← История

История · id 1020

العرب في صقلية

إحسان عباس

Полный текст (312 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إنكار ابن أبي زيد منصب على ناحية واحدة. ومن اقدم المتصوفة الصقليين محمد بن إبراهيم بن موسى المصري الصقلي الذي خرج إلى العراق في طلب الحديث وكان يحضر مجالس التجنيد (١) ولكن خير من يمثل التصوف الصقلي الشيخ العارف المحقق أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله البكري الصقلي " إمام الحقيقة وشيخ أهل الطريقة " (٢) فقد طلب العلم في القيروان وذهب في رحلة إلى المشرق وحج وسمع بمكة سنة ٣٥٠هـ وكان إلى جانب تصوفه محدثاً فقيها أصولياً. وألف أبو القاسم الصقلي في التصوف عدة مؤلفات منها: ١ - الأنوار في علم الأسرار ومقامات الأبرار ويسمى عادة أنوار الصقلي (٣) . ٢ - كتاب فيه الدلالة على الله تعالى. ٣ - الشرح والبيان لما شكل من كلام سهل بن عبد الله التسترى. ٤ - صفة الأولياء ومراتب أحوال الأصفياء. ٥ - كرامات الأولياء والمطيعين من الصحابة والتابعين ومن يتبعهم بإحسان. وقد حفظت الأيام كتابيه الأول والثالث وقطعه من الثاني. وهذه القطعة تشتمل على كثير من الحكايات المروية عن الصوفية وكراماتهم وكثيراً منها سمعه الشيخ الصقلي عن شيوخه، وفيها أقوال مشاهير المتصوفة، كبهلول وبشر بن الحارث وإبراهيم بن ادهم وسيفان بن عيينة وحكايات عن الحضر وشعيب، وربما كانت قطعة من كتابه الخامس مع اختلاف في التسمية. وأما كتاب الأنوار فقد بنيت قواعد التصوف فيه على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح وترك الآراء والاستحسان (٤) ولذلك تجده

стр. 107

يجعل الأصل الثاني من العلم بعد معرفة الله، معرفة دين الله من جهة الاتباع لكتابة ولسنة نبيه محمد ﷺ ، الائتساء به في أمره ونهيه وترغبيه وترهبيه وآدابه وأخلاقه، محبة بالقلب، وعملا بالجوارح (١) ونجده أيضاً يقول: " عليكم بالاتباع لما كان عليه الصدر الأول تسلموا من الحديث في الدين (٢) ويقول أيضاً (كان أخص الناس بفهم على الكتاب وشرح معرفة السنة وعمل الرسول ﵇ أهل القرن الأول؟ ثم جاء القرن الثاني فكانوا اعقل الناس وأعلمهم بعد الصحابة.. ثم جاء القرن الثالث فذهب أكثر أهل العلم وكثر الخوض والجدل والخصومة والتراد.. الخ ". ومن يسمع هذه الأقوال مجردة من الكتاب يستقر في نفسه أن الصقلي فقيه، وربما زاده اقتناعاً بهذا الرأي إذا سمع الصقلي ينص على أن الأصل الرابع من أصول العلم معرفة الدنيا وأهل الزمان، مما لابد من مباشرة مالا غناء به عنه، وما يلتزمه من الحقوق المفروضة (٣) . فأين هذا القول من الحث على العزلة والهرب من الدنيا. إن هذه الاتجاهات الدنيوية تقرب الصقلي من الفقهاء، ولكنك ما تكاد تراه في هذه الحال حتى تجده يرتفع عن الأرض وعن عالم الفقه في مثل قوله " كل وجود يظهر على الجوارح من جهة المقامات فصاحبه ضعيف معلول في الحال، وكل وجود لا يعرف المتواجد ورده من حاله الوارد عليه بتفضيل وجوده من إيجاده، فصاحبه جاهل مفتون. وهذا موضع تدليس العدو على النفس بالمغاليط، فبينما صاحبه مع الحق في ورود الحال إذ صار العدو في المداومة مع ذهاب الحال " (٤) . وتستطيع أن تجمع من عدة مواضع في الكتاب صفات تتكون مها صورة للمريد المخلص، فالمريد في رأيه لا يفلح حتى يترك ثلاثة أخلاق ويلزم ثلاثاً

стр. 108

من الأدب يترك الخب والخلابة وأعمال أهل الغباوة ويلزم العفة والتعفف وترك ما لا يعنى بالصناعة (١) . ولا بد له من الصدق فإذا تركه لم يزدد إلا طرداً وسخافة وحمقاً وأصبح لأبناء الدنيا عبداً (٢) . والمريد إذا اصل بدايته على التشوف والطمع لما في أيدي الناس لم يصح له الأخذ من يد الله تعالى، وإذا بني إرادته على مسالة غيره لم ينتقل عن دواعي نفسه (٣) . وكتاب الأنوار ستة أجزاء ولكن ليس للجزء الواحد منها موضوع مستقل فكل جزء مشتمل على أقوال متفرقة لا تجمعها وحدة موضوعية. وتغلب على اكثر الكتاب فكرة التقسيم العددي كقوله " يعرف عقل العاقل في ثلاث؟ إذا رأيت في المرء أربعاً فاعرف بها سخفه ودعواه.. ترجى الجنة لمن كانت فيه ثلاث (٤) ... العلماء ثلاثة حجة ومحجاج ومحجوج (٥) وهكذا في كثير من صفحات الكتاب ". والصقلي في كتابه مؤمن بالسير الزمني إلى ما هو أسوأ لاعتقاده أن عصر الرسول والصحابة افضل العصور وان القرون التالية تزداد سوءاً، فإذا حل القرن السابع انتهى الأمر إلى شرار الناس (٦) وفيه من هذا القبيل أمور تشبه التنبؤ بما سيكتشف عنه الزمان كقوله: " سيظهر في هذه الأمة في آخر الزمان دجالون كذابون " (٧) . وربما كان أهم ما في الكتاب من وجهة تاريخية تلك العبارات التي يستشف منها جزع الصقلي من الحياة الاجتماعية في عصره، وان كنا نتناولها منه بحذر، فهو ينتقد النساك بانهم لنما اظهروا زهدهم بالعجز عن مكاسبهم، واستعملوا

стр. 109

تواضعهم في لباسهم، وأخفوا الكبر والحرص في صدورهم (١) ، وينتقد مجالس الذكر والقران ويراها غير لازمة إن كان لا يزيد بها الإيمان وينقص الفسق (٢) ويلح كثيراً على ضرورة الربط الوثيق بين العلم والعمل (٣) ويذم في أهل عصره تآلفهم على المداهنة، وركونهم إلى الظلمة، واخذ الأجعال على قضاء الحوائج (٤) . ويقول " إذا فجر العلماء وفسق القراء وسفك السلطان الدماء واخذ على الحكم والحاجة الرشاء، وافتخرت العامة بكسب الحرام، ول يغير الخاصة منكراً، فهناك وجب الفرار ووسع المريد الصمت وكان الموت تحفة لكل مؤمن (٥) ". ونقطة هامة في الكتاب توضح لنا نظرة الصوفية إلى المرأة. فبعض الصوفية في الشرق قد حاولوا ان يبشروا بنوع من الرهبنة وعزفوا عن الزواج لأنه مشغلة. وهذه النزعة تجدها عند الصقلي ملطفة بعض الشيء، فهو يذم أهل زمانه لنهم تواطأوا على طاعة النساء، فورثهم ذلك ذهاب أموالهم في الباطل، فورثوا من ذلك ذهاب الغيرة لله ولرسوله ﵇ ولصحابة نبيه ﵃، ولأعراض المؤمنين ولحرماتهم، فما ينتظر الناس بعد هذا إذا كان موجوداً في السلطان والقاضي والعالم والخاص والعام (٦) . وهو في الجزء الرابع من كتابه يخص المرأة بأقوال كثيرة فيحذر منها وكأنك تسمع منه تحذيراً من الإقدام على الزواج حين يقول: " إذا رأيتم النساء قد اجهدن أزواجهن في أربعة فأطاعوهن فإياكم والتأهل بالحرائر فان فتنهن يومئذ عظيمة: الحرير والحلي والخروج والخمر " (٧) كذلك يرى أن سلطان الشهوة مجعول مع المرأة وأنها أقوى قوة

стр. 110

تستطيع أن تصرف العالم العارف واللبيب العاقل، ويقول: كيف يسلم دين من له زوجة لا ترحم وولد لا يعذره (١) . وفي تصوف الشيخ الصقلي إلى جانب الروح الفقهية تمسك شديد بمذهب أهل السنة وليس في كل كتابه إشارة واحدة لأهل البيت أو لعلي بن أبي طالب، يقول: " وقد اخرج الله من اليقين المحفوظ تحت العرش ثمانية مثاقيل فخص النبي بأربعة وزيد ذخيرة من الخصوصية، وأعطى أبو بكر مثقالين وزيد ذخيرة من الخصوصية، وأعطى عمر بن الخطاب مثقالا وزيد ذخيرة من الخصوصية، ثم قسم المثقال الباقي بين سائر الأمة على قدر عقولهم ". فإذا نحن خلينا الشيخ أبا القاسم الصقلي وذهبنا نساير التصوف بصقلية في القرن الخامس وجدنا الظاهرة الأولى وهي امتزاج الفقه بالتصوف لم تتغير ويمثلها في ذلك عتيق السمنطاري الفقيه المحدث. وكان السمنطاري من الزهاد السائحين في الأرض، طاف كثيراً من البلدان، وحج ولقى العباد والزهاد، وكتب عنهم ما سمع، وصنف في الرقائق وأخبار الصالحين كتاباً كبيراً يزيد على عشرة مجلدات سماه " دليل القاصدين " لم يسبق إلى مثله، في نهاية الملاحة (٢) ، وله شعر من متوسط شعر المتصوفة إلا أنه تشيع فيه روح التشاؤم وإيجاس الشر من سوء ما بلغت إليه حال الناس. ويظهر أن التصوف في هذا القرن كان قد كثر فيه الدخلاء، وأصبح المتصوفة يتظاهرون بالزهد تظاهراً ويتواجدون ويبكون عند الغناء ويرقصون ويتغاشون. وقد عبر عن هذه الحال أبو عبد الله بن الطوبي في قصيدة له (٣) وانتقد تلك التصرفات في أهل التصوف ووضح رأيه في ذلك المذهب بقوله: بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدنيا

стр. 111

فهو يعبر عن التصوف كما يفهمه الصقلي العادي في ايامه، فهماً لا يبعد كثيراً عن مذهب ابي القاسم الصوفي، واكبر من أخرجته صقلية من المتصوفة. ٧ - علوم الأوائل لم تحرمنا المصادر من إشارات بسيطة نقف عندها حين نريد أن نتصور؟؟؟؟؟؟؟ شيئاً من الثقافة الفلسفية التي أخذت تنتشر في المغرب وصقلية، فقد حدثتنا مثلا أن سعيد بن فرحون بن مكرم التجيبي القرطبي المعروف بالحمار السرقسطي دخل صقلية بعد محنة أصابته في أيام المنصور بن أبي عامر، وبقي فيها إلى أن توفي، وكان يجمع إلى معارفه في اللغة والنحو والموسيقى معرفة فلسفية منطقية، فهو صاحب رسالة حسنة في المدخل إلى علوم الفلسفة سماها " شجرة الحكمة " ورسالة في تعديل العلوم وكيف درجت إلى الوجود من انقسام الجوهر والعرض (١) ونقف عند هذا الحد من معرفتنا للرجل فلا نعرف ما الذي جر عليه تلك المحنة مع انه يقال أنها مشهورة السبب، كما أننا نجهل كل تأثير له في صقلية في النواحي الفلسفية. ولدينا شواهد نستطيع أن نحكم منها بأن المغاربة عامة والصقليين خاصة عرفوا في وقت متأخر كتب أبي حيان التوحيدي في التصوف والفلسفة، سواء كان ذلك بالهجرة إلى الشرق أو بارتحال تلك الكتب إلى الغرب، فقد كتب أحد أهل صقلية على ظهر كتاب الإمتاع " ابتدأ أبو حيان كتابه صوفيا وتوسطه محدثاً وختمه سائلا ملحفاً (٢) " والمازرى يتهم الغزالي في كتابه المسمى الكشف والإنباء عن المترجم بالأحياء بأنه أخذ التصوف عن ابي حيان التوحيدي (٣)

стр. 112

ويقول العلامة أبو الحسن علي بن الحسن الحضري القيرواني " علم أبي حيان التوحيدي أوفى من كلامه وإشاراته وتصانيفه تدل على علم كثير (١) ". وليس من الضروري ان ننبه هنا إلى تلك الهجنة التي كانت تصيب من يدرس الفلسفة وربما كان هذا شببا في ندرة المقبلين عليها اولا، وفي ندرة الأخبار التي نسمع بها عمن كانوا يزاولونها. ويرى المازرى - ورأيه هنا يمثل رأى المتدينين حينئذ - إن الطعن في كل إمام اطلاعه على كتب الفلاسفة، لأنها تكسبه جرأة على المعاني، وتسهيلا للهجوم على الحقائق، اذ الفلاسفة في رأيه تمر مع خواطرها، وليس لها حكم شرعي ترعاه ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها (٢) . وفي عهد المازرى نسمع عن كتب ابن سينا والغزالي وعن رسائل إخوان الصفا ولكن المازرى يمثل ثقافة المغرب في العصر النورماني. وتعرف المغاربة على الكتب الفلسفية في عصر متأخر حقيقة هامة في دراسة الأدب عامة والشعر خاصة. إذا كنا لا نطمع في أن تحدثنا المصادر كثيرا عن الفلسفة في صقلية أو عن الثقافة الفلسفية فيها نحن ندهش حين نجدها تصمت صمتا غير محمود فلا تحدثنا عن الطب والفلك والتنجيم هنالك فلم تترجم الكتب المعينة بطبقات الأطباء إلا لعالم صقلي واحد من علماء العصر النورماني (٣) وقد عنيت مصادر أخرى بنسبة الطب إلى أبي عبد الله ابن الطوبي ووصف أحياناً بأنه أربى في الطب على ماسويه (٤) وذكره العماد فقال انه كان طبيباً مترسلاً شاعراً (٥) ومدحه ابن القطاع وأشار إلى مهارته الطبية بقوله (٦) : أيها الأستاذ في الط ... ب وإعراب الكلام

стр. 113

لك في النحو قياس ... لا يساميه مسام ثم في الطب علاج ... دافع الداء العقام ولكن لا يذكر له في الطب مؤلف معين ولا تحدد له فيه جهود: وأحياناً عن طبيب صقلي هاجر من بلده مثل أبي عبد الله الصقلي الذي عاش في قرطبة أيام عبد الرحمن الناصر، وكان يحسن اليونانية، وربما رجع هذا انه نشأ في صقلية، وكان يعرف أشخاص العقاقير والأدوية واشتغل مع جماعة آخرين من أطباء قرطبة في البحث عن التصحيح أسماء العقاقير التي وردت في كتاب ديسقوريدس (١) . وتقول المصادر إن ابن الثمنة فصد امرأته في حالة سكر بعد خصام نشأ بينهما وتركها تموت، فغضب ابنه من هذا العمل الوحشي وأسرع فاحضر لها الأطباء فعالجوها (٢) ونقف من هذا الخبر عند ذكر الأطباء بصيغة الجمع. ونجد ابن مكي كذلك يحدثنا عن أخطاء الأطباء، ومن هذا الذي يسوقه نعرف أنه كان هنالك أطباء يستعملون عقاقير منها الجوارشن والشب والحلتيت والصبر الخ، ويتحدثون عن بعض الحالات فيقولون القوة الماسكة وضعفت المواسك (بدلا من القوة الممسكة وضعفت الممسكات) ويتحدثون عن المريض فيقولون أكربه الدواء بدلا من كربه، وإذا أرادوا تعظيم عالم بالطب قالوا فلان المتطبب يتوهمون أنه أسمي من طبيب وليس كذلك، لأن المتفعل هو الذي يدخل نفسه في الشيء ليضاف إليه (٣) . ومهما تكن هذه الأخبار يسيرة فإنها تستطيع ان تشير إلى ان الطب في صقلية شاع في أيام الكلبيين وأواخر العصر الإسلامي حتى أمكن الحديث في هذا العصر عن وجود (أطباء) . وربما كانت صقلية في أيام الأغالبة فقيرة في الأطباء لأن القيروان هي العاصمة الأم كانت تستدعي أطباءها من

стр. 114

الخارج. ويحدثنا ابن أبي اصيبعة أن الطب بالمغرب ظهر عند ما قدم إليه إسحاق بن عمران أيام زيادة الله (١) ولعل زيادة الله المذكور هو الثاني (٢٤٩ - ٢٥٠ هـ؟) لأنا نعرف أن إسحاق عاش إلى عهد إبراهيم بن الأغلب إذ يذكر ابن أبي اصيبعة أيضاً ان إسحاق هذا ألف للعباس وكيل إبراهيم رسالة في علل القولنج وأنواعه وشرح أدويته (٢) . وربما كان هذا الوكيل المشار إليه هو العباس؟ وليس العباس؟ والى صقلية في أيام إبراهيم أو لعله العباس صاحب صقلية أيام محمد بن الأغلب قبل إبراهيم مباشرة. ولا شك في أن الفاطميين، حين اتخذوا القاهرة عاصمة لهم، اجتذبوا إليها الأطباء، وحرموا صقلية وأفريقية جهود المشهورين منهم، وكان بلاط صاحب القاهرة يغري العلماء الصقليين أنفسهم بالهجرة من وطنهم. وهجرة المهندسين والفلكيين الصقليين إلى مصر شاهد على ذلك فقد كان المهندس الصقلي أبو محمد عبد الكريم يعمل في زمن الحاكم في رصد القاهرة ويحضر مع زملائه كل يوم في خدمته إلى أن أمر الحاكم بكسر الرصد وتفرق من حوله أهل الحساب والهندسة والتنجيم (٣) وفي وقت متأخر نجد ابن المعلم الصقلي الطبيب في مصر كما نجد صقلياً آخر بين من يتفحصون هذا الرصد وهو الفلكي الصقلي احمد بن مفرج الملقب بتلميذ ابن سابق وكان متصرفاً أيضاً في التنجيم (٤) . أما في الجزيرة نفسها فالمصادر تخبرنا أن الكاتب أبا الفضل احمد بن دابق كان عالماً بالهندسة (٥) وأن أبا عبد الله محمد بن الحسن العوفي كان منجماً حاسباً (٦) وان أخاه عمر كان كاتبا منجماً مهندساً (٧) ويوصف

стр. 115

عبد العزيز بن الحاكم المعافري بالتنزه في رياض الرياضيات والتنبه في سحريات السحريات (١) . هذه هي الأخبار التي نملكها وهي لا تمدنا بشىْ مما قاله المؤرخ سكوت في وصفة الحياة العلمية لصقلية إذ يقول: " من مآذن المساجد ببلرم كان الفلكي العربي يرقب حركات الأجرام ويعين مواقيت الخسوف والكسوف ومواقع النجوم، مستعيناً على ذلك بالات اخترعت في حوض الوادي الكبير وعند نهر دجلة وبزيجات كتبت في سهول بابل قبل المسيح بقرون (٢) " ويقول أيضاً: " فكانت مدن الجزيرة حافلة بمن يقرأون الطالع ويعبرون الرؤى ويتنبأون بالغيب كما كانت دار عالم الصنعة مزارا يؤمه الناس على اختلاف طبقاتهم، وكان احب به بلاط بلرم المنجم ذو الزي الخاص واللحية المسبلة والعصا الطويلة التي رصع مقبضها بعلامات طلسمية " (٣) .وليس في هذا الكلام إغراق أو مجانية للمعقول، ولكنا لا نملك النصوص الصريحة لتأييده. وقد كان تعبير الرؤى - الذي أشار إليه سكوت؟ موجوداً بصقلية وشاهدنا عليه بعض من هاجر من الصقليين في سن كبيرة إلى الخارج عند الفتح النورماني ممن كانوا يزاولون تعبير المنامات ومنهم ابن المعلم الصقلي، وعلى ابن عمر بن حسنون الكناني الصقلي أحد تلامذة السمنطاري وقد وصفه السلفي بأنه كان شيخاً صالحاً يعبر المنامات (٤) .

стр. 116

٨ - نظرة إجمالية بعد هذا المسلك المتشعب يعود البحث من حيث بدأ، ونلتقي بابن حوقل في رحلته مرة أخرى لنقف عند قوله: " فليس بالبلد عاقل ولا فاضل ولا عالم بالحقيقة بفن من فنون العلم (١) ". أما القول بعدم العقل والفضل فما اقف عنده لأنه بادي التحامل، وأما القول بعدم العلماء فقد كان له في زمان ابن حوقل ظواهر تؤيده، ولكنه لا يخلو أيضاً من تعميم يذهب بقسط كبير من صحته. وعذر صقلية أنها كانت لا تزال؟ بشهادة ابن الحوقل نفسه؟ معسكراً حربياً تسيطر عليه روح الجندية وما يتبعها من تقلب وعدم استقرار. ولم تكن الأجيال الصقلية من أبناء صقلية من أبناء صقلية نفسها قد تمكنت من تمثل الثقافات المتنوعة، وكانت الحروب المتولية سبباً في فناء أهل الجيل الأول، كما كان السر يشل كثيراً من القوى ويصرفها عن الإنتاج. وهذا رأي يقويه ان صقلية عند ما استراحت بعض الراحة من الحروب والفتن، أنتجت إنتاجاً متنوعاً في فترة قصيرة، ولم يكن ما قدمته قليلا. ومن ثم وجدنا ان الاشتغال المنتج بالفقه والحديث واللغة والطب والهندسة والنجوم قد تأخر إلى أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس ووجدنا النبات العلمي قد نما في صقلية وأثمر في الخارج. وإذا حاولت أن تتعرف إلى أهم الشخصيات العلمية في صقلية حوالي الزمن الذي كان فيه ابن حوقل وبعده بقليل وجدتها لا تزال من غير صقلية. ففي الفترة بين (٣٦٥ - ٣٩٥هـ؟) تسمع عن ابن أبي خرسان في النحو والقراءات وعن علي بن حمزة في اللغة والشعر، وعن البرادعي في الفقه المالكي، وهؤلاء كلهم جاءوا صقلية منالخارج، ولا تسمع عن صقليين مشهورين إلى جانبهم

стр. 117

وربما كان هذا النقص في المصادر لا في صقلية نفسها. أما ظهور التصوف في وقت مبكر فانه لا يقوم دليلا على اتساع الثقافات في صقلية بقدر ما هو دليل على روح من التدين، وقعت تحت تأثيرات معينة، منها شدة وطأة الحياة الاجتماعية والاستعداد لتقبل الأساطير. وكل هذه الأخبار التي لدينا عن الدراسات بصقلية؟ وخاصة دراسة الفقه والحديث؟ تشير إلى استمداد مبكر من المشرق استمر حتى أواخر العصر الإسلامي للجزيرة، أي أن هذه الصلة ظلت قوية حتى حين استقلت صقلية في حياتها العقلية ومذهبها الديني. ففي سنة ٢٩٣هـ؟ توفي أبو جعفر محمد بن الحسين المروزي فيها وكان فقيهاً مهماً بالكذب (١) وفي القرن الرابع كان أبو عبد الله محمد بن عيسى بن مطر ممن سافر إلى المشرق وكتب الحديث (٢) ، وجرت الحال على ذلك أيام عبد الحق، والسمنطاري. وهنا لابد أن نلمح خاصية في هؤلاء العلماء المهاجرين فهذا المروزي متهم بالكذب، والبرادعي ممن أنكره وطنه وتنكر له علماء، وصاعد اللغوي ممن نقل عنه الوضع وعرف عنه التزوير، فهل هذه الهجرة العلمية كهجرة الأجناس الإفريقية كانت على صقلية اكثر مما هي لها؟ وهل كان الشعراء المهاجرون أيضاً كالعلماء المهاجرين؟ مهما تكن الإجابة على هذين السؤالين فالذي لاشك فيه أن هؤلاء المهاجرين من العلماء وشعراء لم يكونوا كل شيْ في حياة صقلية العقلية والأدبية.

стр. 118

الكتاب الثاني صقلية الإسلامية في العصر النورماني الفصل الأول الفتح النورماني

стр. 119

فراغ

стр. 120

الفتح النورماني أحب أن أترك للتاريخ كثيراً من الحقائق التي تتصل بالنورمان أنفسهم - بأصلهم وبسبب مجيئهم إلى إيطاليا الجنوبية وبجهودهم فيها. وأدع لهذا التاريخ كثيراً من القول في بنائهم المملكة الصقلية وأنظمتهم في الإدارة والتشريع، والشئون المالية، وعلاقاتهم السياسية والدينية بالبابا وبالملوك والأباطرة. وأتجنب الحديث عن دورهم في الحروب الصليبية، وعن استيلاء أساطيلهم على الساحل الأفريقي، فإن الأخذ بكل هذه الحقائق يقصيني عن الهدف الذي أسعى إليه وهو الحديث عن حياة الشعر العربي في عصر النورمان، وفي سبيل هذه الغاية أراني سأقصر الحديث أولا على الفتح نفسه، لا لأن سيره كان ذا أثر في توزيع الأجناس، وفي نوع الحياة العقلية، ولكن لأنه يدل على الطريقة التي استقبله بها المسلمون، والنفسية التي دخلوا بها تحت لوائه. وهذا بدوره هو فاتحة القول فيمن بقي بصقلية من الجماعة الإسلامية، وفي تأثرها بالحياة الجديدة وأثرها فيها، ولجلاء هذه الأمور لابد من استعانة بوصف الحياة الاجتماعية والعقلية لتلك الجماعة وحدها إذ ليس من الطبيعي أن أصور كل جوانب الحياة - عقلية كانت أو اجتماعية - بين الجماعات كلها، وإنما أحاول أن أرسم الجو الذي عاش فيه الشعر. وتعود بنا هذه البداية إلى النهاية التي بلغتها صقلية على أيدي قواد يتقاتلون فيما بينهم، على أسباب تختلف في تفاهتها، ولكن يوحد بينها الجشع وجب السيطرة. وفي إحدى المعارك هزم ابن الثمنة فخف إلى النورمان يستعين بهم ويعدهم ويمنيهم ويهون عليهم أمر القادة والجند (١) . وكان فتح صقلية حلماً من أحلامهم يزينه غني الجزيرة وخصبها، ويؤيده خوفهم من مجاورة المسلمين لهم

стр. 121

وقربهم من أملاكهم (١) . فلما فاتحهم ابن الثمنة في الأمر واستوثقوا من ولائه لهم هاجموا مسينة بمعونته، واستولوا عليها ١٠١٦م واتخذوها قاعدة لأعمالهم الحربية، ثم ركدت الريح التي كانت تحدوهم حين توفي صديقهم ابن الثمنة في السنة التالية، واختلف الأخوان المحاربان روبرت ورجار، إلا أن اتفاقهما بعد قليل جعل رجار يجدد المحاولة لفتح الجزيرة، فحاول الاستيلاء يعون من أخيه على بلرم، ولكنه أخفق، ولم تكن المعارك الحربية التي قام بها في حقيقة الأمر إلا مناوشات بسيطة (٢) . في هذه الأثناء ذهب المسلمون بستصرخون المعز بن باديس لعله ينقذهم فأعانهم بأسطول كبير غرق أكثره في البحر. ومن جراء ذلك ضعفت قوة المعز، واستطاع العرب الهلاليون أن يتملكوا البلاد من يديه، فلما تولى تميم الحكم، أرسل أسطولا إلى الجزيرة، وعلى رأسه ابناه علي وأيوب. أما أيوب فنزل في بلرم، وأما علي فتوجه إلى جرجنت، ثم أنضم إليه أيوب وقد استطاع أن يستأثر بحب الجرجنتيين فغار منه ابن الحواس، وثار لحربه، وتحزب أهل جرجنت لأيوب ودارت بين الفريقين معركة قتل فيها ابن الحواس، ثم قامت فتنة أخرى بين أهل المدينة وعبيد تميم فرجع أيوب وأخوه على إلى إفريقية (٣) . والحقيقة التي لم تذكرها المصادر العربية هي أن ابني تميم حاربا النورمان عند مكان يدعى مسلمري Misilmeri (٤) وهزما، وأصبحت عودتهما إلى أفريقية أمراً مؤكداً. وبعد هزيمة ابني تميم اضطرب أمر المسلمين في الجزيرة، ولم يبق فيهم من يوحد قوتهم، ويقف بها في وجه العدو، وكان النورمان قد تقووا بمعونة بحرية من بيشة Pisa، وصمموا على أن يحتلوا بلرم لغناها

стр. 122

ولأهمية موقعها، فأعدوا لحصارها خمسين سفينة جمعها جسكارد Guiscard من باري ومدن أبولية وتقدم بها من البحر، بينما سار إليها رجار من البر في جييش عدده ثمانية عشر ألفاً. وصب الأسطول على مينائها وأحاط بها الجيش البري إحاطة تامة، وظلت المدينة تقاوم الحصار مدة خمسة أشهر كان السكان في أثنائها شديدي الثقة بأنفسهم، حتى كانوا يأبون أن يغلقوا أبواب مدينتهم (١) . غير أن المؤن قلتْ فانتشرت بينهم المجاعة والوباء لكثرة الجثث التي تركت بالعراء دون دفن (٢) . وشدد الأسطول الحصار وكان معظم السكان لجأوا إلى الميناء وأغلقوه بالسلاسل. غير أن الجوع الوباء والتعب جميعاً كسرت من شرتهم، فوقعت الخالصة أولا في أيدي الأعداء فدخلوا ينهبون ويذبحون السباب ويفرقون الأطفال فيما بينهم ليبيعوهم عبيداً (٣) . ومع أن البلرميين كانوا يرون قدم المصيبة يطأ رقابهم فإنهم لم يكفوا عن الاختلاف والتناجر، وعجل اختلافهم وتناحرهم بسقوط المدينة القديمة بعد الخالصة، ودخلها رجار ووراءه فرسانه، واستولى على مسجدها وحوله إلى كنيسة. وسلمت مازر لما رأت ما حل ببلرم، وانتهى الدور الأول من الفتح حين سقطت عاصمة الكلبيين سنة ٤٦٤هـ - ١٠٧٢م وظل النورمان عشرين سنة حتى تم لهم الاستيلاء على الجزيرة كلها، ولم يكونوا قد ملكوا في هذا الدور الأول إلا بلرم ومازر ومسينة وقطانية ولكنهم باستيلائهم على هذه المنطقة أحاطوا بما تبقى للأمراء المسلمين في سرقوسة وطرابنش وجرجنت وقصريانة (٤) . أما سرقوسة فقام فيها رجل اسمه Benavert (ابن عباد) (٥) ونظم المقاومة

стр. 123

في ولاية نوطس براً وبحراً، حتى استحق من المؤرخ النورماني ثناء عليه بالدهاء والجرأة والمهارة في القيادة، وإتقان الخدعة في الحرب (١) . وفي إحدى المعارك استطاع أن يكسر جردان ابن رجار (٢) مما اضطر رجار أن يوجه إليه اهتمامه، غير أ، هـ عاد فانصرف عنه واحتل بأسطول كان قد بناه مدينة طرابنش سنة ١٠٧٧م وهدم سورها، وتملك أرضها ووزعها على اتباعه (٣) . ثم استولى على طبرمين سنة ١٠٧٩م فلم يبق في يد المسلمين إلا جرجنت وسرقوسة وقصريانة ونوطس وبثيرة. ويحدثنا المؤرخ ملاترا أن ابن عباد استطاع في سنة ١٠٨١م أن يشتري بالمنح والوعود حاكم قطانية من قبل رجار واسمه Bencimino وهو لفظ قريب الشبه بابن الثمنة (وربما كان ابناً أو قريباً لابن الثمنة الكبير مما يدل على أنه كان يتعاون مع النورمان غير خائن واحد من تلك الأسرة) فسلمه هذا مدينة قطانية فاتسع سلطانه حتى أصبح لا يكتفي بالمقاومة والدفاع بل توجه سنة ١٠٨٤ إلى قومه إلى قلورية ونهب ريو ونقطرة وعاد ظافراً. ورأى رجار أنه لابد من جولة حاسمه مع ابن عباد فقابله عند سرقوسة أسطول قوي سنة ١٠٨٥، وأخذت سفن ابن عباد تغرق بعد أخرى، وكلما غرقت به واحدة وثب منها إلى واحدة لم تغرق، ولكنه زلت به القدم فتلقاه البحر، ويقول المؤرخ المجهول إن رجار أرسل جثته إلى الأمير تميم بإفريقية. وبعد ذلك القائد الجريء استسلمت سرقوسة لما قدر عليها أواخر أكتوبر عام ١٠٨٦، وفي إحدى الليالي تسلل منها بعض زعماء المسلمين إلى نوطس ومعهم زوج ابن عباد وابنه (٤) . ثم سقطت جرجنت ولحقت بها قصريانة وكان أميرها ابن حمود، وقد تنصر هذا الأمير وطلب إلى رجار أن ينقله من قصريانة لأنه لم يعد يأمن

стр. 124

المسلمين على نفسه، ولأنه لم يكن يحب أن يتحمل مسؤلية ما قد يحكيه أهل المدينة من مؤامرات وفتن، ويقول أماري: - " إن ذلك العلوي الدنيء الرخيص لجأ إلى إيطاليا حيث أكنه رجار قريباً من ميلاطو وظل هنالك يحيا هنالك يحيا في هدوء مدة طويلة " (١) . ثم سقطت نوطس وتبعتها بثيرة سنة ١٠٩١، وانتهت بذلك عمليات الفتح النورماني، ولا شك في أن بعض المقاومة التي لقبها النورمان مضافاً إليها قلة عساكرهم وضعف أسطولهم هي العوامل التي أطالت فترة الفتح.

стр. 125

فراغ

стр. 126

الفصل الثاني الحياة الاجتماعية للمسلمين في العصر الروماني ١ - العلاقات السياسية الخارجية وأثرها في مسلمي صقلية ٢ - اثر الإقطاع في الجماعة الإسلامية ٣ - الإدارة الإسلامية ٤ - الصبغة الإسلامية ٥ - المسلمون بين التسامح والاضطهاد

стр. 127

فراغ

стр. 128

١ - العلاقات السياسية الخارجية وأثرها في مسلمي صقلية وفيما نحن نظر إلى داخل الجزيرة لنرى كيف استقرت الأحوال فيها أثناء حكم امتد من ١٠٨٠ - ١١٩٠ وشغله من الحكم أربعة مشهورون، هم رجار إلى الجماعة الإسلامية فهي حسبنا من بين تلك الجماعات الكثيرة التي كانت تعيش في الجزيرة، ذاكرين دائماً أن الجماعة الإسلامية كانت عندما استولى النورمان على الجزيرة حقيقةً لا يسهل محوها أو طمسها، وأن الفاتحين كانوا أقلية ضئيلة، لا يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم على نواحي الحياة في الجزيرة بالقوة، ولم تكن لهم حضارة يبسطونها على هذا العالم الذي كان يمد ما حوله بالحضارة، ومن ثم نفهم تلك السياسة المتسامحة التي قابلوا بها كل دين ومذهب في صقلية، لكي لا يبدو هذا التسامح غريباً في نظرنا، حين نذكر أنه معاصر للحروب الصليبية، ومن ثم أيضاً نفهم الروح الانتقائية التي واجهوا بها النظم والقوانين والشرائع المتنوعة، واختاروا أحسن ما يلائم حكومتهم منها، ولم يكن بدُ من تلك الخطوات الواعية عند قوم كانوا نقطة المركز في دائرة من الأعداء، فأحياناً هم على عداء مع البابا، وكثيراً ما كانوا في خصومة مع الإمبراطورية الشرقية، وهم في خطر من تهديد الإمبراطور الجرماني، وعلى مقربة منهم في الساحل الأفريقي أمراء مسلمون يضمرون لهم العداء، وهذه حالٌ تستدعي الأمن والرضى في الداخل، وتجعل التوازن بين المصالح والفئات المتضاربة أمراً لا غنى عنه، ولذلك آمن النورمان بالواقع فلم ينصروا ديناً على دين، وخضعوا لاعتبارات الموقع الجغرافي، والحقائق

стр. 129

السياسية الخارجية، والحالة الحضارية الداخلية. ولا تتضح حال المسلمين في صقلية إذا نتصور عظمة صقلية الفاتحة المستعمرة في أيام النورمان، أعني صقلية التي خضع لها مسلمو الساحل الإفريقي، وهاجم أسطولها القسطنطينية، وألجأ أسطول مصر وإفريقية إلى الانحياز المتخاذل في المراسي، وابتز السيادة البحرية التي كانت لأساطيل المسلمين عامة، وأسطول الفاطميين خاصة، تلك السيادة التي صورها ابن خلدون بقوله: " وكان المسلمون لعهد الدولة الإسلامية قد غلبوا على هذا البحر (بحر الروم) من جميع جوانبه وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه، فلم يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من جوانبه.. وسارت أساطيلهم فيه جائيةً وذاهبة والعساكر الإسلامية تجيز البحر في أساطيلهم، ومن صقلية إلى البر الكبير المقابل لها من العدوة الشمالية، كما وقع في أيام بني ابي الحسين ملوك صقلية القائمين بدولة العبيديين، وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي منه، من سواحل الإفرنجية والصقالية وجزائر الرومانية لا يعدونها، وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد بفريسته " (١) . هذه السيادة ضاعت حين استولى رجار على بلدان الساحل الأفريقي، وأصبح البحر المتوسط " بحيرة نورمانية " تغدو فيه أساطيل صقلية وتروح، دون أن يعترضها عائق، وتنزل الضربة بعد الضربة في الموانئ الأفريقية، ومسلمو صقلية في جزيرتهم لا يستطيعون أن يذمروا أو يتوجعوا لما يصيب إخوانهم بل إن الجيش والأسطول الصقلي جنوداً مسلمين يقودهم قادتهم ليحاربوا إخوانهم تحقيقاً لأطماع شخص غريب عنهم في الدين والجنس. وقد كانت صقلية وسيادتها الجديدة امتحاناً قاسياً لنفسيات أولئك الأمراء المسلمين المتقاتلين المتنافسين فيما بينهم، وبعد ان كانت صقلية المسلمة تفزع إذا ثارت إلى الروم أو إفريقية أو النورمان، أصبحت هي مفزعاً يفيء إليه كل وال المصلحة الذاتية عن تدبر العاقبة، وأصبح أمراء أفريقية

стр. 130

يجدون بغيهم عند صاحب صقلية، كلما شاء واحد منهم أن يكبد لصاحبه، وييروى أنه اجتمع في بلاط الملك النورماني سفيرران لأميرين مسلمين فتشاتما وتراشقا بالكلام في مجلسه. وحادثة عمارة اليمني والمتآمرين على صلاح الدين (١) مثالٌ من أمثلة كثيرة لاستعانة الأغراض والأطماع بصقلية وصاحبها. وكان بنو باديس يحاولون محاولة المستميت ليسددوا ضربة قوية إلى هذه المملكة الصقلية. ومن ورائهم شعراء فيهم ابن حمديس وأبو الصلت يهللون لكل نصر مهما يكن شأنه، ولكن الضعف كان قد بسط ظله الكثيف على كل تلك الدويلات المتنافسة، وكانت الدولة الفاطمية قد أخذت تستملي سياسة الضعف المبهور في معاملتها لهذه الدولة الفتية، حتى إن الخلفية الفاطمي ليقول لرجار حين أبلغه نبأ احتلاله لجزيرة جربة: وأما ما ذكرته من افتتاحك الجزيرة المعروفة بجربة، لما شرحته من عدوان أهلها، وعدولهم عن طرق الخيرات وسبلها، واجترائهم في الطغيان على أسباب لا يجوز التغافل عن مثلها، واستعمالهم الظلم تمرداً، وتماديهم في الغي، تباهياً في الباطل وغلوا، يأساً من الجزاء لما استبطأوه، فإن من كانت هذه حالته حقيق أن تكون الرحمة عنه نائية، وخليقٌ أن يأخذه الله من مأمنه أخذه رابية " (٢) . وكان لابد لهذه الأحوال أن تهيء لظهور نوع من الجهاد الديني هو الذي قام به عبد المؤمن من بعد. والسلمون في صقلية يعيشون تحت حكم النورمان وهم يرون الحروب الصليبية أو الحروب باسم الدين تجتاح بلاد الشام، ولعل تلك الروح الدينية هي التي أملت ذلك الأسلوب من الرد الحاد على رجار حين قال لزاهد مسلم كان يقربه ويحترمه بعد ان انتصر أسطوله في بعض جهات أفريقية - وأين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها؟ فقال ذلك الشيخ الزاهد -: كان قد غاب عنهم وشهد فتح الرها (٣) .

стр. 131

٢ - أثر الإقطاع في الجماعة الإسلامية هؤلاء المسلمون في الجزيرة كانوا - كما خلفناهم في العصر العربي - متفرقين في نواح كثيرة من صقلية وتدل السجلات التاريخية والوثائق على أنهم كانوا كثيري العدد في ولاية مازر، متوسطي العدد في ولاية نوطس، قليلين جداً في ولاية دمنش (١) . وبين سكان بلرم من أصحاب الأملاك أو الشهود الواردة أسماءهم في الوثائق عرب من قبائل يمنية مثل أزد وكندة ولحم ومعافر، ومن المدينة وحضر موت، وعرب من القبائل المضربة مثل قيس وقريش وتميم. وأسماء بربر من هوارة ولواتة وزغاوة وزنانة. وفي الأسماء من جلفوذ مسلمون من البربر ومن صقلية نفسها كالقرليوني والشاقي والثرمي والطرابنشي، وبين الرقيق التابعين لسقف قطانية ومدينة لياج أسماء أعلام بربرية من عائلات مثل مكلاتة ونفزة ومسراته، وأسماء منسوبة إلى مواضع أفريقية مثل برقة وبونة وسوسة ومسلية ومليلة؟ هذا إلى أسماء منسوبة للبلدان كالحجازي والغاففي والعينوني (نسبة إلى قرية بجانب القدس) والكرماني (نسبة إلى كرمان) ، وأسماء منسوبة إلى مدن صقلية كالمديني والصقلي (البلرمي) واللياجي والقطاني والسمنطاري والطرابنشي.. إلخ (٢) . وأهم عامل أحدث انقلاباً في حياة هؤلاء خاصة وفي حياة الأجناس بصقلية عامة هو إقرار الإقطاع نظاماً مؤصلا، على مثال ما كان في جهات أخرى من أوروبة، وتثبيته بالقوانين والتشريعات، وبهذا النظام قضي على حرية المالك الصغير، وانقسم الناس إلى طبقات متدرجة أعلاها الملك، وأدناه رقيق الأرض، وبين الطبقتين أمراء ودوقات وكونتات وبارونات يتمتعون بالإقطاعات الشاسعة، وببعض الامتيازات في المحاكم وفي القضايا

стр. 132

المدنية - على الأقل - ودون هؤلاء الفرسان ممن منحوا الإقطاعات أو لم يمنحوها (١) ، وأدنى منهم طبقة الفلاحين، وهي طبقات متفاوتة في فقدان الحرية وفي قربها من العبودية، وفيهم أكثرية من أهل القرى المسلمين. ففي أثناء الفتح كان رجار يستولي على الأرض التي فر عنها أهلها أو على ما افتتحه عنوة، ويقسمه بين أصحابه. وفي سنة ١٠٩٣ عقد اجتماع في مازر حضره السادة من أصحاب رجار وسلم كل واحد منهم صحيفة أو جريدة مكتوبة بالعربية، وأحياناً بالعربية واليونانية معاً، فيها وصف للأرض التي تخصه، وبيان بعدد الفلاحين والأرقاء في أملاكه (٢) . ولا شك في أن بعض سادة المسلمين سعى بين يدي رجار ليمنحه نصيبه من الغنيمة، فوجد منهم من تمتعوا بامتيازات إقطاعية، وترك أهل المدن منهم أحراراً في تصرفهم بأملاكهم، ويلخص ابن الأثير هذا النظام الإقطاعي الجديد بجملة واحدة إذ يقول في رجار: " وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين ولم يترك لأحد من أهلها حماماً ولا دكاناً ولا طاحوناً ولا فرناً " (٣) . وقوله هذا لا ينطبق على أهل المدن بل وربما كان جارياً على جماعات الفلاحين أو جماعات كانوا أحراراً وأحالهم الفتح إلى أرقاء لاصقين بالأرض، كما حدث في قطانية فإن رجار حين استولى عليها جعل أهلها المسلمين أرقاء، ومنحها إقطاعاً للأسقف (٤) ويصحح قول ابن الأثير ما قاله الإدريسي في ثنائه على القمط (الكونت) رجار: " ولما وصل أمرها إليه واستقر بها سرير ملكه، نشر سيرة العدل في أهلها وأقرهم على أديانهم وشرائعهم وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم " (٥) ، وهو رأى ينطبق على أهل المدن كبلرم ولا يمتد إلى المعاملة التي جرت على الفلاحين، أما ابن جبير الذي زار صقلية أيام غليالم الثاني (١١٨٤) فيقول: - " لكنها

стр. 133

معمورة بعبدة الصلبان، يمشون في مناكبها ويرتعون في أكنافها، والمسلمون معهم على أملاكهم وضياعهم قد حسنوا السيرة في استعمالهم واصطناعهم، وضربوا عليهم إتاوة في فصلين من العام يؤدونها، وحالوا بينهم وبين سعة الأرض كانوا يجدونها (١) . ويؤيد قوله هذا ما جاء في وثائق ذلك العهد إذ تدل على حرية التصرف في الأملاك والعقارات التي كان يملكها المسلمون رجالا ونساء، وبيعها تحت ظل القوانين الإسلامية وإشراف قاضي المسلمين (٢) . والظاهر من كلام ابن جبير أن المسلمين عامة كانوا يدفعون ما يسمى الجزية وإن لم تسم بهذا الاسم غلا حين تتحدث الوثائق عن اليهود، ومقدار هذه الجزية مختلف، ففي وثيقة منها قدر بعشرين رباعي وفي أخرى بعشرة، هذا عدا جزية من القمح والأرز تختلف تبعاً لنوع الأرض واتساعها (٣) . وفي النظم الاجتماعية بأوروبة طبقة من عبيد الأرض تسمى في وثائق صقلية اللاتينية Villani وهي تسمية تقابل من يسمون في الوثائق العربية " رجال الجرائد " أو " أهل الجرائد " (٤) وهم في نظر القانون قسمان متمايزان: رقيق يباعون مع الأرض، ورقيق أحرار بأشخاصهم مسترقون بعملهم - وهما في نظر الواقع لا فرق بينهما، والأولون من هؤلاء أدنى الطبقات حالا باستثناء العبيد، إذ لم يكونوا مرتبطين بالأرض فحسب ل كانوا يباعون معها إذا بيعت كالدواب، وهم يقرنون في بعض القانون بالبهائم، وتعد أسمائهم مع الخيل والبغال وغيرها (٥) وكان أبناؤهم يرثون هذا الشقاء ويشقون بتلك التعاسة نفسها إذ يعتبرهم القانون عبيداً بالولادة، وعلى هؤلاء تفرض الخدمة العسكرية وواجبات الدفاع والمحافظة على قلعة السيد الإقطاعي، وإذا تزوجت من أحدهم امرأة حرة كان أبناؤها

стр. 134

أرقاء (١) . وفي الجرائد أسماء أعلام إسلامية مثل محمد وعلي وعبد الله ترد بين أعلام يونانية ولاتينية (٢) ومن هنا نفهم لم يحاول المؤرخ هوجر فلقندو أن يؤكد بأن رجال الجرائد في صقلية كانوا مسلمين أو يونان إذ يقول: " وليس في صقلية من يدفع الجزية السنوية إلا المسلمون واليونان وهم وحدهم الذين يلحقهم اسم الأرقاء (رجال الجرائد) " (٣) بل علينا أن ننسى ونحن نتحدث عن الجماعة الإسلامية بصقلية أمر العبودية التي كانت تؤيدها القوانين ففي وثيقة عربية - يونانية سنة ١٠٩٤ ذكر لثلاثين عبداً مسلماً ترد أسماءهم بين الأرقاء وأسماء اليهود التابعين لكنيسة قطانية (٤) وكان التصرف بالعبيد، كسائر أنواع الملك، أمراً شائعاً بصقلية حتى كانوا يباعون أو يهدون مع عائلاتهم، فعند تأسيس أحد الأديرة تبرع الكونت رجار وأسياد الإقطاع بالقلعة والأرض والرقيق، وكان البارونات يتقدمون هذا بعبد وذاك باثنين وآخر بأكثر، حتى لقد تقدم أحدهم بيهودي (٥) . وتثبت وثيقة عربية من القرن الثاني عشر ان العرف التجاري كان يسمح بأن يباع الحر عبداً، فقد أذن لجماعة من البحارة المسلمين أن يحملوا ذهباً من جفلوذ إلى مسينة خاصاً بسيد اسمه وليمن ويرهنوا ممتلكاتهم ضماناً عنه، وكان فيهم حاج يدعى عثمان رهن نفسه من الصراف، لأنه لم يكن يملك شيئاً آخر حتى إذا استطاع أن يدفع ما عليه اصبح حراً (٦) . فالمسلمون من وجهة عامة كانوا في لعصر النورماني: إما أهل مدن يتمتعون بشيء من الحرية، ولا يحق لهم التوسع في ممتلكاتهم، وإما فلاحين فقدوا كل حرية لهم واصبحوا رقيق ارض أو عبيداً، وإما جنداً في الجيش والأسطول.

стр. 135

٣ - الإدارة الإسلامية أما من حيث الإدارة فإن القانون الذي أصدره رجار سن دون تحيز لفريق على آخر من الأقوام الخاضعة لسلطانه، ترك لكل شعب مجاله على أن لا يعترض في عرفه وعاداته مع القوانين المحررة (١) . ومن ثم كان كل فريق خاضعاً لنوع الإدارة التي تلائمه. فكان للمسلمين الشيخ والحاكم والقاضي والعامل والقائد (٢) وقد ذكر ابن جبير أن لمسلمي بلرم قاضياً يرتفعون إليه في أحكامهم (٣) . ورأى مسلمي طرابنش يخرجون إلى مصلاهم مع صاحب أحكامهم (٤) أما العامل فيقابل ما يسمى Strategos في المناطق ذات اللسان اليوناني، وقد شاع لقب القائد أيام النورمان فشمل ناساً من العرب والبربر وأشخاصاً من أجناس أخرى وخرج عن مدلوله العسكري، وأصبح يدل على درجة مدنية تقع في المرتبة دون الأمير. وكان لقب الشيخ والقائد مستعملاً منذ أيام الكلبيين، ففي خبر عن جعفر بن الأكحل أنه اتخف " بقوادهم وشيوخ البلاد " (٥) وفي زمن غليالم الثاني منح هذا اللقب لابي القاسم بن الحجر ولمنافس له اسمه Sedictus (صديق؟ شديد؟) (٦) ولابد أن هذا اللقب كان يدل أحياناً على أصحاب القلاع وحيناً على ناس مدنيين. ومن المحتمل أن المسلمين اشتركوا في بعض السلطات البلدية فكانت هناك هيئة تسمى " الأفاضل " Louni Uomini تساعد صاحب القضاء وأكثر أفرادها مسلمون (٧) وربما كانت صورة " الجمماعة " التي طالما سمعنا عنها في العصر العربي، وهذا اللفظ نفسه - أي الجماعة - يطلق في العصر النورمان على شيوخ اليهود أيضاً.

стр. 136

٤ - الصبغة الإسلامية في الدولة وإذا كانت الصبغة الإسلامية الإدارية - خلا بعض الألقاب - وفقاً على المسلمين، فإن الصبغة الإسلامية عامة امتدت أيام النورمان إلى الكثير من نواحي الحياة، لأن الحضارة الإسلامية كانت غالبة على الجزيرة وفي ظلها نشأ رجار وخلفاؤه، فوجدوا أنفسهم يقتبسوها ويفيدون منها. وقد وضحت هذه الصبغة في حياة البلاط نفسه، فتشبه رجار بملوك المسلمين في الاستكثار من الجنائب والحجاب والسلاحية والجاندارية وغير ذلك وخالف عادة الفرنج فإنهم لا يعرفون شيئاً منها (١) . وتصفه الوثائق العربية ويلقبه الإدريسي بالملك المعظم المعتز بالله المقتدر بقدرته (٢) وتلك كانت ألقاباً ثابتةً له وكانت علامته الحمد لله شكراً لأنعمه (٣) وفي زمنه - أو زمن خلفائه - استعملت المظلة التي كان يستعملها بنو عبيد وهي شبه درقة في رأس رمح محكم الصنعة، يمسكها فارس من الفرسان، يعرف فيقال له صاحب المظلة (٤) . وكان ابنه غليالم يتكلم العربية، ويحيط نفسه بحرس من المسلمين، وبلاطه مملوء بالخصيان والحجاب والجواري، ومضى غليالم الثاني على سنته يتخذ الفتيان المجابيب (٥) . وناظر مطبخه رجل من المسلمين وله جملة من العبيد السود المسلمين، وعليهم قائد منهم، ووزراؤه وحجابه الفتيان وجملة من أهل دولته مسلمون وكان كثير الاتخاذ للفتيان والجواري. ويتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك وإظهار

стр. 137

زينته بملوك المسلمين (١) وهو يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته " الحمد لله حق حمده ". وكانت الصبغة الإسلامية كما رأينا ظاهرة في الألقاب فلقب الأمير يطلق على ناس من غير المسلمين، وأعلى لقب أمير الأمراء وأشيعها لقب القائد للمدنيين والعسكريين على السواء. وزاد هذه الصبغة وضوحاً أن اللغة العربية كانت إحدى اللغات الثلاث التي أقرتها الدولة في سجلاتها، والأخريان هما اليونانية واللاتينية. أما اللغات المحلية فكانت أربعا أو خمساً، والفرنسية من بينها لغة البلاط، وكانت المالية تستعمل اللاتينية واليونانية، والظاهر أن العربية لم تكن مستعملة فيها فإن كل الوثائق المكتوبة بالعربية إنما تتعلق بأمور الأراضي والعقارات (٢) . واتخذت الدولة ثلاثة أنواع من الدواوين الإسلامية هي: (أ) ديوان المظالم: اقتبسه رجار عن المسلمين وكان المظلومون يرفعون إليه شكاواهم فينصفهم، ولو من ولده - كما يقول ابن الأثير (٣) - وكل من ترجموا لرجار أجمعوا على تحريه الدقة في تطبيق العدالة. (ب) ديوان الطراز: والقائمون عليه يطرزون بالذهب في دار خصصت لصنع الملابس الملكية، والتقى ابن جبير مع واحد من أولئك الطرازين يسمى يحيى ابن فتيان (٤) ويقول فلقندو: " ولا ننس تلك المصانع الرفيعة حيث تغزل قطع الحرير خيوطاً ذات ألوان كثيرة وتهيأ لنسج أشياء متنوعة " وبعد ذلك يعدد فلقندو أنواعاً من الطراز والنسيج بأسمائها اللاتينية (٥) ومما تبقى من عمل هذا الديوان عباءة صنعت سنة ٥٢٨ للملك رجار، إسلامية المناظر والزخرفة، ففي نصفها نخلة على جانبيها أسدان منقضان على جملين وعلى حاشيتها كتابة بالعربية جاء فيها:

стр. 138

مما عمل بالحضرة الملكية المعمورة بالسعد والإجلال، والمجد والكمال، والطول والإفضال والقبول والإقبال، والسماحة والجلال، والفخر والجمال، وبلوغ الأماني والآمال، وطيب الأيام والليال، بلا زوال ولا انتقال، بالعز والرعاية، والحفظ والسلامة، والنصر والكفاية، بمدينة صقلية سنة ثمان وعشرين وخمسمائة (١) . (ج) ديوان التحقيق المعمور: وهو الديوان الذي يعني بشئون الأرض والرقيق المرفق بها وكل ذلك مقيد في دفاتر deftarii، وهي سجلات تبين الإقطاعات واتساعها وعدد الأرقاء فيها، ويسمى هذا الديوان باللاتينية Dohana de Secretis وكلا التسميتين - في رأي أماري ومن يرى رأيه من الباحثين - تدلان على الأصل العربي (٢) وقد كان هذا الديوان موجوداً عند الفاطميين، وللديوان رئيس أو صاحب، دونه طبقة من الكتاب. ٥ - المسلمون بين التسامح والاضطهاد ومنذ أن استقر أمر الجزيرة لرجار، جرى على سياسة تقريب المسلمين. ويقول المؤرخون المعاصرون (ملاترا مثلا) إن عقيدة المسلمين لم تمس بسوء، ولا أصابهم رهق أو أذى (٣) . ويقول المؤرخ المجهول معاصر رجار: إن الشروط التي فرضت للمسلمين لا تزال مرعية حتى أيامه. وقد ضمن سكان بلرم حياتهم وحريتهم الدينية وظل لهم من بينهم قضاة وحكام (٤) هذا هو ما يقوله الإدريسي في رجار الأول، وأنه نشر سيرة العدل في أهل صقلية، وأقرهم على أديانهم وشرائعهم. ونحن إذا أغفلنا الحال البائسة التي انحدر إليها مسلمو الأرياف وطبقات الفلاحين والعبيد منهم وبعض من جعلوا أرقاء بعد أن كانوا أحرار - قلنا إن أهل المدن كانوا يحيون في أمن لأن الملك كان يحميهم بنفوذه وقوانينه. ويقول

стр. 139

ابن الأثير في رجار: " وأكرم المسلمين وقربهم ومنع عنهم الفرنج فأحبوه " (١) حتى لقد كان يقرب زهادهم والمتعبدين منهم فأكسبه هذا اعتقاد بعض الناس بأنه كان مسلماً في السر. ومثل هذا الاعتقاد ينشأ بين جماعة كانت تستكثر منه تسامحه أو من جماعة كانت تعاديه وتكيد له، وتحاول ان تستغل تسامحه لمصلحتها. أما حقيقة الحال فهي أن رجار كان يحب الهدوء والطمأنينة في مملكته، ولم يكن يهدد ذلك الهدوء وتلك الطمأنينة كالضرب على الوتر الديني، ولذلك لم يكن يسمح للمسلمين في جيشه أن ينتصروا، ولا يحب أن يرى النصارى يعتنقون الإسلام على أن اتهام أعدائه له بالإسلام سراً جعله يدفع ذلك عن نفسه ببناء الكنائس، بل بإغراء المسلمين على التنصر إن صح ما يقوله روموالد المؤرخ، فهو يصف رجار بأنه عني في آخر أيامه بتنصير اليهود والمسلمين، مسبغاً على من تنصر منهم أسباب النعمة الدنيوية (٢) وقضية فيليب أمير الأسطول مثل من الأمثلة التي حاول بها رجار ان يظهر علناً إخلاصه للدين المسيحي. - فقد غزا فيليب بونة واستولى عليها غير أنه أغضى على جماعة من العلماء والصالحين حتى خرجوا بأهليهم وأموالهم إلى القرى، ولما عاد إلى صقلية قبض عليه رجار لما اعتمده من الرفق بالمسلمين، وكان يقال انه وجميع فتيانه مسلمون يكتمون إسلامهم وشهد عليه بعضهم انه ليصوم مع الملك، وانه مسلم، فجمع رجار الأساقفة والقسوس والفرسان فحكموا بان يحرق في رمضان، وهذا أول وهن دخل على المسلمين بصقلية (٣) . وكان المسلمون من ناحيتهم يقبلون على الملك ويظهرون له الحب حتى يضمنوا لأنفسهم تقدماً في دولته، وحتى يحميهم من أجناس أخرى كانت تنظر إليهم نظرة بغض وحنق، إذ ليس التسامح في صقلية معناه موت الأحقاد في نفوس الأجناس، ولكن معناه ضبط الحاكم لتلك الأجناس وعدم سماحة بتعدي

стр. 140

فريق على آخر - وليس غريباً ان يتعلق المسلمون بالملك لأنه الشخص الوحيد القادر على حمايتهم. ومن ثم لن نستغرب ما يقوله فلقندو من ان النساء المسلمات في بلرم خرجن حين توفي غليالم الأول يلبسن الثياب الخشنة، وقد نشرهن شعورهن وملأن الفضاء بعويلهن، ورددن المراثي الشجية على نغمات الطنبور (١) ذلك لأن الملك إن كف عن حمايتهم، أصبحت حياتهم في خطر. وهذا ما حدث فعلا عندما قامت ثورة على مايون وزير غليالم الأول منتصف عام ١١٦٠م فقد كان مايون - كما يحدثنا فلقندو - نزع السلاح من أيدي المسلمين. فلما قام النبلاء والبارونات بالثورة عليه انتهز المسيحيون - وخاصة اللمبارديون - هذه الفرصة وهاجموا المسلمون واثخنوا فيهم قتلا وذبحاً في شوارع بلرم - ويقال انهم وجدوا في القصر جماعة من الحصيان المسلمين فذبحوهم، ثم قتلوا المسلمين الذين كانوا في الدواوين او في الفنادق والحوانيت ونزعوا الأكفان عن جثث الموتى، ولم يكن عدد من هلك من المسلمين قليلاً، وممن قتل في هذه الواقعة الشاعر القفصى يحيى بن التيفاشى. ولعل الإدريسي كان من ضحاياها أيضاً (٢) . ويمضى فلقندو الذي روى الحوادث فيقص علينا كيف ان اثنين من اللمبارديين خرجا إلى بثيرة وغيرها، وجمعا الفلاحين اللاتين، وأغارا بهم غارات متتالية على المسلمين الذين كانوا يعيشون بين المسيحيين، دون أن يراعوا في ذبحهم عمراً أو جنساًً، حتى أبادوهم الا قليل نجوا بأنفسهم، ولجأوا إلى الغابات والجبال لتخفيهم عن أنظار المسيحيين، وبعضهم لجاْ إلى قلعة في جنوبي صقلية يسكنها بعض إخوانهم في الدين (٣) . وبعد غليالم جاء غليالم الثاني وكان صغير السن أمه بالوصاية عليه، واتخذت رجلا يسمى اسطفان Stefano مستشاراً لها، وكان رجلاً قديراً لكن تنقصه عصبية تشد من أزره، أو حزب يسنده، ويقول فلقندو في وصفه:

стр. 141

إنه كان ملكاً أرسله الله ليعيد الأرض ذلك العصر الذهبي القديم. وكان المسلمون منحرفين عنه بتأثير أبي القاسم بن حمود الذي كان يوزع الأموال على الناس لعله يميلهم عن أسطفان، إذ كان هذا قد صادق منافساً لابن حمود يسمى القائد (ابن السديد) وهو من أغنياء المسلمين (١) . ومهما يكن فقد هدأت النفوس أيام غليالم الثاني حتى أصبح عهده مضرب المثل في الهدوء والسكينة. وكان يقال إن غابات صقلية في أيامه أكثر أمناً من المدن في البلاد الأخرى (٢) . وحياة المسلمين في عصره واضحة والفضل في ذلك عائد إلى ابن جبير الذي زار الجزيرة وهو عائد من الحج. ويستفاد مما ذكره هذا الرحالة القدير أن المسلمين كانوا قليلين في مسينة، وانهم فيها من ذوي المهن، أما برم فتحوي الحضريين منهم، وبها يعمرون أكثر مساجدهم، ويقيمون الصلاة بأذن مسموع، ولهم أرباض قد انفردوا بسكنها عن النصارى، والأسواق معمورة بهم، وهم التجار فيها ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم، ويصلون الأعياد بخطبة ودعاؤهم فيها للعباسي، ولهم بها قاض يرتفعون إليه في أحكامهم، وجامع يجتمعون فيه الصلاة، وأما المساجد فكثيرة لا تحصي وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن (٣) . وقد وجد ابن جبير أن المسلمين في بلرم مقربون إلى غليالم، وأنه كثير الثقة فيهم، فلذلك استعملهم في كثير من الوظائف. وفتياته الذين هم عيون دولته وأهل عمالته في ملكه مسلمون، يصومون ويتصدقون ويفتكون الأسرى (٤) وفي جلفوذ طائفة من المسلمين (٥) ولهم في ثرمة ربض كبير آهل بالمساجد (٦) . وبين بلرم وطرابنش ضياع متصلة ومحارث ومزارع وسكانها كلهم مسلمون. وفي مدينة

стр. 142

علقمة سوق ومساجد وسكانها كذلك (١) . وفي طرابنش مسلمون ونصارى ولكلا الفريقين مساجد وكنائس وقد رأى المسلمين فيه يعيدون بالطبول والبوقات (٢) ولم ينس ابن جبير أن يسجل اللطف الذي قابله به النصارى ومبادرتهم له ولرفقائه بالسلام ومؤانستهم، ومحضهم النصح لهم إذا اقتضى ذلك، وإغضاءهم على تظاهر المسلمين عند تأديتهم بعض الشعائر الدينية (٣) . ولم يحاول ان يخفي لطف غليالم ودفعه الأجرة عن فقراء المسلمين لأصحاب المراكب التي كانت تقلهم (٤) . ومن يقرأ كل هذه الحقائق يعجب من قصص أخرى أوردها ابن جبير عن ناس لا يشعرون بالأمن في بيئتهم، ويخافون في أداء العبادة، ولا يستطيعون أن يرفعوا أصواتهم بأنهم مسلمون، حتى ليخيل إليه أن هناك تناقضاً فيما عرفه ابن جبير بالمشاهدة أو بالسماع. والحقيقة ان لا تناقض هنالك فالمسلمون الذين كانوا يتظاهرون بدينهم كانوا قادرين على ذلك في حالتين إما في مدينة يحضر فيها الملك يقوته كبلرم، أو مدينة هم الأكثرية فيها كطرابنش. أما في مثل مسينة حيث هم أقلية بعيدون عن الحماية فمن الطبيعي أن يحذروا جيرانهم في شيء من الخوف. وقد سمع من أحد الوجوه بمسينة قوله: أنتم مدلون بإظهار الإسلام، فائزون بما قصدتم له رابحون إن شاء الله في متجركم، ونحن كاتمون إيماننا، خائفون على أنفسنا، متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سراً، معتقلون في ملكة كافر قد وضع في أعناقنا ربقة الرق (٥) . وفي هذا قدر كبير من الصحة إذا اعتبرنا المثل الأعلى في فهم الحرية الدينية، وهذا كلام رجل شهد ما مضى من اضطهاد في أيام غليالم الأول فهو يرى أن هذه الحال من الأمن لن تدوم - أما الشكوى التي سمعها ابن جبير من أبي القاسم بن حمود فلا غرابة

стр. 143

أن تسمعها من رجل طموح كان يريد الزعامة، وكان قد شقي بالمصادرة وفقد كل ثروته. والحقيقة أن هذه الشكاوي لا تعبر عن تلك الفترة الهادئة وإنما تعبر عما أصاب المسلمين قبل سنوات. ويحس من يقرأ كلمات فلقندو انه كان قد جرى على المسلمين من الأذى في أنفسهم وعقيدتهم ما يزرع الخوف في النفوس ولا يدع للهدوء طريقاً إلى القلوب، أو يبشر بنسيان الإساءة. ومن المثالية أيضاً أن ندعي بأن المطالبات المالية كانت تجري دائماً على حسب القوانين، وتقرر عند رأى العدالة، وقد سمع ابن جبير عن فقيه اسمه ابن زرعة ضغط بالمطالبة فأظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية ومهر في حفظ الإنجيل، ومطالعة سير الروم، وحفظ قوانين شريعتهم، فعاد في جملة القسيسين في الأحكام النصرانية، وكان له مسجد بإزاء داره أعاده كنيسة (١) . ولم يكن مما يهون على الناس يومئذ - وربما لا يهون ابداً - أن يروا مركز عبادتهم قد حول إلى مكان لعبادة قوم آخرين. ولم تكن ترتاح النفوس لذلك التظاهر الصاخب بالشعائر، فتلك الطبول والبوقات كانت تزعق في أسماء أهل الدين الآخر بأصوات التحدي، وتدوي بالكراهية المتبادلة التي تغطي بقشرة رقيقة من الهدوء. بل لعل أدق ما اطلع عليه ابن جبير من أحوال صقلية اتخاذ مفارقة الدين سلاحاً يشهره في وجه أبيه، والزوجة في وجه زوجها، ويذهب الغاضب فينتصر ويتعمد، فهم الدهر في مداراة الأهل والولد خوف هذه الحال (٢) . ولا ننس ذلك الخوف على العرض ولذلك فلا عجب أن نرى أ؛ د الآباء وجاء يهدي ابنة له صغيرة السن إلى أحد الحجاج، لعله ينقلها معه ويتزوجها أو يزوجها ممن يرتضيه لها، رغبة منه أن يجنبها ما قد يخبئه القدر لمثيلاتها من فتيات

стр. 144

المسلمين بالجزيرة (١) . ومن هذه الحال نستطيع أن نستنتج بأن الهجرة من صقلية لم تكن سهلة ولا كانت السلطات تسمح بها إذ كان عمران صقلية يستدعي ذلك وأكثر منه، أي يتطلب استقدام سكان من الخارج وإعطاءهم بعض الامتيازات لإغرائهم على الهجرة إلى صقلية. والخلاصة أن المسلمين كانوا في الجزيرة غرباء عن إخوانهم المسلمين في الأقطار الأخرى. وتحت ذمة غيرهم يؤدون الجزية. ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم وأبنائهم (٢) إذا ضعف السلطان عن حمايتهم بل كانت حمايته لهم تزيد من كره أصحاب الأديان الأخرى لهم. هذا حالهم في المدن، أما في القرى والأرياف، فلم يكونوا يرتفعون عن الرقيق بكثير، وكلهم رهائن في يد الملك بصقلية يهدد بهم أمراء المسلمين وملوكهم، مثال ذلك أن عبد المؤمن لما استولى على المهدية قال صاحب صقلية: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم (٣) . وقد صدقت الأيام تلك الهواجس النفسية التي كانت تسيطر على المسلمين وأيدت مخاوف فلقندو الذي جزع لما بلغته وفاة غليالم الطيب فراح يقول في رسالة لصديقه: " إنني لأرى جموع البرابرة الغاضبين ومدننا الفسيحة وقصورها التي زهت في ظل سلام طويل تميد بالخوف، وقد جرت فيها الدماء ودنسها الشهوات، إنني لأرى بعيني بني وطني فريسة للذبح والأسر، وأرى العدوان واقعاً على العذارى والنساء. وفي مثل هذه الضائقة، أيها الصديق، ماذا ترى يفعل الصقليون؟ إنهم إن اجتمعوا على ملك شجاع مجرب احتفظوا بصقلية وقلورية. إن بلرم لا تزال مكللة بالعز وأسوارها تضم المسيحيين والمسلمين النشطاء فلو أن الشعبين أتحدا في ظل ملك واحد، من أجل سلامتهما، لا تدفعا يصدان البرابرة بأسلحة لا تثني. ولكن إن عاد المسلمون إلى الثورة لشدة ما لحقهم من

стр. 145

أذى، وما رهقهم من إساءة، وراحوا يحتلون القلاع في الجبال وعلى السواحل فليوطن المسيحيون التعساء أنفسهم على عبودية لا خلاص منها لأنهم سيكونون فريسة لهجوم مزدوج وسيقعون بين المطرقة والسندان " (١) . ولم يكن في تلك العصور كثير من أمثال فلقندو يقدومون مصلحة الوطن على الاعتبارات المذهبية الضيقة، فلم تكد الدولة تقفر من الرجال الأكفاء بعد غليالم الثاني، حتى ثارت المعارك بين المسلمين والمسيحيين في الشوارع، وفاضت الدماء في المدينة واعتصم من نجا بين الجبال (٢) واستمرت ثورة المسلمين من نهاية ١١٨٩ إلى أكتوبر من سنة ١١٩٠ ثم اثر فيهم الإقناع فعادوا إلى بيوتهم في بلرم، وعاد الأرقاء إلى حقولهم يكدوون، ولكنهم لم يعودوا جميعاً، وكثير من الذين رجعوا لم يلبثوا طويلاً، إذ كان من السهل على التجار والصناع منهم أن يهاجروا إلى إفريقية هجرة تقطع آخر علاقتهم بوطنهم، وأما أهل الأرياف فبقوا معتصمين في الجبال وأعطيت أراضيهم للإقطاعيين المدنيين والدينيين.
следующие страницы →