Полный текст (584 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الدرس: ١٧ المذهب الرومانسي والمذهب الواقعي في ميدان الأدب .
стр. 457
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(المذهب الرومانسي والمذهب الواقعي في ميدان الأدب)
المذهب الرومانسي في الأدب؛ نشأته وتطوره
المذهب الرومانسي والمذهب الواقعي في ميدان الأدب:
والرومانسية: اتجاه في الفنون الجميلة والأدب، يركز على العاطفة أكثر من العقل، وعلى الخيال والبديهة أكثر من المنطق، ويَميلُ الرومانسيون إلى حرية التعبير عن المشاعر والتصرف الحُر التلقائي أكثر من التحفظ والترتيب، ونشأت الرومانسية غالبًا باعتبارها ثروة ضد الكلاسيكية، وأظهر الفنانون الكتاب على مر العصور اتجاهات رومانسية، غير أن تعبير الحركة الرومانسية يشير عادة إلى الفترة التي بدأت من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
وتُلح الرُّومانسية على حُرّية الفَرد ولا تُؤيد الأعْراف الاجتماعية المقيدة ولا الحكم السياسي المستبد الظالم، وفي مجال الأدب يكون البطل الرومانسي عادة رجلًا سائرًا أو خارجًا عن القانون، مثل شخصية "مان فريد" للشاعر البريطاني لورد بايرون، ومِثلَما يَكُون البطل الرومانسي عادة رجلًا ثائرًا على التقاليد الاجتماعية يكون الفنان الرومانسي ثائرًا على الأفكار الزائفة ذات المظهر الجميل. وفي المسرح على سبيل المثال يرفض الكتاب الرومانسيون الوحدة الكلاسيكية للزمان والمكان.
وإبان الحَركة الرُّومانسية لم يكن أغلب الكتاب راضين عن عالمهم؛ حيث كان يبدو عالمًا تجاريًّا جامدًا وغير إنساني، وللهُروب من الحياة الحديثة؛ حوّل الرومانسيون اهتمامهم إلى أماكن بعيدة وخيالية، فاتجهوا نحو القرون الوسطى وإلى الفنون الشعبية والأساطير، وإلى الطبيعة وعامة الناس.
стр. 458
وتُوجد كثيرٌ من الخصائص الرومانسية في الرواية القوطية، وهي نوع من القصص الرعب المليئة بالعنف والأحداث الغامضة، التي تقع في قصور العصور الوسطى القوطية الكئيبة، وتأثر بالرواية القوطية الكاتبان الأمريكيان "ناثنيل هوثون" و"إدجر ألنبو" وتعد حكاية الجن التي جمعها الأخوان الألمانيان "جريم" تحت عنوان "حكايات جريم الخُرافية" مِثالًا جيدًا على اهتمام الرومانسي بالأساطير والفنون الشعبية.
ويظهر في أعمال الشاعر الإنجليزي "ويليم ويرس ورث" كثير من السمات الرومانيسة البحتة؛ فكان "ويرز ورث" يفضل الذهن الخالي المستغرق في التأمل، على البحث الدءوب عن المعرفة العلمية، وكان يرى أن الإنسان يتعلم من اندماجه مع الطبيعة أو من حديثه مع أهل الريف، أكثر مما يتعلم من قراءة الكتب، وكان يَرى أيضًا أن الانسجام مع الطبيعة مظهر الفضيلة والحقيقة.
ولتوضيح الأمور مزيدًا من التوضيح نقول: إن الرومانسية هي ذلك المذهب الأدبي الذي أخذ يظهر في أوربا بعد قرن ونصف من ظهور الكلاسيكية، وهي كما رصدها النقاد ومؤرخو الأدب ثورة على العقل وسلطانه، وعلى الأصول والقواعد السائدة في الكلاسيكية، تلك القواعد التي كان مرجعها سيطرة الآداب الإغريقية والرومانية، والاجتهاد في تقليديها ومحاكاتها، والتي شرع الشعراء يتلفتون منها حين أخذت بلادهم تستقل في اللغة والأدب والفكر.
وعرفت الرومانسية بالابتداعات أو الإبداعية؛ بسبب أنها تعد ابتداعًا في المذهب الكلاسيكي، وتقويضًا لمبادئه وأركانه، وفي الواقع لم تكن الرومانسية ثورة على الآداب الإغريقية واللاتينية والكلاسيكية فحسب؛ بل كانت كذلك ثورة على جميع القيود الفنية المتوارثة، التي حدت من تطور الأدب وحيويته، ومن ثَمّ كانت تعبيرًا عن طابع العصر وثقافة الأمة وتاريخها.
стр. 459
لقد غَلبت على الرّومانسيين نزعة التمرد على هذه القيود التي التزمها الكلاسيكيون؛ فدعوا إلى التخلص من كل ما يكبل الملكات، ويقيد الفن والأدب، ويجعلهما محاكاة جامدة لما اتخذه اليونان واللاتين من أصول، كانت الرومانسية ترمي إلى التخلص من كل الأصول والقيود التي أثقلت الأدب الكلاسيكي؛ لتنطلق العبقرية البشرية على سجيتها، دون ضابط لها سوى هدي السليقة وإحساس الطبع.
لقد كان الأدب الكلاسيكي هو أدب العقل والصنعة الماهرة، وجمال الشكل، والمواضيع الإنسانية العامة، واتباع الأصول الفنية القديمة؛ فجاءت الرومانسية؛ لتشيد بأدب العاطفة والحزن والألم، والخيال والتمرد الوجداني والفرار من الواقع، والتخلص من استعباد الأصول التقليدية للأدب.
وكانت البلاد الفرنسية المهد الأول للرومانسية وللكلاسيكية ولجميع المذاهب الأدبية والمناحي الفكرية، أما الظروف التي نشأت فيها الرومانسية بفرنسا فهي ما اعترى تلك البلاد من أحوال سياسية واجتماعية واقتصادية، كان من أثرها تلك الحالة النفسية التي ميزت التمزق الداخلي، والتغني بالآم الفردية.
ولعل من عوامل نشوء الرومانسية في فرنسا ما كان من هجرة بعد كبار كتابها إلى إنجلترا وألمانيا، إثر قيام الثروة الفرنسية سنة ألف وسبعمائة وتسع وثمانين ميلادية، وتأثرهم بآداب تلك البلاد، ومعطياتها الفكرية والثقافية، مما جعلهم يصدرون عن وحيها بكل حماسة وإعجاب، كتلك الحماسة التي أظهرها "شاتوبرايان" عندما عاد من مهجره إنجلترا وتسنى له أن يترجم إلى الفرنسية "الفردوس المفقود" لـ"جون ميلتون" وكذلك الإعجاب الذي أبدته مدام "تستايل" حينما عادت من منافاها ألمانيا بهذا الأسلوب الجديد الساري في أدب الشمال؛ إذ قالت: شعر أهل الشمال يناسب تفكير الأمم الحرة أكثر مما ينسابها شعر الإغريق.
стр. 460
وكتبت "دستايل" عن ألمانيا كتابًا فريدًا أشادت فيه بالروح الألمانية، وعرفت فيه الفرنسيين بروائع الأدب الألماني الغارق في الرومانسية، وتعتبر "دستايل" من الرواد الأوائل لنشوء "الرومانتيكية"، وإذا تجاوزنا الأسباب المباشرة لحدوث الرومانسية؛ فإننا نجد كاتبين وفيلسوفين كبيرين أثرا في الحياة العقلية والأدبية الأوربية، وإن كان تأثيرًا بعيدًا عن محيط الرومانسية، لكنه على كل حال ساعدا على تمهيد أرض صلبة لنشوئها، هذان الفيلسوفان هما: "جان جاك روسو" و"فولتير".
أما "روسو" فقد دعا إلى العودة إلى الطبيعة والحياة الفطرية؛ إذ إن أطماع الإنسان قد تطورت بتطور المجتمع، وأحس أنه في مجتمع يفرض عليه تبادل المصالح مع الآخرين، ومن شأن هذا أن يكون في نفسه الأثرة وحب الذات، والامتلاك والحرص، ولقد كان الإنسان الفطري البدائي سعيدًا في حياته وفي معيشته، آمنًا في كوخه، لا يحمل لغيره من الناس إلا الخير والحب.
و"روسو" هو صاحب المبدأ التربوي المشهور: "علينا أن نترك الطفل يدرج وحده في الطبيعة ليكتسب خبراته بنفسه". وكتاب "إيميل" إنما هو شرح لهذا المبدأ، وأما "فولتير" فإنه نشر في أوربا كلها أدب "شكسبير" ونوه به، وهو أدب مُتحرر من النظام الإغريقي في بناء المسرحيات، رغم إن "شكسبير" عاش في عصر "الكلاسيكية" إلا أنه لم يلتزم بمبادئها وأصولها بل اعتمد على نفسه وخبرته في تكوين مسرحه.
وكان من حقيقة هذا النشر أن فطن الأدباء لأن في القرن السادس عشر -وهو عصر ازدهار الكلاسيكية- من حاول التفلت من قيود الآداب الإغريقية والرومانية، اكتفاء بعبقريته وأصالته الفنية، واجتهاداته الشخصية، وبالطبع لم
стр. 461
يعتمد "فولتير" جميع آراء "شكسبير" ويأخذ بها كلية لكنه اختار ما يلائم طبعه في تجديد الأدب الفرنسي، ولا شك أن لهذا التجديد، أثر في اهتزاز قيمة المذهب الكلاسيكي.
ولم يكن "فولتير" ناقلًا لآراء "شكسبير" فقط بل كان كذلك ناقدًا اجتماعيًّا جريئًا في نقده؛ حتى إنه انتقد صكوك الغفران ورجال الكنيسة، وقد عرض الفيلسوف الفرنسي آراءه في المسرحيات التي ألفها، وكانت سببًا لتهيئة الجو الملائم للرومانسية.
كذلك أخذ بعض الفلاسفة يمهدون لهذا المذهب، ويبشرون بعالم أفضل كالفيلسوف الفرنسي "بيدرو" والفيلسوف الألماني "كانت" ولا شك أيضًا أنّ هؤلاء الفلاسفة قد أثروا في الأدب ونقده، حينما خالفوا أفلاطون في نظريته المشهورة عن المُثل، كذلك انصرف هؤلاء الفلاسفة في أبحاثهم الفلسفية إلى اجتناب طبيعة الجمال، وحقيقته وعلاقته بالمتعة، والفرق بين الجميل والنافع، واستطاعوا أن يحددوا نظرياتهم وآراءهم نحو الجمال.
ثم أتى فلاسفة بدءوا من حيث انتهى أولئك، في مقدمتهم الفيلسوف الألماني الرومانتيكي "فيتشه" والفيلسوف الألماني "شوبن هاور" الذي قامت فلسفته على التشاؤم، ويجبُ أنْ نأخُذَ بِعينِ الاعتبار أن تلك الأسباب لم تصنع بين عشية وضحاها الظروف التي نبتت فيها الرومانسية، وغدت مذهبًا أدبيًّا قائمًا بذاته، كما أن تلك المؤثرات التي أشرنا إليها من قبل، لا تستطيعُ وحدها تشييد صرح الرومانسية، لو لم تتضافر ظروف الحياة في فرنسا لتهيئة الحالة النفسية، التي تصدر منها الرومانسية.
стр. 462
وكان هناك في فرنسا عددٌ من الأدباء الناشئين الذين استجابوا لنداء هذه الأحداث، مُشكلين بذلك نقطة انطلاق الرومانسية، وقد وصف الشاعر "الرومانتيكي" الفرنسي الكبير "ألفريد ديموسيه" في كتابه (اعترافات فتى العصر) الحالة النفسية للأطفال الشبان، بعد هزيمة نابليون وإذلال فرنسا وفترة الضياع، تلك الحالة التي لم تعد مذهبًا أدبيًّا فقط، بل صارت فلسفة وسلوكًا في الحياة أيضًا.
واتخذت الرومانسية من الشعر وسيلة للتعبير عن الذات، وما يجتنبها من ألم وشقاء وتشاؤم، ولم تُقيد الرومانسية نفسها بأصول ومبادئ فنية، كما حدث في الكلاسيكية؛ إلّا أنها قد بلورت بطريقة تلقائية بعض الاتجاهات التي أصبحت فيما بعد من مميزاتها، من مثل مرض العصر وما يطلقونه على تلك الحالة النفسية الناتجة عن عجز الفرد عن التوفيق بين القدرة والأمل، وكذلك اللون المحلي، ويقصدون به محاربة الاتجاه الإنساني السائد في الكلاسيكية، ثم الخلق الشعري الذي على أساسه يقرر الرومانسيون أن الأدب ليس محاكاة للحياة والطبيعة كما تذهب الكلاسيكية، بل خلق وأن أداة الخلق هي الخيال المبتكر مع ذكريات الماضي، وأحداث الواقع الراهن وإرهاصات المستقبل.
وخليقٌ بمن يريد الإلمام باتجاهات الرومانسية ومميزاتها وسماتها، أن يَطّلع على روائع الرومانسيين، من أمثال آثار "فيكتور هيجو" و"ألفريد ديموسيه" و"لامارتين" و"ريس وريث" و"كلورين" و"بايرون" و"شل" و"كيت".
وهُناك قصيدةٌ للشاعر الفرنسي "ألفريد ديموسيه" أجمع النقاد على أنها من روائع الرومانسية، وهي بعنوان: "ليلة أكتوبر" وتجري على صورة حوار بينها وبين ربة الشعر حول تجربة حقيقية عاشاها الشاعر بكل أبعادها، في حبه للكاتبة الفرنسية "جون ريسان" التي سافر معها إلى مدينة البندقية بإيطاليا؛ حيث سقط
стр. 463
مريضًا؛ فعاداه طبيب إيطالي، وأوقع "جورج صن" في حبه وهجرته هو ليعود وحده إلى باريس كسير القلب، وفي خلال تلك المنحة أتته ربة الشعر فجرى بينهما الحوار الآتي:
الشاعر: لقد تبدد الألم الذي أضناني كما تتبدد الأحلام، حتى لتشبه ذكراه البعيدة، ما يبعث الفجر من ضباب خفاف يتطاير هذا الصباح.
ربة الشعر: ما بك إذًا يا شاعري؟ ما هذا الألم الخفي الذي أقصاك عني؛ حتى ما أزال أشقى به؟ ما هذا الألم الذي خفي عني وإن طالما أبكاني؟.
الشاعر: كان ألمًا مبتذلًا من منصب الجميع، ولكننا نحسب دائمًا بخبلنا الجدير بالرحمة، أن ما يتسرب إلى قلوبنا من ألم، لم يتسرب مثله إلى قلب أحد سوانا.
ربة الشعر: لا، ما في الألم من كدر، إلا ألم نفس مبتذلة، دع عزيزي هذا السر ينطلق من فؤادك، افتح لي نفسك، وتكلم واثقًا من أمانتك؛ فإنّ الصمت أخ للموت، ولكم شكا متألمٌ ألمه فتعزى عنه، ولكم نجا القول قائله من وخزات الضمير.
الشاعر: إذا كان لا بد من الكلام عن ألمي؛ فوالله لا أدري بأي اسم اسميه؟ أكان حبًّا أم جنونًا أم كبرياء أم محنة؟ وما أدري من سيفيد من سماعه وأنا بعد قاص عليكي نبأه، وقد خلونا إلى أنفسنا في جلستنا هذه إلى جوار الموقد، خذي قيثارتك وتعالي إلى جانبي، ثم أيقظي ذكرياتي بعذب نغماتك.
ولا شَكّ أنّ تِلْكَ المعاني الذاتية لا تلائم إلا الشعر الغنائي، حيث يجد فيه الشاعر المنطلق الرحيم؛ إلا أنّ الرومانسيين لم يقتصروا على الشعر الغنائي فحسب؛ وإنّما كانت لهم مشاركات في الأدب الموضوعي، وبخاصة الأدب التمثيلي.
стр. 464
وبرزت في هذا الأدب أسماء لامعة، وكانت مسرحياتهم روائع خالدة في المذهب الرومانسي، من أمثال "ديموسيه" و"فيكتور هيجو" الذي قام بترجمة مسرحية "ويليام شكسبير" إلى اللغة الفرنسية، وأخذ في دراستها واستنباط خصائصها، ومهاجمة الكلاسيكية خلال تلك الدراسة كما في مقدمة مسرحية "كرومويل" التي هاجم فيها وحدة الزمان والمكان في المسرحية عند "الكلاسيكيين" إذ المقصود من وحدة الزمان جعل المسرحية مشاكلة الحياة، وكأنها صورة منها ومن الأجدر إذا كان ذلك كذلك أن تحدد بساعتين أو ثلاث، وهو الزمن الذي يستغرقه تنفيذ المسرحية لا بأربعة وعشرين ساعة.
كما هَاجَمَ مبدأ فصل الأنواع، الذي يقتضي في المسرحية الكلاسيكية عدم اجتماع مشاهد المأساة إلى جوار مشاهد المغازل المسرحية، متحججًا بأن هذا المبدأ لا وجود له في واقع الحياة، إذ الحياة كثيرًا ما تنقلب من جد إلى هزل، ومن هزل إلى جد، وتتقلب مع عواطف الناس ومشاعرهم تبعا لهذا الانقلاب.
هذه هي الرومانسية التي سيطرت على الآداب الأوربية وقتًا من الزمن، وكان لا بد لها أن تنهار وتسقط في خضم المذاهب الناشئة، كما حدث للكلاسيكية أمامها، وقد قدّم هذا المذهب نفسه العوامل التي ساعدت على سقوطه أمام المذاهب الأدبية الناشئة، من مثل الواقعية والفنية، إذ هو يذهب إلى أن الأدب وحي وإلهام وخلق لا صناعة ومحاكاة ونظام، مما يجعله ينتهي عند المقدمين وأصحاب الملكات الضعيفة إلى إهمال الصياغة اللغوية واللامبالاة بتجويد الأسلوب وجماله، وعدم العناية بروائع الفحول من الأدباء.
كما أدى به هذا الأمر إلى اضطراب العواطف، وتشتت المشاعر عند الأدباء، واستخدام الأدب الشعري ونثره في التعبير عن الذات الفردية، وهو ما صرفه عن القضايا الإنسانية والوطنية الكبرى؛ حتى وصف بأنه أدب الأبراج العاجية.
стр. 465
وكان للأدب العربي الحديث هو أيضًا من حظه ونصبيه من الرومانسية، التي على أساسها قامت فيه عدد من المدارس الأدبية؛ كمدرسة الديوان ومدرسة أبوللو ومدرسة المهجر، بل إنّ مَدرسة الديوان ممثلة في زعمائها الثلاثة: العقاد، والمازني، وعبد الرحمن شكري. قد صدرت في نقدها لمسرحية شوقي وشعره ونثر المنفلوطي عن الرومانسية ومبادئها وتعاليمها، متأثرة في ذلك بالرومانسية الإنجليزية.
وتحت رايات هذه المدارس الأدبية في أدبنا العربي الحديث سطعت نجوم في سماء الشعر الرقيق الحالم، من أمثال الدكتور إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وعبد القاسم الشابي، وعمر أبو ريشة، وصالح جودت، وخالد نعيم، ومن قبل هؤلاء جميعًا خليل مطران، ونورد فيما يلي مقتطفات من قصيدة شعرية تشيع فيها المعاني والأخيلة الرومانسية؛ لشاعر سوريا الملهم عمر أبو ريشة المتوفى عام ١٩٩٠ ميلادية:
لمن تعسر الروح يا شاعر ... أما لضلال المنى آخر
أللحبِّ أين التفات الفنون ... إذا هتف الأمل العاسر
أللهو كم من دمية صغتها ... ومزقها ظفرك الكاسر
أللمجد ماذا يحس القتيل ... إذا أزور أو بسم العابر
أللخلد كيف ترد الذئاب ... وقد عضها جوعها الكافر
رويدك لا تسفحن الخيال ... ببيداء ليس بها سامر
أما يرقص الكون في صمته ... كما يرقص الحية الساحر
دع الحلم يخلب في ناظريك ... فموعده غدك الساخر
وبرغم خلو آدابنا القديمة من الرومانسية مذهبًا يتخذه الأدباء عن وعي وقصد، تبعًا لفلسفة يعتنقونها، وظروف تدفع جموعهم إليها، كما هو الحال في تاريخ
стр. 466
الآداب الأوربية على ما هو معروف؛ فمن السهل على من لديهم معرفة بتاريخ الشعر العربي القديم أن يمد يده إلى إلى أي عصر أدبي تقريبًا، بدأ من العصر الجاهلي ذاته؛ فيقتطف بكل سهولة باقة من الشعر الفواح بعبق الرومانسية.
أليست الرومانسية في جانب من جوانبها ثورة على العقل وسلطانه، وعلى الأصول والقواعد السائدة في الكلاسيكية، والاجتهاد في تقريبها ومحاكاتها، أليس الأدب الكلاسيكي هو أدب العقل والصنعة الماهرة، وجمال الشكل، والمواضيع الإنسانية العامة، واتباع الأصول الفنية القديمة؛ فجاءت الرومانسية لتشيد بأدب العاطفة والحزن والألم والخيال، والتمرد الوجداني، والفرار من الواقع، والتخلص من استعباد الأصول التقليدية للأدب؛ ألم يمرُّ بنا قبل قليل أنّ الفنانين والأدباء قد أظهروا على مر العصور اتجاهات رومانسية؛ رغم أن مصطلح حركة الرومانسية يشير عادة إلى الفترة التي بدأت في أوربا من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
فلنأخُذ مثلًا قصيدة "عبد يغوث" الذي نظمها وقد وقع أسيرًا في يد أعداء قبيلته في الجاهلية فقيدوه، وشدوا لسانه بلسعة كي لا يقول شعرًا في هجائهم فيفضحهم بين القبائل، وأصروا على أن يقتلوه بفارس من فرسانهم سقط في أحدى المعارك، التي دارت رحاها بينهم وبين قبيلة الشاعر الذي كان قائد قومه، أو أحد كبار قادتهم.
ففي هذه القصيدة يسود جو من الأسى والألم، وترفرف راية الموت السوداء؛ وتنثان ذكريات على الشاعر حزينة تلذع قلبه تلذيعًا، وبخاصة بعد ما تبين له أنه لا فائدة ترجى من المفاوضات التي حاول أن يديرها بينه وبينهم، عارضًا فيها دفع ما يريدون من دية؛ حتى لو استغرقت ماله كله وتركته حريبًا -أي: فقيرًا فقرًا مضجعًا لا يملك شروى نقير؛ فكانت أن ذهبت جهوده في تلك المفاوضات عبثًا.
стр. 467
أليست هذه القصيدة تخلو من نهج القصيدة، الذي ذكر ابن قتيبة أنه واجب الاتباع بحذافيره، لا البدء بالوقوف على الأطلال، ثم التثنية بركوب البعير والانطلاق في ناحية الصحراء، والتثليث بوصف كل ما يمر به الشاعر في محنته تلك التي أمضى فيها بعيره ونفسه وصفًا لا بد من التزامه بحذافيره المحددة دون أي خروج عنه في أشد التفاصيل دقة إلى آخره.
ترى أي فرق بين ذلك القصيدة وبين أية قصيدة رومانسية، مما نعرف من شعر العصر الحديث؟ وبحق يكتب أحد معلقي المنتديات الإنترنتية قائلًا: "قريبة إلى نفسي هذه الياء التي اختتمت بها قصيدة عبد يغوث بن وقاص، ذلك الشاعر الذي سمحت له تجربته بكشف مدى صدق التعبير عنها، تجربة الشعر الجاهلي لبني عبد يغوث كانت عند هزيمة قومه، حينما جره سوء حظه إلى أن يقع أسيرًا في صفوف أعدائه، بعد أن كان قائد قومه "مذحج" ويحاول الأسير أن يفدي نفسه، ولكن أنا له ذلك وقد تمادت تميم في حرصها عليه، بل أبت إلا قتله بالنعمان بن جساس؛ قتيلهم في يوم الكلاب الثاني، وموضع أسر عبد يغوث بن وقاص الحارثي، ولم يكن عبد يغوث قاتله ولكن تميمًا تنتهي بالرأي إلى إجماع الرغبة على قتله كفارس مذكور في قومه، وشاعر ذائع الصيت بينهم.
وكانوا قد شدوا لسانه لئلا يُقدم على هجائهم أو التعريض بهم، أو رصد مثالبهم، ولما أدرك الفارس الأسير أنه مقتول لا محالة؛ طلب إليهم أن يطلقوا لسانه لعله يذم أصحابه ممن تركوه وغدروا به، أو لعله يرثي نفسه قبل موته، كما طلب منهم أن يختاروا له قتلة كريمة تليق بمكانته وفروسيته، فأجابوه إلى رغبته وسقوه الخمر، وقطعوا له عرقًا يقال له: "الأكحل" وتركوه ينزف حتى مات.
ويقال: إنه نظم يائيته المشهورة، وقد جهز للقتل؛ فراح من خلالها يحكي قصة ألمه إزاء ما كان من قومه، وقد تركوه حين هزموا، ولو شاء الفرار لسهل عليه أمره، ولنجا من مأزق أسره، ولكنه آثر الثبات من أجل حماية قومه؛ فإذا به في
стр. 468
موقف لا يحسد عليه بين مهانة، ومذلة يترجمها موقف نساء تميم منه، وهُن يهزأن به ويسخرن منه ويراودنه عن نفسه يقول عبد يغوث:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير وما ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل ... وما لومي أخي من شماليا
فيا راكبًا إن ما عرضت فبلغن ... دامية من نجران ألا تلاقيا
أبا كلب والأيهمين كليهما ... وقيسًا بأعلى حضر موت اليمانيا
جزى اللهُ قومي من كليب مليمة ... صريعهم والآخرين المواليا
ولو شئت نجتني من الخير نهدة ... ترى خلفها الحوى الجياد تواليا
ولكنني أحمي ذمار أبيكم ... وكان الرماح يختطفن المحاميا
أقول وقد شدوا لساني بمسعة ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
فإن تقتلوني تقتلوا بي سيدًا ... وإن تطلقوني تحرموني بماليا
أحقًّا عباد الله أن لست سامعًا ... نشيد الرعاء المعذبين المتاليا
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن ... لم تري قبلي أسيرًا يمانيا
وظل نساء الحي حولي ركدًا ... يراودن مني ما تريد نسائيا
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معدوًّا علي وعاديا
وقد كنت نحار الجزور ومعمل الـ ... ـمطي وأمضي حيث لا حي ماضيا
وأنحر للشرب الكرام مطيتي ... وأصدع بين القينتين ردائيا
وكنت إذا ما الخيل شمصها القنا ... لبيقًا بتصريف القناة بنانيا
وعادية سوم الجراد وزعتها بكفي ... وقد أنحوا إليّ العواريا
كأني لم أركب جوادًا ... ولم أقل لخيلي كري نفسي عن رجاليا
ولم أسبق الزق الروي ولم أقل ... لأيسار صدق أعظموا ضوء ناريا
стр. 469
ويُمكن المُضي في جمع تلك الباقة فنجد أمامنا مثلًا العانية التي نظمها أمية بن أبي الصّلت أو المنسوبة إليه في الشكوى من عقوق ابنه، وكذلك حائيته التي يرثي فيها بألم عنيف قتلى بدر من المشركين الذين سقطوا بسيوف أبطال الإسلام في تلك الملحمة العظيمة؛ فكان وقعها على قريش ومن لفّ لفهم ووقف إلى جانبهم ضد الدين الجديد العظيم وقع الزلزال المدمر.
وبالمثل نستطيع أن نضم إلى تلك الباقة عانية أبي ذؤيب الهذلي في رثاء أولاده الأربعة، ذلك الرثاء الذي لم يقصد إليه من الناحية الفنية قصدًا مباشرًا، بل أداه من خلال أربع حكايات تصور كل واحدة منها سقوط ثور وحشي، وكأنه يجيء على ما نسميه في عصرنا بالمعاد الموضوعي الذي سنه الشاعر الإنجليزي الأمريكي "تي إس إليوت".
وهناك كذلك رثاء الخنساء لصخر أخيها، ذلك الرثاء الذي وقفت حياتها كلها عليه، لا تريد أن تتوقف أبدًا عنه رغم تمادي الزمن؛ وهناك أيضًا رثاء مالك ابن الريب لنفسه الذي استلهم فيه قصيدة "عبد يغوث" فبلغ مدى سامقًا قلما يبلغه شاعر في أي أدب.
ومنه كذلك أشعار العذريين، وكثير عزة المُفْعَمة بالحرمان والعذاب، والعكوف على المشاعر الباطنية، يَجْتَرّها الشاعر في ألم لا يعدله ألم، صارخًا حيث لا يسمع صريخه ولا يمد يده إليه أحد.
ولا ننسى مثلًا أبيات ابن خفاجة في وصف الجبل المتوحد في قلب الصحراء؛ حيث لجأ إليه ذات ليلة، ومد أذنه ليسمع الكثير من أخبار ماضيه، وما مر به من أحداث وناس ومفارقات فسمع حديثًا عجبًا.
стр. 470
ومنها كذلك أبيات البحتري في وصف الربيع، وهو ساكن في رقدته الشتوية، مختالًا ضاحكًا ابتهاجًا بما حباه الله به من الحسن والجمال، حتى أوشك أن ينطق من الفرح والابتهاج.
مذهب الواقعية في الأدب؛ نشأته وتطوره
أما بالنسبة إلى الواقعية؛ فكما يقول الدكتور مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه): نشأ هذا المذهب في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، تَحت تأثير الحركة العلمية والفلسفية؛ ورد فعل على الإفراط العاطفي التي اتسمت به الرومانسية، فقد ازدهرا معًا وتجاورا، وقد عمد الواقعيين أن تشخيص الآفات الاجتماعية، وتصوير معاناة الطبقة الدنيا وبدءوا بذلك حتى اتسم أدبهم بطابع تشاؤمي، ومسحة سوداء.
ويعد "بلزاك" الذي عاش في النصف الأول من القرن التاسع عشر الرائد الأول للواقعية في فرنسا، وقد خَلّف أكبر موسوعة في الأدب الواقعي، وهي تشمل نحو مائة وخمسين قصة أطلق عليها اسم "الكوميديا البشرية" وتُمَثِّلُ قِطَاعَاتٍ مُختلفة من الحياة؛ كما نَجِدُ عدة أدباء آخرين من فرنسا في مجال الواقعية مثل: "جوستاف لوبير" وهو صاحب الأعمال الأدبية المتميزة مثل "مدام بوفريه" و"سلمبو" وغيرهما من الأعمال الأدبية القيمة.
ويقول الدكتور مندور أيضًا: إنّ الواقعية كمذهب أدبي ليست هي الأخذ عن واقع الحياة، وتصويره بخيره وشره؛ كالآلة الفوتوغرافية، كما أنها ليست معالجة لمشاكل المجتمع ومحاولة لحلها، أو ضد أدب الخيال أو الأبراج العاجية؛ بل هي فلسفة في فهم الحياة والأحياء وتفسيرهما. أو هي وجهة نظر خاصة ترى الحياة من
стр. 471
خلال منظار أسود، وتؤمن بأننا لو نقبنا عن حقيقة الشجاعة والاستهانة بالموت مثلًا؛ لوجدناها يأسًا من الحياة أو ضرورة لا مفر منها، مثلما أن الكَرَم في حقيقته أثرة تأخذ مظهر المباهاة، والمجد والخلود تكالب على الحياة وإيهام النفس بدوامها واستمرارها.
وهكذا الأمر في كافة القيم المثالية التي نسميها قيمًا خيرة، فهي ليست واقع الحياة الحقيقة، بل الواقع والأثرة ما ينبعث عنها من شرور وقسوة وحشية.
وتُمَثّل الواقعية الجانب الواقعي من المجتمع والحياة؛ فهي ترى أنّ الحياة كلها شر ووبال، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش إذا كان ماكرًا ومخادعًا، لكن هناك في ذات الوقت لونًا آخر من الواقعية؛ كانت تعرفه الآداب الاشتراكية أيام أن كانت هناك اشتراكية قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، والدول التابعة له، وثورة الشعوب هناك على أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا اللون من الواقعية يركز على ما في الحياة من أوضاع تدعو إلى التفاؤل، وتؤدي إلى نتائج إيجابية بدلًا من هذه النظرة المتشائمة السوداوية التي تسبق الواقعية الغربية.
ذلك أن الاشتراكيين -كما ذكر الدكتور محمد مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه) - يؤكدون أنّ الأدب اختيار، وأنّ الأدباء الذين يختارون الشخصيات الشريرة المؤذية أو السلبية المتخاذلة، إنما ينمون عن ضعف وشيخوخة في أوقات من الحياة، ولو كانت رؤيتهم لتلك الحياة رؤية متفائلة؛ لما ركزوا على هذا الجانب الأسود منها، ذلك الجانب الذي من شأنه أن يثبط الهمم، ويدعو لليأس وينشر روح العزيمة والانهيار أمام عوائق الحياة، بخلاف ما لو اجتهدوا في إبراز الطاقات البشرية المدفونة القادرة على صنع الأعاجيب؛ فعندئذ تسود مشاعر التفاؤل بين أفراد الشعب، ويبذلون غاية جهدهم، ويستطيعون التغلب على عقبات الحياة ويحققون نتائج مذهلة.
стр. 472
والواقعُ أنه لا هذه النظرة، ول٢٩:١٠ ولا تلك النظرة الصحيحة للوجود؛ ففي الوجود ما يدعو إلى التشاؤم، وفيه في ذات الوقت ما يدفع إلى الابتهاج، والتفتح للحياة والتفاؤل بالمستقبل، بيد أن الظروف تختلف من شخص لآخر، ومن فترة تاريخية إلى أخرى، ومن مجتمع إلى مجتمع إلى غيره وهكذا.
على أنه ينبغي ألا يستسلم الأدباء لمعوقات الحياة والمجتمع في الفترات التي تنتشر فيها العيوب والسلبيات، بل عليهم إلى جانب تصوير تلك المعايب والشرور ألا يغفلوا عما في الحياة من جوانب الخير والأمل، حتى لا يكونوا بدورهم عبأ على المجتمع والقوى الناهضة المكافحة، ولكن بشرط ألا يزيفوا الواقع، ويقدموا صورة براقة، لا تساعد الوقائع اليومية على تصديقها وابتلاعها كما كان يحدث في أحيان غير قليلة في الأدب الاشتراكي، على أيام الاتحاد السوفيتي؛ حينما كان الناقد "سيمنوف" مثلًا يُعلن أن أدبهم يهدف إلى تغليب عوامل الخير والثقة في الإنسان وقدرته، وأن واقعيتهم واقعية متفائلة، تؤمن بإيجابية الإنسان وقدرته على الإتيان بالخير، والتضحية في سبيله بكل شيء في غير يأس ولا تشاؤم ولا نبرات مسرفة كما يقول الدكتور مندور السالف الذكر، وكانت الأعمال القصصية تبالغ في تصوير النفوس الخيرة مبالغة لا يستطاع هضمها.
ولمزيد من التفصيل نقول: إن الواقعية مذهبٌ في الفن والأدب، يُشير إلى محاولة الأديب أو الفنان تصوير الحياة كما هي في الواقع، وتكمن المهمة الرئيسية للفنان في نظر الفنان الواقعي؛ في وصف كل ما يلاحظه بحواسه بدقة وصدق شديدين، بغير إهمال لما هو قبيح أو مؤلم، ومن غير اقتراح للرمزية.
ولقد كانت الواقعية ثورة على كل من التقليدية الكلاسيكية والعاطفية الرومانسية، وهُما حركتان فنيتان عالجت أعمالهما أمور الحياة بأساليب مثالية،
стр. 473
حيث تظهر أعمال التقليدين الكلاسيكيين الحياة على أنها أكثر منطقية، وترتيبًا من ما هي في الواقع، أما أعمال العاطفيين الرومانسيين؛ فتظهر الحياة على أنها أكثر إثارة من الناحية العاطفية، وأكثر بعثًا على الشعور بالطمأنينة مما هي في الواقع الحياة أصلًا.
ويَبْذُل الواقعيين قصارى جهدهم؛ لكي يكونوا موضوعيين لأقصى درجة ممكنة، غيرَ أنّهم في محاولتهم انتقاء موضوعاتهم، وتقديمها لا يتمكنون من تجنب التأثير بما يشعر به أو يفكرون؛ ولذا فإن أعمق أنماط الواقعية لديهم يأتي نتيجة المراقبة والحكم الشخصي.
وبالنسبة للقصة الواقعية: فقد جاء الفن القصصي الواقعي ثورة على عاطفية المثالية الرومانسية؛ فشخصيات الفن القصصي الواقعي أكثر تعقيدًا من شخصيات القصص العاطفية الرومانسية، ومسرح الأحداث يتسع بالهدوء وعدم التركيز على الحبكة، وغموض الموضوعات، ويُعالج الفن القصصي الواقعي في معظمه حوادث عادية ممكنة الوقوع، كما أنه يَرْسُم شخصية قابلة للتصديق.
وتقدم معظم القصص الواقعية موضوعات متشائمة، لا تدعو إلى البهجة وقد تثير الاشمئزاز، وهذه سمة قاتمة تنطبق بشكل أساسي على الطبيعية، وهي حركة تطورت على الواقعية، ويعزى ازدياد منهج الواقعية باعتبارها أسلوبًا لا إلى كونها مجرد رد فعل على المعالم الجميلة في الفن القصصي العاطفي فقط، بل يعود أساسا لعاملين:
الأول: هو تطور العلم الحديث، بتأكيده على كتابة التقارير العلمية المفصلة.
أما العامل الثاني: فهو الرغبة الجامحة لدى الكتاب والقراء لفهم المشاكل الاجتماعية من منظور أكثر واقعية.
стр. 474
حظيت الواقعية في الأدب الإنجليزي بالاهتمام لأول مرة في القرن الثامن عشر، وعلى وجه الخصوص في أعمال "دانيال ديفو" أما القرن التاسع عشر؛ فقد أصبحت الواقعية في أكثر أهمية، وبدا ذلك واضحًا من خلال أعمال كل من "جين أوستن" و"جورج إليوت" و"توماس هاردي" و"جورج مور" و"ويليام ماكبثكري" و"أنطوني ترولوب" ومن كتاب الواقعية الأوربيين البارزين في القرن التاسع عشر "أونريه ديبلزاك" و"جوستاف لوبير" و"ستدندال" في فرنسا و"ليو تلوسي" و"إيفان ترجنيف" في روسيا.
وكان "هنري جيمس" و"وليام بن هاولز" وإلى حد ما "ماركة وين" من أوائل الكتاب الواقعيين المتعرف بهم في الأدب الأمريكي، أما "ستيفن كرين" و"فرانك نورس" و"تيودور درايدزر" فكانوا أوائل الكتاب الطبيعيين الأمريكيين.
وبفضل الكتابة القصصية لهؤلاء الكتاب، وكتابات لكتاب آخرين أتوا بعدهم، مثل "سنكلير لويس" و"إف سكوت فيثجارت" و"إلنس هيمجويه" و"جون شتايمك" أصبحت الكتابة الواقعية سائدة ومقبولة، بحيث أصبحت القصص العاطفية الرومانسية أعمالًا لا تساير روح العصر.
وكانت الواقعية المسرحية، كما كان الفن القصصي محاولة لتصوير الواقع بجماله وقبحه، وقد تطورت المسرحية الواقعية في أوربا أولًا كرد فعل للـ"مليودراما" والمذاهب العاطفية التي كانت سائدة في أوائل ومنتصف القرن التاسع عشر، كما أخذت أشكالًا عديدة تتدرج من الواقعية الخفيفة في ملاهة السلوك المتكلف والمبالغ فيه؛ إلى المأساة العميقة في الأسلوب الطبيعي، وأصبحت للمسرحية الواقعية أهمية لأول مرة بعد ظهور المسرحيات "هنريك ألسون" في النرويج، وقد تفحص "ألسون" القضايا الاجتماعية التي كانت سائدة في عصره في أعماله المسرحية مثل "أعمدة المجتمع" و"بيت الدميا".
стр. 475
أما "أنطون تشيكوف" فقد وصف "أرستقراطية" روسيا المتلاشية في مسرحيته "بستان الكرس" وفيما يتعلق بالمسرح الإنجليزي فقد كان تقبله للواقعية بطيئًا، إلا أن "جورج بيرناردشو" ما لبث أن بعث الحياة في الحركة الواقعية، في سلسلة مسرحيات طويلة ذكية، تُعالج القضايا الاجتماعية، بدأ من مسرحية "بيوت الأرامل" وفي "إيرلندا" مزج "جون ميلنج تون سينج" الواقعية بالشعر في مسرحيته "ركاب البحر" وتناول "جون أكويسي" قضايا نضال "إيرلندا" من أجل استقلالها عن إنجلترا في مسرحيته "جونو وألبيكوك" ومسرحيات أخرى.
أما الأثر الدائم الذي أحدثته الواقعية في المسرح: فقد جاء بتقديم مسرحية ما وراء الأفق لـ"يجوين أونيل" في عام ١٩٢٠.
ورغم أن مصطلح الأدب الواقعي يعني ما قلناه آنفًا؛ فليس معنى ذلك أنه لم يكن هناك قط أدب واقعي قبل الفترة التي ازدهرت فيها الواقعية بالمعنى السابق، إذ هناك فرق بين الواقعية بهذا المفهوم المحدد، وبين الواقعية بالمعنى الواسع الذي لا يرتبط بفترة تاريخية ولا بظروف اجتماعية وسياسية معينة، والذي يقوم على ملاحظة الواقع وتسجيله، لا على صورة خيال وتهاويله؛ فيكون بذلك معرض للرومانسية أو الذي يستقي مادته من حياة عامة الشعب ومشاكله؛ فيكون بذلك معرضًا لما يسمى أدب البرج العاجي، أي أدب أرستقراطي الفكر والخيال الذي يناقش القضايا الميتافيزيقية أو الموضوعات التاريخية، المأخوذة من بطون الكتب لا من قلب الواقع، أو الذي يقوم على الموضوعية لا على مشاكل النفس الفردية -كما يوضح الدكتور محمد مندور في الفصل الذي خصصه للواقعية من كتابه (الأدب ومذاهبه).
стр. 476
كذلك لا يخلو أدبنا القديم من نصوص ذات عناصر واقعية، وإن لم يكن وراءها تنظير نقدي كالذي واكب ظهور الواقعية في أوربا على مر بيانه، فلدينا مثلًا شعر عمر بن أبي ربيعة في التعرض للنساء حتى في مواسم الحج، والاجتهاد في نيل ما يمكن نيله منهن، وتحمل ما يمكن أن يصيب المتعرض لهن من مس الكرامة أحيانًا، وعَدُم المُبالاة بأقاويل الناس، والنظر إلى المرأة على أنها شيء يُستمتع به، دون التقيد بشخص امرأة بعينها، بحيثُ إذا غابت أو هجرت أو غضبت أسودت الدنيا في وجه من يحبها، واستحالة حياته جحيمًا لا يمكن احتماله.
وتزداد الأمور إثارة في الواقعية على هذه شاعر كبشار بن برد، الذي لم يكن يرى في المرأة أو يهمه منها إلا جسدها، وما يؤويه هذا الجسد من شهوات، دون مبالاة بالناحية الروحية فيه على الإطلاق.
ومن الشعر الذي ينحو منحًا واقعيًّا ما نظمه أبو نواس مثلًا من قصائد تقص مغامراته في عالم الحانات وتصف مجالس الشراب، حيث لا يترك تفصيلة من تفصيلات الواقع الحي إلا سجلها أو أبرزها وكأننا نصاحبه في تلك المغامرات وهذه المجالس، ونرى ونسمع ونشم كل ما يراه ويسمعه ويشمه.
أو فلنقرأ قصيدة البوصيري في شكواه الفقر لممدوحه؛ حيث يورد وصفًا واقعيًّا لما يدور بينه وبين زوجته من مشادات بسبب الحاجة، أو لما يقع من أولاده من تصرفات بسبب ما يقلص بطونهم من جوع:
يا أيها المولى الوزير الذي ... أيامه طائعة أمره
ومن له منزلة في العلى ... تكل عن أوصافها الفكرة
إليك نشكو حالنا ... إننا حاشك من قوم أولي عسره
في قلة نحن ولكن لنا ... عائلة في غاية الكثره
أحدث المولى الحديث الذي ... جرى لهم بالخيط والإبره
стр. 477
صاموا مع الناس ولكنهم ... كانوا لمن أبصرهم عبره
إن شربوا فالبئر زير لهم ... ما برحت والشربة الجرة
لهم من الخبيز مسلوقة ... في كل يوم تشبه النشره
أقول مهما اجتمعوا حولها ... تنزهوا في الماء والخضره
وأقبل العيد وما عندهم ... قمح ولا خبز ولا فتره
فأرحمهم إن عاينوا كعكة ... في يد طفل أو رأوا تمره
تشخص أبصارهم نحوها ... بشهقة تتبعها زفره
كما قائل يا أبا من هما ... قطعت عنا الخير في كره
ما صرت تأتينا بفلس ولا ... بدرهم ورق ولا نقره
وأنت في خدمة قوم ... فهل تخدمهم يا أبتا سخره
ويوم زارت أمهم أختها ... والأخت في الغيرة كالضره
وأقبلت تشكو لها حالها ... وصبرها مني على العشره
قالت لها كيف تكون ... النسا كذا مع الأزواج يا عره
قومي اطلبي حققي منه ... بلا تخلف منكي ولا فتره
وإن تأبى فخذي ثخمه ... وخلصيها شعرة شعره
قالت لها ما هكذا عادتي ... فإن زوجي عنده ضجرة
أخاف إن كلمته كلمة ... طلقني قالت لها بعره
وهون القدر في نفسها ... فجاءت الزوجة محتره
فقابلتني فتهددها ... فاستخبرت رأسي بأجره
ودامت الفتنة ما بيننا ... من أول الليل إلى بكره
وحق من حالته هذه ... أن ينظر المولى له نظره
стр. 478
إنّ الرجل إنما يقبس من نار قلبه وواقع بيته، وهو إن فاتته فحولة الشعر؛ فلم يفوته الكثير، لأنّ هذا اللون من الشعر لا يصلح له إلا هذا الأسلوب البسيط العجيب في صدقه وصراحته وواقعيته وفكاهيته وشعبيته، وحُسن تصويره ودفء تعبيره، وماذا يريد الواحد منا في مثل هذا الموقف أكثر من هذا؟! ولا ينبغي أن نغفل الألفاظ العامية المصرية الموحية التي يستعملها البوصيري، ومازلنا نستعملها نحن أيضًا حتى الآن كقوله: "يا عره" أي: يا من تجلبين الشماتة والاحتقار لنفسك وأهلك، و"الفتره" وهي ألطاف العيد الصغير من تمر وزبيب وكعك، و"سخره" أي بلا مقابل و"بكره" أي غدًا و"صبرها مني على العشره" أي رضاها بواقع الحال البائس إخلاصًا لزوجها وحرصًا منها على بيتها أن يهدم.
ولنقرأ أيضًا تلك الحكاية المأخوذة في ألف ليلة وليلة، والتي تُقَدّم لنا بعض المشاهد الواقعية من المجتمع البغدادي في العصور القديمة، مصورة بلغة تخلو تمام من أي تأنق أو تكلف؛ لغة بسيطة تقترب من اللهجة العامية، وإن اتبعت إلى حد معقول قواعد النحو والصرف، ولكن في أيسر صورها وأقلها مئونة، وهي حكاية أحمد الدنف وحسن شومان، مع الدليلة المحتالة وبنتها زينب النصابة:
"يحكى أيها الملك السعيد، أنه كان في زمن هارون الرشيد رجل يسمى أحمد الدنف، وآخر يسمى حسن شومان، وكانا صاحبي مكر وحيل، ولهما أفعال عجيبة؛ فبسبب ذلك خلع الخليفة على أحمد الدنف خلعة؛ وجعله مقدم الميمنة، وخلع على حسن شومان خلعة وجعله مقدم الميسرة، وجعل لكل منهما شامكية في كل شهر ألف دينار، وكان لكل منهما أربعون رجلًا من تحت يده، وكان مكتوبًا على أحمد الدنف در كل بر فنزل أحمد الدنف ومعه حسن شومان، والذين من تحت أيديهما راكبين والأمير خالد الوالي بصحبتهم،
стр. 479
والمنادي ينادي حسبما رسم الخليفة أنه لا مقدم من بغداد في الميمنة إلا المقدم أحمد الدنف، ولا مقدم من بغداد في الميسرة إلا حسن شومان، وأنهما مسموعا الكلمة واجبا الحرمة.
وكان في البلدة عجوزًا تُسمى الدليلة المُحتالة، ولها بنت تسمى زينب النصابة؛ فسمعتا المناداة بذلك، فقالت زينب لأمها دليلة: انظري يا أمي، هذا أحمد الدنف جاء من مصر مطرودًا، ولعب مناصب في بغداد، إلى أن تقرب عند الخليفة، وبقي مقدم الميمنة، وهذا الولد الأقرع حسن شومان مقدم الميسرة، وله سماط في الغداء وسماط في العشاء، ولهما جوامق لكل واحد منهما ألف دينار في كل شهر، ونحن معطلون في هذا البيت لا مقام لنا ولا حرمة، وليس لنا من يسأل عنا.
وكان زوج دليلة مقدم بغداد سابقًا، وكان له عند الخليفة في كل شهر ألف دينار؛ فمات عن بنتين بنت متزوجة ومعها ولد يسمى أحمد اللقيط، وبنت عازبة تسمى زينب النصابة، وكانت الدليلة صاحبة حيل وخداع ومناصف، وكانت تتحايل على الثعبان حتى تطلعه من وكره، وكان إبليس يتعلم منها المكر، وكان زوجها براجًا عند الخليفة، وكان له جامكية في كل شهر ألف دينار، وكان يربي حمام البطاقة الذي يسافر بالكتب والرسائل، وكان عند الخليفة كل طير وقت حاجته أعز من واحد من أولاده، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح".
وفي الليلة التالية قالت: "بلغني أيها الملك السعيد، أنّ زينب النصابة لما قالت لأمها: قومي اعملي لنا حيلًا ومناصف، لعل بذلك يشيع لنا صيت في بغداد، فتكون لنا جامكية أبينا؛ فقالت لها: وحياتك يا ابنتي، لألعبن في بغداد مناصف
стр. 480
أقوى من مناصف أحمد الدنف وحسن شومان، فقامت وضربت لثامًا، ولبست لباس الفقراء من الصوفية، ولبست لباسًا نازلًا لكعبها وجبة صوف، وتحزمت بمنطقة عريضة، وأخذت إبريقًا وملأته ماء لرقبته، وحطت في فمه ثلاثة دنانير، وغطت فم الإبريق بليفة وتقلدت بقدر حملة حطب، وأخذت راية في يدها وفيها شرايط حمر وصفر.
وطلعت تقول: الله الله، واللسان ناطق بالتسبيح والقلب راكد في ميدان قبيح، وصارت تتلمج لمنصف تلعبه في البلد، فسارت من زقاق إلى زقاق؛ حتى وصلت إلى زقاق مكنوس مرشوش، وبالرخام مفروش، فرأت بابا مقوصلًا بعتبته من مرمر، ورجلًا مغربيًّا واقفًا بالباب، وكانت تلك الدار لرئيس الشاوشية عند الخليفة، وكان صاحب الدار ذا زرع وبلاد شامكية واسعة، وكان يُسمى حسن شر طريق، وما سموه بذلك إلا لكون ضربته تسبق كلمته، وكان متزوجًا بصبية مليحة، وكان يحبها وكانت ليلة دخلته بها حلفته ألا يتزوج عليها، ولا يبيت في غير بيته إلى أن طلع زوجها يوما من الأيام إلى الديوان، فرأى كل أمير معه ولد وولدان.
وكان قد دخل الحمام ورأى وجهه في المرآة، فرأى بياض شعره ذقنه غطى سوادها، فقال في نفسه: هل الذي أخذ أباك لا يرزقك ولدًا، ثم دخل على زوجته وهو مغتاظ، فقالت له: مساء الخير، فقال لها: روحي من قدامي، من يوم ما رأيتك ما رأيت خيرًا، فقالت له: لأي شيء! فقال لها: ليلة دخلت عليكي حلفتيني أني ما أتزوج عليكي، ففي هذا اليوم رأيت الأمراء كل واحد معه ولد وبعضهم معه ولدان؛ فتذكرت الموت وأنا ما رزقت ولد ولا بنت، ومن لا ذكر له لا يذكر وهذا سبب غيظي فأنك عاقر لا تحبلين مني.
стр. 481
فقالت له: اسم الله عليك، أنا خلقت الأكوان من دق الصوف والعقاقير، وأنا مالي ذنب، والعاقة منك لأنك بغل أفطس، فقال لها: لما أرجع من السفر أتزوج عليكي، فقالت له: نصيبي على الله تعالى، وطلع من عندها فبينما زوجته تطل من طاقتها، وهي كأنها عروسة تكنس من المصاغ الذي عليها، وإذا بدليلة واقفة فرأتها فنظرت عليها صيغة وثيابًا ثمينة؛ فقالت في نفسها: يا دليلة، لا أصنع من أن تأخذي هذه الصبية من بيت زوجها وتعريها من المصاغ والثياب وتأخذي جميع ذلك؛ فوقفت وذكرت تحت شباك القصر الله الله فرأت الصبية هذه العجوز وهي لابسة من الثياب البيض ما يشبه قبة من نور، متهيئة بهيئة الصوفية وهي تقول: احضروا يا أولياء الله.
فأطلت النساء من النوافذ وقالت: شيء لله، من المدد هذه شيخة طالع من وجهها النور، فبكت خاتون زوجة الأمير حسن، وقالت لجاريتها: انزلي قبلي يد الشيخ أبو علي البواب، خليه يدخل الشيخة لنتبرك بها، فنزلت وقبلت يده وقالت: سيدتي تقول لك: خلي هذه الشيخة تدخل إلى سيدتي لنتبرك بها، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح".
وفي الليلة التالية، قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنّ الجارية لما نزلت للبواب، وقالت له: سيدتي تقول لك: خل هذه الشيخة تدخل لنتبرك بها، لعل بركتها تعم علينا، فتقدم البواب وقبل يدها، فمنعته وقالت له: ابعد عني لئلا تنقض وضوئي، أنت الآخر مكذوب ومخلوط من أولياء الله، الله يعتقك من هذه الخدمة يا أبا علي.
وكان للبواب أجرة ثلاثة أشهر على الأمير، وكان معسرًا، ولم يعرف أن يخلصها من ذلك الأمير؛ فقال لها: يا أمي، اسقيني من إبريقك لأتبرك بك؛ فأخذت
стр. 482
الإبريق من على كتفها، وضربت به في الهواء، وهَزّت يدها حتى طارت الليفة من فم الإبريق، فنزلت الثلاثة دنانير على الأرض، فنظرها البواب والتقتها وقال في نفسه: شيء لله هذه الشيخة من أصحاب التصرف، فإنها كاشفت علي وعرفت أني محتاج للمصروف.
فتصرفت لي في حصول الثلاثة دنانير التي وقعا الأرض من إبريقك، فقالت له العجوز: أبعدها عني فإني من ناس لا يشتغلون بالدنيا أبدًا خذها ووسع بها على نفسك عوضا عن الذي لك عند الأمير فقال: شيء لله من المدد، وهذا من باب الكشف وإذا بالجارية قبلت يدها، وأطلعتها لسيدتها، فلما دخلت رأت سيدة الجارية كأنها كنز انفكت عنه الطلاسم، فرحبت بها وقبلت يدها، فقالت لها: يا ابنتي، أنا ما جئتك إلا بمشورة فقدمت لها الأكل فقالت لها: يا ابنتي أنا ما آكل إلا من مأكل الجنة، وأديم صيامي فلا أفطر إلا خمسة أيام في السنة، ولكن يا ابنتي أنا أنظرك مكدرة ومرادي أن تقولي لي على سبب تكديرك.
فقالت: يا أمي، في ليلة ما دخلت حلفت زوجي أنه لا يتزوج غيري، فرأى الأولاد فتشوق إليهم، فقال لي: أنت عاقر، فقلت له: أنت بغل لا تحبل، فخرج غضبان، وقال لي: لما أرجع من السفر أتزوج عليكي، وأنا خائفة يا أمي أن يطلقني ويتزوج غيري؛ فإن له بلادًا وزروعًا وجامكية واسعة؛ فإذا جاء أولاد من غيري يملكون المال والبلاد مني، فقالت لها: يا ابنتي، هل أنتي عمياء عن شيخ أبي الحملات، فكل من كان مديونًا وزاره قضى الله دينه، وإن زارته عاقر فإنها تحبل.
فقالت: يا أمي، أنا من يوم دخلت ما خرجت لا معزية ولا مهنئة، فقالت لها العجوز: يا ابنتي، أنا آخذك معي وأريك أبا الحملات، وأرمي حملتك عليه،
стр. 483
وانذري له نذرًا عسى أن يجيء زوجك من السفر، وينام معكي فتحبلي منه بنت أو ولد، وكل شيء ولدتيه إن كان أنثى أو ذكر، يبقى درويش الشيخ أبي الحملات، فقامت الصبية ولبست مصاغها جميعه، ولبست أفخر ما عندها من الثياب، وقالت للجارية: ألقي نظرك على البيت، فقالت: سمعًا وطاعة يا سيدتي، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح".
إلى آخر الحكاية وهي طويلة ويكفي ما أخذناه منها وهو يطلعنا على العناصر الواقعية التي يمكن أن نجدها في كثير من حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 484
الدرس: ١٨ الرمزية والسريالية .
стр. 485
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(الرمزية والسريالية)
الرمزية وأثرها في الأدب العربي
الرمزية والسريالية:
والرمز حسب ما نقرأ في مادة "الرمزية" من الموسوعة العربية العالمية، هو: علامة تشير إلى شيء ما، وبعض هذه الرموز تكون مرئية مثل: "الرايات، والإشارات المرورية" والبعض الآخر تكون مسموعة كنغمات الموسيقى، أو الكلمات المنطوقة، أو الأصوات.
وتعد الرموز من أقدم وأفضل ما اخترعه الإنسان، ويستعمل الرمز عادة وسيلة للإشارة أو التعبير عن شيء، فعلى سبيل المثال: تعد الألف باء والإيماءات والأصوات الصادرة من الإنسان، رموزًا تُعَبّر عن فكرة أو إحساس معين، ولدى كافة الدول والأحزاب والديانات رموزها الخاصة بها، فمثلًا: النخلة والسيف يرمزان للسعودية، وصقر والجديان يرمز للسودان، والنسر لمصر، والكنغر يرمز إلى أستراليا، والدب إلى روسيا، والعم سام إلى الولايات المتحدة الأميركية، والهلال في العرف الحديث يرمز إلى الإسلام، والصليب يرمز إلى النصرانية كما أن نجمة داود ترمز إلى اليهودية.
وكما نعرف: فالرموز تستخدم عمومًا للتعبير عن بعض المسائل التي قد يصعب لسبب أو لآخر التعبير عنها حرفيًّا في صراحة ووضوح، والإنسان يستخدم الكلمة المنطوقة أو المكتوبة للتعبير عن معنى ما يريد توصيله ونقله للآخرين، كما أنّ لُغَته مَليئةٌ بالرموز التي قد تتضمن مع ذلك معاني ودلالات إضافية، إلى جانب معناها الواضح الصريح المقبول.
فالرّمزُ يُوحي إذًا بشيء غامض، أو غير معروف، أو مستترًا بالنسبة لنا، والكلمة أو الصورة تكون رمزًا حين تُوحي بشيء أكثر من معناها الواضح المباشر، وبذلك
стр. 486
قد يكون لها جانبٌ أو مَظْهَرٌ لا شُعوريٌ يصعب تحديده أو تفسيره بدقة وجلاء، كذلك يشمل الرمز كل أنواع المجاز المرسل، والتشبيه، والاستعارة، بما فيها من علاقات معقدة بين الأشياء بعضها وبعض.
هذا عن الرمز، أما الرمزية: فحركة أدبية بدأت بمجموعة من الشعراء الفرنسيين، في الفترة من ألف وثمانمائة وخمسة وثمانين إلى ألف وثمانمائة وخمسة وتسعين، حيث قاد هذه الحركة الأديب الفرنسي "ستيفان مالرميه" لكن شعر "بول ذي لين" كان أكثر اجتزابًا للشعراء في فرنسا، وتتضمن قائمة المناظرين للرمزية كلًّا من "رينيه جيل" و"جستاف كان" و"جين موريس" و"تشارلز موريس". وتبعهم في تبني أسلوب الرمزية بعد ذلك الكثير من الشعراء الأوربيين، في بداية القرن التاسع عشر الميلادي.
واهتمت الرمزية بالجانب الروحي، والأحاسيس المعنوية الأخرى، وصور الشاعر الفرنسي "شارل جدلير" البشرية من خلال متتالياته الشعرية المسماة: "المراسلات"، بأنها تسير في غابة من الرموز التي تتحدث إليها بكلمات لا تستطيع أن تفهمها بصورة كاملة، ويُعبر الشاعر الرمزي دائمًا عن تحيز الشاعر الذي يمكن تَفسيرُه بطرقٍ شَتّى.
وشُعراء الرمزية يعنون بالإيقاع الموسيقي للألفاظ، وهم يعبرون عن أنفسهم بصورة مجازية، ورمى بعض من النقاد لهذه الحركة بالانحلال والانحطاط؛ نظرًا لتسلط فكرة الموت والتشاؤم بصورة عامة عليها.
ومن شعراء الرمزية أيضًا: الشاعر الفرنسي "بول فيرلين" الذي بدأ عمله الأدبي بكتابة عدد من القصائد الانطباعية؛ تتألف كل منها من أربعة عشر بيتًا، عَبّر "فيرلين" فيها عن روح مذهب الحركة الرمزية، مؤكدًا أن الشعر يجب أن يكون موسيقى في المكان الأول، وأن يجمع بين القوة والدقة.
стр. 487
والحق أن الأدب الرمزي إنما هو محاولة من الأديب للإفصاح عن العواطف المكبوتة في أعماق النفس البشرية، والإتيان بصور من العقل الباطن إلى قارئه؛ مستعينًا في ذلك بجرس الألفاظ، وإيقاع الوزن وتراسل الحواس.
وقد قام هذا الشاعر في سبعينات القرن التاسع عشر الميلادي بجولة في مناطق متعددة من بريطانيا، وهولندا، وبلجيكا بصحبة الشاعر الشاب "آرثر رامبو" واصفًا المناظر الطبيعية هناك في إطار من التخيلات الواسعة الشبيهة بالأحلام، تحت عنوان "أغانٍ بدون كلمات" وصدر عام ألف وثمانمائة وأربعة وسبعين، وعكست قصائده الشجية العفوية وما فيها من صور غريب كالسماوات الرّمادية، والقمر الشّاحِب والكمان الحزين نوعًا من اللمسات الحزينة المتشائمة.
وحسبما جاء في الندوة العالمية للشباب الإسلامي؛ فالرمز في الأدب إنما يروم التعبير غير المباشر عن النواحي النفسية المستترة، التي لا تقوى اللغة على أدائها، أو لا يُراد التعبيرُ عنها مباشرة.
ورغم أن استعمال الرمز حسبما مَرّ بيانُه قديم جدًّا، كما هو عند الفراعنة واليونانيون القدماء؛ فإن المذهب الرمزي بخصائصه المتميزة لم يعرف إلا عام ألف وثمانمائة وستة وثمانين، حيث أصدر عشرون كاتبًا فرنسيًّا بيانًا نشر في إحدى الصحف، يعلن ميلاد المذهب الرمزي. وعرف هؤلاء الكتاب حتى مطلع القرن العشرين بالأدباء الغامضين.
وقد جاء في البيان: أن هدفهم تقديم نوع من التجربة الأدبية، تستخدم فيها الكلمات لاستحضار حالات وجدانية؛ سواء كانت شعورية أو لا شعورية، بصرف النظر عن الماديات المحسوسة التي ترمز إلى هذه الكلمات، وبصرف النظر عن المحتوى العقلي الذي تتضمنه؛ لأنّ التجربة الأدبية، تجربة وجدانية في المقام الأول.
стр. 488
ومِن أبرَزِ الشَّخصيات في المذهب الرمزي في فرنسا وهي مسقط الرمزية: الشاعر "بودلير" وتلميذه "رامبو" وكذلك "مالرميه" و"بول فاليري" وفي ألمانيا "ريلكه" و"ستيفان جورج" وفي أمريكا "أيمي لويل" وفي بريطانيا "أوسكار وايلد".
ومن مبادئ الرمزية الابتعاد عن عالم الواقع وما فيه من مشكلات اجتماعية وسياسية، والجنوح إلى عالم الخيال؛ بحيث يكون الرمز هو المعبر عن المعاني العقلية والمشاعر العاطفية، والبحث عن عالم مثالي مجهول يسد الفراغ الروحي، ويعوض عن غياب العقيدة الدينية؛ وقد وجد الرمزيين ضَالتهم في عالم اللاشعور والأشباح والأرواح، واتخاذ أساليب تعبيرية جديدة، واستخدام ألفاظ موحية تعبر عن أجواء روحية، مثل لفظ: "الغروب" الذي يوحي بمصرع الشمس الدامي، والشعور بزوال أمر ما، والإحساس بالانقباض.
وكذلك تعمد الرّمزية إلى تقريب الصّفات المُتباعدة رغبة في الإيحاء مثل تعبيرات: "الكون المخمر" "الضوء الباكي" "الشمس المرة المذاق". وتحرير الشعر من الأوزان التقليدية؛ فقد دعا الرمزيون إلى الشعر المطلق مع التزام القافية، أو الشعر الحر. وذلك لتساير الموسيقى فيه دفعات الشعور، إذ كانوا يعتقدون أن اللغة عاجزة عن التعبير عن تجربتهم الشعورية العميقة، فلم يبق إلا الرمز ليعبر فيه الأديب عن مكنونات صدره.
ويكاد يكون هذا المذهب نتيجة من نتائج تمزق الإنسان الأوربي وضياعه، بسبب طغيان النزعة المادية، وغيبة الحقيقة، والتعلق بالعقل البشري وحده للوصول إليها؛ من خلال علوم توهم بالخلاص عند السير في دروب الجمال.
ولا شك أنّ الرّمزية ثمرة من ثمرات الفراغ الروحي، والهروب من مواجهة المشكلات باستخدام الرّمز في التعبير عنها؛ فضلًا عن الضيق بالمذهب الواقعي،
стр. 489
الذي اتجه نحو الواقع المادي، وكذلك التقدم الذي أحرزه علم النفس على يد "فرويد" وأتباعه الذين اتجهوا إلى قرار النفس الإنسانية.
"الفرنسية" كما ترى مذهب أدبي يعبر عن التجارب الأدبية الفلسفية من خلال الرمز والتلميح، نأيًا عن عالم الواقع إلى عالم الخيال، وبحثًا عن مثالية مجهولة تعوض الشباب عن غياب العقيدة الدينية، باستخدام الأساليب التعبيرية الجديدة والألفاظ الموحية، وتحرير الشعر من كافة قيود الوزن التقليدية.
كذلك تتسم الرمزية -على الأقل في بعض الحالات- بالمبالغة في الأسلوب ولغة الأداء، فتدون عناصرها بألفاظ وصور بعيدة عن المألوف، حتى تكاد تلحق بالطلاسم، ونَلحَظُ في كثير من الأعمال الرمزية الغموض والتناقض، والبُعد في الجمع بين الأشياء، وإرْغَام لُغة الأديب أن تقرر بين الأشياء وإن بعدت، يقول الشاعر "ستيفن مالرميه" مثلًا عن الربيع:
لقد طرد الربيع الشاحب
في حجر الشتاء الظامي
وفي جسم الذي يسيطر عليه الدم القاتم
يتمطى الفجر في تثاؤب طويل
أن شفقًا أبيض يبرد تحت جمجمتي
التي تعصبها حلقة من حديد
وكأنها قبر قديم
ويعود الغموض في الأدب الرمزي إلى كون الرمزيين يحاولون استجلاء ما وراء عالم الحس الخفي، وما في داخل النفس الإنسانية، إلى جانب إيثارهم للإيحاء
стр. 490
الذي لا يؤدي دلالة واضحة، بل ينقل حالة نفسية إلى القارئ من خلال التراكيب اللغوية.
ولعَلّ من المُناسب هنا إيراد كلمة "جورج صدح": إنّ الرّمز غير اللغز؛ فاللغز لا يفهم، ولا يُوحي أما الرمز فأنت تفهم إيماءته أضعاف ما تفهم من كلمته، والإغراق في الإبهام يسد منافذ الجو، ويخلق أمام القارئ فراغًا لا يستحث الفكر، ولا يوقظ الشعور، كذلك فإن الغموض المقبول هو ما أشار إليه النقاط العرب القدامى، كما في قول ابن سنان الخفاجي: "أفخر الشعر ما غمض عنك، فلم يعطك إلا بعض ما طلب منه".
أما الاستغلاق فهو مزعج، ومن شأنه أن يصرف القارئ عن القراءة، إذ يجدُ الأبواب بينه وبين الكاتب مغلقة غير قابلة للفتح، مهما أدام الطرق والدفع.
وهُناك أيضًا تركيز الرمزيين على العنصر الموسيقي في شعرهم، إذ عدوه جزءًا من تكوين النص الرمزي، واعتمدوا إلى حد بعيد على تراسل الحواس في التعبير الأدبي، وآمنوا إيمانًا راسخًا مبدأ الفن للفن، داعين إلى أن يكون الأدب غاية في ذاته، لا يوظف من أجل تحسين الواقع.
أما المقصود بتراسل الحواس فهو: أن يوصل الشاعر دلالات مبتكرة من خلال تبادل معطيات الحواس وتراسلها، كأن يستخدم حاسة اللمس لما يقتضيه السمع، وهو ما يعني أن يشم الشاعر من خلال حاسة السمع، أو يتذوق بحاسة البصر، أو يرى بحاسة اللمس، وكل حاسة من الحواس الخمس تؤدي وظيفة حاسة أخرى بدلًا عنها.
ويتحَقّقُ التأثير ذاته الذي يمكن للمخ البشري أن يتلقاه من أية حاسة، وبطبيعة الحال؛ فإن ذلك لا يتحقق في عالم الحقيقة بل في عالم الخيال، والتصور الفني؛
стр. 491
أي: أنّ الشّاعر يُحطم المنطق العلمي المحسوس، ويفرض منطق الحلم والوهم، بهدف نقل مشاعره وأحاسيسه إلى المتلقي، ومن الواضح أن تصرف الشاعر الرمزي في اللغة إلى هذا الحد، ليس عملًا مقبولًا عند سائر الناس، بل هو جميل فحسب عند أتباع المدرسة الرمزية وتعبيراتها الغريبة والمعجبين بآدابها.
وقد اتصل الأدباء المحدثون بالأدب الرمزي كالعادة، عن طريق الترجمة أو الاطلاع على أدب اللغات الأوربية، مما أدى إلى تأثرهم بذلك الأدب بدرجات متفاوتة؛ إلا أن الرمزية لم تشكل مذهبًا واضحَ المعالم في الأدب العربي.
ومن أهم الأدباء الذين نجد لديهم سمات رمزية: جُبران خليل جبران، وأمين الريحاني، ومي زيادة، ومصطفى صادق الرافعي. ويقول بعض الدارسين: إن "أديب مظهر" المتوفى عام ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين في السادسة والعشرين من عمره هو أول شاعر عربي أدخل جذوة الرمزية إلى الشعر العربي في قصيدته "نشيد السكون"، وكان مقدرًا له أن يبرز لولا أن الموت عاجله وهو صغير السن.
كما برز الشاعر اللبناني "سعيد عقل" الذي كان من أوائل أدباء العرب نقلًا للرمزية الغربية، وكان يرى أن الشعر يجب ألا يُخبر، بل يوحي ويلمح، وأصر على إدراك اللامنطقي والحدسي للعالم، كما اعتبر أن الشعر موسيقى قبل أن يكون فنًّا فكريًّا.
وممن تأثروا بالرمزية أيضًا: "يوسف غصوب" و"جورج صيدح" و"إيليا أبو ماضي" وبعد سنة ألف وتسعمائة وخمسين شاعت في الشعر العربي حركة جديدة تتسم ببعض الخصائص الرمزية، من أبرز أعلامها: "بدر شاكر السياب" و"عبد الوهاب البياتي" و"سعد يوسف" و"نازك الملائكة" و"خليل الحاوي" و"يوسف الخال" و"أدونيس" و"صلاح عبد الصبور".
стр. 492
ولمزيد من التوضيح نقول: إنّ المدرسة الرمزية حركة أدبية اعتمدت الرمز لغة، والموسيقى إيقاعًا، والجمال غاية ومحورًا. والرمزية هنا معناها الإيحاء، أي: التعبير غير المباشر عن النواحي النفسية المستترة، التي لا تقوى اللُّغة على أدائها في دلالاتها الوضعية، بحيثُ تتولد المشاعر عن طريق الآثار النفسية، لا عن طريق التسمية والتصريح.
وقد ظَهرت الرمزية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ فإن نشأة الرمزية في الأدب الغربي الحديث يعود إلى سنة ألف وثمان مائة وست وثمانين، عندما أصدر "مورياس" رسالة أدبية تتضمن تعريفًا مفصلًا بهذه المدرسة، وكانت هذه الرسالة بمثابة أول منشور للرمزية، وصدر هذا البيان في الملحق الإداري للفيجارو الفرنسية، حيث قدم تعريفًا بالمذهب الجديد. وحدد ممثليه ورواده، وهم:
"شارلْ بُودلير" وهو شاعر وكاتب فرنسي ولد وعاش بباريس، ومن مؤلفاته "زهور الشر" "لي فلير دي مل" وله مجموعة شعرية تعبيرية. وترجم قصصًا لـ"إدجر المبو" ويعد "بودلير" الرائد الأول للرمزية في فرنسا و"ماليرميه" المنظر الحقيقي الذي وهب الشعر معنى الغموض والأسرار الخارقة التي لا توصف. أما الثالث فهو: "فيرلين" لأنه كسر قواعد الشعر المألوفة، وحوله إلى نوع جديد هو الشعر الحر.
وبعد ذلك بعدة أسابيع ظهرت مجلة الرمزية "لوسبليست" في أربعة أعداد، وأوضحت كثيرًا من قواعد الرمزية، ورسخت اتجاهاتها.
ومن أبرز رواد الرمزية خارج فرنسا: "وليم بليك" و"وليام بتلر يتس" من أيرلندا و"ريلكه وإلكساندر بلوك" من روسيا، و"توماس سترس إليوت" من أمريكا، وإن كان يحمل الجنسية الإنجليزية.
стр. 493
ويرى الرمزيون أن اللغة لا قيمة لها في ألفاظها، إلا ما تثيره هذه الألفاظ من الصور الدينية التي تلقاها من الخارج، وعلى هذا الأساس تصبح اللغة وسيلة للإيحاء، كما يرون أن الأدب يسعى إلى نفس الصورة الفنية، ونقل خيال الكاتب إلى القارئ، هناك اهتمام أصحاب المذهب الرمزي بالإيقاع الموسيقي في شعرهم، إذ يرون أن الموسيقى وحدها هي التي توقد للسامع أو القارئ مشاعره العاطفية التي تهز نفسه.
ومن أهم خصائص المذهب الرمزي: لا مبالاة الشاعر بالواقع، والتحري عن الروح في قلبه، فقد عدت الرمزية الواقع الهادئ زائفًا في الدلالة على الحقيقة، ونظرت إليه على أنه قناع يسترها، فمثلًا إذا نظر الشاعر إلى البحر؛ فإنه لا يذكر زُرقته وموجه الهادر؛ وإنما يتخذه مادة للتأمل؛ إنه يرنو إلى ميتافيزيقية البحر، من حيثُ غاياته، وغاية الإنسان والوجود، فيتحول الإنسان بحرًا، والبحر إنسانًا كما يقول "بودلير":" أيها الإنسان الحر ستحب البحر البحر مرآة".
هذا؛ ويشكل الغُموض العمود الفقري للأدب الرمزي، والمقصود بالغموض ما يُخيم على القطعة الأدبية؛ فتُصبح مقتصرة على ذوي الإحساسات الفنية المُرهفة؛ فالرمزيون يكتفون بالإشارة إلى الحالة النفسية الغامضة بوسائل رمزية، كذلك إذا كانت الكلاسيكية تنقل المعاني عن طريق العقل، والرومانسية عن طريق الانفعال والعاطفة؛ فإن الرمزيون قد اهتموا بنوع آخر من هذه المشاركة الوجدانية بين الكاتب والقارئ، يقوم على نقل حالات نفسية من الكاتب إلى القارئ وهو الإيحاء.
ومن هذه الكلمات الموحية: "الضوء الخافت"، "التموج"، "الألوان الهاربة"، "الأنغام"، "الغروب"، "الرحيل". كما أنهم يقربون بين الصفات المتباعدة؛
стр. 494
فيقولون مثلًا: "السكون المقمر"، "الضوء الباكي"، "الشمس المرة المذاق"، "القمر الشرس".
وبالمثل اهتموا بالألوان إذ جعل "رامبو" مثلًا لكل لون معنى فاللون الأحمر يرمز إلى الحركة والحياة الصاخبة، والقتال والثورة، والغضب والأعاصير. واللون الأخضر يرمز إلى السكون والطبيعة والانطلاق، وفكرة المستحيل، والخلاص من عالم المادة. واللون الأزرق يرمز إلى العالم الذي لا يعرف الحدود، وفيه انطلاق إلى ما وراء المادة الكونية، واللون الأصفر لون المرض والشعور بالحزن والضيق، والتبرم من الحياة، واللون الأبيض يمثل الطهر المثالي وهدوء السكينة ويرمز إلى الفراغ والجمود، أما البنفسجي فهو لون الرؤى الصوفية.
ومن ناحية النغمة الموسيقية: فالرّمزية في نظر "فاليري" هي نية عدة من عائلات الشعراء في أن ينهلوا من الموسيقى، إن الموسيقى لا تقرر أفكارًا، بل تعبر تعبيرًا نغميًّا عما يشعر به الفرد، وتنتقل هذه المشاعر من المؤلف والعازف إلى المستمع، وهذا "بودلير" في ديوانه "أزهار الشر"، يكتُب مَقطوعة صغيرة عنوانها "الموسيقى" صَوّر فيها الأثر العميق الذي تحدثه الموسيقى: "تأخذني الموسيقى غالبًا مثل بحر، نحو نجمة الشاحبة، تحت سقف ضبابي، أو أثير واسع، أرفع الشراع صدري إلى الأمام ورئتاي منفوختان كالشراع".
ويقول "هرني" عن الموسيقى في قصيدته الفن الشعري: عليك بالموسيقى قبل كل شيء، قم بالموسيقى أولًا وأخيرًا، وليكن شعرك مجنحًا؛ حتى لا يُحِسّ أنه منطلق من الروح عابرًا نحو سموات أخرى.
وهُناك أيضًا "تراسل الحواس" كما سبق القول؛ فاللمس والشم والسمع والبصر وسائل تعبير متداخلة ومتبادلة، فبعضها ينوبُ عن بَعضها الآخر في التأثير
стр. 495
النفسي، كوصف أحد الرّمزيين للون السماء بقوله: "وكأن لون السماء في نعومة اللؤلؤ" وكقصيدة "بودلير" الشهيرة "مراسلات" التي يقول فيها: "ثمة عطور ندية كجسد الأطفال، عذبة كآلة موسيقية خضراء كالمروج".
وهكذا شاهد الشاعر لون الاخضرار في العطر، وسمع نغم المزمار ولامسه في جسد الأطفال.
وقد قيل عن الرمزية: إنها أدب الصفوة؛ فأصحابها لا يحفلون بسواد الشعب، ويتوجهون إلى الصفوة، بحيث يغدو فهم الأدب بالرمزي مقصورًا على الذين تمكنوا من بعض العلوم الإنسانية؛ كعلم النفس الجماعي الذي شرحه كل من "يونج وأدلر" وعلم التحليل النفسي الذي اكتشفه وعرفه العالم النمساوي "فرويد".
ومن مبادئهم أيضًا: الإيمان بالصنعة دون الإلهام، وبذلك يقول "فاليري": إذا آمن الشاعر بالوحي قتل الإبداع، كذلك نراهم يلجئون إلى الأساطير، وذلك عندما يُصَرّفون موضوعات إنسانية لها علاقة مباشرة بالفلسفة أو الأخلاق، وكان للترجمة التي قام بها عدد من الأدباء، ولا سيما تلك التي قامت بنشرها مجلات عربية مشهورة مثل "المقتطف" و"المكشوف" و"الرسالة" والأديب"، أثر واضح في نقل الآداب الغربية التي أخذت بأساليب المدارس الأدبية. وقد مهد لهذه الترجمات الإطلاع المباشر على اللغات الأوربية والأمريكية إثر الهجرات التي قام بها عدد من اللبنانيين والسوريين إلى بلاد الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية.
لقد لقيت الرّمزية اهتمامًا من الشُّعراء العَرب وانتشرت على نطاق واسع، ولم يكن ظهورها في أدبنا خاضعًا لنفس الظروف التي نشأت في كنفها في الأدب
следующие страницы →