← Адаб

Адаб · id 1018

اتجاهات الشعر العربي المعاصر

إحسان عباس

Полный текст (288 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مدى التفاوت الذي تم؟ حتى في هذا النطاق المحدود - بين زمن رومنطقي خالص (وأحيانا متافيزيقي) كما هو الحال عند نازك والسياب، وبين زمن قائم على الصيرورة المستمرة، يفعل فيه الإنسان ويتفاعل به، ويقف محمود درويش في مرحلة بينهما، وأن كان؟ مع الزمن - قد أخذ يقترب من الثاني.

стр. 107

٥ - الموقف من المدينة سوف أناديك من المدائن المسبية - الممنوعة - الفاقدة الذاكرة - المنسية - المقطوعة الأثداء. (البياتي: كتاب البحر: ١٣٩) حين استنكر الفرد دي فيني " القطار "، لأنه رمز العجلة، والعجلة من الشيطان، كان في الواقع يعلن عن شيئين معا: عن تذمره من اختلال العلاقة بين الإنسان والزمن، إذ أن هذه السمة المميزة للإنسان، (كيف لو عرف الطائرات والمركبات الفضائية!!) وعن هذا التطور الحضاري السريع الذي ينقل المرء؟ دون أن يعي - إلى عالم جديد يحس فيه بالاغتراب، وفي كلتا الحالتين كان يعبر عن " صدمة حضارية " أحسها تجاه التطور الآلي الجديد. ترى هل تمثل المدنية لدى الشاعر العربي الحديث مثل هذه " الصدمة الحضارية " التي أحسها دي فيني إزاء القطار؟! إن كثيرا من الباحثين يميلون إلى الاعتقاد بأن المدينة في العالم العربي ليست سوى " قرية " كبيرة، وأن الشاعر حين يحس بتضايقه من المدنية ويتحدث عن الغربة والقلق والضياع؟ مجرد محاكاة - شعراء الغرب حين والقلق والضياع إنما يحاكى؟ مجرد محاكاة - شعراء الغرب حين يضيقون ذرعا بتعقيدات الحضارة الحديثة، وبالمدينة الكبيرة ممثلة لها.

стр. 108

أما أن الشاعر الغربي يعبر عن تضايقه من الحضارة الحديثة؟ لأسباب عديدة - ومن المدينة رمز تلك الحضارة، فأمر لا يحتاج توضيحا أو مناقشة، وأما أن الشاعر العربي الحديث، مقلد له في هذا المجال، فأمر محوط بالشك الكثير، ذلك لأن المسألة لا تعدو ان تكون نسبية، ففي البلاد العربية مدن؟ مهما يكن حظها من الضخامة - تختلف فيها طرز الحياة اختلافا غير قليل عما هي الحال في الريف، وقد كان من المصادفة المحض أن يكون عدد من الشعراء المعاصرين ريفيي النشأة ثم هاجروا إلى المدن، فالصدام بينهم وبين المدنية لا يعني مقتا للحضارة ووسائلها، وإنما هو تعبير عن " عدم الألفة " بينهم وبين البيئة الجديدة، لأسباب مختلفة. فمن المعروف أن أول ما يحس به الريفي تجاه المدينة هو النفور من الضجيج الكبير والازدحام والتدافع، واضطراره إلى تغيير طريقته في المشي المتباطئ واستحداث سرعة لم يألفها من قبل في الحركة عامة، والإحساس بالحيرة والخوف إزاء أدوات المواصلات وتعقيدها، واللامبالاة في سرعتها دون تقدير لشعور المشاة، يرافق كل هذا انبهار مشوب بالرهبة من الأضواء والمباني والمنشآت الكبيرة، فإذا أتيح له أن يمكث في المدينة؟ مكوثا مؤقتا طويلا - وأن يفيد من الخدمات الكثيرة فيها من تعليم واستشفاء ووفرة في مواد الاستهلاك، ومعارض ومتاحف ودور سينما، لم تكد هذه المزايا تنسيه أنه أيضا يجد فيها أن كل شيء محسوب بزمن، وأن الساعة تتحكم في كل العلاقات والتصرفات، وأن هناك عادات ومواصفات لا يستطيع أن يطمئن إليها بسهولة. ويبدأ يحس بالفارق الضخم بين المجتمع الفقير والمجتمع الغني في المدينة نفسها، ولعل أشد ما يصدمه أن كل شيء يباع، فتأخذه الحسرة على ما فقده من " فضائل " الريف

стр. 109

وأخلاقياته وعاداته، وينسى أن المدينة منحته حرية فردية كبيرة وخلصته من أسر العادات الرتيبة وقبضتها الوثيقة، ذلك لأنها؟ مقابل هذه الحرية - قد حفزت أعصابه إلى حد " العصاب " بضجيجها وعجيجها، ووضعته في خوف مستمر من الجريمة، وفي معاناة ضميرية إزاء فئات المومسات والقوادين والمنحرفين والسكارى ومدمني المكيفات والضائعين من الأطفال والمتسولين والنشالين والطفيليين، وفي سخط دائم على تعقيدات البيروقراطية، والرشوة والوساطة و " الأتكيت " الاجتماعي المشوب بكثير من النفاق، وفي قمة ذلك كله يتولد لديه شعور بالاغتراب والعزلة وإحساس بفقدان الحرارة في العلاقات الاجتماعية جملة. وقد ذهب كثير من علماء الاجتماع إلى أن كثيرا من الإحباطات التي يحس بها ساكن المدينة إنها هي نتيجة صراع أساسي بين القيم: بين الذات والمجموع، بين الحرية والسلطة، بين التنافس الحاد والمحبة الأخوية؟.الخ، وأن الفرد يحس أن قيما عزيزة على نفسه قد تحولت عن طبيعتها، وفي النفور من هذا الوضع يحاول المرء أن يجد لنفسه مهربا أو مسربا، وإذا كان ساكن المدينة يحس بذلك كله فإن المهاجر اليها من الريف لا يملك إلا أن يكون أحساسه به حادا طاغيا. ولا أود أن استرسل في هذا المنحى، إذ لست أقصد إلى دراسة المدينة من الزاوية الاجتماعية، وإنما الذي يهمني هنا كيف تنعكس صورة المدينة لدى الشاعر الحديث، على أساس من فهم اجتماعي دقيق، وتكاد أن تكون الصدمة الأولى التي يعكسها هذا الشاعر أن تكون متصلة بفقدان " النقاء " المعنوي في المدينة، يوازيها حنين عميق إلى صفاء الريف وبعده عن الرذائل، وفي مقدمتها جسد المرأة، ولهذا

стр. 110

كانت صورة بغداد عند السياب إنها " مبغى كبير "، ولا غرابة في هذا الشعور لدى شاعر كانت من أول التجارب الشعرية لديه قصيدة " المومس العمياء " وقصيدة " حفار القبور "، ثم ازداد هذا الشعور حدة؟ على الأيام - بسبب الخيبة في العمل المناسب وفي قضايا الحب والانتماء الأيديولوجي وغير ذلك من محبطات. أن تصور الشاعر الحديث للمدينة في صورة امرأة؟ ثم في صورة امرأة متعهرة - يكاد يكون قسطا مشتركا بين عدد كبير من الشعراء، وهي صورة ليست جديدة بل هي متوفرة في الأدب القديم والوسيط، ويستوي عند الشاعر الحديث أن تكون المدينة قائمة تنتسب إلى العصر الحديث، أو ممثلة لحضارة قديمة. والشاعر الحديث يحدد المدينة التي يتحدث عنها باسمها؟ غالبا - فهي بغداد أو بيروت أو دمشق أو القاهرة، ولا يتحدث عن " المدينة " بإطلاق، إلا نادرا. وفي هذا ما يؤكد أن الصدمة الناجمة عن لقائه بها ليست ثورة الحضارة أو كرها لها، بل هي صدمة علاقة بين ذاتين. فدمشق أدونيس امرأة، إلا أنها كثيرا من صفات المجتمع العربي عامة، تلك الصفات التي يحاول أدونيس أن يحطمها (وبذلك تختلف غايته من حديثه عن المدينة عن غايات الشعراء الآخرين) : يا امرأة الرفض بلا يقين يا امرأة القبول يا امرأة الضوضاء والذهول يا امرأة مليئة العروق بالغابات والوحول أيتها العارية الضائعة الفخذين يا دمشق

стр. 111

ونيسابور الخيام (او البياتي) امرأة متعهرة متبذلة، كل الغزاة بصقوا في وجهها المجدور وضاجعوها وهي في المخاض. وكذلك هي بابل، إلا أنها مومس عاقر (والبياتي يمعن في إيراد الصور الجنسية كلما تحدث عن المدينة) : العاقر الهلوك من ألف ألف وهي في اسمالها تضاجع الملوك ؟؟. تفتح للغزاة ساقيها وللطغاة تحمل حملا كاذبا في كل فجر، وتموت كلما القمر غاب وراء غابة النخيل في السحر. وتتكرر هذه الصور أيضا عند حميد سعيد، ففي قصيدته " توقعات حول المدن المهزومة " (١) تبدو القدس سبية: ملك يهودي يقضي ليلة معها وقد لقحت فأولدها دما مرا ومات صبيها العربي مقتولا. أما يافا فإنها: ؟. امرأة من أهلي، خضبها الأعداء وباعوها قطعوا نهديها سلخوا جلدي حين رفضت قبول النهدين قلائد للأخت المذبوحة هيروشيما (٢)

стр. 112

ومن السهل أن نجد العلة في استعمال هذه الصور، فالمدينة في اللغة " مؤنثة "، وفي معظم الأحيان كانت حركة التاريخ ضد المدن فتحا واجتياحا واغتصابا لها ولنسائها ولمواردها وهي ما تزال كذلك إلى اليوم، ثم أن الشاعر الحديث يألف الصور الجنسية، في زمن يشيع فيه الاغتصاب في المدن الكبرى، كما تشيع الدعوة إلى الانطلاق التام من القيود المتصلة بالجنس، ولذلك يجد هذه الصورة قريبة المنال والأداء، مع أنه ليس من الضروري دائما (إلا حيث يفرض الجو الفني ذلك) ملاحظة المدينة من هذا المنظور، ذلك أن تكرر الصورة؟ على هذا النحو يجعلها مبتذلة، مع الزمن. أن النفور من المدينة والحنين إلى الريف؟ ممتزجا مع الحنين إلى الأم وإلى الطفولة؟ نزعة رومنطقية أصيلة، وقد وجدت لها تعبيرات مختلفة في الأدب العربي في هذا القرن، كما وجدت لها بدائل أخرى في الحنين إلى الماضي الذهبي أو في العودة إلى الطبيعة؟ الغاب - (عند المهجرين) أو التشوف إلى يوتوبيا (كما رأينا عند نازك) ، أو في خلق مدن مسحورة تغني الشاعر عن مدينة الواقع المليئة بالآلام والعذاب، تلك هي المدينة المسحورة التي يصورها البياتي في قوله: مدينة مسحورة قامت على نهر من الفضة والليمون لا يولد الإنسان في أبوابها الألف ولا يموت يحيطها سور من الذهب تحرسها من الرياح غابة الزيتون، هذه المدينة المسحورة هي التي كان يبحث عنها أبطال الأساطير في الأدب العربي (مدينة النحاس؟ الخ) ومن

стр. 113

نماذجها المشهورة، " أرم ذات العماد " التي جعلها نسيب عريضه؟ أحد شعراء المهجر الشمالي - هدف الوصول الصوفي، ووجدها سميح القاسم في الواقع الحياة الاشتراكية، وضيعها السياب (أو جده) فضاع بذلك حلمه الكبير: لم ادر إلا أنني أمالني السحر إلى جدار قلعة بيضاء من حجر كأنما الأقمار منذ ألف ألف عام كانت له الطلاء ؟.. ارم في خاطري من ذكرها ألم حلم صباي ضاع؟. آه ضاع حين تم وعمري انقضى؟. وحين نلمح هذا الاتجاه في خلق مدن مغيبة، لا نحس بتضايق الشاعر من المدينة الواقعية وحسب، وإنما نجد اصطدامه بمشكلة الزمن (تلك التي تحدثت عنها في الفصل السابق) مسيطرا أيضا عليه، فمن بعض الوجهات يتحد الموقفان أعني الثورة على المدينة والثورة على الزمن بحيث يتعذر فصلهما. ومن الطبيعي أن تتشابه تجارب الشعراء الريفيين المهاجرين إلى المدن العربية في طبيعة الصدمة؟ إن حدثت -، فهي دائما تعبير عن الاغتراب النفسي والاجتماعي الذي أصابهم، ولكنها تتفاوت في العمق والمدى، فهي عميقة مزمنة؟ مثلا - عند السياب، وهي عميقة لمنها مرحلية عند أحمد عبد المعطي حجازي، وهي متقلبة؟ خاضعة لتغير الظروف عند البياتي، وهي مبهمة إلا أنها واقعية الأسباب عند بلند الحيدري، غير أن أكثر الشعراء يتحدث عن

стр. 114

" مدينتي "؟ هكذا بياء الإضافة - إذا عز أن يحددها بالتسمية، وفي هذه الصيغة يتجاوز النفور والحب تجاوزا لا انفكاك له. ويمثل بلند قمة النفور من كل ما يسمى مدينة، حتى لينفر من قريته نفسها، ويرفض العودة إليها، حين تحولت إلى مدينة: لا لن أعود لمن أعود وقريتي أمست مدينة؟! أما أسباب نفوره من المدينة فلأنه يخشى ضياع خطواته في شوارعها الكبيرة، وانسحاقه في الأزقات الضريرة، وخوفه من وحشة الليل، ورعبه من عدم وجود صديق، أي الاغتراب والعزلة والخوف من الاستسلام للوحدة) . وأما السياب فإنه لم يستطع أن ينسجم مع بغداد لأنها عجزت أن تمحو صورة جيكور أو تطمسها في نفسه (لأسباب متعددة) فالصراع بين جيكور وبغداد، جعل الصدمة مزمنة، حتى حين رجع السياب إلى جيكور ووجدها قد تغيرت لم يستطع أن يحب بغداد أو أن يأنس إلى بيئتها، وظل يحلم أن جيكور لا بد أن تبعث من خلال ذاته، (وقد بعثت رغم أندثارها لأنه خلدها في شعره، ومنحها وجودا لا يبيد) ، وحين تحدث السياب عن جيكور التي شاخت، كان يرثي الماضي كله ويرثي نفسه وهو يستشرف الموت: آه جيكور، جيكور؟ ما للضحى كالأصيل يسحب النور مثل الجناح الكليل ما لأكواخك المقفرات الكئيبه يحبس الظل فيها نحيبه أين أين الصبايا يوسوسن بين النخيل

стр. 115

عن هوى كالتماع النجوم الغريبه ؟. أين جيكور؟ جيكور ديوان شعري موعد بين الواح نعشي وقبري. أما المدينة؟ أما بغداد - فهي الخصم الأبدي لجيكور، وحديث السياب عن " دروب " - لدى معظم الشعراء من بعد - تحدد معنى الضياع، شأنها في ذلك شأن " الأزقة " أو " الزقاقات "، بحيث يكاد الحديث عن " الشارع " أو " الشوارع " يعني انفساح المدى لا اختناق النفس في المنعطفات الضيقة: وتلتفت حولي دروب المدينة حبالا من الطين يمضغن قلبي ويعطين، عن جمرة فيه، طينه حبالا من النار يجلدن عري الحقول الحزينه ويحرقن جيكور في قاع روحي ويزرعن فيها رماد الضغينه وبين جيكور والمدينة علاقة غريبة، وأن تكن هامشية: فلون " النضار " الرب المعبود في بغداد يحمل التماعه السمك في جيكور، ولكن بغداد التي تضم " السجون والمقاهي والبارات والملاهي ومستشفيات المجانين ودور البغاء " إنما تستغل شرايين تموز في تغذية كل هذه المؤسسات، واللات؟ أم تموز - هي الأم العراقية التي ثكلت ابنها، فهي ترسل اللعنات على وسائل الحضارة التي سببت موته:

стр. 116

وترسل النواح: يا سنابل القمر دم أبني الزجاج في عروقه انفجر فكهرباء دارنا أصابت الحجر وصكه الجدار، خضه، رماه لمحة البصر أراد أن ينير، أن يبدد الظلام فاندحر. وحين تتحد بغداد والسيطرة اليسارية، تستيقظ عاموره: وتعصر الدروب كالخيوط كلها في قبضة مارده تمطها، تشلها تحيلها دربا إلى الهجير ويتحول الناس إلى تماثيل من طين، أو إلى صور مقطعة الأوصال كأنها أحلام المجانين، وتشكل بغداد ولكن في صور متشابهة، فهي حينا مأوى سربروس (الكلب المتعدد الرءوس) وهي حينا بابل التي تشكو الجفاف ولا تنجع فيها القرابين والصلوات، وهي حينا آخر بابل القديمة ذات الجنات المعلقة إلا أن زرعها رءوس: أهذه مدينتي؟ جريحة القباب فيها يهوذا أحمر الثياب يسلط الكلاب على مهود أخوتي الصغار والبيوت تأكل من لحومهم، وفي القرى تموت عشتار، عطشى، ليس في جبينها زهر؟. بإيجاز: حتى النهاية لم تستطع السياب أن تقيم جسرا من التفاهم؟ أو المودة - بينه وبين المدينة التي قضى فيها أكثر عمره، ترى لو امتد العمر العمر بالسياب ليتمثل؟ حقا - معنى تغير جيكور واندثارها إزاء هذه الصورة القائمة لبغداد والعجز عن التعايش معها، كيف كان يكون الحل؟ أهو الانتحار؟ أو هو الهجرة؟ أو هو اللجوء للتسويغ؟ من المؤسف

стр. 117

أن يقال أن موت السياب؟ أبي الشعر الحديث من كل وجه وفي كل مجال - كان منقذا من الإجابة على هذا السؤال، أن لم يكن هو نفسه ذلك الجواب. وقد أصيب حجازي بالمرض الذي عانى منه السياب إزاء المدينة، ولكن تجربته لم تكن مزمنة، كانت مرحلية وكانت أشمل من تجربة السياب في تفصيلاتها لأنها لم تكن مقتا متأصلا وإنما كانت استكشافا متدرجا، أما على المستوى الفني فقد كانت ممهورة بشيء غير قليل من الفجاجة، ذلك أن لبوسها ثوب البدائية في التعبير قد يكون عذرا عن شاعر ناشىء، ولكنه لا يصلح أن يكون كذلك - في النظرة الكلية - وقد كان حجازي حين أنشأها - شاعرا ناشئا دون ريب. (إن السؤال: هل استطاع حجازي أن يتجاوز ذلك المستوى؟ أمر خارج عن حدود هذا الفصل) . ولكن مما يميز هذه التجربة؟ حقا - أنها لا تستحي من سذاجة الريفي وبراءته، فهي قد تبدأ؟ أو تنتهي - بالإنسان الغريب الذي يسأل: أين يتجه: يا عم من أين الطريق أين طريق السيدة؟ وهي تمضي لتصور الخوف من الزحام، والخشية من وسائل المواصلات الحديثة: لكنني أخشى الترام كل غريب ها هنا يخشى الترام والخوف من الغربة التي تلتهم كل قادم " غريب في بلاد تأكل الغرباء " وتخشى نهاية الطريق لأن النهاية فيه غامضة، وهي تجربة تعيش ليل المدينة " سرعة حمقاء

стр. 118

شراب، موسيقى " ونهارها وشوارعها " قيعان لهب تجتر ما شربته في الضحى من اللهيب " وتمقت قلة الاكتراث للموت، حتى موت الصبي يمضي دون بكاء؟ يا للهول!! - " فالناس في المدائن الكبرى عدد ": هذا أنا وهذه مدينتي ؟. ظل يذوب يمتد ظل وعين مصباح فضولي ممل دست على شعاعه لما مررت وجاش وجداني بمقطع حزين بدأته ثم سكت ؟. هذا أنا وهذه مدينتي هي حقا غربة من يبحث عن حرارة المشاعر في القلوب؟ كما كان يحسها في الريف - فلا يجدها، ليس في المدينة صاحب، وإنما الوجوه والمودات فيها بلون الطريق " طريق مقفر شاحب "، ويستجدي الريفي " خيال صديق، تراب صديق، فلا يجد، كأن كل من في المدينة، لشدة الاغتراب والعزلة بين الواحد والآخر، غريب، صامت يضن بالتحية على من يمر به من الناس. وتزداد هذه الغربة في حدتها لأن الريفي هبط القاهرة دون نقود، فهو يجمع إلى العزلة والضياع جوعا مبرحا، ذا ألوان مختلفة، وإرهاقا واجتهادا

стр. 119

لا لن أعود لا لن أعود ثانيا بلا نقود يا قاهرة كما أنه لعجزه عن دفع أجرة الغرفة التي يسكنها يتعرض للطرد، ويعود من جديد إلى الضياع بين الحيطان العملاقة، ويعود من جديد إلى الضياع بين الحيطان العملاقة، والشوارع اللابرنثية. غير أنه في المدينة لم يلبث أن اكتشف " الإنسان " كان في مبدأ أمره لا يلفته إلا من كان ضائعا مرهقا مثله: كالصبي القروي الذي وفد إلى المدينة يحمل سلة ليمون ولا يعبأ به وبليمونه أحد، وكالكلب اللاهث في الشارع.. الخ، وكان يحس أنه لا بد أن يعود إلى القرية، بل هو (عكسا للنزعة الاجتماعية السائدة) يدعو حبيبته؟ بنت المدينة - لتذهب معه إلى الريف، وكان يقدر أن الريف هو محور اهتمامه أو لا بد أن يكون كذلك، وأن أهله الطيبين هم الناس لذين يكتب لهم وينذر من أجلهم " قوة الكلمة "، فوجد أن لهم أشباها كثيرين في المدينة، فلماذا لا يكتب للإنسان الذي اكتشفه في كل مكان؟ زمن ثم اتسع العالم الشعري لدى حجازي وتعددت آفاقه، فاحتضن مدنا كثيرة في البلاد العربية. نعم ظل حجازي؟ بين الحين والحين - يعاوده الضيق من المدينة ومن جمود مشاعرها، ظل يرهب شوارعها ويقف عند المفارقة: بين شدة الزحام وانعدام " الناس "، حيث لا نظرة إشفاق، ولا اكتراث، وظل يستيقظ لديه حنين الريفي إلى الحقول؟ حيث لا ازدحام، ولا اصطناع للزرع في آنية النحاس: هنا المدى لا يعرف الحراس هنا أنا حر هنا الطيور تستطيع أن تطير

стр. 120

هنا النبات لا يزال أخضر الرداء؟ هنا الحقيقة التي لا تعرف التلون المقيت هنا الدوام والثبوت، بل حيث الانطلاق والحرية والهواء النقي الذي يستطيع أن يغسل من نفسه دخان المدينة، ولكنه من ناحية أخرى كان قد هادن المدينة، بل لعلها أصبحت لديه هي وحدة الوجود السكاني، فهو إذا ضاق ذرعا بها انتقل من مدينة إلى أخرى، يذرع " المدن الشماء "، أنه لم يحاول أن يخدع نفسه عن من يمثلون الجانب الزائف في المدينة: اللغة المطاط والمضحك والمروض المفسر المصفق المشخص المحترف الهاوي المناور المداور العظيم ولكنه لم يعد بهم كثيرا لأنه أقفل عليهم صندوقا وألقى بهم إلى الجحيم، وحين أدخله الفدائيون الغابة التي يتدربون فيها، رأى القاهرة نفسها، وأحس بالرابطة الصحيحة التي تشده إلى أمته، وأدرك أن بعض الزيف في المدينة لا يمكن أن يحجب وجه الحقيقة الخيرة للإنسان، وإذا لم يستطع حجازي أن يصل إلى مرحلة الانسجام الكلي مع المدينة، فإنه على الأقل لم يعد يعاني تجاهها " عقدة " عاطفية. لقد وجد حجازي القرية حين عرف المدينة، فهو يصور المدينة ويمعن في تصويرها لتبرز من خلال مساوئها وعيوبها محاسن القرية وفضائلها، وقد عكس محمد عفيفي مطر هذا الوضع بعض الشيء حين جعل محور ارتكازه هو القرية نفسها، أنه يعرف المدينة، ويعيش حياتها اليومية، ويجد في ليلها ونهارها الوحدة الممضة، إلا أنه معقود النفس بالقرية، بالخضرة والطمي والغرين والنهر وشجرة الجميز وشجرة الصفصاف، ويصرخ في وجد يشبه وجد السياب:

стр. 121

خذيني لارماد عينيك قارورة من دواء خذيني أيا قريتي وأرحميني خذيني أيا قريتي وأرحميني أرحميني أرحميني. والقرية امرأة أيضا، ولكنها أم أو حبيبة، هي عذراء الصمت (١) : لقد أحببت عينيك وأحببت القناديل التي تهتز عبر شوارع الموت ركعت العام بعد العام تحت مقاصل الصمت وبعت دمي لأشرب قطرة من ماء نهديك لتصعقني البروق الخضر؟ تشنقني ضفائرك الآلهية وقد أحببت حراس الشوارع والحواكير الرمادية.. ويشوب مطر هذا الحنين الرومنطيقي بالحديث عن المشكلات الواقعية التي يعانيها الريفيون، وفي ديوانه " الجوع والقمر " مواقف كثيرة حول هذا " الجوع " الذي يرمز إلى المحل والفقر والعذاب: لا شيء يأكله الصغار فأترك عباءتك القديمة يا قمر وأسرق لهم بعض الذرة بعض الذرة بعض الذرة وهي قصيدة تذكر بقصيدة السياب " سلال الصبار في بابل "، مع الفرق في مدى استغلال الشعائر للاستسقاء أو لاستدرار الخصب.

стр. 122

ويختلف موقف البياتي من بغداد عن موقف كل من السياب وحجازي والحيدري من المدينة، فهو - ابتداء - لم يعان نفورا منها، وان كان يدرك أن صرعها " أجساد النساء والحالمون الطيبون "، ومن ثم كانت بغداد لديه عدة مدن لا مدينة واحدة، أي أنها كانت انعكاسات لاسقاطاته النفسية المختلفة، ففي البواكير الرومنطقية الأولى تمثل بغداد المرأة الجميلة الفاتنة المحبوبة: بغداد يا اغرودة المنتهى ويا عروس الأعصر الخالية الليل في عينيك مستيقظ وأنت في مهد الهوى غافيه وهي في خواطر المنفى البعيد " طفلة عذراء " أو " ساقية خضراء "، ورغم أنها قد تجمع بعض النتناقضات: " الشمس والأطفال والكروم، والخوف والهموم، وموطن العذاب والعراة " فإنه مشدود بالحنين الجارف اليها، كيفما كانت وفي أي شكل تصورت، ويتمنى أن يعود إليها ولو " على جنح غيمه/ على ضوء نجمه "، لكن حين تغير المنظر السياسي، حين امتدت النار في المدينة إلى حديقة الليمون لم تعد بغداد طفلة عذراء، بل أصبحت هرة سوداء: تبصق الموتى على الأرصفة الغبر السخينه في ذراع الليل ليل السل، كالام الحزينه لم تزل تبصق آلاف المساكين، المدينه في مقاهيها وفي حاراتها السود اللعينه وعلى أشجارها الصفر الدميمه يولد الخوف، كما تولد في أعماقها السفلى الجريمه

стр. 123

ويتغير المسرح السياسي بعد قليل فإذا بغداد " مقبرة الغزاة " التي ستبتلع جحافل الفاشست والعبيد، ثم يتغير المنظر مرة أخرى فإذا هي صورة أخرى من بابل: ملعونة تعج بالذباب والأصغار والحريم تفتح للغزاة ساقيها وللطغاة؟.. أن بغداد البياتي ليست قيمة ثابتة؟ إلا من حيث حبه العميق لها -، وإنما هي مرآة؟ أو مرايا - للمد والجزر في الحياة السياسية للعراق. ويشترك الشعراء الملتزمون مع البياتي في اتخاذ المدن مرايا تعكس مواقفهم الأيديولوجية، سواء أكانت هذه المدن عربية أو غير عربية. فالمدن العربية عند قاسم حداد قسمان: في قصيدته " خروج رأس الحسيني من المدن الخائنة ": مدن خائنة تلفها الحيرة كأنها وسم على بطون كل الضفادع (من أهلها) ، ومدن لم تخن (أو هي قصور وأكواخ) : ونخرج من كل كوخ على أرض هذا الخليج لندخل كل القصور، ونبني على رسمها قبلة غاضبة ليزهر ورد الرماد واللذين يحملون رأس الحسين، (راية الثورة) يسيرون إلى المدن الخائنة، مدن النار، فيحرقون أسوارها ويحترقون، ليرسموا على معاصم الأطفال هنالك " سيرا بلا حيرة " أو صورة التقدم الضروري، دون تخاذل أو تردد. وتتنوع المدن عند حميد سعيد، فهي مدن مهزومة، ومدن خوف، ومدن براق، وفي كل حال ترمز إلى وضع سياسي (أو نفسي) . وكذلك هو حال المدن الأخرى لدى سميح القاسم في قصيدته " اسكندرون في رحلة الداخل والخارج " فقد أنكرته اسطنبول التي تجمع:

стр. 124

المواخير الكئيبة والمآذن وتشييح عن وجهي الوجوه الغارقة في الشاي والحزن المداهن ؟؟؟؟؟؟؟؟ ويخونني حمال أمتعتي ويشتم سائق التكسي أبي لم يعجب البقشيش حضرته وهمه أن يجد صديقه " ناظم " كما أن همه في أثينا أن يجد صديقه " ميكيس " غير أن أثينا أيضا لم تعرفه، ولكنه كان يعلم وهو فيها أن: سقراط هذا العصر يرفض كأسه ويموت باسم آخر في ساحة الإضراب في المنفى أو السجن الذي سيصير يوما مدرسه إلا أن برلين عرفته ورحبت به، وهي تجربة شبيهة بتجربة البياتي؟ إلى حد ما - أثناء تطوافه في مدن أوربا - شرقيها وعربيها - وتلك تجربة يمكن للقارئ أن يتتبعها في دواوينه المختلفة. غير أن تعبير سميح القاسم عن شعورهنحو المدن العربية، مختلف إلى حد كبير فهي امتداد له، لا مرايا، وأن كان يحاول أن يربط بين تشوفه إلى الثورة والتغيير وبين حنينه الرومنطيقي إلى تلك المدن التي يستشرف فيها انتفاضة (صنعاء، دمشق، أسوان، عدن؟. الخ) . من كل ذلك يتجلى لنا أن المدينة؟ في الشعر الحديث - كانت كيانا يقف؟ في تجربة الشاعر المهاجر - موقف المفارقة من القرية (أو الريف) كما أنها كانت علاقة على طريق التقدم أو التخلف عند الشاعر الايديولوجي. غير أن للمدينة؟ سواء

стр. 125

أكانت شرقية أو غربية - وظيفة أخرى، وهي وظيفة وسائطية، إذ هي لا تعدو في هذا الموقف أن تكون " وعاء " حضاريا يستغله الشاعر لتصوير التمزق أو الضياع ويجعله إطارا؟ محض إطار - لفلسفته، فالمدينة هنا ليست مشخصة كما كانت عند السياب أو حجازي، ولا يقف موقف المضاد أو المحاور أو العدو من الشاعر، كما أن الشاعر ليس بحاجة أن يحكم عليها من زاوية عقائدية، وإنما هي مقبولة أو موشحة بالقبول، على نحو واقعي، فبيروت حاوي هي الوعاء الذي يستطيع الذات والفن والغايات، ويثور الجن فينا وتغاوينا الذنوب والجريمه إن في بيروت دنيا غير دنيا الكدح والموت الرتيب إن فيها حانة مسحورة خمرا، سريرا من طيوب للحيارى في متاهات الصحارى في الدهاليز اللعينة ومواخير المدينة ". يحس الشاعر نحو هذا الذي تقدمه بيروت ثورة على بيروت نفسها وإن وصف الدهاليز بأنها " لعينة "، وإنما يحس بالثورة على نفسه لأنه مضطر إلى تقبل هذا الذي تقدمه، ومرة أخرى يلتقي الشاعر بهذه الدهاليز " اللعينه " في لندن حيث يملأ الضباب الرطب كفيه ويتغلغل في حلقه

стр. 126

وأعصابه، ولكنه حتى ولو أحس بالنقمة على لندن، لا يحملها أية مسؤولية، لأنه كان قد جعل هذا الضياع طريقا ليصفي وجه تاريخه وأمسه، قد تكون كل مدينة كبيرة " سدوم ولكن الشاعر يأبى أن يتحول عمود ملح. هذا الإطار المديني نفسه؟ دون نقد أو ثورة أو استهجان - هو ما يستعمله أمل دنقل، في تصوير الحياة التي تهيؤها المدينة؟ ضمن إطار كبير أسمه القصيدة، لرفد الإحساس بالمعاناة، أو الضياع: كان الطريق يدير لحن الموت؟ في صرير الباب من صدأ الغواية في أزيز مراوح الصيف الكبيرة في هدير محركات الحافلات وفي شجار النسوة السوقي في الشرفات في سأم المصاعد في صدى أجراس اطفائية تعدو.. مجلجلة النداء فكل هذه التي يعدها الشاعر هي أشياء المدينة، ولكنها تؤدي وظيفة وسائطية في بناء القصيدة، وكذلك هو قوله: وكان مبنى الاتحاد صامتا؟ منطفئ الأضواء تسري إليه من عبير، " هيلتون " القريب أغنية طروب ؟؟. وكانت المطابع السوداء تلقي الصحف البيضاء وصاحبان في ترام العودة الكسول يختصمان في نتائج الكره وفي طريق الهرم الطويل تبادلت سيارتان؟ كادتا في الليل أن تصطدما - السباب.

стр. 127

إنك في كل ذلك تجد صورة واقعية قاهرية، ولكن هذه الصورة ليست سوى أداة، لغرض أكبر، تتحدث عنه القصيدة حين تقرأ مكتملة. مرة واحدة تتحول هذه الأداة عند دنقل إلى مفارقة صارخة، حين يتحدث عن السويس التي كانت تعاني الغارات والتعتيم والحرائق والموت، ويقارن بين السويس التي نعم بحياة السلم فيها، وزار أوكار البغاء واللصوصية: عرفت هذه المدينة سكرت في حاناتها جرحت في مشاحناتها صاحبت موسيقارها العجوز في تواشيح الغناء رهنت فيها خاتمي؟ لقاء وجبة الهشاء وابتعت من " هيلانة " السجائر المهربة وبين القاهرة التي لا تبالي بما جرى على أختها: هل تأكل الحرائق بيوتنا البضاء والحدائق بينما تظل هذه " القاهرة " الكبيرة آمنة قريرة تضيء فيها الواجهات في الحوانيت وترقص النساء على عظام الشهداء!! وفي رفع هاتين الصورتين على مستوى واحد، كان أمل دنقل؟ بكل واقعية - يرسم التحلل الذي يعانيه المجتمع المديني، والتفسح في مدى المشاركة العاطفية بين مدينة وأخرى؟ في القطر الواحد - دون أن يبرئ نفسه من أنه هو أيضا سار في ركب الضائعين المنتشين بلذائذ المدينة، في وقت السلم، مع فرق واحد، هو أنه قد استيقظ على مأساة السويس، حين ظل الآخرون سادرين في السعي وراء لذاتهم

стр. 128

ولكن: ترى هل تغني صورة السويس الواقعية؟ فنيا - في تصوير تحولها إلى موقف بطولي مأساوي؟! لنقل: أن أمل دنقل واقعي، وواقعيته بريئة من الدعوى، مهما تكن مؤلمة، وأنه يبعدنا عن دائرة الرومنطقية الخانقة بكثرة ما تستدر عواطفنا؟ في كثير من الأحيان - على نحو مثالي كاذب. حتى هذه اللحظة لم تكن علاقة الشاعر الحديث بالمدينة صدمة حضارية، ولكن هذه الصدمة آتية لا ريب فيها، على نحو طبيعي،، فالشاعر الملتزم إشتراكيا؟ لا يمكن أن يحس بالإنسجام مع المدينة الغريبة - ممثلة الحضارة الغربية - ولهذا فإن المدينة الكبيرة في الغرب قد تصعقه أو تستثير نقمته، وهنا تبدأ معاناة من نوع جديد، يكون فيها رفض المدينة علامة على رفض الحضارة، ولنتذكر كلمة " كبيرة " فإنها مفتاح لهذا الشعور الجديد، ولعل قصيدة البياتي بعنوان " المدينة " أن تكون علامة على هذا الاتجاه، وها أنا اقلها دون حذف (١) : وعندما تعرت المدينة رأيت في عيونها الحزينه مباذل الساسة والصوص والباذق رأيت في عيونها المشانق تنصب والسجون والمحارق والحزن والضياع والدخان رأيت في عيونها الإنسان يلصق مثل طابع البريد في أيما شيء رأيت الدم والجريمة وعلب الكبريت والقديد

стр. 129

رأيت في عيونها الطفولة اليتيمة ضائعة تبحث في المزابل عن عظمة، عن قمر يموت فوق جثث المنازل رأيت إنسان الغد المعروض في واجهة المخازن وقطع النقود والمداخن مجللا بالحزن والسواد مكبلا يبصق في عيونه الشرطي واللوطي والقواد رأيت في عيونها الحزينه حدائق الرماد غارقة في الظل والسكينه وعندما غطى المساء عريها وخيم الصمت على بيوتها العمياء تأوهت، وابتسمت رغم شحوب الداء وأشرقت عيونها السوداء بالطيبة والصفاء. لست أظن أن هذه القصيدة بحاجة إلى تحليل، فهي صورة للمدينة سواء أكانت شرقية أو غريبة، ولعل القارئ يستطيع أن يقارن بينها وبين قصيدة أخرى للبياتي بعنوان " مرثية إلى المدينة التي لم تولد " (١) ، فإن هذه الثانية شرقية خالصة، ولعله أيضا يستطيع أن يجمع إلى هاتين القصيدتين صرخة البياتي في وجه الحضارة (وابنتها المدينة) في قصيدته " حضارة تنهار " (٢) ونبوءة المتنبي بانهيار تلك الحضارة (٣) ، فإنه بذلك يستطع أن يدرك مدى النفور الذي أحسه البياتي إزاء كل حضارة متعفنة، بسبب من موقفه الأيديولوجي، فهو يقول في القصيدة الثانية؟ على لسان المتنبي:

стр. 130

أرى بعين الغيب يا حضارة السقوط والضياع حوافز الخيول والضباع تأكل هذي الجيف اللعينه تكسح المدينة تبيد نسل العار والهزيمة وصانعي الجريمه وحين يذكر البياتي " الخليفة "؟ في هذه القصيدة - نجد أنه لا يميز بين حضارة غربية وشرقية، فالموقفان متشابهان وإن كان من الممكن أن تكون نبؤءة المتنبي كناية من وراء العصور عن مصير الحضارة الغربية نفسها. ويتميز أدونيس في نظرته إلى الحضارة؟ من خلال المدينة - عن كل ما تقدم، في قصيدته النثرية " قبر من أجل نيويورك " (١) ما تزال لديه امرأة (أو تمثال امرأة) " في يد ترفع خرقة يسميها الحرية ورق نسميه التاريخ، وفي يد تخنق طفلة اسمها الأرض "، وهو؟ مثل آخرين غيره - ثائر على هذا اللون من الحضارة " حضارة بأربعة أرجل، كل جهة قتل وطريق إلى القتل، وفي المسافات أنين الغرقى "، ولكنه يرسم أبعادا لمختلف حالات الوضع الحضاري، لمختلف حالات الثورة في الماضي والحاضر، لضروب التخلف، للتغول الطاغي الذي يمارسه الاستعمار الجديد، لوضع السود؟ الخ، في نيويورك تنفتح في مخيلة أبواب العالم وأبواب التاريخ، فيرى الخريطة في مخيلته أبواب العالم وأبواب التاريخ، فيرى الخريطة العربية: " فرسا تجرجر خطواتها والزمن يتهدل كالخرج نحو القبر أو نحو الظل الأكثر عتمة، نحو النار المنطفئة أو نحو نار تنطفئ " ويعترف لنيويورك بأن لها في

стр. 131

بلاده " الرواق والسرير، الكرسي والرأس، وكل شيء للبيع، النهار والليل، حجر مكة وماء دجلة " ولكنه يدرك كذلك أن تلك المدينة ذات الجسد بلون الإسفلت، تلهث وتسابق في فلسطين وهانوي " أشخاصا لا تاريخ لهم غير النار "، ولا ينسى بيروت ودمشق، وولت ويتمان، ولنكولن وهارلم؟ وغيفارا " الذي نام مع الحرية في فراش الزمن وحين استيقظ لم يجدها "، ثورة عاتية، ولكنها لم تستطع أن تحجب عن عينيه حقيقة مستقرة في أعماقه: " مع ذلك ليست نيويورك لغوا بل كلمة، لكن حين أكتب دمشق لا أكتب كلمة بل أقلد لغوا، دال ميم شين قاف؟ كذلك بيروت القاهرة بغداد لغو شامل كهباء الشمس "، هنا طرفا معادلة، لا قيمة لذكر أحدهما دون الآخر. قد يقال أن أدونيس ثائر على انسحاق الإنسان في ظل هذا الرمز الشامخ، ولكنه أيضا ثائر على ضياع الإنسان الآخر في سديم التخلف. وإذا تأملنا هذه النماذج؟ غير المستقصاة وأن كانت تعين معالم كبيرة - في موقف الشاعر المعاصر من المدينة، وجدناها تدل على الاتجاهات الآتية: ١ - رد فعل رومنطقي خالص يتفاوت قوة وضعفا بحسب أسباب موصولة بنشأة الشاعر ونفسيته، وعن هذا الاتجاه يتولد خلق مدن مرهومة، أو تضخيم للريف على حساب المدينة. ٢ - تشكل المدينة بحسب الانتماء العقائدي أو الوضع النفسي الفردي، فالمدينة " وعاء " لا يتغير، وإنما الذي يتغير هو البنية التركيبية في مؤسساتها السياسية أو انتمائها، من خلال العلاقة بينها وبين الشاعر، أو من خلال أزمة تحول يعانيها الشاعر نفسه.

стр. 132

٣ - اعتبار المدينة واقعا مسطحا ينعكس على وجهه تمزق الشاعر أو التوتر الوجودي بينه وبين المدينة (أي مجتمع المدينة على نحو دقيق) . ٣ - اعتبار المدينة (الغريبة) رمزا للحضارة الحديثة، والثورة عليها على نحو هجائي (كما يفعل البياتي) أو تحليل العلاقات والمستويات الحضارية الراهنة من خلالها (أدونيس) . ومن العسير أن يستنظر المرء في هذه الآونة الراهنة: كيف يكون موقف الشاعر من المدينة - على الوجه الغالب - في المستقبل. أن الهجرة الهائلة التي تتدفق من الريف إلى المدن، والتي تزداد نموا وأتساعا، تحكم مقدما بأن عجز القرية عن تقديم الخدمات الضرورية والفرص الكثيرة التي تقدمها المدينة سيجعلها تخسر شيئا كثيرا من جاذبيتها العاطفية أيضا، بحيث يضعف الوتر الرومنطيقي كثيرا في المستقبل، ولكن تعقد الحياة المستمر، وتغير القيم في مجتمع المدينة، قد يخلق صراعا أحد وأعنف بينها وبين الشاعر، في مقبل الأيام.

стр. 133

٦ - الموقف من التراث في موقف الشاعر من التراث تتضح معالم الثورة، ومن ثم الحداثة - بأكثر مما تتضح في موقفه من الزمن أو من المدينة، وأن كان المفهوم المطلق للحداثة يفترض أن تربط المواقف الثلاثة معا، متكاملة. وقد كانت الثورة التي قام بها الشاعر المعاصر؟ على الشكل الشعري، أول الأمر - خطوة تمهيدية، لم تغير كثيرا من طبيعة الشعر، وأن غيرت في بعض موضوعاته ومجالاته، ووسعت من حدوده لتقبل تيارات معاصرة مختلفة، فلما أخذ الشاعر يتساءل عن مدى ارتباطه بالتراث؟ ومن ثم بالماضي وبالتاريخ - أصبح على أبواب ثورة جديدة تشكك في مدى أهمية ما حققته الثورة على الشكل. ونظرا لأهمية هذا الموقف وحساسيته البالغة لا بد من أن يعالج في هدوء وأناة، وفي سبيل ذلك لا بد من أن تقرر أوليات ضرورية، فمن الواضح؟ وذلك أمر متصل بالبدهيات - أن الذين يدعون إلى الثورة على التراث يدركون مدى حضور الماضي في الحضارة الحديثة - عمدا لا عفوا - في صورة معالم أثرية كبرى ومدونات كتابية ومتاحف وبحث عن الآثار ومناهج جامعية لدراسة تاريخ كل شيء: (تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم، تاريخ الأدب، تاريخ الاقتصاد؟) وغير ذلك من صور تجعل الماضي حيا في الحاضر، ليقل من شاء: هذه " رومنطقية "، ولكنها رومنطقية إنسانية، ليست وقفا على الأمة العربية، تنبع

стр. 134

من رغبة الإنسان المستقرة في أعماقه في أن يعيش زمنين (مرة أخرى مشكلة الزمن) إذا استطاع، بدلا من زمن واحد، بل أن المرء ليحس أحيانا، وهو يقارن؟ من هذه الناحية - حضور الماضي في الحاضر، أن الأمة العربية من أقل الأمم احتفالا بحضور هذا الماضي، لأنها تشمله - في الغالب - بإهمال وقلة مبالاة. ومن الواضح كذلك؟ وهذا أيضا من بديهيات الحركة التاريخية - إن الإنسان المعاصر، في ظل النوازع القومية المتعددة، قد أنتقل من واقع التاريخ إلى تبني " الأسطورة التاريخية " واستخدامها حافزا في تقوية " التكاتف الاجتماعي " في الأمة الواحدة، وأن ذلك كان يمتد من مبدأ الإيمان بإرادة القوة، إلى الخروج من حال الضعف والتفكك والتخلف، إلى التغطية على معالم التخلف والتفكك والضعف (واستعارة صبغة خارجية خارجية رقيقة ملساء) لاستشعار قوة وهمية، وأن الثورة على التراث إنما تمثل نفورا من هذه الأسطورة التاريخية، أو ثورة على استغلال المشاعر القومية عن طريق هذا التزوير الصارخ وهذا حق لها لا ينكر، ولكن الثورة؟ في اندفاعها - قد تقع في أخطاء مماثلة، فهي بدلا من أن تقتصر على شجب الأسطورة التاريخية تشمل بندها المندفع التاريخ نفسه، وهي في هذا الاندفاع أيضا تخلق لنفسها أسطورة تاريخية مكافئة. فهي قد تلجأ؟ وأمثلتي هنا مستمدة من التاريخ الإسلامي العربي - إلى عد كل حركة معارضة للنظام القائم ثورة إصلاحية، وبذلك تستوي في ميزانها الجديد: ثورة الزنج وثورة الحزمية؟ مثلا -، فبينما كانت الأولى انتفاضة ضد العبودية والسخرة، كانت الثانية حركة عنصرية دينية؟ في آن -، ومنذ بندلى الجوزي استغل هذا المفهوم الفضفاض لتفسير حركة التاريخ، وبذلك توفر لدينا أسطورة تاريخية جديدة، وحين لم يميز الشاعر الحديث بين الأسطورتين حكم على التاريخ بأسطورتيه الاثنتين، فأختار

стр. 135

إحداهما لأنها أقرب إلى واقعة الاجتماعي (١) ، أو أنكرهما معا في بعض الأحايين، ولجأ إلى الأسطورة المطلقة اللاتاريخية (أورفيوس، أدونيس، أوزوريس، فينيق، عشتار؟ الخ) . ومن الواضح أيضا؟ وهذا من البدهيات الممهورة بالسذاجة - أن الماضي حضورا حتميا لا تستطيع أية ثورة أن تنفيه؟ لأنه أرسخ من " الأهرام " وأكثر سموقا واستعصاء على الهدم - وأبرز شاهد على ذلك هو اللغة وغير خاف " أن الشاعر الحديث لا يريد أن ينكر اللغة، وإلا لم يكن شاعرا عربيا؟ بكل ما يحمله هذا الوصف من مميزات لغوية - ولكنه إنما يعني التحول بها، إلى مستوى يحقق ذاتيته، ويطبع على تاريخ اللغة ختمه، ويفرده بدور يبدو فيه وجوده شاهقا في تيار الزمن (مرة أخرى مشكلة الزمن) ، وأنا؟ مع احترامي للمحافظين - لا أجد في هذا أية تنكر للتراث؟ كما تمثله اللغة - إذ اللغة في مستواها الأولي أداة للتفاهم؟ هذا حق - ولكنها في مستواها الآخر، أو في مستوياتها الأخرى، محض رموز، ابتداء من المستوى الجبري وانتهاء بالمستوى الشعري، ومن حق الشاعر أن يختار الشكل التعبيري الذي يظنه صالحا، مفهوما كان أو غير مفهوم؟ لأن عملية الفهم لا تدخل في نطاق المستوى المختار، وإنما تدخل في نطاق الطبقة التي

стр. 136

تتلقى ما يقال، وهي قادرة على أن تقبل أو ترفض، إذ بمثل ما حق للشاعر مطلق الحرية في التعبير، فإنه لا بد من أن يحق للطبقة المتلقية حق الرفض أو القبول. ولكن يبقى شيء يدركه الشاعر؟ دون ريب - ولا أظن أحدا ينكره، وهو أن الشاعر لا يخلق اللغة - مهما يحاول التحول بها، وإفراغها من دلالاتها الثابتة، وأن هذه اللغة على اتساع نطاقها وتوسيع الشاعر لهذا النطاق تظل " صدارة ضيقة "، تخضع الشاعر دون أن يدري في حيز التركيب المألوف، والمسافات اللفظية المحددة، ولا بأس من أن أورد؟ في هذا الصدد؟ رأي الناقد الفرنسي دونالد بارت Donald Barthes وهو من أكثر النقاد تعاطفا مع الشعر الحديث، يتحدث بارت - بما يذكر برأي لادونيس في بعض مقالاته: - " أن الفرق بين الشعر الكلاسيكي والحديث: أن الشعر الكلاسيكي يبدأ بالفكرة الجاهزة ثم يحاول أن يعبر عنها أو بترجمتها، وأن الشعر الحديث؟ على النقيض من ذلك، إنما تكون العلاقات فيه امتدادا للفظة، حتى لكأن اللفظة " عمل " ليس له ماض مباشر، ويقول أيضا: " أن اللغة ليست أبدا بريئة، فالكلمات ذات ذاكرة ثانية تظل تلح على مثولها من خلال المعاني الجديدة، والكتابة بدقة هي هذه المصالحة بين الحرية والتذكر، أنها الحرية التي تتذكر، وليست حرة إلا في لحظة الاختيار؟ " (١) . ولو أننا قرأنا شعر أشد الثائرين على " لغة القبيلة " أعني أدونيس، لوجدنا أن ذلك الشعر يسقط أحيانا في ذلك

стр. 137

الحيز نفسه، فيتحدث في استرسال ووضوح ومنطقية عقلانية في مثل قوله: يا أيها الممثل يا صوفينا الكبير ها نحن ذاهبون ويعلم الله متى نجيئ نعرف أن الليل سوف يبقى نعرف أن الشمس سوف تبقى لكننا نجهل ما يكون من أمر قاسيون؟. بل هو يكاد يسمح لبعض الصور التراثية بأن تتسلل إلى داخله حين يقول: " يا يد الموت أطيلي حبل دربي " وحين يتحدث عن قاسيون: " وقاسيون حارس كالدهر لا ينام " يذكر بصورة الجبل عند ابن خفاجة الأندلسي، وحين يقول " الزمن استيقظ والنهار يصرخ بالأغصان والجذور " فمن السهل أن ترد الصورتان إلى علاقتهما القديمة، أعني يقظة الزمن وصراخ النهار (ليل يصبح بجانبيه نهار) ، بل أن بعض صوره الجديدة يتصل بطبيعة الألغاز والأحاجي القديمة: " ثدي النملة يفرز حليبه ويغسل الإسكندر "، بل أنه أحيانا يستعير؟ كما يفعل أي شاعر - لغة غيره، فيردد عبارة سان جون بيرس ومن قبله بودلير، حين يقول " الليل يتخثر " (١) وليس قوله: وفوق جثث العصافير تدب طفولة النهار (٢) إلا ترجمة تكاد تكون حرفية لقول سان جون بيرس أيضا: " على هياكل العصافير القزمة ترحل طفولة النهار " (٣) ، ومن الممكن إضافة تعبيرات أخرى،

стр. 138

وكل ما أعنيه هنا: أن أشد الشعراء أصالة وتفردا، يحور إلى موروث، ويقع في ما يسميه بارت " التذكر "، وأن الانفراد المطلق أمر يعز على أي إنسان، إلا إذا شاء إلا يقيم أية علاقات بين الألفاظ. ولكن أدونيس يخلق شيئا جديدا دون ريب، في الجزئيات والكليات من شعره، حين يحدث علاقات ودلالات وصورا تحمل وسمة وذاتيته، غير أن هذه هي مهمة الشاعر الحق منذ هوميرس وليس فيها من الجدة إلا ذلك المقدار من إعادة التفسير لطبيعة العلاقة بين الشعر والتراث؟ إذ من الواضح كذلك أن الشعر كان من أبطأ النشاطات الإنسانية وقوفا ضد التراث، أو تنكرا له، بل كان تراثيا إلى حد بعيد، لا في الأدب العربي وحده بل في آداب الأمم الأخرى - فثورة الشعر على اللغة - من حيث هي مؤسسة تراثية - ليست في الحقيقة ثورة على التقليد، إذ التقليد في كل عصر يدين نفسه بنفسه، ولا يستحق ثورة إلا عندما يصبح قاعدة، في أشد عصور الشعر جفافا ومحلا، وإنما هي ثورة على العدة، كما يقول سان جون بيرس؟ ثورة على الجانب غير الحتمي من اللغة، أعني أنها دعوة لخلق عالم شعري مواز لهذا العالم، من خلال إنشاء علاقات تعبيرية وتصويرية جديدة، وهي على ما فيها من طموح بالغ، مرهونة بالنجاح أو بالإخفاق، وبينما تجد لها أنصارا كثيرين، تجد أيضا من ينكرونها، يقول أحد النقاد المحدثين: " يغدو الأدب أكثر حياة وتتدفق الدماء في عروقه كلما أقترب من الكلام، وحين تضيع التقاليد التراثية من الشعر يصبح متقطعا غير استمراري، كأنه معجم ينثر الأسماء دون علاقات، أو انفجارا من كلمات غير متوقعة تتطاير هنا وهناك، ويقف بشراسة ضد المهمة الاجتماعية للغة، بعبارة أخرى: أن الشاعر الحديث الذي يؤمن بالثورة

стр. 139

على التراث، لا يريد أن يقف عند حدود التطور الطبيعي للغة، بل يريد أن يطورها؟ عامدا - من خلال منظوره الخاص، رافضا كل قيمة تفرض عليه من الخارج، ومن ثم ارتبط الشعر بقانون التطور والتحول، حتى غدا الشاعر في مسابقة مع الزمن، ومسابقة مع شعره نفسه وأصبح التطور لا يعني انتقال سمات مذهب شعري؟ في حقبة ما - إلى سمات مذهب آخر - في حقبة أخرى، بل أصبح حركة متسارعة بعدد الأفراد الذين يقولون الشعر، وبذلك قضي على فكرة " الخلود " الكلاسيكية، وأصبح التميز؟ في الدائرة الشعرية - مرحليا. وصحب هذا كله إيمان بإن كل قيمة ثابتة - أيا كان منبتها ومهما تكن مدة ثباتها - فهي تشير إلى الركود أو التخلف والجمود، سواء أكانت تلك القيم تتصل بالدين أو بنمط حياة أو طريقة تفكير، وكان هذا الوجه من النظر يصيب أكثر ما يصيب مؤسسة قائمة على ثوابت ضرورية مثل الدين؟ وخاصة الدين الإسلامي في صورته السنية - من حيث أنه صورة كبيرة من صور التراث، والحق أن الإنسان الحديث حين يعتقد أنه يعيش في كون قد غابت عنه الألوهية، فانه لا بد أن يعيد النظرة في كثير من القيم التي كانت تتصل بالنواحي الغيبية، ولكن السلام ليس قاصرا على هذا الجنب، وإنما هو أيضا نظام حياة وأسلوب تنظيم، ربما أن التنظيم يعني ثبات قيم معينة، فأن الثورة على التراث كأنث تتناول هذا الجانب منه أيضا. وسن الواضح أن العالم الذي قد يتخلى عن الدين لا يطرح بدائل، وأن المفكر الذي يطرح بديلا لما يريد تقويضه نوعان: نوع ثائر من خلال هذا الدين، والبديل الفكري الذي يطرحه يفترض مستوى مواحد من الثقافة ليكون قابلا للفهم والاستيعاب، ونوع ثائر على هذا الدين من إطار دين أخر، وغايته مدخولة لان ثورته تبدو استمرارا للحركة التبشيرية

стр. 140

أما الشاعر الذي يعتمد على الحدس، فلا يستطيع أن يطرح بديلا سوى الشعر، وما دام هذا البديل الحدسي غير مرتبط بالتجربة العلمية، فإنه لا يصلح أن يكون كذلك، فمجرد الدعوة إلى الهدم المنطلق - دون تحديد وتعديل - أو الرفض المطلق - دون مبنى فكري متكامل - بعد حركة نهلستية تنشب المجتمع في الفوضى. بعد هذه المقدمات يمكن أن نسأل: كيف موقف الشعر العربي المعاصر من التراث؟ على أرض الواقع -؟ تقتضي الإجابة على هذا السؤال أن نميز بين نوعين من المواقف: الموقف الفكري والموقف الشعري (أي المعبر عنه شعرا) وبين نوعين من التراث، التراث الشعري بخاصة والتراث الحضاري بعامة. أما في الموقف الفكري فقد شارك بعض الشعراء سائر المفكرين الذين تناولوا هذه القضية في تحديد موقفهم منها (١) ، فذهب صلاح عبد الصبور إلى أن من العسير على الشاعر أن يتجرد كليا من التراث، وهو يرى أن الشاعر العظيم هو الذي يستطيع أن يتجاوز التراث مضيفا إليه شيئا جديدا. وتحدث أدونيس في مواضع كثيرة من كتابه " زمن

стр. 141

الشعر " عن التراث، وخلاصة رأيه: يجب أن نميز في التراث بين مستويين: الغور والسطح. السطح هنا يمثل الأفكار والمواقف والأشكال، أما الغور فيمثل التفجر، التطلع، التغير، الثورة، لذلك ليست مسألة الغور أن نتجاوزه، بل أن ننصهر فيه؟. الشاعر الجديد؟ إذن - منغرس في تراثه، أي في الغور، لكنه في الوقت ذاته منفصل عنه. إنه متأصل لكنه ممدود في جميع الآفاق " (١) وكما فعل أبو تمام في القديم حين أتهم بأنه خرج عن عمود الشعر (أي عن التراث الشعري) فجمع ديوان الحماسة ليثبت ما يعجبه في الشعر القديم، كذلك فعل كل من صلاح عبد الصبور وأدونيس، حين أعتمد كل منهما ذوقه الذاتي في صنع مختارات - صالحة للبقاء - من الشعر العربي القديم أيضا. وأما في الموقف الشعري (أي في التعبير عن الموقف من التراث شعرا) فإن الشعراء يتفاوتون بشدة، فهناك من يؤمنون بالتراث ويعتزون به مثل توفيق زياد الذي أن كسر الردى ظهره سنده " بصوانة من صخر حطين "، وهناك الذين يتوقعون إلى التغيير الحضاري، ولكنهم لا يدينون الماضي، وإنما يدينون " تعهر " الماضي بين يدي السادة في الحاضر، ومن هؤلاء الشعراء محمود درويش في قوله: نعرف القصة من أولها وصلاح الدين في سوق الشعارات وخالد بيع في النادي المسائي بخلخال امرأة. فمحمود يميل إلى محاكمة الحاضر، وفضح أساليبه، وهو

стр. 142

في هذا يختلف عن سميح القاسم الذي تتعرض علاقته بالماضي إلى الاهتزازات المتتالية. فبينما تجده حينا يهتز بالتراث وبالماضي دم أسلافي القدامى لم يزل يقطر مني وصهيل الخيل ما زال وتقريع السيوف ويستمد القوة من كل أنواع التراث: ما دامت مخطوطة أشعار وحكايات عنترة العبسي وحروب الدعوة في أرض الرومان وفي أرض الفرس؟. أعلنها حربا شعواء باسم الأحرار الشرفاء وبينما هو ينعى التخلف الحاضر في مقابل " خضرة الماضي الرحيمة " ويقبل " كل نصب المجد بين مقابر الأجداد " ويعدد أمجاد الماضي بزهو واعتداد: عمرت في شيراز قصرا وابتنيت بأصبهان ردهات معرفة وعدت إلى الحجاز بطيلسان وعلى دمشق رفعت رايات النهار مع الاذان وجعلت حاضرة الكنانة في تاج مولانا المعز، جعلتها أغلى جمانه ؟؟ وبنيت جامعة ومكتبة ونسقت الحدائق وهتفت يا أحفاد طارق كونوا المنائر وأغسلوا أجفان أوربا البهيمه

стр. 143

أقول: بينما هو كذلك إذا به يحس أنه قد خدع بالأسطورة التاريخية التي زورها، ويعلن عن سأم الأطفال من تكرار سماع هذه الأسطورة: أطفالنا ملوا البطولات المكررة القديمة سئموا سروجا كالحات صار فارسها الغبار عافوا سيوفا لاكها الزنجار والذكرى السقيمه أن وقفة الوداع بين سميح والماضي، بينه وبين الأب الذي صنع ذلك المضاضي، مشحونة بالأسى، ولا تبدو؟ لسدة الترفق والحنو - حاسمة، وان قبلت نصب الرمس إذا أغلقت أبوابي بوجه الأمس ؟؟ وإن قبلت نصب الرمس لآخر مرة في العمر؟. نصب الرمس ومن ثم يجعل وجهته نحو الغد، نحو العلم وراية الحرية، لأن أنقاض التاريخ لا يستطيع أن تسد مسدها، وهكذا تم الانفصال، لقد طالت بسميح رؤية الحاضر على ضوء الماضي، ومحاولة المقارنة واستخراج العبرة الملائمة، وكانت تنتابه ثورة جارفة أحيانا على ذلك الماضي؟ وخاصة في الأزمات - فيصرخ: يا أبي المهزوم يا أمي الذليله أنني اقذف للشيطان ما أورثتماني من تعاليم القبيلة، ولكنه ظل يؤمن بأنه إلى " تاريخ عظيم " علقت بنعله بعض الوحول، ولهذا كانت معاناته شديدة حين قرر الانفصال، وأعلن؟ في النهاية - عن " مقتل التاريخ "

стр. 144

إلا أنه؟ فيما يبدو - لا يزال يحس بأن الصلة لا يمكن أن تنقطع، لأن التوجه إلى الغد لا يعني رفض الماضي. وأما أدونيس فإنه يطيل الوقوف عند الجوانب السلبية في تاريخنا، حتى لتبدو لهجته رفضا كليا لا علاقة كبيرة بينه وبين ذلك الصوت الذي يتجه نحو الاعتدال، والذي اقتبسته فيما تقدم، ومن أمثلة ذلك قوله في قصيدته المنثورة " مرثية الأيام الحاضرة ": في أية جداول بحرية نغسل تاريخنا المضمخ بمسك العوانس والأرامل العائدات من الحج الملوث بعرق الدراويش، حيث تنخطف السراويل ويحبل الصوف بالعجزة، وتحظى بربيعها جرادة الروح " ولا ريب في أن نظرة أدونيس إلى الماضي متصلة بمبدأي الرفض والتحول المتلازمين، وفي إطار نظرته الكلية إلى الزمن يمكن أن تفهم حقيقة موقفه من التراث، ولعلني أعود إلى الحديث عن موقفه من التاريخ؟ عامة - فيما يلي. وعند الحديث عن علاقة الشاعر المعاصر بالتراث الشعري نرى تفاوتا واضحا كذلك حقا أن اللجوء إلى الشكل الشعري الجديد كان يمثل محاولة للتحرر من الشكل القديم، وقد استطاع هذا الشكل أن يمنح الشاعر حرية في الحركة والاختيار، والتخفيف من رتابة الوزن والقافية، وخلق صور ورموز، والتغلغل إلى ضروب الصراع في الحضارة الحديثة، ولكن ما يزال بعض الشعراء الذين اختاروا هذا الشكل يميلون إلى استعمال الشكل القديم، وما تزال للقافية سيطرة هامة، بل أن الشاعر أحيانا يركب من أجلها نهايات قلقة في سطور قصيدته، كما أن الرتابة عادت تستولي على جانب كبير من هذا الشعر لقلة الأبحر الشعرية التي تصلح للتنويع في التفعيلات. وبينما يحاول

стр. 145

بعض الشعراء إيجاد لغة شعرية جديدة؟ كل بمفرده - نجد أن بعضا آخر منهم ما يزال يستعين بالصور المعروفة المألوفة، والموضوعات المألوفة. فالهجائية القديمة؟ مثلا - ما تزال كذلك في حدتها وعنفها وتعميمها وإن أصبحت تدور حول السياسي المنحرف والشاعر المتملق، كل هذا يحدث اختيارا، عدا ذلك الجانب اللغوي الحتمي الذي أشرت إليه فيما سبق، ولهذا يمكن القول؟ على وجه اليقين لا إرضاء لمحبي التراث - أن هذا الشعر لم يستطع أن يتجاوز التراث الشعري القديم إلا قليلا. ولعل هذا أن يكون وضعا طبيعيا، فإن تصور الشاعر لجمهوره؟ مسبقا - هو الذي يحدد مدى تراثيته أو مدى تجتوزه للتراث، وبين هؤلاء الشعراء من يؤمن أن الشعر فعالية إنسانية لا بد من أن تؤدي دورها في إيقاظ المجتمع، وفي هذا الصدد تصبح مخاطبة المجتمع؟ أو الجمهور - وصلا لهذا الشعر بالتراث حتى يستطيع ذلك المجتمع؟ او الجمهور - التراثي في نزعته قادرا على تذوقه والتأثر به. وأما موقف الشاعر الحديث من التراث الحضاري بعامة، فإن الحديث عنه يستلزم أن نوسع من مدلول التراث ومجاله، إذ هو لم يعد تراثا عربيا إسلاميا، وحسب، وإنما غدا تراثا إنسانيا؟ من بعض الجوانب - والشاعر الحديث يتعامل مع هذا التراث من زوايا مختلفة، نستطيع أن نعد منها أربعا (١) ، على أن نتذكر أنها ليست متساوية في
следующие страницы →