رجل يمنحني شعلته ما أطيب رائحة الرجل
ولما كانت المرأة تفعل أي شيء من أجل إرضاء الرجل، فإن لديها؟ على عكس ما لدى الشاعر - قدرة على المصالحة التوفيقية بين الحب والجنس، في أغلب المواقف. بهذا المعنى؟ وبمعنى آخر سيجيء تبيانه من بعد - يمكن أن يسمى نزار شاعر المرأة، لأنه ينصفها، لأنه؟ وهو يحاول أن ينصفها - يرى فيها محض امرأة، لا فنانة شاعرة، ذلك لأنها في أقصى حالات الشاعرية تتمنى الفناء؟ حبا وجنسا - في الرجل.
فإذا تركنا عالم المشكلات، وفيه أصابع ثقافية فرويدية واضحة، وعدنا إلى عالم الأشياء والحركات، وجدنا الشاعر الجمالي طفلا (وإن تزويا بثوب المراهق أحيانا) يلعب بتلك الأشياء كما يلعب الطفل بالدمى، ويصور الحركات في إعجاب طفل يرى نيزكا لأول مرة. وهذا الطفل في نزار يقترب من تلك الأشياء والحركات، وهو مصمم على أن لا يحترق، وإنما يريد أن يرجع وقد قبض على لحظة شعرية " أني أحارب بالحروف وبالرؤى "، هو يرى ويسمع ويلمس، ولكن انبهار الطفل عنده لا يتجلى على أتمه إلا حين تكون المرأة بعيدة، ما أشد لهفة الطفل حين يقرأ خطايا جاءه من حبيبته، أو حين يمني نفسه بأنه سيحضر عيد ميلادها (قبل أن يحضره) ، أننا هنا لا نحس لهفة الرجل، بمقدار ما نحس لهفة الطفل، وقد ظل نزار يموه بالمزج بين اللهفتين، إلى أن صرح عن الحقيقة الخفية، ووضعنا في لحظات كشف أخرى في ديوانه " الرسم بالكلمات " فحدثنا أن الرجال كلهم أطفال:
لم تستطيعي بعد أن تتفهمي أن الرجال جميعهم أطفال
وبهذه الصورة نفسها تراه المرأة التي تتحمل كل شيء من غضبه
стр. 177
فأنت كالأطفال يا حبيبي نحبهم مهما لنا أساءوا
وفي لحظة كشف؟ تكاد تكون أسطورية - كتب نزار في هذه المرحلة خمس رسائل إلى أمه، لماذا في هذه المرحلة دون ما قبلها من مراحل؟ ؟) وفي إحداهما يحدثنا عمن عرف من النساء وعن العواطف وعن البلاد التي جابها:
ولم أعثر
على امرأة تمشط شعري الأشقر
وتحمل في حقيبتها
إلي عرائس السكر
وتكسوني إذا أعرى
وتنتشلني إذا أعثر
هذه الطفولة الخبيثة؟ في معالم تلك الرجولة - تتكشف الآن، لتدلنا على سر المشكلة، أنها لحظة اضاءة، جعلت الأشياء والحركات؟ في عالم المرأة - تبدو وكأنها ليست سوى دمى، ومرة ثالثة يجيء الصراع بين الحب وعقدة أوديب (١) ، وهو صراع قد حدد طبيعة الحب، أيضا، إذ رده رومنطقيا خالصا: الحب ليس رواية شرقية،
لكنه الإبحار دون سفينة وشعورنا أن الوصال محال
ومن قبل بكثير قال أحد رسل الرومنطقية، يوسف غصوب، " لذاتنا في الشوق لا في الوصال " ولكن نزارا تجاوزه بكثير، حين أفترض؟ منذ البداية - أن حقيقة الحب في أن يكون الوصال محالا.
стр. 178
هذه المرأة؟ الأم - ينبوع جمال وحب، ولكنها هي التي وضعت الشاعر في وضع التمزق النفسي، (وهو تمزق لا يظهر كثيرا على السطح لأن الغرق في اللحظات الجمالية الكثيرة يحجبه) فهو في مشاعره ينتمي إلى القديم، كل النساء لديه " سبايا "، وليس هو سوى شيخ بدوي يفصل لنفسه " عباءة " من جلودهن، وهو في ثقافته وفكرة يريد للمرأة أن تتحرر، رغم أنه يراها بسبب وضعه الأول مقيدة بأغلال الحب والجنس، وقد رآها متحررة، وأعجب بتحررها، رأي " جانين " الفرنسية الوجودية:
تريد أن تختار ما تراه
تريد أن تمزق الحياه
ربما لم تكن جانين جميلة، ولكنها كانت تعرف ما تريد (او هكذا خيل للشاعر) ، وكان في انطلاقها معنى جديد، تأمله الشاعر فإذا هو يحسدها عليه لأنه لا يملك هو نفسه أن يكون كذلك، مع كل توهمه أنه؟ وهو الرجل الشرقي - لا يعرف للانطلاق حدودا، صحيح أنه إذا قيس إلى المرأة الشرقية بدأ وكأنه يتمتع بحرية مطلقة، ولكن هذا الشعور يتضاءل لديه إزاء جانين، وكانت قصيدة " جودية " هي المدخل إلى " مذكرات امرأة لا مبالية "، وهذه اللامبالية ليست تلك الوجودية الفرنسية، ولكنها شرقية، وكل ما فيها من لامبالاة أنها أرسلت خواطرها حرة في مذكراتها (وأحيانا يتكلم نزار بالنيابة عنها ناسيا أنها موجودة) وعبرت توقها الممض إلى حرية الحب وحرية الجنس، وهي رغم ما تلجأ إليه من محاكمات عقلية وتاريخية تدخل احيانا منطقة الهستريا، والمذكرات عادية تطرح مشكلة واحدة، وتقترح لها حلا واحدا، وأبرز ما فيها أنها تصور خوف المرأة من الزمن، خوفها من أن تصل إلى مرحلة يكف فيها الجسد عن الاعتزاز بثماره، وهي أحيانا توسع من الأفق
стр. 179
الشعري للقصائد بطرح المفارقات القائمة خارج عالم المرأة (طيور تشرين؟ القط؟ الخ) ، وهي بمجموعها الكلي ثورة على الأب، صريحة " هجائية " في طابعها:
أبي صنف من البشر
مزيج من غباء الترك، من عصبية التتر
أبي أثر من الآثار، تابوت من الحجر
ولكن في نهاية المطاف تبدو الثورة على الرجل والحاجة إلى الرجل انقساما شيزوفرينيا، (فصاما) قد لا يتأتى علاجه، مثل انقسام الرجل الشرقي بين قطبي التمسك العاطفي بالقيم القديمة والثورة العقلية عليها.
ولنا أن نسأل: هل خوف المرأة من الزمن (من الشيخوخة والموت) يقابله صراع مساو لدى نزار نفسه بين الحب والموت؟ والجواب على هذا السؤال بالإيجاب إذا تذكرنا ما قلناه من قبل، وهو أن طبيعة شعر نزار كانت تكفل للطفل أن لا يكبر، وأن يظل يتلهى بلعبه، مستسلما إلى عالم الواقع، مستريحا إلى الأجزاء الجميلة في عالم المرأة، ولكن تصوره للمشكلة منبعد أصبح أشد وضوحا وصراحة، ففي ديوانه " قصائد متوحشة " (١٩٧٠) يتكرر لديه التعبير عن الهزيمة، وعن محاولة قراءة المستقبل بالنظر في الفنجان،
مقدورك أن تمشي أبدا
في الحب على حد الخنجر
وتظل وحيدا كالأصداف
وتظل حزينا كالصفصاف
وسيظل نزار يتحدث عن الحب، مستغلا طواعية اللغة الشعرية التي مرن قلمه عليها، وسيظل بغير المواقف فحينا يتحدث الشاعر المحب وحينا يتحدث المرأة المحبوبة، وسيظل
стр. 180
الحب بمعنى رؤية الجمال وضروب الصراع في الحياة والمشاعر هو الملاذ الأخير، لأنه وحده رابطة.
أما صلاح عبد الصبور فإنه حيت أصبح شاعرا كان قد فقد القدرة على استعادة " فرحة الطفل " بالإشياء، تلك الخاصية التي تميز شعر نزار قباني، وإذا كان يشترك مع نزار في الوقوف عند المظاهر الحسية من عالم المرأة، مقلدا نشيد الإنشاد: " وجه حبيبتي غيمة من نور/ شعر حبيبتي حقل حنطة/ خدا حبيبي فلقتا رمان؟ فما ذلك إلا لقاء عارض لا يلبث أن يضمحل ".
ذلك أن الطفل القروي الرقيق الحال، ظل حين وجد نفسه في المدينة خجولا يحس بشقة كبيرة تفصله عن المرأة:
وأنا لم أبرح القرية مذ كنت صبيا
ألقيت في رجلي الأصفاد مذ كنت صبيا
ومنذ طفولته كان يحلم بعسف القدر " وبالموت حين يدرك الحياة "، فلما شب طالعه الموت الواقعي بقفدان الأب، والأخ، ومصطفى ابن القرية، وقريبه محمد نبيل، وبشنق " زهران "،؟ الخ، فغشى الحزن وجه حياته، وألقى ظله على الوجود، وخاصة إذا جن الليل، وشعر بالوحدة، هنالك يكون الحزن ضريرا، طويلا كالطريق من الجحيم إلى الجحيم، ويصبح كلما مر الزمن ألوانا وأشكالا:
لقد بلوت الحزن حين يزحم الهواء كالدخان؟.
ثم بلوت الحزن حين يلتوي كأفعوان؟.
ثم بلوت الحزن حينما يفيض جدولا من اللهب
فإذا تحدث صلاح عن الحب، لم يكن حديثه عنه أغنية رقيقة شفافة، وإنما هو تأمل حاد، متصل بحقيقة نظرته الفلسفية الشاملة إلى الموت والحياة. وذلك الحزن
стр. 181
الذي يملك عليه رؤيته للأشياء ليس حزنا لحادثة أو فاجعة، فهو يزول بزوالها أو نسيانها، وإنما هو أيضا نابع من أعماق تلك الفلسفة، فهو حزن لا يعرف ولا تدرك أبعاده، حزن " لا تطفئه الخمر ولا المياه؟ ولا تطرده الصلاة " هو حزن إنساني لا فردي يتصل بتصور صلاح لوضع الإنسان في هذتا الكون، ومن التبسيط أن يقال أن هذا الإنسان لا يمثل أية قيمة، وأن ليس لوجوده معنى، " ما الإنسان؟ أن عاش وأن مات "، الإنسان مخلوق شريف مناضل جميل حين لا يفقد الألفة مع أخوته أو حين لا يموت في قلبه " الإنسان "، ولكنه في النهاية هو الفارس القديم (لأنه يعيش في غير عصر الفروسية) ، وهو في النهاية مهزوم، كما أنه هو الملاح الذي مات قبيل الموت " حين ودع الأحباب والأصحاب والزمان المكان "،
عادت إلى قمقمها حياته وانكمشت أعضاؤه رمال
ومد جسمه على خط الزوال،
وهو سندباد الذي سئم التطواف، والحديث عن المغامرات والأهوال. ليس هذا وحسب، بل أنه لا يمثل حقيقة واحدة تسمى الإنسان، وإنما هو في كل مرحلة غيره في المرحلة الأخرى، ولهذا تتكثر " الأنا " عند الفرد، ويغدو " الأنا " القديم مطاردا للأنا الجديد، وإذا مشى " الأنا " الجديد بثقة فيما صار إليه أصبحت " الذوات " القديمة قتلى يجرجرها معه أينما أتجه، وكلما حاول أن يقدم خطوة، بهظه الحمل، فأصبحت مواقفه النفسية وقوفا عند محاكمة تلك المراحل، فإذا كان شاعرا مثل صلاح أصبح جانب كبير من شعره، ترجمة ذاتية، واستعادة للماضي، فإذا جاء المساء قام بجولة في تاريخه
стр. 182
أتحد بجسمي المتفتت في أجزاء اليوم الميت
تستيقظ أيامي المدفونة في جسمي المتفتت
أتشابك طفلا وصبيا وحكيما محزونا
يتآلف ضحكي وبكائي مثل قرار وجواب
أجدل حبلا من زهوي وضياعي
لأعلقه في سقف الليل الأزرق
أتسلقه حتى أتمدد في وجه قباب المدن الصخريه
أتعانق والدنيا في منتصف الليل،
حتى إذا طلع الصباح تجمع " فأرا " في مخزن عاديات:
كي أتأمل بعيون مرتبكه
من تحت الأرفف أقدام المارة في الطرقات
إذن فهذا الإنسان غريب ضائع، وفي النهاية شيء تافه، يعيش في عالم " يموج بالتخليط والقمامة "، " كون خلا من الوسامة "، وتتقاذف هذا الإنسان موجتان: الرعب والسآمة، لتسلماه إلى الهوة الأخيرة " الموت "، حتى لتشرفان به أحيانا على الانتحار. فالموت؟ رغم كل ما يقال في كراهيته - يظل هو الحقيقة الكبرى، صحيح أنه هو الطارق الغريب المجهول الذي يختار الأهل والأصحاب والأطفال، والأبرياء القرويين، دون أن يقدم مسوغا لفعله، ولكنه أيضا الحقيقة التي تختصر معنى الوجود الإنساني في لفظتين؟ هما لفظة واحدة - " قضى "، " قضت "، وهو الخيار الوحيد الذي قد يعانقه الإنسان لو قيض له أن يختار، بل هو الخيار النهائي، لأن الإنسان حين يصبح حرا، في اختياره، سيختار؟ في الحياة - أخطاء أكبر، وحياة أقسى وأمر، وإذن لقتل نفسه ندما (ثمنا للحرية) ، ففقدان الحرية هو الحرية نفسها، ولا يستطيع هذا الإنسان أن يمتلك ناحية الحرية المطلقة إلا بالموت:
стр. 183
أين يقع الحب في إطار هذه الفلسفة؟:
الفارس القديم، دون كيشوت هذا العصر، يحس أن الحب لم يعد كما كان، الحب في هذا الزمان خاضع للتحول، فإذا أحب الفارس اليوم فمن يدري؟ في الغد - هل يكون في العيون وجدها أو يكون فيها حقدها، وفي القديم كان الحب " يخضع للترتيب والحسبان " كانوا يقولون، نظرة فابتسامة فسلام.. الخ، أما اليوم فإن العاشق العصري قد يلتقي بمحبوبته " من قبل أن يبتسما "، وقد يذوق العاشقان ما يذوقانه قبل أن يشتهياه، فالحب لحظة شبق، تضيع قبل أن تتحدد أبعادها أو يعرف الممارسان لها أحدهما الآخر، وهذا ما حدث للشاعر ذات يوم في فينا، ومع ذلك فأنه أحب تلك اللحظة، ووجد فيها انفراج حزنه المقيم، وحمد الله (رغم نقمته على السماء) على ما قيض له من شعور؟ ولو عابر - بالحياة:
تبارك الله الذي قد ابدعك
وأحمد الله الذي ذات مساء
على جفوني وضعك
وواضح أن الشاعر هنا، يتحدث عن الحب، وهو يعني الجنس، ولكنه حين تحدث عن الحب بمعناه المطلق فإنه يجد فيه قوة مكانية، وأن عجزت أن تتغلب على الموت، تستطيع أن تكون ملاذا منه، وفردوسا إلى أن تنتهي رحلة الإنسان إلى شاطئ المنون،
الحب يا حبيبتي أغلى من العيون
صونيه في عينيك واحفظيه
الحب يا حبيبتي مليكنا الحنون
كوني له سميعة مطيعه
стр. 184
الحب كالشعر، كلاهما يولد بلا حسبان، وكلاهما قهار، هذا حين نتأملهما بمعزل عن الموت، أي نقبل على الحياة، رغم ما فيها من رعب وسأم، ولكنهما يحوران؟ على ضوء الحقيقة الكبرى - شيئين آخرين، حينئذ يخوننا الحب كما يخوننا الشعر، ونغدو ولا ملاذ، حين يلتقي انسانان منهوكان عليلان، ويتوهج قلباهما، يولد شيء في الظلمة، فيتلاصقان ويتعانقان، ثم؟
ثم خبا لم ندرك شيئا
وتهدل كفانا، أغضت عينانا
ولان الليل الموحش يولد فيه الرعب
لن نجني حتى الحب؟.
أن الحب قد يكون قوة تبدد الحزن، وتسقطه من نفس الشاعر كما تسقط الآوراق عن الشجرة، ولكن هذا شيء آني، حين يقترن كل ذلك بالتفكير في الموت، وفي الحياة التي يمتلك طرفاها الرعب والسأم، وهذا وأن كان وليد فلسفة وجودية عامة، فإنه وليد الإحساس بصدمة ذاتية أسقطت الشاعر فوق الزمن في مطلع الصبا، وفي الكلمات الآتية صورة تلك التجربة:
في ليلة صيف
وقع أحد الشعراء البسطاء
أنغاما ساذجة خضراء
ليناجي قلب الآلف
لكن كفا معشوقته قد مزقتا أوتاره
صارت أنغام الشاعر خرساء
فإذا نطقت كانت سوداويه
стр. 185
بل لعل هذه الصدمة الذاتية هي المدخل إلى تلك الفلسفة، فيكون الحب هو الذي رسم للشاعر صورة الإنسان والكون، والموت والحياة.
أن شعر صلاح في تطوره يشير إلى أنه أخذ يستخدم العادي في التعبير عما هو غير عادي، أعني استخدام شؤون الحياة اليومية، للتحليل الدقيق، للأوضاع النفسية المعقدة، المركبة، ولعل هذا هو الذي مهد لنقلته إلى المسرح الشعري، وفي هذا الجو الجديد، جو المسرح، تعبير عن الحب يستحق وقفة أخرى، ولكني لا أجد ذلك ضروريا في هذا المقام، إذ أنه ليس في منهج هذه الدراسة اقتحام ميدان الشعر المسرحي.
وقد يطول بي القول لو أردت أن أعرض للحب عند البياتي، في مراحله ووجهاته المختلفة، ولهذا أقتصر هنا على وجهة واحدة، هي أكثر شيء برواز في المراحل الأخيرة من شعره: ربما كان الحب في شعر البياتي قوة موحدة، تربط بين الشاعر والكون، وتصل ما بينه وبين الآخرين، وتخلق علاقة بين الواقع واللاواقع، ولكن مجاورته للكره، تجعل قوة التوحيد " أملأ " لا حقيقة، ذلك لأنه محتاج للكره من أجل الثورة، ولهذا فإنه حين يحس نوازع النقمة والغضب على الفساد، والشرور ينكمش الحب إلى حد التلاشي.
من أين يأتي الحب، يا حبيبتي، ونحن محكومون
بالإعدام
؟. محاصرون منذ الفي عام
نحاول الخروج من دوائر الأصفار
وحين يفسح الغضب والنقمة الطريق للحزن الصوفي تتسع دائرة الرؤيا، ويصبح الحب قوة كونية خفية لا تبيد، ويمثل
стр. 186
الحبيبان طرفي المعضلة اللذين لا يلتقيان: أعني الانتظار والبحث، أو البحث والانتظار، (أي أنه كان أحدهما منظرا سار الآخر في البحث عنه، والعكس) ، وتتعدد الرموز (عائشة - عشتاروت، أوفيليا، لارا؟ الخ) لتشير إلى حقيقة واحدة لا تتعدد، هي المحبوب (أو الحب) الذي ضاع ولكنه لم يمت، بل هو يحل في كل مجال، ويتراءى في صور وأشكال، (فراشة، نجمة، شجرة؟. الخ)
عائشة تبعثتحت سعف النخيل
فراشة صغيره
تطير في الظهيره
ها هي ذي ترشق بالقرنفل الأحمر وجه الموت
تقول لي: تعال
خذني على ظهر جواد الليل والنهار
إلى سهوب النار
راعية لغنم القبيلة
خذني إلى مدينة الطفوله
فأنني أموت من كوني لا أموت؟
فهذا الخلود دون اتحاد بالمحب هو موت أيضا، ولهذا كان ذلك البحث الدائب الذي لا يعرف الإعياء طلبا للاتحاد، ليتم به انتصار الشاعر على الزمن والموت، وحين يدنو المحب من لحظة الوصول، ينزل بين الروحين (أو الجسدين) حجاب يحول دون ذلك الاتحاد:
أرسم صورتها فوق الثلج، فيشتعل اللون الأخضر
في عينيها والعسلي الداكن، يدنو فمها الكرزي
الدافئ من وجهي، تلتحم الأيدي بعناق أبدي
لكن يدا تمتد فتسمح صورتها، تاركة فوق
اللون المقتول بصيصا من نور لنهار مات
стр. 187
وهكذا يظل الإنسان " الشاعر " يكابد هذا الطواف في المنفى (الفردي والكوني) ، مفتشا مسائلا، في توق محموم، وأن كان شيخ المعرة قد قال له؟ بنغمة مؤيسة:
إياك والسؤال
فلن يرد جبل " التوباد "
لسائل جواب.
هذا الاتحاد الذي جعله البياتي مستحيلا، كما جعله بديلا عن كل اخفاقات الحب في الواقع، هو نفسه مطلب حياتي، وجودي، فلسفي، لدى الشاعر الحديث، ولهذا فإنه يتأتى له، ويحاوله، عامدا أو مداورا، من زوايا مختلفة؛ وهو عند أدونيس؟ مثلا - يمكن أن يتم عن طريق الحب الجسدي -، كما تعبر عن ذلك قصيدته " تحولات العاشق " (١) ، حيث يمكن أن يولد من هذا الاتحاد نفسه كل شيء: الطبيعة، الفصول، والأطفال، والمعجزة التي لا تتقيد بقوانين الطبيعة، بل " والحب الآخر في الحب "،:
طامح جسدي كالأفق وأعضائي نخيل
تدورين في
أقطف تحت صدرك، أيبس وأنت ريحاني والماء
كل ثمرة جرح، وطريق إليك
أعبرك وأنت سكناي، اسكنك وأنت أمواجي
جسدك بحر وكل موجة شراع
جسدك ربيع وكل ثنية حمامة تهول بأسمي
فالحب الجسدي عند أدونيس؟ كما هو عند السرياليين - " يختصر كل عجائب الكون قوى الوعي وكل اهتزازات الشعور "، وهو الذي يمكن المحب من
стр. 188
مبارحة ذاته والخروج من الحب النرجسي: " أتبرأ من الأرض وأجيئه وحيدا عالقا بنفسي "، والمرأة في هذا الحب قادرة؟ كما هي عند ايلوار - على أن تصبح حقيقة متألهة، إلا أن أدونيس يضيف إلى ذلك حركة مضادة، إذ يجعل الرجل أيضا قادرا على الخلق: " كما خلقتك اشتهيتني، كما شئتك انسكبت في ".
وفي هذا الزواج الجسدي (حيث الزوجان: كل منهما لباس للآخر) ، معاملة مع الموت من عدة وجوه، التزيي بالموت، الانتقام من الموت، الاتحاد مع الموت، الانفصال في الموت عن الموت، وفي مثل هذه المواقف يصل المرء إلى نتيجة واحدة، وهي أن الحب والموت سيان، فإن لم يكونا كذلك فهما منطقتان؟ بالمتعة - متجاورتان:
هل الحب وحده مكان لا يأتيه الموت؟
هل يقدر الفاني أن يتعلم الحب؟
وماذا اسميك يا موت؟!
بيني وبين نفسي مسافة
يرصدني فيها الحب، يرصدني الموت
والجسد عمارتي
من أعماق الأشياء الفانية أعلن الحب
ليبيرا، ليبيرا، فالوس؟.
وفي مثل هذا النوع من الغناء، قد يتلاشى الجسد، (بل لا بد له أن يتلاشى) ولكن شريعته باقية، وعندما يسأل الحب، هنا، ماذا تفعل أيها الحب، يجيب:
أعارض الأرض
أي يقف وحده حقيقة شاهرة؟ مع الموت - في الحكم على الوجود الماضي إلى الفناء.
стр. 189
وهذا الاتحاد عند محمود درويش هو سر شعره، إلا أنه اتحاد من نوع آخر، أنه وحدة الشاعر والأم والحبيبة والأرض في نطاق واحد، دون انفصال. وإذا لم يغد هذا الاتحاد في شعر محمود مفهوما بحدوده المميزة، ظن القارئ أنه قائم على التلاعب بلفظة " الحبيبة " والألغاز بها للتمويه. وقد يذكر محمود أسماء واقعية لحبيبات، ولكن هذا يجب أل يصرفنا عن رؤية المعنى الكلي الذي يرمي إليه، سواء أكان تعبيره؟ حسب قوله -: باللغة الصافية أو اللغة الدامية أو اللغة النائمة أو اللغة الضائعة، فإن " المعبودة " واحدة لا تتغير، ابتداء من بطاقة التشريد حتى كل محاولة للعثور على الهوية، تلك الهوية التي لن تتحقق دون الوطن:
؟؟
لم أجد في الشجر
خضرتها
فتشت عنها السجون
فلم أجد إلا فتان القمر
فتشت جلدي، لم أجد نبضها
ولم أجدها في هدير السكون
ولم أجدها في لغات البشر
وهذه الأرض المعبودة ذات عينين ساحرتين، هما حينا هجرة، وحينا منفى، وحينا عودة، وحين يمثلان العودة، يتجلى المستقبل في أكمل بشاراته:
- من يرقص الليلة في المهرجان
- أطفالنا الآتون
- من يذكر النسيان
- أطفالنا الآتون
- من يضفر الأحزان، إكليل ورد في جبين الزمان
- أطفالنا الآتون
стр. 190
عندئذ يموت المحبان؟ مسرورين - في ضوء موسيقى الأطفال الآتين، وهذا يعني أن فرحة الحب، موصولة، بفرحة المستقبل، وأن ليس ثمة حب مجرد يعيش، في المطلق، كما يعيش حب البياتي، أو كما يحاول أن يعيش حب أدونيس.
ولا بد أن يختلف تعبير المرأة عن الحب؟ ولو نظريا - عن تعبير الرجل، حتى حين يحاول أن يتقمص دور المرأة (كما يفعل نزار قباني) . ولكن يجب أن نتذكر أنه في خلال الثلاثين سنة الماضية، قد تم تطوران كبيران؟ إلى جانب تطورات أخرى - وهما تطور وضع المرأة، وتطور فكرة الحب، ولهذا فإننا حين ندرس شعر المرأآ، قد نتأرجح بين أدنى درجات السلم وأقصاها، فشعر نازك؟ مثلا - من هذه الناحية، قد يتلخص في كلمتين: تعال؟ لا تجيء، أو " لنلتق؟ لنفترق "؟. لأنه قائم على تصور الخوف من التغير (ومن الزمن) ؟ كما بينت في فصل سابق -. وتمثل فدوى طوقان جميع هذه المرحلة، وتضيف إليها أشياء كثيرة تتصل بعالم الأنثى، حبن يكون المجال هو الحب، أو تجربة الحب، فهي مثل الرجل حين ترى أن الفن نوع من التخليد للمحبوب: " ربيعك باق بشعري فما ينتهي "، إلا أنها تختلف عن الرجل في تحليل عاطفة الغيرة؟ مثلا - (١) ، وفي تحليل معاني العبودية، فالرجل قد يقول للمرأة: سيدتي، أميرتي، مليكتي، ولكنه في النهاية، لا يعني بدقة ما تحمله هذه الألفاظ من معان، أما المرأة فإن كل لفظة من هذا القبيل مقيدة لها مرهونة بإخلاصها، ولست أريد أن ألجأ إلى التعميمات فأقول: أن المرأة أشد إخلاصاً؟ في الحب - من الرجل، وأنها من ثم أكثر منه وفاء، ولكني قد أقول: أنها لا تتفلسف كثيرا حول الحب، كما
стр. 191
يفعل الرجل، بل هي أكثر التصاقا بالواقعية؟ في الحب - منه، وإذا كانت فدوى هي المثال الذي اختاره لتأييد هذا الزعم، قلت: إننا نصادف لديها سؤالا خالدا هو: ما أنت؟ (بدلا من: من أنت؟) وبين " ما " و " من " يكمن كل الفرق في تحديد هوية الحب:
أسأل ما أنت؟ سمعت الرياح
تقول لي في مثل همس القدر
إنك يا حبي نشيد الخلود
وانني عبر الوجود
وفي هذه المرحلة التاريخية تغدو " سرية " الحب أمرا ضروريا، لأنها جزء من طبيعة تلك المرحلة، ولأنها أكثر دلالة على الوفاء.
ورغم التطور الزمني، تظل المرأة أقدر من الرجل في التعبير عن احساساتها العميقة حين يطري جمالها رجل ما (١) ، أو عن العيش في سجن الحب، أو في تقديس الأمور المشتركة بين المحبين (٢) :
من الرأي إذ نلتقي عنده يا حبيبي
من الفكرة الواحدة
من الشعلة العذبة الخالدة
ومن ألف حلم ندي جميل
وأشياء أخرى نتقاسمها
وإياك، نسيانها مستحيل
стр. 192
ثم إن المرأة أقل عنفا من الرجل في الاتهامات المتصلة بالخيانة أو التنكر للحب، ولكنها من وجهة أخرى أشد من الرجل رأما للطفولة فيه.
وتميز فدوى؟ بقوة - بين الحب والود، فالأول متصل بارتعاشات مبهمة تبدأ في الطفولة:
" تحبني "؟ تاريخها عندي قديم
قبلك من سنين، من سنين
نشدتها، بحثت عنها في طفولتي
نشدتها إذ كنت طفلة حزينة، مع الصغار
عطشى إلى محبة الكبار
وكنت أسمع النساء حول موقد الشتاء
يروين قصة الأمير، إذ أحب بنت جاره الفقير
أحبها؟ وترعش الحروف في كياني الصغير
إذن هناك حب؟
هناك من يحب، من تحب!!
وأما اللفظة الثانية، فإنها تلحق بالصداقة،
تحبني؟ لا. ردها
دع لي، صديقي، ودك الكبير
أعب من حنوه في دربي الطويل
غير أن لفظة " الحب " نفسها، قد تلقي في النفس ظلالا متفاوتة، من المعاني، كما أنها؟ ككل شيء آخر في هذه الحياة - خاضعة لحكم الزمن:
يوم، وتعرى الكلمة الناعمه
من ظلها، من سحرها الباني
يوم، ويبدو وجهها الثاني
عبر مسافات جليدية
خلف متاهات ضبابية؟.
стр. 193
مثلما أن " ظاهرة الحب " نفسها قد أصابها التغير بفعل الزمن، فجفت، وأصبحت قاصرة على العلاقات الجسدية:
الحب عند الآخرين جف وانحصر
معناه في صدر وساق؟.
وتشارك سلمى الخضرا الجيوسي في كثير من مظاهر هذه المرحلة التاريخية، فهي أيضا حيية، لا تسعفها الجرأة على البوح
خانت جرأة البوح الرحيمة
وبسالة الشكوى قوانا
فخلت أغانينا من الآهات، واختنقت رؤانا
ولعل هذا الخجل هو الذي يجعلها تعتمد صيغة الجمع في الحديث عن نفسها:
وهواك ملء فؤادنا، هذي حنايانا رفيف من عباده.
وتعارض سلمى بين الجمال والحب، وخاصة في قصيدة " سودان "؟ وهو رمز للفتى الجميل - الذي حرك جماله دخائل الإعجاب، ولكنه لم يترك حبا:
سيمضي لن يراه الليل سهدا في مآقينا
ولن يشرب من آهاتنا حسره
ولا من دمعنا المغلوب في أعماقنا قطره
ولن يمتص من أوراد خديها التلاوينا
وتعود سلمى إلى رمز " شوان " حين تريد أن تصور التوحيد بين الجمال والموت، فيصبح الحب بذلك والموت متطابقين. وتضيف الشاعرة تجربة أخرى حين تستغل صور السفينة أو المركب، وما يتعلق بهما من شراع وقلع ومجداف (وهي
стр. 194
صور تتردد عند فدوى أيضا) لتعبر بالسفينة الغارقة عن الموت المنقذ، من حياة تحول فيها الحب عن طبيعته السمحة:
تغوص سفينتي في البحر، تغرق لا انجيها
صقيع الليل، يا ويلي، يكدس ثلجه فيها
ذلك أن الحب قد استحال إلى برودة قاتلة. فكل شيء هامد، وكل شيء يشكو الصقيع:
صقيع الليل مد جذوره عندي
وعشعش في شغاف القلب
من ينجيك من بردي!!
وقد اجتمع تغير الحب مع ضياع الوطن والهوية، فإذا العالم كله ميت، والبرد " قد عشعش في عرق الرحم ".
وليس من المستغرب أن تتجاوز المرأة الشاعرة؟ في هذه المرحلة - كل ما يتصل بالحب الجسدي، فلا تقف عنده، وان كان بعض الشواعر لا يجدن حرجا في استخدام بعض الصور الجنسية. وسيظل الشعر؟ إذا قيس بالقصة الطويلة أو المسرحية - من أقل الألوان الأدبية تنويعا في موضوع الحب، بحكم جوهره وطبيعته.
стр. 195
٨ - الموقف من المجتمع
يكاد كل ما جاء في الفصول الأربعة السابقة: حول الموقف من الزمن والمدينة والتراث والحب، أن يمثل جوانب من علاقة الشاعر بالمجتمع، فليس لدي عذر في اختيار هذا العنوان الكبير لهذا الفصل، إلا الرغبة في الكشف عن سمات وقضايا أخرى، لم أتعرض لها من قبل، وأن كان بعضها مما المعت إليه؟ بإيجاز - في الفصل الثالث.
هل يمكن أن يمثل الموقف من المجتمع قضية؟ الجواب على ذلك بالإيجاب، وحين يكون الأمر كذلك، تنحصر المسألة في شيئين: هل يجوز أن يكون الفرد في صراع مع المجتمع، وهل هناك شيء اسمه الصراع بين الطبقات؟ في المجتمع الواحد -؟ ومع أن كل هذا يعد تبسيطا شديدا، للواقع الاجتماعي، فإن هناك من يعتقد دون ريب أن الفرد والمجتمع يمثلان طرفي صراع، كما أن هناك من يثبت، أن الوضع الإنساني كله، لا يتعدى الصراع بين الطبقات في المجتمع الواحد.
ولنأخذ القضية الأولى: الصراع بين الفرد والمجتمع، (وما أقساها من حقيقة!!) إذ كيف يمكن للفرد، أن يقف هذه الوقفة التي تنبئ عنها البداية بأنها خاسرة، ومع ذلك، فإن نجيب محفوظ، حاول في " اللص والكلاب "، أن يصور هذه الفكرة، وكانت النهاية مرصودة في البداية، فإن الفرد منهزم قبل أن تبدو إمارات هزيمته، إذ من ذا الذي يستطيع أن يقول؟ ولو على نحو من التنبؤ الخاسر - أن الفرد هو
стр. 196
سينتصر في النهاية؟!! تلك حقيقة تتجاوز القول؟ على نحو من تصور كافكا - بأن الفرد محكوم، دون أن يعرف من هم حكامه، ومن هي المحكمة التي تدينه، وما هو الذنب الذي يحاكم من أجله، وما هي التهمة الموجهة إليه، سوى تهمة " الوجود " أو كما يقول زكريا ثامر في إحدى قصصه: " إذا كنت بريئا فلم ولدت "؟؟؟.
الصراع بين الفرد والمجتمع؟؟ طرفان في المعادلة لا يستويان، ومع ذلك فإننا نسمع ممدوح عدوان يقول، في مقدمة ديوانه " الظل الأخضر ": " إن الفنان إذ يكتشف صفاءه، يكتشف عكر العالم، وتصطدم صلابة صفائه بصلابة العالم.. وهذا الاصطدام يولد الشرارة المضيئة للعالم؟ إن الفن ينبع دائما من هذا الصدام، من الرغبة في أن لا يفقد الإنسان صفاءه.. ويصبح هذا الهم الذاتي جذرا لهموم الناس جميعا ". إن هذا التصور لفردية الشاعر، ولمعنى هذه الفردية، هو نفسه الذي يلهم ممدوح عدوان قصيدة مثل " العابرون كالرعد " (١) ، حيث يدخل الفرد؟ رغم تفرده - من الخلايا الاجتماعية، ويستمد القوة منها: كانت الجماعة تجري كرفوف النحل، مع جوعها وحفائها وعرقها، وهي تردد الحمد للإله على ما وهب؟ أيا كان مقدار ما وهب - وكان مضاؤهم وهو يقع في إذن المتسمع لحركتهم يشبه صوت حوافر الخيل، أو صوت الاذرعة النابضة، وكان الشاعر يتسمع إلى تلك الحركة وهو ما يزال مبدد المشاعر، مشغول النفس بترقب النساء اللواتي يطرقن الأبواب " بحثا عن لقاء فحول " وببناء سجون الوحدة المعتمة، ولكنهم حين رآهم استيقظ، فاستنكر هربه، وبصق على الجانب الممسوخ من حياته، وأخذ في النهوض " فذابت الجدران "، وسار مع الجماعة يعبر التاريخ
стр. 197
كالرعد، حافيا كواحد منهم " يزحف الأيام بالأقدام والأيدي ".
وهذا الذي يتحدث عنه ممدوح ينبئنا؟ بكل صراحة - أن الصراع بين الفرد والمجتمع، ليس تعويضا عن السير في المجتمع، حين يأخذ المد الطاغي مجراه، وقد نقول أن ممدوح عدوان قد بسط المشكلة، ووضعها في جو شعري، مصورا مرحلتين متعاقبتين: مرحلة الاغتراب، ومرحلة وجدان الهوية الاجتماعية. فكيف يكون الوضع بالنسبة لشاعر كان يجد هويته أولا ثم بسبب عوامل متعددة أحس بالاغتراب من بعد، وبفقدان تلك الهوية؟ المشكلة هنا تمثل أزمة غير التي يتحدث عنها ممدوح، لأنها ليست مجرد صراع متافيزيقي بين صفاء الشاعر وكدر العالم، ذلك الصراع المتافيزيقي يعني أن كل شاعر أصيل لا يستطيع أن يعبر عن مجتمعه قبل أن يكتشف أبعاد ذاته، ويبدو أن ليس بالتالي من تناقض حاد لأن المجتمع ليس بحاجة إلى أفراد (فنانين أو مفكرين) ليست لهم هويات مميزة داخل ذلك الإطار الاجتماعي الكبير.
ويبدو لي أنه لا بد لوضع هذه القضية في موضعها الصحيح من أن نميز؟ في الصراع بين الفرد والمجتمع - مواقف متفاوتة: فهناك الغربة (أو الاغتراب) وهناك الثورة على المجتمع، وهناك العزلة الكلية عن المجتمع. فالغربة تتم في نطاق المجتمع (لا خارجه) ، ولهذا فإنها رغم ما يصاحبها من الآم وخيبة، لا تحول بين صاحبها وبين خدمة المجتمع، والثورة ليست سوى اصطدام بالنقائض التي يعاني منها المجتمع، وليست محاولة لتحطيمه، وإنما هي محاولة لتنبيهه أو إيقاظه أو تطويره، والثائر في مثل هذه الحال، يصارع من أجل أن يحقق الانسجام الاجتماعي، على نحو أشد فعالية من المغترب، وأن كان مطلب الاثنين واحدا، وقد يكون التأقلم
стр. 198
بالمناخ الاجتماعي إيمانا مطلقا بالواجب، (كالسير في ركاب حزب أو جماعة) ، وعندئذ ربما تتعرض طبيعة الخدمة الاجتماعية للمحك، إلا قليلا، وذلك حين يختل الإيمان المطلق، أو حين تصطدم مصالح الجماعة بمصالح جماعة أخرى، وعندئذ قد يكون ما سمته " زاوية الرؤية " خاطئا ربما لم يكن له وجود في الواقع، ولكن هنا سلمننا بوجوده، فإنه يعني في حال الشاعر " غيابا تاما " عن معالم المرحلة التي يعيشها، والحقيقة أن هذا الغياب التام نسبي، وهو في أردأ صوره انحياز للثانويات وهرب من الضرورات والجوهريات.
مثل هذا التصور يقربنا كثيرا من مفهوم الالتزام، فلنعد إلى ممدوح عدوان، الذي يعلق على حديثه عن الصراع بين الفرد والمجتمع بقوله: " هل قلت شيئا ينافي الالتزام؟ " ثم يجيب على هذا التساؤل قائلا: " أن لم تعط في حالة كهذه أدبا ملتزما، فإنك لن تعطي التزاما صادقا في حياتك. فالالتزام ليس استداء التصفيق، والاهتمام بالناس لا يعني كتابة قصائد التعزية. للشعر وظيفة واحدة هي الدفاع عن إنسانية الإنسان في هذا العالم؟ كما يقول الشاعر ماياكوفسكي؟. ".
وحين نقبل هذا المفهوم لوظيفة الشعر، علينا أن نضيف: أن إنسانية الإنسان ليست قيمة مصمتة، وإنما هي واقع أصيل، يتأذى بشتى الاعتبارات: هي حتمية يؤذيها الإهمال والانغلاق والخطأ في زاوية الرؤية، والخوف من التطور، وكثير غير ذلك، ولكن أكثر ما يؤذيها أيضا الإيمان بالتفاوت الطبقي (أي ضياع العدالة الاجتماعية، وعدم الوعي على التمييز العنصري أو اللوني، وتمجيد القوة لمجرد أنها قوة يسحق فيها الضعيف والفقير، ويضيع الحق الإنساني،؟ الخ) .
стр. 199
وهي من ثم؟ رغم واقعيتها - قيمة مطلقة، وكل خروج عنها يمثل شرخا أو جرحا في وظيفة الشعر، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإلحاح على صراع الطبقات؟ في المجتمع - أهم بكثير من الإلحاح على الصراع بين الفرد والمجتمع، لأن الأول يحقق مفهوم الالتزام، أكثر مما يحققه الثاني، وإذا كنا نقول أن الالتزام يكاد لا ينعدم، فيجب أن نسارع أيضا إلى القول، بإن درجات الالتزام متفاوتة، وفي كل موقف يتضح هذا التفاوت، سواء أكان ذلك الموقف صورة للعلاقة بالزمن أو بالمدنية أو بالتراث أو؟.الخ، فالشاعر الذي يرى في علاقته بالزمن صورة التجدد، ويستشرف في رؤيته للمدينة صورة الحضارة التي تكفل سلامة إنسانية الإنسان، ويستطيع في موقفه من التراث أن يربط بين الماضي والمستقبل، ربطا لا يطغى فيه أحدهما على الآخر، هو أكثر التزاما ممن يقع دون ذلك في تصوراته وأفكاره.
ولعل خير ما يلخص حقيقة الأمر أن يقال أن الالتزام هو الجانب الإيجابي من علاقة متبادلة بين الشاعر والمجتمع، وهي ليست علاقة أخذ أو عطاء ولا علاقة انصهار أو ذوبان، وإنما هي علاقة تطابق، فقد يصف الشاعر البحر لأنه أحب منظره، أو تأثر بروعة امتداده ولكنك تحس وهو يتحدث عنه أنه يعبر بذلك عن حرية الإنسان، أو عن عمق الوجود الإنساني أو سعة التجارب الإنسانية، دون أن يصرح؟ في الحالين - مخبرا أو مقررا - بهذه الرابطة الوثيقة السرية بينه وبين البحر، وتكون كل حركة أو صورة أو موجة موسيقية في قصيدته صورة لذلك التطابق، وهذا التطابق قد يوحي بالتفارق أو التقابل أو التناسب أو التحاور ولكنه لا يوحي أبدا بالانفصال.
وليست صفة الإيجابية في هذه العلاقة تعني المهانة، إذ أن هذه الأخيرة قد تكون بدورها سلبية محضا، ولهذا
стр. 200
كان الالتزام مرتبطا بالثورة، وأن أوحت كلمة " التزام " بتقبل مواصفات معينة، كأنها آتية من الخارج، إذ أن هذه المواصفات قد تكون ثورية وقد تكون غير ذلك. ولكن أية ثورة نعني؟
لنأخذ ثورتين متصلتين اتصالا وثيقا بتطور الشعر الحديث، وبرسم الوجهات التي يسير فيها، وهما الثورة السريالية والثورة الماركسية، فماذا نجد؟ نجد أنهما رغم التقائهما في بعض الأصول والظواهر تفترقان في أمور جوهرية، فالاولى ثورة من خلال المشاعر، والحلم واشعر والجنون، بينما الثانية ثورة عملية تعتمد تنظيما واعيا وتؤمن بأن العمل هو الرابطة بين الإنسان والطبيعة، وتحتكم إلى التاريخ، بينما يرفض السرياليون التاريخ، ولا يؤمنون بأي موجه يجيء من خارج الرغبة الإنسانية. وما دام التحويل للمجتمع ماديا هو الذي يخلق أشكالا فكرية لم تكن في الحسبان؟ في رأي المادية التاريخية - فإن المنادين بالثورة الماركسية يعتقدون أن الثورة هي المهمة الضرورية الوحيدة للإنسان، وهذا شيء لا يأخذ به السرياليون لأنهم يرون الثورة إحدى المهمات الإنسانية، وحسب، وإذا كان الفن؟ أو الشعر - جزءا من النشاطات الإنسانية التي تحقق تلك الثورة لدى الماركسيين، فإنه لدى السرياليين عالم قائم بذاته، صنو للثورة، وقد يسعفها في بعض المراحل، إلا أنه يجب إلا يصبح أداة فيها.
هذان تياران ثوريان يفعلان بعمق في الشعر العربي المعاصر، وينبنيان قضية الالتزام، فإذا أضفت إليهما تيارا ثوريا ثالثا يأخذ من هذا وذاك، وهو التيار الوجودي، ويبني مفهومه للأدب والشعر على أساس من الالتزام أيضا، وضح لك، أن تطبيق مفهوم الالتزام لن يتحدد في شكل
стр. 201
واحد، ولكنه يجيء على أشكال متفاوتة تنبني جميعا على أصل مشترك هو " الدفاع عن إنسانية الإنسان ".
ومن الاختلاف في التطبيق يجيء التفاوت بل الاختلاف العميق في طبيعة الشعر ووظيفته، وحول اللغة والتاريخ والشكل الشعري والصورة الشعرية؟ مما المعت إليه من قبل - فأصحاب المادية التاريخية يتحدثون ببساطة وعفوية إلى الجماهير لأنهم يرون أن الشعر فعال في تبنيه الوعي، والدفع نحو الثورة، وهذا اللون من الشعر يغلب عليه الوضوح في لغته وصوره ورموزه، وعدم التعقيد في بناء القصيدة، وإبراز الهدف فيها ظاهرا على السطح، وأصحاب الاتجاه السريالي يرون؟ كما يرى أدونيس - (وهو وأن لم يكن سرياليا فإن لديه عناصر كثيرة تربطه بالسرياليين) أن ذلك اللون من الشعر ليس ثوريا، وأنه يخون قضية الشعر الصحيح، إذ الشعر الصحيح " تحويل إبداعي باللغة معادل للتحويل الإبداعي بالعمل "، وإن دور الشاعر هو " أن ينقض باللغة الثورية بنية الحياة الشعرية الماضية "، ومن الواضح أن أدونيس يحاول أن يقيم جسرا بين الثورتين المذكورتين؟ من خلال مفهومان سريالية - ولهذا فعندما أخذ عليه محمد دكروب أنه " يفصل بين الثورة والشعر الثوري، ويهدف إلى تغيير الشعر غير عابئ بإسهام ذلك الشعر في تغيير بنية المجتمع، وأنه جعل الفن الثوري موازيا للثورة "، استغرب ذلك، مع أنه لا وجه للاستغراب، لخلاف جوهري بين المنطلقين.
وليس في وسع هذه الدراسة تتبع الآثار التي تركتها كل ثورة، ولكن حين ندرس علاقة الشعر المعاصر بالثورة: ماركسية كانت أو سريالية أو وجودية أو قومية أو غير ذلك فإننا نلمح في هذا الشعر؟ رغم التفاوت في تقييمه - انفتاحا كبيرا على مشكلات الإنسان، وقدرة على تفجير
стр. 202
الوعي الداخلي عند الشعوب العربية، على نحو لم يحرزه الشعر من قبل، وإذا نحن اعتمدنا القانون الطبيعي: " لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه " لم نستغرب العنف في محاولة الانتكاس بهذا الوعي، واستعمال القوة السلطوية لمحاربة الفن جملة.
كذلك فإن الثورة حين تعتمد التحطيم ترتبط بالإخافة لمن لا يقدرون على تصور كل نتائجها، وهؤلاء يخشون إلى درجة الرعب انهيار سلطة الأب، وتفكك نظام العائلة، وبالتالي تقشعر نفوسهم من التحدي للسماء، ذلك أن إنسانية الإنسان؟ دون أي شيء آخر - تعني فيما تعنيه إشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، وهذه سمة بارزة في الشعر الحديث، ولا يخفف من وقعها أن نحتال لها بالتفسيرات والتوجيهات، هل الشاعر الحديث من حزب الشيطان؟ لو الإنسان، وهذا يعني حربا خاسرة، ولكنه من حزب الإنسان، وهذا يعني أن الإنسان هو القيمة الوحيدة في هذا الكون، وهو لا يحاول أن يدخل حربا بين طرفين، وانما يكتفي بالجهود.
ثم أن ارتباط جانب من هذا الشعر بالرفض المطلق فيه تحد للعلم والعقل والنظام، وإذا كان الرفض غاية في ذاته أصبح عبئا - لا أداة للثورة - لدى أمة يرتبط تخلفها بحاجتها إلى هذه الثلاثة جميعا، وقد يكون الرفض المطلق أداة توازن لدى ناس أسرفوا في الخضوع لسيطرة العالم والعقل والنظام، ولكنه حين يقف وحده تظل أسباب تبنيه خير مفهومة. ولعل ارتباط الشعر بالثورة هو الذي أفقد الشاعر الحديث قسطا كبيرا من قدرته على السخرية، لأن الغاضب المحنق لا يستطيع أن يستخر، مع أن السخرية أداة فعالة في التشكيك بالمسلمات وفي إثارة قدرة الإنسان على الحوار من
стр. 203
خلال قدرته الطبيعية على الضحك والابتسام، وقلما نجد في الشعر الحديث، مثل هذا الاتجاه الذي يتقنه معين بسيسو في بعض قصائده، من ذلك قوله في قصيدة " مقامة إلى بديع الزمان " (١) .
حدثني وراق في الكوفة عن خمار في البصرة، عن قاض في بغدان
عن سائس خيل السلطان
عن جارية، عن أحد الخصيان
عن قمر الدولة، حدثني قال:
كنا في مجلس مولانا
في شمس الرابع من رمضان
مولانا انطقه الله فصاح
من يقعي خلف الأبواب؟
من الفقهاء من الشر
- مولانا في بابك عبدك واواء النطاح
وهنالك عبدك خفاش بن غراب
والشيخ الواثق بالله أبن مضيق
صاحب ألف طريق وطريق
تسلكه الزنديقة والزنديق
مولانا عطس ثلاثا، يرحمه الله،
وانتصبت أذناه
آلي بواواء النطاح
؟؟؟؟؟؟..
؟؟؟؟؟؟..
стр. 204
ومن يدرس الشعر الحديث لا تخطئ عيناه فيه اتجاهه إلى التصرف، بقوة، حتى ليغدو الاتجاه الصوفي أبرز من سائر الاتجاهات في هذا الشعر، ولعل ذلك راجع إلى طول عملية التقدم والتراجع في الحياة السياسية، واليأس الغالب والسأم من متابعة الكفاح، كما ان هناك قسطا من التصوف يربط بين الاتجاهات الثورية المتقدمة، ثم أن هذا الميدان خير ميدان تتفتح فيه ذاتية الشاعر وفرديته، فهو ينفصل عن المجتمع ظاهريا، ليعيش آلامه؟ التي هي نفسها آلام المجتمع - بوجد مأساوي، ثم أن في هذا اللون من التصوف محاولة للتعويض عن العلاقات الروحية والصلات الحميمة التي فقدها الشاعر، وتلطيفا من حد المادية الصلب الخشن. ونحن نجد مظاهر هذا التصوف في:
١ - الحزن العام الهادئ اللائب، المتطور عن الحزن الرومنطيقي القديم، ويبدو هذا أكثر ما يبدو في رمز الجواب الذي يعود مثقلا بالخسارة.
٢ - الإحساس بالغربة والضياع والنفي والحاجة إلى العكوف على النفس، في مجتمع كثير الضجيج، كثير التمسك بالقيم اليومية، شديد الجحود لفضل " أنبيائه ".
٣ - اتحاد الشاعر بالرموز المثقلة بالتضحية وارتياح الشاعر إلى عالم الأرواح، عالم الخلود.
٤ - اتحاد الصوفي والشهيد في التراث (الحلاج. السهروردي؟.) .
٥ - اتحاد الشاعر والشهيد المقاتل على نحو مجازي وحقيقي.
стр. 205
٦ - الحلولية الكونية من مثل معانقة الشاعر للكون، أو اتحاد الشاعر والأرض والحبيبة، أو فناء المحب في المحبوب (الحب الجسدي أو غير الجسدي) .
٧ - اكتشاف منطقة الما بين (بين الظل والضوء، بين الليل والنهار، بين الحقيقة والخيال) وهي منطقة شبحية يلوذ فيها الشاعر من الموت ويحتمي من جبروته.
٨ - التسامي بالصدمات العاطفية والتصعيد للإخفاق فيها وفيما شابهها.
٩ - خلط المحسوسات معا، والمزج بين المحسوس والمتخيل، وانسياح القيم دون حواجز مميزة.
١٠ - الإعلاء من شأن الجنون (أو بعبارة أخف إطلاق العقل اللاواعي وإبقاء العقل الواعي مكبلا) (وقد كان الصوفي " البهلول " أو " المجذوب " من أشد الناس تمثيلا للوصول) .
١١ - الغيبوبة الحلمية التي تتجاوز الحد الطبيعي للحلم؟ القصيدة.
١٢ - الظمأ النفسي لمعانقة المتوقع، الذي يأتي ولا يأتي، الأمل المطلق.
ومع أن التصوف تيار كبير عام، فإن لكل واحد من الشعراء تصوفه الخاص به، تحدده أسباب متصلة بحياة الشاعر واتجاهه الكبير في الشعر، فتصوف البياتي إحساس باستمرار النفي وظمأ إلى الحب وارتياح إلى عالم الأشباح (عائشة) وحزن طول الكفاح دون أن يأتي بثمرة مرجوة، وتصوف أدونيس انفتاح على الكون واتحاد بالتراث الصوفي الديني، وتصوف محمد عبد الحي استخدام للرموز الصوفية
стр. 206
الإسلامية للتعبير عن الحقائق الكونية، وتصوف محمد الفيتوري حزن عميق يشوبه الإخفاق العاطفي والإحساس بالغربة، وفي قصيدته " ياقوت العرش " (١) نموذج جيد من المفارقات القائمة في عالم الواقع حيث تكذب الحواس، فلا تستطيع أن تميز الأشياء بحقائقها، ولا بد لذلك كله من مكاشفة الصوفي، لفصح الزيف الذي تعاني منه هذه الحياة:
دنيا لا يملكها من يملكها
أغنى اهليها سادتها الفقراء
الخاسر من لم يأخذ منها
ما تعطيه على استحياء
والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء
تاج السلطان القاتم تفاحه
تتأرجح أعلى سارية الساحه
تاج الصوفي يضيء
على سجادة قش
صدقني يا ياقوت العرش
أن الموتى ليسوا هم هاتيك الموتى
والراحة ليست هاتيك الراحه
؟.
يا محبوبتي..
ذهب المضطر نحاس
قاضيكم مشدود في نقعده المسروق
يقضي ما بين الناس
ويجر عباءته كبرا في الجبانه
стр. 207
لن تبصرنا بمآق غير مآقينا
لن تعرفنا ما لم نجذبك فتعرفنا وتكاشفنا
أدنى ما فينا قد يعلونا يا قوت
فكن الأدنى، تكن الأعلى فينا؟..
ولسائل أن يسأل: هل تبقى الثائر الماركسي في خطه الذي اختاره حين يصبح صوفيا؟ إن الإجابة على هذا السؤال تختلف لو كان السؤال متصلا بالسريالية أو الوجودية، ذلك أن من يختار السريالية مذهبا، ربما لم يجد بدا من الانتهاء إلى التصوف، في شكل من أشكاله، وفي إيمان الوجودي بعبث الحياة دافع قوي للتصوف، أما الماركسية فالأمر فيها مختلف، ولهذا أمكننا أن نقول أن الثائر الماركسي أن أتخذ التصوف مهربا من الواقع ومن الموت، فإنه بذلك ينتقل إلى مرحلة جديدة، مهما تبق من آثار ماركسية في شعره.
والفرق بين التصوف لدى السرياليين والوجوديين (على ما قد يكون بينهما من شركة) أن الأولين يبحثون عن حقيقة كبيرة ضائعة، وأما الآخرون فإنهم يتمرسون؟ شعريا - بتوافه الحياة للسمو فوقها، وتلك هي صوفية الاحتراف في التجربة، والخروج من رمادها، ولكن هذا اللون غير كثير الوجود في الشعر الحديث، ولو قرأنا شعر أمل دنقل؟ وهو من أبرز الممثلين لها - لوجدنا لديه دائما صور العبث (الحياة) في مقابل الحزن (الموت) أو الإنسان واقفا أمام الجدار يحاول أن يوجد فيه ثغرة أي ثغرة.
وقد كان من الممكن أن تتسرب روح التصوف إلى الاتجاه القومي في الشعر، دون أن تفقده ثوريته، لأنه لا شيء مثل أن يصبح الوطن هو الحقيقة الكلية والهدف الأسمى
стр. 208
ولكنها لم تفعل، وظل الاتجاه أكثر شيء محافظة، إذ يعتمد التلقائية التامة في العلاقة بين الشاعر والحدث، ويستخدم الحماسة، ويتكئ على الانفعال والتأثير المباشر، مع أنه من أكثر الموضوعات اتساعا، فهو يتناول التعاون والتكاتف الوطني والوحدة العربية الكبرى، والأبطال الوطنيين القوميين، والثورات التحررية في البلاد العربية وخارجها، والأجزاء السلبية من الوطن العربي و؟؟ غير ذلك من موضوعات، وإذا استثنينا القصائد حول المشكلة الفلسطينية، بعد الغزو الثلاثي لمصر، لم نجد تطورا كبيرا في هذا الاتجاه.
وهذا يلفتنا إلى شيء هام يتناول أكثر الشعر المعاصر، وهو أن الشاعر رغم كل المحاولات التجديدية، - إذا استثنينا قلة من الشعراء - لا يحتفل كثيرا بخلق المبنى الشعري الملائم وبتطويره، وإنما هو أسير لحظة انفعالية تتخلق فيها القصيدة على ما هجس في نفسه من شكل مألوف، ولهذا كثر الإنتاج الشعري دون أن يحمل سمات مميزة في البناء، بل أنك أحيانا لتجد ديوانا كاملا قد سار على وتيرة واحدة. ولما كان أكثر الناس متفقين على أن الشعر إبداع، فلا بد للإطلاع من زمن ليختمر في النفس، ولا بد للشاعر من مراجعة ما يكتب، ومواجهته بالشك قبل أن يقبله. أما هذا التدفق السيال فإنه يحرم صاحبه العمق والتنويع والاحتفال باختيار المبنى الملائم. وربما كان المزيد من الثقافة للشاعر الحديث أمرا ضروريا ينتصر به على الغنائية والسطحية، فإن محض الموهبة وحده قليل الغناء، لقد مضى الزمن الذي كان يقول فيه ابن وكيع " الشاعر كالمغني الحاذق ولا يضره عدم معرفته للألحان "، لأن الشاعر لم يعد مغنيا حاذقا بل أصبح مفكرا حاذقا بارعا. يريد أن يعيش زمنه بوعي وبصيرة.
١ - نازك الملائكة
الخيط المشدود في شجرة السرو
- ١ -
في سواد الشارع المظلم والصمت الأصم
حيث لا لون سوى لون الدياجي المدلهم
حيث يرخي شجر الدفلى أساه
فوق وجه الأرض ظلا،
قصة حدثتني صوت بها ثم اضمحلا
وتلاشت في الدياجي شفتاه
- ٢ -
قصة الحب الذي يحسبه قلبك ماتا
وهو ما زال انفجارا وحياة
وغدا يعصرك الشوق اليا
وتناديني فتعيى،
تضغط الذكرى على صدرك عبئا
стр. 211
من جنون، ثم لا تلمس شيئا
أي شيء، حلم لفظ رقيق
أي شيء، ويناديك الطريق
ويراك الليل في الدرب وحيدا
تسأل الأمس البعيدا
فتفيق.
أن يعودا
ويراك الشارع الحالم والدفلى، تسير
لون عينيك انفعال وحبور
وعلى وجهك حب وشعور
كل ما في عمق أعملقك مرسوم هناك
وأنا نفسي أراك
من مكاني الداكن الساجي البعيد
وارى الحلم السعيد
خلف عينيك يناديني كسيرا
؟.. وترى البيت أخيرا
بيتنا، حيث التقينا
عندما كان هوانا ذلك الطفل الغريرا
لونه في شفتينا
وارتعاشات صباه في يدينا
стр. 212
- ٣ -
وترى البت فتبقى لحظة دون حراك:
" ها هو البيت كما كان، هناك
لم يزل تحجبه الدفلى ويحنو
فوقه النارنج والسرو الأغن
وهنا مجلسنا..
ماذا أحس؟
حيرة في عمق أعماقي، وهمس
ونذير يتحدى حلم قلبي
ربما كانت؟ ولكن فيم رعبي؟
هي ما زالت حنانا
وستلقاني؟ ".
وتمشي مطمئنا هادئا
في الممر المظلم الساكن، تمشي هازئا
بهتاف الهاجس المنذر بالوهم الكذوب:
" ها أنا عدت وقد فارقت أكداس ذنوبي
أنا ألمح عينيك تطل
ربما وراء الباب، أو يخيفك ظل
ها أنا عدت، وهذا السلم
هو ذا الباب العميق اللون، مالي أحجم؟
стр. 213
لحظة ثم أراها
لحظة ثم أعي وقع خطاها
ليكن.. فلأطرق الباب؟ "
وتمضي لحظات
ويصر في ظلمة الدهليز زجها شاحبا
جامدا بعكس ظلا غاربا:
" هل؟؟ " ويخبو صوتك المبحوح في نبر حزين
لا تقولي أنها؟ "
" يا للجنون!
أيها الحالم، عمن تسأل؟
أنها ماتت "
وتمضي لحظتان
أنت ما زلت كأن لم تسمع الصوت المثير
جامدا، ترمق أطراف المكان
شاردا، طرفك مشدود إلى خيط صغير
شد في السروة لا تدري متى؟ ولماذا؟ فهو ما كان هناك
منذ شهرين. وكادت شفتاك
تسأل الأخت عن الخيط الصغير
ولماذا علقوه؟ ومتى؟
стр. 214
ويرن الصوت في سمعك: " ماتت.. "
" إنها ماتت.. " وترنو في برود
فترى الخيط حبالا من جليد
عقدتها أذرع ووارتها المنون
منذ آلاف القرون
وترى الوجه الحزين
ضخمته سحب الرعب على عينيك. " ماتت.. "
- ٤ -
هي " ماتت. " لفظة من دون معنى
وصدى مطرقة جوفاء يعلو ثم يفنى
ليس يعنيك تواليه الرتيب
كل ما تبصره الآن هو الخيط العجيب
أتراهاهي شدته؟ ويعلو
ذلك الصوت الممل
صوت " ماتت " داويا، لا يضمحل
يملأ الليل صراخا ودويا
" إنها ماتت " صدى يهمسه الصوت مليا
وهتاف رددته الظلمات
وروته شجرات السرو في صوت عميق
" إنها ماتت " وهذا ما تقول العاصفات
" إنها ماتت " صدى يصرخ في النجم السحيق
وتكاد الآن أن تسمعه خلف العروق
стр. 215
- ٥ -
صوت ماتت رن في كل مكان
هذه المطرقة الجوفاء في سمع الزمان
صوت " ماتت " خانق كالافعوان
كل حرف عصب يلهث في صدرك رعبا
ورؤى مشنقة حمراء لا تملك قلبا
وتحنى مخلب مختلج ينهش نهشا
وصدى صوت جحيمي أجشا
هذه المطرقة الجوفاء " ماتت "
هي ماتت وخلا العالم منها
وسدى ما تسأل الظلمة عنها
وسدى تصغي إلى وقع خطاها
وسدى تبحث عنها في القمر
وسدى تحلم يوما أن ترها
في مكان غير أقباء الذكر
إنها غابت وراء الانجم
واستحالت ومضة من حلم
- ٦ -
ثم ها أنت هنا، دون حراك
متعبا توشك أن تنهار في أرض الممر