Полный текст (584 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أي: أنّ الشّاعر يُحطم المنطق العلمي المحسوس، ويفرض منطق الحلم والوهم، بهدف نقل مشاعره وأحاسيسه إلى المتلقي، ومن الواضح أن تصرف الشاعر الرمزي في اللغة إلى هذا الحد، ليس عملًا مقبولًا عند سائر الناس، بل هو جميل فحسب عند أتباع المدرسة الرمزية وتعبيراتها الغريبة والمعجبين بآدابها.
وقد اتصل الأدباء المحدثون بالأدب الرمزي كالعادة، عن طريق الترجمة أو الاطلاع على أدب اللغات الأوربية، مما أدى إلى تأثرهم بذلك الأدب بدرجات متفاوتة؛ إلا أن الرمزية لم تشكل مذهبًا واضحَ المعالم في الأدب العربي.
ومن أهم الأدباء الذين نجد لديهم سمات رمزية: جُبران خليل جبران، وأمين الريحاني، ومي زيادة، ومصطفى صادق الرافعي. ويقول بعض الدارسين: إن "أديب مظهر" المتوفى عام ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين في السادسة والعشرين من عمره هو أول شاعر عربي أدخل جذوة الرمزية إلى الشعر العربي في قصيدته "نشيد السكون"، وكان مقدرًا له أن يبرز لولا أن الموت عاجله وهو صغير السن.
كما برز الشاعر اللبناني "سعيد عقل" الذي كان من أوائل أدباء العرب نقلًا للرمزية الغربية، وكان يرى أن الشعر يجب ألا يُخبر، بل يوحي ويلمح، وأصر على إدراك اللامنطقي والحدسي للعالم، كما اعتبر أن الشعر موسيقى قبل أن يكون فنًّا فكريًّا.
وممن تأثروا بالرمزية أيضًا: "يوسف غصوب" و"جورج صيدح" و"إيليا أبو ماضي" وبعد سنة ألف وتسعمائة وخمسين شاعت في الشعر العربي حركة جديدة تتسم ببعض الخصائص الرمزية، من أبرز أعلامها: "بدر شاكر السياب" و"عبد الوهاب البياتي" و"سعد يوسف" و"نازك الملائكة" و"خليل الحاوي" و"يوسف الخال" و"أدونيس" و"صلاح عبد الصبور".
стр. 492
ولمزيد من التوضيح نقول: إنّ المدرسة الرمزية حركة أدبية اعتمدت الرمز لغة، والموسيقى إيقاعًا، والجمال غاية ومحورًا. والرمزية هنا معناها الإيحاء، أي: التعبير غير المباشر عن النواحي النفسية المستترة، التي لا تقوى اللُّغة على أدائها في دلالاتها الوضعية، بحيثُ تتولد المشاعر عن طريق الآثار النفسية، لا عن طريق التسمية والتصريح.
وقد ظَهرت الرمزية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ فإن نشأة الرمزية في الأدب الغربي الحديث يعود إلى سنة ألف وثمان مائة وست وثمانين، عندما أصدر "مورياس" رسالة أدبية تتضمن تعريفًا مفصلًا بهذه المدرسة، وكانت هذه الرسالة بمثابة أول منشور للرمزية، وصدر هذا البيان في الملحق الإداري للفيجارو الفرنسية، حيث قدم تعريفًا بالمذهب الجديد. وحدد ممثليه ورواده، وهم:
"شارلْ بُودلير" وهو شاعر وكاتب فرنسي ولد وعاش بباريس، ومن مؤلفاته "زهور الشر" "لي فلير دي مل" وله مجموعة شعرية تعبيرية. وترجم قصصًا لـ"إدجر المبو" ويعد "بودلير" الرائد الأول للرمزية في فرنسا و"ماليرميه" المنظر الحقيقي الذي وهب الشعر معنى الغموض والأسرار الخارقة التي لا توصف. أما الثالث فهو: "فيرلين" لأنه كسر قواعد الشعر المألوفة، وحوله إلى نوع جديد هو الشعر الحر.
وبعد ذلك بعدة أسابيع ظهرت مجلة الرمزية "لوسبليست" في أربعة أعداد، وأوضحت كثيرًا من قواعد الرمزية، ورسخت اتجاهاتها.
ومن أبرز رواد الرمزية خارج فرنسا: "وليم بليك" و"وليام بتلر يتس" من أيرلندا و"ريلكه وإلكساندر بلوك" من روسيا، و"توماس سترس إليوت" من أمريكا، وإن كان يحمل الجنسية الإنجليزية.
стр. 493
ويرى الرمزيون أن اللغة لا قيمة لها في ألفاظها، إلا ما تثيره هذه الألفاظ من الصور الدينية التي تلقاها من الخارج، وعلى هذا الأساس تصبح اللغة وسيلة للإيحاء، كما يرون أن الأدب يسعى إلى نفس الصورة الفنية، ونقل خيال الكاتب إلى القارئ، هناك اهتمام أصحاب المذهب الرمزي بالإيقاع الموسيقي في شعرهم، إذ يرون أن الموسيقى وحدها هي التي توقد للسامع أو القارئ مشاعره العاطفية التي تهز نفسه.
ومن أهم خصائص المذهب الرمزي: لا مبالاة الشاعر بالواقع، والتحري عن الروح في قلبه، فقد عدت الرمزية الواقع الهادئ زائفًا في الدلالة على الحقيقة، ونظرت إليه على أنه قناع يسترها، فمثلًا إذا نظر الشاعر إلى البحر؛ فإنه لا يذكر زُرقته وموجه الهادر؛ وإنما يتخذه مادة للتأمل؛ إنه يرنو إلى ميتافيزيقية البحر، من حيثُ غاياته، وغاية الإنسان والوجود، فيتحول الإنسان بحرًا، والبحر إنسانًا كما يقول "بودلير":" أيها الإنسان الحر ستحب البحر البحر مرآة".
هذا؛ ويشكل الغُموض العمود الفقري للأدب الرمزي، والمقصود بالغموض ما يُخيم على القطعة الأدبية؛ فتُصبح مقتصرة على ذوي الإحساسات الفنية المُرهفة؛ فالرمزيون يكتفون بالإشارة إلى الحالة النفسية الغامضة بوسائل رمزية، كذلك إذا كانت الكلاسيكية تنقل المعاني عن طريق العقل، والرومانسية عن طريق الانفعال والعاطفة؛ فإن الرمزيون قد اهتموا بنوع آخر من هذه المشاركة الوجدانية بين الكاتب والقارئ، يقوم على نقل حالات نفسية من الكاتب إلى القارئ وهو الإيحاء.
ومن هذه الكلمات الموحية: "الضوء الخافت"، "التموج"، "الألوان الهاربة"، "الأنغام"، "الغروب"، "الرحيل". كما أنهم يقربون بين الصفات المتباعدة؛
стр. 494
فيقولون مثلًا: "السكون المقمر"، "الضوء الباكي"، "الشمس المرة المذاق"، "القمر الشرس".
وبالمثل اهتموا بالألوان إذ جعل "رامبو" مثلًا لكل لون معنى فاللون الأحمر يرمز إلى الحركة والحياة الصاخبة، والقتال والثورة، والغضب والأعاصير. واللون الأخضر يرمز إلى السكون والطبيعة والانطلاق، وفكرة المستحيل، والخلاص من عالم المادة. واللون الأزرق يرمز إلى العالم الذي لا يعرف الحدود، وفيه انطلاق إلى ما وراء المادة الكونية، واللون الأصفر لون المرض والشعور بالحزن والضيق، والتبرم من الحياة، واللون الأبيض يمثل الطهر المثالي وهدوء السكينة ويرمز إلى الفراغ والجمود، أما البنفسجي فهو لون الرؤى الصوفية.
ومن ناحية النغمة الموسيقية: فالرّمزية في نظر "فاليري" هي نية عدة من عائلات الشعراء في أن ينهلوا من الموسيقى، إن الموسيقى لا تقرر أفكارًا، بل تعبر تعبيرًا نغميًّا عما يشعر به الفرد، وتنتقل هذه المشاعر من المؤلف والعازف إلى المستمع، وهذا "بودلير" في ديوانه "أزهار الشر"، يكتُب مَقطوعة صغيرة عنوانها "الموسيقى" صَوّر فيها الأثر العميق الذي تحدثه الموسيقى: "تأخذني الموسيقى غالبًا مثل بحر، نحو نجمة الشاحبة، تحت سقف ضبابي، أو أثير واسع، أرفع الشراع صدري إلى الأمام ورئتاي منفوختان كالشراع".
ويقول "هرني" عن الموسيقى في قصيدته الفن الشعري: عليك بالموسيقى قبل كل شيء، قم بالموسيقى أولًا وأخيرًا، وليكن شعرك مجنحًا؛ حتى لا يُحِسّ أنه منطلق من الروح عابرًا نحو سموات أخرى.
وهُناك أيضًا "تراسل الحواس" كما سبق القول؛ فاللمس والشم والسمع والبصر وسائل تعبير متداخلة ومتبادلة، فبعضها ينوبُ عن بَعضها الآخر في التأثير
стр. 495
النفسي، كوصف أحد الرّمزيين للون السماء بقوله: "وكأن لون السماء في نعومة اللؤلؤ" وكقصيدة "بودلير" الشهيرة "مراسلات" التي يقول فيها: "ثمة عطور ندية كجسد الأطفال، عذبة كآلة موسيقية خضراء كالمروج".
وهكذا شاهد الشاعر لون الاخضرار في العطر، وسمع نغم المزمار ولامسه في جسد الأطفال.
وقد قيل عن الرمزية: إنها أدب الصفوة؛ فأصحابها لا يحفلون بسواد الشعب، ويتوجهون إلى الصفوة، بحيث يغدو فهم الأدب بالرمزي مقصورًا على الذين تمكنوا من بعض العلوم الإنسانية؛ كعلم النفس الجماعي الذي شرحه كل من "يونج وأدلر" وعلم التحليل النفسي الذي اكتشفه وعرفه العالم النمساوي "فرويد".
ومن مبادئهم أيضًا: الإيمان بالصنعة دون الإلهام، وبذلك يقول "فاليري": إذا آمن الشاعر بالوحي قتل الإبداع، كذلك نراهم يلجئون إلى الأساطير، وذلك عندما يُصَرّفون موضوعات إنسانية لها علاقة مباشرة بالفلسفة أو الأخلاق، وكان للترجمة التي قام بها عدد من الأدباء، ولا سيما تلك التي قامت بنشرها مجلات عربية مشهورة مثل "المقتطف" و"المكشوف" و"الرسالة" والأديب"، أثر واضح في نقل الآداب الغربية التي أخذت بأساليب المدارس الأدبية. وقد مهد لهذه الترجمات الإطلاع المباشر على اللغات الأوربية والأمريكية إثر الهجرات التي قام بها عدد من اللبنانيين والسوريين إلى بلاد الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية.
لقد لقيت الرّمزية اهتمامًا من الشُّعراء العَرب وانتشرت على نطاق واسع، ولم يكن ظهورها في أدبنا خاضعًا لنفس الظروف التي نشأت في كنفها في الأدب
стр. 496
الغربي، ومن مظاهر ذلك: الرمزية الجزئية لجبران خليل جبران، خاصة في قصيدته "المواكب" التي اعتمدت في بعض صورها على تراسل الحماس كما في قوله:
هل تحممت بعطر ... وتنشفت بنور
وشربت الفجر خمرًا ... في كؤوس من أثير
وفيه انتقال الحس اللمسي للاستحمام، مكان الحس الشمي العطر والحس البصري النور مكان الحس اللمسي التنشف، والحس الذوقي الشرب مكان الحس البصري.
وللرمزية في حقل الأدب ولا سيما الشعر رواد كثيرون، يأتي في مقدمتهم الشاعر الفرنسي "بودلير" وقد كان في مبدأ حياته الأدبية معجبًا بمدرسة الفن للفن، ومن أنصارها المتحمسين ورائدها "توفيل جوتييه" أستاذًا وموجهًا، ومن روادها الشاعر "فولفيرلين" و"رامبو"، و"مالرميه"، وتدعو هذه المدرسة الرمزية إلى الاهتمام بالموسيقى اللفظية في الشعر؛ فلا بد من العناية بالصورة الشعرية عناية فائقة حتى تستطيع أن تستشف منها معاني الجمال.
واللغة الشِّعريةُ نَفْسُها ما هي إلا وسيلة إيحاء توحي بالخواطر والمشاعر والأحاسيس والرؤى والأحلام والحالات النفسية من الكاتب إلى القارئ، إذًا اللغة في نظر الرمزيين قاصرة وعاجزة عن أن تنقل لنا حقائق الأشياء.
وبالتّالي ليست بوسيلة لنقل المعاني المحددة، أو الصور المرسومة الأبعاد، ولا بد من أن تبدأ الصور التعبيرية من الأشياء المادية المحسوسة؛ ليستوحي ظلالها وأثرها العميق في النفس وفي منطقة اللاشعور، أو العقل الباطن، وهي منطقة لا يدركها العقل الواعي ولا يسلم بها، ولا تبرز مخزوناتها إلا في الأحلام، وأحلام اليقظة وفي حالات التنويم المغناطيسي.
стр. 497
وفي هذا المجال تصير اللغة الشعرية رمزًا لا تعبيرًا، وعملية إيحاء لشتى الصور والأخيلة، وفي منطقة اللاشعور لا تهتم بالعالم الخارجي إلا بمقدار ما تتمثل وتتخذه منافذ للخلجات النفسية الدقيقة التي يصعب التعبير عنها.
ولا بد لتكامل عملية الإيحاء للصور من اللجوء إلى ما يسمى بـ"تراسل الحواس" أي: أن تستعير حاسة وظيفة أو صفة حاسة أخرى؛ فتعطي المسموعات ألوانًا والمشمومات أنغامًا، وتصبح المرئيات عاطرة يشم الأنف من الورد الأصفر نغمًا حزينًا، ومن هذا القبيل قول الشاعر علي الجارم:
أسوان تعرفه إذا اختلط الدجى ... بالنبرة السوداء في أناته
فقد وصف النبرة وهي صوت بالسواد وهو لون، ولا شك أن وصف النبرة بالسواد في هذا المقام، أقدر على الإيحاء بالجو النفسي الذي يحسه الشاعر، ويريد أن ينقله إلينا، ولا شك أن تقارب الحواس لصفاتها فيما بينها، يُساعد كثيرًا على نقل الأثر النفسي.
وممن دعا إلى الاستعانة بتراسل الحواس بكمال التعبير والصور الشاعر الفرنسي "بودلير" في قصيدته التي عنوانها "تراسل" كما قلت من قبل وفيها يقول: "الطبيعة ذات دعائم حية، وأحيانًا تنطق هذه الدعائم ولكنها لا تفصح، ويجوس المرء منها في غابات من رموز؛ تلحظه بنظراته أليفة، وتتجاوب الروائح والألوان والأصوات كأنها أصداء طويلة مختلطة، آتية من بعيد؛ لتألف وحدة عميقة المعنى، مظلمة الأرجاء، رحيبة كالليل أو كالضوء".
فتبادل الحواس لصفاتها يجعل من العالم الواقعي مثاليًّا صوريًّا تتمازج فيه الخيالات مع الحقائق، والرمزيون بالإضافة إلى هذا يمقتون في الصورة الأدبية اللهجة البيانية الخطابية بأساليبها الواضحة المشرقة، ذات المعنى الظاهر؛ لأنهم
стр. 498
يريدون الغوص والتعمق في تصوير المعاني المستعصية على التعبير، القابعة في خفايا النفس وأعماق الضمير، ويرون أنه لا بد من إضفاء شيء من الغموض والخفاء والإبهام على الصورة الشعرية؛ لتتوافر أمام القارئ فرصة التأمل والتفكير، كي توحي الصورة معاني وخواطر جديدة.
إذ إن الوضوح لا يترك للقارئ فرصة إعمال الذهن وكد العقل، ويسيء لما في الصورة من جمال ولذة وفائدة، بالإضافة إلى أن اللغة فيها شيء من القصور عن أن تنقل لنا المعاني المحددة، والأجواء النفسية، فيما لو أردنا إبرازها والتعبير عنها.
على أنه لا بد أن يكون في هذا الغموض والخفاء شيء من الإيحاء وانسياب الخواطر، لا أن يكون من نوع الأحاجي والألغاز. ولعل هذا ما يعبر عنه الشاعر "بول ذرلين" بقوله: "أحب شيء إلي هو الأغنية السكرى، حيث يجتمع المحدد الواضح بالمبهم اللامحدود".
ويقول أيضًا تتمة لهذا المعنى: "الأهمية الأولى للضلال لا للألوان كما تتراءى العيون الساحرة من خلف النقاب". فعبر بالظلال عن الصور الشعرية الغامضة الموحية، وبالألوان عن الصور الشعرية الواضحة.
يضاف إلى ذلك أن الرمزيين يعنون بصياغة الصور الشعرية المهموسة المشوبة بالغموض، ويتأنقون باختيار الألفاظ الموحية المشعة المصورة، بحيثُ تُوحي اللفظة بأجواء نفسية وانفعالات عاطفية رحيبة؛ فمثلًا لفظة الرّبيع تُوحي لك بمنظر المياه الدافقة، والخُضرة اليانعة، والأشجار المورقة الباسقة، وتُسمعك خرير الماء، وزقزقة العصافير، وتغريد البلابل، وصدح العنادل، وتشعرك بالمتعة والانبساط والارتياح وانشراح النفس ونقاوة الضمير، ولهذا لا يسمى الشعر عند
стр. 499
الرمزيين شعرًا إلا إذا كان غامضًا مبهمًا موحيًا شافًّا عن أجواء نفسية غريبة متنوعة.
ولعلنا نستطيع أن نلم بمنهج الرمزية إذا رددنا النظر في قصائد الرمزيين، وفيما يلي قصيدة للشاعر الفرنسي الرمزي "ستيفان مالرميه" وفيها يقول:
لقد طرد الربيع الشاحب في حزن
الشتاء - فصل الفن الهادئ الشتاء الضاحي
وفي جسم الذي يسيطر عليه الدم القاتم
يتمطى العجز في تثاؤب طويل
إن شفقًا أبيض يبرد تحت جمجمتي
التي تعصبها حلقة من حديد
وكأنها قبر قديم
وأهيم حزينًا خلف حلم غامض جميل
خلال الحقول التي يزدهر فيها عصير لا نهاية له
ثم أخر من هو كالعصب بعطر الأشجار
وأحفر برأسي قبرًا لحلمي
وأع ض الأرض الساخنة التي تنبت النرجس
ومع ذلك فزرقة السماء تبتسم فوق سياج الشجر المستيقظ
حيث ترفرف العصافير كالزهر في ضوء الشمس
يُعبر لنا في هذه القصيدة عن الحالة النفسية التي يعيشها بسبب الملل الذي أنهكه، والسأم الذي يقضم جوانحه، ويقتنص من مظاهر الطبيعية صورًا رمزية تُوحي لنا
стр. 500
بحالته النفسية، والشعر فيه شيء من غموض؛ ولكنه غموض يُوحي لقارئه بإدراك المعنى، والجو النفسي الذي يعيشه الشاعر، وليس بغموض أولئك الشعراء الناشئين المقلدين الذين يتنطعون ويتقعرون، ويجعلون من ذلك الغموض شيئًا أشبه بالألغاز حتى هم أنفسهم لا يدركون معناها، وإنما يقصدونها سترًا لعجزهم، وإيهامًا للناس بشاعريتهم.
وبعد هذا كله؛ ربما يتبادر إلى ذهن القارئ أن الرمزية لم تظهر إلا في الشعر، والشعراء وحدهم هم الذين اهتموا بها، نظرًا لما فيها من الغموض الذي بطبعه يناسب الشعر، ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن الرمزية لم تقتصر على الشاعر الغنائي الذاتي فحسب، وإنما تعدته إلى الأدب الموضوعي، الذي يهتم بالمشاكل الإنسانية والأخلاق الاجتماعية العامة، تعالجها بواسطة الأخيلة والصور.
ولكن يجب ألا يعزب عن البال: أنّ الرمزية لا تأخذ نفسها في معالجة هذه المشاكل والأخلاق وتحديدها، ونقدها كما في الكلاسيكية مثلًا، بل تأخذ في تجسيم الأفكار النظرية المجردة، وإلباسها شيئًا من الحوادث والأفعال؛ لتُصبح ديناميكية متحركة، ونلمح من خلالها الحقائق الفلسفية والخلقية.
وكثيرًا ما يلجأ الرّمزيون في علاج هذه الموضوعات إلى الأساطير القديمة، بل إنهم ينحون نحوها في ابتكارهم للحوادث والأعمال، عند عرض أو مناقشة قضية إنسانية عامة، كما يلاحظ ذلك في القصص والمسرحيات التي ابتكرها الرمزيون من أخيلتهم؛ كمسرحية "الأشباح" لـ"إبسون" ومسرحية "صفقة الشيطان" لـ"جيروم".
وتعرض المسرحية الأولى من خلال الوقائع مشكلة إنسانية لم يبت فيها أحد، وهي مشكلة توارث الخطيئة؛ على نحو يكاد يكون عضويًّا لا دخل للوعي ولا
стр. 501
للإرادة فيه، إذ ترى في هذه المأساة أبًا يفسق بخادمته، ثم يرث ابنه منه هذه الخطيئة، فيهم هو الآخر بأن يفسق بخادمته، على الرغم أنه لم يعش في جو أسرته، ولم يعش في جو الخطيئة، بل أرسلته أمه بعيدًا عن المحيط الملوث ليتعلم ويتثقف؛ ولكنه هم بفعلته تلك بعد عودته، فكأنها غريزة فيه وصفة فطرية ورثها من والده لا يستطيع عنها فكاكًا.
وتُصور المسرحية الثانية قضية صفقة تجارية يجريها شيخ شرير مع شاب خير؛ فيتبادل كل منهما روح صاحبه، ولكن كل من الروحين لا يستقر في جسم الآخر، فكأنه هناك تلازم بين الجسم والروح.
وقد أخذت الرمزية تغزو الأدب العربي المعاصر، ولكن قبل أن يلم بهذه القضية يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل عرف الأدب العربي القديم الرمزية؟ وجوابًا على هذا السؤال أستطيع أن أقول دون تحفظ: إن الأدب العربي القديم لم يعرف الرمزية كما هي عند "بودلير" و"إدجر ألمبو" و"مارميه" ولكنه عرف الرمزية في أسلوب الكناية، وهناك علاقة وثيقة بين الرمزية الحديثة والكناية التي نعرفها في علم البيان، وسوف نورد بعض من أمثلة الكناية للنظر إلى أي حد يمكن أن تكون صورًا رمزية أو قريبة منها في الإيحاء.
فعندما أقول: "فتى رياضي" فإنني هنا أكني عنه بأنه ذو قوة وعضلات مشدودة، ولو وضعت لفظة أرمز بدل أكني؛ لاستقام المعنى واستقامت الدلالة.
وحينما يقول العربي: "قلبت له ظهر المجن" والمجن هو الترس الذي يستتر به المحارب من واقع السهام والرماح؛ فإنّ هذا التعبير رمز أو كناية عن تغير المودة.
وحينما يقول الغربي: "ذاب بينهم الجليد" فإن ذلك التعبير رمز أو كناية عن رجوع أواصر المحبة أو علاقات التعاون بعد أن كانت مقطوعة.
стр. 502
بل إن في الكناية قسم يسمونه "الرمز" وكثيرًا ما يمثل له البيانيون بقول العرب: "فلان عريض الوساد" يرمزون إلى بلاهته وبلادته، إذ يترتب على عرض الوساد عرض القفا، ويعتقد العرب أن عريض القفا يكون عادة بليدًا، كما أن واسع الجبين عريضه، يكون عادة نبيهًا ألمعيًّا ذكيًّا.
وحينما يقول "ملر ميه": إن شفقًا أبيض يبرد تحت جمجمتي، فإنه يكني عن المخ ويرمز إليه، والكناية هنا عن موصوف؛ فالكناية رمز يأتي في صور قصيرة موجزة، مثل هذه الأمثلة، ولم تتخذ الكناية شكلًا أدبيًّا أو موضوعيًّا، كما في الرمزية الحديثة، ولكنها تدل على أن الذهن العربي ولود مفكر سبق الغرب في أشياء كثيرة.
أما الرّمزية الحديثة؛ فدخلت الأدب العربي الحديث عن طريق لبنان، وأصبح لها رواد كثيرون من شعراء لبنان، منهم على سبيل المثال: بشر فارس، وألبير أديب، وأديب مظهر، وخليل شيبوب، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمه.
ولنزار قباني بعض قصائد رمزية، ولكنّ فيها شيئًا من الوضوح، ويلاحظ الدارس لشعر هؤلاء أنهم تأثروا لحد كبيرًا في شعرهم لمعطيات الرمزية وتعاليمها واتجاهاتها، ووقفوا على آثارها في لغاتها الحية، واستطاعوا بكل سهولة أن يضمنوها شعرهم.
ونورد فيما يلي بعض أمثلة من الشعر الرمزي العربي، من ذلك قصيدة مرسلة للأستاذ ألبير أديب بعنوان "حياتنا" يقول فيها:
حياتنا شباب وفكر أخضر
وعواطف من عمل الربيع
стр. 503
وقلوب من ندى الفجر
نجمعها ونغسل بها أرض الأزقة
أو نروي رمال الصحراء
ثم هي ليله وضحاها
فإذا الزوبعة تذهب بنا
فنأخذ معنا كل أحلامنا وأمانينا
ونحن على قدم من الهاوية أو أقل
ما زلنا نؤسس ونبني ونقيم
فما أسخفنا لا نجعل أيامنا ابتسامة
ونقيم علينا رب يعرف كيف
يجعلنا كيف نبتسم حتى لأنفسنا
شعر فيه شفافية، وفيه شيء من غموض ومن إيحاء، ولكنه غير عميق فيه شيء مما يسمى بتراسل الحواس عند الرمزيين؛ وصف الفجر بالاخضرار، وعواطف من عمل الربيع، وقلوب من ندى الفجر. ومن ذلك قصيدة ابن الشاعر "أديب مظهر" بعنوان "نشيد السكون" وفيما يبدو أن أكثر الشعراء الشباب ينصرفون الآن إلى معالجة الشعر الرمزي، ولكن أكثر إنتاجهم من هذا الشعر يبدو مجردًا عاريًا من معطيات الرمزية وتعاليمها، بل إن بعضَ القصائد لا يأخذ من الرمزية إلا
стр. 504
غموضها، ولكن في أغلب الأحايين غموض يطمس المعنى، ولا تكاد تدركه إلا إذا كان فكرك أشعة "رودلير".
ولا ريب في أن معالجة الشعر الرمزي الجيد تحتاج إلى مهارة فائقة، وموهبة مسعفة، وقريحة وقادة، وقبل كل شيء دراسة واعية متعمقة، وإذا لم يطبق شيء من ذلك؛ فسنعيش مع شعرنا الجديد في عالم مفعم بالألغاز والأحاجي، والصور الشعرية الضحلة.
السريالية وأثرها في الأدب العربي
أما السريالية: فكما جاء في المعدة المخصصة لها في الموسوعة العربية العالمية، هي: مذهب في الفن والأدب أسسه في باريس عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين الشاعر الفرنسي "أندريه بيتوه" وتحاول السريالية أن تكشف عن واقع جديد يتجاوز الواقع الفعلي، وهذا واضح من مدلول المصطلح ذاته؛ إذ هو كلمة تعني ما فوق الواقعية.
ويدعي السرياليون أنهم يصنعون أشكالًا وصورًا بدون وعي وبدون تفكير، لكن بإحساس فطري خالص، وعن طريق المصادفة وباستخدام هذا المنهج نراهم يزعمون أن بإمكانهم صنع عالم في مجال الفن والأدب، أكثر جمالًا من العالم الحقيقي، وبهذه الطريقة يحاول السرياليون مفاجأة المشاهد أو القارئ، وعرض ما يعتقدون أنه هو العالم العميق والحقيقي للطبيعة البشرية.
ومن قيادات الحركة السريالية في مجال الرسم: "أندريه ماسو" و"رينيه مارجريت" و"سلفادور دالي" و"ماكس آرمس" وتمثل أعمال "ماسو" الرسم العابث بضربات الفرشاة أما "مارجريت" و"دالي" فإنهما يرسمان باهتمام أشكالًا حقيقية لصنع صورٍ تشبه الحلم، أما "آرمس" فكان يجمع بين الأسلوبين؛ حيث تبدو في رسومه مخلوقات غريبة تظهر بين أشكال ملونة متناثرة عشوائيًّا على اللوحة.
стр. 505
وهناك نكتة مشهورة في هذا المجال: هي أن أحد العابثين أراد أن يسخر من الرسامين السرياليين؛ فأتى بحمار وغمس ذيله في دلو به ألوان مختلطة، ثم أدار ظهره إلى لوحة علقها على جدار ونخسه؛ فما كان منه إلا أن طوح بذيله يمينًا ويسارًا، ناثرًا الألوان في كل اتجاه كيفما اتفق، وسقط بعضها على اللوحة، ثم أخذ اللوحة وعرضها على بعض كبار النقاد التشكيليين، الذين لم يتمالكوا أنفسهم من إبداء بإعجاب بالرسام العبقري الذي أبدع تلك اللوحة السريالية الرائعة، وكانت فضيحة "بجلاجل" حين أخبرهم بحقيقة ما صنع.
ويقول الدكتور محمد مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه): إنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تضافرت الفلسفة "الفرودية" مع المحنة الإنسانية العاتية التي أصابت البشر بويلات الحرب؛ فتصدعت القيم الإنسانية، وهانت الحياة على الإنسان بعد أن رأى الفساد يتربص به في كل مكان، ونشأت رغبة جارفة للتحلل من الأخلاق، وانتهاب اللذات قبل أن تفنى الحياة وتخر في العدم، وبالتالي تحركت الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية لإشباعها إشباع حر طليقًا لا يخضع لأي قيد، ولا تردعه أية مواضعة من مواضعات المجتمع.
ولم تقتصر هذه النزعة على الحياة؛ بل امتدت إلى الفن والأدب اللذين يصدران عن هذا النوع من الحياة، مما أدى إلى ظهور المبدأ المعروف بالسريالية، أي: مذهب ما فوق الواقعية، وهو المذهب الذي يريد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية، والذي يزعم أن فوق هذا الواقع أو خلفه واقعًا آخر، أقوى فاعلية وأعظم اتساعًا، وواقع لا وعي، واقع مكبوت في داخل النفس البشرية.
وعلى تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته، وتسجيله في الأدب والفن، أراد السرياليون توفير جهودهم، وإن كان من الحق أن نقول: إن هذا الواقع الدفين
стр. 506
كثيرًا ما ينتهي إلى ما يشبه هذيان الحواس، وبخاصة عندما يلجأ السرياليون إلى الطرق المصطنعة؛ كالأفيون وغيره بإطلاق المكبوت في النفس، ثم عندما يحاولون تسجيل هذا المكبوت في لوحات أو قصص أو مسرحيات غامضة مضطربة، أو هاذية محمومة، ربما لا يدركون هم أنفسهم لها معنى أو يحددون لها هدفًا وهي بالرموز والأحاجي أشبه منها بالأدب والفن، مهما أن يجعلوا من هذه الحمى مذهبًا أدبيًّا أو فنيًّا.
ومهما حاولوا تسويغ بعض اتجاهاته، مثل تركهم مسرحياتهم أو قصصهم أحيانًا بدون خاتمة، بدعوى أنهم لا يقصدون غير الإثارة والإيحاء؛ تاركين للقارئ أو المشاهد مهمة تصور الخاتمة التي يريدونها، والتي ترسمها قواهم النفسية المثارة والمطلقة من كبتها.
ويرى الدُّكتور مندور أن مِثل هذا المذهب لا يَسْهُل إدراجه بين عداد المذاهب الأدبية والفنية؛ لأنه في الواقع لم يضع أصولًا وقواعد أدبية أو فنية، إذ كان كل همه هو إطلاق المكبوتات النفسية ومحاولة تسجيلها في الأدب والفن، دون تقيد بأصل أو قاعدة.
ثم يمضي قائلًا: إنه حتى لو استطعنا التسليم بأن السريالية من حيث المضمون، لا تخلو من بعض الصدق على أساس أن النفس الإنسانية لا يمكن أن تخلو من مكبوتات، بحكم أن الفرد يعيش في المجتمع، وأن هذا المجتمع لا بد أن يفرض قيودًا وأوضاعًا تكبت غرائز الأفراد ورغباتهم، فإننا لا نستطيع التسليم إلا بأن السريالية تستحق أن نعدها مذهبًا أدبيًّا أو فنيًّا؛ إذ هي لم توفق إلى خلق صورة أدبية أو فنية خاصة بها، أو خلق أسلوب تتميز به.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 507
الدرس: ١٩ تقويم علاقة التأثر بين الأدب العربي وغيره من الآداب .
стр. 508
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(تقويم علاقة التأثر بين الأدب العربي وغيره من الآداب)
طرق الاستفادة من الأدب المقارن في الأدب القومي
تقويم علاقة التأثر بين الأدب العربي وغيره من الآداب:
وللأدب المقارن أهداف متوخاة تتلخص في أن يتم التلاقح بين الآداب القومية المختلفة بعضها وبعض، وبغير هذا التلاقح قد يأسن الإبداع الأدبي، ويظل يدور في حلقة مفرغة، وقد ينتهي به الأمر إلى أن يأكل نفسه كالرحى حين لا يكون هناك ما تطحنه؛ فلا يكون إمامها إلا أن يحتك شقاها ويتحاتّا ويَظلّا يحتكان ويتحاتان، ثم ينتهي بهم المطاف إلى أن تتفتت الرحى وتنتهي.
أما الاحتكاك بالآداب الأخرى؛ فمن شأنه أن يضخ دماء جديدة في الآداب القومية، تدب فيها الحيوية من خلالها؛ فتتوثب وتضج فيها الحياة القوية العارمة.
والواقع أن ميدان الأدب المقارن يشمل كل ما يتعلق بالأدب العام والقومي، ولكن من حيث علاقته بغيره من الآداب؛ والإفادة التي يمكنه أن يفيدها من هذه العلاقة، فمثلًا هناك الأجناس الأدبية، التي لم نكن نعرف منها في أدبنا القومي قبل العصر الحديث جنس المسرحية، ولا جنس الملحمة، ولكن بعد اتصالنا بالغرب أصبح عندنا مسرح شعري ونثري، ولمعت أسماء: "شوقي" و"عزيز أباظة" و"عبد الرحمن الشرقاوي" و"صلاح عبد الصبور" و"فاروق جويدة" و"توفيق الحكيم" و"علي أحمد با كثير" و"سعد الله ونوس" و"ممدوح عدوان".
وحاول عددٌ من كبار شعرائنا كتابة الملحمة؛ فاقتربوا بإبداعهم منها كالعقاد في "ملحمة شيطان" وأحمد محرم في "الإلياذة الإسلامية" وفوزي المعلوف في "وادي عبقر" وهكذا ورغم أن عندنا بعض قصص تتعلق بالأمثال بعض أبطالها من الحيوان؛ فإنّ قصصَ الحيوان كجنس أدبي مستقل، يُبدع فيه الأدباء عن قصد وعناية، لم يكن معروفًا عند العرب بل أخذوه عن غيرهم، حين كتب عبد الله
стр. 509
بن المقفع كتابه (كليل ودمنة) ذا الأصل الهندي الذي انتقل للعربية عبر الفارسية لغة ابن المقفع القومية.
وفي الاتجاه المضاد كان عندنا في الشعر العربي الوزن والقافية المنضبطان تمام الانضباط، واللذان اقتبسهما الشعر الفارسي بعد الإسلام؛ وأصبحا جزءًا لا يتجزأ من الإبداع الشعري الفارسي كما هو معروف، كذلك كان عندنا جنس المقامة، وهو جنس كان ينقص الآداب الأخرى كالأدب الفارسي الذي حاول أحد كتابه وهو القاضي حميد الدين أن يستزرعه في الأدب الفارسي، فكتب عدد من المقامات الجيدة إلا أنه رغم هذا لم يستطع أن يلهم غيره متابعة الطريق؛ فتوقف الأمر عنده مثلما بدأ به.
كذلك تأثر الشعر الأوربي متمثلًا في شعراء "التروبادور" بفن الموشحات موضوعًا وشكلًا، على ما مر بيانه في الدروس الحالية، وإن يمكن أن يفيده الأدب القومي من الأدب المقارن أيضًا استلهامًا للمواقف والنماذج البشرية، التي قد تكون غائبة عنه أو تكون فيه؛ لكنها في الآداب الأخرى تمثل ألوانًا مختلفة عما يعرفه، ومن تلك النماذج أنموذج البخيل أو أنموذج البغي التي كانت في انحرافها ضحية للمجتمع وأوضاعه الظالمة.
ومن هذه النماذج أيضًا أنموذج البطل الأسطوري الإغريقي "بريمثيوس" رمز العناء البشري الذي لا ينتهي، والذي كلما ظن أنه قاب قوسين أو أدنى من التخلص منه عاد فتجدد ليقاسيه صاحبه من البداية، وكأنه لم ينل كفايته وما فوق كفايته من العناء والمقاساة.
وهناك كذلك نموذج "يوسف" و"زليخة" والأخيرة رمز الشهوة والإغراء من جهة، والأول رمز العفة والتماسك والصبر على ما يترتب على تلك العفة وهذا التماسك من تنكيل شديد.
стр. 510
ونموذج "شهرزاد" رمز الذكاء الأنثوي، ورباطة الجأش، والتحايل للخروج من المأزق الماثل العتيد دون أن تخسر المرأة شيئًا، بل تكسب كل شيء، وتنتصر على الشر والخطر الجائح، ونموذج ليلى والمجنون رمز الحب المحروم والعذاب الذي يصطليه المحب، ولا يُفرط رغم ذلك في محبوبه، بل يجد السعادة في هذا الحرمان وذلك العذاب.
ومن ميادين الأدب المقارن التي يمكن استفادة الأدب القومي منها: المذاهب الأدبية؛ كالكلاسيكية، والرومانسية، والواقعية والبرناسية، والرمزية. التي هي قد يكون لها أو لبعضها بذور في آدابنا، لكنها لم تتبلور في ذلك الأدب، وقد دخلت تلك المذاهب أدبنا العربي في عصرنا الحديث بعد اتصالنا بالغرب، ووجداننا فيه تلك المذاهب التي لم يكن لنا بها عهد على النحو الذي وجدناه عليه في الآداب الأوربية، وأكسبت أدبنا طعومًا ومذاقات جديدة في مجالات الشعر والقصة والمسرحية.
ويدرس الأدب المقارن كذلك ضمن ما يدرس: صورة الأمم والبلاد الأخرى في عيون زوارها، والذين قرءوا عنها، وكونوا صورة من خلال القراءة لا من خلال الزيارة مباشرة.
ولا شك أنّ لكل أمة أو بلد صورة معينة في أذهان كل شعب من الشعوب في عصر معين، وهذه الصورة عادة ما تتغير تبعًا لتغير هذا العامل أو ذاك، ولقد كان المصريون والعرب بوجه عام؛ ينظرون إلى أمريكا حتى وقت قريب، على أنها بلاد الحُرّية والصّداقة والرّفاهية والانفتاح على شعوب الأرض كلها في حب ومودة، أما الآن فقد تغيرت الصورة بعدما بلى العرب والمسلمون منها القسوة والغطرسة وانجلى ما كان ساستها يكنونه لنا من بغض ومؤامرات، كانت خافية
стр. 511
عما قبل؛ أما الآن فقد افتضحت وصارت مكشوفة للعيان، دون أدنى تذويق وهذا مجرد مثال.
ويُمكن أن يكون الأدب المقارن معولًا على توسيع الأفق؛ إذ يرينا كيف أن الأذواق والأوضاع والقيم الأدبية، تختلف من أدب لآخر ومن أمة إلى أخرى، رغم أن هناك أشياء مشتركة كثيرة أيضًا، وهذا الاختلاف دليل على ثراء الحياة، وعلى غنى القدرة الإلهية المبدعة التي لا تنفد ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وفي القرآن الكريم آية تقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ١١٨، ١١٩).
وهذه الآية وإن كانت تتعلق بالأديان واختلافها، واختلاف الناس بشأنها من ثم من الممكن الاستشهاد بها هنا؛ فالاختلاف بين البشر لا يقتصر على الأديان، بل يشمل كل شيء يتعلق بهم أنه سنة بشرية، مثلما التشابه في بعض الجوانب سُنّة بشرية أخرى.
ولا شك أن اطلاعنا على ما عند غيرنا، وتحققنا من أنه يختلف كثيرًا أو قليلًا عما عندنا؛ جدير أن يعمق فهمنا للحياة والأحياء، ويوسع مداركنا، ويجعلنا نتقبل الآخرين، ونتفهم حقيقة اختلافهم عنا؛ فنكون أرحب صدرًا، وأقدر على التسامح مع تمسكنا بما لدينا في ذات الوقت وإلا تحول الأدب المقارن نقمة وأذى، إذا كانت ثمرته تمييع مواقفنا والانتهاء بنا إلى العجز عن اتخاذ موقفًا ثابتًا نابعًا من إيمان حقيقي بفائدة ما في أيدينا وصحته وأحقيته.
لنأخذ على سبيل المثال ما كتبه رفاعة الطهطاوي أبو المقارنين العرب في العصر الحديث، في موضوع المقارنة بين الأدبين العربي والفرنسي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) الذي كتبه وهو في فرنسا في النصف الأخير من ثاني
стр. 512
عقود القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي أنشئ فيه أول كرسي للأدب المقارن في فرنسا، إذ عُيّن "أبل فرونسوا زيما" أستاذًا لهذا التخصص من جامعة "السربون" سنة ألف وتسعمائة وثمان وعشرون ميلادية، ولم يكن قد مر على وصول رفاعة إلى باريس إلا عامان.
وكتاب رفاعة كتاب عجيب لا يمكن تجاهله أبدًا، إذا ما أردنا الكلام عن بدايات عصر النهضة بمصر، إذ يبدُو وكأنه يحتوي على كل شيء يتعلق بذلك العصر، المُهِمّ أن كاتبنا قد خصص بضع صفحات من ذلك الكتاب، على درجة عالية في القيمة، في المقارنة بين اللغتين الفرنسية والعربية وبين أدبيهما؛ ففي عدة مواضع من ذلك الكتاب نرى رفاعة يعقد مقارنة بين لغتنا ولغة الفرنسيس، وبلاغتنا وبلاغة الفرنسية؛ فيقول مثلًا: "إن لكل لغة قواعد خاصة، لتنظيم استعمالها والتفاهم بها وأنه إذا كانت أقسام الكلمة في لساننا ثلاثة، هي: "الاسم، والفعل، والحرف" فإنها في الفرنسية هذه الثلاثة المذكورة مضافًا إليها: "الضمير، وحرف التعريف، والنعت، واسم الفاعل، واسم المفعول، والظرف، وحروف الجر، وحروف الربط، وحروف النداء، والتعجب ونحوه.
وإن الكلمة قد تكون حرف جر في موضع، وظرفًا هي نفسها في موضع آخر، لأنها إذا جاء بعدها اسم كانت حرفًا، بخلاف ما لو استقلت بنفسها؛ فإنها تكون عندئذٍ ظرفًا، وذلك كقولنا: جئت قبل زيد أو بعده. وجئت قبلًا أو بعدًا إلى آخره وهذا للتقريب فقط".
ومما قارن به رفاعة بين اللسانين والبلاغتين أيضًا؛ قوله: إنهم في فرنسا لا يعرفون نظم العلوم كما هو الحال عندنا في الألفية مثلًا، وهذا راجع إلى اتساع العربية وضيق المجال في لغة الفرنسيين.
стр. 513
وبالمثل تكلم عن الفرق بين العروض العربي ونظيره الفرنسي، قائلًا: إنّ لكل لغة عروضها الخاص بها، وإنّ النّثر الفرنسي لا يعرف التقفية، أي: أنهم يلجئون إلى السجع بخلاف الحال عندنا، حيث يستخدم السجع في الرسائل والخطب والتاريخ، وما إلى ذلك حسبما يقول.
كما أنّ المؤلفين الفرنسيين يهتمون بالتدقيق في ألفاظهم وعباراتهم، ويعملون على أن يجيء ما يكتبونه واضحًا، لا يحوج إلى معاناة في الفهم والتعلم، ولا إلى ما كان يسمى عندنا بفك الألفاظ، ومن ثم فليس للكتب الفرنسية شروح ولا حواش اللهم إلا إذا استلزم الأمر بعض التعليقات السريعة، لمزيد من الضبط والإتقان.
وبالمناسبة لم يقصد رفاعة بالملاحظة الأخيرة أن هذا عيب ملازم للغة العربية، كما يفهم من كلام الدكتور جابر عصفور في قوله عن شيخنا الطهطاوي: يبدو أن هذا الحرص على إيقاظ النيام، والذي دفعه إلى الاهتمام باللغة الفرنسية؛ من حيثُ قُدراتُها الآدائيةُ التي لا يُتلاعب فيها بالعبارات، ولا بالمحسنات البديعية اللفظية. وكذا غالب المحسنات البديعية المعنوية، وربما عد ما يكون للمحسنات العربية ركاكة عند الفرنسيين كما يقول.
ويتصل بذلك ما ينتهي إليه من أن سهولة اللغة الفرنسية تعينهم على التقدم، حيث أنه لا التباس فيها أصلًا؛ فالألفاظ مبينة بنفسها، والقارئ لكتاباتها لا يحتاج إلى تطبيق ألفاظه على قواعد أخرى، بل رامية من آن لآخر. وذلك بخلاف اللغة العربية مثلًا؛ فإنّ الإنسان الذي يطالع كتابًا من كتبها في علم من العلوم، يحتاج أن يطبقه على سائر آلات اللغة، ويدقق في الألفاظ ما أمكن، ويحمل العبارة معاني بعيدة عن ظاهرها.
стр. 514
وأما كتب فرنسيس فلا شيء من ذلك فيها؛ فليس بكتبها شراح ولا حواش، فإذا شرع الإنسان في مطالعة كتاب في أي علم كان، تفرغ لفهم مسائل ذلك العلم وقواعده من غير محاكة الألفاظ". هذا ما قاله جابر عصفور.
ذلك أنّ رفاعة إنما قصد طريقة التأليف على عهده، وفي الكتب التي كانت تدرس بالأزهر لا غير؛ وهي كتب كزة يُدل أصحابها بالإيجاز المرهق والغموض، واحتمال كلامهم فيه أوجه عدة لا معنى واحدًا، كما جرت العادة أن يقوم الشارحون بتفصيل الموجز، وتوضيح المشكل، والتعليق على كل صغيرة وكبيرة في الكلام وإعرابه.
ولم يقصد رفاعة اللغة العربية في ذاتها بأي حال، وإلّا فقد كان القدماء العرب يكتبونَ فيفهم عنه قراؤهم دون حاجة إلى شرح أو حاشية، كما أننا الآن نقرأ ما يكتب في عصرنا دون أن ننتظر شيء من هذا كي نفهمه، فضلًا عن أن كتب رفاعة كانت ولا تزال مفهومة من تلقاء نفسها، لوضوحها وجريها على سنن المؤلفين القدماء الواضح القويم.
وكيف يقصد الطهطاوي ما فهمه الدكتور جابر، أو ما أراد الدكتور جابر أن نفهمه ولسان الضاد إنما هو لسان البيان والجمال والدقة، كما افتخر رفاعة بلغة القرآن الكريم في كتابه مرارًا، وعَدّ هذه المحسنات من مزاياها التي لا تشاركها فيها لغة "فولتير".
وعلى نفس المنوال يَمضي رفاعة مقارنًا بين البلاغة لدينا والبلاغة لدى الفرنسيين؛ فيقول: "إن هذا الفن موجود في كل اللغات، ومنها الفرنسية بطبيعة الحال، بيد أنه في لغتنا أكمل منه في لغة الفرنسيين، كما أن علم البديع يوشك أن يكون خاصًّا بالعربية".
стр. 515
ويضيف الطهطاوي قائلًا: إن من الصور البانية ما تستحسنه الأذواق في كل اللغات، ومنها ما يستحسنه البعض منها دون بعض، مثال ذلك: تشبيهنا الرجل الشجاع بالأسد؛ فهو تشبيهٌ مقبول ومستحسن من الجميع، بخلاف كلام الشعراء العرب عن ريق الحبيبة، إذ لا يفهمه الرجل الفرنسي ويعجز عن تذوقه قائلًا: إنه بصاق والبصاق يبعث على النفور لا التلذذ.
وقبل ذلك رأيناه يعرض في شيء من التفصيل للغة الفرنسية؛ فيتكلم عن تصريف أفعالها، وتاريخها، وأصولها. وبخاصة الأصل اليوناني الذي يكاد يستغرق فيها مصطلحات العلوم كلها، ثم يعرج على البديع قائلًا: إنه غير مستعمل ولا مستحسن عندهم؛ اللهم إلا التورية في كتاباتهم الهزلية فحسب، بخلاف الجناس فهو غير مقبول لديهم البتة، ومجرد ترجمة ما هو موجود منه في لغتنا تذهب ظرافته في الحال.
ومع هذا؛ فإنه يؤكد أن العربية أصعب اللغات، كما يقر بقوة أن من كان عالمًا بقواعد لغته متبحرًا فيها، يكون عالمًا بالقواعد في جميع اللغات بالقوة على الأقل، وهي لفتة عقلية عجيبة سبق بها زمنه؛ إذ ليس لكلامه هذا من معنى سوى أن هناك قواعد نحوية عالمية، تتمثل في الخطوط العامة لقواعد اللغات المختلفة، وهو ما يقول به علم اللغة الحديث.
كما أشار ضمن ما أشار إلى كتاب في نحو اللغة العربية وصرفها، وضعه أحد المستشرقين الذين عرفهم في باريس، يختلف في ترتيبه عن كتب النحو والصرف عندنا، والسبب في هذا -هو حسبما لاحظت- أنهم يضعون الطالب الفرنسي في اعتبارهم حين يؤلفون مثل تلك الكتب؛ فيتوسعون في بعض ما نراه نحن واضحًا بذاته، لتشربنا كثيرًا من أواضع لغتنا تلقينا منذ الصغر، على عكس
стр. 516
الدارس الفرنسي مثلًا الذي نشأ على أوضاع معينة في لغته، فلا يفهم ما يخالفها في اللغة العربية وأمثالها بسهولة، كما أنهم يراعون الذهنية الفرنسية والأوربية عمومًا في تبويب مادة النحو والصرف؛ حتى تكون متسقة مع ما يعرفون عن نظام القواعد في لغتهم فلذلك كان لا بد عند تأليف كتاب النحو العربي عند طلابهم من مراعاة هذا الاعتبار.
وبالنِّسبة للشِّعر الفرنسي يقول رفاعة: إنه يجري على عادة الجاهلية اليونانية، التي تعرف لكل معنى من المعاني، ولكل شعور من المشاعر إله خاصًّا؛ فتراهم يقولون: إله الجمال وإله العشق ... إلخ. وهذا كفر كما صرح، وإن أضاف أنهم لا يعتقدون في شيء من هذا بل هو مجرد تمثيل، وهو يحكم على الأشعار الفرنسية، بأن الكثير منها لا بأس به ولا ريب أن هذا حكم جريء يستغربه الأديب العربي الحالي، الذي قد يرى أن الآداب الأوربية أرقى من الأدب العربي، أما رفاعة فرغم إعجابه بجوانب كثيرة من مدنية الفرنسيين كان يرى أننا متفوقون عليهم في أمور الدين والاعتقاد، وكذلك في ميدان الشعر والبلاغة.
ومِن الطّريف قَولُه عن ترجمته لإحدى القصائد من الفرنسية إلى العربية: "أخرجتها من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام" ثم تعقيبه على جهوده في ذلك بقوله: "إن الترجمة تذهب بحسن الأصل الأدبي في أية لغة" يستوي في ذلك أن تكون القصيدة منقولة من الفرنسية للغتنا أو العكس.
وبالنّسبة للنُّقطة الأخِيرة وما تستدعيه للذهن من قوة الثقة بالذات الحضارية، التي تكمن وراءها أود أن استشهد هنا بالسطور التالية من مقال للدكتور حسام الخطيب، بعنوان "الأدب المقارن في عصر العولمة تساؤلات باتجاه المستقبل".
وهذه السطور تضرب من المسألة التي نحن بصددها في الصميم، وتساعدنا على أن نرى كيف كان رفاعة رغم التخلف الشديد الذي كان يشل حركة الحياة إلى
стр. 517
حد بعيد في مصر، وسائر بلاد العالم الإسلامي أوان إذًا بعيد النظر واسع الأفق، راسخ الثقة بماضيه الحضاري والثقافي، ولم يكن كأولئك المثقفين العرب المنبهرين بكل ما هو غربي، بل المتطوعين بالقيام بدور كاسحة الألغام التي تزيح من أمام الهجوم البربري الغربي والأمريكي منه بالذات؛ قوى المقاومة والتصدي لمخططاته الشيطانية في كل المجالات، وأولها مجال الفكر والثقافة والذوق.
يقول الدكتور الخطيب: عَلى أنّه ينبغي الاعتراف بأنّ الذي تغير اليوم هو الوعي العالمي العام، بأنّ النُّموذج الغربي متفوق حقًّا في مختلف مجالات الثقافة والعلم والإنتاج، وقوة المادية، والاتصال وغزو الفضاء، ولكن له مشكلاته ونقائصه وتناقضاته، ولا سيما بين المثل الأعلى المعلن، والمثل غير الأعلى للهيمنة والسيطرة والاستلاب. ولذلك ينبغي أن يكون الموقف منه حذرًا وانتقائيًّا، وغير مبني على الانبهار والتسليم الأعمى.
كما أنّ هُناك شيئًا آخر مهمًّا، قد تغير في مجال المقارنة مع المركزية الأوربية، وهو الاعتراف الضمني أو الصريح بعظمة حضارات العالم القديم في أفريقيا وآسيا، والتسليم بما قدمته هذه الحضارات ومنها الحضارة العربية الإسلامية، من إسهام مباشر أو غير مباشر في مسيرة الحضارة الإنسانية.
وهُنا أيضًا يقتضينا الإنصاف والإشارة إلى عددًا لا يستهان به من مثقفي الغرب، وعلمائه وأدبائه، أسهموا في دعم هذه الفكرة ونشرها، وإلى جانبها فكرة أصالة الإنتاج الفني والأدبي الراهن، في بلدان العالم القديم أو بلدان الجنوب، وضرورة وضعه في مواجهة لائحة التثقيف اليومي للأجيال من جهة، والاستعانة به من جهة أخرى؛ لترسيخ النزعة الإنسانية والفطرية لدى جمهرة المتلقين في العالم، ومثال ذلك: "رسالة منظمة اليونسكو" ولا سيما في مجال إحياء الثقافات
стр. 518
المستضعفة وإعادة بناء قائمة الروائع الأدبية العالمية، بحيث تشمل منجزات العالم القديم العالم الثالث. وكل هذه المتغيرات تصب في صالح المقارنة، لتجعل منها رافدًا فعالًا من روافد الصبوة العريقة، للاتجاه نحو بناء حضارة إنسانية منسجمة مع ذاتها، وغير قائمة على التناقضات والتمييز بين الأنا والآخر.
العوامل التي ساعدت على نشأة الأدب المقارن
وفي كتابه (الأدب المقارن دراسات تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي) يثير الدكتور محمد سعيد جمال الدين نقطة جديرة بالتأمل والبحث، إذ يرى أن نشؤ علم الأدب المقارن في القرن التاسع عشر، يعدُّ مفارقة تستوقف النظر قال: "والحق أننا نعجب لنشأه هذا العلم في أوربا، في وقت سادتها روح العصبية القومية، ونشبت الحروب بين دولها، وكانت التنازع والتكالب على اكتساب الغنائم الاستعمارية على أشده، بينها؛ مما عمق فكرة الأثرة القومية والعصبية المقيتة في نفوس الشعوب الأوربية، وأخذ كل واحد من هذه الشعوب ينظر للآخر نظرة العداء والازدراء.
ووجه العَجَب هُنا: أنّ طبيعة الأدب المقارن لا تتفق مطلقًا مع روح التعصب والأثرة القومية؛ فهو يقف في الوسط ليرصد التيارات الفكرية المتبادلة بين الآداب المختلفة، ويَرْقُب عوامل التأثير والتأثر فيما بينها، فكيف يتسنى لهذا العلم أن يقوم بمهمته هذه في ظل جو مشبع بعوامل الاستعلاء والتمييز القومي؟.
كيفَ يُمكن لهذا العلم أن يعنى بدراسة نقاط الالتقاء بين الآداب، والسمات المشتركة بينها، في وقت كان هم كل أمة من هذه الأمم الأوربية مُنحصرًا في بيان أوجه الاختلاف والتعارض بين أدبها؟ وفي أن أدبها هو الأكثر كمالًا وفضلًا.
стр. 519
لقد كان المزاج الأوربي الذي ساد القرن الثامن عشر والتاسع عشر، مشبعًا بأسباب التنافر والتباعد لا بمظاهر التآزر والتقارب، حقًّا لقد كانت هناك نقط التقاء، توحد بين الأدباء الأوربيين في ذلك الوقت، إذ كانوا جميعًا يرون في شعر اليونان واللاتين القدماء مثلهم الأعلى الذي يتعين عليهم أن يحتذوه؛ إلا أن روح القومية التي سادت في ذلك الوقت كانت تعصف بكل رغبة في التسليم بتبادل التأثير بين الآداب الأوربية بعضها وبعض.
لكن ظهرت في ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر حركة نادت بالأدب المقارن، حيث تتجمع الآداب المختلفة كلها في أدب عالمي واحد؛ يبدو وكأنه نهر يرفده كل أدب من الآداب القومية، بأسمى ما لديه من نتاج إبداعي، وقيم إنسانية وفنية.
وكان زعيم هذا الاتجاه الشاعر الألماني "جوته" المولود في سنة ألف وسبعمائة وتسع وأربعين، والمتوفى في سنة ألف وثمانمائة واثنتين وثلاثين، الذي عد نفسه نموذجًا تتجمع فيه صفة العالمية؛ فقد كان مطلعًا على الآداب الأوربية متمثلًا قيمها واتجاهاتها، ومَدّ بصره إلى خارج الحدود الأوربية الضيقة المضطربة، فوجد في الآداب الشرقية الإسلامية عالمًا رهبًا لا نهائيًّا من الطهر والطمأنينة؛ بدا له وكأنه قبس من نور النبوة، كما وجد منبعًا صافيًا من الإبداع والإلهام المتجدد، عَبّر عنه بوضوح في ديوان سماه "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي".
كتب في مقدمته: "هذه باقة من القصائد يرسلها الغرب إلى الشرق" ويتبين من هذا الديوان، أن الغرب قد ضاق بروحانيته الضعيفة الباردة فتطلع إلى الاقتباس من صدر الشرق.
стр. 520
ولقد استطاع "جوته" بثقافته العميقة الواسعة، ومكانته البارزة؛ وقدرته الفذة على الإبداع، أن يجعل فكرة التواصل بين الآداب الأوربية خاصة، والآداب كلها بعامة، تستقر في الأذهان، وتصبح من الأمور المسلمة التي لا تقبل الجدل على الرغم من طغيان العصبية القومية في أوربا. وهكذا بدت دعوة الأدب العالمي، وكأنها كانت بمثابة تمهيد طبعي لنشوء فكرة الأدب المقارن. انتهى الاقتباس من الدكتور محمد سعيد جمال الدين.
والواقع؛ أنه لا ينبغي أن يكون هناك عجب من الأمر، إذ من قال: إن الأدب المقارن قد نشأ وهدفه التقريب بين الشعوب والأمم على أساس من روح الأخوة، أن هناك فرقًا كبيرًا بين رغبة بعض العلماء والمفكرين في أن يؤدي الأدب المقارن إلى نشؤ هذه الروح، وبين استجابة النفوس البشرية التي تمارسه وتشتغل به، أو تهتم به لهذه الروح؛ ذلك أنه كان هناك دائمًا، وسيظلُّ هناك دائمًا فجوة بين المثال، والواقع كبرت هذه الفجوة أم صغرت! فهذه طبيعة الحياة البشرية.
وعلى أية حال؛ هُناك عوامل أخرى للأدب المقارن، كانت وما زالت وراء الاهتمام بهذا الفرع من فروع البحث، منها: إرضاء الفضول البشري الذي يريد أن يعرف من أين جاء هذا العنصر أو ذاك، إلى ذلك الأدب أو هذا وإلى أين يمكن أن يذهب بعد ذلك؟ ومنها أيضًا الرغبة الفطرية في المقارنة بين المتشابهات والمتخالفات في أي شيئين من جنس واحد، إن لم يكن من أجل شيء فمن أجل إرضاء النزعة العقلية المقارناتية التي لا تهدأ عند بعض الناس، إلا إذا اشتغلت ولا ترتاح إذا بقيت خاملة لا وظيفة لها.
ثُمّ هُم بعد هذا كله لا يمكنهم أن ينسوا قوميتهم، ولا حُبَّهم لبلادهم وشعوبهم، ولا إيثارهم لحضارتهم وعاداتهم، وتقاليدهم وأذواقهم وفنونهم وأدبهم،
стр. 521
وبخاصة إذا كانوا ينتمون إلى أمم قوية، تتطلع إلى جر الأمم الأخرى وراءها كأنها القاطرة وعرباتها، ولا تريد لأحد أن يخالف عن رأيها، ولا أن يكون لها ذوق يتميز عن ذوقها بله يمتاز عليه. أما الكلام والتشدق به فما أسهله؛ لكن الكلام وحده لا يجعل الأمنيات حقيقة واقعة محترمة من الجميع.
وإذا كانت الطبيعة البشرية لم يستعص عليها أن تتلاعب بالدين ذاته، وأن تحوله إلى أداة للتكسب والخداع والقتل والتدمير في كثير من الأحيان، أفنظن أن الأدب المقارن سوف يصمد أمامها، ويكون عندها أقدس وأجل وأكثر تبجيلًا.
وفي كلام "رينو ويلك" التالي ما يؤكد ما قلته، فقد ذكر أنه وإن كان ظهور الأدب المقارن، قد جاء رد فعل ضد القومية الضيقة التي ميزت الكثير من بحوث القرن التاسع عشر، احتجاجًا على الانعزالية لدى الكثير من مؤرخي الآداب الأوربية، فضلًا عن تصدر التبحر في هذا العلم من بعض العلماء الذين يقعون على مفترق الطرق بين الشعوب، أو على الحدود بين شعبين على الأقل؛ فإن هذه الرغبة الأصيلة في أن يعمل ذلك الأدب المقارن كوسيط بين الشعوب، ومُصلحٍ للذات بينها؛ غالبًا ما طمسته وشوهته المشاعر القومية الملتهبة التي سادت في ذلك الواقع.
وهذا الدافع الوطني في أساسه، الذي يكمن خلف العديد من دراسات الأدب المقارن؛ في فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا وغيرها؛ أدى إلى نظام غريب من مسك الدفاتر الثقافية، والرغبة في تنمية مدخرات أمة الباحث، عن طريق إثبات أكبر عدد ممكن من التأثيرات التي أصدرتها أمته في الشعوب الأخرى، أو عن طريق إثبات أن أمة الكاتب قد حضرت أعمال أحد العظماء الغرباء، وفهمته أكثر من أي أمة أخرى.
стр. 522
ثم مضى "وليك" فأعطانا أمثلة على هذا التعصب القومي من واقع الدراسات الأدبية المقارنة في فرنسا وأمريكا.
خلاصة القول: إنّ الشِّعَارات واللافتات المرفوعة، أو حتى العوامل والبواعث التي تكمن وراء نشوء عمل ما شيء، والواقع الذي ينتهي إليه هذا العمل أو يساق نحوه سوقًا شيء آخر.
باختصار: الطبيعة البشرية هي هي الطبيعة البشرية، ولا أحسبها ستتغير في المستقبل؛ حتى لو دخلت تطورات جذرية على التكوين البيولوجي للإنسان، كما يلمح بعض العلماء الآن، اعتمادًا على ما يظنونه أو يرجونه من إمكانات التناسخ البشري، وهل تغير الأوربيون فصاروا أكثر تواضعًا ورحمة ورحابة أفق حضاري وثقافي، وهم الذين بلوروا الأدب المقارن، ومارسوه حتى الآن على مدار عشرات السنين، ورفعوا لواء العالمية والكوكبية، وما أدراك من هذا الكلام الكبير، الذين حين نأتي إلى الواقع فإننا لا نرى منه شيئًا.
إنهم لا يريدون أن يروا إلا ثقافتهم وأذواقهم، ونظمهم وبخاصة من أمريكا التي لا تعرف في فرض رؤيتها على الآخرين إلا الدمار والقتل، والسلاح النووي.
فليقل الغربيون أو غيرهم ما شاءوا فليس على الكلام من حرج؛ لكن المهم هو التنفيذ على أرض الواقع والحقيقة، والأدب المقارن ما هو إلا علم من العلوم، يمكن أن يستغل استغلالًا حسنًا؛ ويمكن أيضًا أن يستغل استغلالًا سيئًا، والعِبْرَة بالنية والإرادة عند ممارسيه، مع ملاحظة أننا مهما بذلنا من جهد في سبيل من التخلص من الأنانية القومية؛ فلن ننجح تمام النجاح، مثلما لا ننجح إذا ذهبنا نحاول التخلص تمامًا من أنانيتنا الفردية الشخصية.
стр. 523
وحسبنا أن نخفف من غلوائها، ونكفكف من شططها؛ فلا يجيء التعصب ظالمًا لا يُحتمل، وهذا هو محمد أركود نفسه، على رغم كل تحمسه لما عند الغربيين؛ يقرر أن تَدريس الأدب المقارن في الجامعات الأوربية لا يتعرض لدراسة الأدب العربي الإيراني وغيرهما، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالفلسفة التي ازدهرت في السياق الإسلامي بين القرنين: الثامن، والثاني عشر الميلادي؛ فإن أحدًا لا يهتم بها في الغرب.
والعلوم الاجتماعية المختصة دراسة الأديان، لا تزال مستمرة في تجاهلها للإسلام، أو تخصص له مكانة ضئيلة وهامشية، وهو ما يرينا على نحو أو آخر أن الظن أن طبيعة الأدب المقارن من شأنها القضاء التلقائي على التعصب القومي أو الديني، هو ظن لا يقوم على أساس، بالتأكيد سوف يساعدنا الأدب المقارن على مزيد من فهم بعضنا بعضًا، لكنه لن ينجح من قلع ما غرس في أغوار أنفسنا العميق منذ أول الخلق.
إنّ الغَرْبِيينَ بوجه عام بحسب الرطانة الجديدة، لا يريدون مثاقفة بينهم وبين الآخرين، بل يريدون في أقل القليل غزوهم ثقافيًّا ولعل من الخير الاستعانة بالفقرة التالية، وهي من مقالة على "المشباك" للدكتور مسعود عشوش بعنوان "المثاقفة أبرز آليات حوار الحضارات" في موقعه "لمنته" لتوضيح ما أقصد قوله، قال: "في الأصل المثاقفة هي عملية التغيير أو التطور الثقافي، الذي يطرأ حين تدخل جماعات من الناس أو شعوب بأكملها، تنتمي إلى ثقافتين مختلفتين، في اتصال وتفاعل يترتب عليهما، حدوث تغيرات في الأنماط الثقافية الأصلية السائدة في الجماعات كلها أو بعضها.
والمثاقفة بعكس الغزو الثقافي الذي يتضمن في طياته الرغبة في محو الآخر، وإلحاقه وفرض التبعية عليه، ومعاملته بنظرة فوقية عدوانية متغطرسة، تقوم على الندية
стр. 524
والاحترام والتسامح والاعتراف بخصوصية الآخر واختلافه، وفي إطارها تتفاعل الجماعات والشعوب وتتواصل بهدف الانتماء المتبادل؛ لهذا فهي تفترض الثقة والرغبة في التواصل، والتقدم والتطور، واكتساب العلم والمعرفة.
وإذا كانت الشعوب تسعى سعيًا تجاه المثاقفة، فهي ترفض أشكال غير الثقافي كافة، وقد عبر "المهاتما غاندي" عن ذلك قائلًا: إنني أفتح نوافذي للشمس والريح، ولكني أتحدى أية ريح أن تقتلعني من جذوري، لهذا فالمثاقفة بهذا المعنى؛ تُعَدّ رافدًا مهمًّا، تسعى كل أمة من خلاله إلى معرفة الآخر، واستثمار ما لديه من قيم ومعطيات إنسانية وحضارية، وإلى تنمية كيانها الثقافي بشكل خلاق، وغير مضر بمقومات الهوية القومية وثوابتها.
ولعل ما كتبه شاه سعيد عن دور الأدب المقارن في حوار الحضارات، أن يكون أقرب إلى واقع الأمر، سواء فيما يتعلق بالطبيعة البشرية، أو بقدرات ذلك الفرع من فروع المعرفة يقول: "كلما اتجهت الأنظار نحو عالمية الأدب، والثقافة الإنسانية؛ أو ما يُسمى بحوار الحضارات، والتفاعل بين الهويات الحضارية المختلفة، برزت أهمية الأدب المقارن باعتباره جسرًا من جسور ذلك التفاعل".
من هذا المنطلق يحاول هذا الباحث إلقاء الضوء على الدور الذي يمكن أن يضطلع به الأدب المقارن، خصوصًا في عصرنا الراهن الذي بدأت فيه المعرفة الإنسانية تدخل مرحلة من الاندماج العالمي الأعمق، بفضل الشبكات الكبيرة للاتصالات والإعلام والعلاقات الاقتصادية، والتفاعلات الحضارية والاجتماعية بين الشعوب والثقافات، والتي تندرج في بعض الجوانب ضمن ظاهرة العولمة وأثرها على المستويات المختلفة.
ولكن قبل التطرق إلى هذه القضية نحاول أن نقف بشكل سريع عند جوهر الرسالة الإنسانية التي وجد الأدب المقارن في الأصل من أجل أدائها، والذي أدى
стр. 525
إلى بروز تساؤلات حول الوجه العالمي للإبداعات الأدبية المنصبة في خدمة الإنسانية جمعاء، وتوثيق أواصر الحوار المشترك بين شعوبها وثقافاتها انتهى الاقتباس.
الأمر إذًا لا يخرج عن دائرة الاحتمال والإمكان، وهو ما يعني أن الأدب المقارن قد ينجح في الوصول إلى الغاية المبتغاة منه، وقد يفشل كما قلنا سابقًا.
ومن هنا نجد الكاتب في بداية مقاله يعود لطرح القضية من خلال السؤال التالي: ما هدف الدراسة في الأدب المقارن؟ ثم يتابع قائلًا: للإجابة عن هذا السؤال نقترح جملة من المهام التي اضطلع بها الأدب المقارن في العصر الراهن، وذلك في مجالات عدة هي الإشارة لأهمها على النحو الآتي:
١ - الحِوار: يُمكنُ للأدب المقارن أن يمثل جسر الحوار بين الثقافات المختلفة، من خلال إيجاد مواطن التأثير والتأثر بين نصوص الإبداعية في تلك الثقافات، وتشخيص نقاط الاختلاف والائتلاف بين الأنظمة الثقافية المختلفة.
٢ - التركيز على البعد الإنساني للأدب، وذلك من خلال إبراز التقارب بين الغايات القصوى، التي ترمي إليها الآداب القومية المختلفة، والتي قد تتباين من حيث وسائل التعبير واللغة، ولكنها تتآلف من حيث الغاية.
٣ - الترجمة: إذ يرى العديد من الباحثين أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين مستقبل الأدب المقارن، وازدهار الترجمة في العديد من بقاع العالم؛ فدراسات الترجمة تنبع من الدراسات اللغوية والأدبية والتاريخية والأنثربولوجية، والنفسية والاجتماعية والعرقية وغيرها.
ودراسات الترجمة تقوم على افتراض أساسي، وهو: أن الترجمة ليست نشاطًا هامشيًّا، ولكنها كانت ولا تزال قوة تغيير قادرة على تشكيل تاريخ الثقافة؛ لقد
стр. 526
اعتبر الأدب المقارن الترجمة فرعًا صغيرًا من فروعه، ولكن هذا الافتراض يثير الآن تساؤلات كثيرة، لأن ما قام به بعض العلماء يوضح أن الترجمة تكون على درجة كبيرة من الأهمية في أوقات التحولات الثقافية العظيمة.
كما أن الترجمة تعد عملية بحث دائم عن الجوانب اللغوية والدلالية بين لغتين أو أكثر لتحديد الارتباطات اللغوية بين النتاجات المختلفة، التي قد تبدو متباينة من حيث المنطق وقواعد اللغة، لكنها تشترك في تجسيد الحالات النفسية والاجتماعية التي تنبع من أحاسيس ومشاعر إنسانية مشتركة.
٤ - التكافؤ الثقافي: ويتحقق من خلال ردم الهوة بين الثقافات المتباينة، ورفع الغبن التاريخي الذي لحق ببعض الثقافات؛ لأن التاريخ لم يشهد تساويًا وتكافؤ كاملًا في مستوى تطور الحضارات، بل جعل ثقافات بعض الشعوب ثقافات مهيمنة ومسيطرة، فيما جعل بعض الثقافات ثقافات مقلدة أو مهمشة؛ عليه فإن مهمة الأدب المقارن هي خلق حالة من التوازن والتكافؤ بين الآداب والثقافات المختلفة.
وليس بيننا وبين الكاتب بشأن هذا الكلام اختلاف يذكر، ما دام الأمر -كما يرى القارئ- لا يخرج عن دائرة الممكن والمحتمل، وهو ما قلناه مبكرًا؛ وهذه النقطة من الأهمية بمكان، كي لا نُعَلّق على الأدب المقارن كثير من الآمال الجامحة، التي ينتهي الإخفاق في تحقيقها إلى الإحباط واليأس، ناهيك عن الجهود الكثيرة التي تكون قد ضاعت.
ومن ثم؛ فالحصافة تقتضي أن نكون واقعيين، فلا نحلق في سموات الخيال والأوهام، ولقد ظَلّ الغربُ يَدرُسنا ويدرس حضارتنا مئات السنين، وأصبح يعرف عنا كل شيء وبطريقة منهجية؛ فهل ساعد ذلك على أن تكون علاقته بنا
стр. 527
طيبة، واحترامه لخصوصيتنا كبيرة، بالعكس فقد ظل أيضًا طوال تلك الفترة يمارس علينا مؤامراته الخبيثة، ويعمل بكل السبل على تحقير ثقافتنا، ويدعي علينا وعلى كل ما يتصل بنا الادعاءات، ويحاول بجميع قواه إفقادنا ثقتنا بأنفسنا وبماضينا وحاضرنا كله.
ولو كانت معرفتنا الآخر معينة بالضرورة على التفاهم السليم واحترام تراثه وخصوصيته، لكان حظّنا مع الغرب أفضل من ذلك كثيرًا، أما ونحن نحترق منذ قرون بناره، وكيده اللئيم، وعدوانه الوحشي الذي لا يعرف هوادة ولا خجلًا؛ فلنعرف جيدًا أن الأدب المقارن ليس من شأنه أن يصلح الأحوال ضربة لازب، بل يعتمد الأمر على النية والإرادة، كما سبق أن وضحت.
ولقد كانت نية الغرب من وراء هذه المعرفة سيئة منذ البداية، إذ دخل هذا الميدان وهدفه البغي والعدوان، وإن لم يمنع هذا من وجود شرفاء فيه ذوي ضمائر حية وإنسانية راقية، بيد أننا حين نتكلم هنا عن الغرب؛ فالمقصود هو الاتجاه العام بين شعوبه وأفراده، وبخاصة بين الساسة والمثقفين، الذي يعانون أولئك الساسة ويجعلون علمهم في خدمة مخططاتهم، وكذلك الجماهير التي تأتي بهم إلى سدة الحكم، وتصوت لهم وتضع يدها في أيديهم لبلوغ تلك الغايات الأثيمة.
ولكي يكون القارئ على بينة مما نقول: فإننا ننقل هنا الفقرة التالية من مقال الدكتور سامية عبد العزيز، أستاذة الحضارة الفرنسية بآداب المنوفية سابقًا، وهو موجود على المشباك "أي: الإنترنت" وعنوانه "الديني والسياسي في التعامل الغربي مع القرآن رؤية شاملة" وهذه الفقرة المذكورة: يقول الكاتب "جون بود يار" في كتابه المعنون (قوى الجحيم) الصادر في أواخر أكتوبر سنة ألفين واثنتين:
стр. 528
"إن ما يدور حاليًا هو أكثر من عنف، إنه احتدام العنف، إنه عنف يتزايد كالعدوى في سلسلة من ردود الأفعال التي تهزم كل الحصانات، وكل إمكانات المقاومة؛ لأن الإسلام هو النقيض الحيوي للقيم الغربية، ولذلك فهو يمثل العدو رقم واحد، وفيما يتعلق بالتعصب الديني المسيحي؛ فإن كل الإشكال المخالفة له تعد هرطقة، وبذلك فيتعين عليها أما أن تدخل النظام العالمي الجديد طواعية أو قهرًا، أو عليها أن تختفي.
إن مهمة الغرب الآن هي أن يتم إخضاع الثقافات المختلفة بشتى الوسائل إلى القانون الوحشي المسمى التساوي؛ فالهدف هو التقليل من المناطق المنشقة، واستبعاد كل المساحات المعترضة، سواء أكانت مساحات جغرافية، أم مساحات في مجال العقائدي.
ويؤكد "سرج لاتوش" في كتابه (حول تغريب العالم) قائلًا: "إن سيطرة الغرب لم تتمثل فقط في فرض الاستعمار، وإنما في التبشير والسيطرة على السوق، والاستيلاء على المواد الخام، والبحث عن أراض جديدة، والحصول على أيادٍ عاملة رخيصة، واقتلاع الهوية التراثية الدينية، والقيام بالغرس الثقافي الخاص بالغزاة؛ مستعينين بشتى وسائل الإعلام وغيره.
إنّ عملية تغريب العالم هي أولًا وأخيرًا هي عبارة عن حرب صليبية، والحروب الصليبية هي أكثر العمليات جنونًا فيما قام به البشر، إن عملية تغريب العالم كانت ولا تزال عملية تنصير، ومعظم عمليات التنمية في العالم الثالث تتم مباشرة أو بصورة غير مباشرة تحت علامة الصليب.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 529
الدرس: ٢٠ بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية .
стр. 530
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية)
بداية معرفة العرب بالشعر الإنجليزي بتأثر السياب بـ"شِلي "
بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية.
كتب عدنان مكارم إن بداية معرفة العرب بالشعر الإنجليزي "بيرسي بيتس شيلي" تعود لعام ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين، حين تقدم أحمد الصاوي للمطبعة بترجمة كتاب ملخص عن "شيلي" كتبه "أندريه موروا" وأنه قبل هذه الترجمة كانت تكتب عن "شيلي" بعض المقالات القصيرة التي لا تتجاوز الترجمة لحياته شاعرًا، إلا أن المعرفة الحقيقية لأعمال "شيلي" حصلت عندما ترجم لويس عوض مسرحية ("شيلي" برمثيوس طليقًا) في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين.
ويشير مكارم إلى المقدمة الطويلة التي صدر بها المترجم كتابه، والتي تحدث فيها عن فكر "شيلي" وأدبه التقدميين.
أما بالنسبة للسياب فقد أتى عدنان مكارم على ذكر رسالة بَعث بها السياب إلى أحد أصدقائه بتاريخ الحادي عشر من شهر يوليو، سنة ألف وتسعمائة وأربع وأربعين، كتب فيها: أنه أثناء قراءته بعض القصائد للشاعر "شيلي" في لغتها الأصلية، وصله كتاب الصاوي -السالف الذكر- مضيفًا أنه لا بد أن يكون السياب قد اطلع على بعض القصائد الرومانسية الأولى لهذا الشاعر، كما يتوقع أن تكون لقصيدة "شيلي" (الملكة ماب) الدور الكبير في ترسيخ نظرة السياب حول البِغاء، وهو ما أدى إلى أن نظم قصيدته المشهورة "المومس العمياء".
ثم مضى فأورد بعض الأبيات من تلك القصيدة مترجمةً إلى العربية؛ كي يتبين مدى تأثير "شيلي" عليها. يقول "شيلي" في الجزء الخامس من (الملكة ماب):
التجارة رسمت وسم الأنانية.
следующие страницы →