← Адаб

Адаб · id 1018

اتجاهات الشعر العربي المعاصر

إحسان عباس

Полный текст (288 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الشعر " عن التراث، وخلاصة رأيه: يجب أن نميز في التراث بين مستويين: الغور والسطح. السطح هنا يمثل الأفكار والمواقف والأشكال، أما الغور فيمثل التفجر، التطلع، التغير، الثورة، لذلك ليست مسألة الغور أن نتجاوزه، بل أن ننصهر فيه؟. الشاعر الجديد؟ إذن - منغرس في تراثه، أي في الغور، لكنه في الوقت ذاته منفصل عنه. إنه متأصل لكنه ممدود في جميع الآفاق " (١) وكما فعل أبو تمام في القديم حين أتهم بأنه خرج عن عمود الشعر (أي عن التراث الشعري) فجمع ديوان الحماسة ليثبت ما يعجبه في الشعر القديم، كذلك فعل كل من صلاح عبد الصبور وأدونيس، حين أعتمد كل منهما ذوقه الذاتي في صنع مختارات - صالحة للبقاء - من الشعر العربي القديم أيضا. وأما في الموقف الشعري (أي في التعبير عن الموقف من التراث شعرا) فإن الشعراء يتفاوتون بشدة، فهناك من يؤمنون بالتراث ويعتزون به مثل توفيق زياد الذي أن كسر الردى ظهره سنده " بصوانة من صخر حطين "، وهناك الذين يتوقعون إلى التغيير الحضاري، ولكنهم لا يدينون الماضي، وإنما يدينون " تعهر " الماضي بين يدي السادة في الحاضر، ومن هؤلاء الشعراء محمود درويش في قوله: نعرف القصة من أولها وصلاح الدين في سوق الشعارات وخالد بيع في النادي المسائي بخلخال امرأة. فمحمود يميل إلى محاكمة الحاضر، وفضح أساليبه، وهو

стр. 142

في هذا يختلف عن سميح القاسم الذي تتعرض علاقته بالماضي إلى الاهتزازات المتتالية. فبينما تجده حينا يهتز بالتراث وبالماضي دم أسلافي القدامى لم يزل يقطر مني وصهيل الخيل ما زال وتقريع السيوف ويستمد القوة من كل أنواع التراث: ما دامت مخطوطة أشعار وحكايات عنترة العبسي وحروب الدعوة في أرض الرومان وفي أرض الفرس؟. أعلنها حربا شعواء باسم الأحرار الشرفاء وبينما هو ينعى التخلف الحاضر في مقابل " خضرة الماضي الرحيمة " ويقبل " كل نصب المجد بين مقابر الأجداد " ويعدد أمجاد الماضي بزهو واعتداد: عمرت في شيراز قصرا وابتنيت بأصبهان ردهات معرفة وعدت إلى الحجاز بطيلسان وعلى دمشق رفعت رايات النهار مع الاذان وجعلت حاضرة الكنانة في تاج مولانا المعز، جعلتها أغلى جمانه ؟؟ وبنيت جامعة ومكتبة ونسقت الحدائق وهتفت يا أحفاد طارق كونوا المنائر وأغسلوا أجفان أوربا البهيمه

стр. 143

أقول: بينما هو كذلك إذا به يحس أنه قد خدع بالأسطورة التاريخية التي زورها، ويعلن عن سأم الأطفال من تكرار سماع هذه الأسطورة: أطفالنا ملوا البطولات المكررة القديمة سئموا سروجا كالحات صار فارسها الغبار عافوا سيوفا لاكها الزنجار والذكرى السقيمه أن وقفة الوداع بين سميح والماضي، بينه وبين الأب الذي صنع ذلك المضاضي، مشحونة بالأسى، ولا تبدو؟ لسدة الترفق والحنو - حاسمة، وان قبلت نصب الرمس إذا أغلقت أبوابي بوجه الأمس ؟؟ وإن قبلت نصب الرمس لآخر مرة في العمر؟. نصب الرمس ومن ثم يجعل وجهته نحو الغد، نحو العلم وراية الحرية، لأن أنقاض التاريخ لا يستطيع أن تسد مسدها، وهكذا تم الانفصال، لقد طالت بسميح رؤية الحاضر على ضوء الماضي، ومحاولة المقارنة واستخراج العبرة الملائمة، وكانت تنتابه ثورة جارفة أحيانا على ذلك الماضي؟ وخاصة في الأزمات - فيصرخ: يا أبي المهزوم يا أمي الذليله أنني اقذف للشيطان ما أورثتماني من تعاليم القبيلة، ولكنه ظل يؤمن بأنه إلى " تاريخ عظيم " علقت بنعله بعض الوحول، ولهذا كانت معاناته شديدة حين قرر الانفصال، وأعلن؟ في النهاية - عن " مقتل التاريخ "

стр. 144

إلا أنه؟ فيما يبدو - لا يزال يحس بأن الصلة لا يمكن أن تنقطع، لأن التوجه إلى الغد لا يعني رفض الماضي. وأما أدونيس فإنه يطيل الوقوف عند الجوانب السلبية في تاريخنا، حتى لتبدو لهجته رفضا كليا لا علاقة كبيرة بينه وبين ذلك الصوت الذي يتجه نحو الاعتدال، والذي اقتبسته فيما تقدم، ومن أمثلة ذلك قوله في قصيدته المنثورة " مرثية الأيام الحاضرة ": في أية جداول بحرية نغسل تاريخنا المضمخ بمسك العوانس والأرامل العائدات من الحج الملوث بعرق الدراويش، حيث تنخطف السراويل ويحبل الصوف بالعجزة، وتحظى بربيعها جرادة الروح " ولا ريب في أن نظرة أدونيس إلى الماضي متصلة بمبدأي الرفض والتحول المتلازمين، وفي إطار نظرته الكلية إلى الزمن يمكن أن تفهم حقيقة موقفه من التراث، ولعلني أعود إلى الحديث عن موقفه من التاريخ؟ عامة - فيما يلي. وعند الحديث عن علاقة الشاعر المعاصر بالتراث الشعري نرى تفاوتا واضحا كذلك حقا أن اللجوء إلى الشكل الشعري الجديد كان يمثل محاولة للتحرر من الشكل القديم، وقد استطاع هذا الشكل أن يمنح الشاعر حرية في الحركة والاختيار، والتخفيف من رتابة الوزن والقافية، وخلق صور ورموز، والتغلغل إلى ضروب الصراع في الحضارة الحديثة، ولكن ما يزال بعض الشعراء الذين اختاروا هذا الشكل يميلون إلى استعمال الشكل القديم، وما تزال للقافية سيطرة هامة، بل أن الشاعر أحيانا يركب من أجلها نهايات قلقة في سطور قصيدته، كما أن الرتابة عادت تستولي على جانب كبير من هذا الشعر لقلة الأبحر الشعرية التي تصلح للتنويع في التفعيلات. وبينما يحاول

стр. 145

بعض الشعراء إيجاد لغة شعرية جديدة؟ كل بمفرده - نجد أن بعضا آخر منهم ما يزال يستعين بالصور المعروفة المألوفة، والموضوعات المألوفة. فالهجائية القديمة؟ مثلا - ما تزال كذلك في حدتها وعنفها وتعميمها وإن أصبحت تدور حول السياسي المنحرف والشاعر المتملق، كل هذا يحدث اختيارا، عدا ذلك الجانب اللغوي الحتمي الذي أشرت إليه فيما سبق، ولهذا يمكن القول؟ على وجه اليقين لا إرضاء لمحبي التراث - أن هذا الشعر لم يستطع أن يتجاوز التراث الشعري القديم إلا قليلا. ولعل هذا أن يكون وضعا طبيعيا، فإن تصور الشاعر لجمهوره؟ مسبقا - هو الذي يحدد مدى تراثيته أو مدى تجتوزه للتراث، وبين هؤلاء الشعراء من يؤمن أن الشعر فعالية إنسانية لا بد من أن تؤدي دورها في إيقاظ المجتمع، وفي هذا الصدد تصبح مخاطبة المجتمع؟ أو الجمهور - وصلا لهذا الشعر بالتراث حتى يستطيع ذلك المجتمع؟ او الجمهور - التراثي في نزعته قادرا على تذوقه والتأثر به. وأما موقف الشاعر الحديث من التراث الحضاري بعامة، فإن الحديث عنه يستلزم أن نوسع من مدلول التراث ومجاله، إذ هو لم يعد تراثا عربيا إسلاميا، وحسب، وإنما غدا تراثا إنسانيا؟ من بعض الجوانب - والشاعر الحديث يتعامل مع هذا التراث من زوايا مختلفة، نستطيع أن نعد منها أربعا (١) ، على أن نتذكر أنها ليست متساوية في

стр. 146

الأهمية، وأن الشاعر قد يستعملها جميعا، وقد يقتصر على بعضها، وهذه الزوايا هي: (١) التراث الشعبي (٢) الأقنعة (٣) المرايا (٤) التراث الأسطوري (١) التراث الشعبي: يمكن أن يضم هذا التراث الناحية الأسطورية، وأن يؤدي دور الرمز، ولكني أفرده بالنظر، اعتمادا على الطريقة التي تم بها؟ في الواقع - استخدامه في الشعر الحديث. وللتراث الشعبي ميزة هامة، لأنه تراث قريب حي، وحين يلجأ إليه الشاعر لا يحس أنه مثقل بما في الماضي الطويل من خلافات ومشكلات، وقد وضح هذا بقوة في الأعمال المسرحية، فلو فرضنا أن مسرحيا كتب روايته الشعرية عن زهران (أو الفتى مهران) أو عن جميلة بوحيرد أو عن طانيوس شاهين، أو عن أمثال هؤلاء (مثل عبد الكريم الخطابي أو عمر المختار أو عز الدين القسام) لكان بذلك يختار " بطلا " ممثلا لظرف تاريخي لا يدور حوله خلاف كبير، بينما إذا أختار الحلاج أو الحجاج أو محمودا الغزنوي أو الغزالي فإنه لا بد أن يبذل جهدا مضاعفا، لتخطي الحقائق التاريخية الراسخة في النفوس؟ على اختلاف في هذه الحقائق - لدى مشاهدي مسرحيته. وتكمن الجاذبية في التراث الشعبي في أنه يمثل جسرا ممتدا بي الشاعر والناس من حوله، فهو بذلك يؤدي دور المسرحية؟ إلى حد ما - في إيقاظ الشعور القومي وإبقائه حيا، ولهذا لا غرابة أن نجد الإقبال على هذا اللون التراثي

стр. 147

كبيرا عند بعض شعراء الأرض المحتلة، وخاصة عند توفيق زياد وسميح القاسم، حيث يتسع صدر الشعر للفظة الدارجة، والمثل الشعبي، والعادات الشعبية، والأغاني، فهناك إحساس بأن الاتكاء على هذا التراث، لا يكفل التجاوب الأوسع مع ذلك الشعر وحسب، بل يقدم أيضا شهادة على الاعتزاز بالموروث المشترك، ويكشف عن خوف دخيل من ضياع رابطة تعد مقدسة، حين تتعرض أقلية ما للانصهار في إبقائه واستدامة تأثيره: حينا بجعله ركيزة هامة في الشعر، وحينا بجمعه وتفسيره، وحينا ثالثا بترجمته إلى اللغة الفصحى. وتمثل الأغنية الشعبية منعطفا هاما في قصيدة سميح، بل هي أحيانا تحتل دور الخرجة في الموشح، أعني أنها تعتمد أولا، ثم تبنى القصيدة على وفقها، وأوضح مثل على ذلك قصيدته: " مغني الربابة على سطح من الطين " فإن الأغنية هي المحور، وما يجيء قبلها أو بعدها إنما هو أشبه بالفاتحة وبالتعليق على المتن: على سطر من طين تئن ربابة المأساة في كفين من حجر فتسقط أدمع القمر ويصعد صوت محزون ينادي الاخوة الغياب في دنيا بلا خبر يناديهم مع اللحن الفلسطيني طلع العشب عسطوحكو ويبس العشب يللي عحد الأرض مرميين يا ريت تيجو تطلطلوا عالتين وتجبروا المشحره أقلام العنب

стр. 148

يا ريت تيجو ترشقو البيوت وتصلحوا البواب والسده وتنشلوا حفنة مي للوردة (١) ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟.. غناؤك يا غريب الأهل طال وطالت الأيام وأورقت الربابة في يديك وشاخت الأنغام فهل ستظل طول العمر محروما تناديني مع اللحن الفلسطيني؟ وهل ستظل طول العمر تشحذ (عودة) هرمت على سطح من الطين؟!! ولا يخفى أن استخدام التراث الشعبي، يصبغ الشعر بلون محلي إقليمي خالص، يصعب أن يتخطى حدود الإقليم الواحد، وهو يرسم بذلك مستوى آخر؟ أعمق دلالة على الإقليمية - من الطابع الإقليمي العفوي الذي يميز الشعر المصري عن العراقي عن اللبناني عن التونسي..الخ، فهذا الطابع يكاد يكون أمرا لا مفر منه، وأنا لا أرى في الطابعين ما يستنكر، أو يستهجن، أعني الطابع المعتمد والعفوي، إذ أن هذا مدخل ضروري لربط حبل التواصل والتفاهم بين ألوان التراث الشعبي في الأقطار العربية، في الوقت الذي يعبر فيه هذا التراث عن المعالم التي تميز شخصية كل قطر على حدة.

стр. 149

ولعل الشعر السوداني؟ في هذا المجال - أكثر من سائر الشعر الحديث، اتصالا بهذا التراث، ومن ثم، تفردا في اللون الإقليمي، وخاصة في شعر محمد مهدي المجذوب (في ديوانه الشرافة (١) والهجرة) وفي شعر صلاح أحمد إبراهيم، وإذا كان هذا الشعر يبدو غريبا حين يتجاوز حدود إقليمه، فليس هذا هو ذنب الشعر، وإنما هو جريرة الكسل العقلي، عند من يريدون أن يتناولوا الأمور من أسهل الطرق. تأمل قصيدة صلاح " فكر معي ملوال " (٢) رمز لابن السودان الجنوبي، حيث يحاول صلاح أن يقلع من نفس هذا الجنوبي الخوف من أخيه ابن السودان الشمالي، إنها من أصدق الشعر الحديث وأبلغه، وأشده التحاما بالواقع، وأكثره استفادة من الإيقاع الممتد في النفس الشعري، ومع ذلك فإن الحجاب بينها وبين القارئ أنها حافلة بالتراث الإقليمي السوداني، وهو تراث؟ في هذا المقام - ضروري، لأنه يجب أن يمثل الرابطة بين الأخوين في الشمال والجنوب، واكتفي بإيراد فاتحتها: ملوال ها أنا الحس سنة القلم العق ذرة التراب أضرب فخذي بيدي، أقسم بالقبور، بالكتاب لأن هذه الفاتحة التي تتحدث عن " لحس سنة القلم " ولعق التراب، وضرب الفخذ، والحلف بالقبور وبالقرآن، إنما تمثل تراثا شعبيا سودانيا، يتعلق بألوان القسم، فهذا

стр. 150

اللون من التراث الشعبي يكاد أكثره أن يكون غير مفهوم إذا قرأه غير السوداني، ولكنه في مطلع القصيدة تكأة لاستدرار الثقة فيما سيجيء بعد، من الزاويتين الإجتماعية والشعرية، ومع ذلك فإن القصيدة بكاملها، لن تكون مفهومة إذا لم يفهم التراث السوداني، على نحو دقيق، وليس من حق القارئ أو الدارس أن يشيح بنظره عنها بدعوى جهله لذلك التراث. (٢) الأقنعة: يمثل القناع شخصية تاريخية؟ في الغالب - (يختبئ الشاعر وراءها) ليعبر عن موقف يريده، أو ليحاكم نقائض العصر الحديث من خلالها، ويشترك الشعر مع المسرحية الشعرية (الحلاج وليلى والمجنون لصلاح عبد الصبور مثلا) في استخدام هذه الوسيلة، كما تشترك في ذلك القصة القصيرة (قصص زكريا ثامر: الجريمة، المتهم؟ والخ) ، ولعل البياتي أكثر الشعراء لجوءا إلى هذه الوسيلة عن وعي عامد، ولهذا نجده يقول في كيفية استخدامه للقناع: " حاولت أن أقدم البطل النموذجي في عصرنا هذا وفي كل العصور (في موقفه النهائي) وأن أستبطن مشاعر هذه الشخصيات النموذجية في أعمق حالات وجودها، وأن أعبر عن النهائي واللانهائي، وعن المحنة الإجتماعية والتخطي لما هو كائن إلى ما سيكون " (١) . والقناع عند البياتي يشمل الأشخاص (الحلاج. المعري. الخيام. طرفة. أبو فراس. هملت. ناظم حكمت) ويشمل المدن (بابل. دمشق. نيسابور. مدريد. غرناطة؟) وقد كثر استعمال القناع في الشعر

стр. 151

الحديث فمن أقنعة أدونيس: مهيار الدمشقي (شخصية متخيلة) وصقر قريش، ومن أقنعة محمد عفيفي مطر: عمر بن الخطاب، وهكذا نجد الشعراء المعاصرين يتفننون في اتخاذ القناع، للتعبير عن ذواتهم. فعمر بن الخطاب يعبر عن الموقف من الجوع والأثم، وصقر قريش يعبر عن التحول التاريخي، ومهيار يعبر عن التحول متخطيا التاريخ، والخيام يعبر عن الحيرة المستبدة تجاه اوجود، وهكذا. ويمثل القناع خلق أسطورة تاريخية؟ لا تاريخا حقيقيا - فهو من هذه الناحية تعبير عن التضايق من التاريخ الحقيقي، بخلق بديل له (الأسطورة) ، أو هو محاولة لخلق موقف درامي، بعيدا عن التحدث بضمير المتكلم، ولكن رقة الحاجز بين الأصل والقناع، تضع هذه الدرامية في أبسط حالاتها، كما أن حضور الأصل باستمرار، من وراء الستار؟ يقلل في الأقنعة - على اختلاف أسمائها - فالحلاج عند البياتي في النهاية، حين يقول: ستكبر الغابة يا معانقي وعاشقي ستكبر الأشجار سنلتقي بعد غد في هيكل الأنوار فالزيت في المصباح لن يجف، والموعد لن يفوت والجرح لن يبرأ والبذرة لن تموت، لا يفترق كثيرا عن الخيام الذي يرى أن الإنسان قد ولد من جديد، كالشجرة الطالعة من الرماد والثلج، والصيحة يرسلها وليد، وإنما الفرق في الدورات التي يمر فيها كل قناع من هذه الأقنعة، بل أن هذه الدورات نفسها، قد تثير لدى القارئ سؤالا تصعب الإجابة عليه: لماذا كانت

стр. 152

هذه الدورات على هذا النحو، وبهذا العدد؟ وهذا يعني دراسة كل قناع؟ على حدة - واستخراج الإجابة على مثل هذا السؤال، من كل قصيدة. ولو أننا اتخذنا أبا العلاء المعري نموذجا لهذه الأقنعة؟ وليس من الضروري أن يكون خير نموذج - لوجدنا أن القصيدة " محنة أبي العلاء " تصدر بهذه الحكمة لغاليليو " ولكن الأرض تدور "؟ وهي ترمز إلى أن الأرض في دورانها، تمر أحيانا بما مرت به من قبل، وأن المعري والبياتي يشهدان تجربة مماثلة، وهي حقيقة، ولكن الشاعر؟ في نهاية المطاف - مستعد أن يتخلى عنها، مؤقتا، ليعود ويقررها مرة أخرى، لأنه بتمسكه بها يعلن انتصاره النهائي. وتتألف القصيدة من عشر دورات: في الدورة الأولى كل شيء مغلق مطموس، يبيح للمرء الأعمى أن يتساءل " لمن تضيء هذه الكواكب؟ " إذ العمى ليس هو ذهاب البصر وحسب، بل هو الضرب في هذا التيه المسمى الكون، فهذا بلا أمس وذا بلا وجه وثالث بلا مدينة ورابع بلا قناع وخامس بلا شراع، وفارس النحاس في ساحة المدينة تضربه الرياح (وهو نحاس لأنه لا يحس أوجاع الآخرين) واليه يرمز الشاعر بلفظة الأب، لأنه " القدر "، والمعري، ناقم على هذا الفارس لأنه حرمه الضياء، ولكنه رغم نقمته سيطل عليه في غد مقبلا يديه، من خلال ثلاث كوى: " لزوم بيتي وعماي واشتعال الروح في الجسد "، ومن الواضح أن هذه الثورة مشوبة بالتردد بين النكران والولاء، ولكنها ليست موجهة إلى الأرض، إذ أن دور الأرض سيجيء في الدورات التالية. وفي الدورة الثانية صراع بين الشاعر ورب من أرباب الأرض؟ هو الأمير - فالشاعر في البلاط متخم مصاب

стр. 153

بالحمى والضجر قد تحجر في نفسه الفن، لأنه يكره الملق، ولكنه كان إذا خلا إلى نفسه، يحاول أن يمد يده التي تحجرت وأن يعزف على قيثارته. وفي الثالثة يقص الشاعر على الأمير قصة حلم رآه: " رأيت في الأحلام/ تاجك منه يصنع الحداد/ نعل حصاني ويحز رأسك الجلاد؟.. " ويسكت القيثارة وينطفئ القنديل ويسدل الستار. ويحكي الشاعر في ديوانه " سقط الزند "؟ في الدورة الرابعة - قصة ذلك الأمير الذي كان يضم مجلسه كل الصعاليك الأدعياء الداعرين المتشاعرين، فإذا أخذوا في الإنشاد، نام " مفلطحا متخما "، وكانت له نزوات عاتية، فإذا شبهه أحدهم بالقمر غضب بشدة وصفع الشاعر لأن القمر يغيب بينما الأمير دائم الحضور، وتحس في هذا المقطع أن البياتي قد نسي أنه جعل المعري قناعه، فأخذ يتحدث من خلال ذلك القناع، كالمثل الذي ينسى دوره في المسرحية، ويأخذ في مخاطبة الجمهور: كان زمانا داعرا يا سيدي، كان بلا ضفاف الشعراء غرقوا فيه وما كانوا سوى خراف وكنت في مأدبة اللئام شاهد عصر ساده الظلام وفي هذا الموقف انتقض القناع، ولم يعد يؤدي المهمة التي وضع من أجلها. ويستعيد البياتي في الدورة الخامسة ذكرى غربة المعري في بغداد وحنينه إلى المعرة، وحسرته على ما أصاب الأهل والأحباب من تفرق (وهو في الواقع إنما يعكس حنينه

стр. 154

إلى بغداد نفسها) ، وينقله في الدورة السادسة إلى المعرة، ويستعير في هذا الدورة مصطلحات المعري حيث الليل فيها " عروس من الزنج عليها قلائد من جمان " ويستذكر تسميته الدنيا بأم دفر - ليصف بها المعرة - وكأن المعري هنا (أو البياتي) قد صدم من التغير الذي ألم بوطنه، حيث استيقظت الضفادع المقطوعة اللسان، وأخذت تزعجه بنقيقها، ولكنه مستبشر رغم هذا التغير لأن الفقراء صلبوا في السوق السلطان المخلوع وكفروا بالجوع، ولكنه رغم هذا الاستبشار يعتاده التشاؤم، فيقول: " آه غدا من عرق نازل ومهجة مولعة بإرتقاء " لأنه يتذكر الموت، إلا أنه يواجهه بصلابة، ويطلب إلى الحافز أن يعمق الحفرة، تاركا " البقاء " وراءه لحفار القبور؟ أن كان في مقدوره أن يبقى. ويطمئن المعري لعدالة الموت، لأنه يسوي بين الجميع، ولكنه يريد الحياة نفسها أن تكون عادلة، إذ لا عدالة حين يموت مصطفى على الرصيف في الظهيرة، ويموت الشاه فوق صدر الدمية، الأميرة، والناس يبكون على الأمير، بينما يقبع مصطفى في حفرته المهجورة، وعيونه فارغة وأنفه مكسور: الموت عدل، حسنا فليضرب الشاه على قفاه حتى يموت، ولتكن عادلة يا سيدي الحياه وفي الدورة التاسعة يعود المنظر إلى عد تفاهات الحياة البيروقراطية، الصحف الصفراء، الضفادع التي تسمي نفسها رجال، ناشرو الزيف في كل مكان، الانتهازيون الذين يبنون قلاعهم من عرق الجياع ودم الكادحين، ثم يتملقون للكادحين بالوعود ويفرشون لهم الأرض بالورود.

стр. 155

هؤلاء هم السادة المتصرفون يريدون أن يقال لهم أن الأرض لا تدور، وأن قانون التغير قد تعطل إلى الأبد، يريدون أن يسمعوا تزييف الحقائق، ستقول لهم ذلك لأنهم سادة ونحن طنافس يطأونها في قصورهم، ولكن هنالك وجه آخر: هنالك ما قاله الشاعر (المعري) للسلطان ذات يوم فهل تحبون أن تسمعوه؟ لا تريدون؟ إذن فلتسكتوا الشاعر ولتحطموا القيثار، ولكن أن: الأرض رغم حقدكم تدور والنور غطى نصفها المهجور ونحن نلحظ في هذا القناع أن هناك أشياء نألفها من المعري حقا، وأنه؟ مثل البياتي - كان شاهد عصر يحيط به الظلام، ولكن المعري والبياتي كليهما أجبر على تمثيل دور لم يمثلاه، وهو انتسابهما إلى بلاط أمير، ونقدهما للأمير ولبلاطه، ولمن يرتادون بلاطه، كما أننا لا نستطيع أن نفسر لماذا عاد المعري يفكر في الموت بعد أن تخلص الجياع من السلطان (رمز الاستبداد وخنق الحرية) : صحيح أن التفكير في الموت ملائم لطبيعة المعري وشعره، ولكن وروده بعد أن تحقق شيء من التفاؤل إنما يدل على انتكاسة سوداوية وإذا كان السلطان قد صلب في السوق، فلماذا يعود حيا ليقارن بمصطفى؟ عند فقدان العدالة في الحياة؟ - ومرة أخرى لماذا يضطر الشاعر إلى المجاملة ليقول أن الأرض لا تدور، ثم ليثور على هذه المجاملة معلنا أنها تدور؟ أقول: أن هناك جوا يليق بالمعري، كما أن هناك جوا آخر لا يليق به، وثمة تجاوزات فنية؟ حين يراد لهذه القصيدة أن تدرس في نطاق تكاملي - ولكن حضور البياتي أشد وضوحا من حضور المعري، ونقد الحاضر، أعنف من نقد الماضي، ولعله من أجل الغاية الأخيرة وجد القناع، ففي الدورة التاسعة مثلا نجد أن البياتي وهو يعد التفاهات والتافهين قد نسي المعري

стр. 156

جملة، وهذا؟ مع وقفته لمخاطبة الشاعر الذي أتخذه قناعا - يكشف عن رقة القشرة الدرامية التي حاول أن يتخذها لنفسه، دون نجاح كبير، وذلك هو العيب الكبير الذي قد يصيب القناع. (٣) المرايا: هذا الأسلوب من النظر إلى الماضي يكاد يكون قاصرا على أدونيس، فإني لم أجد غيره يستعمله، إلا أن يكون ذلك قد شذ عني، والمرآة من الوجهة النظرية أشد واقعية من القناع، وأشد حيادية، لأنها لا تعكس إلا الأبعاد المتعينة على شكل صورة أمينة للأصل، ولكنها في الحقيقة تستطيع أن تكون بعيدة عن الموضوعية، لأنها في النهاية صورة ذاتية، ومن المفروض أن تكون كذلك، إذ لو كانت مكتملة الموضوعية لكانت أقرب إلى الواقعية الطبيعية، التي تحاول رسم الأمور هي دون تحريف، أو لكانت أشبه بالصور الفوتوغرافية. والمرآة أوسع مجالا من القناع لآنها تصلح أن ترفع للماضي، كما تصلح أن ترفع في وجه الحاضر، وأن تعكس الأشياء مثلما تعكس الأشخاص، بينما لا يصلح القناع إلا للماضي، ولاستحضار شخصيات أصبحت في تضاعيف التاريخ نموذجية، ولو أن شاعرا أتخذ غسان كنفاني قناعا لما حسبناه يفعل شيئا ذا بال، لأن غسان كنفاني شاهد على العصر مثل الشاعر الذي أتخذه قناعا. ولو أن شاعرا أتخذ قناعه من الأشياء، أي لو أنه مثلا أتخذ أبا الهول قناعا، لتحول القناع إلى رمز أسطوري وخرج من هذه الدائرة، التي أتحدث عنها. وأما شاعر المرآة، فإنه يستطيع أن يرفع مرآته أمام أبى الهول، وأن يعكس الصورة التي يريدها، من الزاوية التي يريدها.

стр. 157

وعلى هذا تتنوع المرايا عند أدونيس، فهناك منها: (١) مرايا الشخصيات التاريخية: زيد بن علي، زرياب، الحجاج، معاوية، وضاح اليمن، أبو العلاء. (٢) مرايا شخصيات غير محددة بزمان أو مكان: الطاغية، السياف، رجل يروي، الفقير والسلطان، الممثل المستور، فارس الرفض، شاهد مقتل الحسين. (٣) مرايا شخصيات رمزية: عائشة. (٤) مرايا شخصيات معاصرة: خالدة. (٥) مرايا المجسدات، رأس الحسين، حسد العاشق. (٦) مرايا زمانية: الحاضر، الوقت، الزمان المكسور، الحلم، التاريخ، القرن العشرون، جثة الخريف، (العين) والزمن. (٧) مرايا مكانية: مسجد الحسين، بيروت، الطريق، الأرض. (٨) مرايا الأشياء: الكرسي، الغيوم، الزلاجة السوداء. (٩) مرايا مجردات: السؤال، الطواف، النوم. (١٠) مرايا أسطورية: أوفيوس. إن هذا التنوع يشير إلى أن الشاعر يحاول أن لا تلفت من مرآته الصور الكونية؟ التي تهمه -، في الماضي والحاضر، في الزمان والمكان، إذا هو استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكن لما كان الحديث هنا عن التراث، فإن أكثر ما يهمنا من مرايا هو ما وقع في القسم الأول، وبعض القسم السادس (التاريخ) . ويكاد يكون من الواضح أن أدونيس؟ في الشخصيات التاريخية التي اختارها، وفي الوقوف عند

стр. 158

رأس الحسين (القسم الخامس) ومسجد الحسين (القسم السابع) ؟ معني بشدة بالتاريخ الأموي، وأن من يرمزون إلى هذا التاريخ إنما هم خلفاء (معاوية) وولاة (الحجاج) وشعراء (وضاح اليمن) وشهداء (زيد والحسين) وفي هذه المرايا يستحيل معاوية إلى شعره: تقرأ الرياح وتبني ملكها في تفجر البركان، ويستحيل الحجاج إلى ذلك المخلوق الأسطوري الذي ولد دون " أست " مثقوبة، فثقبوا وراءه، وذبحوا فأرا ودهنوا بدمه الحجاج،.. فالتذ بالدماء، ولم يعد يقبل سواها ويصبح وضاح اليمن رمز " الفنان " الذي نام؟ أي لقي حتفه - في سبيل الحب (كل حب يموت في صندوق) ، أما الشهداء من أمثال الحسين وزيد، فهم اللذين تحركت الأشياء لتنصفهم من جور التاريخ، وفظاظة الإنسان، فالأشجار في مقتل الحسين تمشي حدباء في سكر وفي أناة كي تشهد الصلاة. أنها مرآة كبيرة ترفع لتلتقط صورة التاريخ الأموي كما يراه أدونيس؟ وليس للناقد أن يأخذه بما لم يقل، كما أن للشاعر الحرية المطلقة في أن يختار ويهمل، حسب نظرته الكلية للتاريخ أو للأشياء، ولكن في هذا الاختيار وذلك الإهمال، ما يدل على أن المرآة لا يمكن أن تكون غير متحيزة، كما لا يمكن أن تعكس حقيقة التأريخ بالمعنى الدقيق. وهي في الوقت نفسه انتقائية لا شمولية. أما صورة التاريخ نفسه، فإن الشاعر ليس لديه تحديد حاسم لها، بل أنه يكاد يقر أن التاريخ لا تمكن رؤيته في مرآة، فهو يعتمد في وصفه على السماع، " وقال آخرون، وقيل "، ولهذا تتعدد الصور والآراء والتاريخ في رأي بعضهم قد يكون:

стр. 159

- بقية الرطوبة الأولى التي جفت، وصار ما تبقى منها إلى ملوحة أو إلى مرارة. - أو هو خلاصة الزرنيخ بعد مزجه بالرماد أو التراب والحجارة. - أو هو حجر يرشح منه الماء. - أو هو حجر فيه ماء تمتصه الشمس وتحيله بخارا ثم يعود حجرا. - أو هو دوامة: يغرف من ماء النهر ليعود ويصبه فيه. - أو هو أمواج تشتد حين تدخل الشمس في السنبلة أو برج الحوت أو القوس. - أو هو مجال لمحار والقصب واللؤلؤ والعنبر المدور الأزرق. - أو هو كرسي من الزجاج فيه مركب ملتصق بالشمس أو سرطان، أو طائر منبسط في جسد الإنسان يصدح أو يطير يعيش في القبور. - وهو غول جبار يقضي على الموجود ويملأ العمار والخراب. وفي هذه الاحتمالات؟ يحاول الشاعر أن يقول أن صورة التاريخ تتعدد بتعدد زوايا النظر، وأنه ليست هناك حقيقة محددة اسمها " التاريخ ". على أن العامل المشترك في أكثر هذه الصور هو الماء، لأن الماء ضروري لتحديد التيار الزمني، فأما تصور التاريخ على شكل كرسي فيه مركب ملتصق بالشمس، فهو يرمز إلى حركة الفلك، وأما تصوره على

стр. 160

شكل " غول " فذلك يعني التباسه بالزمن النتافيزيقي، الذي ينفصل في صورة قوة خارجية تهدد الوجود الإنساني. ويبدو التطابق بين التاريخ والزمن واضحا في أكثر تلك الصور، ففي قوله: حجر فيه ماء تمتصه الشمس وتحيله بخارا ثم يعود حجرا أو دوامة تغرف من ماء النهر لتعود وتصبه فيه، ربط بين فكرتي الدورات في كل من الزمن والتاريخ. ومن المفيد أن يقارن المرء صورة التاريخ (الزمن الماضي) وانعكاساته في المرآة، بصورة الزمن الحاضر أو مرآة القرن العشرين، فإنه يجد أن رموز الماضي من المتحولات في الأغلب، أما صور القرن العشرين فإنها من الثوابت: تابوت؟ كتاب؟ وحش؟ صخرة، كما أنها جميعا مرتبطة بالقدرة على التحطيم، ومع أن التابوت يلبس وجه الطفل، والوحش يتقدم حاملا زهرة، فإن في ذلك مبالغة في الدلالة على الوجه الخادع الذي يلبسه الزمن الحاضر (أو الحضارة الحديثة والتاريخ الحديث) . (٤) التراث الأسطوري: تحتل الأسطورة مقاما هاما في كثير من العلوم الإنسانية الحديثة، ويرى بعض علماء الانتروبرلوجيا (مالينوفسكي مثلا) أن لفظة أسطورة لا تنطبق إلا على ما نبع عند البدائيين من " حكايات " لإرضاء حاجات دينية عميقة، أي أنها تعبير ديني اجتماعي، وكل ما عدا ذلك مثل القصص التي تروى عن أرباب اليونان وما شابه ذلك فإنما هي لون من الحكايات الشعبية لا الأساطيل، ولكن دارسي الأدب لا يقفون عند هذا التحديد الصارم، وإنما يتقبلون في نطاق " الأسطورة " أشياء كثيرة لا يقبلها بعض علماء الانثروبولوجيا، وحين استعمل كلمة " أسطورة " في هذا المقام فإني أنظر إلى معناها الواسع.

стр. 161

وبعد استغلال الأسطورة في الشعر العربي الحديث من أجرأ المواقف الثورية فيه، وأبعدها آثارا حتى اليوم، لان ذلك استعادة للرموز الوثنية، واستخدام لها في التعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر؛ وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام، حتى إن التاريخ قد حول إلى لون من الأسطورة لتتم للأسطورة سيطرتها الكاملة. لماذا تم كل ذلك؟ ثمة أسباب كثيرة ربما كان في أولها - وإن لم يكن أقواها - التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ الأسطورة؟ منذ القديم - سداه ولحمته، ولكن منذ دراسة جيمس فريزر (في الغصن الذهبي) للأسطورة، ومنذ دراسات فرويد ويونج لدورهما في اللاوعي الإنساني، انهارت الحواجز التي كانت تقوم دون تقبلها في الشعر العربي الحديث، أضف إلى ذلك كله أن الأسطورة جاذبية خاصة، لأنها تصل بين الإنسان والطبيعة وحركة الفصول وتناوب الخصب والجدب، وبذلك تكفل نوعا من الشعور بالاستمرار، كما تعين على تصور واضح لحركة التطور في الحياة الإنسانية، وهي من ناحية فنية تعسف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر، والربط بين الماضي والحاضر، والتوحيد بين التجربة الذاتية والتجربة الجماعية، وتنقذ القصيدة من الغنائية المحض، وتفتح آفاقها لقبول ألوان عميقة من القوى المتصارعة، والتنويع في أشكال التركيب والبناء. لهذا الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث؟ في توق محموم - يبحث عن الأسطورة، ويعتمدها أنى وجدها، لا يعنيه في ذلك أن تكون بابلية (عشتاروت تموز) أو مصرية (أوزوريس) أو حثية (أتيس) أو فينيقية (أدونيس، فينيق) أو يونانية (أورفيوس. بروميثيوس. عولس. (أوديس) . سيزيف. أوديب؟ الخ) أو

стр. 162

مسيحية (المسيح. لعازر. يوحنا المعمدان) بل أنه ذهب إلى بعض الحكايات الجاهلية ورمزها الوثنية (زرقاء اليمامة.. اللات) وعامل القصص على المستوى نفسه مثل قصة الخضر وحديث الإسراء والمهدي المنظر (أو صاحب الزمان) ، واتخذ من كل ذلك رموزا في شعره، تقوى أو تضعف، بحسب الحال، وبحسب قدرته الشعرية، وحين اضطر إلى مزيد من التنويع ذهب إلى خلق الأقنعة والمرايا والاستعانة بالأدب الشعبي؟ كما بينت فيما تقدم. ومن الأصناف أن أقول أن الشعراء يختلفون في مقدار شغفهم بالأسطورة فبعضهم يكثر منها مثل السياب، وبعضهم قليل الالتفات إليها مثل محمود درويش، وأن شعراء العراق ولبنان؟ على وجه العموم - لا يجدون غضاضة في تطلبها من أي مصدر، بينما شعراء مصر؟ مثلا - يتحفظون تجاه بعضها ويقبلون على بعضها الآخر، ومهما يكن من شيء فإن الشاعر المتميز، حين يشعر أنه في غير حاجة كبيرة إلى الأسطورة؟ يخلق أساطيره ورموزه الخاصة به. ومع أن هذا الاندفاع نحو الأسطورة المستعارة كان ذا نتائج إيجابية، فقد علقت به بعض النتائج السلبية: إذ أخذت الأساطير أحيانا وأقسرت على الدخول في بناء القصيدة، دون تمثل لها ولابعادها، فوضح أنها دخيلة قلقة في موضعها، أو أنها جاءت أحيانا لا تؤدي سوى وظيفة تفسيرية توضيحية، شأنها في ذلك شأن كثير من التشبيه في الشعر القديم، وأحيانا كان رص نماذج منها في نطاق واحد لا يقدم شيئا سوى الشهادة على الدرجة الثقافية للشاعر. ولذلك قلما ينبض الرمز بالحياة وتتشعب عروقا به، في شعر الشاعر، إذ ما يكاد الشاعر يستخدم رمزا في قصيدة ما، حتى يقفز آخر في قصيدة أخرى، دون أن يكون ذلك رغبة في تنويع الدلالات أو حرصا على

стр. 163

تكييف المبنى. بل لعلي لا أتجنى حين أقول أن الشاعر الحديث قد اقتصر في استعمال هذه الرموز؟ رغم كثرتها - على دلالات محدودة، مما وسم الشعر بطابع التقارب والتكرار، وأهم هذه الدلالات ثلاث: ١ - التعبير عن القلق الروحي والمادي باستغلال رمز الجواب، وفي هذا المجال استخدمت رموز عولس والسندباد واوفيوس وإيكار وواضح أن حركة التجواب أما أن تكون أفقية أو دائرية (عولس والسندباد) أو نزولية (أورفيوس) أو صعودية (إيكار) وفي كل حال يمثل الرمز؟ بسبب وجهة الحركة - حقيقة أو حقائق إنسانية، وقد أضاف البياتي إلى الجوابين رمز " عائشة " (وهو رمز أوجده أدونيس؟ ثم تخلى عنه) لتقوم مقام الخضر (الخالد) ، لكن عن طريق الحب، كما جمع أدونيس بين الحركتين الصعودية والأفقية في قصيدته " مدائن الغزالي "، وفيها عدا هذه القصيدة نجد القصائد تعتمد الحركة المفردة، مما كان ذا أثر في طبيعة بنائها. ٢ - التعبير عن البحث والتجدد: ومن الرموز الصالحة لذلك تموز (أو أدونيس) ولعازر، والمسيح واوزوريس وفينيق، وهنا يقف انحصار الشاعر في نطاق الدلالة الأولية، دون التنويع، إلا ما نجده عند حاوي في مثل (لعازر ١٩٦٢) . ٣ - التعبير عن العذاب والآلام التي يواجهها الإنسان المعاصر وهنا تعود رموز المسيح وبروميثيوس وسيزف إلى الظهور. وقد كان السياب بحكم موقعه الزمني، شديد البحث عن الرمز لا يهدأ له بال، وكانت حاجته إلى الرموز قوية بسبب نشوبه في أزمات وتقلبات نفسية وجسمية، وبسبب التغيرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق، حينئذ، ولهذا يصلح

стр. 164

أن يكون السياب نموذجا للشاعر الذي يطلب الرمز في قلق من يبحث عن مهدئ لأعصابه المسوفزة، فهو يتصيده حيثما وجده، وقد تأثر كثيرا بذلك الفصل الذي ترجمه الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا من كتاب " الغصن الذهبي " عن البطل الأسطوري (أدونيس) ، وبهذا يكون السياب قد فتح المجال بعده لمن شاء أن يستخدم الرموز، وأم تجاوزه بعضهم في القدرة على الاختيار وفي طريقة الاستخدام. على أن السياب نفسه قد تطور كثيرا في كيفية استغلال الأساطير والرموز، ابتداء من اتخاذها نماذج موضحة (كما في قصة يأجوج ومأجوج في قصيدة المومس العمياء) حتى بناء القصيدة كلها على الرمز الواحد كما في قصيدته " المسيح بعد الصلب "، ففي هذه القصيدة الأخيرة التي تصور تمزق الشاعر بين جيكور والمدينة، يحس أنه المسيح، وأنه استطاع أن يحيى جيكور لأنها امتداد منه، كما أنه امتداد للجيل كله: صرت مستقبلا، صرت بذره صرت جيلا من الناس، في قلب دمي قطرة منه أو بعض قطره، وأما المدينة، فرغم أنها تعج بأمثال يهوذا، الذين أمعنوا في تعذيبه، فإنها لا بد أن تبعث أيضا: قدي الرب، هذا مخاض المدينة وقد كانت سيطرة رمز البعث على السياب قوية، لأنه على المستوى الفردي كان يحس بأن لا شيء سواه يعينه على مواجهة الموت، ثم ازدادت هذه السيطرة قوة عندما اصبح العراق؟ مثل السياب نفسه - خلال أزمة سياسية معينة - بحاجة إلى الخصب بعد الجدب. ومع أنه لجأ أحيانا؟ في هذه الفترة نفسها - إلى تكثيف الرموز في القصيدة الواحدة

стр. 165

فإن قصيدته " مدينة بلا مطر " تصلح أن تكون أكثر قصائده تعبيرا عن إتقانه للرمز المتصل بالجدب والخصب، على المستوى الجماعي لا الفردي -، ففي هذه القصيدة، المتكاملة بناء وموضوعا، استغل الشاعر جميع الشعائر التي تستجدي الطعام والماء، والقرابين التي تقدم لعشتار في مثل هذا الموقف، ووضعنا في جو كامل لترقب البعث، ومع ذلك فلا بد من القول بأن السياب، يأخذ الأسطورة على حالها، وأن ميزته الحقيقية لا تكمن في الاتكاء على الأسطورة، بمقدار ما يمكن في التفصيلات التي يضيفها والصور التي يخلقها، وبما أن طبيعة الأسطورة أولا، وهذه التفصيلات ثانيا، مرتبطتان بقدرته الفذة، وألق شاعريته، وأحكامه للربط بينهما، فإن قصيدته؟ في الحق - لا تستولي على مشاعرنا عن طريق غرابة التوقع أو المفاجآت، وإنما بهذا الربط العجيب بين بابل الوثنية، والعراق الحديث، ذلك لأنه يستطيع أن يفيد من أكبر خدمتين تقدمهما الأسطورة وهما التطابق بين الماضي (البدائي) والحاضر، والموازاة القياسية، حين لا يكون هذا التطابق ممكنا. ومع أن السياب؟ في سنواته الأخيرة - قد فقد معنى البعث، حين انفرد بمعالجة الموت، وفقد القدرة على الربط بين المحنة الذاتية والجماعية، فإنه استطاع أن يتوصل إلى البناء الأسطوري، دون حاجة للاتكاء على الأسطورة أو للتكثر من رموزها، وخير شاهد على ذلك قصيدته: " حدائق وفيقة "، فإن وفيقة تعيش في حديقة في ظلام العالم السفلي، ويصف الشاعر هذه الحديقة ويتفنن في وصفها ويتمنى آو أن نهر بويب الذي يسقي جيكور، كان يستطيع أن يسقي تلك الحديقة، ووفيقة تنتظر وتنتظر، ولكن لا بويب، ولا حبيبها يقدران على تحويل حديقتها إلى العالم العلوي، ودون أن يقول الشاعر على أية أسطورة يبني تصوراته نحس أن

стр. 166

وفيقة هي (يورديسه) وأن الشاعر هو أورفيوس، الذي خانته رجلاه، فهو لا يستطيع أن ينزل إلى العالم الآخر، ليعود بصاحبته. تغيير طفيف لكنه غير طبيعة القصيدة تماما، ومن المؤلم أن يكون ذلك على حساب العجز الذي كان يعانيه السياب. وتحتل قضية الانبعاث والتجدد في شعر خليل حاوي، المنزلة الأولى، ذلك أنه كان من قدر الشاعر الحديث، أن يكون، رغم النكسات الكثيرة التي ألمت بأمنه، متفائلا، وأن يستشرق من خلال الواقع المظلم؟ مستقبلا أنضر، رغم ما تقدمه قصيدة لعازر من شهادة مخالفة. ولكن حاوي يختلف اختلافا جذريا عن السياب في معالجة الأسطورة، فهو لا يستمد الأسطورة الجاهزة، على حالها، وإنما يبينها بناء جديدا، فالسندباد قديم ولكن وجوه السندباد، والسندباد في رحلته الثامنة، تمثلان أسطورة جديدة، أسطورة الإنسان المعاصر، في الصراع بينه وبين معوقات الزمان والمكان، ومحاولته للتخلص من ثقل التجربة التاريخية، والانطلاق إلى رحاب أوسع. ورغم استعلاء " الواحد " في قصائد حاوي الأولى، إلى محمل من التركيب " الثلاثي "؟ في القصيدة - (أنظر البحار والدرويش وليالي بيروت) فإن هذا الواحد من بعد، هو الشاعر، هو المنقذ، هو الشعب، الذي سنبعث قويا، ليغير وجه التاريخ؟ وبذلك تتطابق الفردية والجماعية بحيث لا يمكن الفصل بينهما؛ ومن وجهة أخرى فإن حاوي؟ رغم إيمانه العميق بالتقدم الحضاري - يحس إحساس الريفي الأصيل في بعض اللحظات، أن البراءة التي تمثل الحيوية الطبيعية وتستطيع الاندماج بها إنما تتمثل في مرحلة شبه بدائية، وأن المدينة التي قيدت بالشرائع والمواصفات، عالم معقد، لا تستطيع الحيوية البكر أن تفقهه، وأنه في

стр. 167

حومة الصراع بين الاثنتين يقوم الكاهن الموسيقي بتحويل الحيوية إلى " كبريت ونار مجرمه " ويقضي على البراءة بالإعدام، ويتخذ الشاعر " الغجرية " رمزا لتلك البراءة، ويتفنن في وصف صلتها العذراء بكل ما هو طبيعي، وفي تصوير الفورة العفوية التي تعانق كل شيء، متخذا من الجسد وتدفقه بألوان النضارة سبيله إلى رسم صورة عجيبة من بكارة الطبيعة، غير أن الكاهن الموسوي " الأسود الداجي المقنع بالرماد " يحاول أن يطهر ذلك الجسد بنار " الحضارة " فيحيل الغجرية إلى عجوز مجنونة: هيهات يعرف من أنا، عبثا محال شمطاء تنبش في المزابل عن قشور البرتقال لقد وضع حاوي في مقدمة هذه القصيدة تفسيرا لفكرته، ولكنه لو لم يفعل، لكان الرمز في القصيدة دالا على نفسه، ولهذا لا يمكن أن يتهم الشاعر هنا، بأنه يوجد الفكرة ويصب القصيدة على مثالها، وإنما القصيدة هي التي كانت أولا. إن حاوي ذا الموقف الهيردري هنا (نسبة إلى المفكر الألماني هيردر) قد خلق أسطورة جميلة، وأجاد التعبير عن أبعادها، ومن التطرف في التفسير أن يقال أن الشاعر يحس بعداء للحضارة، إذ من الذي ينكر أن " البكارة " الحيوية أفضل من " التعهر " الذي تحميه القوانين؟. وإذا أنتقل إلى الحديث عن رموز أدونيس أجدني عاجزا عن الإحاطة بها، ولكن يكفي أن أقف وقفة قصيرة عند قصيدة واحدة من قصائده وأعني بها " رحيل في مدائن الغزالي "؟ وهي القصيدة التي أشرت إليها فيما تقدم، عند الحديث عن الحركتين الصعودية والأفقية، ذلك أنها تقص قصة المعراج (أو الإسراء) ، وتجعل من التنقل في

стр. 168

مدائن الغزالي حركة أفقية، وقصة المعراج معروفة لا حاجة إلى استعادتها. ولكن السير في مدائن الغزالي " وهي صحراء من سعالي " تحتاج توضيحا، فالشاعر يرسم هنا مفارقة ساطعة بين " مثالية " االنبوة، وبين مدائن الغزالي التي تمثل السقوط في مقابل الصعود، وبعد أن تتم الرحلة الصعودية، تواجهنا الثورة على مدائن الغزالي " رفضت وانفصلت "، لأن هذا الرفض يطلب التغيير المطلق، لكل شيء، متجسدا في كل شيء: أفتح كل باب أشق كل رمس بغضبة الخالق؟ بالرجاء أو باليأس بثورة النبي مسكونة بالشمس مسكونة بالفرح الكوني. فالعلاقة بين الحركتين هي العلاقة بين المثل الأعلى والمثل المحطم، لأن الغزالي؟ في رأي أدونيس - لم يظل وفيا لرسالة المثل الأعلى، ولهذا فسدت مدنه، وكان لا بد من تصحيح الأوضاع فيها " بثورة النبي " أو بروحه التي يستمدها الثائر الادونيسي، وهو يهم أن يعلن الثورة. الأمثلة كثيرة، وأنت حين تتحدث عن الرمز عند شاعر واحد يتطلب حديثك كتابا مستقلا، فكيف إذا كان لديك هذا العدد الجم الغفير من الشعراء؟ ولكني لا أود أن أختم هذا الفصل دون التوقف عند أهم معالمه وأعني بذلك قضية البعث والتغيير، (التي دعا إليها أدونيس في هذه القصيدة) وتبناها غيره من شعراء هذا الجيل. وأحب أن

стр. 169

أقول: أن مدائن الغزالي لا تزال؟ على موضعها - تعيش كما كانت، " صهريجا من الدموع "، وأن التاريخ ربما لم يشهد تطابقا تاما بين الشعر والواقع، كالذي شهده عصرنا، في تطلبه للفدائي الذي يبذل دمه؟ طائعا مختارا - ليغير مدن الغزالي، لقد اكتملت الحلقة لقتل ذلك الرمز الكبير في الواقع، أو لجره للاستسلام، وأول ضحايا هذه الموجة الجديدة هو الشاعر، الثائر الرافض، ترى ماذا سيكون مصير الشعر الحديث بعد اليوم؟ هل يستسلم! وإذا استسلم ففي أي اتجاه يسير، وإذا قاوم فكيف يمكن أن تكون المقاومة بعد القضاء على عناصرها الواقعية؟ وإذا أختار طريقا ثالثا فما هو ذلك الطريق؟ أسئلة حيرتني، ولكني لا أملك الإجابة عليها، إنما الإجابة؟ التي يملكها الشعراء وحدهم - هي التي ستحدد طريق الشعر المعاصر ووجهته.

стр. 170

فراغ

стр. 171

٧ - الموقف من الحب أنا شاعر حب جوال تعرفه كل الشرفات (نزار) عشرون عاما في كتاب الهوى ولم أزل في الصفحة الأولى (نزار) نحن نعيش في عصر فرويد: جملة قد تحمل معاني عديدة وقد تكون فارغة من المعنى، ولكنها تشير إلى انهيار الحواجز بين الحب والجنس، وتدفع إلى النظر المستأنف، في ما تحمله الألفاظ من المعاني في الظهار، وعلى أساسها يمكن أن نلحظ ضياع مصطلحي " نسيب " و " غزل " أو نفسرهما تفسيرا جديدا، ذلك لأن الشعر الذي يعبر عن الحب، لم يعد ينقل عاطفة مفردة بسيطة، وانما ينقل غابة متشابكة الغصون من العواطف والمشاعر، وحين عبر المتنبي عن العلاقة بين الحب والموت - متجاوزا رؤيا نقاد عصره ومن بعدهم - في قوله: متعينا بحسن وجهك ما دام فحسن الوجوه حال تحول وصلينا نصلك في هذه الدنيا فإن المقام فيها قليل كان بذلك يفتح الباب الذي سيدخل منه الشاعر الحديث إلى تلك الغابة الكثيفة، ولهذا فإننا إذا استثنينا نزار قباني، وجانبا من شعر صلاح عبد الصبور، لم نجد الحب يتخذ شكل موضوع شعري مستقل، وإنما هو ذائب في التيار الشعري جملة.

стр. 172

وقد أكثر نزار الحديث عن الحب؟ معتبرا إياه عالما ذا أبعاد متميزة تكفل له الوجود المستقل؟ في شعره - حتى سماه بعضهم " شاعر الحب " وسماه آخرون " شاعر المرأة "، أو غير ذلك من تسميات، وكان بعضهم يرى أنه يرسم بهذه التسميات المعلم الذي يميز الاتجاه الشعري عند نزار، كما كان البعض الآخر يرى أن نزارا شغل بقصة الحب حتى ألهته عن القضايا الكبرى في العالم العربي. وكلا الأمرين لا يعنيان شيئا لهذا الفصل، الذي يمثل نظرة مستأنفة في شعر الحب عند نزار. هل كل نزار شاعر حب؟ لا أظن أن من الخير الإسراع في الإجابة على هذا السؤال بإيجاب أو بالسلب، وعلينا أن ننظر ونطيل لحظات الانتظار، حتى نقع على نقطة " الكشف النفسي " التي ظل نزار يراوغ ويماطل في مواجهتها، ويتهرب من التحديق فيها، أعواما، ونقطة الكشف هذه تلتمع في قصيدته " الرسم بالكلمات " وهي في ديوان بهذا الاسم نفسه، وفيها يقول: لم يبق نهر أسود أبيض إلا زرعت بأرضه راياتي لم تبق زاوية بجسم جميلة إلا ومرت فوقها عرباتي فصلت من جلد النساء عباءة وبنيت أهراما من الحلمات ؟.. مأساة هارون الرشيد مريرة لو تدركين مرارة المأساة ؟.. الجنس كان مسكنا جربته لم ينسه حزني ولا أزماتي والحب أصبح كله متشابها كتشابه الأوراق في الغابات أنا عاجز عن عشق أية نملة أو غيمة.. عن عشق أي حصاة مارست ألف عبادة وعبادة فوجدت أفضلها عبادة ذاتي ؟.. كل الدروب أمامنا ممدودة وخلاصنا في الرسم بالكلمات

стр. 173

وأحب أن أسارع إلى نفي ما قد يثور في فهم القارئ من إيراد هذه الأبيات ظانا أنني أتخذها اعترافا ذاتيا يومئ إلى حال من العجز، أو أعدها مؤشرا على مرحلة من مراحل العمر، فما لهذه الغاية أوردتها، وإنما أنا أرى فيها لحظة كشف، لحظة إضاءة، كان نزار يومئ إليها إيماء سريعا من قبل، وكنا نمر بتلك الإيماءات ابرين، ترى ماذا عنى بقوله؟ في دور مبكر - مخاطبا إحداهن: " فإذا كنت واقعا لا أكون " (ديوان طفولة نهد) ، وبقوله: " فحياتي كلها شوق إلى حرف جديد " (ديوان قصائد) ، وبقوله: " ابحث في جوف الصدفات عن لفظة حب لم تلفظ " (ديوان حبيبتي) ؟ أليس هذا دليلا على أن مشكلة الصراع بين المرأة وبين الرسم بالكلمات (أي الشعر) ليست جديدة، لأنها حين تصبح هي - أي المرأة - واقعا في حياته يمحي وجوده (أي وجود الشعر) ، أيهما يختار؟ لقد كان واعيا بأنه أختار ما يريد منذ البداية، وأنه أتخذ الجنس مسكنا، وأصبح الحب كله متشابها. وعلى ضوء هذا الصراع الطويل بين الحرف والجنس نستطيع نم نتصور مقته للمرأة " المدمرة "، التي لا تستطيع أن توحي له بالشعر لأن غايتها هي أن تمتص نسغ الشعر في أعراقه؛ على ضوء هذا الفهم يستطيع القارئ أن يقرأ قصائده " مصلوبة النهدين " و " طائشة الضفائر " و " همجية الشفتين " وغيرها مما يجري هذا المجرى ليكشف أن خوف الشاعر من ضياع الحيوية الشعرية؟ لا من ضياع العفة والفضيلة - هو الذي يحدد للحب (ومن ثم الجنس) أبعاده وقيمه، فنزار إذن لم يتحدث عن الحب، بمعناه العاطفي الذي يظنه الكثيرون، إنما تحدث عنه بمعنى جديد حين جعله طرفا في قوتي صراع كبيرتين.

стр. 174

ويطيب لنزار أحيانا أن يقول للمرأة؟ في لحظة غضب - أنه خلقها، ولكن نزارا هنا إنما يردد معنى رومنطقيا مألوفا، ذلك لأنه لم يخلق امرأة أبدا، إذ أنه لا يستطيع ذلك إلا حين تكون المرأة (بكامل شخصيتها ومكوناتها الجمالية والثقافية) صورة قصيدة، وهي لم تكن كذلك، وإنما هي واحدة من كل متشابه وحسب، " كلنا في مجامر النار نسوة ". غير أن أبسط شيء لديها قد يكون صورة قصيدة، ينتقل على يدي الشاعر ليصبح قصيدة جميلة. ومن درس شعر نزار دراسة متدرجة، وجد أن استغرابه الشعري بدأ أولا بتناول أشياء المرأة، والألوان التي تربط بينها وبين الطبيعة (مع تركيز خاص على النهد منذ البداية واستمر ذلك في شعره حتى النهاية) ثم أخذ التنبه يحرك نظراته نحو حالات المرأة وحركاتها (وهي تمشط شعرها، وهي تمر في المقهى، وهي تنزل من السيارة، وهي مضطجعة، وهي ترقص؟) مع الإلحاح على مزيد من أشيائها (قلم الحمرة، المشط، الجورب، المانيكور، المايوه الأزرق، ثوب النوم الوردي، الصليب الذهبي، الكم، التنورة؟) مما يصح معه أن نقول أنه سكان " يبعثر " المرأة ولا يلمها في خلق سوي، كان يجزئ، ويركز نظره على المفردات، لأن كل عنصر مفرد منها، كان يحميه من المرأة مكتملة، إذ كان يجد فيه صورة قصيدة ثم يحوله؟ دون ريب - إلى قصيدة جميلة، كان يرى الجمال الطبيعي والمصنوع، ويفتنه، فيدخل في كونه (الفم، الشفة، الاسم، الغرفة، الظفر المصبوغ، كم الدانتيل) دخول الطفل الذي تفتنه الفراشة، ويعود جذلان لأنه استطاع أن يقبض " شعريا " على تلك الفراشة، وأقول " شعريا " لا لنفي المتعة الجسدية، بل لاؤكد جانب التعبير، والتصوير، فإن الدخول إلى هذه الجزئيات، لم يكن مما

стр. 175

يعني الشاعر كثيرا قبل نزار، كما أن ابتكار الصور الملائمة لهذه المجالات الصغيرة، والجرأة في اللغة والصورة معا، هما أقوى ما يميز هذا المنزع الشعري الجمالي (ثوبا كزوبعة الفل، المساء شلال فيروز ثري، مئزر خضل ثر المواسم، يا كمها الثرثار يا مشتل، وكر الخيط في شهقة نادمة؟ الخ) . ثم أنتقل الشاعر من المرحلتين السابقتين إلى مرحلة ثالثة هي الحديث عن مشكلات المرأة، فأنتقل بذلك من أن يكون جماليا إلى أن يكون سيكولوجيا، ماذا تقول امرأة اكتشفت أن صاحبها يعاشر أخرى حين جاءت لزيارته (رسالة من امرأة حاقدة) ، ماذا تقول حين تحمل، والرجل المسؤول عن ذلك يدير ظهره لها (حبلى) ، كيف تعبر عن جوعها الجنسي لأن الرجل النائم بجانبها ممددا كالثور لم يبلغ بها قمة الاكتفاء (أوعية الصديد؟) ، ثم كيف تتحول عن ممارسة الجنس مع الرجل إلى ممارسته مع أنثى مثلها (القصيدة الشريرة) ؟ الخ، ثم تتحول المشكلات نفسها لتصبح تعبيرا عن أوضاع متبادلة بين المرأة والرجل، اتهامات متبادلة، ثم اكتشاف النهاية في برود العاطفتين، وفي فصم تلك العلاقة بالإقرار بالكذب والنفاق، وفي هذه المرحلة ينتقل الصراع إلى مستوى جديد، (عصري في أكثر سماته) فيصبح الحب فيه طرفا، والجنس طرفا آخر (وهو صراع في النهاية يؤدي إلى أن يصبح الحب كله متشابها) . ومع أن الشاعر يصور ثورة المرأة؟ هنا - على تقلبات الرجل، فإنه أشد ميلا إلى تصوير مدى فتنتها بالرجل، وتعلقها به، وتذللها له، ودورانها في فلكه، وتلذذها بحركاته وأشيائه، حتى أن إحداهن لتقول وهو يشعل لها سيجارة (١) :

стр. 176

رجل يمنحني شعلته ما أطيب رائحة الرجل ولما كانت المرأة تفعل أي شيء من أجل إرضاء الرجل، فإن لديها؟ على عكس ما لدى الشاعر - قدرة على المصالحة التوفيقية بين الحب والجنس، في أغلب المواقف. بهذا المعنى؟ وبمعنى آخر سيجيء تبيانه من بعد - يمكن أن يسمى نزار شاعر المرأة، لأنه ينصفها، لأنه؟ وهو يحاول أن ينصفها - يرى فيها محض امرأة، لا فنانة شاعرة، ذلك لأنها في أقصى حالات الشاعرية تتمنى الفناء؟ حبا وجنسا - في الرجل. فإذا تركنا عالم المشكلات، وفيه أصابع ثقافية فرويدية واضحة، وعدنا إلى عالم الأشياء والحركات، وجدنا الشاعر الجمالي طفلا (وإن تزويا بثوب المراهق أحيانا) يلعب بتلك الأشياء كما يلعب الطفل بالدمى، ويصور الحركات في إعجاب طفل يرى نيزكا لأول مرة. وهذا الطفل في نزار يقترب من تلك الأشياء والحركات، وهو مصمم على أن لا يحترق، وإنما يريد أن يرجع وقد قبض على لحظة شعرية " أني أحارب بالحروف وبالرؤى "، هو يرى ويسمع ويلمس، ولكن انبهار الطفل عنده لا يتجلى على أتمه إلا حين تكون المرأة بعيدة، ما أشد لهفة الطفل حين يقرأ خطايا جاءه من حبيبته، أو حين يمني نفسه بأنه سيحضر عيد ميلادها (قبل أن يحضره) ، أننا هنا لا نحس لهفة الرجل، بمقدار ما نحس لهفة الطفل، وقد ظل نزار يموه بالمزج بين اللهفتين، إلى أن صرح عن الحقيقة الخفية، ووضعنا في لحظات كشف أخرى في ديوانه " الرسم بالكلمات " فحدثنا أن الرجال كلهم أطفال: لم تستطيعي بعد أن تتفهمي أن الرجال جميعهم أطفال وبهذه الصورة نفسها تراه المرأة التي تتحمل كل شيء من غضبه

стр. 177

فأنت كالأطفال يا حبيبي نحبهم مهما لنا أساءوا وفي لحظة كشف؟ تكاد تكون أسطورية - كتب نزار في هذه المرحلة خمس رسائل إلى أمه، لماذا في هذه المرحلة دون ما قبلها من مراحل؟ ؟) وفي إحداهما يحدثنا عمن عرف من النساء وعن العواطف وعن البلاد التي جابها: ولم أعثر على امرأة تمشط شعري الأشقر وتحمل في حقيبتها إلي عرائس السكر وتكسوني إذا أعرى وتنتشلني إذا أعثر هذه الطفولة الخبيثة؟ في معالم تلك الرجولة - تتكشف الآن، لتدلنا على سر المشكلة، أنها لحظة اضاءة، جعلت الأشياء والحركات؟ في عالم المرأة - تبدو وكأنها ليست سوى دمى، ومرة ثالثة يجيء الصراع بين الحب وعقدة أوديب (١) ، وهو صراع قد حدد طبيعة الحب، أيضا، إذ رده رومنطقيا خالصا: الحب ليس رواية شرقية، لكنه الإبحار دون سفينة وشعورنا أن الوصال محال ومن قبل بكثير قال أحد رسل الرومنطقية، يوسف غصوب، " لذاتنا في الشوق لا في الوصال " ولكن نزارا تجاوزه بكثير، حين أفترض؟ منذ البداية - أن حقيقة الحب في أن يكون الوصال محالا.

стр. 178

هذه المرأة؟ الأم - ينبوع جمال وحب، ولكنها هي التي وضعت الشاعر في وضع التمزق النفسي، (وهو تمزق لا يظهر كثيرا على السطح لأن الغرق في اللحظات الجمالية الكثيرة يحجبه) فهو في مشاعره ينتمي إلى القديم، كل النساء لديه " سبايا "، وليس هو سوى شيخ بدوي يفصل لنفسه " عباءة " من جلودهن، وهو في ثقافته وفكرة يريد للمرأة أن تتحرر، رغم أنه يراها بسبب وضعه الأول مقيدة بأغلال الحب والجنس، وقد رآها متحررة، وأعجب بتحررها، رأي " جانين " الفرنسية الوجودية: تريد أن تختار ما تراه تريد أن تمزق الحياه ربما لم تكن جانين جميلة، ولكنها كانت تعرف ما تريد (او هكذا خيل للشاعر) ، وكان في انطلاقها معنى جديد، تأمله الشاعر فإذا هو يحسدها عليه لأنه لا يملك هو نفسه أن يكون كذلك، مع كل توهمه أنه؟ وهو الرجل الشرقي - لا يعرف للانطلاق حدودا، صحيح أنه إذا قيس إلى المرأة الشرقية بدأ وكأنه يتمتع بحرية مطلقة، ولكن هذا الشعور يتضاءل لديه إزاء جانين، وكانت قصيدة " جودية " هي المدخل إلى " مذكرات امرأة لا مبالية "، وهذه اللامبالية ليست تلك الوجودية الفرنسية، ولكنها شرقية، وكل ما فيها من لامبالاة أنها أرسلت خواطرها حرة في مذكراتها (وأحيانا يتكلم نزار بالنيابة عنها ناسيا أنها موجودة) وعبرت توقها الممض إلى حرية الحب وحرية الجنس، وهي رغم ما تلجأ إليه من محاكمات عقلية وتاريخية تدخل احيانا منطقة الهستريا، والمذكرات عادية تطرح مشكلة واحدة، وتقترح لها حلا واحدا، وأبرز ما فيها أنها تصور خوف المرأة من الزمن، خوفها من أن تصل إلى مرحلة يكف فيها الجسد عن الاعتزاز بثماره، وهي أحيانا توسع من الأفق

стр. 179

الشعري للقصائد بطرح المفارقات القائمة خارج عالم المرأة (طيور تشرين؟ القط؟ الخ) ، وهي بمجموعها الكلي ثورة على الأب، صريحة " هجائية " في طابعها: أبي صنف من البشر مزيج من غباء الترك، من عصبية التتر أبي أثر من الآثار، تابوت من الحجر ولكن في نهاية المطاف تبدو الثورة على الرجل والحاجة إلى الرجل انقساما شيزوفرينيا، (فصاما) قد لا يتأتى علاجه، مثل انقسام الرجل الشرقي بين قطبي التمسك العاطفي بالقيم القديمة والثورة العقلية عليها. ولنا أن نسأل: هل خوف المرأة من الزمن (من الشيخوخة والموت) يقابله صراع مساو لدى نزار نفسه بين الحب والموت؟ والجواب على هذا السؤال بالإيجاب إذا تذكرنا ما قلناه من قبل، وهو أن طبيعة شعر نزار كانت تكفل للطفل أن لا يكبر، وأن يظل يتلهى بلعبه، مستسلما إلى عالم الواقع، مستريحا إلى الأجزاء الجميلة في عالم المرأة، ولكن تصوره للمشكلة منبعد أصبح أشد وضوحا وصراحة، ففي ديوانه " قصائد متوحشة " (١٩٧٠) يتكرر لديه التعبير عن الهزيمة، وعن محاولة قراءة المستقبل بالنظر في الفنجان، مقدورك أن تمشي أبدا في الحب على حد الخنجر وتظل وحيدا كالأصداف وتظل حزينا كالصفصاف وسيظل نزار يتحدث عن الحب، مستغلا طواعية اللغة الشعرية التي مرن قلمه عليها، وسيظل بغير المواقف فحينا يتحدث الشاعر المحب وحينا يتحدث المرأة المحبوبة، وسيظل

стр. 180

الحب بمعنى رؤية الجمال وضروب الصراع في الحياة والمشاعر هو الملاذ الأخير، لأنه وحده رابطة. أما صلاح عبد الصبور فإنه حيت أصبح شاعرا كان قد فقد القدرة على استعادة " فرحة الطفل " بالإشياء، تلك الخاصية التي تميز شعر نزار قباني، وإذا كان يشترك مع نزار في الوقوف عند المظاهر الحسية من عالم المرأة، مقلدا نشيد الإنشاد: " وجه حبيبتي غيمة من نور/ شعر حبيبتي حقل حنطة/ خدا حبيبي فلقتا رمان؟ فما ذلك إلا لقاء عارض لا يلبث أن يضمحل ". ذلك أن الطفل القروي الرقيق الحال، ظل حين وجد نفسه في المدينة خجولا يحس بشقة كبيرة تفصله عن المرأة: وأنا لم أبرح القرية مذ كنت صبيا ألقيت في رجلي الأصفاد مذ كنت صبيا ومنذ طفولته كان يحلم بعسف القدر " وبالموت حين يدرك الحياة "، فلما شب طالعه الموت الواقعي بقفدان الأب، والأخ، ومصطفى ابن القرية، وقريبه محمد نبيل، وبشنق " زهران "،؟ الخ، فغشى الحزن وجه حياته، وألقى ظله على الوجود، وخاصة إذا جن الليل، وشعر بالوحدة، هنالك يكون الحزن ضريرا، طويلا كالطريق من الجحيم إلى الجحيم، ويصبح كلما مر الزمن ألوانا وأشكالا: لقد بلوت الحزن حين يزحم الهواء كالدخان؟. ثم بلوت الحزن حين يلتوي كأفعوان؟. ثم بلوت الحزن حينما يفيض جدولا من اللهب فإذا تحدث صلاح عن الحب، لم يكن حديثه عنه أغنية رقيقة شفافة، وإنما هو تأمل حاد، متصل بحقيقة نظرته الفلسفية الشاملة إلى الموت والحياة. وذلك الحزن
следующие страницы →