تستطيع أن تؤمن بقوة الزمن على التغيير، بل ليس للزمن في قاموسها وجود، و " ووجه جارت عليه دمغة العمر السنية "، يراه صاحبه كذلك لأن إحساسه بالزمن عميق واقعي، ويكاد صاحب الوجه الثاني أن يطمئن ذات لحظة إلى أنه لم يكن ضحية لفعل الزمن، لأنه حين يعيش بين اكتب يرتاح إلى أن " وجهه من حجر بين وجوه من حجر "، ولكن إلحاح المرأة على أنها ترى الحقيقة يجعله دائما في أزمة، ولهذا فإنه حين يمشي في الطريق ينفصل الوجهان، الأصل والقرين:
وقناع مسه، حدق فيه
لودعاهء آ. لن يمضي معه
" أنت هل أنت؟ بلى
لا، لست، لا، عفوا،
ضباب موحل يعمي مصابيح الطريق
أن في وجهك بعض الشبه
من وجه صديق ".
وكان ذلك الصديق أو القرين ذا وجه " ليس فيه أثر الحمى وتحفير الزمان "، وبروح الصديق؟ العدو - يقود القرين صاحبه إلى الجسر، ويزين له الانتحار غرقا في النهر، لكي يريحه مما يعانيه. زاعما له أن في النهر قوى وأرواحا تستطيع أن تعيد إلى وجهه " سمرته الأولى المهيبة "، وتمضي لحظة من الدوار واختلاط الصور والذكريات،.
متعب؟. ماء؟ سرير
متعب؟. ماء؟ أراجيح الحرير
متعب؟. ماء؟ دوار
стр. 72
وتلمست حديد الجسر
كان الجسر ينحل ويهوي
صور تهوي وأهوي معها
أهوي لقاع لا قرار،
وفجأة اختفى القرين، وعزى صاحبه نفسه عن اختفائه بأنه " ربما عادت إلى عنصرها الأشياء وانحلت ضباب ". وتكفي هذه اللمحة ليدرك القارئ الجو الذي تحرك فيه القرين في قصيدة خليل، ومدى أهميته بالنسبة إلى المبنى الكلي في القصيدة، ومدى الإحكام، البناء، والدقة في الوصف للمواقف النفسية المختلفة، وكل ذلك ينبئ أن خليل حاوي إنما كان يزاوج بين وعيه النفسي العميق، وبين ثقافته النفسية الواسعة، وأن بعث القرين ليس خطرة، وإنما هو إلحاح فني حتمي من داخل حركة القصيدة ونموها المتصاعد. وقد تكون الدلالة السلبية - عند محاولة دراسة الاتجاهات الشعرية - أبلغ في كشف حقيقة الشاعر من الدلالة الإيجابية فقد تقول وأنت تتصفح ديوان سميح القاسم هذا شاعر واقعي، إذ أنك حينما وجهت بصرك وجدت مثل قوله:
سلاما يا سواعد اخوتي العمال
سلاما يا مداخنهم
سلاما يا ملازمهم
أو مثل قوله:
مادمنا نحيا
في عصر الإيقاع النفسي
فسأحمل فأسي
سأشج حماقات الأوثان
стр. 73
ولكنك لا تلبث حين تتعمق النظر أن تدرك أنه كثيرا ما يعالج موضوعاته الواقعية من زاوية رومنطقية خالصة، نعم إن هذه الواقعية تجعله يحب " الحضارة الحديثة " مثلا ويمجد منجزاتها، ولكنك حين تسمعه يقول:
وصوت الآلة الحسناء يدعونا
تجد أنه ينظر إلى الآلة نظرة رومنطقية تامة، إذ أن هناك " آلة " وحسب، ولكن ليست آلة حسناء.
وعلى عكس ذلك يفعل أبو سنه في قصيدته " عصر الإنسان " (١) التي يحاول أن يقارن فيها بين منجزات العصر ومواطن النقص فيه، فيقول:
أغرس أعلامك فوق الكون
لكن عد للأرض
كي تبني قريه
يسكنها فقراء الهند
لتجفف أنهار الدم (٢) الحمراء
ولتصنع مهدا للأطفال التعساء.
فكأنما هو يحاول أن يهون من قيمة انتصارات الإنسان على الطبيعة في هذا العصر، إذ يضع إلى جانبها في موضع المفارقة لفقر والتشرد وويلات الحروب وتعاسة الاطفال؛ والتعارض غير قائم، والأمران يؤخذان منفصلين كلا على حدة، لأنهما صادقان واقعيان ما داما منفصلين، لا حين يربطان معا في مقارنة نجتلبة، فهذا كمقارنة الناس؟ في الحياة اليومية - بين الصحة والمال، أو كمقارنة القدماء بين الغني الشاكر
стр. 74
والفقير الصابر وأيهما أحسن، وهو سؤال باطل، كما بين ابن حزم الفقيه الظاهري منذ قرون.
وما عليك وأنت تطالع هذا التحفظ تجاه انتصارات الإنسان وتقدمه التقني إلا أن تقارن هذا الموقف بموقف آخر للشاعر السوداني صلاح أحمد إبراهيم وهو يحيى رائدة الفضاء الروسية " فلنتيما ترشكوفا " (١) بقوله:
أنا الذي ليس له أن يملك الأرض
ولا أن يقبل الأجر
ولا أن يقرع الأجراس في بيع ولا شراء
الصائغ الماهر والحداد، سادن الأسرار، مانح الأسماء
مسخر الكور، مسير النار، مدوخ السندان
مبدع الأشياء
مبارك الحصاد، مكمل الطقوس، باذر الموروث،
سامر المساء
؟.
أنا صلاح الشاعر، في تواضع جم وفي حب وبانحناء
اهدي إليك هذا العسل البري
يا فلنتينا ترشكوفا، ومنك للنساء.
فإن " صلاح " لا يعلن عن إيمانه المطلق بما يستطيع التقدم العلمي أن يحققه من منجزات، وإنما يتخذ هذه المناسبة فرصة ليتحدث عن إيمانه بدور المرأة؟ والمرأة الأفريقية السودانية؟ بوجه خاص - وحقها في الحياة الكريمة إلى جانب الرجل، ولولا أن قصيدة صلاح مثقلة بالأسماء والإشارات التاريخية لحق اقتباسها للدلالة على وجهة جديدة لا في المحتوى وحسب، بل في الشكل أيضا.
стр. 75
ومن الزاوية السلبية أيضا يمكن أن نتبين طبيعة الخطأ في قول أبي سنه نفسه، في قصيدة أخرى (١) :
قالوا أن كنت تحب
فلتحفظ كتب الحكمة
وليعرف عقلك كل الأسرار
ولتخرج لتصارع وحشا جبليا
يربض عند الأسرار
فالشاعر هنا يشير إلى " المعجزات " التي كلف القيام بها كي يثبت أنه جدير بالحب، وهو موضوع نجده في الأدب الشعبي في قصص " الشاطر حسن " وفي أساطير الأمم الأخرى، مثل الأعمال الباهظة الاثني عشر التي كلف بها هرقل في الأساطير اليونانية، وعند مقارنة ما يقوله الشاعر بما كانت تحويه تلك الأساطير والآداب الشعبية، نجد أنها قد تذكر من بين تلك المبهظات " مصارعة وحش جبلي "، ولكنها لا تذكر " حفظ كتب الحكمة "، إذ أن العاشق الذي سيحفظ تلك الكتب، ربما لم يعد في حاجة إلى أن يظل عاشقا، وغاية الشاعر هنا أن يقول أن بطل أسطورته مثقف، وأنه عانى كثيرا في سبيل الحصول على ثقافته، وقد كان يستطيع أن يعبر عن ذلك على نحو رمزي دون أن يبارح " الروح الجماعية " التي سجلها الأدب الشعبي على مر الزمن، فإذا كان الفولكلور من العوامل المؤثرة في الشعر الحديث فإنه؟ في هذا الموقف - قد مزج بما شوه روحه العميقة.
ومثل هذا خطأ جزئي، لا يضر كثيرا بعقيدة سليمة البناء، ولا يحرم الشاعر حق تسويغه كأن يقول: أنني أضيف إلى الفولكلور لأن هذه الإضافة تقوي الموقف الذي أتحدث عنه،
стр. 76
فهذا العاشق مثقف، وقد حفظ كتب الحكمة ومع ذلك ظل عاشقا، وذلك ما يجعل فعل الحب أقوى وأبلغ، أقول: مثل هذا الذي يعد خطأ جزئيا، لا يسيء إلى جوهر الشعر، غير أن أكبر خطأ يرتكبه الشاعر الحديث يتجلى فيما يكون نتيجة عجز عن " الرؤية الصحيحة "، إذ أن الشاعر الحق هو الذي لا تقذفه موجة طاغية من الفجيعة، ولا تطوح به موجة عارمة من الفرج، بحيث تنبهم دونه رؤية الأشياء على حقيقتها، وفي موقعها الصحيح وضمن إطارها السليم، ومن يدرس بعض حصاد الهزيمة (١٩٦٧) أو بعض حصاد الانتصار (١٩٧٣) يدرك ما أعنيه، ولعل خير مثل أورده؟ متصلا بالحادثة الثانية - وأكتفي بمثل واحد - هو ديوان كامل للشاعر محيي الدين البرادعي عنوانه " القبلة من شفة السيف "، فإنه؟ في معظمه - يدور حول موضوع واحد، وأقول في هذا السياق: أن التفاؤل جميل، بل هو ضرورة، ولكنه حين يتجاوز حده يفقد قيمته، ويفقد الشعر معه القدرة على التأثير كما يعطل طاقة " النبوءة "، أهم ما يميز الشاعر الحديث.
وما دمنا نستبعد دراسة الرومنطقية وما يقابلها في الشعر الحديث، وما دمنا نستبعد أيضا تفريع هذه الدراسة تحت عنوانات مستمدة من العوامل الكبرى التي أثرت في توجيه ذلك الشعر، فلا بد من اختيار طريقة ثالثة، وهي طريقة مستمدة من النظر إلى القوى الكبرى التي تحدد وجهات الشعر نفسه، وتنبع من العلاقة الجدلية القائمة بين الشاعر وتلك القوى، وهي قوى تعمل في داخل الشعر مثلما تعمل في داخل نفس الشاعر، مثلما هي قضايا إنسانية هامة، وبعبارة أبسط ما دامت الحياة مواقف فما هو موقف الشاعر من كل قضية كبرى مثل الحب، الزمن، التراث؟ ثم بالتالي: ما هو
стр. 77
موقفه من المجتمع، فإن دراسة الشعر من هذه الزوايا تكفل أيضا تبيان فعل العوامل الخارجية في الوقت نفسه، وعلى هذا سنتناول الفصول التالية:
١ - الموقف من الزمن (ومن ثم من الموت) .
٢ - الموقف من المدينة
٣ - الموقف من التراث
٤ - الموقف من الحب
٥ - الموقف من المجتمع.
وربما كان من الخير أن نقتصر؟ موقتا - على هذه المواقف الخمسة، وأن كان من الممكن إضافة مواقف أخرى إليها، فإن هذه تكفي للدلالة على أكبر الاتجاهات الشعرية، كما تكفي للدلالة على مدى صلة الشاعر بالحداثة.
стр. 78
فراغ
стр. 79
٤ - الموقف من الزمن
يقول بيتر شون في دراسة له عن بودلير: طأن تجربة بودلير فيما يتعلق بالزمن، ذات أهمية أصيلة لفهم شعره (في أزهار الشر) حتى ليمكن أن يقال أنها مفتاح لفهم ذلك الشعر "، وأكاد لا أتردد في أن أقول مثل هذا القول نفسه في كل شاعر من أصحاب الشعر الحر، أعني الذين استطاعوا منهم أن يحفروا عميقا في مجرى التيار الشعري، فإن موقف كل منهم من الزمن هو الذي يعطي شعره سمة فارقة، ويحدد صلته بالحداثة، ويقرر مدى انتمائه وطبيعة ذلك الانتماء.
ذلك أنه لا خلاف؟ اليوم - حول أهمية " الزمن " في تيارات الأدب الحديث؟ على المستوى العام - لا في الشعر وحده، ولعل خير ما يصور هذه الأهمية، لا عدد البحوث الفلسفية التي كتبت في هذا الموضوع وحسب، وفي طليعتها بحوث برجسون وهيدجر، بل بتلون النتاج الأدبي منذ بروست وجيمس جويس وفرجينيا وولف بما لفكرة الزمن من قيمة في القصة الطويلة، وبهذه الدراسات الكثيرة التي كتبت حول إبراز الدور الذي " يلعبه " الزمن في مختلف الفنون الأدبية وفي نتاج عدد كبير من الأدباء، وبعيدا عن الدخول في المنعرجات الفكرية حول الموضوع، أحب أن أضع هنا بعض الحقائق الأولية:
(١) أن هناك فرقا في تصور الزمن بين الجماعات البدائية وبين الجماعات التي تعيش في ظل الحضارة، فالزمن للبدائي " ميثولوجي " أو شعائري أي أنه ربما كان منعدما، أما الزمن بالنسبة للمتحضر فإنه " تاريخي " لأنه شيء يمكن قياسه والتعامل معه.
стр. 80
(٢) أن هناك فرقا في تصور الزمن بين الحضارات القديمة والحضارة الأوربية الحديثة، فالحضارات القديمة تستطيع التغاضي عن الزمن، بينما تصر الحضارة الآوربية على وجوده، وتربط الثقافة والحياة ربطا محكما به.
(٣) وبناء على الملحوظة يمكن القول أن الحضارة الإسلامية (حسب تصوري) كانت ترى الزمن دورات؟ محدودة الأمد - يتخللها نظرة رجوعية إلى الماضي، بينما تذهب الحضارة الأوربية إلى أن الزمن تيار مستمر، وخاصة منذ أن ارتبطت في القرن التاسع عشر بفكرة التقدم أو النطور التي تعني استمرار السير قدما، دون معوقات من النظرة إلى الوراء، فإذا تحدثنا عن التطور أو التحول فإنما نستعير تصور الحضارة الأوربية للزمن.
(٤) أن هناك فرقا أساسيا بين رؤية برجستون للزمن، وما حاوله بروست في التطبيق الأدبي، فبينا يرى برجستون أن الزمن الذي يمثل تجربة نوعية؟ لا كمية حين يكون زمنا مسقطا على المكان أو المسافة - لا بد أن يستعاد لا متقطعا على أنه لحظات عاشها المرء، وإنما لا بد من بعث الروابط التي تصل بين تلك اللحظات، بينما حاول بروست، بعث تلك اللحظات في الماضي دون أن يعبأ بإقامة صلة زمنية بينها.
(٥) أن " الزمن " ظل حتى مطلع هذا القرن يقف في أحد اعتبارين: فأما هو حقيقة واقعية خارجية، وأما هو حقيقة ذاتية يتضاءل وجودها الخارجي المستقل. ولكن في سنة ١٩٠٨ صرح العالم الرياضي هرمان منكوسكي بقوله: " بعد اليوم يتضاءل الزمن وحده، أو المسافة وحدها، ولن يحفظ ارتباط الزمن؟ بالمكان - أو المسافة - في أدب اقرن العشرين، وتحول أحدهما إلى الآخر، أمرا ضروريا.
стр. 81
(٦) أنه مهما يبلغ الإنسان من تطور، فلا بد أن يظل الصراع مستمرا بين زمن تاريخي واقعي وزمن لا نهائي؟ يسمى الخلود -، (أو على الأقل، نوع من الانبعاث المتجدد) حتى يبلغ الإنسان مرحلة يعتبر الموت فيها جزءا ضروريا من الحياة.
من هذه الملاحظات الأولية يمكن أن ننطلق إلى محاكمة نماذج من الشعر الحديث؟ من حيث صلتها بالزمن - ولما لم تكن هذه الدراسة معنية بالإحاطة الشمولية، فإنه لا بد من الاقتصار على أمثلة محددة، وليكن أول هذه الأمثلة شعر خليل حاوي:
ابتداء من نهر الرماد حتى بيادر الجوع يطالعنا خليل بنوع متشابه من المكان؟ أو المسافة - فنحن حينا في نهر الرماد (انعدام الحركة) أو في جوف الحوت أو في الكهف، أو في عصر الجليد أو في القبر (لعازر) أو في الرحلة الثامنة (لا حركة لأنها رؤيا) ومعنى ذلك أننا في موقف محدد من الزمن، فهو يكاد ينعدم تماما (في الكهف) أو يتحرك حركة خفيفة، وهو ساكن واقف في لعازر " سمر اللحظة عمرا سرمديا " أو هو لحظات خاطفة لا تلبث أن تمحي " عمره عمر الغجر، عمره ثانية عبر الثواني " وهو بالنسبة للحبيبة في قصيدة " وجوه السندباد " قد توقف عند نقطة معينة؟ ذاتية - لأن الحبيبة نفسها لا تستطيع أن تتجاوزها، حرصا منها على أن تشيح بوجهها عن التغير الحقيقي الذي أحدثه مرور الزمن:
غبت عني
والثواني مرضت
ماتت على قلبي
فما دار النهار
ليلنا في الأرز من دهر نراه البارحة
стр. 82
ومع أن هذا " التجميد " للماضي انتصار على الزمن وتشبث بالبقاء، ببقاء اللحظة الجميلة، عند المحبوبة، فإنه ليس إلا وهما في نظر المحب، ولا مخرج من هذا الوهم إلا انتصار حقيقي، لا يتم دون ولادة طفل، فإنه هو الحقيقة الوحيدة التي تستطيع أن تنتصر على الزمن:
ويمر العمر مهزوما
ويعدي عند رجليه
ورجلينا الزمان
يقابل هذا الزمن الماضي الذي " تجمد " عند اللحظة الجميلة في نظر المحبوبة، زمن آخر متجمد، هو الحاضر، الذي يتمثل أحيانا في تحجره كأنه لا يسير:
وعرفت كيف تمط أرجلها الدقائق
كيف تجمد، تستحيل إلى عصور
وغدوت كهفا في كهوف الشط
يدفع ليل تحجر في الصخور
ذلك لأن الإنسان إنما يعيش حاضره في كهف، كهف نفسه أو كهف الواقع، وأن هذا الكهف نفسه هو جوف الحوت، ومع أن الظلمة ترين على أرجائه فإن الشاعر يعبر عن ضجره من استمرار الضوء؟ بعض الضوء - ويصرخ: " ومتى يحتضر الضوء المقيت "، لأنه ليس ضوءا منقذا قادرا على تبديد تلك الظلمة الشاملة، فهو يعلم يقينا أنه في جوف الحوت، في جو جحيمي السعير:
في مداه لا غد يشرق
لا أمس يفوت
غير آن ناء كالصخر على دنيا تموت
стр. 83
ولهذا فإنه حين يحاول أن يتشبث بالماضي يشك في حقيقة ذلك الماضي: أتراه يوما نضيرا معافى؟ لقد محا ثقل الحاضر كل شيء، ولم تبق إلا احساسات ثقيلة بجهامة الحاضر، وثقل وطأته:
كل ما أعرفه أني أموت
مضغة تافهة في جوف حوت.
ولكن الشاعر يستطيع رغم كآبة الحاضر وضياع الماضي أن يمد جسرا إلى المستقبل، ومرة أخرى يعود الأطفال إلى الصورة، فهم الذين يمدونه بالقوة على أن لا يخاف زحف الجليد من جديد،
أن لي جمرا وخمرا
ولي أطفال أترابي
ولي في حبهم خمر وزاد
من حصاد الحقل عندي ما كفاني
وكفاني أن لي عيد الحصاد
وحين وجد الشاعر؟ من خلال الأزمة الذاتية - هذا الجسر، اتسعت لديه طبيعة الرؤيا، فإذا هو في " الرحلة الثامنة " يتذكر أخطاء الماضي ليتطهر منها، مادا بعينيه إلى المستقبل، وفي فمه " بشارة ":
وسوف يأتي زمن احتضن
الأرض وأجلو صدرها
وأمسح الحدود
وأصبح إيمانه بالتجدد، بالبعث، طريقه إلى قهر الزمن، والتغلب على الموت. وإذا كان في " لعازر ١٩٦٢ " قد عاد إلى التشبث بالموت - رغبة في الموت نفسه - فإنما كان ذلك
стр. 84
كذلك لأن القصيدة لا بد أن تقرأ على ضوء أزمة تاريخية مرت بها الأمة العربية، والسنة المقترنة باسم لعازر (١٩٦٢) تشير بوضوح إلى تلك الأزمة، واليها يومئ خليل حين يقول في مقدمة القصيدة مخاطبا لعازر " لئن كنت وجه المناضل الذي انهار أمس، فأنت الوجه الغالب على واقع جيل، بل واقع أجيال يبتلى فيها القوي الخير بالمحال، فيتحول أبلى نقيضه، ويتقمص الخضر طبيعة التنين الجلاد والفاسق وتكون المذلة مصدر تعاظمه ". أن النفور من العودة إلى الحياة في القصيدة؟ أو الاستسلام الكلي للزمن - لهو صورة مرحلية لا تمثل عمق التفاؤل بالبعث وبعودة المنقذ في شعر خليل.
وقد كان من الممكن أن نستشرف هذا التغير في موقف الشاعر من الزمن، منذ أول قصيدة في الديوان، وهي قصيدة " البحار والدرويش " فإن الدرويش يمثل الحقيقة الثابتة التي تتحدى الزمن والموت، وبكوخه يستريح التوأمان: " الله والدهر والسحيق "، وهو الذي شهد؟ في حالة خلوده - تتابع الحضارات، وفعل الزمن " ذلك الطفل - الغول الذي تلده الثواني "، بينما هو؟ أي الدرويش - قابع في ضفة " الكنج "، شاهد لا تمتد إليه يد الفناء، وأما البحار الذي يرمز إلى الشاعر المسافر، فإنه يعانق الأشياء الزائلة، يموت مع الطين الموات، وقد ماتت منارات الطريق بعينيه، وفي سياق ذلك الخلاص من قبضة الزمن، نجد؟ في النهاية - أن البحار أتحد بالدرويش أو كاد، وأعلن؟ بالبعث والتجدد - انتصاره على الزمن، وإذا لم يستطع أن يكون هو " الخضر " فإنه؟ على الأقل - لم يعد فريسة " للتنين ".
من ذلك يتضح أن الاتجاه الشعري عند خليل حاوي لن يفهم على حقيقته إلا عندما يتضح موقفه من الزمن، فإذا
стр. 85
أضفنا إلى ذلك أنه يؤثر أن يتحدث عن الزمن بمصطلح المسافة/ فيعبر عن بطئه وركوده بمثل " الجليد " أو " صحراء الكلس " كما يعبر عن حيويته بمثل " غناء الرؤيا " و " رعشة البرق "؟ أدركنا أننا إزاء شاعر يتميز بوعي دقيق لهذا التزاوج الضروري بين الزمن والمسافة.
وتكاد لا ترى أن خليل حاوي؟ رغم تعلقه بالأم - يتحدث كثيرا عن الماضي، ويحلم كثيرا بالعودة إليه، ورغم إيمانه بجمال الطفولة، فإنه لا يعدها ملاذا وحمى، وهو في هذا يفارق؟ مثلا - شاعرا مثل السياب، عاش طول حياته يحلم بالطفولة والعودة إلى الأم - ويجد في الماضي عزاء عن الحاضر، بل هو يزخرف الماضي لأن في ذلك التمويه تعويضا عن قسوة الحاضر، ولهذا كان موقف السياب من الزمن؟ ومن ثم من الموت - مختلفا عن ذلك الذي اتبعه خليل، وبسبب تعرض السياب لتحولات مختلفة في نظرته الفكرية تجد لديه مواقف مختلفة، فهو في قصائده التي سميتها " الكهفيات " (١) يقترب من خليل في تصوره نفسه ميتا يبعث، رامزا بذلك إلى بعث الأمة العربية، وذلك هو ما غلب عليه في عهد اتجاهه القومي، ولعل قصيدته " في المغرب العربي " خير مثال على ذلك، وفيها يتخيل أنه ميت؟ مع موت المجد العربي والحضارة العربية - إلا أن هذا الموت، سيستفيق ولا بد لأنه؟ لا يمكن أن يحيا دون الماضي، فهما يهبان معا من القبر:
ومن آجرة حمراء مائلة على حفرة
أضاء ملامح الأرض
بلا ومض
دم فيها فسماها
стр. 86
لتأخذ منه معناها
لا عرف أنها أرضي
لاعرف أنها بعضي
لاعرف أنها ماضي، لا أحياه لولاها
وأني ميت لولاه، أمشي بين موتاها
وهذا البعث، يتغلغل أيضا في ثنايا قصائده التي قالها وهو يشهد؟ مقاما - حركة المد الشيوعي في العراق، فقد أعتمد فيها اللجوء إلى أسطورة أدونيس وعشتار، وكان يستمد من الأسطورتين وأمثالهما شعوره بأن الخصب لا بد أن يخلف الجدب، وأن التضحيات لن تذهب سدى. ولكن للسياب؟ إذا شئنا الإيجاز - موقفين آخرين من قضية الموت؟ والزمن - أحدهما إلى نظرته للدمار اكلي قد يعم العالم بسبب القنبلة الذرية، وهذا هو ما تعبر عنه قصائد متعددة تمتد من أقصى تطور تقني في " رؤيا فوكاي " إلى أخيلة القروي الذي يتصور الموت ثعلبا والناس " دجاج القرى "؟ هي تحديقة الشاعر المباشرة في حقيقة الموت، متمثلة في سذاجة الشاعر وثقافته حين يصبح التمييز بينهما أمرا غير ضروري، والثاني هو في مواجهته موته الذاتي، يطل عليه من خلال المرض المزمن، وفي هذا الموقف اليائس يصبح الإنسان مترددا بين العودة إلى الطفولة والأم والقرية، ليحس بالنجاة المؤقتة من مخلب الموت، وبين استدعاء الموت نفسه لأنه؟ فيما قد يبدو - أهون من مكابدة المرض. ويدرك الشاعر أن العودة للطفولة مستحيلة:
وهيهات ما للصبا من رجوع
أن ماضي قبري واني، قبر ماضي
موت يمد الحياة الحزينة؟
أم حياة تمد الردى بالدموع
стр. 87
ولهذا فهو يصرخ مستدعيا الموت:
منطرحا أصيح انهش الحجار
أريد أن أموت يا اله
بل أنه حين يعود إلى الطفولة، إلى القرية، يحس بالتغير؟ أي بفعل الزمن، ولهذا فإنه يتساءل حائرا:
جيكور ماذا؟ أنمشي نحن مع الزمن
أم أنه الماشي
ونحن فيه وقوف؟
أين أوله؟
وأين آخره
هل مر أطوله
أم مر أقصره الممتد في الشجن؟
وليس يوازي تجربة السياب؟ في الشعر الحديث - تجربة أخرى، تريد أن تحيي الماضي؟ ماضي اطفولة -
طفولتي، صباي، أين؟. أين كل ذاك؟
أين حياة لا يحد من طريقها الطويل سور
كشر عن بوابة كاعين الشباك
تفضي إلى القبور؟!
كما تحاول أن تعد الزمن، سنة سنة، " عشر سنين سرتها إليك " و " ثلاثين انقضت "؟ الخ، أن السياب يقف في التجربة؟ تجربة الزمن والموت - شاعرا متفردا، لأنه كان حالة متفردة. انه لا يتفلسف كثيرا حول المشكلة، وإنما كان يعيشها.
стр. 88
ومهما يكن من شيء، فإن الزمن عند خليل (طفل؟ غول) ، ربما كان مخيفا ولكنه رغم شكله المخيف ما يزال طفلا، كما أن الزمن عند السياب " ثعلب " - يصطاد دجاج القرى، وقد يكون في شكل آخر أكثر أخافة، ولكنه حقا لا يبلغ صورته المخيفة عند نازك، التي تراه في صور مخيفة مقيتة فهو حينا " الافعوان " الذي يسد كل الدروب، مطاردا، خانقا كل شيء، يقتفي الخطوات، ويتجسد في كل اتجاه، حتى أنه ليغلق كل باب للفرار،
ذلك الغول أي انتعاق
من ظلال يديه على جبهتي الباردة
أين أنجو وأهدابه الحاقدة
في طريقي تصب غدا ميتا لا يطاق
أين أمشي، وأي انحناء
يغلق الباب دون عدوي المريب
أنه يتحدى الرجاء
ويقهقه سخرية من وجومي الرهيب
؟
أين أين أغيب
هربي المستمر الرتيب
لم يعد يستجيب
لنداء ارتياعي وفيم صراخ النداء!
وهو حينا سمكة ميتة، تكبر وتكبر، لتحول بين المحبين، وتنذرهما بالأفتراق،
ومشيا لكن الحركة
ظلت تتبعنا والسمكة
تكبر تكبر
حتى عادت في حضن الموجة كالعملاق
стр. 89
وصرخت رفيقتي أي طريق
يحمينا من هذا المخلوق
لنعد فالدرب يضيق يضيق
والظلمة محكمة الإغلاق
ومن ثم تختلف نازك في موقفها إزاء الزمن؟ من خليل حاوي والسياب - فهي ترى في الزمن قوة جبارة مطاردة، والإنسان يحاول أن يهرب منها، ولكنه لا يملك أن ينجو، أو لا يكاد يملك ذلك. وليس الافعوان أو السمكة آو السحلاة، رموزا لقوة متميزة، مستقلة بذاتها تمثل وجودا في مقابل الوجود الإنساني، يقوم بينها وبين الوجود الإنساني صراع مستمر، وتكون الغلبة لها في كل جولة، وما الإنسان بالنسبة لها إلا كيان ضعيف، يحاول أن ينجو، ويتلمس كل سبب للنجاة دون أن يستطيع ذلك، وقد يكون " السمكة " في بعض حالاتها رمزا لانبعاث الماضي حيا، وحيلولته بين المحبين، ولكن تضخم السمكة؟ رغم موتها - يدل على أن هذا الماضي يستطيع أن يستغرق الحاضر والمستقبل، وأن ينشر رعبه على نحو كلي، فلا يعود محددا بآن واحد.
ونازكعلى وعي بهذا الذي تتحدث عنه، وليست رموزها للزمن؟ القوة الجبارة - عفوية، ففي مقدمة ديوانها " قرارة الموجة " حديث صريح عن ذلك، حين تتخيل نفسها تتحدث إلى أخرى؟ إلى القرينة التي جردتها من ذاتها - حول فكرة الزمن نفسها، وفي أثناء هذه المحاورة تقول: " أني لا أخاف الزمن، أني اسأمة وحسب "، وتقر أن السمكة رمز للزمن؟ أي الفراق بين الصديقين - وتذهب إلى أن فراق " عشرة أشهر "؟ مثلا - يجعل من المستحيل على الأصدقاء أن يعودوا أصدقاء، لأن كلا منهم قد تغير
стр. 90
ولم يعد هو نفسه، ليحس إزاء الآخر بمثل ما كان يحس به من قبل، وهذا هو ما تعنيه بالشخص الثاني:
الشخص الثاني، من أعماق شهور التيه المطموره
حاكته دقائق تلك الأيام الجانبية المغروره
وترسب في عينيه تثاقلها ورؤاها المذعوره
وما دام الأمر كذلك، فإن المحبين بعد أي فراق مهما يكن قصيرا؟ أي بعد خضوعهما لفعل الزمن - لا يكونان هما المحبين اللذين كانا من قبل، وسينكر أحدهما الآخر، وفي هذا عذاب متجدد، لأن الصورة التي تكونت عند أول لقاء، أي اللحظة الزمنية المليئة بالإيحاءات، قد أمحت، ولا يمكن استعادتها.
ومن ثم تجد نازك نفسها تنتقل من الفكرة المتافيزيقية للزمن، من حيث هو قوة منفصلة تصارع الآدميين، إلى تصور الواقع الزمني في مراحله الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل، وأكثر ما يغلب على تصورها أن الماضي ميت، وأن المستقبل كذلك ميت. وكيف يمكن لقوة ميتة في الماضي وفي المستقبل، أن تكون مخيفة إلى الحد الذي تتصوره الشاعرة، وحقيقة الأمر أن هنا فرقا بين الزمن حين يكون؟ في الخارج - قوة مجردة، وبين الزمن حين يكون علاقة انسانية، فهو في الحال الثانية يمكن أن يكون حيا أو ميتا، مليئا أو فارغا بسبب احساس الإنسان به، أما في الحالة الأولى، فإنه صورة من الموت، ولذا فإنه قوة لا يستطاع التمرس بها.
والأمس في شعر نازك؟ في أغلب المواقف - ميت " جثة الماضي الغريق "، لا يمكن أحياؤه أو بعثه، والتعبير عن موته يتخذ صورا مختلفة، ويتكرر في مواقف متعددة، ونادرا ما ينتقض موت الماضي بعودته إلى الحياة أو بالعودة
стр. 91
إلى الطفولة، وفي قصيدتين متقاربتي التاريخ (١) تعبر نازك تعبيرين مختلفين عن هذا الماضي، في أولاهما تصور الخوف الرهيب من الزمن؟ ومن الموت - وتحاول أن تتخذ فكرة تحجبها عن عيون السنين، وأن تشير إلى موضع قائم في المدى المرتمي محجوبا بالظلال، حيث يتم العبور إلى موطن لا يستطيع الزمان البليد أن يصل إليه، إلى عالم حافل بالوعود، ولكنه ليس الأمس:
سنمحو الزمان، وننسى المكان
هناك ونقسم الا نعود
إلى أمسنا المنطوي
سر بنا!
ومع إن التعبير عن هذا الموضع مقترن بالاستقبال (سنعبر، سنحيا، سنمحو) فإن الزمن المنقذ ليس هو المستقبل أو الغد، وفي القصيدة الثانية حلم - أو محاولة حلم - بالعودة إلى الطفولة، والمسير إلى الأمس:
سنحلم أنا نسير الأمس لا للغد
ومع ثقل الأمس وتجهمه ومحاولة الهرب منه، فإنه يبدو أخف وقعا من الغد ذلك المجهول المطلق، ولذلك فإن أهداب الافعوان واقفة بالمرصاد تصب " غدا ميتا لا يطاق ". كما أن انتظار الغد يعني مواجهة القبور التي " تمد إلينا بأذرعها الباردة " ولهذا فإن النجاة من الاثنين؟ الماضي والمستقبل - إنما يتم باللجوء إلى دائرة " اللازمان "، وهي الدائرة التي
стр. 92
تسميها الشاعرة " يوتوبيا " منطقة يتعطل فيها حكم الزمن، وتتخذ صفة الكمال والخلود، ولكن الشاعرة تتصور يوتوبيا هذه على ألوان فمرة تراها عالما يموت فيه الضياء، ومرة عالما يبقى فيه الضياء ولا تغرب الشمس، ومرة ثالثة حيث ديانا (ربة القمر) تسوق الضياء، ولكن الصفة الثابتة لها أنها أفق أزلي لا يدركه الفناء.
وبين ألامس الميت والغد الرهيب يقع الحاضر، وهو في الغالب يمثل الفراغ، والزمن فيه بطيء العبور، تتمطى دقائقه تمطيا، ولذلك يوصف الزمن هنا بأنه بليد، وتمثل " الساعة " آلة بغيضة بلهاء، لأنها مقترنة بعد الدقائق البطيئة:
دقت الساعة في الظلمة تسعا ثم عشرا/ تململت الساعة الباردة على البرج/ وأنا أصغي وأعد دقائقها القلقات، ويمكن التغلب على حركة الانتظار هذه بمشاهدة المتحركات في الزمن، كالقطار مثلا حيث يشكو الآخرون البطء " هذي العقارب لا تسير " ويتساءلون: كم مر من هذا المساء متى الوصول؟ / وتدق ساعته ثلاثا في ذهول/ فان مراقبة هذه المتحركات تأمل في زمن الاخرين، وتخفيف من ثقل الانتظار. كما يمكن التغلب على هذا الحاضر بالسير المستمر في المكان - دون وصول - (لان الوصول يعني الموت) والسير في مكان يتجاهل فيه عامل الزمن ينقذ من العودة التي سيكشف للأعين أن كل شيء مررنا به وخلفناه وراءنا قد تغير:
لماذا نعود
أليس هناك مكان وراء الوجود
نظل إليه نسير
ولا نستطيع الوصول
стр. 93
مكان بعيد يقود إليه طريق طويل
يظل يسير يسير
ولا ينتهي
غير أن المكان غير موجود، مثله مثل يوتوبيا، ولذلك كان لا بد من العودة والمرور بالتغيرات التي تحول الأمكنة إلي أمكنة أخرى والشخص إلى شخص ثان، وذلك يعني التعايش مع أشياء لم تؤلف من قبل، ومع أن هذا التجدد كان يمكن أن يخلق بهجة متجددة، فإنه عند الشاعرة نذير بالسأم والضيق، مثله مثل الركود الزمني، لا يخلق سوى الإحساس بالضجر في شعر نازك صور مختلفة، توازي التعبيرات المتعددة عن بطء الزمن، وعن الإحساس بالفراغ، وليس التعبير عن " البطء " من أجل التأمل في الزمن، أو للاستسلام للحلم، وإنما هو صورة لاستثقال الحاضر والفزع من الآتي. ويجدر بنا أن نتأمل هنا في موقفين أحدهما: تجسيد الزمن في صورة قوة خارقة، قوة تكاد تكون مرئية، هائلة في قدرتها على المطاردة، وسد جميع المنافذ والدروب، والثاني: الزمن البليد البطيء المتثاقل الذي تتشابه لحظاته في رتابتها، بحيث لا تعنى الشاعرة أبدا بالإمساك بأية " لحظة " مفردة فيه واستدامته والاحتفاظ بها، وهاتان الحالتان يمثلهما الرمزان الكبيران: الافعوان الذي يرمز إلى الجبروت والمطاردة، والسمكة الميتة التي تكبر وتتضخم رغم موتها، وهي ترمز؟ بحركتها - إلى بلادة الزمن، وتثاقله، وهذا الزمن في حاليه - في صراع مستمر مع الحب، ولا تكافؤ، لأن الحب دائما خاضع له أو منهزم، بل أنه في بعض الحالات يقتل الحب بخلق العداوة، والبغض، وأحداث التغير في الناس والأشياء.
стр. 94
وينحسر هذا الظل المديد الذي يمثله الزمن في شعر نازك؟ انحسارا غير قليل - في ديوانها " شجرة القمر "، وسر ذلك أنها اكتشفت التعويض عنه بالفن، وإلى هذا ترمز قصيدتها " شجرة القمر " نفسها، فهي مبنية على قصة طفل كان يحلم أن يصيد القمر، فلما تحقق حلمه ثار الناس عليه يريدون استرجاع قمرهم، فما كان من الطفل إلا أن زرع القمر، واستنبت منه شجرة تتدلى من أغصانها أقمار فضية، ثم رد القمر الأصلي إلى السماء، فالقمر عند نازك يرمز إلى الطبيعة (وهو في الوقت نفسه صورة للزمن) ، والطفل هو الفنان، والشجرة هي فنه المستمد من الطبيعة، المستقل عنها في آن معا، وبه وجد الطفل (الفنان) رضى عوضه عن الطبيعة والزمن كذلك، وتقول نازك أنها استعارت الأسطورة دون رموزها - من قطعة شعرية إنكليزية مما يكتب للأطفال، ولعلها لو لم تقرأها هنالك لخلقت مثلها، فإن رغبة الطفل في صيد النجم (أو القمر) موجودة في شعرها من قبل، وإنما كانت تلك الرغبة بحاجة إلى تطوير:
وافقنا وانتهى الشيء الذي خلناه حبا
وتبقت حولنا الذكرى التي تسخر منا
من خيالات صغيرين بدأ نجم فظنا
أن في وسعهما أن يمسكاه فأشرابا
لحظة ثم تهاوى السلم
في برود وتلاشى الحلم
فهذا النجم الذي كان " طفلان " يريدان صيده هو " الحب " ن وكان صيده وهما تلاشى من بعد، ولكن هذا النجم حينما أصبح " فنا " استطاع الطفل أن يحوزه، وأن يخلق مثله، وبانتقال الصراع من دائرتي الزمن والحب إلى
стр. 95
الصراع بين الزمن والفن، تضاءلت قوة الزمن، لأن الفن يكفل الخلود والرضى والطمأنينة. بل الأمر أكثر من ذلك وأبعد دلالة، فقد كان الحب رابطة بين اثنين، معرضة للاهتزاز وللانفصام، وكان الزمن زونهما، الخاص بهما (أو بالشاعرة وحدها) أما الفن فإنه استطاع أن يرضي الذات (وبالتالي سيرضي الآخرين) كما أن إرجاع القمر (الطبيعة؟ الزمن) إلى الناس كان يعني اعترافا بأن لهم حق المشاركة فيما كان يحبه الفنان (أو يخاف منه) ، ومن هنا تتفتح المشاعر الذاتية على الآخرين، وتأخذ في تحسس مشكلاتهم وقضاياهم على نحو أرحب، وبتعاطف أشد، ومن هنا أيضا يشرب الخوف من الزمن (ومن الموت) في غمار المشاركة الجماعية، وذلك ما ينبئ عنه التطور؟ الموضوعي - الذي شهده شعر نازك (١) .
وحين يحاول الدارس أن يحدد فكرة أدونيس عن الزمن؟ من شعره - تواجه عقبات كثيرة، منها أن الشاعر أكثر من استعمال الفعل المضارع، وأعيا أن تلك الصيغة لا ترتبط بزمن محدد؟ في اللغة العربية - فحين يقول:
في عالم يلبس وجه الموت
لا لغة تعبره لا صوت
(تولد) عيناه
يدرك أن لفظة " تولد " تعني هنا الديمومة، وكذلك هو قوله:
بين الصدى والنداء - يختبئ)
تحت صقيع الحروف (يختبئ) .
стр. 96
بل أنه حين يستعمل الصيغ التي تدل على المستقبل (سافر في موجة في جناح/ سأزور العصور التي هجرتنا/ والسماء الهلامية السابعة) فإن الناحية الزمنية تتضاءل إلى جانب الإرادة، التي قد تحقق وجودها أيضا في لا زمن، أو قد تجيء المقطوعة مفرغة من كل دلالة زمنية، خالية من أية صيغة فعلية، مثل قوله:
خرساء أو مخنوقة الحروف
أو لا صوت
أو لغة تحت أنين الأرض
أغنيتي للموت
للفرح المريض في الأشياء للأشياء
أغنيتي للرفض
يا كلمات الرعب والدواء
يا كلمات الداء.
بل كثيرا ما تكون صوره الزمنية غير ذات دلالة على الزمن، ففي قوله يخاطب أبا نؤاس:
تائه والنهار حولك دهر من الدمن
شاعر كيف يشرئب
على وجهك الزمن.
نجد أن أبا نؤاس في " حضور " لا علاقة له بالماضي، والحديث عن النهار الذي هو دهر من الدمن إيماء إلى الشعر المثقل بوصف الأطلال، واتباعية التراث، والتعبير عن " الزمن الذي يشرئب " إشارة إلى ولادة الثورة التجديدية؟ على يد أبي نؤاس - فاستعمال ألفاظ " النهار " و " الدهر " و " الزمن " واهي الصلة بحقائق الزمن، فالزمن؟ وخاصة الماضي - لا يحمل قيمة في ذاته، وإنما القيمة الكبرى
стр. 97
للإنسان؟ الشاعر، فإنه هو الحقيقة التي تبدأ منها الحقائق، ذاهبة في تيارها المستقبلي،
يولد في عيني معنى الضحى
تبدأ من نفسي كل الدروب
ومن ثم يغدو أمس الشاعر " غدا "، وينعدم وجود الأمس، ويصبح الموت صديقا، وتصبح ثانية الشاعر بما يملؤها من حيوية وإبداع وألق سنوات، أن الزمن قد يكون عدوا للطاغية، مثلا، لا للشاعر، ولهذا فإن الطاغية يحس أن علاقته بالزمن طغيان متبادل:
زمن يجري، زمن يهرب مثل الماء
وأنا أجري
كل نهار سكين في أحشائي
والليل حراب،
ومن ثم نجد أن بعض أقنعة (١) الشاعر تستعصي على الموت، فزيد بن الحسين يقتل ويصلب ثم يحرق وينثر رماد جثته فوق الماء، ولكنه لم يمت لأنه ظل رمزا حيا إلى الأبد.
الجسم يصاعد في رماد
مهاجر كالغيمة الخفيفة
والرأس وحي نار
عن زمن الغيوب والثورة والثوار
يقرؤه السياف للخليفة؟
стр. 98
ومهيار: يأمر تيمور الطاغية بتعذيبه ثم يقطع جسده إلى أجزاء صغيرة ترمى في جب للأسود ويفصل رأسه عن جسمه، ولكنه يظل هو " النفس المزروع في رئة الحياة "، ويظل رأسه يتحدث عن موته الذي كان " فوهة الزمان، كان الوعد والمجيء " وعن جسده الذي سار أمامه:
أزمنة، مدائنا
تواكب النهر
مسرحها بضفتين: الحب والبشر
وحين توحد بالأرض والكون والموت والزمن صار هو " المدى والمدار "، أو هو الحقيقة المطلقة، بل لعله أكبر من كل ذلك.
ليس للزمن وجود ذاتي متميز عن أدونيس، وإنما هو مجال، ساحة لدينامية الإنسان، امتداد، أهم ما يعكسه حركة الإنسان في داخله وأحيانا في خارجه - ولهذا بدلا من أن يركز نظره في الزمن، وإحساسه الكلي في تقلباته وتجسداته، كما تفعل نازك التي تسمع وقع خطى الأيام، وتحس دبيب أقدام الليل، فإنه لا يحاول أن يرى سوى الصيرورة المستمرة، وحياة التحولات في أقاليم الليل والنهار، أن أدونيس لا يبحث عن زمن ضائع - كما فعل بروست - وإنما يلاحق زمنا لم يولد بعد، بل أن قولنا " لم يولد بعد " مجاز، لأن الإنسان متحد به، وهو في صيرورته المستمرة يرسم له أبعاده.
وحسبنا هنا أن نعرض مثالا واحدا يصور هذه الصيرورة؟ قناعا آخر من أقنعة أدونيس - بعيدا بعض الشيء عن " تأله " مهيار، وقدرته على توجيه الحياة الإنسانية، وعن تكييف الإنسان؟ بقدرة يسميها الناس خارقة - مثالا يتحرك في التاريخ، ويمثل الإرادة الإنسانية
стр. 99
كما يمثل تواضع الإنسان، وليكن هذا المثال هو " صقر قريش " (١) ؟ عبد الرحمن الداخل - الذي لم يكن دوره التاريخي؟ فكيف بالرمزي - دورا عاديا عابرا.
الصقر يعاني أزمة الزمان والمكان: مختبئ يرى ما يحل بأهله من قتل وصلب، وتنقسم مشاعره بين تذكر قريش وأمجادها، وبين التفكير في النجاة، والزمن يضيق:
وكأن النهار
حجر يثقب الحياة
وكأن النهار
عربات من الدمع
والمكان يضيق، وفارس الموقف كله الموت
والموت يسرج أفراسه
والذبيحة
بجع يتخبط،
ويريد فسحة، يريد عونا من الفرات، يريد من الطريق أن يتسع " والطريق يدحرج أهواله ويضيق "، ولكنه يهيب بالمكان أن يتسع، " أفتحي يا برادي مصاريع أبوابك الصدئات " ومع ذلك فإنه استطاع أن يسير في أرض " أضيق من ظل رمحه ". مشكلة الصقر الكبرى أنه ليس شاعرا، لا يعرف أن يغير الفصول، لا يستطيع أن ينقذ أخاه الطفل، لا يستطيع أن يدجن الغرابة، أن يغير الآجال، أن أشياء كثيرة ستحدث دون أن يستطيع الصقر التدخل في مجراها، لأنه ليس شاعرا، ولكنه في النهاية " يرفع في وله الصبوة والإشراق/ أندلس الأعماق ".
стр. 100
وعند هذا الحد ينتهي الصقر التاريخي ليبدأ الرمز، وتبدأ من ثم تحولات الصقر،: كانت هناك أصوات تنادي الصقر أن يرجع، ولكنها هدأت، وتضاءل صوت الماضي، لكنه لم يتضاءل في الواقع لأن الصلة بالماضي قوية، ويحاول الصقر أن يشدد من عزيمته ليقتل الماضي،
طاغ أدحرج تاريخي وأذبحه على يدي، وأحييه
ولي زمن أقوده، وصباحات أعذبها
أعطي لها الليل، أعطيها السراب، ولي
ظل ملأت به أرضي
يطول، يرى، يخضر، يحرق ماضيه ويحترق،
ولكن صورة دمشق (حبيبة أدونيس) لا يستطيع الصقر أن ينعتق منها بسهولة، ولهذا فإنه يعيش لحظات طويلة، مشدودا إلى هذا الماضي الدمشقي، الذي ينتهي ب " عفوك يا دمشق "؟ وهو تردد بين الرثاء والتحطيم، وحين يصعد الصقر؟ الشاعر إلى أبراج الموت، يمحي الصقر، ويبرز أدونيس، ليعيش لحظات مترددا بين انتماء إلى دمشق الماضي أو القدرة على التحول، ويعاوده الحنين إلى الحضارة القديمة، فيلم ببغداد، ليلقي بالزمن:
الزمن أخضر نما وطال
أورق في الجدران والحصون
الزمن الأنهار والتلال
والزمن العيون:
قامات أحجار ربيعية
في غابة الروح الفرائية
وليقرأ الشواهد التي كتبت على قبر الصقر (الشاعر) ، وليفيد منها أن قوة الموت أن كانت قد استطاعت التغلب على الصقر، فإن زوجة فقيرة كانت على وشك أن تعلن ولادة، صقر جديد
стр. 101
وقيل كانت زوجة فقيرة
هنا وراء التلة الصغيرة
حبلى
وبين الليل والنهار
في الصمت
في التمزق المضيء
تنظر الطفل الذي يجيء.
أن هذه القصيدة التي تعد من أكثر قصائد ادونيس واقعية، تصور حقيقة التحول على شكل صراع بين الماضي والمستقبل، وميزتها الكبرى أنها تنصف الماضي ولا تهزأ من علاقاته، ولا تحاول الاستخفاف به أو التهوين من قيمته، وإذا كان الانعتاق من الماضي ضروريا فإنها تصور صعوبة ذلك الأنعتاق، وهو شيء يجب أن لا نعده موقفا رومنطقيا، فإنه نابع من شخصية الصقر نفسه الذي كان يقول رغم ما حققه من طموح ومجد، مخاطبا النخلة: " يا نخل أنت غريبة مثلي "، وإذا لم تكن هذه الغربة إنسانية، فماذا تكون؟ هي غربة علها أصدق بكثير من حديث رأس " مهيار " في حقيقة الواقع الإنساني.
وللزمن في شعر محمود درويش قصة أخرى، ربما راقه أن يعود إلى الماضي متمثلا في الطفولة، إلا أنها ليست عودة وإنما هي استكشاف:
وأثير جسمك
تولد اليونان
تنتشر الأغاني
يسترجع الزيتون خضرته
يمر البرق في وطني علانية
ويكتشف الطفولة عاشقان
стр. 102
بل أن هذا بل أن هذا الاكتشاف ألا في حالة دون أخرى، ذلك لأن سمات الطفولة لا تتغير، ليس الطفل أبا للرجل (كما يقول وردزورت) وإنما الطفل هو الرجل، ففي الطفولة كان الطفل " صغيرا وجميلا، كانت الوردة داره والينابيع بحاره "، ثم أن الوردة هي التي تغيرت فصارت جرحا، والينابيع هي التي تغيرت فصارت ظمأ، أما الطفل فلم يتغير كثيرا، ظل " صغيرا وجميلا " واستطاع أن يحول الوردة إلى نخلة والينابيع إلى عرق، أن الأشياء تكبر حقا، فتلقي ظلالها على الطفولة، حتى تخيل للناظر أن الطفولة تجاوزت عهدها، ولكن بشيء قليل من التأمل تتضح الحقيقة.
وهذا الطفل لا يخشى الزمن، أنه يأخذه بيديه كأنه دمية (ربما كانت دمية متفجرة وهو لا يدري، ولكنه يحبسها كالخرز الملون) يداعبها " كأمير يلاطف حصانا ":
إني أحتفل اليوم
بمرور يوم على اليوم السابق
وأحتفل غدا بمرور يومين على الأمس
وأشرب نخب الأمس
ذكرى اليوم القادم
وهكذا أواصل حياتي (١) .
وفي هذه " المداعبة " يتضح التمويه، فالزمن قد لا يكون مرعبا للطفل، ولكن هذا الطفل الذي كبر أخذ يحس بثقل أيامه، ويحاول تزجيتها على نحو من المعاناة التي تتطلب؟ رغم عد الأيام - شيئا من النسيان، ولكن هذا النسيان
стр. 103
غير متأت لارتباط الماضي بالحاضر ارتباطا وثيقا حتى أنه " حين أحيا الذكرى الأربعين لمدينة عكا أجهش بالبكاء على غرناطة ". المشكلة؟ إذن - أن الطفل يحاول إلا يكبر فيستكشف أن الذاكرة كبرت واتسعت، وأنه رغما عن التشبث بثبات الزمن على حال لا تتغير، يجد أن الزمن يمتد في بعد آخر، في اتجاه جديد، وتمتلئ الذاكرة بالذكريات، وهو يحاول أن يتخلص منها فلا يزداد منها إلا قربا:
من كل نافذة رميت الذكريات كقشرة البطيخ
واستلقيت في الشفق المحاذي للصنوبر (تلمع الأمطار
من بلد بعيد، تقطف الفتيات خوفا غامضا)
والذكريات تمر مثل البرق في لحمي، وترجعني إليك
إليك. أن الموت مثل الذكريات كلاهما يمشي إليك.
يكاد يكون من المستحيل الثورة على الذاكرة لا لأن الذكريات أحيانا تكون " هوية الغرباء " وحسب، بل لأن الزمن " يضاجع الذكرى وينجب لاجئين ".
ها هنا مشكلة تبحث عن حل: هل يكون هذا الحل في الامتداد الجغرافي؟ لقد جربه " عبد الله "؟ صديق الشاعر؟ فماذا حدث؟:
كان عبد الله حقلا وظهيره
يحسن العزف على الموال
والموال يمتد إلى بغداد شرقا
وإلى الشام شمالا
وينادي في الجزيره
؟.
يقفز الموال من دائرة الظل الصغيره
ثم يمتد إلى صنعاء شرقا
وإلى حمص شمالا
وينادي في الجزيره
стр. 104
ولكن هذا الامتداد لم ينقذ عبد الله " وتدلى رأس عبد الله/ في عز الظهيرة " لنبحث إذن عن حل آخر، لعله في التشبث بالحاضر والدخول في لفظة " الآن " دخولا لا منفذ له:
وإن لا أحزن الآن
ولكني أغني
أي جسم لا يكون الآن صوتا
إي حزن لا يضم الكرة الأرضية الآن
الآن؟ الآن؟.، بل لعله الخروج من الجلد ومبارحة شيخوخة المكان، ولكنه كلما فعل ذلك لم يجد " غير وجهه القديم الذي تركه على منديل أمه "، بل لعله الخروج خارج جدار الزمن والاستنامة إلى نوع جديد من الموت:
وبودي لو أموت؟.
خارج العالم في زوبعة مندثرة
ولكنه يعجز عن ذلك لأنه أتحد بالمحبوبة؟ الأرض - الأم وانتشر على جسمها كالقمح، كأسباب بقائه ورحيله، وهي تنتشر في جسمه كالشهوة، مستحيل أن يحقق ذلك: أنها تحتل ذاكرته كالغزاة، تحتل دماغه كالضوء، ما أقسى تلك المحبوبة! ليتها تقول له مرة واحدة " أنتهى حبنا " لكي يصبح قادرا (لا على النسيان) بل على الموت والرحيل، ليتها تصبح زوجة له " ليعرف الخيانة مرة واحدة "، اتحاد الشاعر بالمكان هو سر صلابته أمام الموت، أمام الزمن، مثلما هو في الوقت نفسه سبب الوجد والعذاب المبرح، وحين يبتعد عن المحبوبة قليلا يجد الزمن متحيزا متشخصا، فإذا عاد إلى اتحاده بها فقد الزمن ووجد هويته. وإذن فإن الحل؟ إن كان ثمة من حل - هو في التمسك بالصلابة والمقاومة حتى النهاية، فإنها وحدها القادرة على خلق الاستحالة
стр. 105
المتجددة، وفي كل خروج من مسامير العذاب بحث مستأنف عن " شكل جديد لوجه الحبيب "، وعلى مرأى من الزمن نفسه يستطيع المحب أن يهدي إلى تلك المحبوبة ذاكرته، أن يتحدث عن تلك الاستحالة المتجددة، وأن يمزج ذكرياته، بذكرياتها، ورغم أن الطفل في هذا الموقف أحس بأنه قد كبر، وكبر المساء، وكبر الرحيل، وأصبحت المحبوبة " غزالا سابحا في حقل دم " فإنه وجد بين يديها الولادة الجديدة:
والموت مرحلة بدأناها
وضاع الموت
ضاع؟.
في ضجة الميلاد
فامتدي من الوادي إلى سبب الرحيل
جسما على الآوتار يركض
كالغزال المستحيل.
هل بعد ذلك كله يهم أن نجد الزمن مقياسا؟ بعد قليل، بعد عام؟ بعد عامين،؟ ما الفرق؟ أننا؟ بدلا من ذلك - بحاجة إلى مقياس للمكان حتى لو فعلنا كما فعل سرحان الذي " يقيس الحقول بغلاته ".
* * *
هذه خمسة نماذج لتصور العلاقة بين الشاعر الحديث والزمن (والموت) ، وفي تفرد كل نموذج منها بخصائص ومميزات فارقة، ترتسم سمة واضحة تتخذ علامة على موقف إنساني يميز اتجاها عن آخر، ولا ريب في أن مزيدا من الأمثلة يستطيع أن يوسع من حدود الافتراق والتلاقي بين الشعراء حول هذا الموضوع، غير أنه لا يفوتنا أن نلحظ
стр. 106
مدى التفاوت الذي تم؟ حتى في هذا النطاق المحدود - بين زمن رومنطقي خالص (وأحيانا متافيزيقي) كما هو الحال عند نازك والسياب، وبين زمن قائم على الصيرورة المستمرة، يفعل فيه الإنسان ويتفاعل به، ويقف محمود درويش في مرحلة بينهما، وأن كان؟ مع الزمن - قد أخذ يقترب من الثاني.
стр. 107
٥ - الموقف من المدينة
سوف أناديك من المدائن المسبية - الممنوعة -
الفاقدة الذاكرة - المنسية - المقطوعة
الأثداء.
(البياتي: كتاب البحر: ١٣٩)
حين استنكر الفرد دي فيني " القطار "، لأنه رمز العجلة، والعجلة من الشيطان، كان في الواقع يعلن عن شيئين معا: عن تذمره من اختلال العلاقة بين الإنسان والزمن، إذ أن هذه السمة المميزة للإنسان، (كيف لو عرف الطائرات والمركبات الفضائية!!) وعن هذا التطور الحضاري السريع الذي ينقل المرء؟ دون أن يعي - إلى عالم جديد يحس فيه بالاغتراب، وفي كلتا الحالتين كان يعبر عن " صدمة حضارية " أحسها تجاه التطور الآلي الجديد.
ترى هل تمثل المدنية لدى الشاعر العربي الحديث مثل هذه " الصدمة الحضارية " التي أحسها دي فيني إزاء القطار؟! إن كثيرا من الباحثين يميلون إلى الاعتقاد بأن المدينة في العالم العربي ليست سوى " قرية " كبيرة، وأن الشاعر حين يحس بتضايقه من المدنية ويتحدث عن الغربة والقلق والضياع؟ مجرد محاكاة - شعراء الغرب حين والقلق والضياع إنما يحاكى؟ مجرد محاكاة - شعراء الغرب حين يضيقون ذرعا بتعقيدات الحضارة الحديثة، وبالمدينة الكبيرة ممثلة لها.
стр. 108
أما أن الشاعر الغربي يعبر عن تضايقه من الحضارة الحديثة؟ لأسباب عديدة - ومن المدينة رمز تلك الحضارة، فأمر لا يحتاج توضيحا أو مناقشة، وأما أن الشاعر العربي الحديث، مقلد له في هذا المجال، فأمر محوط بالشك الكثير، ذلك لأن المسألة لا تعدو ان تكون نسبية، ففي البلاد العربية مدن؟ مهما يكن حظها من الضخامة - تختلف فيها طرز الحياة اختلافا غير قليل عما هي الحال في الريف، وقد كان من المصادفة المحض أن يكون عدد من الشعراء المعاصرين ريفيي النشأة ثم هاجروا إلى المدن، فالصدام بينهم وبين المدنية لا يعني مقتا للحضارة ووسائلها، وإنما هو تعبير عن " عدم الألفة " بينهم وبين البيئة الجديدة، لأسباب مختلفة.
فمن المعروف أن أول ما يحس به الريفي تجاه المدينة هو النفور من الضجيج الكبير والازدحام والتدافع، واضطراره إلى تغيير طريقته في المشي المتباطئ واستحداث سرعة لم يألفها من قبل في الحركة عامة، والإحساس بالحيرة والخوف إزاء أدوات المواصلات وتعقيدها، واللامبالاة في سرعتها دون تقدير لشعور المشاة، يرافق كل هذا انبهار مشوب بالرهبة من الأضواء والمباني والمنشآت الكبيرة، فإذا أتيح له أن يمكث في المدينة؟ مكوثا مؤقتا طويلا - وأن يفيد من الخدمات الكثيرة فيها من تعليم واستشفاء ووفرة في مواد الاستهلاك، ومعارض ومتاحف ودور سينما، لم تكد هذه المزايا تنسيه أنه أيضا يجد فيها أن كل شيء محسوب بزمن، وأن الساعة تتحكم في كل العلاقات والتصرفات، وأن هناك عادات ومواصفات لا يستطيع أن يطمئن إليها بسهولة. ويبدأ يحس بالفارق الضخم بين المجتمع الفقير والمجتمع الغني في المدينة نفسها، ولعل أشد ما يصدمه أن كل شيء يباع، فتأخذه الحسرة على ما فقده من " فضائل " الريف
стр. 109
وأخلاقياته وعاداته، وينسى أن المدينة منحته حرية فردية كبيرة وخلصته من أسر العادات الرتيبة وقبضتها الوثيقة، ذلك لأنها؟ مقابل هذه الحرية - قد حفزت أعصابه إلى حد " العصاب " بضجيجها وعجيجها، ووضعته في خوف مستمر من الجريمة، وفي معاناة ضميرية إزاء فئات المومسات والقوادين والمنحرفين والسكارى ومدمني المكيفات والضائعين من الأطفال والمتسولين والنشالين والطفيليين، وفي سخط دائم على تعقيدات البيروقراطية، والرشوة والوساطة و " الأتكيت " الاجتماعي المشوب بكثير من النفاق، وفي قمة ذلك كله يتولد لديه شعور بالاغتراب والعزلة وإحساس بفقدان الحرارة في العلاقات الاجتماعية جملة.
وقد ذهب كثير من علماء الاجتماع إلى أن كثيرا من الإحباطات التي يحس بها ساكن المدينة إنها هي نتيجة صراع أساسي بين القيم: بين الذات والمجموع، بين الحرية والسلطة، بين التنافس الحاد والمحبة الأخوية؟.الخ، وأن الفرد يحس أن قيما عزيزة على نفسه قد تحولت عن طبيعتها، وفي النفور من هذا الوضع يحاول المرء أن يجد لنفسه مهربا أو مسربا، وإذا كان ساكن المدينة يحس بذلك كله فإن المهاجر اليها من الريف لا يملك إلا أن يكون أحساسه به حادا طاغيا.
ولا أود أن استرسل في هذا المنحى، إذ لست أقصد إلى دراسة المدينة من الزاوية الاجتماعية، وإنما الذي يهمني هنا كيف تنعكس صورة المدينة لدى الشاعر الحديث، على أساس من فهم اجتماعي دقيق، وتكاد أن تكون الصدمة الأولى التي يعكسها هذا الشاعر أن تكون متصلة بفقدان " النقاء " المعنوي في المدينة، يوازيها حنين عميق إلى صفاء الريف وبعده عن الرذائل، وفي مقدمتها جسد المرأة، ولهذا
стр. 110
كانت صورة بغداد عند السياب إنها " مبغى كبير "، ولا غرابة في هذا الشعور لدى شاعر كانت من أول التجارب الشعرية لديه قصيدة " المومس العمياء " وقصيدة " حفار القبور "، ثم ازداد هذا الشعور حدة؟ على الأيام - بسبب الخيبة في العمل المناسب وفي قضايا الحب والانتماء الأيديولوجي وغير ذلك من محبطات.
أن تصور الشاعر الحديث للمدينة في صورة امرأة؟ ثم في صورة امرأة متعهرة - يكاد يكون قسطا مشتركا بين عدد كبير من الشعراء، وهي صورة ليست جديدة بل هي متوفرة في الأدب القديم والوسيط، ويستوي عند الشاعر الحديث أن تكون المدينة قائمة تنتسب إلى العصر الحديث، أو ممثلة لحضارة قديمة. والشاعر الحديث يحدد المدينة التي يتحدث عنها باسمها؟ غالبا - فهي بغداد أو بيروت أو دمشق أو القاهرة، ولا يتحدث عن " المدينة " بإطلاق، إلا نادرا. وفي هذا ما يؤكد أن الصدمة الناجمة عن لقائه بها ليست ثورة الحضارة أو كرها لها، بل هي صدمة علاقة بين ذاتين.
فدمشق أدونيس امرأة، إلا أنها كثيرا من صفات المجتمع العربي عامة، تلك الصفات التي يحاول أدونيس أن يحطمها (وبذلك تختلف غايته من حديثه عن المدينة عن غايات الشعراء الآخرين) :
يا امرأة الرفض بلا يقين
يا امرأة القبول
يا امرأة الضوضاء والذهول
يا امرأة مليئة العروق بالغابات والوحول
أيتها العارية الضائعة الفخذين يا دمشق