Полный текст (584 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فاكتبي في صفحة الشعر الجديد إنما النهضة أم الارتقاء العالمي
جدة م ح "أي: محمد حسن عواد"
يبني العواد نصه على أن الشعر الحر؛ فقد أقام وزنه على أساس تفعيلة "فاعلات" التي يقوم عليها بحر صاف هو بحر الرمل, ولقد جعل "العواد" من تفعيلة "فاعلات" وحدة موسيقية مستقلة بذاتها، ووزعها بأعداد متساوية على سطور النص، من غير أن يلتزم بنظام ثابت في التوزيع, ويتضح التفاوت في التوزيع التفعيلات على سطور النص من خلال الأرقام التي يبدأ بها كل نص، والتي يدل كل منها على عدد التفعيلات المكونة للسطر.
وقد قسم "العواد" النص إلى أربعة مقاطع حيث يتكون المقطع الأول من ثلاثة عشر سطرًا، ويتكون المقطع الثاني من ثلاثة عشر سطرًا، ويتكون المقطع الثالث من أحد عشر سطرًا، ويتكون المقطع الرابع من ثمانية أسطر، وقد كتب "العواد" مقاطع النّص جميعها على هيئة السطر النثري، الذي يخالف الشكل التناظري للقصيدة الكلاسيكية القائمة على البيتية على بحور الشعر العربي المعروف.
وبهذا يتبين لنا أن نص العواد يتوافق مع مفهومنا الإجرائي للشعر الحر موافقة تامة، كما يتوافق مع مفهوم العواد للشعر الحر، كما سيرد في مدونة "العقاد" النقدية لاحقًا، واستنادًا إلى توافق نص "تحت أفياء اللواء" مع مفهوم الشعر الحر، واستنادًا إلى تاريخ نشره في صحيفة "القبلة" الواقع في سنة ألف وتسع مائة وواحد وعشرين ميلادية، نستطيع القول إن الشاعر السعودي "محمد حسن العواد" قد سبق كل من "با كثير" و"نازك الملائكة" و"بدر شاكر السياب" في كتابة الشعر. هذا ما قاله الكاتب السعودي.
стр. 422
ومع هذا فقد رد أحد المعلقين على هذا المقال بالموقع: بأن موضوع بدايات الشعر الحُر وريادتة موضوع مطول جدًّا، واجتهد باحثون كثيرون في رصد هذه الظاهرة أبرزهم "يوسف عز الدين" و"إحسان عباس" وعز الدين إسماعيل" وآخرون، وانتهى أكثرهم إلى جملة من الرواد "محمد فريد أبو حديد", "أحمد ذكي أبو شادي", "باكثير", "بشر فارس".
لكنّ أقدم نص في العصر الحديث ينتمي لهذا الشكل هو نص "رفيف الأقحوان" للشاعر "توفيق فياض" سنة ١٨٩٢م, وهذا التعليق يبين لنا أن أساس المسألة هي نصوص تظهر بين الحين والحين من ركام الماضي؛ فكُلّما ظهر نص ينطبق عليه مفهوم الشعر الحُر، رجعنا ببدايات هذا الشعر إليه، إلى أن يظهر نص آخر يلغيه وهكذا، وإن لم يرد المعلق نص "توفيق فياض" مكتفيًا فقط بالإشارة إليه.
وعلى كل حال فمن المعروف أنه لا يتم أي تغيير أو تطوير دفعة واحدة، بل يبدأ قطرات صغيرة متباعدة، تسبق أهطال المطر وتدق السيول, وقد ذكر بعضهم على لسان أصحاب شعر التفعيلة: أن القصيدة التفعيلة أن القصيدة التفعيلية هي الإطار الملائم والمفضل لدى معظم الشعراء وما زالت، بما لها من فوائد تخدم الذائقة، ومنها الحرية التعبيرية التي يجتاح من خلالها تدفق الأفكار الشعرية دونما عائق من قافية أو وزن محدد التفاعيل، ثم الأريحة البصرية والنفسية، بسبب من كسر للروتين التوزيع البصري للقصيدة البيتية؛ مما حد من "سيماترية" العمود الكلاسيكي.
كما أن التفعيلة من موسيقاها تساعد كثيرًا على تمكين ألفاظ الشعر من تعدي عالم الوعي، والوصول إلى العالم الذي يتجاوز حدود الوعي، التي تقف دونها الألفاظ المنشورة.
стр. 423
لكن فات القائلين بهذا أنه لا يوجد شيء في الدنيا يخلو من القيود، فضلًا عن أن يكون هذا الشيء هو الفن، إن هذه القيود هي الحافذ الذي يستثير كوامن الموهبة، ما المذخور العبقري عند الفنانين الكبار إلى الظهور فتأتي بالأعاجيب، ولولا هذه القيود التي لا ينبغي مع ذلك أن تتحول من عامل يستنفر المواهب والعبقريات، إلى جدار مصمت صعب أو يستحيل اختراقه؛ لما استطعنا تمييز الإبداع الحقيقي عن الغثاء الفني.
أما ما قيل عن الراحة البَصرية؛ فإنْ صَحّ هذا الكلام وهو لا يصح، فبإمكان الشاعر أن يَطْبَع نص القصيدة دون تنسيق، وإن كُنّا نستغرب هذا التعبير العجيب، لكننا إنما نرد على قائليه بطريقتهم ليس إلا، أما الزعم أن التفعيلة بموسيقاها تساعد كثيرًا على تمكين ألفاظ الشعر من تعدي عالم الوعي، والوصول إلى العالم الذي يتجاوز حدود الوعي الذي تقف دونها الألفاظ المأثورة؛ فهو كلام غير منضبط وغير مفهوم، وإلا فإذا كانت من موسيقى التفعيلة تلك الخاصة، فلا ريب أنّ لموسيقى قافية الشعر ذو الشطرتين أقوى نغمة، ومن ثم أقدر على تأدية تلك الوظيفة المدعاة أيًّا كان المقصود منها.
كذلك فقول بعضهم: إنّ القَافِية في الشعر التفعيلي أصعب منها في الشعر القديم، هو مما لا يعقل؛ إذ يذكُر أنصارُ الشِّعر الجديد من بين الأسباب الني دعت إلى الخروج عن نظام الموسيقى الخالدية: صعوبة القيود التي تكبل الشعراء في هذا النظام؛ فكيفَ نُصَدِّق أنهم يعملون على الانعتاق من صعوبة، بغية الوقوع في صعوبة أصعب؟ هذا ما لا يمكن تصوره.
ويقول الدكتور "النويهي": إن الدافع الحقيقي إلى نظم شعر التفعيلة هو الرغبة في استخدام التجربة، مع الحالة النفسية والعاطفية للشاعر، وكذلك لكي يتآلف
стр. 424
الإيقاع والنغم مع المشاعر الذاتية، في وحدة موسيقية عضوية واحدة، وهو زعمٌ لا يعقل، وإلا كان معنى ذلك أن الشعراء العرب طوال ستة عشرَ قرنًا من الزمان على الأقل، لم يكونوا يستطيعون العثور على النغم الموسيقي المناسب للتعبير عن مشاعرهم الذاتية.
ترى ماذا كان يفعل "امرؤ القيس" أو "طرفة" أو "عنترة" أو "زهير" أو "الخنساء" أو "أبو ذؤيب الهذلي" أو "عمر بن أبي ربيعة" أو "جميل بثينة" أو "كثير عزة" أو "ابن قيس الرُّقيات" أو "بشار" أو "أبو نواس" أو "أبو العتاهية" أو "العباس الأحدب" أو "أبو تمام" أو "البحتري" أو "ابن الرومي" أو "ابن زيدون" أو "المعري" أو "الشريف الرضي" أو "ديك الجن" أو "البهاء زهير" إلى آخر من نعرف ومن لا نعرف من الشعراء العرب، سوى التعبير عن أنفسهم ومشاعرهم ومواقفهم مستعينين في كل هذا بنظام والقوافي المتاحة لهم، والذي لا يعجب الآن الدكتور "نويهي".
والعجيب أنه في كتابه (الشعر الجاهلي) يقف مبهورًا أمام بعض النماذج الشعرية الجاهلية، مبرزًا ضمن ما أبرز البراعة النغمية الموسيقية التي يقوم عليها بناء النص الذي يحلله, بل لقد فعل ذبك إلى درجة مغالية لم أستطع أن أقرها عليه أحيانًا فيما كتبت عن ذلك الموضوع في الفصل الأول من كتابي (الورايا الرشوية) الذي تناولت فيها منهج الدكتور "النويهي" في دراسة الشعر الجاهلي.
كذلك نراه في كتابه (ثقافة الناقد الأدبي) يعبر عن إعجابه العظيم بقصيدة "ابن الرومي" في رثاء ابنه الأوسط، ويراها شيئًا فذًّا رغم أنها منظومة على نظام الموسيقى التقليدي، فما عدا إذًا مما بدا، ومن الواضح أن في حكمة الأخير على النظام العروضي والقافوي السابق تجنيًا وإسرافًا بعيدًا، وأن الأمر يحتاج إلى اعتدال النظرة، وهدوء المشاعر، بدلًا من المبالغات الشديدة والآراء المسبقة، الكفيلة بإفساده للأحكام النقدية هذا الإفساد الشنيع.
стр. 425
إن الرجل لبارع في استخدام المنهج الانطباعي في التعليق على النصوص الشعرية، إلا أنه فيما يبدو لا يوفق كثيرًا حين يخرج عن هذا المنهج، أو حين يلجأ إلى التنظير.
أما بالنسبة إلى كلام المتحمسين للشعر التفعيلي حول الوحدة العضوية ودعواه افتقار الشعر العمودي إليها؛ فينبغي أن لا ننسى أن كثيرًا من نماذج الشعر العربي القديم جدًّا تتمتع بتلك الوحدة؛ كقصائد "الخنساء" وقصائد "عمر بن أبي ربيعة" وقصائد "جميل" وكثير من قصائد "بشار" و"أبي نواس" و"أبي تمام" و"ابن الرومي" و"المعري" و"ابن زيدون" و"البهاء زهير" ومعظم الموشحات وكل أشعار مدرسة المهجر ومدرسة الديوان ومدرسة أبوللو تقريبًا على قدر ما يُمكن تحقق الوحدة العضوية في الشعر الغنائي، الذي أنكر الدكتور "مندور" بقوة أن يتحقق له ذلك اللون من الوحدة، ورددت عليه أنا مبينًا أن هناك شعرًا غنائي غير قليل، تتحقق له تلك الوحدة، التي ينبغي مع ذلك أن لا نكون متنقصين في تعريفها وتضييق مفهومها، وإلا فلا يُمكن تحققها في أي شعر غنائي تقريبًا.
وهناك أيضًا من أحدث ضجيجًا مصمًّا حول اللغة البسيطة التي يستعملها شعراء التفعيلة، والتي يجعلون منها إحدى مزايا ذلك الشعر، زاعمين أنها غائبة من الشعر العمودي تمامًا، وهذا ادعاء فاسد تكذبه الوقائع الصلبة، إذ إن شعر "الخنساء" مثلًا أو "ابن أبي ربيعة" أو "جميل" أو "البهاء زهير" وبهذه الأسماء ولو مجرد أمثلة أذكرها كيفما اتفق قد نظم بلغة لم يكن للمستمع أو القارئ وقتئذ فيها شيئًا يصعب فهمه، بل إننا الآن لنستطيع أن نقرأ هذه الأشعار، ونفهمها ونتذوقها إلى حد كبير دون الاستعانة بأي قاموس لغوي.
أما في العصر الحديث؛ فالأمر يحتاج إلى توضيح، وإلا فإن كان "المازني" أو "علي محمود طه" أو "الهمشري" مثلًا ينظمون أشعارهم بألفاظ حوشية غير مفهومة، أو لا تسوغ في السمع أو على الألسنة، إن كل شعر إنما ينظم بوجه عام باللغة التي
стр. 426
يفهمها أبناء العصر، والشعر الجاهلي نفسه بعيدًا عن وصف "الناقة، والثور الوحشي" وما إليه مما يستلزم ألفاظًا لا نعرفها نحن الآن لأننا ليس لنا تلك الخبرة التي كانت لشعراء ذلك العصر بتلك الحيوانات؛ لهو شعر مفهوم لنا في كثير من نماذجه إلى حد غير قليل، فما بالنا بشعر العصور التالية للعصر الجاهلي؟.
وتبقى فكرة التجديد الموسيقي، وهي ليست بالأمر الجديد إذ رأينا القدماء يبتكرون ألوانًا جديدة للقافية كالمزوجات، والمثلثات، والمربعات، والمخمسات، والمصمدات. وكذلك الموشحات التي طبقت شهرتها الآفاق، ويمزجون في القصيدة الواحدة بين الوزن الكامل، ومجزوئه، ومشطوره، ومنهوكه، وتفنن الشعراء المحدثون بعد هذا تفننًا، إلا أنّ النغم الموسيقي ظل قويًّا معبرًا، ولم يفتر أو يمت حسبما انتهى الأمر إليه سريعًا في الشعر التفعيلي.
كما كان هناك دائمًا نظام مفهوم ومرئي لهذا النغم، ولم يكن الأمر سداح مداح كما هو في شعر التفعيلة.
وعلى كل حال رغم ظهور شعر التفعيلة، ظلت القصيدة العربية التقليدية الشكل موجودة بعد ما تجددت في معجمها ومعانيها وأخيلتها، وبقي لها شعراؤها وجمهورها، والعبرة كما نقول دائمًا بقدرة الشاعر على التعبير عن أفكاره ومواقفه ومشاعره وعواطفه، وبما تحويه القصيدة من الطاقات التعبيرية؛ مع التنبيه دائمًا إلى ما أخذناه عن القصيدة التفعيلية من فتور النغم، بل انعدامه في كثير من نماذجه المتأخرة، وشيوع الغموض فيها، وانتشال التجديف في حق المولى سبحانه، فضلًا عن اللجوء إلى الرموز الوثنية والصليبية إلى درجة لافتة للنظر، كانت وما تزال مسارًا يقصده الجمهور وكثير من النقاد الذين يعتزون بدينهم وتراثهم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 427
الدرس: ١٦ تأثر الشعر العربي بالشعر الإنجليزي .
стр. 428
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(تأثر الشعر العربي بالشعر الإنجليزي)
عوامل الاتصال بين الشرق والغرب وأثرها في إحياء الشعر العربي في العصر الحديث
تأثر الشعر العربي بالشعر الإنجليزي:
يقول محرر مادة الأدب العربي في الموسوعة العربية العالمية: "اتخذ الاتصال بين الشرق والغرب صورًا متعددة، وكان أول الهزات العنيفة التي أيقظت العرب والمسلمين، غزو فرنسا لمصر؛ الذي كان بداية الاتصال بين الشرق والغرب، وتجلت صوره في التعليم؛ فأرسل بعض العلماء المصريين لفرنسا وعادوا للعمل بالتدريس، وأنشأ "محمد علي" والي مصر عدد من المدارس المدنية التي أخذت تزداد، وتتنوع تخصصاتها، ويبعث خريجوها إلى أوربا، وأخذ النشاط التعليمي الطراز الأوربي فجاءت الجامعية الأهلية المصرية عام ١٩٠٨م.
وامتدت حركة التعليم ومؤسساته من لبنان ومصر إلى تونس وليبيا والجزائر والمغرب, ولكن ظل التأثير الثقافي الأوسع مدى محصورًا في الشام ومصر، كما تجلت صوره أيضًا في الترجمة؛ التي كانت جزءًا لا ينفصل عن حركة التعليم؛ حيث أدت دورًا مقدرًا في نقل ثقافة الغرب إلى اللغة العربية.
وكان للبعثات التي أرسلها "محمد علي" أثر في ازدهار هذه الحركة، وكان إنشاء مدرسة الألسن لتخريج المترجمين عام ١٨٣٦م عملًا مهمًّا، كما أنشأت مدارس العلوم والزراعة والفنون والصنائع وغيرها.
استطاعت حركة التعليم والترجمة أن تُسهم في بعث الأدب العربي الحديث؛ حين تُرجمت أعمال أدبية غربية من مسرحيات "موليير" و"ولتر إسكوت" و"فيكتور هيجو" و"شكسبير" وغيرهم, فاتصل ذلك النشاط ببدايات القصة والمسرحية في الأدب العربي, كما عرف الشعر اتجاهات فنية غربية جديدة
стр. 429
ونظريات نقدية، وبذلك قدم المترجمون روائع الأدب الغربي شعره ونثره ونقده إلى قراء الأدب العربي.
ومن صور الاتصال بين الشرق والغرب أيضًا حركة الطباعة والصحافة؛ حيث عرفت البلاد العربية المطبعة في عهد "نابليون" ثم أنشأت بعد بعثات التنصير في لبنان مطابع خاصة بها, ولكن مطبعة بولاق التي أنشأها "محمد علي" في مصر عام ١٨٢١م، والمطبعة الأمريكية في بيروت عام ١٨٣٤م، وكذلك اليسوعية في بيروت عام ١٨٤٨م, هذه المطابع كان لها أعظم الأثر في نشر الثقافة الحديثة مترجمة ومؤلفة في العالم العربي.
وقد اختصت مطبعة بولاق بنشر روائع التراث العربي الإسلامي؛ فقللت التكلفة الباهظة للكتب، وجعَلها ذلك في متناول اليد وبأسعار زهيدة, وكان من أثر تأسيس المطابع ظهور الصحف والمجلات فصدرت "الوقائع المصرية" سنة ١٨٢٢م وغيرها من الصحف والمجلات اليومية والدورية.
ولما بدأت الأحزاب السياسية بالظهور أدت الصحافة والفن الصحفي دورًا كبيرًا في ذلك، وأصبح لكل حزب منهم منبرٌ صحَفيٌّ يُعنَى بالسياسة، كما يُقدم المعرفة في المجالات الأدبية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية, وكانت تلك الصحف المنبر الحقيقي لبعث الحركة الفكرية والأدبية في الأدب العربي الحديث، وكان من فرسانها "طه حسين" و"العقاد" و"المازني", ومن الشعراء "أحمد شوقي" و"حافظ إبراهيم" و"خليل مطران" وما تزال مجلات مثل "المقتطف" و"الهلال" و"الرسالة" و"الثقافة" من وسائل الوعي الثقافي ونهضته في البلاد العربية.
وتكونت جمعيات أهلية من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين جعلت مهمتها إحياء التراث العربي ونشره؛ فأشرفت مجموعة من
стр. 430
علماء الأزهر على مطبعة بولاق، واختاروا طائفة من المخطوطات التراث وعملوا على نشرها؛ فظهر (لسان العرب) لابن مندور وكتاب (الأغاني) لأبي فرج الأصفهاني و (دواوين الحماية) و (دواوين شعراء فحول العصر الأموي والعباسي) وغير ذلك من عيون مؤلفات المكتبة العربية.
ولما تأسست لجنة التأليف والنشر والترجمة بالقاهرة، ساهمت في حركة إحياء التراث ونشره, وكذلك أسهمت مطبعة الجوائب التي أنشأها "أحمد فارس الشدياق" في نشر كتب التراث.
وهناك أيضًا من المَجامع العلمية اللغوية التي أدت منذ إنشائها دورًا كبيرًا في مد الجسور العلمية بين الحضارة العربية، والحضارة الغربية، وكان أول مجمع علمي ذلك الذي أسسه "نابليون" أثناء حملته وجعل فيه فروعه للرياضيات والفيزياء والآداب والفنون، وجعل أهم أهدافه نشر علوم أوربا وفنونها في مصر.
وفي عام ١٨٣٥م تأسست الجمعية المصرية، وغايتها إنشاء مكتبة ضخمة، وحين جمد نشاطها أسست مجموعة من علماء الإسكندرية مجلس المعارف المصري بالإسكندرية عام ١٨٥٩م، وبعد ذلك تأسيس هذه الجماعات والمجامع، وكان من أشهرها "جمعية مصر الفتاة" وفي بيروت "جمعية المقاصد الإسلامية" عام ١٨٨٠م, وهدف هذه الجمعيات توحيد جهود العلماء والأدباء، وتنظيمها بجعلهم يتعاونون في مجال التخصص الواحد، ويتبادلون الآراء.
وكان من ثِمار هذه الجماعات جمعيات أدبية وفكرية جديدة من أهمها "جماعة أبوللو" سنة ١٩٣٢م، وهناك كذلك حركة الاستشراق، ورغم أن هذه الحركة بدأت أول أمرها لتمكن المستعمر من تدبير شئونه في البلاد المستعمرة، عن طريق اتصاله بأدبها ولغتها، ونفسيات أهلها، فإن هذه الحركة انتهت بإنشاء جمعيات
стр. 431
علمية يقوم على أمرها علماء متخصصون، في مجال التاريخ والاقتصاد واللغات والآداب. وتعد الجمعية "الآسيوية الملكية" بلندن سنة ١٧٢٢م ونظيرتها الفرنسية سنة ١٨٢٠م أشهر هذه الجمعيات، وكان لكل منهما مجلة مشهورة وجهود في نشر المخطوطات وترجمة عيون اللغة العربية إلى اللغات الأوربية.
وتبع حَركة الاستشراق تأسيس معاهد اللغات الشرقية، التي من أشهرها "مدرسة اللغات الشرقية" بلندن وباريس وبرلين, كما اهتمت حركة الاستشراق بإنشاء المكتبات ومراكز المخطوطات.
وأدت تلك العوامل الإيجابية من نشاط ثقافي وعلمي، واتصال بالغرب عن طريق التعليم والترجمة والطباعة والنشر، ثم حركة إحياء التراث العربي والإسلامي بجانب إنشاء المجامع العلمية واللغوية، ثم دور حركة الاستشراق دورًا مهما في تطور الأدب وازدهاره شعرًا ونثرًا في العصر الحديث.
وظل الشعر العربي في العالم العربي قبل عصر النهضة يحذو حذو تلك النماذج التي كانت سائدة خلال العصر العثماني، سواء في صياغة الركيكة وأساليبه المتكلفة المثقلة بقيود الصنعة، أو في موضوعاته التافه، أو في أفكاره المتهافتة، أو في معانيه المبتذلة, وعلى رغم من ظهور بعض الشعراء أصحاب الصوت الشعري القوي والمعبر؛ فإنهم كانوا قلة في ضم الضحالة السائدة في مملكة الشعر.
ومن تلك الأصوات الشعرية القوية "حسن العطار" في مصر و"بطرس البستاني" في لبنان و"شهاب الدين الألوسي" في العراق وغيرهم, وظهرت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدايات نهضة فنية في الشعر العربي الحديث، واستمرت هذه الحركة في القوة والاندفاع حتى سادت خلال القرن العشرين، وانتقل الشعرُ نقلة كُبرى خرجت به إلى عوالم أرحب وأوسع؛ فتنوعت في اتجاهاته ومدارسه،
стр. 432
وأدت مدارس الشعر في العصر الحديث مثل مدرسة الإحياء، والديوان، وأبوللو، والمهجر، والمدرسة الحديثة، دورًا مقدرًا في بلورة اتجاهات الشعر، والخروج بها من التجريب والتنظير إلى التطبيق والانطلاق.
ويُعد الشاعر "محمود سامي البارودي" رائد حركة الإحياء في الشعر العربي الحديث غير منازع، وأدى تلاميذه من بعده "أحمد شوقي" و"حافظ إبراهيم" و"أحمد مُحرم" ومن سلك مسلكهم دورًا كبيرًا في بعث الحياة والفن معًا في بنية القصيدة العربية، وكانت ريادة هؤلاء النفر العامل الفاعل في تطور الشعر العربي في العصر الحديث، وإعادته إلى عصره الذهبي؛ فهم بعدوا بالشعر عن تلك الأساليب الركيكة المبتذلة، ونفثوا فيه قوة وإشراقًا هي صنو لإشراق اللغة العربية وقوتها بعد جمودها، قبل عصر النهضة في تلك القوالب ذات الصيغ المزركشة المصطنعة.
وقد وفق هذا الجيل على مد جسرٍ فكري فني شعري، يربط الماضي بالحاضر، فكان بعثهم للقصيدة العربية لا يخلو من محافظة على موروثها وقيمها وإيقاعها وأوزانها, فالقصيدة لديهم فخمة الإيقاع، جزلة الألفاظ قوية التعبير، رصينة المعنى مواكبة لمتطلبات العصر وأحداثه, وجد الشعر هذه الفئة من رواد الإحياء والبعث صدى طيبًا في نفوس الشباب، وكان معظم هؤلاء الشباب ممن تفتحت عيونهم وعقولهم على الثقافات الأجنبية.
ويمثل "أحمد شوقي" اللبنة الثانية بعد "البارودي" في نهضة الشعر الحديث؛ فقد كان متصلًا اتصالًا واعيًا، بالأدب العربي القديم، واستطاع أن يحيي نماذجه الرصينة كأشعار "البحتري" و"أبي نواس" وغيرهم، ومن هنا كان بعثه للقصيدة العربية مستمدًّا من إحيائه لنماذج الشعر القديم، وكون لنفسه أسلوبًا شعريًّا
стр. 433
أصيلًا جعله يجمع بين القديم والحديث، ومن ثم جاء أسلوبه جزلًا قويًّا في أصالة وحلاوة شعرية، وقدرة على احتواء متطلبات عصره والتعبير عنها.
وهكذا حافظ شعراء مدرسة الإحياء على صورة القصيدة العربية من ناحية، كما جعلوها مقبولة معبرة عن عصرهم من ناحية أخرى, لكل ذلك استقطب شعرهم اهتمام معاصريهم؛ فنشرته الصحف وذاع بين الناس، وتذوقوه لخلوه من الغريب والحوشي من النظم والزركشة والصنعة في الصياغة؛ فأثرى العقول والقلوب، وكان كل ذلك من عوامل تتطور الشعر في العصر الحديث وبعثه.
ويظهرُ مع النصف الأول من القرن العشرين جيلٌ جديد، اتصل بالثقافة الأوربية والإنجليزية منها بوجه خاص، اتصالًا أعمق من اتصال الجيل الأول، ومن ثم اختلفت رؤيتهم لمهمة الشعر عن تلك التي كانت في الجيل السابق؛ فعابوا على من سبقهم معالجتهم الموضوعات التقليدية التي لا يتجاوزونها، أما جيلهم فيرى أن الشعر تعبير ونظم لحركة الكون وائتلاف الذات الشاعرة، وهو تعبير عن نفس مَعناها الإنساني العام، وتعبير عن الطبيعة وآثارها، وتصوير للعواطف الإنسانية التي تثور بها نفس الشاعر.
والتف هذا الجيلُ حولَ حركة نقدية عرفت "بجماعة الديوان" وكان أشهر روادها "عباس محمود العقاد" و"عبد الرحمن شكري" و"إبراهيم عبد القادر المازني" وقد اتخذت مدرسة الديوان من شعر "أحمد شوقي" ميدانًا لتطبيق نظريتهم النقدية، كما جعلوا من أشعاره ميدانًا لبث أفكارهم ودعوتهم في كتابة الشعر وقيامه، وصياغته وأشكاله.
وأخَذَ تأثيرُ الأدب الغربي على الأدب العربي يزداد وضوحًا من الثلاثينات من القرن العشرين؛ حين ظهرت مدرسة نقدية شعرية عرفت باسم "جماعة أبوللو"
стр. 434
أسسها "أحمد ذكي أبو شادي" وكان الشاعر "علي محمود طه" من أبرز أعضائها, هذه الجماعة كانت أكثر مناداة بتطوير القصيدة العربية عن مدرسة الإحياء ومدرسة الديوان، ويُعزى ذلك إلى تأثرها بالمذهب الرومانسي في الشعر الغربي، كما تأثروا بشعراء المهجر أمثال "إيليا أبو ماضي" و"ميخائيل نعيمه" و"نسيم عريضة".
وقد تركت مدرسة "أبوللو" أثرًا لا ينكر في عدد من شعراء العالم العربي؛ فتأثر بها "أبو القاسم الشابي" من تونس، و"تيجان يونس بشير" من السودان، و"حسن القرشي" من المملكة العربية السعودية، و"إلياس أبو شبكه" من لبنان وغيرهم، وعلى يد هذه المدرسة أضحت القصيدة العربية تمتاز بسهولة في التعبير، وبساطة في اللغة، وتدفق في الموسيقى؛ كما غَلَب على موضوعاتها التأمل والامتزاج بالطبيعة، وشعر الحُبّ والغناء بالمشاعر مع نزعة الألم والشكوى.
ويمثل الشعر العربي في المهجر امتداد الاتجاه الرومانسي في الشعر الحديث؛ فأقرت المهجر الأمريكي الشمالي الرابطة الإقليمية، وفي الجنوب العصبة الأندلسية، وظل شعرهم مثقلًا بهموم الوطن والمناجاة الفكرية والنفسية والتهويمات الصوفية ومن أشهر شعرائهم "إيليا أبو ماضي" و"ميخائيل نعيم" و"إلياس فرحات" و"رشيد أيوب".
أما في الأربعينات من القرن العشرين، فقد أخذت القصيدة العربية شكلها الذي استقرت عليه في قوالب "الشعر الحر" فانتقلت في صياغتها وأفكارها وموضوعاتها، وتعددت أصوات الشعراء وتنوعت مدارسهم وكثر عددهم, وكان من فرسان القصيدة الحديثة: "صلاح عبد الصبور" في مصر و"السياب" و"البياتي" في العراق و"نزار قباني" و"نازك الملائكة" في سوريا، و"محمد المهدي المجذوب" و"الفيتوري" في السودان.
стр. 435
ويحملُ الشعر الحديث أنماطًا من التعبير في مدرسة الحداثة، ويكتب الشاعران "أدونيس" و"محمود درويش" ألوانًا من الشعر تختلف اختلافًا كبيرًا عما كانت عليه بدايات تطورات القصيدة العربية في العصر الحديث, وإذا بالمسافات تبتعد تماما بين "البارودي" و"شوقي" وبين "بلند الحيدري" وبين "يوسف الخال" و"نظير العظمة" وأدربهم.
مدرسة الديوان وأثرها في حركة الشعر في العصر الحديث
ونبدأ بمدرسة الديوان، وهي حركة تجريدية في الشعر العربي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشريين، على يد "عباس محمود العقاد" و"إبراهيم المازني" و"عبد الرحمن شكري" الذين كانوا متأثرين بالرومانسية في الأدب الإنجليزي، ولديهم في ذات الوقت اعتزاز شديد بالثقافة العربية.
وقد سُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى كتاب ألفه "العقاد" و"المازني" وضعا فيه مبادئ مدرستهم، واسمه (الديوان في الأدب والنقد) وقد نهجت هذه المدرسة النهج الرومانسي في شعرها، ومن أبرز سماتها: الدعوة إلى التجريد الشعري في الموضوعات، ووجوب تعبير الشعر عن ذاته بعيدًا عن التقاليد الجامدة، والاستفادة من الأدب الغربي إلى جانب الشعر العربي القديم، والاتجاه إلى الشعر الوجداني، والوحدة الموضوعية للقصيدة.
وقد ذكر "العقاد" في كتابه (شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي) أن مَدرسة الديوان كانت مُهتَمّة بكل الثقافات العالمية عن طريق اللغة الإنجليزية، وأنها أفادت النقد الإنجليزي فوق استفادتها من الشعر، وقد انفصل "شكري" عن زميليه بعد فترة، وكتب ينتقد "المازني" لانتحاله بعض الأشعار الإنجليزية.
стр. 436
وهُناك وجه شبه قوي بين مدرسة الديوان والرومانسيين الإنجليز؛ فقد تحدث "ويلز ويلس" مثلًا عن العملية الشعرية فقال: "لقد قلت: إن الشعر انسياب تلقائي للمشاعر القوية"، ويؤكد ذلك التحليل مبدأين أساسين في مذهب الرومانسية:
أولهما: أن الشعر حقًّا تعبيرٌ عن النفس ومشاعرها.
ثانيهما: أنّ هذا التعبير مطبوعٌ لا تكلف فيه".
وهي نفس الرؤية التي يراها "شكري" تقريبًا في كلامه عن الانفعال العصبي الذي يسبق عملية الشعر. وإن عبارته التي يصف فيها الشعر بأنه تدفق الأساليب كالسيل، تدل على أهمية الطبع في التعبير الشعري الرومانسي عند جماعة الديوان, فالعواطف في نظر جماعة الديوان والرومانسيين الإنجليز؛ هي المنفذ الوحيد الذي يطل منه الشاعر على العالم الخارجي وشئونه.
ويرى "العقاد" أن الشِّعر يُطلعك على ما لم تستطع الوصول إليه من أسرار تكمن وراء مظاهر الأشياء، ويتغلغل بك إلى اللباب، ويكشف لك عن ما في الجوهر من حياة، كما أن الشعر لا يعد شعرًا ما لم يعبر عن ذات الإنسان وأدق أحاسيسه ومشاعره تعبيرًا صادقًا لا تكلف فيه ولا تصنع، يقول: إن الشاعر العظيم هو من تتجلى من شعره صورة كاملة للطبيعة، بجمالها وحبه لها، وعلانيتها وأسرارها، أو ما نستخلصه من مجموع كلامه فلسفة للحياة ومذهبًا لحقائقها أو فروضها أيا كان هذا المذهب.
وبالنسبة إلى رأي العقاد في الوزن والقافية وتطورهما، بتطور الشعر الحديث واطلاع المحدثين في الشعر الغربي: نجده يدعو إلى التطور هذا المجال؛ إلا أنه لا يريده مفاجئًا بل يدعو إليه بروية ورواده، يقول في مقدمة ديوان "المازني": "ولما
стр. 437
كان لا ريب في القيود الصناعية ستجري عليها أحكام التغيير والتلقيح، فإن أوزاننا وقوافينا أضيق من أن تنفتح على أغراض شعر؛ تفتحت مغاليق نفسه وقرأ الشعر العربي، فرأى كيف ترحب أوزانهم بالأقاصيص المطولة، وبالمقاصد المختلفة، وكيف تلين في أيديهم القوالب الشعرية فيودعونها ما لا قدرة للشاعر عربي على وضعه في غير قالب النثر.
وقد عَكَف أعضاءُ مدرسة الديوان على الأدب الإنجليزي؛ فوجدنا في أشعارهم تأثرًا بقصائد متعددة من "شل" و"هود" و"أديسون" و"كارليم" وغيرهم من شعراء ديوان الذخيرة الذهبية " golden tragiry".
لقد كان اتصال الغرب بالعرب سبب من أسباب انتشار موجة الرومانسية في تلك الفترة، وكانت مطالعة الكتاب من المختارات الشعرية المعروفة بـ" golden tragiry" والاهتمام بالناقد الإنجليزي "ويليم هازلت" من المؤثرات الواضحة في شعرائها.
لقد كان "شُكري" الذي يعده بعض مؤرخي الأدب العربي الحديث مؤسس هذا الاتجاه، متأثرًا بالمدرسة الإنجليزية الرومانسية في الشعر منذ زمن دراسته في انجلترا ما بين ١٩٠٩ و١٩١٢م، وعلى وجه الخصوص "ميشيلي" و"بايرون" و"كيتس ويلز ويلز" وبعد عودته التقى "بالعقاد" و"المازني" وأطلعاهما على إبداعات الأدب الإنجليزي مما أثر تأثيرًا شديدًا على التوجه الشعري الجديد عند زميليه، فالتزما مفاهيم الشعر والنقد الإنجليزي، ودافع عنها بشدة؛ حتى قد لاحظ بعض النقاد أن المعاني التي صدر عنها "العقاد" و"المازني" في بعض أشعارهما هي نفس المعاني التي يجدها القارئ في عدد من المختارات الشعرية لكتاب (الذخيرة الذهبية) الذي وضعه "بل جريف" أستاذ الشعر في جامعة أكسفورد.
стр. 438
وبالنسبة "للمازني" يقول الدكتور "فاروق مواسي" في بحثه بعنوان "شعر المازني في مراوحته بين التأثر بالشعر العربي القديم وبين التأثر بالشعر الرومانتيكي الإنجليزي": إنّ هذا التأثير كان بالغًا إلى درجة أنّ "المازني" اتهم بالسرقة الأدبية عن أدباء غربيين؛ فكان رد "المازني" أن هذا دليل على سعة الاطلاع وسرعة النسيان؛ أما السرقة فهو يبرأ إلى الله من تعمد أخذها والإغارة عليها.
وكان "المازني" أسوة بـ"العقاد" و"شكري" ينظر إلى ثقافة الغرب بعين التقدير والإعجاب، ويرى أن ثقافة المصريين عامة لا تتواصل والنهضة القوية الجارفة التي تعفي على القديم، وتفتح أبواب الفكر على الثقافة الإنسانية الجديدة، وخاصة حضارة الغرب.
وفي الحق أن بعض أسماء قائد المازني تتماثل مع أسماء قصائد وردت في مجموعة "بل جريف" نحو نهر الحياة، و" the river life" للشاعر "كامبر", وفلسفة المحب و" loves theories" للشاعر "شيلي" بالإضافة إلى قصائد أخرى كثيرة عنوانها من الطبيعة "البحر، والليل، والخريف" إلى آخره.
كذلك أدخل "المازني" في قصائده مقطوعات مترجمة من الإنجليزية، مما دفع "شكري" للهجوم عليه كثيرًا مثيرًا بذلك زوبعة نقدية تركت أثرًا كبيرًا على الساحة الأدبية، واعترف "المازني" في رده على شكري، أنّ قصيدتي "فتى في سياق الموت" و"قبر الشعراء" مأخوذتان وإن أصر على أن السرقة لم تكن مقصودة؛ فهو لم يتعمد أخذها والإغارة عليها، فضلًا على إنه لو حذفت هذه المادة المسروقة، لما نقص ذلك من قيمة شعرنا؛ فإن ديواننا الأول "نحو ألف بيت" وليس ما أخذ علينا خيرها.
стр. 439
ولم يعمد "المازني" إطلاقًا إلى ترجمة القصائد التي أخذت منها تلك الأبيات كاملة، إذ إنّ الأبيات التي ترجمها قد أدخلها في قصائده في سياقات متباينة، مختلفة عما كانت عليها هذه الأبيات في أصلها.
وإلى جانب هذا عمد "المازني" إلى استعارة التعابير ومضامين وقوالب لفظية عن الإنجليزية، ونشرها أحيانًا موقعة باسمه، ووضع نجمة على ميل بيت الشعر أحيانا أخرى للدلالة على إنها ليست من وضعه, ففي قصيدة "الغزال الأعمى" مثلًا نراه يكتب في أسفل الصفحة: "لا أذكر من أين أخذت فكرة الغزال الأعمى والأغلب أنها ليست لأحد من الشعراء الكبار".
وهذه الفكرة مفادها أن الحياة ليست بذات قيمة، وأنها ضياع وهباء وتردد مثل هذه الفكرة في شعر الشعراء الرومانتيكيين الإنجليزيين كما في قصيدة "شيلي" " alement" التي يقول فيها:
all world all life all time ... when you return the glory is for bireme
no more or never more
وفي قصيدة أخرى يصف "المازني" البحر قائلًا:
كم قد أقل عبابه سفنًا ... وأجن من غرقى ومن كسر
ورمى بكل غير متئد ... في قاع بحر هائل القعر
وهذا الوصف يُذكرنا بقصيدة "بيرون" " Today osion".
ويَرْجِعُ تأثر الشعراء مدرسة الديوان بالرومانسية الغربية لإجادتهما اللغة الإنجليزية، التي أفادتهم كثيرًا في دراسة الشعر الإنجليزي، وخاصة شعر كلٍّ من
стр. 440
"بيرون" و"شيلي" و"ويلز ويرس" وغيرهم كما قلنا؛ الأمر الذي فتح أمامه المفهوم الجديد للشعر، غير أن العقاد في كتابه (شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي) ينفي أن يكون تأثرهم بهؤلاء نابعًا من التقليد الأعمى لهم، مؤكدًا أن السبب هو تشَابه المزاجي، واتجاه العصر كله لا تشابه التقليد والفناء.
ومن مظاهر تأثر مدرسة الديوان بالرومانسية الإنجليزية مهاجمتهم "لشوقي" و"حافظ" وغيرهما باعتبار أنّ أشعارهم درب من التقيد بأغلال الماضي في الفكر والأسلوب والموضوعات, كذلك هناك تعريفهم لفن الشعر إذ قالوا: إنه انعكاس لما في النفس من مشاعر وأحاسيس، وينبغي أن يصدر عن الطبع دون تكلف، ويُضاف إلى هذا ما نسبوه إلى الشعر من غايات وأهداف؛ فالرومانسيون يرون أن من أهداف الشعر الكشف عن مظاهر الجمال في الوجود الإنساني، وكذلك الكشف عن الحقيقة بأعمق صورها وهو ما كان تقوله مدرسة الديوان.
تأثر شعراء المهجر بالشعر بالأدب الغربي
فإذا ما انتقلنا إلى شعراء المهجر وجدنا "جبران خليل جبران" نزاعًا إلى الغرب الأوربي حتى لقد حكى عنه بعض من يعرفه، أنه كان كلما انتهره وهو صغير يقول له: "ما لك وما لي أنا إيطالي" كما كان يقص لأصدقائه أنه بلغ من الهيام بالأدب الإنجليزي، أن تكررت رؤيته في المنام لـ"كيتس" و"شيلي" و"شكسبير", وإلى جانب هذا فقد تأثر بـ"ويليم بليك" إلى مدى بعيد وكان لا يكاد يقترب كثيرًا من الشعر الرومانسي بفرنسا وإنجلترا, كذلك كان حاكي في قصائده النثرية قصائد الشاعر الأمريكي "وولت ميتمان" مبتكر فن شعري سماه " Free verse" وذلك لون النثر الفني الذي حاكاه "أمين الريحاني" وأطلق عليه الشعر المنثور.
стр. 441
أما "أمين الريحاني" فقد عرف بترجمته عدد من القصائد لشعراء أمريكيين من أبرزهم "وولت ميتمان" الذي اتخذه رائدًا له في الخروج على الأساليب المتداولة؛ فتابعه وأدخل في اللغة العربية ما اصطلح عليه باسم "الشعر المنثور" حسبما كتب في مقدمة ديوانه "هتاف الأودية".
وقد تجلى التأثير الذي أحدثه "ويتمان" في موضوعات قصائد "الريحاني" وروحها وصدر "هتاف الأودية" عام ١٩١٠م مشتملًا على عدد كبير من النصوص منها "ريح سموم" "الثورة"، "عند مهد الربيع"، "هتاف الأودية"، "معبدي في الوادي"، "إلى الله"، "بلبل ورياح"، "الزنبقة الزاوية"، "أنا الشرق"، "إلى أبي العلاء"، "حصاد الزمان"، "البعث"، "طريقان".
وكتب الريحاني مقدمة الكتاب أشار فيها إلى المصطلح الذي يطلقه الفرنسيون والإنجليز على هذا اللون من الكتابة وهو بالفرنسية " Vers libres" وهو بالإنجليزية " Free verse" أي: "الشعر الحر" الطليق قائلًا: "إنّ "شكسبير" قد أطلق الشعر الإنجليزي من قيود القافية، أما "ويتمان" فقد أطلقه من قيود العروض".
وإن أكّد أديبنا اللبناني في ذات الوقت أن لهذا الشعر الطليق وزنًا جديدًا مخصوصًا، وأنّ القصيدة منه قد تجيء من أبحر عديدة ومتنوعة, كذلك أشار الريحاني إلى أن السمات التي تميز شعر "ويتمان" لا تنحصر في قالبه الغريب الجديد فقط؛ بل فيما تشتمل عليه من الفلسفة والخيال، مما هو أشد غرابة وجدة.
ولنأخذ من مجموعة الريحاني النص التالي وهو بعنوان "إلى جبران": "على شاطئ البحر الأبيض بين مصب النهر وجبيب، رأيت نسوة ثلاثة يتطلعن إلى المشرق, الشمس كالجلنار تنبثق من ثلج كلل الجبل, امرأة في ثوب أسود، وقد قبل
стр. 442
التهكم فمها الباسم, امرأة في جلباب أبيض نطق الحنان في عينها الدامعة, امرأة ترفرف بالأرجوان في صدرها للشهوات نار تتأجج, ثلاث نسوة يندبن تموز يسألن الفجر: هل عاد يا ترى هل عاد؟ رأيته في باريس مدينة النور يحيي الليالي على نور سراج ضئيل، رأيت بنات تموز نسوة الخيال يطفن حوله في سميرات باريسيات، ورفيقات أمريكيات يزده بهجة, شوقًا, ألمًا, وجدًا, البيضاء الجلباب تفتح له أبواب الفن والجمال, السوداء الثوب تقلب صفحات قلبه تطويها بأنامل ناعمة باردة, الأرجواني الوشاح تقف بين الاثنتين أفرغت الكأس إلى آخره".
والملاحظ أن "الريحاني" قد يستخدم القافية في بعض النصوص وينثرها بحرية على السطور الشعرية، ورُبّما لا يستخدمها بتاتًا بل ربما استغنى عن الوزن والقافية تمامًا، وقد استعمل مصطلح الشعر المنثور لهذا اللون من الكتابة.
وهناك كتاب عربٌ آخرون ساروا في هذا السبيل أو في سبيل يقاربه منهم "مصطفى لطفي المنفلوطي" و"مصطفى صادق الرافعي" مثلًا, كذلك كان للشعر الإنجليزي تأثيره في مجال "الشعر الحر" إذ يحكي "علي أحمد باكثير" ﵀ أنه أثناء دراسته للأدب الإنجليزي في كلية الآداب "بجامعة فؤاد الأول" وهي "جامعة القاهرة" حاليًا، سمع أحد الأساتذة الإنجليز في الكلية يقول: "إنّ مرونة اللغة الإنجليزية هي التي مكنت الشعراء الإنجليز من تطوير الشعر وتطويعه لأغراض وفنون مختلفة كالمسرحية، وإن جمود اللغة العربية هو الذي حال دون تجديد الشعر العربي" فاعترض "باكثير" على كلامه بقوله: "إن المشكلة ليست في اللغة العربية بل في الشعراء الذين لا يزالون يتمسكون بالقافية".
ثُمّ ذَهَب وانكب على مسرحية "شكسبير" المعروفة "روميو وجولييت" حتى فرغ من ترجمتها في شعر متحرر القافية، اعتمادًا على بحور الشعر الصافية، وهي
стр. 443
البحور التي تتكون من تفعيلة واحدة، وهذا ما يُسمى "بالشعر الحر" وهو الشعر الذي كان من نظامه "السياب" و"نازك الملائكة" و"صلاح عبد الصبور" و"أحمد عبد المعطي حجازي" وغيرهم كثير.
ولنقف من هؤلاء عند "السياب" الذي دخل دار المعلمين العالية ببغداد من عام ١٩٤٣م: ١٩٤٨م، والتحق بفرع اللغة العربية ثم الإنجليزية حيث أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي, ولقد اتسم شعره في الفترة الأولى بالرومانسية، وكان ينظم الشعر مع تنويع القافية, وفي عام ١٩٤٧ ميلادية أصدر ديوانه "أعاصير" الذي حافظ في على الشكل العمودي مع الاهتمام بالقضايا الإنسانية, ثم ظهر تأثره بالشعر " t s l" و " t d wan" " أزهار وأساطير" وظهرت محاولات أولى في "الشعر الحر".
وبداية الخمسينات قصر "السياب" كل شعره على ذا الشكل الجديد كما في قصائد "الأسلحة والأطفال" و"المومس العمياء" و"حفار القبور", ومع بداية الستينات نشر السياب ديوانه "أنشودة مطر" واحتل موقع الريادة بفضل تدفقه الشعري, ومن سمات شعره ما نلاحظه من استخدامه الأساطير البابلية والإغريقية، وقد ذكر بعضهم أنه عقب الحرب العالمية الثانية تعرفت مجموعة من مثقفي العراق على نماذج متنوعة من الشعر الإنجليزي وأساليبه وأبنيته، وخصوصا شعر "توماس إليوت" صاحب قصيدة "أرض الخراب" و"جل أيتون" و"اديل ستويل" و"روبرت فوست" وكذلك "ولت ويتمان" صاحب أهم مجموعة في تاريخ الشعر الأمريكي "أوراق العشب".
وقد تركت هذه النماذج الشعرية تأثيرًا عميقًا في نفوس الشعراء الشباب، وجعلتهم يتفتحون على أفق فني لم يعهدوه, وهكذا كتب الشاعر العراقي "بدر
стр. 444
شاكر السياب" أو الشاعرة العراقية "نازك الملائكة" و"عبد الوهاب البياتي" قصائدهم بشكل "الشعر الحر" الذي انتقل بعدها من العراق إلى مصر؛ فكتب به بعض من الشعراء المصريين منهم "صلاح عبد الصبور" و"أحمد عبد المعطي حجازي" لتنتشر القصيدة الحرة في أغلب بلدان الوطن العربي، وتصير كتابته أمر مألوفًا بين الشعراء.
وفي كتاب (بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره) يستشهد "إحسان عباس" بما ذكره "السياب" عن دراسة اللغة الإنجليزية وأدبها في دار المعلمين العالية ببغداد، إذ قال: "درست "شكسبير" و"ميلتون" والشعراء "الفيكتوريين" ثم "الرومانتيكيين" وفي سنتي الأخيرتين في دار المعلمين العالية تعرفت لأول مرة الشاعر الإنجليزي " t s l weliot" وكان إعجابي الشديد بالشاعر "جون كيتس" لا يقل بإعجابي بـ"إليوت"". ثم يعلق عباس على ذلك قائلًا: "يكفينا في هذا المقام أن نقول: إن دراسته الأدب الإنجليزي على تبعثر أجزائها وسرعتها وضعف مستواها، قد فتحت له نافذة يتطلع منها إلى غير الأدب العربي أعني: إلى الأدب الإنجليزي والآداب الأخرى المترجمة إلى الإنجليزية".
ثم يُشير "إحسان عباس" إلى ما قاله "السياب" في مقدمته في ديوانه عن هذا اللون الجديد حين إذ من الشعر، أي "الشعر التفعيلي" إذ يرجع إقدامه عليه إلى تأثره بالشعر الإنجليزي، الذي يعتمد الضربة أساسًا، فيقول: "رأيت أن بالإمكان أن تحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة، رغم اختلاف موسيقى الأبيات، وذلك باستخدام الأبحر ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت إلى آخر، وأول تجربة لي من هذا القبيل كانت في قصيدة "هل كان حب" من ديواني الأول "أزهار ذابلة".
стр. 445
وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولًا عند كثير من شعرائنا الشباب، أذكر منه الشاعرة المبدعة الآنسة "نازك الملائكة", ويصلح ديوان "أساطير" ليكون معرضًا لبعض المؤثرات التي أغدت تفعل بتوجيه شعر "بدر" كما يقول "إحسان عباس" فقد كنا لمحنا في ديوانه الأول تأثره بـ"علي محمود طه" وإدراجه لقطعة من قصيدة إنجليزية في إحدى قصائده، ولكن ديوان "أساطير" يدل على اتساع في التأثير، وإن كان ما يزال تأثيرًا خارجيًّا نوعًا من الإشارة العابرة أو التضمين؛ فهو يعرف أن لين القصيدة عنوانها "الأرض الخراب": "فلتنبت الأرض الخراب على ثنى الليل الحزين صبارها".
ويُعَلِّقُ على لفظة "الأرض الخراب" في الحاشية بقوله: "وعنوان القصيدة للشاعر الإنجليزي " rage t s eliot"", وقد وضعنا خطًّا تحت كلمة الرجع؛ لأن "السياب" بعد سنوات سيعد "إليوت" أعظم شاعر حديث باللغة الإنجليزية، ولكنه يصفه بالرجعية هنا؛ نزولًا على ما تطلبه منه اتجاهه اليساري، ولا ريب في أنه قد قرأ شيء من "إليوت" إذ إن قوله في قصيدة "ملال": وأكيل بالأقداح ساعات, إنما هو الترجمة لقوله لـ"إليوت": " I have regourte out my life with coffe spoons " قدرت حياتي بملاعق القهوة.
وهذه ظاهرة حقيقة بالتنبه فإن "السياب" كان يستعير الصور المترجمة ويدرجها في شعره، فيخفى مكانها على القارئ في درج النغم، وهو قرأ قصيدة للشاعر الإنجليزي "بيتس" يستشرف فيها السفن ويتملكها الحنين إلى البحر، وما قول "السياب" في قصيدة "القرية الظلماء":
إني سأغفو بعد حين سوف أحلم في البحار
أتيك أضواء المرافق وهي تلمع من بعيد
стр. 446
تلك المرافق في انتظار
تتحرك الأضواء فيها مثل أصداء تبيد
سوى صدى لوقفة ذلك الشاعر الإنجليزي، وهو يحلم بالسفن والبحار.
وهو يعرف أيضًا "كيتس" ويَجِدُ في نفسه صورة منه؛ لأنه كان يحس إنه سيموت مثله في سن صغيرة، ويقتبسُ قوله في آخر قطعة كتبها: "تمنيت يا كوكب ثبات كهذا أنام على صدرها في الظلام، وأفني كما تغرب". وقد اختار السياب أسطر متفرقة متباعدة من قصيدة "كيتس" وتدل ترجمته على أنه لم يكن دقيقًا في فهم الأصل ونقله.
ومما كتَبَهُ "إحسان عباس عن هذه القضية أيضًا قوله: " لقد هيأت تلك الفترة لـ"السياب" أن يتحدث في مشكلات الأدب والشعر، وأن يسمع الناس رأيه فيها وكان قد وقع في نظرته إلى الشعر والشاعر تحت تأثير "سبندر" واستعار شيئًا من أرائه في مقال له عن الواقعية، وحين سُئل عمن أعجب به من شعراء الغرب أجاب في عصبية: "حين يسألني سائل عن من أعجبت به من شعراء الغرب أحدق في وجهه برهة من الزمن، محاولًا أن استشف أغوار نفسه أيجد أم يهزل فيما يسال؟ بمن أعجبت من شعراء الغرب منذ "هوميروس" حتى "دينان توماس" أتراه يدرك ضخامة ما يسال عنه! ".
ثم تتسع دائرة التأثير لدى "السياب" رغم ذلك؛ فإذا هو معجب "بشكسبير" و"دانتي" و"هوميروس" و"فيرجين" و"جي بوته" و"كيتس" و"إيدي سيت" و"إليوت" ويقر بتأثره بالشعر تدريجي بـ"البحتري" أو "المهندس" أولًا ثم بـ"أبي تمام" ثم بـ"شيلي" و"كيتس" و"إليوت" ثم "إيدي سيتوين" ويعتقد أن طريقته الشعرية
стр. 447
مزج بين طريقة "سيتوين" و"أبي تمام" معًا، ونلمح في كل هذا أن للشعر الإنجليزية منزلة هامة في نفسه".
وربما كان من الغريب أن تحتل "إيدي سيتون" كل هذه المكانة من نفسه؛ فإنها شغلت نفسها طويلًا في العناية بالإيقاعات الصوتية، وهي مغموسة في النفس الطيار الديني، وتستمدّ كثيرًا من صورها من قصة المسيح، وتعد بعضُ صورها أشدَّ غَرَابة من صور "لور لوك" ولكن الجواذب التي ربطت "السياب" بشعرها كانت متنوعة؛ فقد كان يريد منبعًا غير "إليوت" الذي حاول "البياتي" أن يحاكي بعض نماذجه, ولهذا فهو يرجع على إقراره بعظمة "إليوت" أن ينفي عن نفسه تأثره به كي لا يرد هو و"البياتي" موردًا واحدًا.
وقد أعجبه في شعرها ذلك الفزع الذي تغلغل فيه بسبب الحرب، وتفجير القنبلة الذرية ففي هذه المرحلة قل احتفاؤها نسبيًّا بموسيقى الألفاظ, كذلك كان يجمعه بها رابطة أخرى هي حاجة الاثنين إلى التركيز، وشغفها بترصيع القصائد بالدلالات الأسطورية، لا اتخاذ المبنى الأسطوري محملًا للقصيدة كما يفعل "إليوت".
ولما كانت نواحي التلاقي بينه وبين تلك المرأة الشاعرة كثيرة؛ فإنه تحد عنها دائمًا في إجلال بالغ، وذهب يعلوا بها في شيء من المباهاة، أنه تأثر طريقتها في الشعر، وقارنها دائمًا بـ"إليوت" ليقول: إن الشعر الإنجليزي الحديث عرف شاعرين عظيمين لا واحدًا.
ولم يَقِفْ تأثير "سيت" عند المرحلة التي نتحدث عنها، بل تجاوز للمرحلة التالية وهي التي جعلته شغوفًا بالقصة قابيل يرددها في مناسبات عديدة، وعنها أخذ صورة التقابل الرمزي بين السنبلة والذهب النضار:
стр. 448
النار تصرخ في المزارع والمنازل والدروب ... في كل منعطف تصيح أنا النضار أنا النضار
من كل سنبلة تصيح ... ومن نوافذ كل دار
وصورة طائر الحديد الذي يلقي القنابل على المدن الآمنة:
يا صليب المسيح الواقف ظلا فوق الجيكورة طائر من حديد
وصورة الحياة السارية التي تنبض في عروق الكون على أوجه مختلفة فقوله:
أحسست ماذا صوت ناعورة ... أم صيحة النزغ الذي في الجذور
إنما هو مستمد من قولها: ومن خلال ما يعمله الموت، ومن خلال جفاف الغبار، يسمع صوت النزغ الصاعد كأنه أصوات بقرية هائلة، تنبعث من ميامس محتجبة مرعبة.
وقد جرأته الشاعرة الإنجليزية على اقتباس رموز مسيحية والإكثار من ذكر المسيح والعذر ويهوذا، وإن كانت هناك عوامل أخرى شجعته على ذلك, وهو ترجم عنها بعض الأبيات ويضمنها قصيدة "رؤى فقاي" ومن هذا المثال يظهر كيف
стр. 449
انتزع الأبيات التي ترجمها من مواضع بالقصيدة، وكيف رتبها حيثما شاء, وعندما بلغ إلى قوله: "فأزحف على أربع فالحضيض والعلا سيان". زاد على ذلك قوله: "والحياة كالفناء" وهذه الزيادة قد جاء بها من قصيدة أخرى " where life and death equal" مما يدل على أن هذا الربط المتباعد كان يعتمد على اختزانه القصائد الشاعرة في ذاكرته إلى جانب ترجمته المتعمدة.
ويجري "السيابُ" على منوال الشاعرة الإنجليزية أيضًا في استخدام رموز المطر ففي قصيدة "أنشودة المطر" تجتمع لديه الكآبة الفردية بمنظر المطر بالاستبشار بما قد يتمخض عن المطر من زوال الجوع، وهذا يشبه جمع الشاعرة في قصيدتها "أمطار النسيان" بين البهجة بالحياة وتحسب الجفاف الذي سيعتلي كل شيء في الوجود. أما قصيدتها "وما زال المطر يتساقط" حيث يومي المطر إلى الموت والدماء والقنابل المتساقطة من الغارات الجوية؛ فإنها قد ألقت ظلها التام على قصيدة "السياب" "مدينة السندباد".
ولعل قصيدتا "مارسيلية دايكور" و"مارسيلية الآلهة" و"من رؤيى فقاي" أقوى قصائد الشعر صلة بأثر "أديس سيتويت" لأنها تعد شاهدًا على الاتباع الدقيق، وعلى الاستقلال في نطاق ذلك الاتباع, فقد عمد الشاعر إلى قصيدة "ترنيمة السرير" " laugh bay" وإلى ثلاثة قصائد في القنبلة الذرية فأستمد منها كثيرًا من تصوراتها، ومن الجو العام الصالح لمثل موضوعه، بل جاراها في بعض الرموز والعبارات مقتبسة أو محورة.
وبالنسبة لـ"صلاح عبد الصبور" وتأثره بـ"إليوت" يؤكد دكتور "محمد شاهين" في كتابه عن "إليوت" وتأثيره في الشعر العربي أن قصيدة "لحن" والموجودة في ديون "الناس في بلادي" الصادر عام ١٩٥٧م متأثرة بثلاث قصائد لـ"إليوت" هي "صورة
стр. 450
سيدة" و"أغنية العاشق - ألفريد بروفريت" و"الرجال الجوف" وإن كان تأثرًا شكليًّا فضلًا عن تأثره به في دواوين "أقول لكم" و"أحلام الفارس القديم" و"تأملات في زمن الجريح" إذ يستعمل أساليب "إليوت" الفنية، وبخاصة فيما يتعلق ببنية القصيدة ما هو الحال في قصيدة "الظل والصليب" من ديوان "أقول لكم" التي تعكس تأثرًا بقصيدتا "إليوت" "الأرض الخراب" و"الرجال الجوف".
فمثلًا قوله في تلك القصيدة: "إنني خاو ومملوء بقش وغبار" مأخوذ بالكامل من قصيدة "إليوت" "الرجال الجوف" مع إضافة كلمة "غبار" من عنده إلا أن التجربة التي تعكسها القصيدة ليست لها "إليوتية" كذلك يعكس الشاعر "عبد الصبور" تأثرًا واضحًا بنظرية "إليوت" في المعادل الموضوعي.
على أنّ المَصَادر التي تأثر بها شعر "صلاح عبد الصبور" متنوعة ولا تختص على "إليوت" وحده كما يؤكد كاتب مادة "صلاح عبد الصبور" في موسوعة "الويكيبيديا" إذ هناك شعر الصعاليك، وأفكار بعض أعلام الصوفيين العرب كـ"الحلاج" و"بشر الحافي" والذين استخدمهما قناع لأفكاره وتصوراته في بعض القصائد والمسرحيات، كما استفاد من منجزات الشعر الرمزي الفرنسي الألماني عند "بودلير" و"ريلك" والشعر الفلسفي الإنجليزي عند "جون دون ويتس" و"كيتس" و" T S L" بصفة خاصة، وثقافات الهند المتعددة وكذلك كتابات "قافق" السوداوية.
لقد كان لـ"إليوت" تأثيره القوي على القصيدة العربية عند "بدر شاكر السياب" و"عبد الوهاب البياتي" و"نازك الملائكة" و"أدونيس" و"يوسف الخال" و"خليل حابي" و"صلاح عبد الصبور" و"سعد يوسف" ومن لف لفهم, وكان للبعد الأسطوري دور كبير في إثارة اهتمام هؤلاء الشعراء بشعره، وأصبحت الأساطير
стр. 451
الشرقية والإغريقية رموزًا أساسية للحياة والموت لغة وصور الشعر الحديث, ذلك لأن "إليوت" واحد من كبار شعراء القرن العشريين؛ فضلًا عن أنه يجمع بين النقد والمسرح والنظرية الفلسفية والثقافية، كما أنه حائز على جائزة نوبل للآداب اعترافًا له بتقدير شعره، الذي أقامه على نظرية من التطوير وهي نظرية المعادل الموضوعي.
ولقد لاحظ "جبرا إبراهيم جبرا" ما يقوله الدكتور "شاهين" في كتابه سالف الذكر أنّ الأساطير والإشارات التي انطوت عليها الأرض الليباب مثل "فيلبس الفينيقي" و" تموز" و"الملك الصياد" وغيرها من الأساطير وجدت سبيلها إلى أعمال الكُتّاب العرب، بما فيها من أصل محلي كان عاملًا في تقريب "ألد إليوت" من محاولتهم الشعرية والنسج على منوالها.
إلّا أنّ التّأثر الشعري العربي به ذا الجانب الشعري -كما لاحظ "جبر"- لم يتجاوز الجانب الظاهري، ويرجعُ هذا -حسبما لاحظ بعض الدارسين- إلى ما في شعر "إليوت" من صعوبة أسهمت بشكل كبير في منع القارئ العربي من التفاعل المطلوب معه؛ بسبب مرجعيته الفلسفية والرمزية والأسطورية والتاريخية، فضلًا عن عدم دقة الترجمة العربية لإبداعاته.
ونفس الشيء ينطبق على "أديس سيتويت" الذي تأثرت بها أشعار السبق كما رأينا، ولدي مثال فاقع الأخطاء الرهيبة التي يقع فيها من يتصدى لتفسير أشعارها، وللحديث عنها وعن تأثيرها في "السياب" وهو كتاب الدكتور "علي البطل" "شبح القايين" بين "إديس سيت" و"بدر شاكر السياب" إذ وجدته يخطأ أخطاء عجيبة، لا تليق بمن يتصدى لمثل تلك المهمة الجليلة؛ فكانت النتيجة كارثية بكل المقاييس إذ أتى باستنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 452
ولنأخذ مثلًا ترجمته لكلمة "شادو" في عنوان القصيدة "بشبح" مع أن معناها واضح تماما ولا دليل لاستعمالها لدى "سيتول" مما يجعلنا نتأكد من معناها الذي يعرفه كل الناس وهو "الظل". بل إن المُترجم ذاته قد ترجمها مرتين في القصيدة مرتين بالظل، ويُؤكد أنها لا تعني هنا إلا ذلك. أن الشاعرة قد كررتها في بيت واحد مستعملة في المرة الثانية كلمة "شيد" التي لا يمكن أن تعني شبحًا ولو على سبيل المجاز.
كما أن "السياب" قد استعمل كلمة الظل في تأثره بهذه القصيدة كما هو واضح، ولم يقل شبح قط، بل إنه في عنوان إحدى قصائده -حسبما يذكرون للدكتور "البطل" نفسه- قد استخدم لفظ ظل فقال: "ظل قابيل" فلماذا إذا ترك مترجمنا الصواب هنا للخطأ؟!.
وهناك أيضًا ترجمته لعبارة" rush down the dens of world away away" بـ"مندفعة إلى أسفل حافة العالم بعيدًا بعيدًا" مع أنه لا حافة هناك ولا أسفل بل كل ما يقصده التعبير الإنجليزي هو "إنها كانت تندفع بطول العالم" وكذلك ترجمته" The gulf to storm of the world" بـ"الخليج المحيط بالعالم" وصحتها: "الخليج المصنوع بطول الأرض" فهو لا يحيط العالم بل يشقه شقًّا وشتان هذا وذاك.
ومن تلك الأخطاء العجيبة ذلك الخطأ الأبلق، الذي لا أدري كيف وقع فيه ولا كيف فهم من ثم العبارات التي ورد فيها على نحو ما فهمها عليه، لقد ترجم عدة مرات كلمة "فايتس" بـ"السقوط" فقال: "حين إذ جيء بالسقوط وتمدد مثل شمس برصاء تغطيها أحزان العالم، بالقرب منه كان صوت ذهبي يدمع السقوط، صرخنا في وجه السقوط".
стр. 453
وهي ترجمة غريبة لا معنى لها، فوق أنه قد ترتب عليها انطماس المعنى الذي أردته الكاتبة فوق انطماسه الأصلي، وكأنه كان ينقصنا هذا الغموض الإضافي, والصواب هو أن "فايتس" كلمة لاتينية تعني "الرجل الغني" وقد تستعمل اسم علم على الغني في المثل الذي ضربه "السيد المسيح" حسبما ورد في إنجيل اللوق على إمكان ذهاب الفقير المريض المحتقر بعد موته إلى الفردوس، وتمتعه هناك بكل ما يشاء من ألوان النعيم في الوقت الذي يصلع فيه الغني المتخم أهوال الجحيم بسبب قساوة قلبه وكبره واحتقاره لأمثال ذلك المريض البائس، وعدم مد يد المساعدة له.
ويبدو أن هذا الاسم كان موجودًا في بعض نسخ الأناجيل قبلًا ثم حذف، وكما يرى القارئ لا علاقة لهذه اللفظة بهذا السكوت لا من قريب ولا من بعيد، وغريب أن يفهمها المُترجم هذا الفهم، وهي موصوفة بالاسم الموصول " who" الدال على العاقل لا على المعاني ولا الأشياء وسائر ما لا يعقل، علاوة على أن الكلام على أساس من ترجمته لا يستقيم ولا يتسق أبدًا.
وكان من جراء هذا الخطأ أن انطلق الدكتور "البطل" فأفاض في الكلام عن عقيدة الخطيئة والسقوط في الفكر النصراني، مخصصًا لذلك صفحتين كاملتين تحت عنوان "السقوط" أو "الخطيئة" شرح فيهما الأسطورة التي قامت عليها عقيدة الخطيئة في التراث النصراني، ومنشأها في الفكر الصومالي والإغريقي وغيره، ويرى القارئ الآن كيف نشأ الخطأ الذي قاد إلى كل ذلك، دون أن يكون هناك ما له لشيء منه، علاوة على أن مثل هذا الفهم قد ضاعف غموض القصيدة، ومن ثم زاد القارئ إرهاقًا فوق ما أصابه من إرهاقها الأصلي.
стр. 454
وكعادة الدُّكتور "بطل" نراه لا يتوقف لو لحظة متشككًا أو على الأقل متسائلًا عما ما إذا كان قد أصاب الرمية، بل يمضي مطمئنًا تمام الاطمئنان لا يعرف التردد ولا التثبت، ولا يلفت إلى أن النص حسب ترجمته لا يمشي أبدًا.
ومن هُنَا فإننا نتساءل: أو يمكن من يؤدي الترجمة على هذا النحو أن يقاوم القصيدة، ثم لا يكتفي بل يقارن أيضًا بينها وبين أشعار "السياب"، ثم مرة أخرى لا يكتفي بهذا بل يقاوم الشاعرة الإنجليزية، ونظيرها العراقي ويحكم أن صورها وفنها كله لا في تلك القصيدة فقط، أفضل كثيرًا من صوره وفنه؟.
والمسألة ببساطة: هو أن "ديفيس" لا يعني "السقوط" بل هو اسم يرمز إلى الجشع المادي عند السياسيين ورجال الأعمال، الذين كل همهم تكدس المال بل عبادته وعدم المبالاة بالمشاعر والقيم النبيلة في الحياة.
كذلك فات الدكتور "بطل" أن عندنا في القصيدة كما في إنجيل لوقا لعاذرين وليس لعاذر واحدًا, لعاذر الفقير المغطى جسده بالقروح وكانت الكلاب تلحسه، وقد ورد ذكره في المثل الذي سبق في الإشارة إليه مرارًا, أما العاذر الآخر فهو العاذر أخو "مارت" و"مريم" الذي كان يحب المسيح عيسى ابن مريم وهو الذي أقامه النبي الكريم من القبر وأعاده إلى الحياة بعد أن كان قد مضى على موته أربعة أيام حسب الرواية الإنجيلية.
ومن هُنا وجدنا الشاعرة تتحدّثُ عن القروح في سياق الحديث عنه في أكثر من مرة، "وفي هذا السطح يرقد جسد أخينا "العاذر" وقد دفن من قبر العالم، وقد كان ينام في ذلك الموت الكبير مثل الذهب في قشرة العالم، وحوله مثل البرق
стр. 455
الخابي كان يرقد الجوهر بلسم قرحة العالم"، والترجمة من عندي أما في ترجمة الدكتور "بطل" فهو بلسم أحزان العالم. "جاءوا بأحقاب العمى وليل العالم صائحين إليه "العاذر" هبنا البصر أنت يا من قروحه من الذهب، ثم جيء بـ"دايفس" وقد كان متمددًا مثل شمس برصاء تغطيها قروح العالم، وقد كان برص الذهب يغلف العالم الذي كان هو قلبه".
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 456
الدرس: ١٧ المذهب الرومانسي والمذهب الواقعي في ميدان الأدب .
стр. 457
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(المذهب الرومانسي والمذهب الواقعي في ميدان الأدب)
المذهب الرومانسي في الأدب؛ نشأته وتطوره
المذهب الرومانسي والمذهب الواقعي في ميدان الأدب:
والرومانسية: اتجاه في الفنون الجميلة والأدب، يركز على العاطفة أكثر من العقل، وعلى الخيال والبديهة أكثر من المنطق، ويَميلُ الرومانسيون إلى حرية التعبير عن المشاعر والتصرف الحُر التلقائي أكثر من التحفظ والترتيب، ونشأت الرومانسية غالبًا باعتبارها ثروة ضد الكلاسيكية، وأظهر الفنانون الكتاب على مر العصور اتجاهات رومانسية، غير أن تعبير الحركة الرومانسية يشير عادة إلى الفترة التي بدأت من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
وتُلح الرُّومانسية على حُرّية الفَرد ولا تُؤيد الأعْراف الاجتماعية المقيدة ولا الحكم السياسي المستبد الظالم، وفي مجال الأدب يكون البطل الرومانسي عادة رجلًا سائرًا أو خارجًا عن القانون، مثل شخصية "مان فريد" للشاعر البريطاني لورد بايرون، ومِثلَما يَكُون البطل الرومانسي عادة رجلًا ثائرًا على التقاليد الاجتماعية يكون الفنان الرومانسي ثائرًا على الأفكار الزائفة ذات المظهر الجميل. وفي المسرح على سبيل المثال يرفض الكتاب الرومانسيون الوحدة الكلاسيكية للزمان والمكان.
وإبان الحَركة الرُّومانسية لم يكن أغلب الكتاب راضين عن عالمهم؛ حيث كان يبدو عالمًا تجاريًّا جامدًا وغير إنساني، وللهُروب من الحياة الحديثة؛ حوّل الرومانسيون اهتمامهم إلى أماكن بعيدة وخيالية، فاتجهوا نحو القرون الوسطى وإلى الفنون الشعبية والأساطير، وإلى الطبيعة وعامة الناس.
стр. 458
وتُوجد كثيرٌ من الخصائص الرومانسية في الرواية القوطية، وهي نوع من القصص الرعب المليئة بالعنف والأحداث الغامضة، التي تقع في قصور العصور الوسطى القوطية الكئيبة، وتأثر بالرواية القوطية الكاتبان الأمريكيان "ناثنيل هوثون" و"إدجر ألنبو" وتعد حكاية الجن التي جمعها الأخوان الألمانيان "جريم" تحت عنوان "حكايات جريم الخُرافية" مِثالًا جيدًا على اهتمام الرومانسي بالأساطير والفنون الشعبية.
ويظهر في أعمال الشاعر الإنجليزي "ويليم ويرس ورث" كثير من السمات الرومانيسة البحتة؛ فكان "ويرز ورث" يفضل الذهن الخالي المستغرق في التأمل، على البحث الدءوب عن المعرفة العلمية، وكان يرى أن الإنسان يتعلم من اندماجه مع الطبيعة أو من حديثه مع أهل الريف، أكثر مما يتعلم من قراءة الكتب، وكان يَرى أيضًا أن الانسجام مع الطبيعة مظهر الفضيلة والحقيقة.
ولتوضيح الأمور مزيدًا من التوضيح نقول: إن الرومانسية هي ذلك المذهب الأدبي الذي أخذ يظهر في أوربا بعد قرن ونصف من ظهور الكلاسيكية، وهي كما رصدها النقاد ومؤرخو الأدب ثورة على العقل وسلطانه، وعلى الأصول والقواعد السائدة في الكلاسيكية، تلك القواعد التي كان مرجعها سيطرة الآداب الإغريقية والرومانية، والاجتهاد في تقليديها ومحاكاتها، والتي شرع الشعراء يتلفتون منها حين أخذت بلادهم تستقل في اللغة والأدب والفكر.
وعرفت الرومانسية بالابتداعات أو الإبداعية؛ بسبب أنها تعد ابتداعًا في المذهب الكلاسيكي، وتقويضًا لمبادئه وأركانه، وفي الواقع لم تكن الرومانسية ثورة على الآداب الإغريقية واللاتينية والكلاسيكية فحسب؛ بل كانت كذلك ثورة على جميع القيود الفنية المتوارثة، التي حدت من تطور الأدب وحيويته، ومن ثَمّ كانت تعبيرًا عن طابع العصر وثقافة الأمة وتاريخها.
стр. 459
لقد غَلبت على الرّومانسيين نزعة التمرد على هذه القيود التي التزمها الكلاسيكيون؛ فدعوا إلى التخلص من كل ما يكبل الملكات، ويقيد الفن والأدب، ويجعلهما محاكاة جامدة لما اتخذه اليونان واللاتين من أصول، كانت الرومانسية ترمي إلى التخلص من كل الأصول والقيود التي أثقلت الأدب الكلاسيكي؛ لتنطلق العبقرية البشرية على سجيتها، دون ضابط لها سوى هدي السليقة وإحساس الطبع.
لقد كان الأدب الكلاسيكي هو أدب العقل والصنعة الماهرة، وجمال الشكل، والمواضيع الإنسانية العامة، واتباع الأصول الفنية القديمة؛ فجاءت الرومانسية؛ لتشيد بأدب العاطفة والحزن والألم، والخيال والتمرد الوجداني والفرار من الواقع، والتخلص من استعباد الأصول التقليدية للأدب.
وكانت البلاد الفرنسية المهد الأول للرومانسية وللكلاسيكية ولجميع المذاهب الأدبية والمناحي الفكرية، أما الظروف التي نشأت فيها الرومانسية بفرنسا فهي ما اعترى تلك البلاد من أحوال سياسية واجتماعية واقتصادية، كان من أثرها تلك الحالة النفسية التي ميزت التمزق الداخلي، والتغني بالآم الفردية.
ولعل من عوامل نشوء الرومانسية في فرنسا ما كان من هجرة بعد كبار كتابها إلى إنجلترا وألمانيا، إثر قيام الثروة الفرنسية سنة ألف وسبعمائة وتسع وثمانين ميلادية، وتأثرهم بآداب تلك البلاد، ومعطياتها الفكرية والثقافية، مما جعلهم يصدرون عن وحيها بكل حماسة وإعجاب، كتلك الحماسة التي أظهرها "شاتوبرايان" عندما عاد من مهجره إنجلترا وتسنى له أن يترجم إلى الفرنسية "الفردوس المفقود" لـ"جون ميلتون" وكذلك الإعجاب الذي أبدته مدام "تستايل" حينما عادت من منافاها ألمانيا بهذا الأسلوب الجديد الساري في أدب الشمال؛ إذ قالت: شعر أهل الشمال يناسب تفكير الأمم الحرة أكثر مما ينسابها شعر الإغريق.
стр. 460
وكتبت "دستايل" عن ألمانيا كتابًا فريدًا أشادت فيه بالروح الألمانية، وعرفت فيه الفرنسيين بروائع الأدب الألماني الغارق في الرومانسية، وتعتبر "دستايل" من الرواد الأوائل لنشوء "الرومانتيكية"، وإذا تجاوزنا الأسباب المباشرة لحدوث الرومانسية؛ فإننا نجد كاتبين وفيلسوفين كبيرين أثرا في الحياة العقلية والأدبية الأوربية، وإن كان تأثيرًا بعيدًا عن محيط الرومانسية، لكنه على كل حال ساعدا على تمهيد أرض صلبة لنشوئها، هذان الفيلسوفان هما: "جان جاك روسو" و"فولتير".
أما "روسو" فقد دعا إلى العودة إلى الطبيعة والحياة الفطرية؛ إذ إن أطماع الإنسان قد تطورت بتطور المجتمع، وأحس أنه في مجتمع يفرض عليه تبادل المصالح مع الآخرين، ومن شأن هذا أن يكون في نفسه الأثرة وحب الذات، والامتلاك والحرص، ولقد كان الإنسان الفطري البدائي سعيدًا في حياته وفي معيشته، آمنًا في كوخه، لا يحمل لغيره من الناس إلا الخير والحب.
و"روسو" هو صاحب المبدأ التربوي المشهور: "علينا أن نترك الطفل يدرج وحده في الطبيعة ليكتسب خبراته بنفسه". وكتاب "إيميل" إنما هو شرح لهذا المبدأ، وأما "فولتير" فإنه نشر في أوربا كلها أدب "شكسبير" ونوه به، وهو أدب مُتحرر من النظام الإغريقي في بناء المسرحيات، رغم إن "شكسبير" عاش في عصر "الكلاسيكية" إلا أنه لم يلتزم بمبادئها وأصولها بل اعتمد على نفسه وخبرته في تكوين مسرحه.
وكان من حقيقة هذا النشر أن فطن الأدباء لأن في القرن السادس عشر -وهو عصر ازدهار الكلاسيكية- من حاول التفلت من قيود الآداب الإغريقية والرومانية، اكتفاء بعبقريته وأصالته الفنية، واجتهاداته الشخصية، وبالطبع لم
следующие страницы →