Полный текст (584 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
لكنه لا يتعامل بالعملات النقدية، بل بعملة شاعت في العالم وصارت موجودة وراء كل خبر نقرؤه أو كل حدث في حياتنا ألا وهو "القلق".
والفكرة ببساطة أن يأتي العميل ويطرح مشكلته أو قلقه، على أدهم وشعبان ويسعى الاثنان لحلها، وهكذا يقوم بدفع تكاليف العلاج لهما، كما يقومان بعرض مشكلاتهما على العميل الذي سيحاول حلها، ويقومان بدفع تكاليف علاجهما له، وهي بالطبع أقل مما دفعه لهما، وبالتالي يكون مكسبهما هو الفارق بين الأجرتين، تمامًا مثل البنك.
وقد بدأت الفكرة في شقة أدهم وهي شقة رثة الأساس متواضعة الحال، وتقع في إحدى حواري شارع محمد علي، وهنا نجد وصف الأستاذ الحكيم الساخر الممتع للمكان، من السرير الوحيد المليء بالبق، والكرسي الخشبي المثقوب، والمكتب الذي لا يعرف لونه، والببغاء المتكلم الذي يقلد دور السكرتير الوهمي، وبالطبع لاقت الفكرة بوارًا هائلًا، ليس لأنها فكرة حمقاء ومستحيلة فحسب، لكن لأن ورق الإعلانات المتواضع الذي ألصق بجوار أكشاك السجاير كان مكتوبًا بخط شعبان الذي لا يقرأ.
وبعد أيام طويلة من انتظار العملاء الذين لم يأتوا، ظهر فجأة "منير بك عاطف" وهو واحد من أثرياء العهد الملكي الذين استطاعوا النجاة ببعض ممتلكاتهم من المصادرة في العهد الثوري، لم يأت كي يعالَج من قلقه بل كي يدعم الفكرة ويمولها بالنقود والمرتبات، وبمقر جديد للبنك في شارع رئيسي في شبرا، ولم يرتب أدهم وشعبان في شخص يشارك في مشروع فاشل كهذا البنك، ويدفع كذلك بسخاء شديد.
стр. 387
لقد دفع لهما ما يعينهما على إصلاح هيئتهما وثيابهما، كما دفع لهما مرتب شهر مقدمًا، وسلمهما عقد إيجار شقة في شبرا باسمهما لمدة سنة، وكان مطلبه الوحيد أن تكون له حجرة مجاورة لهما في البنك أوصل منها جهاز تسجيل بسماعات في مكتبهما، وطلب منهما ألا يسعيا في علاج مشاكل العملاء أو يعرضا مشاكلهما على العملاء، المطلوب فقط هو أن يستمعا لكل ما يقوله العملاء بمنتهى الدقة دون أن يطلبا أجرًا ماديًّا من العميل.
ونظرًا للموقع المزدحم الرئيسي الذي اتخذه البنك في شبرا يدأ العملاء في القدوم وطرح مشاكلهم، حيث يستمع إليهم أدهم وشعبان، وحين تجذب انتباه منير بك مشكلة ما، يسارع بطلب استدعاء العميل الذي لا تعود المسرحية إلى ذكره بعد ذلك قط، وكانت هناك مشاكل اجتماعية مثل مشكلة "العميلة رقم ٨" فهي حزينة لأن لديها ١٥٠٠ جنيه فقط كي تفرش بها شقة ابنتها المخطوبة.
وكان من الواضح أنها تغالي في اختيار الفرش والأثاث لأنها تضع اعتبارًا لكلام الناس والعائلة، بل وتصر على أن يشتري خطيب ابنتها بالإضافة للشبكة الغالية، أفخر أنواع علب الملبس كي تقدم للمدعوين، ولا تستطيع أن تستوعب كلام أدهم لها من أن هذه عادات برجوازية عفا عليها الزمن، ولا تناسب المجتمع الاشتراكي، وبالذات لأن خطيب ابنتها معه دكتوراه في الاقتصاد، وموضوع رسالته كان عن الاشتراكية.
وبعد أن يئس من التغلب على كبرياء العميلة ومنع استسلام خطيب ابنتها لكلامها، لم يكن منه سوى أن التفت للأخير قائلًا: "أنا سحبت كلامي، أرجوك يا دكتور أحضر ملبس من أحسن وأفخم صنف، هذا مجتمع برجوازي في قماش اشتراكي، اشتراكية قوانين ولوائح، وليست اشتراكية روح بعد، احضر الملبس
стр. 388
والعلب من أغلى نوع"، وهذه الجملة التي أصابت تشريح المجتمع المصري بدقة خلال الفترة الناصرية.
وهناك أيضًا "عميل رقم ٢" الذي يرى أننا صرنا في مجتمع رجعي، ودليله على ذلك برامج الإذاعة والتليفزيون التي تبدأ صباحها بشيخ مطمطم، وتنتهي في الليل على شيخ مطمطم، وبين كل فقرة وأخرى مناقشات دينية أكل عليها الزمن وشرب، ويريد أن يصلح مجتمعنا ويصبغه بصبغة تحررية، وقد طلب منير بك هذا العميل إلى مكتبه حيث اختفى إلى الأبد.
والمثير للسخرية أن يأتي بعده "العميل رقم ٣" الملتحي القلق على مستقبل الدين والذي يستغفر الله لهذا المجتمع الملحد المتحلل الذي يعيش فيه، وأبسط دليل على ذلك هو برامج الإذاعة والتليفزيون التي تقدم بين كل أغنية وأغنية، أغنية أيضًا، بالإضافة إلى الراقصات والمطربات والكاسيات العاريات، ويرى أن الحل أن تصب نار الله الموقدة على مجتمع بهذا الفجور والإثم والكفر المبين، وعندئذ يستدعيه منير بك إلى غرفته ليختفي هو أيضًا إلى الأبد.
وهكذا من خلال العملاء المتنوعين الذين يزورون البنك، يستعرض الحكيم لقطات شديدة الثراء والتنوع لنماذج تتفاعل وتعيش في الواقع الاجتماعي آنذاك، ومن اللافت للنظر حرص الأستاذ على عدم إعطاء العملاء أي أسماء لكي يتركها نماذج اجتماعية هامة يرى أي واحد منا نفسه فيها.
والملاحظ أنه رغم اختلاف الأزمان والأوضاع الاقتصادية والسياسية، فإن كثيرًا من المشاكل التي كانت طافية على سطح المجتمع آنذاك ما زلنا نعاني منها أو من مضاعفاتها حتى الآن.
стр. 389
وبنك القلق ليس الخط الوحيد في هذه "المسرواية" بل هناك خط آخر يقلق أدهم بشدة وهي "ميرفت" بنت أخو منير بك الأكبر، الذي توفي عندما كانت طفلة صغيرة في بلدتها الأصلية "كفر عنبة" مسقط رأس أدهم كذلك، لقد كان يراقبها وهي لا تزال بنت الرابعة تلهو على حصان أبيها كبير أعيان البلدة، وكان ذكرها بمثابة الثلج الذي يبرد صدره خلال جفاف عمره، حتى جاءت المصادفة البحتة فالتقاها عن طريق عمها وشريكه منير بك.
لكن الشريك الثالث شعبان عاد أن يصل إلى ميرفت عن طريق خالتها العانس فاطمة، وذلك قبل أن يكتشف مفاجأة صادمة عن طريق هذه الخالة، فتقلب الأمور رأسًا على عقب.
وفي أثناء ذلك يرغب منير بك في التوسع في البنك بإنشاء فروع له في الأقاليم، لكن تكاليف الفرع الثابت تجعلهم يفكرون في فرع متنقل، كل واحد يحمل معه جهاز كاسيت ويسجل قلق الناس من الأوضاع المعيشية وتذمرهم.
إن الرمزية قاسية وواضحة حول علاقة السلطة بالمجتمع، والنظام البوليسي القمعي الذي يُسجل على الناس كل همسة ينطقون بها، واغتيال حرية الفكر والتعبير، ثم وضع كل ذلك في قالب فني ساخر يجعلك تدمع من الضحك بعين، وتبكي على مجتمعنا بعين أخرى، إن الجملة الختامية في المسرحية: "اللهم أخرجنا من هذا البنك على خير"، ما هي إلا صرخة استغاثة، فالبنك تحول إلى رمز للمجتمع المتخبط المخدوع في وسائل إعلامه، والمقموع بواسطة الأجهزة التي يفرض منها حمايته.
فكأنها دعوة بأن تمر تلك الأيام الصعبة على خير، حتى ينقشع الضباب وتسطع شمس الحرية من جديد، وفي كتاب "ويليام هاتشنس" " Tawfeq al-Hakim: A
стр. 390
readers guide " الذي صدر في لندن عام ٢٠٠٣، يشير الكاتب إلى ما قاله الحكيم في كتابه "عودة الوعي"، من أن المصريين قد استهلكتهم ثلاث حروب وثلاث هزائم متتالية، العدوان الثلاثي، وحرب اليمن، ونكسة١٩٦٧، وإنه إنما وضع كتابه بنك القلق تعبيرًا عما أشاعته تلك الهزائم من مشاعر القلق والتفكك، وبالرجوع إلى كتاب الحكيم نجده يقول ما نصه:
"خفت أن يكون جمال عبد الناصر غافلًا عما أصاب المجتمع المصري قبيل حرب سنة ١٩٦٧، من القلق والتفكك، فيعتمد عليه في الإقدام على مغامرة من المغامرات فكتبت (بنك القلق)، وهي كلها كتابات مترفقة بعيدة عن العنف والمرارة، لمجرد التنبيه لا الإثارة، وكما علمت فقد قرأها وفهم ما أقصده منها، ولكنه فيما يظهر لم يأخذ بها، بل اندفع في طريقه، ولم يكن من السهل مع ذلك أن أنشر بنك القلق، فقد ظل هذا الكتاب أكثر من نصف عام حبيس الرقابة لا تسمح بنشره، إلى أن سمع المسئولون أنه قد ينشر في الخارج، فاضطروا إلي السماح بنشره اضطرارًا".
أما الدكتور محمد مصطفى بدوي، فيتساءل في كتابه " Modern Arabic Drama In Egypt" الذي صدر عن مطبعة جامعة كمبردج سنة ١٩٨٧، عن المنبع الذي استلهمه وتأثر به صاحب بنك القلق، وهل هو كتاب ويليام فوكنر " Requeen For a none" ثم يمضي قائلًا: "إن كتاب الحكيم الذي أطلق عليه ( play novel) لم يكن له تأثير يذكر على تطور الشكل في المسرح العربي"، وإن كانت الدكتورة سميحة علقم في كتابها (تداخل الأجناس الأدبية في الرواية العربية- الرواية الدرامية نموذجًا)، قد ذكرت أربعة
стр. 391
أعمال أخرى غير بنك القلق سمتها "مسروايات عربية" وهي (ملف الحادثة ٦٧) لإسماعيل فادي إسماعيل، و (ظلال على النافذة) لغائب طعمه فرمان، و (أمام العرش) لنجيب محفوظ، ثم (قبعتان ورأس واحد) لمؤنس الرزاز.
إلا أن هذا غير صحيح بالنسبة إلى ما نعرفه من هذه الأعمال على الأقل، كما هو الحال في كتاب (أمام العرش) لنجيب محفوظ، الذي قد يكثر فيه الحوار على حساب العناصر القصصية الأخرى لكنه لا يلغيها، فضلًا عن أنه كله ماء واحد على هذا النحو، فلا فرق بين فصل وآخر في الشكل الفني، وبالتالي لا يصح أن يقال عنه: مسرواية، وبالمثل لا توجد وشيجة بين رواتي مؤنس الرزاز وغائب طعمه فرمان، وبين المسرواية، إذ اتخذتا الشكل القصصي من البداية إلى النهاية.
كذلك يؤكد دكتور بدوي أن من الممكن جدًّا استبدال الفصول الحوارية من بنك القلق، بحيث تكون مسرحية في حد ذاتها باعتبار الفصول القصصية مجرد توجيهات مسرحية وإن كانت طويلة النوع، وهذا العمل حسب تحليله يدور حول الرعب الذي كان سائدًا في عهد عبد الناصر أيام الاتجاه الاشتراكي، وما انتشر أيامها من نفاق وانتهازية وانعدام لحرية التعبير والمعارضة، وترديد للشعارات الخاوية من المضمون، وغياب تام لروح المسئولية.
وبالنسبة لكتاب "ويليام فوكنر" الذي ذكره الدكتور محمد مصطفي بدوي في السياق الثالث، نقرأ في المادة المخصصة له في موسوعة "الويكيبيديا" أنه صدر في عام ١٩٥١، وأنه مثل كثير من أعمال فوكنر عبارة عن تجريب للفن السردي، إذ إن بعضه رواية والبعض الآخر مسرحية ... إلخ، وأذكر أننا حين اطلعنا على كتاب حكيم لدن صدوره، وكنا أثناءها طلابًا جددًا في الجامعة، قد قرأنا لبعض النقاد أن الحكيم قد استلهم عملًا أحد الكتاب الأمريكيين، فلعل ذلك الناقد قد
стр. 392
ذكر "فوكنر"، ولعل ما كتبه آنذاك هو مت دفع دكتور بدوي التساؤل حول احتمال اطلاع الحكيم على عمل ذلك الأديب الأمريكي.
ومع هذا فهناك من يرى أن الحكيم قد سُبق إلى هذا الشكل التجريبي، من قبل الأديب الأيرلندي "برنانرد شو" في كتابه (البنت السوداء)، وكذلك من قبل الروائي المصري "نجيب محفوظ" في (ثرثرة على النيل)، وصاحب هذا الرأي هو الدكتور علي الراعي، وبالرجوع إلى ترجمة برنانرد شو في بعض دوائر المعارف، لم أجد أي إشارة إلى أن كتاب ( The Black Girl In sezrch of God) الذي نشر عام ١٩٣٢، هو مزيج من الشكلين القصصي والمسرحي، وهذا أمر طبيعي جدًّا، إذ الكتاب كما اطلعنا عليه ليس إلا قصة قصيرة عادية، ومعلوم أن القصة القصيرة لا تنقسم إلى فصول، فلا يمكن من ثم القول بأن فصلها الأول قد اتخذ الشكل القصصي مثلًا ثم تلاه الفصل الثاني متخذًا الشكل المسرحي وهكذا.
بل إنه لم يحدث أن كان جزء من القصة حوارًا خالصًا، والذي يليه سردًا وحوارًا، ووصفًا ورسمًا للشخصية، كي يكون هناك مسوغ للقول أن العمل لم يكن مقسمًا إلى فصول، فهو يجمع بين الشكلين على نحو أو على آخر.
إذًا فما قيل من أن توفيق الحكيم مسبوقًا بقصة شو، هو كلام غير منضبط، ونفس الكلام ينطبق على "ثرثرة فوق النيل" لنجيب محفوظ، فهي رواية خالصة لا مسرواية، حتى لو كان المؤلف قد أكثر من الحوار في بعض الفصول، على حساب العناصر القصصية الأخرى، إذ أن هذا شيء وتأليف الفصل كله حوارًا مسرحيًا شيء آخر.
стр. 393
وفي ندوة نظمتها لجنة الدراسات الأدبية واللغوية للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، عنوانها "تداخل الأجناس الأدبية، المسرواية نموذج"، تناول الدكتور محمد نجيب التلاوي قضية التداخل بين السرد الروائي والمسرحي فيما يسمى بـ"المسرواية"، التي يعرفها بأنها: " شكل أدبي جديد تتعاقب فيه الصيغتان المسرحية والسردية.
ومن المحتمل لديه أن يكون توفيق الحكيم قد أقدم على كتابة محاولته "بنك القلق" وهو متشبع بوجهة نظر بعض النقاد الفرنسيين ظانًّا أنه بذلك يقدم وليدًا أدبيًّا مهجنًا.
ثم يمضي قائلًا: "إن رغبة الرواية في تفعيل خاصة الحضور عن طريق الصوت والخطاب والحوار بأنواعه، هي التي سمحت بتداخل الأجناس الأدبية في الرواية ولاسيما الحوار المسرحي حيث يتم مزج للحاضر البصري والضوئي بالماضي المستحضر من خلال نقطة من نقاط الحاضر".
ولعل هذا في رأيه هو ما دفع نجيب محفوظ إلى العناية الفائقة بالحوار في كثير من رواياته التي قام أحد الدارسين بإحصاء هذه الخاصية الحوارية في بعضها، مثل: "القاهرة الجديدة" التي وجد بها ٣٣ مشهدًا حواريًّا متنوعًا و"الثلاثية" التي بلغت تلك المشاهد فيها ١٨٤، إلا أن اجتهاد محفوظ في هذا الصدد لم يصل إلى حدِّ الذي يجوز عنده وصفها بالمسرواية، وعند التلاوي أن مثل هذه المحاولات تشير إلى تخلي السرد الروائي عن الأسلوب التقليدي وتطلعه إلى مزيد من التجريب الشكلي والحيوية الزائدة للمشاهد الروائية. فهذه تقنية من التقنيات التي تأثرت فيها الرواية العربية بنظيرتها الغربية.
стр. 394
ومما أخذه العرب المحدثون أيضًا عن الغرب لأن أسلافهم لم يتركوا فيه شيئًا، ما يسمى بـ"رواية الترجمة الذاتية" ( Auto Biographical Novel) أو ( roman à clef) ، حيث يكون بطل القصة انعكاس لشخصية المؤلف ذاته، وكثير من الأحداث والمواقف الرئيسية مأخوذًا أو مستوحًى من حياته وما مر به من مواقف ووقع له من أحداث، على أن نعرف أن رواية الترجمة الذاتية ليست بوثيقة تاريخية يُعتمد عليها في الترجمة لمؤلفها، ذلك أن الترجمة الذاتية هي في غير قليل من الأحيان مزيج من الخيال والحقيقة، فما بالنا برواية الترجمة الذاتية، حيث يطلق كاتبها لخياله العنان كما يحلو له من أجل ربط مواد الرواية بعضها ببعض، وكذلك من أجل المتعة والتشويق؛ فضلًا عن تغييره عادة لأسماء الأشخاص والأماكن وتواريخ الأحداث وتفسيرات الوقائع.
ويمكن أن نذكر من ذلك النوع من القصص في الغرب، "ديفيد كوبر فيلد"، و"الآمال الكبير" لتشارلز ديكينز، و"الطفولة والصبا والشباب" لتولستوي، وفي "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست، و"أبناء وعشاق" لديفيد هيربرت لورانس، و "صورة للفنان في شبابه" لجيمس جويز، و"طفولتي" لمكسيم جوركي، و"الدكتور زيفاجو" لباسترناك، و"وداعًا للسلاح" لهمنجواي، و"مدار السرطان" لهنري ملر، و"تقرير" لجريكون نوقس كازنتكس.
وفي أدبنا العربي هناك "زينب" لمحمد حسين هيكل، و"عودة الروح، وعصفور من الشرق، و"يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، و "سارة" للعقاد، وبعض قصص "الأجنحة المتكسرة" لجبران خليل جبران، و"الحي اللاتيني، وأصابعنا التي تحترق" لسهيل إدريس، و"شقة الحرية" لغازي القصيبي، و"ترابها زعفران" لإيدوار الخراط، و"خطط الغيطاني، وتجليات" لجمال الغيطاني،
стр. 395
و"مالك الحزين، ووردية ليل" لابراهيم أصلان، و "الخباء" لميران الطحاوي، و"دنيا زاد" لمي التلمساني، و"قميص وردي فارغ" لنورا أمين، و"مرايا الروح" لبهيجة حسين، و"السيقان الرفيعة للكذب" لعفاف السيد، و"دارية" لسحر الموجي، و"أوراق النرجس" لسمية رمضان، و"عابر سرير" لأحلام مستغ ن ي، و"برهان العسل" لسلوى النعيمي ... إلخ.
كذلك تمثل رواية "الأجيال" Roman fleuve أو Roman Cycle، أو chronicle of saga novel، لونًا آخر من الإبداع القصصي الذي نقلناه عن الغرب، وهي الرواية التي تهتم بسيرة أسرة كبيرة على امتداد جيلين أو ثلاثة، ومن أمثلتها من الآداب الغربية: ( La Comédie humaine) لـ ( Honoré de Balzac) ، و ( le regen manar) لإيميل زولا، و "الحرب والسلام" لتولستوي، و"فرساي ساجا " لجال سورسي و"ابسوديس ناسيونالس" لبيريز جالدوس، و"بحثًا عن الزمن الضائع" و ( Strangers and brothers) لسي بي سنو.
وتكمن أهمية هذا النوع من الكتابة، في أنه يطرح التغيرات الدقيقة التي تطرأ على بنية المجتمع، وشكل العلاقة فيه على مدى حقبة زمنية معينة، ومن أمثلتها في الأدب العربي، "شجرة البؤس" لطه حسين، و"الثلاثية، والحرافيش" لنجيب محفوظ، و"الشارع الجديد" لعبد الحميد جودة السحار، و"خزائن الملح" لعبد الرحمن المنيف، و"مكابدات عبد الله العاشق" لعبد الخالق الركابي، و"أوراق العائلة" لمحمد البساطي، و"ثلاثية الصعود فوق جدار الأمس، وجبل ناعسة والجويني" لمصطفى نصر، و"عش الدبابير" لجميل السلحوت، و"زمن الخيول البيضاء" لإبراهيم نصر الله، و"العمة أخت الرجال" لأحمد أبو خنيجة،
стр. 396
و"خارطة الحب" لأهداب سويس، و"شجرة الفهود" لسميحة خريس، و"سقوف جدار زمن العواطف" لأحمد البتانوني، و"صباح الخير أيتها الوردة" لمحمد فاهي، و"هيروبولس" لمحمد تهامي.
وتعد أيضًا تقنية "تيار الوعي" من الأشياء الجديدة التي أخذتها القصة العربية في عصرنا الحديث عن نظيرتها الغربية، وهذه التقنية نوع من الحوار الداخلي للشخص، تكون الجمل فيه مفككة، والأفكار غير مترابطة، مما يصعب على القارئ متابعة النص، أو المشاعر التي تكون متدخلة في النص، ومن الأعمال القصصية الغربية التي استعملت هذه الطريقة الفنية From underground NotesK لدستو فسكي، و"أنا كارنينا" لتولستوي، و"بحثا عن الزمن الضائع" لمراسيل بروست، و"صورة الفنان في شبابه" لجيمز جويز، و"مسز دالوي، وإلى الفنار، والأبواب" لفيرجينا ولف، و"ستيبين ولف" لهيرمان هيس، و ( The sound and the fury) لويليام فوكلر. و"السقوط "لألبير كامي، و" Jelouse people " لنادين جودي مار.
وفي الأدب العربي تأثر روائيون كثيرون وبخاصة في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي بهذا التيار، منهم نجيب محفوظ في "ثرثرة على النيل"، و"اللص والكلاب"، و"الشحاذ"، ونجيب الكيلاني و"في الربيع العاصف"، وحيضر حيضر في "زمن الموحش"، وهاني الراعي في "ألف ليلة وليلتان"، وجمال الغيطاني في "الزيني بركات"، محمود عوض عبد العال في "سكر مر"، و"عين سمكة"، وإسماعيل فهد إسماعيل في "يحدث أمس"، وليلى الأطرش في "ليلتان وظل امرأة".
стр. 397
وساعد على انتشار هذه التقنية الروايات المترجمة المكتوبة بهذا الأسلوب، ثم ترجمت مفاهيم علم النفس وبخاصة آراء فرويد.
ولا ينبغي في هذا السياق أن ننسى تقنية (تعدد السراد في القصة Multiple person view) ، وذلك حين يكون من الضروري الحصول على أكثر من وجهة نظر في الموضوع الواحد، كأن تكون هناك مثلًا جريمة أو سر خفي يحتاج أن نرصد آراء الموجودين أو وجهات نظرهم جميعًا فيه، كي تتضح الحقيقة أو تظهر جوانب الموضوع كاملة.
وهذه الطريقة هي أيضًا مما أخذه الفن القصصي العربي الحديث عن نظيره الغربي، ويبدو أن القصص التي من هذا النوع ليست بكثرة تلك التي تعتمد التقنيات السردية الأخرى، ومنها خارج الأدب العربي على كل حال ( The sound and the fury) لفوكلر، و Kafka On The shore لموراكامي الياباني، و Ethan From لورتون، ولعل أشهر الروايات العربية التي سارت على هذه الطريقة، هي "ميرامار" لنجيب محفوظ، وهناك أيضًا "الرجل الذي فقد ظله" لفتحي غانم، و"ظلال على الجانب الآخر" لمحمود دياب.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 398
الدرس: ١٥ نشأة قصيدة الشعر الحر وتطورها .
стр. 399
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(نشأة قصيدة الشعر الحر وتطورها)
نبذة عن مراحل تطور الشعر العربي
نشأة قصيدة الشعر الحر وتطورها:
الشعر فن من فنون الأدب، يزيد على الفنون النثرية كالخطابة والمقالة والرواية والمثل: بجريه على الوزن والقافية، وقيامه من ثم على التركيز والتكثيف، مع بروز العنصر الوجداني والخيالي فيه أشد من بروزهما في تلك الفنون الأخرى.
وقد يكونُ الشِّعْرُ بعد ذلك وصفًا لمنظرٍ طبيعيٍّ أو موقف من المواقف، أو شخصًا من الأشخاص، أو قد يكون تعبيرًا عن خاطرة، أو قد يكون انعكاسًا للذات الفردية، أو الذات الجماعية؛ وقد يكون تحميسًا واستنفارًا، وقد يكون عبثًا واستهتارًا، وقد يكون شجنًا ويأسًا، وقد يكون بهجة وأنسًا، وقد يكون فخرًا مجلجلًا، وقد يكون إعجابًا مستوريًا، وقد يكون تأمل واستبطانًا للنفس وانسحابًا من الدنيا والمجتمعات.
وقد يكون إقبالًا على الأحياء والحياة، وقد يكون هتافًا مصمًّا، وقد يكون همسًا ونجوى، وقد يكون كلامًا مباشرًا، وقد يكون حكاية، وقد يكون متعلق بقضية اجتماعية أو إنسانية أو دينية أو سياسية، وقد يكون متعلقًا بشأن ذاتي، وقد يكون مسرحية تتشابك فيها الشخصيات والمواقف والحوارات، وقد يكون ملحمة طويلة تشتمل على العقدة والسرد والوصف، وتحليل النفوس وتحاور الأفراد.
والمُهِمُّ في كل ذلك: أن نلفت النظر إلى أن هذا الفن إنما ينهض على أساس من التركيز وتحليق الخيال، وحرارة الوجدان؛ فضلًا عن توفر عنصر الموسيقى، ذلك العنصر الذي يحاول الآن قومٌ من العجزة أو الموتورين الراغبين في التدمير والتشويه إلغاءه، والزعم بأن الشعر لا يحتاج إليه؛ لأنه ليس من عناصره على
стр. 400
الإطلاق، إنّما هو شيء عرضي إلحاقي كان له يوم من الأيام، والآن يمكن أن يخلو منه، دون أن يكون ثمة ضرر من وراء ذلك البتة.
وقد ظلت القصائد العربية منذ بداية أمرها إلى بضع عشرات قليلة من الأعوام، تنظم على بحر من البحور الخليلية الستة عشر، في عدد من الأبيات يبدأ من سبعة أو عشرة، وقد يَطُولُ إلى بِضْع عَشراتٍ مِنْهَا، ورُبّما إلى ما هو أكبر من ذلك، وإن كان هذا نادرًا في شعرنا بوجه عام، وكان كل بيت ينقسم إلى شطرين، كما كانت الأبيات كلها تلتزم قافية واحدة.
وإلى جانب هذا النمط من الوزن ظهر في الطريق ألوانًا أخرى، كالموشحات والمخمسات، وما إلى ذلك؛ ثم عرفنا في العصر الحديث ما يُسمى بالشِّعر الجديد، أو شعر التفعيلة، الذي يقوم على نظام السطور لا الأبيات، حيث يتكونُ كُلُّ شطر من تكرار تفعيلة بعينها تكرارًا اعتباطيًّا؛ فمرة يكون السطر عبارة عن تفعيلة واحدة، ومرة يكون ست أو سبعًا أو ثلاثًا أو اثنتين حسبما يعن للناظم أن يقف، ويستأنف نظمه في سطر جديد.
وأحيانًا ما يكون في القصيدة الواحدة تفعيلتان مختلفتان أو أكثر, وعلى ذات الشاكلة تفتقر القصيدة التفعيلية إلى نظام قفوي معروف؛ إذ الشاعر حر في أن يُقَفّي متى شاء، وأن يترك التقفية متى شاء، مثلما يمكنه التنويع في القافية على النحو الذي يشاء.
وفوق هذا فلم يمض وقت طويل على ظهور شعر التفعيلة، الذي طنطن به أصحابه في البداية طنطنة محمومة، حتى عادت منظمته الأولى "نازك الملائكة" تنحي باللائمة على الشعراء التفعيليين الذين يخطئون أفظع الأخطاء، وهم يحسبون أنهم يأتون بأعظم التجديد، ويرتكبون أخطاء عروضية مشوهة وهم لا
стр. 401
يشعرون، مُقِرّة بأن ثمانين بالمائة من القصائد الحرة تحتوي على أغلاط عروضية من صنف لا يمكن السكوت عنه.
وأننا قد نجد خطأ عروضي في قصيدة واحدة من عشر، في أسلوب الشطرين، في حين نجده في ثمان من عشر في الأوزان الحرة, وهذه نسبة غير هينة، تجعلُ الغَلط في الشعر الحر ظاهرة متمكنة، يَنبغي أن تخص بالملاحظة.
ومن هنا ارتبك نجم القصيدة التفعيلية وخفت، وظل يرتبك ويخفت رويدًا رويدًا حتى كاد أن يموت في كثير من القصائد، وأضحينا أمام أشباه جثث يزعم أصحابها، أو من يرافقونهم من النقاد على هذا العبث والإفساد المزاعم الطويلة العريضة التي تصم الآذان، إلا أنها لا تجدي فتيلًا.
فإذا أضفنا إلى هذا ما أصبح ملمحًا بارزًا لكثير من نصوص هذا الشعر في الفترة الأخيرة، وهو الغموض الذي كثيرًا ما يبلغ حد الاستغلاق، تبين لنا حجم الكارثة التي نزلت بالشعر العربي على أيدي هؤلاء المغرمين بالتدمير والتجريف، في الوقت الذي يملئون الدنيا صياحًا بأنهم إنما يعملون على إنقاذ الشعر العربي من المأزق الذي وقع فيه، على حين أنهم هم أنفسهم مأزق هذا الشِّعر ومصيبته وبلواه؛ إذ صار الشعر على أيديهم فاقدًا للمعنى والوزن والقافية، واقترب في حالات كثيرة من الهلوسات والبهلوانيات.
فإذا اعترضت أن هذا ليس بشعر، أجابوك بأن الشاعر لم يخلق ليقول شيئًا بل ليلعب الشعر بالكلمات وحسب, ومع هذا تراهم مغرمين غرامًا عجيبًا بإذاعة شعرهم، كما تراهم يتهافتون أشد التهافت على النقاد؛ ليكتبوا عنه وعنهم، وكثيرًا ما نرى أولئك النقاد الذين يزعمون أن لغة الشعر ليست للتوصيل ولا للتواصل؛ وهم يزحرون ويتصببون عرقًا في تفسير ما يقصده الشعر من معنى،
стр. 402
وهذا أكبر دليل على عظم التدليس الذي ينتهجه الفريقان كلاهما في حديثهما عن فن الشعر.
وقد كتبَ بعضُ مَنْ يُدافِعون عن هذا الشعر مقرًّا بأن الغموضَ يلف الشعر الحديث وقسماته، ويخفي جوهره وعلاقاته بأشقائه في لوحة الأدب، وزاد الفجوة التي تفصل بين كثير من النصوص الشعرية المعاصرة، وجمهوره الواسع من القراء، وأن ظاهرة الغموض جاءت من أمور منها الغموض الدلالي، واستحالة الصورة الفنية، وغموض الرمز؛ فماذا بالله بقي في شعر يكون بهذه الدرجة من الغموض؟ وأي غموض إنه غموض مثلث؛ إنه غموض شامل كامل لا يترك للقارئ فرصة لينفد منها إلى شيء يقبل الفهم التذوق.
أما النصوص التفعيلية التي ما زالت تقول شيئًا مفهومًا؛ فقد انحدرت في غير قليل من الأحيان إلى العدوان على قيمنا الخلقية والدينية التي نعتز بها كل الاعتزاز، إذ نرى فيها التجديف في حق الله، والتطاول على الذات الإلهية، والاستعانة بالرموز الوثنية والصليبية، مما لا يمكن استساغته بتاتًا في النفس المسلمة السوية.
بل إن أصحاب هذا اللون من الشعر حين يرجعون إلى التاريخ الإسلامي، لا يجدون من يتخذونه رموزًا لهم إلا أمثال "الحلاج" و"ابن عربي" و"أبي نواس" و"ابن الراوندي" والقرامطة والزنج، ممن تثور حول أفكارهم ومواقفهم ومعتقداتهم علامات استفهام لا تبعث أبدًا على الطمأنينة, كما يتخذون أساتذتهم ومثلهم العُليا من "إليوت" و"باوند" و"ريلك" و"دورك" و"نيورود" وأشباههم رغم اختلاف القيم والاتجاهات والعقائد بيننا وبينهم، ورغم اختلاف ظروف شعرنا العربي عن الشعر الغربي في أشياء كثيرة.
стр. 403
نعم قد انتهى الشعر العربي أو كاد أن ينتهي في أيدي هؤلاء الشعراء إلى طريق مسدود، بعد أن قضوا على كل ما هو نضر فيه، فلم يعد له في معظم ما يكتبون معنى ولا نغم ولا فيه شعور.
وكانت "نازك الملائكي" قد توقعت أنه سوف يأتي اليوم الذي يعود فيه ناظمو شعر التفعيلة، إلى النظم على الطريقة الخليلية مرة أخرى، بعد أن تنحسر الحماسة الأولى لذلك الشعر؛ إذ كتبت في مقدمة ديوان "شجرة القمر": "وإني على يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية، بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها".
كما صرح "نزار قباني" منذ وقت جد مبكر في عدد أغسطس سنة ألف وتسعمائة وثلاث وخمسين ميلادية، من "مجلة الآداب البيروتية" بما نصه: "كنت من أول القائلين بوجوب التحرر من القافية، هذه العبودية التي تقود البيت العربي قف فيقف؛ وتقطع خيوط الخيال العربي في روعت قفزته فيقع منقطع الأنفاس، أما الآن فقد جئت أعترف بفشلي، لأني أيقنت أن التحرر من القافية العربية مغامرة قد تودي بطابع القصيدة العربية، وتقضي على إرنانتها".
ونحن نرى أن موجة الشعر الجديد، هي مجرد موجة من موجات الشعر العربي؛ ليست أفضل ما فيه، ولا هي قمة تطوره كما يريد منا أصحابه أن نعتقد، بل فيها وفيها؛ إلا أن عُيوبَها أوضح فضلًا عن أن هذه العيوب ليست بالعيوب الهينة كما رأينا.
بل إن النماذج الجيدة من هذا الشعر لا تصمد للمقارنة مع النماذج الجيدة لما يسمى بالشعر القديم، خذ مثلًا قصيدتين من أقوى القصائد في هذا الشعر، وهما: "أحلام الفارس القديم" لصلاح عبد الصبور، و"الغرفة رقم ثمانية" لأمل
стр. 404
دنقل، فالأولى في نصفها الأخير تعاني من ما يرمون به الشعر التقليدي كله زورًا وبهتانًا من خطابية ولجوء إلى حشو السطر للوصول إلى النهايات بأي طريق, والثانية يعيبُها ضعف النغم وضحالة العاطفة، إذا قيست مثلًا بقصيدة "مالك بن الريب الأموية" وهي في رثاء الذات مثل قصيدة "دنقل" وذلك رغم المسافة الزمنية الشاسعة التي تفصل بين العمل الأخير، والذي رثى به "دنقل" نفسه.
أو فلنأخذ قصيدة صلاح عبد الصبورة "أغنية من فيينا"، وهي أيضًا من النماذج الشعرية الجديدة التي يبوئها أصحاب الشعر التفعيلي مكانة عالية جدًّا من شعرهم، ولنُقارن بينها وبين رائية بشار "قد لامني في خليلتي عمرو" مثلًا، ولسوفَ يتبينُ لنا في الحال ما يغلب على قصيدة "عبد الصبور" من نثرية وضعف نغم، وتشتُت فكر، وقلة تركيز بحيث لا يجد القارئ لها ما يجده من أثر من قصيدة "بشار" المحكمة البناء، المتجهة قدمًا إلى هدفها، رَغم أن صاحب الأولى معاصر لنا على عكس بشار الذي يفصله عنا ثلاثة عشر قرنًا.
أو فلنأخذ "طردية أحمد عبد المعطي حجازي" ولنُقَارن بينها وبين "طردية الملك العماني سُليمان بن سليم النبهاني" من أهل القرن التاسع والعاشر الهجريين، رغم أن لغة حجازي لغة عصرية ليس في معجمها كلمة واحدة تحتاج منا إلى استشارة أي معجم، في حين أن "طردية النبهاني" مملوءة بالكلمات الغريبة علينا؛ مما يُحوجُنا إلى فتح المعجم كثيرًا.
على أن ليس هناك ما هو أحسم في التفرقة بين الشعرين لصالح الشعر القديم بوجه عام، من أن النّماذج التي يحفظها العربي ويستشهد بها من الشعر الجديد، نادرة جدًّا جدًّا، إذا ما قيست بروائع الشعر التقليدي الخالدة، التي لا تزال تملأ علينا نفوسنا، رغم البعد الزمني الذي يفصلنا عن ذلك الشعر.
стр. 405
إنّ عُنصر المُوسيقى في الشعر هو من العناصر الجوهرية التي لا يكون الشعر شعرًا بدونها، وعبثًا يُحاول المسفسطون إيهامنا بأن الموسيقى ليست بذات أهمية، وأن الشعر يظل شعرًّا حتى في غيابها، وهي دعوى أشبه شيء بأن يقول قائل: إن البيتَ يَظَلُّ بيتًا حتى لو لم يكن له جدران أو سقف، أو الإنسان يَظلُّ إنسانًا حتى ولو لم يكن له رأس أو جزع.
وليست الموسيقى شيئًا مجتلبًا يُلصق بالقصيدة، بل هي جزء منصهر مع بقية أجزائها وتأثيرها تأثير خطيرٌ, إن الموسيقى تخلق للقصيدة جوًّا عجيبًا، يُعَبّد الطريق إلى قلوبنا تعبيدًا أمام ما تتضمنه المعاني وأخيلة وأحاسيس، ويضفي عليها سحرًا وفتنة.
والواقع أن شعرًا بدون وزن وقافية إنْ صَحّ تسميتُه في هذه الحالة شعرًا، وهو لا يَصِحُّ ولا يمكن أن يصح، هو كالأرض الجرداء مقارنة بالروض النضير، تصدح فيه الطيور ابتهاجًا بمقدم الربيع الجميل، وقد هب عليه النسيم العليل.
دعوى أصحاب شعر التفعيلة أن الشعر العربي شعر إنشادي
وثَمّ دعوة أخرى يقول أصحابها من ناظمي شعر التفعيلة: إن الشعر القديم كله شعر إنشادي؛ بمعنى إنه عالي النغم، مجلل على الدوام بغض الطرف عن المناسبة والسياق, والقائلون بذلك يقصدون الزراية عليه، إذ يهدفون إلى القول بأنه كان شعرًا خطابيًّا، يلقى في المحافل، ولم يُنظم ليقرأه الفرد بينه وبين نفسه.
لكنّ هذا غير صحيح، إذ أمامنا نصوص شعرية متنوعة لا حصر لها، بعضُها عالي النغم فعلًا كـ"معلقة عمرو ابن كلثوم" التي يتحدى فيها ملك الحيرة، ويتهدّده بعظائم الأهوال إن هو فكر في أن يقترب منهم، وليس هذا عيب فيها إذ السياق يتطلب النغم العالي المجلل؛ لأنه سياق حروب وصراعات وتهديدات
стр. 406
وقعقعات، وليس من المعقول أن يهمس الشاعر في مثل ذلك الأوان، وإلّا كان ذلك منه دربًا من الخبلِ والعجز عن تقدير الظروف، وما تتطلبه تلك الظروف؛ فضلًا عن أن صور الشاعر صور مفترعة مدهشة.
وبعض هذه النصوص فخر، وإن لم يكن فخرًا مقعقعًا؛ إذ هو فخر في ميدان الغرام لا في ميدان القتال، والفخرُ على كل حال لا يناسبه الهمس والنجوى، وهذا ملحوظ في أبيات "البهاء زهير" الرشيقة الأنيقة الرائقة الشائقة، التي يتغنى فيها بزعامته للمحبين. ومهما قلت فيها من ثناء وإشادة؛ فهي تستحقه وأكثر.
أما نصّا "البحتري" و"ابن الرومي" عن الربيع؛ فبهجة عارمة بمقدم فصل الحب والنجوى، وما يبثه في الوجود المستكن الهاجع من يقظة، ويسربله به من حيوية وحسن وتوثب.
وهناك أبيات "الحمى للمتنبي" وهي أبيات أثيانة منكسرة، وإن خالطت ذلك نَغمة من التهكم المتشائم، والاعتزاز المكتوم بالنفس والتعجب من مفارقات الوجود ... إلخ.
والواقعُ أنّ أصْحَاب الدّعوى الإنشادية؛ إنما يهدفون بدعواهم إلى الغض من عبقرية الشعر العربي، تمهيدًا للقفز عليه وطعنه في مقتل، ولقد فعلوها وإن كان الشعر العربي الكريم الأصيل لم يمت ولن يموت، رغم كل الطعنات والبثور والتقيحات، التي أصابت جسده ووجهه وشوهت محياه الجميل، وأوصلته في شعر الطاعنين إلى طريق مسدود، بعد أن كان يكثر حيوية وعرامًا.
والحق أنّ اتهام الشعر العربي بأنه كله شعر محافل لا يعرف إلا النغمة العالية، هو اتهام باطل كله تدليس؛ فإنّ النّغمة العالية ليست سمة لشعرنا القديم بالإطلاق، بل لبَعض نصوصه ليس إلّا, إلا أن القوم ذوي غرض، والغرضُ مرضٌ كما يقولون.
стр. 407
أترى معلقة "امرئ القيس" أو "طرفة" هما من الشعر العالي النغمة؟! أترى قصائد "ابن أبي ربيعة" أو "جميل" أو "قيس" أو "كثير" في حبائبه هو من الشعر العالي النغمة؟!. أترى قصائد "أبي العاتية" هي من الشعر العالي النغمة؟! أترى غزليات "العباس بن الأحنف" الرقيقة المترفة ورسائله الشعرية لحبيبته "فاوس" هي من الشعر العالي النغمة! أترى قصيدة المتنبي في "الحمى" أو ميميته في الانفصال عن "سيف الدولة" هما من الشعر العالي النغمة! أترى أشعار "ابن الرومي" التهكُميّة أو قصيدته في رثاء ابنه محمد، أو قصيدته في توحيد المغنية هي من الشعر عالي النغمة؟!.
أترى أشعار "ديك الجن" في حبيبته التي قتلها غيرة، ثم قضى سائر عمره يندبها ويشعر بالذنب والويل هي من الشعر عالي النغمة؟! أترى أشعار الصوفية كـ"رابعة العدوية" و"الحلاج" و"ابن الفارض" أشعارًا عالية النغمة؟ أترى غزليات "البهائي زهير" وإخوانياته أشعارًا عالية النغمة؟!. إن القوم ليدلسون أبشع التدليس وأشنعه، وهم يعرفون أنهم يدلسون وهم يفعلون ذلك التدليس لغرض في نفس يعقوب.
بناء القصيدة في الشعر العربي
ومن القضايا المهمة التي تتعلق بالشعر العربي أيضًا: "بناء القصيدة" ولعل أوّل من افتتح الكتابة في هذا الموضوع من مؤرخي الأدب ونقاده هو "ابن قتيبة" الذي قال في كتابه (الشعر والشعراء): "سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مُقَصّد القصيد إنما ابتدأ فيه بذكر الديار والدِّمن والآثار؛ فبكى وشكا وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن، على خلاف ما عليه نازلة المدر؛ لانتقالهم عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان.
стр. 408
ثم واصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد، وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق؛ ليُميل نحوه القلوب، ويَصْرِفَ إليه الوجوه، وليَسْتَدعي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن التّشبيبَ قريبٌ من النُّفوس لائط بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء؛ فليس يكاد أحد يخلوا من أن يكون متعلقًا منه بسبب، وضاربًا فيه بسهم حلال أو حرام.
فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق؛ فرحل إلى شعره وشكا النصب والسهر، وسهر الليل، وحر الهجير وإمضاء الراحلة والبعير.
فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، ودمامة التأمين، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة، وهزه إلى السماح وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل.
فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب وعدَل بين هذه الأقسام؛ فلم يجعل واحدًا مِنها أغلب على الشعر، ولم يُطل فيمل السامعين، ولم يقطع بالنفوس ظماء إلى المزيد.
وليس لمتأخري الشعراء أن يخرُج على مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقفَ على منزل عامر، أو يبكي على مشيد البنيان؛ لأنّ المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما لأنّ المُتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجواري؛ لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي أو يقطع إلى الممدوح منابت من النرجس والآس والورد؛ لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة".
стр. 409
وقد قالت طائفة مؤرخي الأدب العربي ونقاده، بناء على ذلك النص: إن هذه هي بنية القصيدة العربية، التي لم تعرف غيرها طوال عصورها منذ الجاهلية إلى العصر الحديث.
وأول ما ينبغي التنبيه إليه: هو أن الملاحظة السابقة ليست من بنيات عقل "ابن قتيبة" على عكس ما هو شائع؛ إذ هو مجرد حاك لها، كما جاء في بداية كلامه، وان كان يفهم من نهاية النص أنّ الرأي الذي يقول بأنه لا يحق للمتأخر من الشعراء، أن يخرج على ما قرره السابقين منهم هو رأيه هو؛ فإن كان الأمر كذلك فمعناه أنه قد وقع دون أن يدري في شيء من التناقض.
فقد قال في مقدمة كتابه ذاك في سياق الحديث عن الشعراء الذين ترجم لهم فيه، والأساس الذي استند إليه في الحكم على مرتبة كل منهم قال: "ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختار له سبيل من قلد، أو استحسن باستحسان غيره, ولا نظرت إلى المتقد بمنهم بعين الجلالة بتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره؛ بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كل حظه، ووفرت عليه حقه؛ فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله.
ولم يقصر الله العلم ولا الشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص به قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره، وكُلّ شريف خارجية في أوله؛ فقد كان "جرير" و"الفرزدق" و"الأخطل" وأمثالهم يعدون محدثين، وكان "أبو عمرو بن العلاء" يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته, ثم صار هؤلاء قدماء عندنا لبعد العهد عنهم.
стр. 410
وكذلك يقول من بعده لمن بعدنا كـ"الخريمي" و"العتابي" و"الحسن بن هانئ" وأشباههم؛ فكل من أتى بحسن من قول أو فعل، ذكرناه له وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائده أو فاعله، ولا حداثة سنه؛ كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف، لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه".
ومعنى هذا: أنه لا فَضل للمتقدمين من الشعراء على التالين لهم؛ فلماذا يُحرم "ابن قتيبة" على هؤلاء إذا أن يخرجوا على ما قرره أولئك ونهجوا سبيله، إذا كانا الفريقين موهوبين كلاهما، ولا يتفاضلان بهذا الاعتبار؟.
كما أنّ الحياة لا تعترف بهذا التضييق الذي يريد بعض الناس أن يلزموا أنفسهم وغيرهم أيضًا به، بل أن تتسع لألوان كثيرة مختلفة من الأذواق والمعايير، وبخاصة في مجال الفنون والآداب، وما دام الله -سبحانه- لم يجعل العقل والذوق والوجدان والإبداع قصرًا على قوم دون قوم، ولا على جيل دون جيل، ولا على أمة دون أمة, فلماذا اشترط "ابن قتيبة" على اللاحقين من الشعراء أن يلغوا شخصياتهم الفنية، ويحطبوا في حبل من تقدموا من نظرائهم؟.
على أن الذي يُهمنا من هذا النص حقًّا: هو ما جاء فيه من أن تلك هي السبيل التي كان ينتهجها دائمًا أصحاب القصائد، وهو ما لا يوافقه الواقع، إذ هناك قصائد جاهلية كثيرة جدًّا، لم يجر فيها ناظموها على هذه الخطة، بل تراهم يدخلون في موضوعهم مباشرة، أو يَسْتَهِلُّون شعرهم بشيء آخر غير الوقوف على الأطلال، كالنسيب مثلًا، أو الحديث عن فراق الحبيبة لانتقالها مع قبيلتها إلى منزل آخر، أو بالحديث عن السهاد ومراعاة النجوم، ومقاساة الأرق والقلق، أو بالرد على عتاب زوجته له لهذا السبب أو ذاك، أو بوصف الخمر أو بالتحسر على أيام الشباب التي انصرمت ولم يعد لها من رجوع، وغير ذلك من
стр. 411
الابتداءات, وإن كان افتتاح القصيدة بالوقوف على الطلل أشهر من غيره من الافتتاحات.
وحتى إذا وقف الشاعر على الأطلال؛ فإن كثير منهم لا يعقبون ذلك بالرحلة لا للممدوح ولا لأي شخص آخر، بل كثيرًا ما لا يكون هناك ممدوح البتة، كما هو الوضع في "معلقة: عنترة" و"الملك الضليل" مثلًا, كذلك فكثير من هذا الشعر لا يزيد عن أن يكون تصويرًا لتجربة ذاتية حقيقية أو متوهمة لا صلة بينها بتاتًا وبين الأغراض الشعرية التقليدية، ولا البناء الفني الذي تحدث عنه "ابن قتيبة" بأي حال.
وواضح إذًا أنّ ما قاله "ابن قتيبة" لا يقتصر على شعر المديح، بل يقع في شعر المديح وفي غيره، وحتى في شعر المديح فهو لا يقع عليه كله بل على بعضه فقط, أي: أن ما يحسبه كثير من الباحثين نظامًا صارمًا يتبعه الجاهليون والقدماء عمومًا في بناء القصيدة؛ لم يكن في الحقيقة كذلك، بل كان يراعى في بعض قصائد المديح لا كلها، وإن لم يقتصر على ذلك النوع من القصائد، بل يشركها في ذلك كثير من الأشعار غير المدحية أيضًا.
وبالمثل إذا كانت هناك قصائد متعدد الأغراض؛ فكذلك قامت إلى جانبها قصائد لا تشتمل إلا على موضوع واحد، مقدارها لا يسعه الإحصاء كثرة كقصائد "عمر ابن أبي ربيعة" مثلًا وأشعار العذريين وشعر "أبي العتاهية الزهدي" وهو معظم شعره وشعر "العباس بن الأحنف" وغير قليل من شعر "بشار" كـ"رائيته المفحشة" مثلًا و"بائية: أبي تمام" في فتح عمورية، وكثير من شعر "المتنبي" و"أبي العلاء المعري" و"ابن الرومي" وكل شعر "ديك الجن" تقريبًا وكل الشعر الصوفي تقريبًا .. إلخ. وبهذا يتبين لنا زيف مقولة أخرى منتشرة بين مؤرخي الأدب العربي.
стр. 412
المناداة بما يسمى بالوحدة العضوية داخل القصيدة
ثُم جد في الشعر العربي الحديث المناداة الملحة بالوحدة العضوية؛ وهي تقوم على تشبيه القصيدة بالجسم الحي، من حيث إن له أعضاء متصلة، ولكل عضو من أعضائه الموضع الذي لا يعدوه من الجسم؛ فلا يمكن من ثم نقله إلى موضع آخر؛ كما لا يمكن الاستغناء عنه, وهو ما لا بد أن يتحقق نظيره في القصيدة، فلا يتقدم بيت عن موضعه أو يتأخر، مثلما لا يمكن حذف شيء منها، وإلا فسد أمرها كما يفسد أمر الجسم إذا خلع منه عضو، ونقل إلى غيره مكانه الذي كان فيه لو بتر منه أصلًا.
وممن نادى بهذه الوحدة في العصر الحديث: المرحوم "عباس محمود العقاد" الذي أخذ على شوقي فيما أخذه عليه في كتاب (الديوان في الأدب والنقد) أن قصائده تعاني من التفكك أيما معاناة.
إلا أن "الحاتمي" في القرن الرابع الهجري قد قال شيئًا شبيهًا بهذا وهذا نص كلامه حسبما أورده كل من "ابن رشيق" في كتابه (العمدة في صناعة الشعر) والحصري القيرواني في (زهر الآداب وثمر الألباب) قال الحاتمي: "من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجًا بما بعده من مدح أو ذم، متصلًا به غير منفصل عنه؛ فإن القصيدة مَثَلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض؛ فمتى انفصل واحد عن الآخر وبينه في صحة التركيب؛ غادر بالجسم عاهة تتخول محاسنه، وتعفي محاسن جماله، ووجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين، يحترسون من مثل هذه الحال احتراسًا يحميهم من شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان".
стр. 413
لكن من الواضح أنّ الحاتمي لم يكن يقصد أن يكون موضوع القصيدة شيئًا واحدًا، إذ طالبَ الشاعرَ بأن يكون نسيبه في أول القصيدة متصلًا اتصالًا وثيقًا بمديحه أو هجائه في آخرها، بما يعني انه لا يجد شيئًا في تعدد أغراضها، وعلى هذا فكل ما كان في ذهنه ألا أن تتنافر تلك الأغراض فيما بينها، بل تكون متلاحمة متسقة، وهذا مطلب نادى به النقاد العرب القدماء كلهم تقريبًا إلا أن "الحاتمي" هو الوحيد -فيما نعلم- الذي شبه القصيدة بالجسم الحي.
أما "العقاد" فكان يرفض تعدد الأغراض في القصيدة الواحدة، وأخذ على شوقي ابتداءه بعض أشعاره السياسية بالغزل على الطريقة القديمة.
ويرى "محمد مندور" في الفصل الذي خصصه للعقاد في كتابه (النقد والنقاد المعاصرون) أنّ هذه الوحدة العضوية التي نادى بها العقاد، لا تكادُ تُتَصَوّر إلا في القصائد القصصية أو الدرامية، أمّا في ما عدا هذا من شعر غنائي يقوم على تداعي المشاعر والخواطر، في غير نسق محدد فلا؛ وأن في دعوة الأستاذ "العقاد" تعسفًا غير مقبول.
ثُم مضى فذكر أنه طبق ذلك المعيار على قصيدة "البشير" لـ"العقاد" هي هدية الكروان؛ فكانت النتيجة إن أمكن تقديم بعض الأبيات وتأخير بعضها الآخر، دون أن يلحق بالقصيدة أي أذى, وكلام الدكتور "مندور" بوجه عام صحيح إلى حد كبير، ولكنّ هذا لا يمنع من وجود قصائد غير قصصية ولا درامية، تتحققُ فيها الوحدة العضوية، كقصيدة "سلع الدكاكين في يوم البطالة" و"رثاء طفلة" لـ"العقاد" وقصيدة "العودة" لـ"إبراهيم ناجي" وقصيدة "لست قلبي" و"لا تكذبي" لـ"كامل الشناوي" وقصيدة "أيظن" لـ"نزار قباني" مثلًا.
стр. 414
وتزداد فرصة تحقق الوحدة العضوية إذا كانت القصيدة قائمة على نظام المقاطع الذي ينفرد فيه كل مقطع بشكل موسيقي مختلف، ففي هذه الحالة يستحيل أن ينتقل أي بيت في القصيدة من مقطع إلى مقطع آخر، وإلا فسد نظامها الموسيقي, وبهذا تقل فرصة تلاعب الأبيات عن طريق نقلها من موضع إلى غيره، كما هو الحال في الموشحات وفي قصيدة "أخي" لـ"ميخائيل نعيمة" وأمثالها.
وعلى أية حال؛ فإنّ أحسَنَ شَيء في هذه القضية: هي أن نقصر مطالبتنا للشاعر على أن يكون لقصيدته موضوع واحد، وأن يسودَها جو نفسي واحد، وألا تكون الوحدة الفكرية الصغرى في القصيدة هي البيت بل المقطع وما أشبه.
ظهور ما يُسمى بالشعر الحر
ثم ظَهَر بعد هذا ما يُسمّى بالشعر الحُر، وهي تسمية توحي بأن أصحاب هذا الاتجاه في كتابة الشعر، يرون أن من سبقهم كانوا يكتبون شعرًا مقيدًا، وأن طريقتهم هم؛ قد حررت الشعر العربي من القيود التي كبلت الشعراء العرب قرونًا طويلة.
إذ رأى أعضاء هَذه الجَماعة أن القصيدة العربية القديمة فرضت عليهم قالبًا شعريًّا قائمًا على وحدة الوزن والقافية، طالبتهم باتباعه فكان على الشاعر حين يكتب قصيدة في بحر من بحور الشعر العربي أن يكمل البحر في كل بيت من أبيات القصيدة، حتى لو اضطر كما يحدث في كثير من الأحيان -وفاء لشكل هذا البحر- أن يضيف كلمات، أو عبارات، أو جملًا، بغية استكمال الشكل لهذا البحر؛ مما يدل على أن الشكل الشعري أصبح قيدًا يتحكم في الشاعر، وليس الشاعر هو الذي يتحكم فيه.
стр. 415
فكان على الشاعر أن يتحرر من هذا القيد ويتمرد على مفهوم البيت المتكون من شطرين متساويين، وعاد تشكيله بحيث أضحى يتألف من سطور متفاوتة الطول، إذ كل سطر منها مكون من عدد من التفعيلات يختلف حسب الدفعة الشعورية؛ فإذا طالت طال معها السطر والعكس صحيح, ومن ثم لم يعد بحاجة إلى الحشو لتكميل وزن البيت.
ولم يمض سنواتٌ قلائل؛ حتى شكل هذا اللون من الشعر مدرسة شعرية جديدة، حطمت -كما قالوا- كلَّ الفروض المفروضة على القصيدة العربية، وانتقلت بها من حالة الجمود والرتابة، إلى حال أكثر حيوية وأرحب انطلاقًا.
وبالنسبة إلى بدايات هذا الاتجاه نجد من يرجعها إلى خمسينات القرن العشرين، وإن كانت إرهاصاتها قد بدأت في الأربعينات، إلا أن هناك من يعودها إلى الثلاثينات، بل هناك من يعود بها إلى ما هو أبعد من ذلك كما سيأتي تفصيله.
وقد وجدت مدرسة الشعر الحر الكثير من المريدين، وانتشرت في جميع البلدان؛ فرأينا في العراق "نازك الملائكي" و"السياب" و"البياتي" ورأينا في مصر "صلاح عبد الصبور" و"أحمد عبد المعطي حجازي" ورأينا في لبنان "أحمد علي سعيد" "خليل حاوي" و"يوسف الخال" ورأينا في فلسطين "فدوى تقان" و"سلمى خضراء الجيوشي" ورأينا في السودان "محمد الفيتوري" و"صلاح محمد إبراهيم" وهذه مجرد أمثلة ليس غير.
ولكن ما شكل الشعر الحر؟ فعند "نازك الملائكي" أنّ الشعر الحر هو شعر ذو شطر واحد، أو فلنقل: ذو سطر؛ مكون من عدد من التفعيلات ليس له طول ثابت، إذ يصحُّ أنْ يتغيرَ عدد التفعيلات من شطر إلى شطر، مع تفضيل وحدة التفعيلة؛ فينظِمُ الشَّاعر من البحر ذي التفعيلة الواحدة المكررة "كالرمل" مثل أشطرًا تجري
стр. 416
على هذا النسق أو على نسق آخر مُشابه, "فاعلات فاعلات فاعلات فاعلات, فاعلات فاعلات", "فاعلات فاعلات فاعلات فاعلات", "فاعلات فاعلات فاعلات, فاعلات فاعلات".
وهكذَا يَمْضِي الشّاعِرُ عَلَى هذا النسق حُرًّا في اختيار عدد التفعيلات في السطر الواحد، غير خارج على القانون العروضي على بحر الرمل، فالشكل الجديد يقوم هنا على وحدة التفعيلة دون التزام موسيقى البحور المعروفة، وإنْ كان هناك من ينظم قصيدته على أكثر من تفعيلة كما سيأتي لاحقًا.
وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن شُعَراء القصيدة الحُرّة يرون أن موسيقى الشعر ينبغي أن تكون انعكاسًا للحالات الانفعال عند الشاعر.
ومِمّا سَبَق تتضح لنا ملامح الشعر الحر؛ فالعروض موجود وهو يقوم على التفعيلة لا على البحر كله, فإذا أراد الشاعر أن ينسج قصيدة ما على بحر معين، وليكن الرمل مثلًا كان لزامًا عليه، أن يلتزم في قصيدته بتفعيلات هذا الرمل من مطلعها إلى منتهاها، وليس له من الحرية سوى عدم التقيد بنظام البيت التقليدي، والقافية الموحدة، وإن كان الأمر لا يمنع من ظهور القافية واختفائها من حين لآخر دون نظام معروف، بل حسبما تقتضيه الدفقة الشعورية.
فقد يتكون الشطر أو السطر من تفعيلة واحدة، وقد يصل في أقصاه ست تفعيلات كبيرة، مثل: "مفاعيل ومستفعل" أو ثمان صغيرة، إذا كان البحر الذي استخدمه الشاعر يتكون من ثلاث تفعيلات صغيرة، مثل: "فعول أو فاعل", وإن كان من النقاد من لا يميل إلى تحديد عدد التفعيلات في الشطر الواحد، تاركًا الحُرّية للشاعر نفسه في تحديدها وفقًا لتنوع الدفقات الشعورية التي تموج بها نفسه، في حالته المعينة.
стр. 417
ورغم أنّ الشاعر الذي ينظم الشعر الحر يمكنه استخدام البحور الخليلية المفردة التفعيلات، والمزدوجة منها على حد سواء؛ فإن البحور الصافية التفاعيل هي أفضل البحور وأيسرها في نظم هذا اللون من الشعر الحر، لاعتمادها على تفعيلة مفردة غير ممزوجة بأخرى, والبحور الصافية التفاعيل هي التي يتألف شطرها من تكرار تفعيلة واحدة ست مرات، كالرمل والكامل والهزج والرجز والمتقارِب والمتدارك.
كما يدخل ضمن تلك البحور مجزوء الوافر "مفاعلة مفاعلة", وقد يجمع الشاعر من أشكال الوزن الواحد "الوافي والمجزوء والمشطور والمنهوك جميعًا.
أما القافية: فهي في مفهوم أصحاب هذا الاتجاه نهاية موسيقية للسطر الشعري، وهي انسب نهاية لهذا السطر؛ ومن هنا كان صعوبة القافية في الشعر الجاهلي في رأيهم، وكانت قيمته الفنية كذلك؛ إذ الشاعر في هذا لا يبحث عنها في قائمة الكلمات التي تنتهي نهاية واحدة، وإنما هي كلمة ما من بين كل كلمات اللغة يستدعيها السياقان: "المعنوي والموسيقي" من الشطر الشعري؛ لأنها هي الكلمة الوحيدة التي تضع لهذا السطر نهاية ترتاح النفس للوقوف عندها، كما قال الدكتور "عز الدين إسماعيل".
كذلك يقول أصحاب هذا الاتجاه: إن وظيفة ما يسمونه بالشعر الحر: هو التعبير عن معاناة الشاعر الحقيقية للواقع الذي يعيشه؛ فالقصيدة تجربة إنسانية مستقلة، وليس الشعر مجموعة من المشاعر والأخيلة والتراكيب اللغوية فحسب، بل هو فوق هذا طاقة تعبيرية تشارك في خلقها كل القدرات والإمكانات من إنسانية في المجتمع, كما أن موضوعاته موضوعات الحياة عامة، وبالذات ما يكشف منها عما في الواقع من زيف وضلال، وتخلف وجوع ومرض بغية دفع الناس إلى تغيير حياتهم نحو الأفضل.
стр. 418
أما بالنّسبة إلى بدايات الشعر الحر فتقول "نازك الملائكة" في أول طبعات كتابها (قضايا الشعر المعاصر): كانتْ بداية حركة الشعر الحر سنة ١٩٤٧م في العراق، ومن العراق بل من بغداد نفسها زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله، وكادت بسبب الذين استجابوا لها تجرف أساليب شعرنا الأخرى جميعًا، وكانت أول قصيدة حُرّة الوزن تنشر قصيدة معنونة "الكوليرا" ثم قصيدة "هل كان حبًّا" لبدر شاكر السياب من ديوان "أزهار دابلة" وكلتا القصيدتان نشرتا في عام ١٩٤٧م.
إلا أن "نازك الملائكي" عادت في مقدمة طبعة لاحقة لكتابها المذكور فقالت: "إنه مزيد من الاطلاع والدرس، قد تحقق لديها أنّ بدايات الشعر الحُر ترجعُ إلى ما قبل عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين ميلادية، وممن ذكرت اسمهم في هذا المجال "علي أحمد باكثير" و"محمد فريد أبو حديد" و"محمود حسن إسماعيل" و"لويس عوض" و"عرار" شاعر الأردن ... إلخ.
بل أشارت الشاعرة والناقدة العراقية إلى قصيدة من الشعر الحر عنوانها "بعد موتي" نشرتها جريدة العراق سنة ١٨٢١م تحت عنوان: "النظم المطلق" الشاعر وقع تحتها بالحرفان الأولان من اسمه "ب ن" ثم تعقب بقولها: والظاهر أن هذا أقدم نص في الشعر الحر.
إلّا أنّ النّاقد السعودي دكتور "محمد الصفراني" قد رد على ذلك في مقال له منشور بموقع أسواق المربد بعنوان "في القصيدة الحديثة ريادة العواد حقيقة علمية جديدة قائلًا: "والسؤال المهم الآن هل نستطيع أن نَحْكُم بأن حركة الشعر الحر بدأت في العراق سنة إحدى وعشرين وثمان مائة وألف ميلادية؟ إن الشاعر السعودي "محمد حسن عواد" يبرز من بين المعروفين والمشهورين في ساعة الشعر
стр. 419
الحر رائدًا يستحق الريادة، بالدليل التاريخي المادي والفني؛ وليس بالعواطف والتمني ولا التصارخ والتجني.
فقد سبق الشاعر والناقد "محمد حسن عواد" كل من "باكثير" و"نازك الملائكة" و"بدر شاكر السياب" في إبداع الشعر الحر والتنظير له نقديًّا", وحتى يكون كلامنا بعيد عن الأهواء والتمنيات والرجم بالغيب، ها نحن نقدم الدليل المادي على ريادة "العواد" للشعر لحر بين يدي دعوانا وهو صورة أو نص حر نشره "العواد" في صحيفة "القبلة" عام ١٩٢١م مع وعد بنشر النص الحر الثاني الذي نشره "العواد" بصحيفة "القبلة" في نفس العام في الحلقة القادمة.
ودفعًا للشبهات فإنا سأدرج صورة طبق الأصل من الصفحة الأولى من صحيفة "القبلة" للعدد الذي نشر فيه "محمد حسن العواد" نصه الأول المكتوب على نظام الشعر الحر، وأتلوها بصورة طبق الأصل من الصفحة التي نشر فيه النص نفسه، بعنوان: "تحت أفياء اللواء" وسأعيد كتابة مقدمة الصحيفة للنص ونص قصيدة "العواد" حتى أكون واضحًا، وأشير إلى عدد التفعيلات المكونة لكل سطر من أسطر النص برقم في أوله.
"الشعر المطلق" جاءتنا القصيدة الآتية من الفاضل صاحب الإمضاء بجدة، وهي من الشعر المطلق على الطراز الجديد، يُضاهي بها قصيدة من هذا النوع تغزل فيها صاحبها بالرايات العربية، وكنا قد نشرناها في عددنا رقم ١١٥ نقلًا عن جريدة "العراق الغراء" وهي القصيدة التي جاءتنا من "جدة":
تحيا تحت أفياء اللواء نهضتي
أنت فخري أنت ذخري بك قدري
يعتلي فوق سماك الأعزل
стр. 420
لك قد آثرت في العمر احتساء العلقمي
بك دومًا فقت قومًا عرفوا معنى الحياة
فانشرينا وارفعينا في الورى أرفع جاه
نحن قزم نعتلي تحت ظلال العلقمي
نهضتي ما ارتقائي واعتلائي واكتسائي
ثوب عز فيه يصفو العيش لي
بسواك أنت أسباب حياتي الأمم
بك تحيا كل عليا أنت عنوان الفخار
افهميني علميني في الورى حفظ الزنار
وارفعي رايتنا فوق جباه الأنجم
نهضتي أنت مجدي منك سعدي
حرري وطن لا يبتغي إلا الصعود
واخلعي عن عنقه نير العبود
أسعديه بلغيه كل غايات المرامي
ليعيش الشعب في عيش رغيد
في هناء تحت أفياء اللواء المعلمي
نهضتي أنت أس للارتقاء السام الصحيح للوطن
أنت للشعب المعنى خير روحي في بدن
стр. 421
فاكتبي في صفحة الشعر الجديد إنما النهضة أم الارتقاء العالمي
جدة م ح "أي: محمد حسن عواد"
يبني العواد نصه على أن الشعر الحر؛ فقد أقام وزنه على أساس تفعيلة "فاعلات" التي يقوم عليها بحر صاف هو بحر الرمل, ولقد جعل "العواد" من تفعيلة "فاعلات" وحدة موسيقية مستقلة بذاتها، ووزعها بأعداد متساوية على سطور النص، من غير أن يلتزم بنظام ثابت في التوزيع, ويتضح التفاوت في التوزيع التفعيلات على سطور النص من خلال الأرقام التي يبدأ بها كل نص، والتي يدل كل منها على عدد التفعيلات المكونة للسطر.
وقد قسم "العواد" النص إلى أربعة مقاطع حيث يتكون المقطع الأول من ثلاثة عشر سطرًا، ويتكون المقطع الثاني من ثلاثة عشر سطرًا، ويتكون المقطع الثالث من أحد عشر سطرًا، ويتكون المقطع الرابع من ثمانية أسطر، وقد كتب "العواد" مقاطع النّص جميعها على هيئة السطر النثري، الذي يخالف الشكل التناظري للقصيدة الكلاسيكية القائمة على البيتية على بحور الشعر العربي المعروف.
وبهذا يتبين لنا أن نص العواد يتوافق مع مفهومنا الإجرائي للشعر الحر موافقة تامة، كما يتوافق مع مفهوم العواد للشعر الحر، كما سيرد في مدونة "العقاد" النقدية لاحقًا، واستنادًا إلى توافق نص "تحت أفياء اللواء" مع مفهوم الشعر الحر، واستنادًا إلى تاريخ نشره في صحيفة "القبلة" الواقع في سنة ألف وتسع مائة وواحد وعشرين ميلادية، نستطيع القول إن الشاعر السعودي "محمد حسن العواد" قد سبق كل من "با كثير" و"نازك الملائكة" و"بدر شاكر السياب" في كتابة الشعر. هذا ما قاله الكاتب السعودي.
стр. 422
ومع هذا فقد رد أحد المعلقين على هذا المقال بالموقع: بأن موضوع بدايات الشعر الحُر وريادتة موضوع مطول جدًّا، واجتهد باحثون كثيرون في رصد هذه الظاهرة أبرزهم "يوسف عز الدين" و"إحسان عباس" وعز الدين إسماعيل" وآخرون، وانتهى أكثرهم إلى جملة من الرواد "محمد فريد أبو حديد", "أحمد ذكي أبو شادي", "باكثير", "بشر فارس".
لكنّ أقدم نص في العصر الحديث ينتمي لهذا الشكل هو نص "رفيف الأقحوان" للشاعر "توفيق فياض" سنة ١٨٩٢م, وهذا التعليق يبين لنا أن أساس المسألة هي نصوص تظهر بين الحين والحين من ركام الماضي؛ فكُلّما ظهر نص ينطبق عليه مفهوم الشعر الحُر، رجعنا ببدايات هذا الشعر إليه، إلى أن يظهر نص آخر يلغيه وهكذا، وإن لم يرد المعلق نص "توفيق فياض" مكتفيًا فقط بالإشارة إليه.
وعلى كل حال فمن المعروف أنه لا يتم أي تغيير أو تطوير دفعة واحدة، بل يبدأ قطرات صغيرة متباعدة، تسبق أهطال المطر وتدق السيول, وقد ذكر بعضهم على لسان أصحاب شعر التفعيلة: أن القصيدة التفعيلة أن القصيدة التفعيلية هي الإطار الملائم والمفضل لدى معظم الشعراء وما زالت، بما لها من فوائد تخدم الذائقة، ومنها الحرية التعبيرية التي يجتاح من خلالها تدفق الأفكار الشعرية دونما عائق من قافية أو وزن محدد التفاعيل، ثم الأريحة البصرية والنفسية، بسبب من كسر للروتين التوزيع البصري للقصيدة البيتية؛ مما حد من "سيماترية" العمود الكلاسيكي.
كما أن التفعيلة من موسيقاها تساعد كثيرًا على تمكين ألفاظ الشعر من تعدي عالم الوعي، والوصول إلى العالم الذي يتجاوز حدود الوعي، التي تقف دونها الألفاظ المنشورة.
стр. 423
لكن فات القائلين بهذا أنه لا يوجد شيء في الدنيا يخلو من القيود، فضلًا عن أن يكون هذا الشيء هو الفن، إن هذه القيود هي الحافذ الذي يستثير كوامن الموهبة، ما المذخور العبقري عند الفنانين الكبار إلى الظهور فتأتي بالأعاجيب، ولولا هذه القيود التي لا ينبغي مع ذلك أن تتحول من عامل يستنفر المواهب والعبقريات، إلى جدار مصمت صعب أو يستحيل اختراقه؛ لما استطعنا تمييز الإبداع الحقيقي عن الغثاء الفني.
أما ما قيل عن الراحة البَصرية؛ فإنْ صَحّ هذا الكلام وهو لا يصح، فبإمكان الشاعر أن يَطْبَع نص القصيدة دون تنسيق، وإن كُنّا نستغرب هذا التعبير العجيب، لكننا إنما نرد على قائليه بطريقتهم ليس إلا، أما الزعم أن التفعيلة بموسيقاها تساعد كثيرًا على تمكين ألفاظ الشعر من تعدي عالم الوعي، والوصول إلى العالم الذي يتجاوز حدود الوعي الذي تقف دونها الألفاظ المأثورة؛ فهو كلام غير منضبط وغير مفهوم، وإلا فإذا كانت من موسيقى التفعيلة تلك الخاصة، فلا ريب أنّ لموسيقى قافية الشعر ذو الشطرتين أقوى نغمة، ومن ثم أقدر على تأدية تلك الوظيفة المدعاة أيًّا كان المقصود منها.
كذلك فقول بعضهم: إنّ القَافِية في الشعر التفعيلي أصعب منها في الشعر القديم، هو مما لا يعقل؛ إذ يذكُر أنصارُ الشِّعر الجديد من بين الأسباب الني دعت إلى الخروج عن نظام الموسيقى الخالدية: صعوبة القيود التي تكبل الشعراء في هذا النظام؛ فكيفَ نُصَدِّق أنهم يعملون على الانعتاق من صعوبة، بغية الوقوع في صعوبة أصعب؟ هذا ما لا يمكن تصوره.
ويقول الدكتور "النويهي": إن الدافع الحقيقي إلى نظم شعر التفعيلة هو الرغبة في استخدام التجربة، مع الحالة النفسية والعاطفية للشاعر، وكذلك لكي يتآلف
стр. 424
الإيقاع والنغم مع المشاعر الذاتية، في وحدة موسيقية عضوية واحدة، وهو زعمٌ لا يعقل، وإلا كان معنى ذلك أن الشعراء العرب طوال ستة عشرَ قرنًا من الزمان على الأقل، لم يكونوا يستطيعون العثور على النغم الموسيقي المناسب للتعبير عن مشاعرهم الذاتية.
ترى ماذا كان يفعل "امرؤ القيس" أو "طرفة" أو "عنترة" أو "زهير" أو "الخنساء" أو "أبو ذؤيب الهذلي" أو "عمر بن أبي ربيعة" أو "جميل بثينة" أو "كثير عزة" أو "ابن قيس الرُّقيات" أو "بشار" أو "أبو نواس" أو "أبو العتاهية" أو "العباس الأحدب" أو "أبو تمام" أو "البحتري" أو "ابن الرومي" أو "ابن زيدون" أو "المعري" أو "الشريف الرضي" أو "ديك الجن" أو "البهاء زهير" إلى آخر من نعرف ومن لا نعرف من الشعراء العرب، سوى التعبير عن أنفسهم ومشاعرهم ومواقفهم مستعينين في كل هذا بنظام والقوافي المتاحة لهم، والذي لا يعجب الآن الدكتور "نويهي".
والعجيب أنه في كتابه (الشعر الجاهلي) يقف مبهورًا أمام بعض النماذج الشعرية الجاهلية، مبرزًا ضمن ما أبرز البراعة النغمية الموسيقية التي يقوم عليها بناء النص الذي يحلله, بل لقد فعل ذبك إلى درجة مغالية لم أستطع أن أقرها عليه أحيانًا فيما كتبت عن ذلك الموضوع في الفصل الأول من كتابي (الورايا الرشوية) الذي تناولت فيها منهج الدكتور "النويهي" في دراسة الشعر الجاهلي.
كذلك نراه في كتابه (ثقافة الناقد الأدبي) يعبر عن إعجابه العظيم بقصيدة "ابن الرومي" في رثاء ابنه الأوسط، ويراها شيئًا فذًّا رغم أنها منظومة على نظام الموسيقى التقليدي، فما عدا إذًا مما بدا، ومن الواضح أن في حكمة الأخير على النظام العروضي والقافوي السابق تجنيًا وإسرافًا بعيدًا، وأن الأمر يحتاج إلى اعتدال النظرة، وهدوء المشاعر، بدلًا من المبالغات الشديدة والآراء المسبقة، الكفيلة بإفساده للأحكام النقدية هذا الإفساد الشنيع.
стр. 425
إن الرجل لبارع في استخدام المنهج الانطباعي في التعليق على النصوص الشعرية، إلا أنه فيما يبدو لا يوفق كثيرًا حين يخرج عن هذا المنهج، أو حين يلجأ إلى التنظير.
أما بالنسبة إلى كلام المتحمسين للشعر التفعيلي حول الوحدة العضوية ودعواه افتقار الشعر العمودي إليها؛ فينبغي أن لا ننسى أن كثيرًا من نماذج الشعر العربي القديم جدًّا تتمتع بتلك الوحدة؛ كقصائد "الخنساء" وقصائد "عمر بن أبي ربيعة" وقصائد "جميل" وكثير من قصائد "بشار" و"أبي نواس" و"أبي تمام" و"ابن الرومي" و"المعري" و"ابن زيدون" و"البهاء زهير" ومعظم الموشحات وكل أشعار مدرسة المهجر ومدرسة الديوان ومدرسة أبوللو تقريبًا على قدر ما يُمكن تحقق الوحدة العضوية في الشعر الغنائي، الذي أنكر الدكتور "مندور" بقوة أن يتحقق له ذلك اللون من الوحدة، ورددت عليه أنا مبينًا أن هناك شعرًا غنائي غير قليل، تتحقق له تلك الوحدة، التي ينبغي مع ذلك أن لا نكون متنقصين في تعريفها وتضييق مفهومها، وإلا فلا يُمكن تحققها في أي شعر غنائي تقريبًا.
وهناك أيضًا من أحدث ضجيجًا مصمًّا حول اللغة البسيطة التي يستعملها شعراء التفعيلة، والتي يجعلون منها إحدى مزايا ذلك الشعر، زاعمين أنها غائبة من الشعر العمودي تمامًا، وهذا ادعاء فاسد تكذبه الوقائع الصلبة، إذ إن شعر "الخنساء" مثلًا أو "ابن أبي ربيعة" أو "جميل" أو "البهاء زهير" وبهذه الأسماء ولو مجرد أمثلة أذكرها كيفما اتفق قد نظم بلغة لم يكن للمستمع أو القارئ وقتئذ فيها شيئًا يصعب فهمه، بل إننا الآن لنستطيع أن نقرأ هذه الأشعار، ونفهمها ونتذوقها إلى حد كبير دون الاستعانة بأي قاموس لغوي.
أما في العصر الحديث؛ فالأمر يحتاج إلى توضيح، وإلا فإن كان "المازني" أو "علي محمود طه" أو "الهمشري" مثلًا ينظمون أشعارهم بألفاظ حوشية غير مفهومة، أو لا تسوغ في السمع أو على الألسنة، إن كل شعر إنما ينظم بوجه عام باللغة التي
следующие страницы →