (مأساة الحلاج) أن تستأثر بكل ما كتب من مقالات حول صلاح عبد الصبور -يقصد باللغة الإنجليزية- ربما لأنها ترجمت ونشرت بالإنجليزية منذ تسع سنوات، ومن ثَم فقد وَجَد الدارسون الناطقون بالإنجليزية، والأجانب عمومًا، نصًّا متاحًا لعمل كامل يعد من أفضل أعمال الشاعر، فنشروا عنه مقالات عديدة. ويستأثر مترجم المسرحية الدكتور خليل سمعان بنصيب الأسد مما كتب من مقالات في الإنجليزية، فقد نشر في مجلة "دراسات في الأدب المقارن" " Comparative Liteaure St u dies" مقالًا بعنوان: " T.S. Eliot,s Influence on Arabic Poetry and Theatre": " أثر تي. إس. إليوت على الشعر والمسرح العربيين". ثم نشر مع الترجمة مقدمةً عنوانها: "تي. إس. إليوت وصلاح عبد الصبور: دراسة في العلاقات الأدبية بين الشرق والغرب". ثم نشر في "المجلة العالمية بدراسات الشرق الأوسط" مقالين؛ أولهما عن: " Drama as a v ehicle of Protest in Nasir,s Egypt": " المسرحية باعتبارها وسيلة للاحتجاج في مصر في عهد عبد الناصر" والثاني بعنوان: " Islamic Mysticism in Modern Arabic

стр. 355

Poetry and Dr a ms " التصوف الإسلامي في الشعر العربي الحديث والدراما ". أما المقال الذي نشره الدكتور سمعان في " International Journal of M. E. S" بعنوان: "المسرحية باعتبارها وسيلةً للاحتجاج في مصر في عهد عبد الناصر"، فيقرر فيه الكاتب أن صلاح عبد الصبور -وهو واحد من أبرز كتاب المسرح العربي المعاصر الذين عاشوا فترة الستينيات في القاهرة- قد عانَى ما عاناه المثقفون المصريون في تلك الفترة، واختار عن وعي حياة الحلاج واستشهاده؛ ليطلق صرخةً من القلب ضد ما يعتبره هو فسادًا سياسيًّا. ثم يقدم الكاتب ملخصًا سريعًا للمسرحية، مبرزًا أن صلاح عبد الصبور نشر المأساة -والعنوان مختار عن عَمْد، يقصد (مأساة الحلاج) - خارج وطنه، وقد قُوبل نشرها بالترحاب كقمة الشجاعة الاشتراكية. والكاتب يرى أيضًا هذا الرأي، ويروي أن صلاح عبد الصبور قد حاول أن يصف الأوضاع بدراسة وبلاغية ورصانة، واستخدم الحلاج ليتحدث نيابةً عنه حول الفقر على النحو التالي: فقر الفقراء جوع الجوعَى في أعينهم تتوهج ألفاظ لا أوقن معناها أحيانًا أقرأ فيها ها أنت تراني لكن تخشَى أن تبصرني لعن الديان نفاقك

стр. 356

أحيانًا أقرأ فيها في عينك يذوي إشفاق، تخشى أن يفضح زهوك ليسامحك الرحمن قد تدمع عيني عندئذ .. قد أتألم أما ما يملأ قلبي خوفًا، يضني روحي فزعًا وندامة فهي العين المرخاة الهدب فوق استفهام جارح أين الله؟؟ والمسجونون المصفودون يسوقهم شرطي مذهوب اللب قد أشرع في يده سَوْطًا لا يعرف مَن في راحته قد وضعه مَن فوق ظور المسجونين الصرعى قد رفعه ورجال ونساء قد فقدوا الحريةَ اتخذتهم أربابًا من دون الله عبيدًا سخريًّا ثم يقتبس الكاتب أبياتًا أخرى كثيرة يرى أن بعضها يدين السلطة، وبعضها يدين المحاكمة ونظام الحكم المفلس .. وهكذا.

стр. 357

أما المقال الثاني الذي نشر بتاريخ لاحق في نفس المجلة في نوفمبر ١٩٧٩ حول "التصوف الإسلامي في الشعر العربي والدراما"، فيبدؤه الكاتب بمقدمة عن التصوف، وعن تاريخ الحلاج. ثم يُتبعها بتقديم صورة الحلاج في ديوان البياتي "سفر الفقر والثورة" وصورته في (مأساة الحلاج) مكتفيًا تقريبًا بأشعار كل من الشاعرين، ومبررًا ذلك بقوله: في هذه الدراسة يُسمَح للفنانين أن يعرضَا بنفسيهما وجهة نظرهما، فالكاتب -يقصد نفسه- يقوم فقط بدور المرشد الذي يقدم المتكلمين إلى المسرح، وينبه إلى الملامح البارزة لما يقولون، ويوضح المغزَى، ويلخص المحتوى كله. وبعد أن يلاحظ أن القراء عادةً ما يضيقون بالاقتباسات الطويلة، ويتخطونها في قراءتهم، يقرر أن هذا لو حدث بالنسبة لهذه الدراسة فسيكون خطأً فادحًا؛ لأن المقتبسات هنا هي الدراسة. ومنذ أن ترجم الدكتور خليل سمعان (مأساة الحلاج) وهو يعتقد أن صلاح عبد الصبور قد تأثر في كتابتها بمسرحية إليوت (جريمة قتل في الكاتدرائية)، وذلك واضح حتى في العنوان الذي اختاره للمسرحية بعد ترجمتها وهو (جريمة قتل في بغداد) " Murder in Baghdad" لكي يثير انتباه القارئ منذ الوهلة الأولى إلى مسرحية إليوت " Murder in the Cathedral". وتوضح مقدمة الدكتور سمعان للترجمة الإنجليزية: أولًا: أن أي علاقة بين المسرحيتين لا يمكن أن تقوم على المصادفة أو توارد الخواطر؛ نظرًا للاختلاف الشديد بين الثقافتين اللتين ينتمي إليهما الشاعران. ثم يقرر الكاتب أنه سيدرس أثر إليوت على صلاح عبد الصبور من خلال ربط مسرحية إليوت (جريمة قتل في الكاتدرائية) بمسرحية صلاح عبد الصبور (مأساة

стр. 358

الحلاج)، ويقدم عرضًا موجزًا لتاريخ حياة الحلاج، موضوع المسرحية، لينتقل من ذلك إلى عرض أحداث المسرحية في إيجاز. ثم يقول: إن التشابه بين مسرحية إليوت (جريمة قتل في الكاتدرائية) ومسرحية عبد الصبور (مأساة الحلاج) تشابه يلفت النظر، فكلتاهما كتبت في الشعر الحر، وفي فصلين، وكلتاهما تتناول أحداثًا تاريخيةً ودينيةً تشكل جزءًا حقيقيًّا من الثقافة التي ينتمي إليها كاتبها، وكلا الشاعرين يضمن النظم مقطوعات جد بليغة من النثر، وهو نثر يثير التقاليد الدينية الخاصة بكل منهما. والدافع الحقيقي للاستشهاد في كلتا الحالتين مبهم: في مقدمة المسرح يقف الفرسان في مسرحية إليوت، وفي مسرحية عبد الصبور تقف المجموعة التي تصيح مطالبةً بصلب الحلاج، ومن خلفهم قف إنسان غير واضح المعالم، وهو الملك هنري في مسرحية إليوت، وقضاة صلاح عبد الصبور الذين يدينون الحلاج، حيث يقدم إليوت مسألة استعداد "بيكت" للسعي إلى الموت الذي يلوح أمامه، ويثير صلاح عبد الصبور مسألةً مشابهةً من خلال المريدين الذين يزعمون أنهم قد تسببوا في استشهاد الحلاج بِناءً على رغبته. وهكذا، فإن المسرحيتين في أبعد مستوًى لهما ترتكزان على إرادة الاستشهاد. ولكن كلا القتيلين مع ذلك متقبل لمصيره بابتهاج، يقول "بيكت": إن كل شيء يسير نحو إنجاز بهيج، ويسعى الحلاج إلى متعة منح حياته لله. ويوضح سمعان أن الفرق بين موقف الرجلين - المتمثلة في تطوع الحلاج بمنح حياته لله من جهة، وقناعة "بيكت" بتنفيذ المقدور من جهة أخرى- هذا الفرق ناجم عن الاختلاف بين المسرحية الأرثوذوكسية وبين التصوف الإسلامي. موضحًا الفروق بينه -أي: بين التصوف- وبين الإسلام كدين. ثم يشير سمعان في ختام مقاله إلى أن

стр. 359

المادة التي يستخدمها عبد الصبور، وإن كانت تختلف كثيرًا عن مادة إليوت، فمن الواضح أنه قد وجد في الألوان التكتيكية عند إليوت ما أفاده في معالجة مادته هو، سواء من حيث البناء، وفي عدد الفصول، وفي استخدام الكورس، أو من حيث المضمون في غموض الدافع وراء الحدث، وتأثير إليوت يمكن ملاحظته في تفاصيل أخرى، وفي بعض أعمال عبد الصبور الأخرى. ولي تعليق على اتخاذ صلاح عبد الصبور من الحلاج رمزًا على المصلح الاجتماعي والسياسي في مسرحيته -التي نحن بصددها- ألا وهو أن الشاعر قد حمل الحلاج الذي نعرفه ما لا تحتمله شخصيته، إذ هو في الواقع ليس سوى صوفي خارج عن العقيدة الإسلامية، فقد كان يقول بالحلول والاتحاد، وما إلى ذلك من الأفكار التي لا يقرها الإسلام، ومن كلامه قوله: أين الحق؟ ما في الجبة إلا الله وقوله أيضًا: أنا مَن أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا كما أن له كلامًا عن الناسوت واللاهوت ينفر منه الضمير المسلم نفورًا شديدًا، ولا يمكن أن يسمعه في هدوء، يقول: سبحان من أظهر ناسوته ... سر سنا لاهوته الثاقب ثم بدَا محتجبًا ظاهرًا ... في صورة الآكل الشارب ويقول أيضًا:

стр. 360

مُزجت ْ روحي وروحك كما ... تمزَج الخمرة بماء الزلال ولم يعرف عنه يومًا أنه كان مصلحًا أو كان يهتم بشيء من هذا، بل كان يتظاهر أمام كل إنسان بما يوافق معتقده، فضلًا عما كان يمارسه من شعبزات ومخاريق، وهناك شهادة لزوجة ابنه لا تجعلنا نستريح إلى ذلك الرجل، إذ يبدو أنه كان يطمع في النيل من عِرْضها، وفي عصرنا هذا -للأسف- هناك أدباء ينتمون للإسلام يختارون رموزهم الأدبية من أمثال الحلاج، الخارجين على الدين، جاعلينهم أبطالًا، مع أنهم لم يكونوا من البطولة ولا كانت البطولة منهم في شيء. ولا أدل على ذلك من أن الحلاج كان يرتعد من فكرة الموت، فكان يستعطف قضاته، قائلًا: اللهَ اللهَ في دمي، فكيف يقال: إنه كان يسعى إلى الاستشهاد والموت في سبيل مبادئه الاجتماعية والسياسية التي قام يدعو إليها!!. ومن هنا فإن ما كتبه بعض النقاد عن تلك المسرحية، من أن صلاح عبد الصبور قد توقف طويلًا أمام شخصية الحلاج، وقرأ ما كتبه القدامَى والمستشرقون عن هذه الشخصية، وآثَرَ أن يبعثها بعثًا جديدًا في صورة الثائر الديني، والمصلح الاشتراكي، فقدم لنا بطلًا قضيته الأساسية هي محاربة الظلم والفقر بمعناهما الروحي والمادي، ومن ثَمَّ ركز على الجوانب التي تجعل منه رجلًا ربانيًّا يكره الطغيان وينشد العدل، وأنه بما أعطاه الله من نور المعرفة كان يعرف دوره كالثائر الديني، فقام بخلع الخِرقة التي تعني تجرد الصوفي من متاع الدنيا ونزل إلى الناس، واعيًا أن الصوفي الذي يرى إرضاء الله بشعار الخرقة سيرضيه أيضًا بخلعها في سبيل الدفاع عن مصالح عباده.

стр. 361

هذا الكلام الذي كتبه بعض النقاد لا يقنع العقل أبدًا، إذ هو يختلف تمامًا عن الحلاج الذي نعرفه من واقع التاريخ الحقيقي -حسبما وضحنا- كما أن قول صلاح عبد الصبور على لسان الحلاج: إنه قد لبس الخرقةَ؛ إرضاءً لله سبحانه، وإقرارًا له بالعبودية، هو شيء لا يقره الإسلام، فالإسلام لا يعرف شيء اسمه الخرقة، فضلًا عن أن تكون تلك الخرقة دليلًا عن إقرار لابسها بعبودية الله تعالى، وفوق ذلك فقول عبد الصبور على لسان ذلك الصوفي المتمرد، موجهًا الخطاب إليه : يا رب اشهد هذا ثوبك وشعارُ عبوديتنا لك وأنا أجفوه أخلعه في مرضاتك يا رب اشهد وهو كلام غير مفهوم وغير مقبول عندنا نحن المسلمين، إذ كيف يتقرب العبد إلى ربه بخلع دليل عبوديته له -سبحانه- وجفائه إياه؟ إن هذا منطق البهلوانين لا منطق المؤمنين العقلاء. يقول الحلاج: تعني هذه الخرقة! إن كانت قيدًا في أطرافي

стр. 362

يلقيني في بيتي جنب الجدران الصماء حتى لا يسمع أحبابي كلماتي فأنا أجفوها أخلعها يا شيخ إن كانت شارة ذلٍ ومهانةٍ رمزًا يفضح أن جمعنا فقر الروح إلى فقر المال فأنا أجفوها أخلعها يا شيخ إن كان السر منسوجًا من أن نيتنا كي يحجبنا عن عين الله فنُحجب عن عين الله فأنا أجفوها أخلعها يا شيخ يارب اشهد هذا ثوبُك وشعار عبوديتنا لك وأنا أجفوه أخلعه في مرضاتك

стр. 363

يا رب اشهد .. يا رب اشهد أما تعليق بعض النقاد على ذلك بقوله: إن الحلاج عندما يخلع الخرقة فإنما يريد أن يكون حرًّا، حتى لا تكون هذه الشارة قيدًا على عقله وعلى لسانه، يمنعه من التفكير في أسباب امتلاء دُنيا الله بالفقر والقهر والمهانة. وتعني أيضًا: أنه يخلع أي قيد يمنعه من التفكير الحر، والاختيار الحر لسلوكه ومواقفه، بوصفه إنسانًا مسئولًا، ما دام قد أعطاه الله مِنة العقل، ونور المعرفة، وإن الحلاج لم يستأثر بما حصله من يقين وفهم ومعرفة، ولا بالموقف الذي أوقفه الله فيه، إذ عرَف أن ما حققه من الوعي والحب لا يعني أن يبحث كل منا عن دَرْب خلاصه، كما ينصحه صديقه الشبلي إنه يعرف: لِمَ يَخَتْارُ الرَّحمْنَ شُخُوصًا مِنْ خَلْقِهْ ليُفرّقَ فيهمْ أّقبْاسًا منْ نُورِه هَذَا ليكُونوا مِيَزانَ الكَوْنِ المُعْتَلّْ ويفيضوا نُور اللَّهِ عَلَى فُقَراءِ القَلْبْ ولذا، فإنه لا يبحث عن خلاصه الفردي، وكيف يبحث عن خلاصه الفردي والكون قد امتلأ بأنواع عديدة من الشر؟ هذا التعليق الذي علَّق به بعض النقاد تعليق عجيب، فلو كانت الخرقة شعارًا لعبودية الإنسان لربه، فكيف يكون خلعها سبيلًا إلى التفكير الحر المنعتق من القيود؟ أَتُرى عبودية الإنسان لربه تقيده وتمنعه من التفكير في مصلحة العباد من حوله، والعمل على إقامة المِعوج من دنياهم؟ مَن يقولُ هذا؟!

стр. 364

كذلك فتصوير الشاعرُ الحلاجَ في صورة المتحير الذي لا يدري ماذا يصنع لمحاربة الفقر والظلم في المجتمع، هو تصوير يجافي الواقعَ -كما قلنا- لأن المعروف أن الحلاج لم يكن يفكر في موضوعات كهذه على الإطلاق، بل كان رجلًا صوفيًّا، يقول بالحلول والوَحدة مع الله، وما إلى ذلك، مما لا يقبله الإسلام. يقول الحلاج: اخترْتُ لنفسي ماذا أختار؟ هلْ أرفعُ صوتي؟ أمْ أرفعُ سيْفي؟ ماذا أختارْ؟ ماذا أختارْ؟ وقد وقع صلاح عبد الصبور في كل هذه المزانق؛ لأنه وضع نُصْب عينه -فيما يبدو- سيرة "توماس بيكيت" والمسرحية التي كتبها عن إليوت، فأراد أن تكون له مسرحية تشبهها، غافلًا عن أن شخصية بطلي المسرحتين مختلفتان، والسياقين مختلفان، والدوافع وراء قَتْل كل من الرجلين مختلفة، وهكذا. لقد كان "توماس بيكيت" -وهو من أهل القرن الثاني عشر الميلادي- أسقفًا لكنيسة "كانتبري"، وعُرِفَ عنه رغبته في الحفاظ على استقلال الكنيسة الإنجليزية من التدخل الملكي. وفي عام ١٢٥٥ميلادية، قام الملك "هنري" الثاني بتعينه كبيرًا لقضاة إنجلترا، فعاش "بيكيت" حياة رغدة، وأصبح الرفيق المفضل لذلك الملك، وفي عام ١١٦٢م، عينه الملك أسقفًا لـ"كانتبري"، فتولى مهام منصبه توليًا جادًّا، وأصبح مدافعًا عن حقوق الكنيسة ضد السلطات الملكية. وقد توالت الخلافات

стр. 365

المريرة بين "بيكيت" والملك "هنري"، نظرًا لمحاولة الأخير السيطرة على كنيست إنجلترا، وقاوم "بيكيت" محاولات الملك جمع الضرائب من ملاك الأراضي، والأراضي المملوكة للكنيسة، كما قاوم محاكمة مسئولي الكنيسة المتهمين بجرائم خطرة. وفي عام ١١٦٤م خشي "بيكيت" على حياته وفَرَّ إلى فرنسا، ولكنه عاد إلى إنجلترا عام ١١٧٠م، وسرعان ما عاود معارضته للسلطات الملكية مما تسبب في غضب الملك عليه، وفي اجتماع لفرسان الملك تساءل الملك: هل لدى أي واحد منهم الشجاعة الكافية لتخليصه من أحد الرهبان المشاغبين؟ وَعَدَّ بعض هؤلاء الفرسان أن ما قاله "هنري" هو رغبة ملكية، فذهبوا إلى "كانتبري" وقتلوا "بيكيت" في كاتدرائيتها. فأين "بيكيت" من الحلاج؟ وأين الحلاج من "بيكيت"؟ ثم هل دفاع "بيكيت" عن رجال الكنيسة المتهمين بجرائم خطيرة، واستماتته في إبعاد يد العدالة عنهم مما يصح دينيًّا أو سياسيًّا أو قانونيًّا أو أخلاقيًّا؟ قد يقال: إنه كان يريد استقلال الكنيسة عن سلطة الملك، لكن ما العَلاقة بين هذا وذاك؟ فلتكن الكنيسة مستقلة عن الملك كما تحب ويحب البابا ورجال الدين، لكن فليحاكَم كل من ارتكب الجريمة، وخاصةً حين تكون تلك الجريمة من النوع الخطر، وعلى وجه أخص إذا كان مجتنح الجريمة رجلًا من رجال الدين الذين ينبغي أن يكونوا مثالًا أعلى لسائر الناس، فلا يفكروا في ارتكاب الجرائم أصلًا، فضلًا عن أن يرتكبوها، ثم يعملوا على الهروب من تَبَعاتها، وبمساعدة الكنيسة ذاتها.

стр. 366

كذلك من الواضح أن "بيكيت" لم يكن يرد أن تدفع الكنيسة أية ضرائب للدولة، فهل هذا أيضًا مما يصح؟ قد يقال هنا كذلك؛ إنه كان يعرف أن الملك إنما يريد الضرائب لمصلحته هو، لكن هل كان يصح أن تحتجن الكنيسة كل تلك الممتلكات لنفسها، وهي التي تزعم أنها تسير على خطى المسيح في الزهد ونَبْذ أمور الدنيا؟ لو أنها كانت تنفق أموالها على الفقراء والمساكين والمحتاجين والمرضَى، لَكَان لهذا الاحتجان شيء من المعنى. أيًّا ما يكن الأمر، فالحق أنه لا توجد أي صلة بين الحلاج و"بيكيت"، حتى في طريقة قتل كل منهما، والظروف التي تم فيها ذلك القتل، والأسباب التي دعت إلى ذلك القتل، ويكفي أن نقول: إن الحلاج قد حُوكِمَ، أما "بيكيت" فقد قتل غيلةً. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 367

الدرس: ١٤ تأثر الأدب العربي بالآداب الغربية (٢) .

стр. 368

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (تأثر الأدب العربي بالآداب الغربية (٢)) تعريف القصة، والفرق بينها وبين الملحمة والمسرحية التأثر في ميدان القصة. و"القصة": فن من الفنون الأدبية القديمة، إذ لا أظن أن ثمة مجتمعًا بشريًا، قديمًا أو حديثًا، يمكن أن يخلو من هذا الفن، فحب القصص نزعة فطرية في النفس الإنسانية، ولعل أقدم كتابة نقدية في هذا الموضوع هي ما كتبه أرسطو في كتابه (فن الشعر) عند كلامه عن الملحمة والمسرحية، ذلك أن الملحمة والمسرحية كلتاهما فن قصصي، كل ما في الأمر أن الملحمة كانت تنظم شعرًا، وأن المسرحية تقوم على الحوار، فلا سرد فيها إلا في أضيق نطاق، وذلك حين يضع المؤلف ملاحظاته السريعة الموجزة قبل بعض المشاهد كي يهتدي بها المخرج لدن تحويلها من عمل مكتوب إلى تمثيل حي على المسرح، فضلًا عن أن المسرحية، كانت تكتب أيام أرسطو شعرًا، وإن كتبت بعد ذلك نثرًا أيضًا. وفي كل من الملحمة والقصة والمسرحية، الحوادث والشخصيات والحوار والعقدة والحل والبناء الفني، كما أنّ المُواصفات التي يراعيها المبدع في كل فن من هذه الفنون، لا تكاد تختلف بشكل جذري عما ينبغي مراعاته في الفنين الآخرين، وقد قال أرسطو في كتابه (فن الشعر) Poetex: إن كل ما يصدق على الملحمة يصدق على المأساة "أي: مسرحية المأساة"، اللهم في أن الملحمة لا تنظم إلا في بحر واحد من بحور الشعر، كما أنها تنخذ الشكل السردي. علاوة على أن المأساة محكومة في طولها الزمني بدورة الشمس حول الأرض بمرة واحدة، أي بأربع وعشرين ساعة أو أزيد قليلًا إن كانت ثمة حاجة إلى ذلك، على حين أن زمن الملحمة مفتوح.

стр. 369

وهما كما يرى المستمع لا صلة بينهما وبين البناء الفني لهذين الجنسين الأدبيين، ولأن العناصر الموجودة في الملحمة هي نفسها تقريبًا العناصر الموجودة في المسرحية، نجده يؤكد أن من يستطيع الحكم الفني على إحداهما يستطيع الحكم على الأخرى، وبالمثل نراه يذكر أن المؤلف -أي: مؤلف- قد يروي قصته من خلال ضمير الغائب، أو من خلال ضمير المتكلم، أو من خلال ترك الشخصيات تتصرف أمامنا مباشرة، والأسلوب الأخير هو أسلوب المسرحية، أما الأسلوب الأول فأسلوب "هومر" في شعره الملحمي. إلا أنه لم يضرب لنا مثلًا يوضح به كيفية تقديم الشخص نفسه من خلال ضمير المتكلم، والمسرحية تتكون عنده من الحبكة والشخصية واللغة والفكرة والمنظر والأغنية، وفي رأيه أنّ الحَبكة أهم من رسم الشخصيات، وأساسها عدم تضمين العمل المسرحي والملحمي أي عنصر لا يضر العمل حذفه، وألا نحذف من العمل أي عنصر شأنه أن يصيب العمل بالتفكك والانهيار عند هذا الحذف. كذلك لا بد في رأيه أن يكون كل حدث مترتبًا على الحدث السابق عليه، وبالنسبة إلى الشخصيات: ينبغي أن تكون شخصيات حقيقية ممن نقابلها في الحياة، وأن ينم كلامها وسلوكها عليها وينسجم معها، وأن تكون متسقة مع نفسها ... إلى آخر ما كتب ذلك الفيلسوف عن المواصفات التي لا بد من مراعتها في كتابة المسرحية والملحمة، وهو أساس النقد القصصي عند الأوربيين وعند غير الأوربيين. والسؤال المعتاد في هذا الموضع هو: منذ متى عرف الأدب العربي فن القصص؟ وفي الجواب عن هذا نقول: إنّ بعض الدارسين يميلون إلى القول بأنّ القِصّة أحد الفنون الأدبية الطارئة على الأدب العربي، استمدها من الآداب الغربية في هذا

стр. 370

العصر، وهذا رأي خطير متسرع، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قصص كثير منه الديني ومنه السياسي ومنه الاجتماعي، ومنه الفلسفي، ومنه الوعظي، ومنه الأدبي ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي ومنه الرمزي ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفى بلغته، والبسيط المنساب. ومنه الطويل مثل رسالة النمر والثعلب لسهل ابن هارون، ورسالة التوابع والزوابع لابن شعيب، ورسالة الغفران للمعري، وسلامان وأبسال، ورسالة الطير لابن سينا،، ورسالة حي بن يقظان لكل من ابن سينا وابن الطفيل والسهروردي، وقصص ألف ليلة وليلة، وسيرة عنترة، وسيرة سيف بن ذي يزن. ومنه القصير كالحكايات التي ترص بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها "محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البيجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى في أربعة مجلدات كبار، وكليلة ودمنة لابن المقفع، والبخلاء للجاحظ، والفرج بعد الشدة ومشوار المحاضرة للقاضي التنوخي، والمقامات وعرائس المجالس للثعالبي، ومصارع العشاق لسراج القاري، وسلوان المطاع في عدوان الأتباع لابن غفل الصقلي، والمكافأة لابن الداية، وغرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة للوطواط. والمستطرف من كل فن مستظرف للأبشيري، وعجائب المقدور في أخبار تيمور، وفاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء لابن عرب شاه، وبعض قصص ألف ليلة وليلة أيضًا، وما ما ذكره ابن النديم في (الفهرست) من كتب الأسمار الخرافية التي ترجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رويت عن ملوك بابل أو ألفت

стр. 371

بالعربية فكانت حوالي ١٤٠ كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو ٨٠ كتابًا، كلها في أخبار العشاق في الجاهلية والإسلام. ودعنا مِمّا ألف بعد ذلك، ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشنفرة عن لقائه بالغول، وقصيدة الحطيئة و"طاوي ثلاث عاصب في البطن مرمل"، وكثير من قصائد عمر ابن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار الأسد، وهلم جرًّا. على أن ليس معنى ذكر الكتب والمؤلفات في هذا السياق أن الفن القصصي لم يُعرف عند العرب إلا في عصر التدوين، بعد أن انتشر نور الإسلام وتخلص العرب من الأمية، وأصبحوا أمة كاتبة قارئة مثقفة كأحسن ما تكون الأمم ثقافة وتحضرًا، بل كان هذا الفن معروفًا قبل ذلك في الجاهلية، وهذا الحكم يستند: أولًا: إلى أن حب القصص نزعة فطرية لا يمكن أن يخلو منها إنسان فضلًا عن مجتمع كامل؛ كالمجتمع العربي قبل الإسلام. وثانيًا: إلى أن لدينا قصصًا كثيرًا تدور وقائعه في الجاهلية وينتسب أبطاله إليها، وقد اقتصر دور الكتاب الأمويين والعباسيين على تسجيل ذلك القصص، وقد يكونون تدخلوا بأسلوبهم في صياغته، وهذا أبعد ما يمكن أن تكون أقلامهم قد وصلت إليه. ومن الواضح أن هذا القصص يصور المجتمع العربي قبل الإسلام تصويرًا لا يستطيعه إلا أصحابه، أما ما يقوله بعض المستشرقين ويتابعهم عليه بعض الكتاب

стр. 372

العرب من أن العرب ينقصهم الخيال والعاطفة، وأنهم من ثم لم يعرفوا فنّ القصص فأقل ما يقال فيه: هو أنه سخف وتنطع، إذ الميل إلى القصص هو ميل غريزي لدى كل البشر، كما أنّ الخيال والعواطف هبة من الله لم يَحرم منها أمة من الأمم، بل كل الأمم فيها سواء. وإذا كان الأوربيون في غمرة غرورهم وتصورهم الأحمق أنهم مركز الكون، وأن ذوقهم هو المعيار الذي ينبغي أن يأخذ به العالم أجمع، فما عذر بعضنا في ترديد هذا السخف الذي يراد به أول ما يراد الفت في عضدنا، وتوهين عزائمنا، وإشعارنا بالقلة والنقص إيذاءهم!!، وإذا كنا قد ترجمنا -ولا نزال نترجم- الأعمال القصصية التي يبدعها الغربيون، فقد ترجموا هم بدورهم كثيرًا من الأعمال القصصية التي أبدعها أجدادنا وتأثروا بها مثلما تأثرنا نحن بهم، ترجموها إلى اللغات الأوربية المختلفة. وكثيرًا ما ترجموا هذا العمل أو ذاك إلى اللغة الواحدة عدة مرات، وهي سنة كونية لا تتخلف أبدًا، كل أمة تأخذ من غيرها وتعطيها، وليردد الغربيون ما يشاءون في تمجيد أنفسهم وتفخيمها؛ فكل إنسان حر في أن يقول عن نفسه ما يريد، لكن العبرة بالمستمع الذي ينبغي أن يكون عاقلًا، فلا يصدق كل ما يقرع أذنه من كلام، حتى لو كان كلامًا مزقًا تافهًا لا يقبله العقل ويتناقض ومعطيات الحياة. وأختم تلك النقطة بالإشارة إلى أن غالبية كتاب القصة، ونقادها في بدايات العصر الحديث بمصر على سبيل المثال، لم يكونوا يرون فيها فنًّا جديدًا، بل مجرد امتداد لفن قديم عرفه العرب من قبل، ومن يطلب تفصيلًا أكثر يستطيع الرجوع إلى الباب الأول من كتابي (نقد القصة في مصر) من سنة ١٨٨٠ - ١٩٨٠م، في الفصل المسمى "القصة المصرية والتراث القصصي العربي".

стр. 373

أما الجديد حقًّا الذي عرفه القصص العربي في العصر الحديث، ولم يكن له وجود فيما خلفه لنا العرب القدماء في حدود ما نعلم، فهو رواية القصة على لسان عدة أشخاص من أبطالها كل يراها من زاويته، ويفسر ما يراه تفسيرًا يختلف كثيرًا أو قليلًا عن تفسير الرواة الآخرين، وهذا الشكل الفني أساسه فكرة النسبية التي أفرزها العصر الذي نعيش فيه. ومن ذلك أيضًا "تيار الوعي" وهو أحد مظاهر التأثر بالدراسات النفسية، ومن هذا الجديد كذلك المزج بين القصة والمسرحية، هذا المزج الذي تمثل في "بنك القلق" لتوفيق الحكيم وسماه صاحبه "مسرواية" وإن لم ينتشر كما كان يرجى له، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن السيرة الشعبية مثلًا كانت تمزج هي أيضًا بين الشعر والنثر، وإن اختلف في هذا المزج عن طريق "المسرواية" التي تتألف من فصل قصصي يتلوه فصل مسرحي وهكذا دواليك. أما السيرة فيرد الشعر فيها السرد والحوار كجزء منهما لا كشيء منفصل وهذا السمة موجودة لكن على استحياء في بعض قصص يوسف السباعي مثلًا. وهناك أيضًا النقد القصصي والتأريخ للرواية والقصة القصيرة والترجمة لأعلامهما وهو أمر لم يعرفه الأدب العربي القديم، إذ كان النقد آنذاك منصبًّا على الشعر بالدرجة الأولى ثم الخطابة والرسائل الديوانية بعد ذلك، وها هو ذا مثلًا كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، و (الصناعتين) لأبي هلال العسكري، وكتاب (نقد النثر) المنسوب لقدامة بن جعفر، و (المثل السائر) لابن الأثير. فلنقلب فيها كما نحب، فلن نجد أي كلامًا في النقد القصصي. أما الآن فالدراسات النقدية والتاريخية التي تدور حول فن القصة وأعلامه واتجاهاته وأشكاله، قد بلغت من الكثرة والتنوع مدى بعيدًا، وهذا من شأنه أن

стр. 374

يساعد أدباء القصة على التجويد والتطوير المستمر، ولا شك أننا مدينون في هذا المجال للنقد القصصي الغربي، الذي قرأناه في رواياته الأصلية أو المترجمة، وهذا النقد يرجع في أساسه إلى ما كتبه أرسطو عن المسرحية والملحمة حسبما أوضحنا. أما كتب النقد والأدب والتراجم التراثية المعروفة؛ فالموجود فيها هو كلام انطباعي أو نقد لغوي بلاغي ليس أكثر، كما أن كلمات الحكاية والقصة والرواية لا تستخدم فيها إلا بالمعنى اللغوي العادي كما في قولنا: "شرح فلان القصة أو حكى الحكاية، أو هكذا" كانت راويته بالكلام، أي الخير ليس إلا، ولا تُستخدم كمصطلح أدبي. ولقد كان لترجمة الروايات الغربية دور مهم قي تطوير القصص العربي في العصر الحديث، وكان رفاعة الطهطاوي -فيما نعرف- أول مصري يقوم بترجمة رواية غربية، وهي رواية القس الفرنسي "فلينون لزافنتير دو تليماك" التي أعطاها عنوانًا مسجوعًا هو "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك". اقتضاءً بالطريقة التي كانت شائعة في كثير من المؤلفات العربية القديمة في العصور المتأخرة، وقد ظهرت هذه الترجمة عام ١٨٦٧م. ومن الذين أسهموا في ترجمة الروايات من المصريين في ذلك الوقت المبكر، محمد عثمان جلال أحد تلامذة رفاعة، إذ عرب سنة ١٨٧٢م، رواية "بول وفرجيني" لـ (برناردان دي سان بيار)، جاعلًا عنوانها "الأماني والمنة في حديث قبول وورد جنة"، ومنهم كذلك حافظ إبراهيم مترجم "البؤساء" لـ"فيكتو هيجو"، وصالح جودة مترجم "سر اعتراف" سنة ١٩٠٥م، وضحية العفاف واليد الأثيمة والسلاح الخفي، وعبد القادر حمزة مترجم "هانيا" سنة ١٩٠٥، والمنفلوطي معرب "في سبيل التاج"، والشاعر أو سيرانو دي برج راج، والفضيلة أو بول فيرجيني، ومجدولين أو "تحت ظلال الزيزفون".

стр. 375

وبعض هذه الأعمال هو في الأصل من الأعمال المسرحية، إلا أن المنفلوطي حوله إلى رواية، كما أنه لم يترجمها بنفسه، بل ترجمت له ثم أعاد هو صياغتها بأسلوبه، وهذه ليست إلا بضعة أمثلة فقط من أسماء الرواد المصريين في ميدان الترجمة الروائية، وإلا فإن هذا اللون من الترجمة ما زال ماضيًا في طريقه حتى الآن، وشاركت فيه أقلام كثيرة على ما هو معروف. وإذا كان عدد من هذه الترجمات قد صب في أسلوب سليم متين، كما هو الحال فيما ترجمه محمد عثمان جلال والمنفلوطي وحافظ إبراهيم؛ فإنّ كثيرًا منها لم يعن به العناية اللازمة، فجاءت لغته هزيلة ركيكة مبتذلة لا تخلو من الأخطاء الصرفية والنحوية، وكان بعض المترجمين لا يهتم إلا بتأدية المعنى كيفما اتفق. إذ كلما قرأ فصلًا من الرواية التي يترجمها نحاها جانبًا، ثم شرع يترجم من الذاكرة ناسيًا أشياء ومضيفًا أخرى ومقدمًا ومؤخرًا حسبما يحلو لذاكرته، ودون أن يراجع ما كتب، إذ كثيرًا ما كان المترجمون يتخذون من ذلك العمل محترفًا لكسب الرزق، فلم يكن لديهم وقت للتدقيق والتجويد وإحسان التعبير، كما كانوا يحولون الحوار في كثير الأحيان إلى سرد، مضيفين إليه بعض محفوظاتهم من الشعر العربي مما يناسب الموقف، فضلًا عن أن كثير من الروايات التي عربوها لم تكن من روائع القصص في كثير أو قليل، بل من الروايات الشعبية التي يراد بها التسلية، ولا تهتم إلا بالتشويق والمغامرات وحيل اللصوص والمجرمين وما إليها. ومن الشام يُمكن أن نذكر بطرس البستاني الذي ترجم "روبنسن كروزو دي دانيال ديفو" سنة ١٨٦١م، وسماها "التحفة البستانية في الأسفار الكروزية"، ويوسف سركيس مترجم "الرحلة الجوية في المركبة الهوائية" لجون فيرن" سنة ١٨٧٥، وأليكسيز زامو خون مترجم الرويات الثلاث لفرنسوا كوبيه.

стр. 376

وخليل ثابت مترجم "عروس النيل" لجورج إيبرس العلماني، ويعقوب صروف مترجمًا "ملكة انجلترا"، وفرح أنطون الذي عرب عدد من رويات اسكندر دوماس واتالا ليشاتو برايار، وأسعد داغر مترجم "بعد العاصفة" وغيرها لهنري بوردون، ونقولا حداد مترجم الفرسان والثلاثة غيرها لدوماس، وطانيوس عبده أشهر مترجمي القصص في تلك الفترة، ومارون عبود مترجم "ايطاليا ورينيه" سنة ١٩٠١، ونقولا رزق الله وسليم النقاش ... إلخ. وكثير من هؤلاء وغيرهم كان مقامهم ومسرح نشاطهم لمصر، ومنهم فرح أنطون ومحمد قطب علي وأسعد داغر وطانيوس عبده ونقولا الحداد وخليل ثابت وسليم النقاش ويعقوب صروف، مما يمكن معه أن ندمجهم ضمن مترجمي الروايات الأوائل في مصر، ومن فلسطين نستطيع أن نذكر خليل بيدس الذي ترجم بعض الروايات من الروسية وغيرها مثل: "ابنة القبطان" لبشتين سنة ١٨٩٨، و"شقاء الملوك" للكاتبة الإنجليزية ماري كوريلي عن الروسية سنة ١٩٠٨م، و"أهوال الاستبداد لتولستوي بعد ذلك بسنة. وحنا كارمين لتولستوي أيضًا، و"المشوه" لفيكتور هيجو ... إلخ. وكذلك أحمد شاكر الكرمي الذي ترجم عددًا كبيرًا من الأعمال القصصية لتشوسر وتولستوي وأوسكار وايلد وتشيكوف أدينو باسا. ومن الروايات المترجمة في العراق رواية "العدل أساس الملك" وهي منقولة عن الإنجليزية وتقع حوادثها في عهد الملك هنري الرابع، وتعلي من قيمة العدل والتشدد فيه بوصفه أساس الحكم الصالح، ومنها أيضًا رواية: "الإصبع" لأنستاس كرملي عن الفرنسية. وكتب في مُقَدّمتها أنّها دليل على أن اتهام الغربيين لنا بالغرائب من أحاديث الجن والغول وما أشبه هو اتهام لا معنى له، لأنهم هم أيضًا يغرمون بهذا اللون من

стр. 377

الأحاديث، يؤلفون فيه لأولادهم الحكايات التي يبثونها ما يريدونه من المغازي الأخلاقية، وهي تشبه حكاية "عقلة الإصبع" في الآداب الشعبية عندنا. ومن هذه الروايات كذلك المرمد أو ذات الكوس الزجاجي ومترجمها فيما يبدو هو أيضًا أنستاس كرملي الذي عرب كذلك قصة للكاتب الفرنسي ايجزا فيه ميري ميه، بعنوان "ينبوع الشقاء" وهي قصة ذات مغزى أخلاقي وهكذا. ومن الترجمة القصصية في السعودية، ترجمة عبد الجليل أسعد لبعض أعمال موباسان وغيره، ومنها على ضوء القمر، وترجمة محمد عالم الأفغاني لعدد من قصص تشيكوف وموم، وكذلك ترجمة محمد علي قُطب لبَعض الأعمال القصصية من الصين وبريطانيا وأمريكا وإسبانيا، وترجمة عزيز ضياء لعدد من القصص منها الحلم والكنز، وحقائق الحياة لثوماس موم، ورائعة جورج أورويل "العالم عام ١٩٨٤". أما بالنسبة إلى اليمن؛ فقد أمكنني العثور على إشارة إلى قصتين مترجمتين هما "أرملة على قدر" لتشارلز ديكينز، و"زوجتي أو زوجته" لبرنارد هوليود التي ترجمها عبد الله عبد الرحيم سنة ١٩٤٥، وهناك ترجمة جزائرية لرواية شاتوبريان "آخر بني سراج" قام بها أحمد الفاغون وصدرت سنة ١٨٦٤، وفي تونس تذكر بين مترجمي الرواية الأوربية المبكرين أسماء كل من محمد المشرقي والعربي الجلولي وإبراهيم فهمي شعبان، ومحمد نجيب وعبد العزيز الوستاني، وقد ترجمت بعض أعمال تولستوي منذ عام ١٩١١، هذا عن الروايات المترجمة. أما المؤلفة: فكانت تَتّسم في بداية عصر النهضة، بتكديس الحوادث وغلبة السرد على الحوار، وكثرة المصادفات والأحداث الغريبة، والتحليق في عالم الخيال،

стр. 378

ووضوح الغرض الأخلاقي أو التعليمي، وتدخل المؤلف في سياق الأحداث بتعليقاته المباشرة، والاستشهاد بين الحين والحين بالأمثال والحكم وأبيات الشعر ... إلخ. وفي كل بلد عربي يَقِفُ مُؤرّخي الروايات ونقادها عادة عند إحدى الروايات بوصفها البداية الحقيقية للرواية الفنية الجيدة، ففي مصر يحددون هذه البداية محمد حسين هيكل "زينب" التي ظهرت في بداية العقد الثاني من القرن العشرين لما فيها من تصوير دقيق للريف المصري، بمناظره الطبيعية وحقوله وطيوره وبيوته وعاداته وتقاليده، ومعالجتها بعض القضايا المهمة كالعلاقة بين الفلاحين ومالك الأرض، والعلاقة العاطفية بين زينب وحامد بم المالك الذي كانت تشتغل مع سائر الفلاحين في أرضه، وبينها وبين إبراهيم الذي كانت تحبه ولكن لم يكتب لها الزواج منه، بل تزوجت حسن رغم أنها لم تكن متعلقة به. وكذلك التطور الفكري لحامد الطالب المطلع على كتب الفلسفة وما أشبه، إلى جانب أسلوب القصة العصري البسيط الخالي من السجع والجناس والزخارف البديعية الأخرى، وإن لم تعد ريادة هيكل لفن الرواية أمرًا يحظى بإجماع، إذ يشير بعض الدارسين إلى أن زينب قد سبقتها قصص أخرى جيدة فنًّا ومضمونًا، كـ"عذراء دنشواي" لمحمود طاهر حقي، و"فتاة مصر" ليعقوب صروف. وتتجسد البداية الناضجة للفن الروائي في بلاد الرافدين، في محمود أحمد السيد وروايته "جلال حامد" سنة ١٩٢٨، التي تأتي ثالثة في ترتيب ما أصدره من أعمال روائية، وهي تدور حول ثورة العراق عام ١٩٢٠، ورحيل البطل إلى الهند وعودته بعد فشل الثورة المذكورة، وتعكس آراء الكاتب السياسية والاجتماعية والأدبية من مثل حق العمال في الإضراب لتحسين أوضاعهم،

стр. 379

وحق المرأة في الحرية والتعليم وفي أن يكون لها رأي في زواجها ... إلخ، فضلًا عن أنها لا تهيم في أودية الخيال كما يقول مؤلفها، وإن لم تخلو من بعض العيويب. أما في سوريا فتعد رواية "نهم" لشكيب الجابري الصادرة سنة ١٩٣٦، هي البداية الفنية الحقيقية للرواية السورية، وهي رواية ذات اتجاه رومانسي، كبقية رواية ذلك المؤلف الذي كان آخر ما كتبه في هذا المضمار هو "وداعًا يا أفاميا" سنة ١٩٦٠، ويبرز في حوادثها التي تجري في برلين الانحلال الجنسي، رغم ما تعالجه من القضايا الوطنية. وثمثل رواية توفيق يوسف عواد "الرغيف" سنة ١٩٣٩، عند نقاد ومؤرخي الرواية، نقطة متميزة في حقل الرواية اللبنانية، وموضوعها جهود بعض الشبان الوطنين في إيقاظ الروح القومية، والمطالبة بحق العرب في عيشة كريمة، والكفاح ضد العثمانيين والإقطاعيين المحليين، لبلوغ هاتين الغايتين، ويقوم رغيف الخبر بدور مهم في الرواية، إذ يمثل المطلب الثاني إلى جانب الحرية، وقد سيقت رواية عواد أعمال روائية لأمين الريحاني وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وكرم منعم كرم وغيرهم، وهذه الروايات التي مهدت السبيل لرغيف عواد. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تلك الرواية قد خلت من العيوب، فما من نتاج بشري يخلو من الثغرات وبخاصة إذا كان رائدًا في مجاله. ويتريث الدكتور إبراهيم السعافين عند رواية عبد الحليم عباس "فتاة من فلسطين" واضعًا إياها في محل الريادة من مسيرة الرواية في الأردن، وهي تقوم على تمجيد وحدة الأمة في الشدائد والخطوب العظيمة، وتعالج مأساة فلسطين، رابطة القضية السياسية القومية بالمسألة الاجتماعية، في إطار قصة حُبٍّ بينَ بطلي الرواية، اللذين يقدمان على الجواز في تحدي للتقاليد السائدة التي تَجعل زواج أبناء العمومة، مقدمًا على زواج الأغراب أو المتباعدين.

стр. 380

ويذكر الدُّكتور سُلطان بن سعد القحطاني في كتابه "الرواية في المملكة العربية السعودية -نشأتها وتطورها"، أنّ معظم الباحثين والنقاد يعدون "ثمن التضحية" سنة ١٩٥٩ لحامد الدمنهوري، أول رواية سعودية جمعت معظم العناصر الفنية للرواية، إن لم تكن كلها، وهي رواية تصور الصراع الذي يدور في نفس البطل بين بقائه في بلده، مع الاكتفاء بالقدر الذي حصله من التعليم، وبين سفره إلى القاهرة لإكمال تعليمه هناك، وكذلك بين حبه لخطيبته غير المتعلمة التي خلفها وراءه في السعودية، وحبه لزميلته القاهرية الجميلة التي تتمتع بالجاه والمال والتعليم الجامعي. أما في السودان فينصب الثناء الحقيقي للدكتور سيد حامد النساج، في كتابه (بانوراما الرواية العربية الحديثة) على الطيب صالح وأعماله القصصية قائلًا: إن الرواية العربية تبلغ قمة نضجها في السودان على يديه، إذ تجمع بين النكهة المحلية، ومسايرة التقدم العصري في الفن الروائي، كما أن مقدرته على وصف القرية السودانية بناسها وعاداتها وتقاليدها، والمؤثرات المدنية الوافية عليها، ومزج الوقائع بالخرافة والأسطورة، قد بلغت من البراعة حدًّا بعيدًا، علاوة على النفحة الصوفية التي يمسح بها على عالمه. وبالنسبة للرواية التونسية؛ فإن دكتور النساج أيضًا في كتابه المذكور، لا يعترف من الناحية الفنية بشيء منها قبل رواية "جولة حول حانات البحر المتوسط" سنة ١٩٣٥لعلي الدعاجي، الذي يؤكد أنه أبو القصة التونسية الحديثة بلا منازع، وتتناول رواية الدعاجي موضوع الالتقاء بين حضارتي الشرق والغرب، مع الرمز لكل منهما بامرأة يخصص البطلة الأولى هما جانبه الوجداني، وللثانية جانبه الجسدي، وتدور معظم حواراتها على الجنس ووصف النساء في أماكن وحالات مختلفة بأسلوب ساخر في كثير من الأحيان.

стр. 381

كذلك يؤكد الدكتور النساج أن الظهور الرواية الجزائرية ذات المستوى الفني الجيد، قد تأخر إلى سبعينات القرن الماضي، حين صدرت لعبد الحميد بن هدوقة، رواية "ريح الجنوب، ونهاية الأمس" سنة ١٩٧١و ١٩٧٤م على التوالي، وللطاهر والطار، واللاز والزلزال سنة ١٩٧٤، والحوات والقصر سنة ١٩٧٨، ويعجب الأستاذ الدكتور بـ"الطاهر والطار" إعجابًا عجيبًا عادًّا روياته اللاز نقطة تحول في مسيرة الرواية الجزائرية. وبالنسبة للمغرب نجد كذلك الدكتور النساج يختص الأستاذ عبد الكريم غلاب باهتمام زائد مبرزًا تحمس هذا الكاتب المغربي للرواية تحمسًا يبلغ حد العشق، ذاكرًا الأعمال الروائية التي أبدعتها براعته كـ"فن الماضي" سنة ١٩٦٦، و"المعلم علي" سنة ١٩٧١، و"سبعة أبواب. كما يلفتُ انتباهنا إلى ما لاحظه من تشابه بين الكاتب المغربي في شغفه البادي لروايته "مدينة فاس"، والأستاذ نجيب محفوظ واهتمامه الشديد بـ"قاهرة المعز" إذ يحرصُ كلاهما على تصوير البيئة المكانية، فضلًا عن تشابههما في موضوعات روايتهما وأحداثها وشخصياتها. بعض المقارنات بين الأعمال القصصية العربية الحديثة، ونظيرتها في الآداب الغربية والآن نتناول بعض المقارنات بين الأعمال القصصية العربية الحديثة، ونظيرتها في الآداب الغربية، ونبدأ بما قيل عن التشابه الذي لاحظه عددًا من النقاد بين رواية إحسان عبد القدوس "لا أنام" ورواية "فرانسواز ساجان" "صباح الخير أيها الحزن"، لقد اتهمهم مثلًا فؤاد دوارة بأنه من غير المُحتمل أن تكون التشابهات القوية والرئيسية موجودة بين الروايتين وليدة المصادفة، مؤكدًا أنه قد أغار على رواية "الفتاة الفرنسية" وأخذ منها هيكل روايته، وكثيرًا من التفصيلات الهامة، وأقام عليها عمله.

стр. 382

على حين حاول الدكتور محمد مندور -كما قال دوارة نفسه- أن يدافع عن إحسان، وأن يثبت أن روايته لا تدين بشيء لساجان، بل وأن روايته أفضل من روايتها، إذ يؤكد دوارة أن الفتاة في كل من الروايتين فتاة مراهقة، عند ساجان في السابعة عشرة، وعند إحسان في السادسة عشرة، وكلتاهما تركتها أمها وهي طفلة، بطلة ساجان ماتت أمها، وبطلة إحسان طلقت أمها من أبيها، وكلتاهما تتعلق بأبيها تعلقًا مرضيًا تبعًا لشدة تدليله لها؛ حتى لتغار عليه من أية امرأة، وكلتاهما تبذل كل جهدها ومكرها في إبعاد المرأة التي حلت محل الأم، العشيقة التي يريد أن يتزوجها الأب في رواية "صباح الخير أيها الحزن"، و"طنط" صافي التي يختلي بها الأب في رواية إحسان "لا أنام". وكلتا المرأتين تحب بنت الزوج وتعمل على تربيتها تربية طيبة، مما يكون من جرائه أن يختلط احترام البنت لزوجة أبيها بالغيرة منها والكراهية لها، وكلتا الفتاتين تتآمر وترسم الخطط الخبيثة حتى يترك الأب زوجته ويعود لها كاملًا دون أن تشاركها فيه امرأة أخرى، وكلتا الفتاتين أيضًا تندم من جراء هذا، فتنغمس في علاقة جسدية نزفة بأحد الرجال، ولكنها لا تجد راحة ضميرها في ذلك التصرف، فتقدم بطلة ساجان على الانتحار، وتطلق بطلة إحسان لكنها لا تستطيع النوم بسبب ما تلاقيه من ضميرها من عذاب. وفوق هذا ففي كلتا الروايتين ميل واضح نحو التحلل من كثير من القيم الخلقية والاجتماعية، مع تفوق الرواية المصرية في هذا المضمار على نظيرتها الفرنسية، ففي "لا أنام" دفاع من إحدى شخصيات القصة عن الزوجات الخائنات، وتسويغ منطقي لخيانتهن وإلقائهم بالمسئولية في ذلك السبيل على كاهل الزوج، على حين تبرر زوجته وتصور على أنها ضحية الظروف التي لا تقاوم.

стр. 383

كذلك تقرر البطلة أن كل الفتيات يرتكبن الإثم، ويذهبن إلى شقق الرجال ليمارسن الجنس معهن، مما يضفي عليهن جاذبية وسحرًا لا يتوفر للفتيات المستقيمات الساذجات، كما تحتوي الرواية على طريقة مفصلة تقدمها البطلة لمثيلاتها من الفتيات اللاتي يردن قضاء الليل خارج المنزل في أحضان عشيقها، دون أن تعرف الأسرة شيئًا عن ذلك، أو يشك في أمرها، وكذلك على طريقة مفصلة أخرى تحافظ بها الفتاة على عذريتها رغم كل ما تصنعه مع عشيقها ويصنعه معها عشيقها طوال الليل في شقته الخاصة. وفوق ذلك كله ينتقد فؤاد دوارة صاحب "لا أنام" على ملئ روايته بالألفاظ الأجنبية دون داعٍ، بخاصة أن المقابل العربي لتلك الألفاظ متاح بكل سهولة لمن يريد، لولا عقدة الخواجة عند إحسان عبد القدوس. والواقع أن حجج دوارة أقوى من الدفاع الذي حاول محمد مندور القيام به لصالح إحسان، إذ التشابهات بين العملين من القوة بحيث لا يصلح ما قاله في الدفاع شرو نقير، وفضلًا عن ذلك يحكي لنا دوارة أنه قابل الدكتور مندور بعد هذا وناقشه فيما قال، فأقر له بأن هيكل الروايتين واحد. والواقع أيضًا أن دوارة ليس هو الناقد الوحيد الذي يأخذ على إحسان هذا الاتجاه التحرري وإن كان هناك من الكتاب من يحاول الدفاع عن إحسان، كتوفيق الحكيم ولويس عوض مثلًا اللذين يريان أن النجاح الجماهيري الواسع الذي أحرزه إحسان هو المسئول عن تحفظ النقاد ضده، وكأن المسألة بينه وبين النقاد مسألة غيرة وحقد، وكأنه لا يوجد روائي ناجح جماهيريًّا دون أن يهاجمه النقاد بسبب تلك الجماهيرية.

стр. 384

ويَرد إحسان بأنه بطريقته التحررية تلك، إنما يريد كشف الحقائق وتشخيص الداء حتى يمكن معالجته، غافلًا عن أن التشخيص شيء والتعرية من اجل الإثارة شيء آخر, كذلك نراه يلجأ غلى حيلة أخرى في الدفاع عن نفسه وقصصه، ألا وهي أنه ليس هناك مقياس أخلاقي واحد في كل المجتمعات العربية، فعلى أي أساس إذًا يريد النقاد محاسبته، وهو بهذا يتجاهل أن هناك مقياسًا يرتضيه العرب جميعًا رغم أنهم لا يلتزمونه دائمًا وهو مقياس: "القيم الإسلامية". أقول هذا وفي ذهني ما قرأته أكثر من مرة من أن إحسان كان من الذين يصلون، وعلى كل حال فكيف يحاول إحسان أن يقنعنا بأنه متأثر في آرائه المتعلقة بالمرأة والجنس بما هو شائع في الغرب؟ ترى هل الغرب هو قبلتنا؟ وإذا كان يتخذ من اختلاف العرب المزعوم في أمور القيم الأخلاقية والاجتماعية حجة للدفاع عن أسلوبه التحرري، فهل الحل هو ترك كل قيمة خلقية واجتماعية عربية واللجوء إلى القيم الغربية؟ ترى هل تناسبنا هذه القيم الغربية؟. ومن المقارنة أيضًا بين القصة العربية الحديثة ونظيرتها الغربية، التقنيات الجديدة التي أخذها الفن القصصي عندنا عن مثيله الغربي، ونقف أولًا عند "بنك القلق" لتوفيق الحكيم، التي صدرت عام ١٩٦٦م، والتي أسماها صاحبها "رواية المسرحية"، ثم اختزل الاسم فيما بعد إلى "مسرواية"، وهي مقسمة إلى عشر فصول روائية، وعشرة مناظر مسرحية، الفصل الأول يعقبه المنظر الأول، ثم يليه الفصل الثاني ليعقبه المنظر الثاني وهكذا. وقد يظن بعض من لم يقرأ الكتاب أن الفصل الواحد يعرض الأحداث بطريقة السرد الروائي، ثم يعقبه المنظر ليعرض نفس الأحداث، لكن بصورة الحوار المسرحي، إلا أن كل منظر من المناظر المسرحية في الواقع يكمل الأحداث التي

стр. 385

تأتي في الفصل الروائي السابق عليه، ويساهم في تصاعد التوتر الدرامي والوصول بالعمل الفني إلى ذروته، أي: أن المناظر المسرحية ليست إضافة هامشية أو إعادة صياغة للفصول بصورة حوار مسرحي، بل تضيف إلى الأحداث وتغير الأماكن وتعكس نفسية الشخوص وتوضح أسباب الصراع الدرامي. وبهذا تصبح الفصول الروائية والمناظر المسرحية ملتحمة بعضها مع بعض في نسيج متماسك، فلا يمكن استبعاد أحدها وإلا اختل العمل الفني برمته، وهذا الإحكام في التخطيط للعمل الفني من شأنه أن يبهر القارئ، و"أدهم" هو البطل الأول لبنك القلق، وهو شاب ترك كلية الحقوق، الذي جاهد أبوه الفقير ليلحقه بها كي يعمل في الصحافة، وعلى الرغم من إبداعه فهو يكره القيود، ومن ثم يكره الوظيفة، ويكره كل ما لا يجعله حرًّا مالكًا لإرادته. وموهبته الصحفية لا تتجلي إلا في صياغة التحقيقات والمقالات لزملائه الصحفيين في مقابل مبلغ يحصل عليه من الباطن، وفي أثناء جولته الليلة في الشوارع وجد زميل دراسته "شعبان" بطريق المصادفة البحتة، ولم يكن الصديق أفضل حالًا، فهو رجل ينظر إلى المرأة بغرائزه، وهكذا تزوج الكثير من النساء وطلقهن وأصبح طريد النفقة، فأفلس ويأست مطلقاته من أن يحصلن على نفقاتهن منه، وصار العسر ملازمًا لحياته. وهنا يعرض أدهم على شعبان فكرته المجنونة "بنك القلق"، إنه بنك عادي مثل أي بنك آخر، إن البنوك الأخرى تتعامل مع العملة النقدية فتقرض الآخرين بفائدة مرتفعة وتقترض من غيرها من البنوك بنسبة أقل، ومكسبها هو الفارق بين نسبتي الفائدتين أو رصيد الدائن ورصيد المدين، وهي نفس فكرة بنك القلق،

стр. 386

لكنه لا يتعامل بالعملات النقدية، بل بعملة شاعت في العالم وصارت موجودة وراء كل خبر نقرؤه أو كل حدث في حياتنا ألا وهو "القلق". والفكرة ببساطة أن يأتي العميل ويطرح مشكلته أو قلقه، على أدهم وشعبان ويسعى الاثنان لحلها، وهكذا يقوم بدفع تكاليف العلاج لهما، كما يقومان بعرض مشكلاتهما على العميل الذي سيحاول حلها، ويقومان بدفع تكاليف علاجهما له، وهي بالطبع أقل مما دفعه لهما، وبالتالي يكون مكسبهما هو الفارق بين الأجرتين، تمامًا مثل البنك. وقد بدأت الفكرة في شقة أدهم وهي شقة رثة الأساس متواضعة الحال، وتقع في إحدى حواري شارع محمد علي، وهنا نجد وصف الأستاذ الحكيم الساخر الممتع للمكان، من السرير الوحيد المليء بالبق، والكرسي الخشبي المثقوب، والمكتب الذي لا يعرف لونه، والببغاء المتكلم الذي يقلد دور السكرتير الوهمي، وبالطبع لاقت الفكرة بوارًا هائلًا، ليس لأنها فكرة حمقاء ومستحيلة فحسب، لكن لأن ورق الإعلانات المتواضع الذي ألصق بجوار أكشاك السجاير كان مكتوبًا بخط شعبان الذي لا يقرأ. وبعد أيام طويلة من انتظار العملاء الذين لم يأتوا، ظهر فجأة "منير بك عاطف" وهو واحد من أثرياء العهد الملكي الذين استطاعوا النجاة ببعض ممتلكاتهم من المصادرة في العهد الثوري، لم يأت كي يعالَج من قلقه بل كي يدعم الفكرة ويمولها بالنقود والمرتبات، وبمقر جديد للبنك في شارع رئيسي في شبرا، ولم يرتب أدهم وشعبان في شخص يشارك في مشروع فاشل كهذا البنك، ويدفع كذلك بسخاء شديد.

стр. 387

لقد دفع لهما ما يعينهما على إصلاح هيئتهما وثيابهما، كما دفع لهما مرتب شهر مقدمًا، وسلمهما عقد إيجار شقة في شبرا باسمهما لمدة سنة، وكان مطلبه الوحيد أن تكون له حجرة مجاورة لهما في البنك أوصل منها جهاز تسجيل بسماعات في مكتبهما، وطلب منهما ألا يسعيا في علاج مشاكل العملاء أو يعرضا مشاكلهما على العملاء، المطلوب فقط هو أن يستمعا لكل ما يقوله العملاء بمنتهى الدقة دون أن يطلبا أجرًا ماديًّا من العميل. ونظرًا للموقع المزدحم الرئيسي الذي اتخذه البنك في شبرا يدأ العملاء في القدوم وطرح مشاكلهم، حيث يستمع إليهم أدهم وشعبان، وحين تجذب انتباه منير بك مشكلة ما، يسارع بطلب استدعاء العميل الذي لا تعود المسرحية إلى ذكره بعد ذلك قط، وكانت هناك مشاكل اجتماعية مثل مشكلة "العميلة رقم ٨" فهي حزينة لأن لديها ١٥٠٠ جنيه فقط كي تفرش بها شقة ابنتها المخطوبة. وكان من الواضح أنها تغالي في اختيار الفرش والأثاث لأنها تضع اعتبارًا لكلام الناس والعائلة، بل وتصر على أن يشتري خطيب ابنتها بالإضافة للشبكة الغالية، أفخر أنواع علب الملبس كي تقدم للمدعوين، ولا تستطيع أن تستوعب كلام أدهم لها من أن هذه عادات برجوازية عفا عليها الزمن، ولا تناسب المجتمع الاشتراكي، وبالذات لأن خطيب ابنتها معه دكتوراه في الاقتصاد، وموضوع رسالته كان عن الاشتراكية. وبعد أن يئس من التغلب على كبرياء العميلة ومنع استسلام خطيب ابنتها لكلامها، لم يكن منه سوى أن التفت للأخير قائلًا: "أنا سحبت كلامي، أرجوك يا دكتور أحضر ملبس من أحسن وأفخم صنف، هذا مجتمع برجوازي في قماش اشتراكي، اشتراكية قوانين ولوائح، وليست اشتراكية روح بعد، احضر الملبس

стр. 388

والعلب من أغلى نوع"، وهذه الجملة التي أصابت تشريح المجتمع المصري بدقة خلال الفترة الناصرية. وهناك أيضًا "عميل رقم ٢" الذي يرى أننا صرنا في مجتمع رجعي، ودليله على ذلك برامج الإذاعة والتليفزيون التي تبدأ صباحها بشيخ مطمطم، وتنتهي في الليل على شيخ مطمطم، وبين كل فقرة وأخرى مناقشات دينية أكل عليها الزمن وشرب، ويريد أن يصلح مجتمعنا ويصبغه بصبغة تحررية، وقد طلب منير بك هذا العميل إلى مكتبه حيث اختفى إلى الأبد. والمثير للسخرية أن يأتي بعده "العميل رقم ٣" الملتحي القلق على مستقبل الدين والذي يستغفر الله لهذا المجتمع الملحد المتحلل الذي يعيش فيه، وأبسط دليل على ذلك هو برامج الإذاعة والتليفزيون التي تقدم بين كل أغنية وأغنية، أغنية أيضًا، بالإضافة إلى الراقصات والمطربات والكاسيات العاريات، ويرى أن الحل أن تصب نار الله الموقدة على مجتمع بهذا الفجور والإثم والكفر المبين، وعندئذ يستدعيه منير بك إلى غرفته ليختفي هو أيضًا إلى الأبد. وهكذا من خلال العملاء المتنوعين الذين يزورون البنك، يستعرض الحكيم لقطات شديدة الثراء والتنوع لنماذج تتفاعل وتعيش في الواقع الاجتماعي آنذاك، ومن اللافت للنظر حرص الأستاذ على عدم إعطاء العملاء أي أسماء لكي يتركها نماذج اجتماعية هامة يرى أي واحد منا نفسه فيها. والملاحظ أنه رغم اختلاف الأزمان والأوضاع الاقتصادية والسياسية، فإن كثيرًا من المشاكل التي كانت طافية على سطح المجتمع آنذاك ما زلنا نعاني منها أو من مضاعفاتها حتى الآن.

стр. 389

وبنك القلق ليس الخط الوحيد في هذه "المسرواية" بل هناك خط آخر يقلق أدهم بشدة وهي "ميرفت" بنت أخو منير بك الأكبر، الذي توفي عندما كانت طفلة صغيرة في بلدتها الأصلية "كفر عنبة" مسقط رأس أدهم كذلك، لقد كان يراقبها وهي لا تزال بنت الرابعة تلهو على حصان أبيها كبير أعيان البلدة، وكان ذكرها بمثابة الثلج الذي يبرد صدره خلال جفاف عمره، حتى جاءت المصادفة البحتة فالتقاها عن طريق عمها وشريكه منير بك. لكن الشريك الثالث شعبان عاد أن يصل إلى ميرفت عن طريق خالتها العانس فاطمة، وذلك قبل أن يكتشف مفاجأة صادمة عن طريق هذه الخالة، فتقلب الأمور رأسًا على عقب. وفي أثناء ذلك يرغب منير بك في التوسع في البنك بإنشاء فروع له في الأقاليم، لكن تكاليف الفرع الثابت تجعلهم يفكرون في فرع متنقل، كل واحد يحمل معه جهاز كاسيت ويسجل قلق الناس من الأوضاع المعيشية وتذمرهم. إن الرمزية قاسية وواضحة حول علاقة السلطة بالمجتمع، والنظام البوليسي القمعي الذي يُسجل على الناس كل همسة ينطقون بها، واغتيال حرية الفكر والتعبير، ثم وضع كل ذلك في قالب فني ساخر يجعلك تدمع من الضحك بعين، وتبكي على مجتمعنا بعين أخرى، إن الجملة الختامية في المسرحية: "اللهم أخرجنا من هذا البنك على خير"، ما هي إلا صرخة استغاثة، فالبنك تحول إلى رمز للمجتمع المتخبط المخدوع في وسائل إعلامه، والمقموع بواسطة الأجهزة التي يفرض منها حمايته. فكأنها دعوة بأن تمر تلك الأيام الصعبة على خير، حتى ينقشع الضباب وتسطع شمس الحرية من جديد، وفي كتاب "ويليام هاتشنس" " Tawfeq al-Hakim: A

стр. 390

readers guide " الذي صدر في لندن عام ٢٠٠٣، يشير الكاتب إلى ما قاله الحكيم في كتابه "عودة الوعي"، من أن المصريين قد استهلكتهم ثلاث حروب وثلاث هزائم متتالية، العدوان الثلاثي، وحرب اليمن، ونكسة١٩٦٧، وإنه إنما وضع كتابه بنك القلق تعبيرًا عما أشاعته تلك الهزائم من مشاعر القلق والتفكك، وبالرجوع إلى كتاب الحكيم نجده يقول ما نصه: "خفت أن يكون جمال عبد الناصر غافلًا عما أصاب المجتمع المصري قبيل حرب سنة ١٩٦٧، من القلق والتفكك، فيعتمد عليه في الإقدام على مغامرة من المغامرات فكتبت (بنك القلق)، وهي كلها كتابات مترفقة بعيدة عن العنف والمرارة، لمجرد التنبيه لا الإثارة، وكما علمت فقد قرأها وفهم ما أقصده منها، ولكنه فيما يظهر لم يأخذ بها، بل اندفع في طريقه، ولم يكن من السهل مع ذلك أن أنشر بنك القلق، فقد ظل هذا الكتاب أكثر من نصف عام حبيس الرقابة لا تسمح بنشره، إلى أن سمع المسئولون أنه قد ينشر في الخارج، فاضطروا إلي السماح بنشره اضطرارًا". أما الدكتور محمد مصطفى بدوي، فيتساءل في كتابه " Modern Arabic Drama In Egypt" الذي صدر عن مطبعة جامعة كمبردج سنة ١٩٨٧، عن المنبع الذي استلهمه وتأثر به صاحب بنك القلق، وهل هو كتاب ويليام فوكنر " Requeen For a none" ثم يمضي قائلًا: "إن كتاب الحكيم الذي أطلق عليه ( play novel) لم يكن له تأثير يذكر على تطور الشكل في المسرح العربي"، وإن كانت الدكتورة سميحة علقم في كتابها (تداخل الأجناس الأدبية في الرواية العربية- الرواية الدرامية نموذجًا)، قد ذكرت أربعة
следующие страницы →