← История

История · id 1020

العرب في صقلية

إحسان عباس

Полный текст (312 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في المدن الصقلية على التجارة يدعو في الغالب إلى العناية بظواهر الأشياء أكثر من الاحتفال بالتربية النفسية، ولا شك في ان كثرة المساجد، حتى يكون منها في قرية قريبة من بلرم مائتا مسجد، لا تدل دائما على تدين. وفي مثل هذه البيئة ما يسمى مراعاة العواطف وخاصة في المآتم والأفراح، وهذا الملق الظاهري يفسر السجادات، والمصلحة الفردية تفسير للتطوع بشهادة الزور، والفقر من وراء كل تلك الرذائل، أي أن الاختلال في نظم الحياة الاقتصادية هو العامل الأول في تلك النقائض ولست أستطيع أن أتصور إلى أي درجة كانت كثرة الأجناس من ناحية وشعور الأقليات بالانكماش على نفسها من ناحية اخرى، يمد ان الحياة الاجتماعية بتفكك في الروابط، واتضاع في القيم، وقصر ومحدودية في النظرة إلى النفع والضرر، وخاصة أن المادة الخصام على أصول العصبية وغيرها كثيرة وفيرة. وقد نلاحظ أن العصبية الإقليمية أوحت لابن حوقل بشيء كثير من الشنآن للمجتمع الصقلي، وباعدت بينه وبينه، وهي عصبية غير مستغربة حين نعرف أنها كانت تقوم بين بلدان صقلية نفسها، وهي مشاعر ورثتها منذ العصر البيزنطي، وقد رأينا كيف اغتاظ السرقوسيون لما رأوا بلرم في أول العهد الإسلامي قد أصبحت تتحكم في مصايرهم بعد أن كانت مدينة لا يأبهون بها، وفي أيام المسلمين كانت جرجنت مركز البرابرة تنافس بلرم عاصمة الأرستقراطية العربية. بل لا نستبعد أن يكون الانقسام الأخير في صقلية قام على أسباب من بينها تلك العصبية البلدية، أي أن الأقاليم كانت ثائرة على زعامة بلرم وصادف ذلك هوى في نفوس القواد المحليين، فانتهزوا الفرصة لما سنحت، واستقلوا، وكانت بلرم تمثل الحضارة رفعة ودنوا وتهيئ لمن ينزل فيها كل ما يمكن أن تقدمه الحضارة من خير وشر. وكان قد نشأ بينها وبين المدن الأخرى تفاوت واسع حتى كانت مثالا يثير المنافسة والحسد، وهذا الفرق في الترف نلمحه في صيحة ابن منكود صاحب مازر في وجه ابن البر اللغوي حين عرف أنه يشرب الخمر: " إذا كان ولا بد من شرب الخمر فهذا النوع

стр. 72

ببلرم وربما يعز وجوده هنا " (١) . ولعل في هذا ما يدل على نزعة المفاضلة بين البلدان كما أنه يدل على ميل ابن منكود ليجعل من مازر ملجأ لما اعتقد أنه فضائل إسلامية ولكن روح التدين شيء والسياسة شيء آخر، وقد أثبتت الأيام أن ابن منكود كان مخفقاً سياسياً (٢) .

стр. 73

فراغ

стр. 74

الفصل الثالث الحياة العقلية ١ - صقلية والصلات الثقافية ٢ - المدارس والمعلمون ٣ - هجرة الكتب إلى صقلية ٤ - الفقه والحديث والقراءات ٥ - النواحي اللغوية ٦ - الزهد والتصوف ٧ - علوم الأوائل ٨ - نظرة إجمالية

стр. 75

فراغ

стр. 76

١ - صقلية والصلات الثقافية كانت صقلية تهتدي بالأنوار المنبعثة من القيروان، وكان لكل حادث أفريقي هام صدى فيها، وسر هذا ليس في ان صقلية قريبة في موقعها من شمال أفريقية فحسب ولكن لأن أهل أفريقية هم الذين افتتحوها، ومن ثم ظلت العلاقات قائمة بين المهاجرين وإخوانهم في الوطن الأصلي، وزاد هذه العلائق توثقاً تجدد الهجرة من أفريقية إلى صقلية ورحلة الصقليين إلى القيروان في طلب العلم، وهي ظاهرة نراها موجودة حتى بعد أن أصبح لصقلية في النواحي العلمية اسم مذكور. وفي أيام الكلبيين تمتعت صقلية بشيء من الاستقلال الذاتي مصحوب ببعض السيطرة الفاطمية، وكان هذا الوضع السياسي ذا مظهرين: أما أولا فقد تبلورت في صقلية جهود علمية خاصة، وأصبح الجيل الناشئ من أبناء الفاتحين صقلي الروح والإنتاج، إلى حد ما، وأما ثانياً فقد أصبحت القاهرة تشارك القيروان في توجيه الحياة الثقافية في الجزيرة. وفي هذه الفترة أعلنت بلرم عن وجودها الثقافي والعقلي، وأصبحت تذكر مع القاهرة والقيروان وقرطبة، وأضحى لها علماء وأدباء يهاجرون إلى الأندلس ومصر وشمال إفريقيا. ونحسب أن كثيراً من هؤلاء المهاجرين كان يبحث عن الشهرة في بلد كالقاهرة أو قرطبة إلى جانب بحثه عن وسائل العيش. وإلى جانب هؤلاء جماعة ممن كانوا يسافرون في طلب العلم أو الأداء فريضة الحج ثم يعودون إلى ديارهم. وعلى هذا لم تكن صقلية تعيش في عزلة تباعد بينها وبين غيرها من البلاد الإسلامية ولكن الحركة كانت بطيئة، وكانت أخطار البحر تحد من نشاطها. ومع ذلك فقد كانت الأسواق الصقلية مجالاً لتبادل السلع والأفكار والرحلة

стр. 77

وعاملا أكيداً في تفاعل الآراء، كما كانت الرسائل المتبادلة بين أهلها وناس في خارجها حلقة من حلقات الربط الثقافي. غير ان هذا الاتصال؟ لم يعم بحيث يفقد صقلية شخصيتها بل لعلها احتفظت بعلامات مميزة وسمات خاصة رأينا لها أثراً في الزراعة والصناعة والعادات والمعتقدات، ونحاول أن نتلمس لها وجوداً في النواحي الأدبية والعلمية وإن لم يكن من السهل أن تعثر عليها، لأن صقلية في هذه النواحي كانت تستند إلى موروث تشارك فيه غيرها من البلاد الإسلامية ولأن روح المحافظة حالت بينها وبين التفرد الواضح. وإذا كانت هذه المميزات مما يخفي أثره فليس معنى ذلك انعدامها، ولا يمكن أن يكون علم صقلية كله جلباً يرد إليها كما ترد السلع التجارية إلى موانيها فذلك يتنافى مع أبسط حقائق الأشياء. ثم ما هو طابع الحياة العقلية لجزيرة ترتكز الحياة فيها على قاعدة من النشاط الحربي أولا بينما النشاط المدني يجيء في المقام الثاني؟ سنرى بعد قليل أن الحياة العسكرية كانت ذات أثرين متناقضين التقيا في النهاية: فقد صرفت الناس صرفاً إلى الحياة الثقافية في بعض النواحي وكثرت عدد المدارس والمدرسين فزادت الكمية ولم تعن بالنوع، وألقت بطلبة العلم ألى أيدي جماعة من المعلمين المتخلفين، الذين اختفوا وراء الجلباب العلمي ليحميهم من حياة الجندية، فتضاءل عدد الأكفاء من أهل التعليم. وصرفت الناس من وجهة أخرى عن الاستقرار والهدوء ورمت الأفكار بالقلق والتململ، فأفقدت الدراسات شيئاً من العمق، حتى إن تلك الصفحات الدامية التي تطالعنا بها الكتب التاريخية لتجعلنا نعجب؟ كما عجب المؤرخ سكوت (١) - كيف أمكن للمسلمين أن يضربوا بسهم في الحياة العمرانية المدنية وكيف تأتى لهم أن يعملوا في الزراعة أو الصناعة. غير أن الحرب لم تكن كل مظهر فوراء الأحداث التي نقرؤها في تاريخ ابن الأثير وابن خلدون والنويري مسرح جانبي ترتسم فيه معالم واضحة، بعض الشيء، للمسجد والسوق والبيت والمزرعة.

стр. 78

٢ - المدارس والمعلمون وفيما كتبه ابن حوقل عن صقلية ما ينقل إلينا شيئاً عن النشاط الثقافي فيها أثناء فترة معينة. فقد سجل هذا الرحالة؟ حينما زار بلرم؟ ظاهرتين كانتا متلازمتين تقريباً هما كثرة المساجد وكثرة المعلمين، فعرف أن في بلرم ما يزيد على مائتي مسجد، وقرر أنه لم ير مثل هذا العدد في بلد من البلدان الكبار ولا سمع به إلا فيما يتذاكره أهل قرطبة. قال " ولقد كنت واقفاً ذات يوم بها في جوار دار أبي محمد القفصي الفقيه الوثائقي فرأيت من مسجده في مقدار رمية سهم نحو عشرة مساجد يدركها بصري ومنها شيء تجاه شيء وبينها طريق (١) " وعلة هذه الكثرة فيما استطاع أن يتعرفه من سؤال الناس " أن القوم لشدة انتفاخ رؤوسهم كان يحب كل واحد منهم أن يكون له مسجد مقصور عليه، لا يحب أن يشركه فيه غير أهله وحاشيته، وربما كان أخوان منهم متلاصقة دارهما متصاقبة الحيطان، فعمل كل واحد منهما مسجداً لنفسه ليكون جلوسه فيه وحده (٢) ". وربما كان هذا التعليل الذي يقول به ابن حوقل صحيحا لأن فيه ما يصور تلك الروح الفردية التي كانت تغلب على الحياة الإسلامية هنالك. غير أنا لا ننسى أن المسجد لازم استيطان المسلمين في كل بلد من بلدان صقلية حتى كان القائد يبني المسجد والمنبر تواً إثر استيلائه على بلد أو حصن، وهي ظاهرة صاحبت الفتح الإسلامي في أقطار أخرى، ولكنها كانت في صقلية أشد وأعنف، لرسوخ المسيحية فيها عند الفتح، فالإكثار من بناء المساجد

стр. 79

خير ما يقنع الجماعة الإسلامية بانتصارها على كل موروث صقلي، وخير ما يطمأن الأذهان إلى تثبيت الصبغة الإسلامية في تلك البلاد، وهي طمأنينة لازمة في بلد مجاور للعدو المتربص. وثمة شيء آخر وهو أن ابن حوقل إنما دهش لكثرة المساجد في بلرم وحدها لأنه لم يزر من صقلية بلداً آخر فيما يظهر، وكانت بلرم يومئذ هي العاصمة ومجتمع أهل الأدب ومنتجع طلاب العلم من سائر أنحاء صقلية، فنشاط الحركة التعليمية فيها كان سبباً في الاستكثار من المساجد وانضاف إلى هذا ما قاله ابن حوقل من التكاثر بها، وأصبح غرض كل واحد من بناء المسجد " أن قال مسجد فلان لا غير " (١) . في هذه المساجد وفي المكاتب كثر المعلمون، حتى كان منهم في بلرم ما لا يقل عن ثلاثمائة معلم. وفكرة ابن حوقل عن المعلم مستمدة من الصورة الساخرة التي رسمها الجاحظ، وهي فكرة وجدت سبيلها أيضاً إلى الأندلس حيث نجدها عند أبي عامر بن شهيد حين يقول في تصويره ثقافة المعلم " وقوم من المعلمين بقرطبتنا ممن أتى على أجزاء من النحو وحفظ كلمات من اللغة، يحنون على اكباد غليظة وقلوب كقلوب البعران، ويرجعون إلى فطن حمئة وأذهان صدئة سقطت إليهم كتب في البديع والنقد فهموا منها ما يفهمه القرد اليماني من الرقص والإيقاع " (٢) . ويغلو ابن حوقل في حملته على المعلمين حتى ليراهم يمثلون الجنون والصرع ويعتقد أن الناس أجمعوا على أن المعلم محكوم عليه بالنقص والجهل والخفة وقلة العقل. غير أن معلمي صقلية في نظرة يتفوقون في هذه الصفات على معلمي كل بلد. ومما كثرهم فيها " فرارهم من الغزو ورغبتهم عن الجهاد، وذلك أن بلدهم ثغر من ثغور الروم وناحية تحاد العدو، والجهاد فيهم لم يزل قائما والنفير دائما مذ فتحت صقلية " (٣) ولذلك لم يكن يعفى من الجهاد إلا

стр. 80

المعلمون، أو من بذل الفدية عن نفسه، أو تخلف مع رابطة السلطان، فكان من السهل على من يخشى لقاء العدو أن يتخذ التعليم حرفة له ولذلك نزع إلى التعليم بلههم وحسنه لديهم جهلهم " (١) . هذه الكثرة ف يعدد المعلمين والمساجد والمكاتب تشير إلى نشاط تعليمي واسع، ومهما تكن الأسباب التي أدت إلى كثرة المعلمين؟ وما ذكره ابن حوقل لا يعدو الحق؟ فالذي لا شك فيه أن المعلم في هذا العصر كان شخصية طاغية الأثر في حياة الناس. وكان أهل صقلية يخالفون ابن حوقل في نظرتهم إلى المعلمين؟ كانوا يرون انهم " أعيانهم ولبابهم وفقهاؤهم ومحصلوها وأرباب فتاويهم وعدولهم، وبهم عندهم يقوم الحلال والحرام وتعقد الأحكام وتنفذ الشهادات وهم الأدباء والخطباء " (٢) . وقد رأى ابن حوقل من هؤلاء المعلمين من يتولى خطبة الجمعة، وعرف منهم العدول، وسمى من توصل من بينهم إلى منصب القضاء. فكان هؤلاء المعلمون هم الذين يوجهون الرأى العام في أمور الدين والدنيا، ولعل تدخلهم في الأمور السياسية هو الذي جعل ابن حوقل يصب عليهم نقمته المريرة ويرميهم بكل نوع من أنواع الخسة والنذالة، دل على ذلك قوله فيهم " حتى انهم المتكلمون على السلطان في سيره واختياراته. والإطلاق بالقبائح من ألسنتهم بمعايبه وإضافة محاسنة إلى مقابحه " (٣) . فمن هو السلطان الذي يعنيه ابن حوقل؟ أهو حاكم صقلية أم الخليفة الفاطمي؟ سواء أكان هذا أم ذاك ففي كلمات ابن حوقل دلالة على المقاومة التي كان يقودها جماعة المعلمين في وجه المذهب الشيعي. ويفهم مما ذكره ابن حوقل أن حرفة التعليم لم تكن تدر خيراً كثيراً على أصحابها، حتى كان فيهم من لا يصيب من طلابه على كثرتهم اكثر من عشرة

стр. 81

دنانير في السنة (١) ويريد ابن حوقل أن يثبت منذ ذلك أن المعلم قد قنع باليسير هرباً من الجهاد، وأن الهرب من الجهاد نقص في الرجولة والمروءة، ولكن ابن حوقل نفسه يتحدث في مكان آخر عن فقر أهل صقلية؟ على كثرة خيراتها؟ وأنه ليس فيهم رجل تملك بدرة عين ولا رآها قط إلا عند سلطان إن كان ممن يدخل إليه ومحله من يؤذن له عليه (٢) . وهذا الفقر العام يفسر قلة ما كان يحصله المعلم، فإذا أضفت إلى الفقر كثرة المتنافسين في صنعة واحدة عرفت سر الضالة في المحصول. ولقد كان عبد الحق الفقيه إماماً من أئمة صقلية لا مدرساً في كتاب ومع ذلك فلم يجد بيده من المال ما يشتري به كتاباً، واضطر ان يبيع بعض ما يملك في سبيل شرائه. وربما كان النقد في أيدي الناس قليلا لتعاملهم بالمقايضة والبدل، وهذا يجعلنا نظن أن المعلمين لم يكونوا يأخذون أجرهم نقداً دائماً، وإنما كان يصلهم من طلابهم محاصيل متنوعة على طريق الجر أو الهدية. ومع كل ذلك فقد كان يزاول مهنة التدريس كثير من أعيان البلاد، ويتخرج في المدارس كثير من أولاد السراة (٣) . وقد أطلعنا ابن حوقل على صورة راقية من صور الكتاب حين حدثنا عن واحد منها لم يكن ينفرد بالتعليم فيه معلم واحد بل يدرس فيه خمسة معلمين لهم من بينهم رئيس هو مدير الكتاب (٤) . ولم تعجب هذه الصورة ابن حوقل ووصفها بأنها من ارث ما رآه في صقلية وأغثة، وتهكم بأشخاص المعلمين فيه، وأزرى على خلقهم، وضحك من بكائهم على أحدهم حينما مات وخرج زملاؤه يشيعونه. وفي هذه المكاتب وفي حلقات الشيوخ بالمساجد كان الصقلي يتلقى علومه الأولى، فإذا نزعت به في مستقبل حياته نزعة علمية، غادر صقلية

стр. 82

إلى المشرق فدرس على أساتذة مشهورين، ورجع يحمل إجازات كثيرة، أو كاتب هؤلاء الأساتذة دون ان يرحل، واستجازهم كتبهم، أو طمح إلى زيارة الكعبة فالتقى في رحلته بالشيوخ المشهورين، فسمع منهم وتلقى عنهم، وعاد إلى بلده، فزادت الرحلة من مكانته، واعتقد الناس انه قد اصبح علماً يقصد لعلمه. وكانت مصر مهبط كثير من هؤلاء الراحلين في طلب العلم لعلاقتها بصقلية، ولنشاطها العلمي، ولأنها على الطريق إلى الحجاز. وإذا استأنسنا بما رواه المازري عن نفسه في تأليف كتاب " المعلم " قدرنا أن المدرسين كانوا يلقون العلم إلى الطلبة إملاء، وان الطلبة كانوا يدونون ما يلقى إليهم من محاضرات، ثم يكون من بعد ذلك كتاب ينتشر باسم الأستاذ الذي أملاه (١) . وقد أشار ابن حوقل إلى أن صبيان المكتب كانوا كثيرين (٢) . وتحدثنا إحدى الروايات الموسومة بشيء من التفصيل ان عدد الطلبة كان يصل أحياناً إلى ثمانين طالباً في الحلقة الواحدة، وان هذا العدد كان يضم طلبة من بلدان مختلفة (٣) وهو عدد ضئيل إذا قارناه بما روى عن مجالس بعض الأعلام كالجويني فقد كان يجلس في حلقة درسه كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل من الأئمة ومن الطلبة (٤) . ولم تكن علاقة التلميذ بأستاذه دائما نوعاً من العرفان بالجميل فقد كان الطالب أحياناً ينشق على استاذه، وينبه على اوهامه، ويعيب عليه بعض آرائه (٥) ، أو يسيء الأدب معه ويتتبع سقطاته (٦) .

стр. 83

٣ - هجرة الكتب إلى صقلية وكانت الكتب التي يتداولها الطلبة والأساتذة مما يرد على الجزيرة من بلاد المشرق والأندلس والقيروان أو مما يؤلفه الأساتذة أنفسهم. وإذا استطعنا ان نعرف الكتب الواردة التي راجت في صقلية، أو أمثله منها على الأقل، كان كذلك خير معين لنا على تصور الثقافة السائدة في الجزيرة وعلى مدى الامتزاج والتفاعل في تلك الثقافة. وقد كانت الكتب ترحل كالناس في بطء وتتحرك من مكان إلى آخر في أناة، وربما كان انتقال كتاب من بلد إلى آخر حدثاً يستحق التاريخ. فليس بغريب أن يصرح ابن القطاع الصقلي حين سأله المصريون عن كتاب " الصحاح " للجوهري بان الكتاب لم يصل إليهم في صقلية (١) . ويحدثنا ابن رشيق أن أول من ادخل كتاب " اليتيمة " للثعالبي إلى القيروان هو أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدرامي سنة ٤٣٩هـ؟ (٢) ، ولما رحل ابن البر الصقلي إلى المشرق كان كتاب اليتيمة أحد مروياته عن شيخه أبي محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري، وعنه تلقاه في صقلية تلميذة ابن القطاع (٣) . وقد دخلت " المدونة " في الفقه المالكي عند فتح صقلية او بعيد ذلك بقليل، وكان كل نشاط الفقهاء يدور حولها اختصاراً وشرحاً، وبياناً لما فيها من غريب، ونسجاً على منوالها. وظل الأمر كذلك حتى آخر أيام العرب في صقلية. وبديهي ان موطأ كان يدرس في صقلية أيضاً ويقوم بتدريسه محدثون

стр. 84

أعلام، مثل الفقيه السمنطاري، وكان الطلبة لكثرة دروج الاسم على أفواههم يلفظونه بغير الهمز. ويستعملون إلى جانبه كتاب " الملخص " وهو كتاب ألفه القابسي ولخص فيه ما اتصل إسناده من حديث الموطأ وكان الطلبة يسمونه الملخص بالفتح مع أن صاحبه سماه الملخص بالكسر (١) . وألف ابن جعفر القصري كتاباً سماه بكتاب " تجديد الإيمان وشرائع الإسلام يشتمل على نيف وستين جزءاً وفيه بحث في المعجزات فدخل صقلية وقرأه الناس (٢) . وفي القرن الخامس وردت إلى صقلية نسخة من كتاب " التقريب " وهو كتاب اختصر به البرالي البلنسي (البريلي بخط ابن بشكوال) كتاب المدونة وجمع فيه أقوال أصحاب مالك حتى قال فيه بعضهم: من أراد أن يكون فقيها من ليلته فعليه بكتاب البريلي (٣) وقرأه عبد الحق شيخ فقهاء صقلية في عصره وأراد أن يشتريه فلم يتيسر له ثمنه، فباع حوائج من داره واشتراه (٤) ، فلما عرف أهل صقلية ذلك زادت قيمة الكتاب في اعينهم، فاقبلوا عليه وتنافسوا في اقتنائه. وتحدثنا المصادر أن علي بن حمزة اللغوي راوية المتنبي ذهب إلى صقلية وعاش في بلرم وتوفي بها سنة ٣٧٥هـ؟ وربما روى عنه الصقليون بعض كتبه التي كانت في أكثرها ردوداً على الأئمة كالرد على ابن السكيت في إصلاح المنطق والرد على الجاحظ في الحيوان والرد على الثعلب في الفصيح.. (٥) الخ وربما استنتجا بأنه درس هنالك ديوان المتنبي. وأيا كان الأمر فمن المحقق أن صقلية عرفت ديوان المتنبي معرفة وثيقة إذ كان جزءاً من ثقافة عالمها اللغوي ابن البر درسه علي ابن رشدين بمصر ثم أخذه عنه طلبته بصقلية (٦) ولعل

стр. 85

دواوين كثيرة من شعراء المشرق دخلت صقلية أيضاً فنحن نسمع ان المغنين فيها كانوا يغنون أشعاراً لقيس بن الخطيم، وابن الرومي وذي الرمة وسحيم عبد بني الحسحاس وكثير عزة وجرير وجميل والشريف الرضى وغيرهم (١) . وفي الأسانيد ما يدل على ان الطلبة ابن البر اللغوي رووا عنه " مقدمة ابن بابيشاذ " في النحو. ومن الكتب التي درسها هذا العالم كتاب " أدب الكتاب " لابن قتيبة وعنه تلقاه تلميذ ابو العرب الصقلي ثم درسه في الأندلس حين ارتحل إليها (٢) . ولا ننس ان كتاب كليلة ودمنة من الكتب التي راجت في صقلية. ولما دخل ابن رشيق إلى صقلية دخلتها كتبه وخاصة كتاب " العمدة " وجرى تدريسه في مدينة مازر حتى لقد رأى القفطي على إحدى نسخ العمدة قراءة ابن منكود والي مازر لهذا الكتاب على مؤلفة (٣) . وقد اختصره فيما بعد أحد الصقليين وهو عثمان بن علي الخزرجي وكان في أيام يحيى بن تميم بن المعز (٤) . ويدلنا العمدة على بعض المصادر التي كان يستطيع ان يطلع عليها أهل المغرب ومن السهل ان ترحل هذه الكتب إلى صقلية بعد ان تصل إلى القيروان، أي أن أهل صقلية ربما عرفوا كتب قدامه بن جعفر والرماني والعسكري وغيرهم. وقد أثر قدامه في توجيه النقد في المغرب في غير ابن رشيق، ونسمع أن الشاعر المعروف بابن ميخائيل (٥) أحد شعراء المعز كان شديد الانتقاد للشعر على مذهب قدامه (٦) . وعرفت في المغرب أيضاً كتب أبي حيان التوحيدي ورسائل إخوان الصفا

стр. 86

وكان أولى من ادخل هذه الرسائل إلى الأندلس هو الكرماني المتوفى سنة ٤ ٥٨هـ؟ (١) ، ولعلها دخلت صقلية في تاريخ مقارب. ولعل صقلية كانت تستمد بعض الكتب في الطب من شمال إفريقية فمنذ بدء العصر الفاطمي عرفت القيروان نشاطاً واسعاً في الطب، واشتهر فيها إسحاق بن عمران وابن سليمان الإسرائيلي وابن الجزار وقد ترك هذا الأخير ما يقرب من ثلاثين مؤلفا ولا يعقل أن تكون هذه الكتب مجهولة كلها في صقلية. ٤ - الفقه والحديث والقراءات استمدت صقلية من إفريقية ناساً يعمرونها بعد الفتح، فذهب إليها هؤلاء بعقلياتهم وثقافاتهم ومذاهبهم، فإذا أردنا ان نتصور حياة ناحية ثقافية في صقلية كان لابد لنا من ان نتعرف إلى حالها في أفريقية قبل ذلك. وفي الفقه كان يغلب على إفريقية في القديم مذهب الكوفيين ومذهب الأحناف (٢) . ثم اخذ جماعة ممن درسوا مذهب مالك يحاولون نشره، ولكن هذا المذهب لم يستطع ان يبسط ظله على أفريقية إلا أيام أسد وسحنون اللذين استمدا ثقافتهما الفقهية من المشرق. وأصحاب سحنون هم الذين نشروا مذهب مالك في صقلية فكان عبد الله ابن حمدون (أو حمدويه) الكلبي الصقلي أحد من سمع منه (توفي سنة ٢٧٠هـ؟) (٣) من أوائل فقهائها، وكان من أصحابه أيضاً دعامة بن محمد الفقيه

стр. 87

الذي ولى فيها القضاء لبني الأغلب (توفي سنة ٢٩٧هـ) (١) . ومنهم أيضاً محمد بن ميمون بن عمرو الأفريقي قاضي القيروان أولاً ثم قاضي صقلية (٣٢٠) (٢) وكان لقمان بن يوسف الغساني يدرس المدونة ويأخذها في اللوح مدة أربع عشرة سنة أقامها في صقلية، ويقال انه كان عالما باثني عشر صنفاً من العلوم (٣١٩هـ؟) (٣) . وفي سنة ٢٨١ عين سالم بن سليمان الكندي للقضاء في صقلية فسار فيها بسيرة العدل. وكان إلى جانب القضاء مهتما بتدريس الفقه، ولذلك انتشر عنه مذهب مالك في صقلية وظل في القضاء حتى سنة ٢٨٩هـ؟ وعرف فيه الناس حسن أخلاقه وتقشفه وبره بطلبة العلم، ولعله ان يكون ألف في صقلية كتابه في الفقه الذي دعى " السليمانية " نسبة إليه (٤) . كل هذا يفيد ان مذهب مالك اخذ في الانتشار في صقلية قبل انتهاء القرن الثالث. فكيف نوفق بين هذا وبين قول المقدسي " والغالب على أهل صقلية أصحاب أبي حنيفة " (٥) ؟ إذا عرفت ان المقدسي كتب كتابه بعد قيام الدعوة الفاطمية في إفريقية قدرنا ان يكون المذهب المالكي قد انهزم أمام هذه الدعوة في صقلية كما انهزم في إفريقية. ولكن لم يقبل الناس هنالك على مذهب أبي حنيفة ولا يأخذون بالمذهب الفاطمي؟ ربما كان في صقلية أقلية من اتباع أبي حنيفة فلما هزم المذهب المالكي ظهروا على غيرهم وربما لجأ المالكيون إلى مذهب أبي حنيفة فرارا من ترك السنة لان بني أبي عبيد كانوا متسامحين مع الأحناف متشددين مع المالكية..

стр. 88

وكان من المقاومة العنيفة التي واجه بها المالكية بني عبيد، ثم اخفق ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد التي كانت تعبيراً عن نقمة الفقهاء المالكيين على العبيدين؟ كان من ذلك ان هاجر كثير من الإفريقيين إلى صقلية لينجوا بأنفسهم من الاضطهاد المذهبي. غير ان بلاط صقلية؟ وصاحبة فاطمي الهوى؟ كان يؤوى الفقهاء الذين يميلون إلى بني عبيد أو الذين لا يقفون منهم موقف المتشددين، لأن من كان متساهلا من الفقهاء في نظرته إلى العبيديين، لم يكن يقدره علماء القيروان المتشددون؟ كرهوا أبا إسحاق التونسي لأنه لم يفت بكفر من يقول بتفضيل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة (١) ، وكرهوا البرادعي (خلف بن أبي القاسم الأزدي) لأنه كان يصحب سلاطين القيروان ولأنه؟ فيما يقال؟ تمثل في بعض كتبه مشيراً إلى العبيديين: أولئك قوم إن بنوا احسنوا البنا ... وإن وعدوا أوفوا وان عقدوا شدوا فأفتوا بطرح كتبه (٢) فلما نبت به القيروان خرج إلى صقلية وقصد أميرها فحصلت له عنده مكانة؟ وهذا دليل على ترحيب البلاط الصقلي بمن كان يسالم المذهب والسياسة الفاطمية؟ وفي صقلية ألف البرادعي كتبه مثل كتاب التهذيب في اختصار المدونة وغيره. وطارت كتبه بصقلية حتى لقد قيل ان المناظرة في جميع بلدانها كانت بكتابة المسمى بالتهذيب (٣) . وواضح من مقدمة هذا الكتاب انه ألفه تسهيلا على الطلبة في دروس الفقه إذ يقول هنالك: " هذا كتاب قصدت فيه إلى تهذيب مسائل المدونة والمختلطة خاصة دون غيرها، إذ هي أشرف ما ألف في الفقه من الدواوين، واعتمدت فيها على الإيجاز والاختصار، دون البسط والانتشار، ليكون ذلك ادعى لنشاط الدارس،

стр. 89

وأسرع لفهمه وعدة لتذكرته ... وجعلت مسائلها على التوالي حسبما هي في الأمهات، إلا شيئاً يسيراً قدمته أو أخرته، واستقصيت مسائل كل كتاب فيه، خلا ما تكرر من مسائله أو ذكر منها في غيره، فإني تركته مع الرسوم وكثير من الآثار كراهية التطويل " (١) وقد فرغ البرادعي من كتابه هذا سنة ٣٧٢هـ، وفي مقدمته؟ التي اقتبست منها ألفاً؟ ما يشير إلى ان الطريقة المدرسية في تلخيص المطولات كانت قد أخذت تجد طريقها إلى حلقات العلم بصقلية، وهي طريقة فيها شيء من الخطر يشبه من الناحية الأخرى كثيرة التعلق بالشروح والحواشي. وليس للبرادعي في " التهذيب " رأي ذاتي ومع ذلك فقد استدرك عليه عبد الحق الصقلي فيما وهم فيه على المدونة مع أن البرادعي صرح في مقدمة كتابه بأنه صحح روايته على أبي محمد بن أبي زيد (٢) . ولم يتكون لصقلية مدرسة فقهية من أبنائها إلا في أواخر القرن الرابع حين نجد أمثال الحصائري أبي بكر الصقلي الفرضي الذي كان عليه اعتماد الطلبة الصقليين في دراسة الفرائض، وأبي بكر بن العباس الفقيه الذي كان يشتغل بالتدريس، وكل هؤلاء استمدوا ثقافتهم من أساتذة غرباء في صقلية أو غيرها ثم كان لهم الفضل في تخريج اكبر فقهاء صقلية ومحدثيها في القرن الخامس فمن تلامذتهم ابن يونس، وعبد الحق الصقلي والسمنطاري. وعلى يد هؤلاء تخرج متأخرو الفقهاء الصقليين الذين أدركهم الفتح النورماني ومنهم من بقى في صقلية كابن الحكار الصقلي وابن مفرج وابن الكلاعي وابن القابلة (٣) ومنهم من غادرها عند الفتح كأبي الحذاء القيسي الصقلي وأبي البهاء عبد الكريم بن عبد الله بن محمد المقرئ وأبي القاسم السرقوسي (٤) .

стр. 90

ومع امتياز طبقة ابن يونس، وعبد الحق والسمنطاري في الشهرة التي كسبوها خارج حدود صقلية، لا نجد لهم تميزاً بدراسة معينة فكلهم يحومون حول المدونة في الفقه وحول الموطأ في الحديث. فتناول ابن يونس الفرضي المدونة وأضاف إليها غيرها من الأمهات وجعل منذ ذلك كتاباً كان عليه اعتماد طلبة العلوم للمذكراة حتى لقد انتقل الكتاب إلى المغرب وانتسخ في سبتة (١) وهذا أول مثل على كتاب تصدره صقلية إلى الخارج. وبعد ان تفقه عبد الحق بالشيوخ القرويين، وحج أول مرة، والتقى بالقاضي عبد الوهاب المالكي وأبي ذر الهروي؟ بعد ذلك عاد إلى صقلية يتناول المدونة يدرسها ويؤلف الكتب حولها فألف كتاب " النكت والفروق لمسائل المدونة "؟ وهو من أول ما ألف؟ واشتهر الكتاب وأقبل عليه الطلبة (٢) ثم ندم على تأليفه هذا وتغيرت نظرته إليه، فتولاه بالتغيير ورجع عن كثير من اختياراته وتعليلاته، وكان يقول لو قدرت على جمعه وإخفائه لفعلت (٣) . وألف كتاب تهذيب الطالب واستدرك على تهذيب البرادعي للمدونة، وكتب جزءاً في بسط ألفاظ المدونة. وبسببه أقبل الناس على كتاب " التقريب " وهو اختصار للمدونة. ومع ذلك فان عبد الحق اكبر فقيه صقلي أحرز شهرة في وطنه وفي خارجه حتى انه لما حج حجته الثانية سنة ٥٤٠ هـ ولقي بمكة الجويني أعجب به إمام الحرمين وكان يجله ويعترف بفضله - كما اعجب به عبد الحق؟ وكان جويني يخاطبه ف يكتبه إليه بالشيخ الأوحد والشيخ الجليل إذ تبودلت الرسائل بينهما وهما في مكة، ومن العجيب ان يتبادلا هذه الرسائل وهما في بلد واحد، ولكن يظهر ان عبد الحق أراد أن يثبت أجوبة الجويني في كتاب ينشره على الناس، وتدور الأسئلة التي تقدم بها عبد الحق على عدة موضوعات فقهية وكلامية فقد سأله مثلاً عن اعتقاد بعض العوام أن الله سبحانه كالأجسام

стр. 91

العظيمة التي تعظم بكثرة الأجزاء، وعن ذهول العوام عن وجه الدلالة على صدق الأنبياء هل يضربهم، وثمة أسئلة عن الجوهر والعرض وعن الكرامات وما يصح منها وما لا يصح، وهل يجوز ازدياد الطعام كرامة للولي مع منع انقلاب الدجلة ذهباً، وأسئلة عن المنجمين، وعن معنى تمثل جبريل للنبي ﵇ في صورة دحية الكلبي وهل تنفصل أجزاء ثم تعاد أثناء هذا التمثل أم تصير بعض الأجزاء على صفة رجل وتبقى الأجزاء الأخرى (١) . ونحن نتساءل هل كانت هذه المسائل تدور في رؤس الفقهاء ودارسي الفقه بصقلية أو أنها صورة مما كان يعتلج في نفس عبد الحق وحده؟ والى أي حد تمثل أسئلته عن الكرامات وعن التنجيم جوانب من الحياة العقلية في بلده؟ وهل كان الناس مهتمين حقاً بالاطلاع على أمور تتعلق بالصفات وثبوت النبوات؟ وهي أسئلة لا يمكن ان نقطع فيها بالقول الفصل. وعن طريق عبد الحق امتد اثر صقلية إلى خارج فقد درس في صقلية والقيروان ومكة والإسكندرية؟ درس عليه في القيروان ابن الخياط (٢) ومحمد بن نعمة الأسدي (٣) ولقيه بمكة ابن قطري الزبيدي (٤) وعبد الرحمن بن المعافري (٥) ودخل أثره الأندلس لأن بعض تلامذته هاجر إليها كثابت الفقيه الصقلي (٦) وكان من تلامذته في صقلية نفسها طلبة أندلسيون كما كان فيمن لقيه أثناء رحلاته جماعة من الأندلسيين أيضا كابن أبي الدنيا القرطبي (٧) الذي صحبه بمكة ومصر واخذ عنه كثيراً وابن الحصار (٨) الذي درس عليه في صقلية نفسها،

стр. 92

وأبي عبد الله الميورقي الذي صحبه في رحلته الثانية واخذ عنه تواليفه (١) . وليس لدنيا من مؤلفات عبد الحق ما يجلي لنا أثره الصحيح في الفقه، ولعله كان متشددا في أحكامه وفتاواه والمثال الوحيد الذي نملكه على ذلك إفتاؤه بعدم جواز الصلاة خلف من يظهر في قراءته النون الخفيفة او التنوين عند الياء والواو وعد هذا من اللحن، قياساً على من يتكلم في الصلاة متعمداً (٢) . أما الثالث المشهورين وهو عتيق السمنطاري فقد انصرف إلى تدريس الحديث وتلقى ثقافته على الفرضى والحصائري بصقلية، وسكن بلرم، أي أنه هجر قريته سمنطار ولزم حلقات الدرس في المدينة. وكانت له رحلة زار فيها الحجاز فحج وساح في البلدان من أرض اليمن والشام إلى أرض فارس وخرسان، ولقي بها من العباد وأصحاب الحديث والزهاد فكتب عنهم جميع ما سمع وصنف كل ما جمع (٣) ، وكان للسمنطاري نشاط واسع في التصوف - سنتحدث عنه في حينه؟ كما أنه ألف في الفقه تآليف وصفت بأنها في غاية الترتيب والبيان (٤) . وقام السمنطاري على الموطأ وإفراغ له كثيرا من جهده كما دأب عبد الحق على المدونة. وظل عتيق يدرس الحديث في صقلية حتى سقطت في يد النورمان. ويحدثنا أحد تلامذته انه رآه ببلرم ووصفه بأنه كان مستجاب الدعوة فعندما قوى دوقه (٥) الإفرنجي على الجزيرة وأهلها قال: اللهم انك قضيت على المسلمين بما قضيت فان تمت ولايته فسخره لهم. فلما ملكها صار عليهم أحن من الوالد على الولد (٦) . وفي سنة ٤٦٤هـ؟ توفي السمنطاري، وهاجر بعض تلامذته من صقلية ووصل مصر منهم ابن الحذاء القيسي الصقلي وعبد الكريم

стр. 93

بن عبد الله بن محمد المقرئ الواعظ (١) . وظل الفقه بعد هؤلاء الأعلام، يدور حول المدونة ومختصراتها، حتى إن ابن الحكار الصقلي شرحها بتفصيل في نحو ثلاثمائة جزء (٢) ، وذكر من حضر مجالسه انه كان ينظر بالبرادعي ويتكلم عليه كلاماً دقيقاً (٣) . ثم جاء ابن فروج الصقلي (أو ابن مفرج) فأعاد النظر في تمهيد البرادعي ورتبه على نسق المدونة (٤) . وفي غضون هذا العصر اعتنق كثير من المالكية مذهب الأشعري في تأييد السنة فكانوا حرباً على الاعتزال كما كانوا متشددين في التمسك بحرفية مذهب أبي الحسن، ويقول السبكي (والأشاعرة ولا سيما المغاربة منهم كانوا يستصعبون الخروج عن حرفية ما رسمه الأشعري ولا يرون مخالفة أبي الحسن في نقير ولا قطمير (٥) . وقد التقى ابن حوقل في صقلية بمن يكره أهل العراق ويسميهم مرجئة لتركهم القطع على أهل الكبائر بالخلود، ومن يرى المعتزلة فرقة ضالة ويكفر أهلها (٦) . ولكن هذا لا يعني ان الجزيرة خلت من الاعتزال والتشيع ومذهب الخوارج وغير هذه من مذاهب. وكيف تخلو وسكانها أصلهم من أفريقية وقد كانت المذاهب في إفريقية متنوعة، فالتشيع في كتامة ومذهبا الاباضية والراسبية منتشران في قسطيلية وقفصة ونفطة والحامة، والاعتزال في مزاتة وزناتة من قبائل البربر على مذهب واصل بن عطاء، وفي السوس شيعة ومالية وبينهم القتال المتصل والدماء الدائمة (٧) . ولا بد أن القائلين بالاعتزال

стр. 94

في صقلية قد أظهروا رءوسهم عند قيام الدعوة الفاطمية كما تقوت نفوس المتشيعين. ويكاد ما تقدم من بحث يكون قاصراً على الفقه دون غيره من الدراسات كالحديث والتفسير والقراءات لأن المعلومات التي بين أيدينا عن هذه الفروع لا تعدو النتف، وهي لا تطلعنا على شيء مهما جهدنا في تتبعها واستقصائها فقد يقال لنا مثلا أن عمار بن منصور الكلبي كان ذا يد في الفقه والحديث (١) وأن ابن مكي كان فقيهاً محدثاً (٢) أو ما هو من هذا القبيل. ولكن مثل هذه الأخبار لا تستند البحث بشيء ذي بال. وكل ما هو واضح لدينا أن دراسة الحديث كانت تدور؟ إبان ازدهار الدراسات الدينية؟ حول الموطأ أو ملخصات منه، وأن عبد الحق الصقلي والسمنطاري من أكبر من قاموا بهذه الدراسة في عصر واحد. ومن الطريف أن أحد تلامذة السمنطاري روى في مصر حديثاً رواه فيها تلميذ آخر من تلامذة عبد الحق (٣) . وقد عقد ابن مكي في كتاب تثقيف اللسان فصلا في أغلاط المحدثين (٤) وهو فصل لا يدل على نشاط متميز بخصائص معينة، ولكن له دلالة أبعد، ففيه إشارة إلى أن علماء صقلية كانوا يتحرزون من الخطأ اللغوي في الحديث،وربما لم يكونوا يجيزونه إطلاقاً. فابن مكي لم يكن لغوياً فحسب، ولكنه كان فقيها محدثاً، وتعقبه لأخطاء الباحثين لا يميله عليه الحس اللغوي وحده، وإنما يبعث عليه أيضاً مبدأه الفقهي، وابن مكي أيضاً ممن سمع عبد الحق وتتلمذ له. وإذا كنا نعرف هذا القدر الضئيل عن الحديث والمحدثين، فنحن في

стр. 95

الواقع نجهل كل شيء عن التفسير والمفسرين، لأن المصادر لا تذكر شيئاً من ذلك خلا مرة واحدة جاء فيها ان محمد بن عبد الله المقرئ من أهل صقلية المقيمين بها، كان من أهل القران والتفسير (١) . وربما لم يكن حظنا من المعلومات عن القراءات بأحسن كثيرا من حظنا فيما نعرفه عن الحديث ولكنه على أي حال خير من معلوماتنا عن التفسير. ونستطيع ان نطمئن إلى هذه الدراسات تكاد تكون من نصيب كل دارس للعلوم الإسلامية فالفقيه محدث مقرئ فرضى أصولى، والمقرئ لغوي نحوي محدث وهكذا. وإذا اتخذنا القيروان مثالا لصقلية استطعنا ان نحكم بان قراءة نافع هي التي كانت شائعة فيها فمنذ ان حل محمد بن عمر خيرون المعافري الأندلسي مدينة القيروان، وكان إماماً في هذه القراءة اخذ يقرئ الناس بها في مسجد هنالك عرف باسمه، وكان يأخذ أخذاً شديداً على مذهب المشيخة من أصحاب ورش، وقد روى القراءة عنه عامة أهل القيروان وسائر المغرب (٢) . ونستطيع ان نلمس اثر مصر في توجيه للقراءات بصقلية، حقاً ربما كان المعافري الأندلسي ذا أثر في هذه الناحية ولكنا نرى محمد بن خراسان (توفي ٣٨٦) - وأبوه مولى بني الأغلب؟ يطلب العلم بمصر ويجمع إلى النحو معرفة بالقراءة ويتصدر للإقراء والحديث في صقلية، ومنه سمع بها يوسف بن أبي حبيب بن محمد وأبو الحسن غيلان ابن تميم الفزاري (٣) . وفي عصر عبد الحق والسمنطاري كثر أهل القراءات في صقلية من الصقليين والغرباء، فكان من الصقليين عبد الله بن فرح المديني ومحمد بن إبراهيم الشامي المديني ومحمد بن علي الأزادي بن بنت العروق ومحمد بن عبد الله القتال (القناد؟) وهؤلاء جميعاً هم " شيوخ المدينة بصقلية والمقدمون

стр. 96

للإقراء (١) " وكان يشاركهم جماعة من الوافدين فيهم أحمد بن محمد بن عباد الأشبيلي وأبو عبيد الله بن جمهير (٢) ولعل أشهر المقرئين الصقليين في صقلية نفسها هو ابن بنت العروق الذي درس علية ابن الحصار القرطبي ثم تصدر بعد ما أحسن القراءة للإقراء بالمسجد الجامع بقرطبة (٣) . غير ان اعظم ما قدمته صقلية في فرع القراءات لم يتم في صقلية نفسها وإنما تم خارجها، مما سأشير إليه في فصل آخر. ٥ - النواحي اللغوية لعل الحياة التعليمية التي وصفناها كانت خير مجال للدراسة النحوية واللغوية منذ قر المسلمون على ارض الجزيرة. ولكن اللحن كان قوام الكلام في الحياة اليومية، فأصبح عمل المكاتب وحلقات الدروس ضبط الألسنة عن الخطأ في كتاب الله وحديث الرسول وعند قراءة الكتب وإلقاء الخطب. وعجزت في هذا أيضاً، فأما المتحرزون المتدينون فتعففوا عن رواية الحديث لئلا يقعوا في الخطأ (٤) وأما من لم تقو في نفسه الدوافع لذلك فاندفع يكتب أو يخطب غير ملق بالا إلى ما يقع في كلامه من أخطاء. وقد شهد ابن حوقل خطيباً في بلرم في يوم جمعة وسمعه يجزم الأسماء مع الصلة ويجر الأفعال من أول خطبته إلى آخرها، ولم يكن في الناس من يعترض عليه مع انه خطبهم نحو حولين (٥) . وقد

стр. 97

تطور أمر هذا اللحن وتعدى دائرة الحديث اليومي ودروش الوعظ وخطبة الجمعة، وامتد إلى الكتابة والتدوين، واصبح التصحيف في (المشهور من الحديث النبي صلي الله عليه وسلم، واللحن في الواضح المتداول منه، وتعمد الوقف في مواضع لا يجوز الوقوف عليها من كتاب الله وتغيير أشعار العرب وتصحيفها، وتصنيف كتب الفقه وغيرها، ملحونة تقرأ كذلك فلا يؤبه إلى لحنها، ولا يفطن إلى غلطها " (١) . وقد ذكر لنا صاحب تثقيف اللسان أمثلة من أغلاط سمعها أو قراها قال " ولقد وقفت على كتاب بخط رجل من خاصة الناس وأفاضلهم يقول احب أن تشهد لي في كذا وكذا بالشين يريد تجتهد، ورأيت في آخر أكبر منه أعلى منزلة بيت شعر على ظهر كتاب وهو قول الشاعر: زوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر كتبه للأصفار بالصاد. . وكتب إلى آخر من أهل العلم رقعة فيها " وقد عزمت على الإتيان إليك " بزيادة ياء. وشهدت يوماً رجلا قبله تخصص وفقه وحفظ للأخبار والأشعار، وقد سمع كلاماً فيه ذكر الشدق فلما سمعه بالدال غير معجمة أنكر وتعجب من أن يجوز ذلك؟ وليس يجوز سواه (٢) . ويتضح في كتاب ابن مكي هذا ان صقلية كانت إلى عصره قد انفردت بلهجة ميزتها عن المشرق والأندلس، قال: " ألا ترى أن أهل المشرق يقولون النسيان وآمين عند الدعاء بالتشديد وأخذت للأمر هبته، وليس في بلدنا أحد يقول إلا النسيان وآمين بالتخفيف وأخذت للأمر اهبته، ومثل ذلك كثير مما ذكره علماؤهم وأخذوه عليهم وقد يغلطون فيما لا يلفظ به أهل بلدنا، ولا سمعوا به قط، مثل قولهم فاقرة في الفاقورة وعنب ملا حي وهو مخفف اللام وقارورة في القاريه وتوقر وتحمد في توقر وتحمد، في أشباه لذلك كثيرة

стр. 98

فيما ملأوا به كتبهم، فإذا قرأه من لا يعرفه ولا يستعمله لم يستنفع به كبير منفعة، وكان معرفة ما يستعمله ويغلط فيه أولى به، أعود بالفائدة عليه، وكذلك غلط أهل الأندلس ربما وافق غلط أهل بلدنا وربما خالفه حكى الزبيدي انهم يقولون في التين تين وفي النوتى نوتى وفي القبيط قبيد ومثل ذلك كثير مما لا غلط عندنا فيه ولا حاجة بنا إلى التنبيه عليه (١) ". ومن ميزات هذه اللهجة انهم كانوا يقولون " تار " واخذ بتارى، ودخرا لك، ويقولون سكينة وعروسة، ويستعمل العامة منهم لفظة حلوة والخاصة لفظة حلاوة بدلا من حلوى ويقولون عنكوبة وشفة (٢) بضم أولها وتشديد ثانيهما إلى غير ذلك من ألفاظ تثبت لصقلية تميزاً بلهجة معينة. وظل هذا اللحن ينمو ويبسط ظله على اللغة حتى إذا بلغنا العصر النورماني وجدناه يظهر في الشعر، فقد حدثنا العماد انه وجدد في شعر الغاون الصقلي أحد شعراء ذلك العصر لحناً كثيراً، وربما لو روى لنا شغلا كثير من هذا العصر على حقيقته لكنا وجدنا للغاون هذا متشابه بين الشعراء الآخرين (٣) . واكبر الظن أن مكاتب المعلمين وحلق المدرسين أحست إحساسا خفياً بإخفاقها أمام تيار الحياة، فأخذت تلتوي على نفسها وتجر غذائها نسيت واجبها الأول، فسارت بالنحو إلى مرحلة الألغاز والأحاجي كالذي نجده في مثل قول ابن الدباغ الصقلي (٤) : إن هند المليحة الحسناء ... وأي من أضمرت لخل الوفاء وليس من الغريب الشاذ ان لا نجد لهؤلاء النحاة كتابا أو تعليقة إذ كان أكثرهم من أرباب المكاتب. وهب أن أولئك النحويين ألفوا كتباً وقاموا

стр. 99

بتعاليق وشروح، فالذي حدث أن هذه كلها فقدت ولم يصلنا منها شئ. وليس الأمر كذلك في اللغة فقد اشهر فيها علماء أعلام امتدت شهرتهم إلى غير بلدهم كما اجتذبت صقلية إليها فريقاً من مشاهير اللغويين درسوا فيها وأفادوا فمن هؤلاء راوية المتنبي الذي تقدمت الإشارة إليه ومنهم موسى ابن اصبغ المرادي القرطبي الذي طلب علم اللغة في المشرق، ودخل العراق، ولقى ابن دريد، ثم اتخذ صقلية وطناً له، وفيها نظم " المبتدا " في ثمانية آلاف بيت (١) ومن هؤلاء أيضاً صاعد اللغوي فقد اختل حالة بالأندلس وعجز عن ستر ولده وأهله واستأذن الخليفة بالانطلاق عن الأندلس فلم يأذن له خوفاً من أن يهجوه، فخرج مستخفياً سنة ٤٠٣هـ واتصل بصاحب صقلية وفارق البؤس وراجع النعمة ثم عاد إلى الأندلس ثم انكفا إلى صقلية، ومات بها سنة ٤١٠هـ؟ (٢) ومن اتصاله بصاحب صقلية نعرف أنه قادم بمدينة بلرم، ولكنا لا نستطيع أن نعرف مدى تأثيره في الدراسات اللغوية أثناء مقامة هنالك. فإذا ذهبنا نبحث عن جهود صقلية نفسها وجدنا نهضتها اللغوية تعاصر نشاطها في الفقه وألفينا مدرسة ابن البر اللغوي تظهر جانب مدرسة عبد الحق والسمنطاري في الفقه والحديث. إلا أن ابن البر أسس مدرسة في مازر، ثم انتقل إلى بلرم، بينما لم يبارح عبد الحق والسمنط بلرم إلى بلد آخر من صقلية. وفي المدرسة اللغوية تخرج ابن القطاع وأبو العرب وعمر بن خلف بن مكي الصقلي ومن ثم كانت مدرسة واضحة المعالم لأننا نعرف أصحابها بأعيانهم وببعض آثارهم ونستطيع ان نتصور مبلغ نشاطهم وخطوط اتجاهاتهم. وقد ضم ابن رشيق جهوده إلى جهود هذه المدرسة وقوى فيها الناحية الأدبية النقدية.

стр. 100

أما شيخ هذه المدرسة فهو محمد بن علي بن الحسين بن البر التميمي الغوثي، ولد بصقلية ثم رحل عنها في طلب العلم إلى المشرق، وكان اكثر عنايته موجها إلى دراسة اللغة، فدرسها على جماعة من اللغويين منهم النجيرمي وأبو سهم محمد بن علي الهروي اللغوي، وصالح بن رشدين وعلى هذا الأخير سمع شعر ابي الطيب المتنبي سنة ٤١٣هـ؟ (١) . وواضح أنه استفاد اكثر معرفته اللغوية في مصر حتى اصبح أحد الأئمة في علم العربية واللغة والآداب وجمع إلى ذلك جودة الضبط وحسن الخط، وشهد له مترجموه بان كل ما وجد له من تقييد في غاية الإفادة والإمتاع، وفي سنة ٤٠٥هـ اتفق مع أبي طاهر التجيبي البرقة ان يغادروا مصر معاً من الإسكندرية إلى المغرب قال التجيبي " واتفق له بعد مفارقتي ان صحب فتيانا من أهل القيروان فالفهم واثر صحبتهم، وقد أقلعنا من الإسكندرية في يوم واحد بريح طيبة وتغيرت من بعد (٢) ... وفي نهاية الرحلة عادا فالتقيا بالمهدية ". ولما عاد إلى صقلية اختار مازر مقاماً، واتصل بصاحبها ابن منكود، فقربه واكرمه، وفي مازر ورد عليه الطلاب يدرسون اللغة ويحدثنا أندلسي من الراحلين إليه في طلب العلم انه حضر إلى مازر ليدرس عليه فصادف في ذلك الوقت ان علم ابن منكود بان ابن البر يشرب الخمر فتأثر من ذلك وأرسل إليه من يقول له " إننا إنما أردناك لعلمك ودينك واردنا منك الصيانة وإذا كان ولابد من شرب الخمر فهذا النوع ببلرم وربما يعز وجوده هنا " (٣) وخجل ابن البر من هذا القول وأحس أن مازر تضيق به وتتبرم بوجوده، فأرتحل عنها إلى بلرم، وهناك أخذ يدرس اللغة. والظن أن تلميذه علي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطاع درس عليه فيها، وكذلك فعل أبو العرب

стр. 101

الصقلي الشاعر ومحمد بن سابق الصقلي الملقب بالجزيري؟ نسبة إلى جزيرة شقر. هؤلاء هم اشهر تلامذته الصلقيين، ودرس عليه من غير صقلية أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر القصيري وأبو محمد عبد الله بن إبراهيم الصيرفي وأبو الطيب عبد المنعم بن من الله القروي المعروف بابن الكماد (١) . وقد سمع عليه الصيرفي شعر أبي الطيب في شهر ربيع الأول سنة ٤٥٩ وسمع عليه أبو العرب الصقلي كتاب أدب الكتاب لابن قتيبة وعن أبي العرب روى الكتاب بالأندلس إذ درسه في أواخر حياته حين مقامه بطرطوشة (٢) . وقبيل سقوط بلرم ارتحل ابن البر إلى الأندلس فدخلها سنة ٤٦٠هـ؟ (٣) . وقبل ان يتفرق تلامذة ابن البر في الأمصار، ويهاجر أستاذهم من بلرم، ألف تلميذه أبن مكي كتابه " تثقيف اللسان " ولولا هذا الكتاب لما استطعنا أن نحكم بوجود علاقة بين ابن البر وابن مكي إذ يقول المؤلف في مقدمة كتابه " وعرضت جميع ذلك على الإمام الأوحد العلم المفرد أبي بكر محمد بن علي بن الحسين بن البر التميمي؟ أيده الله - فاثبت ما عرفه وارتضاه، ومحوت ما أنكره وأباه، لأزول من مواقف الاستهداف، وأربح نفسي من عهده التغليط، وأقطع لسان كل حاسد، وأفل غرب كل مكابر ومعاند " (٤) . فلابد البر رأى في هذا المتاب، ولابن مكي علاقة به ولابد أن نفترض وجود هذه العلاقة قبل سنة ٤٦٠هـ؟، لأن ابن البر غادر صقلية في هذا العام، وفيه أو بعيدة ارتحل ابن مكي إلى تونس حيث تسلم الخطابة فيها، وكان كما يذكر من ترجم له بليغاً في خطبه حتى إنها لم تكن تقصر عن خطب ابن نباته (٥) .

стр. 102

إذن فكتاب تثقيف اللسان الذي عنينا به في غير موطن من هذا الفصل أصدق نتاج لصقلية بعامة، ولمدرستها اللغوية بخاصة، كما انه - في بابه - خير اثر صقلي قاوم الفناء لنتصور منه كثيراً من جوانب الحياة اللغوية في تلك الجزيرة. ويقول لنا مؤلفه إنه كتبه استجابة لرغبة سائل سأله أن يجمع له مما يصحفه في الفاظهم، وما يغلط فيه أهل الفقه، فلما انتهى من الكلام في التصحيف خطر له أن يضم إليه غيره قال: " فأضفت إلى ذلك غيره من الأغاليط التي سمعتها من الناس على اختلاف طبقاتهم من ما لا يوجد في كتب المتقدمين التنبيه على أكثره، لأن كل من ألف كتاباً في هذا المعنى فإنما نبه على غلط أهل عصره وبلده، وأهل البلدان مختلفون في أغاليظهم.. إلخ " (١) . فليس لدينا ما هو أصدق من هذا الكتاب تعبيراً عن الشعور باستقلال صقلية في طابعها اللغوي، في كل ما خلفه الصقليون، وربما ابتز منا هذا الثناء لأنه رمز لوعي قومي في نفس مؤلفه، ودليل على معاناته تجربة للرصد والتحري والإصغاء لما يقرأ ويسمع، وربما استحق احبه تقديرنا لخضوعه للإشراف العلمي الصحيح، وأخذه بتوجيه أستاذه. وبعد أن جمع المؤلف أغلاطاً سمعها من الأفواه في بلده، قسم كتابه إلى خمسين باباً تحدث فيها عن التصحيف والتبديل والزيادة في الأسماء والنقص فيها، والزيادة في الأفعال والنقص فيها، وتأنيث ما هو مذكر وتذكير ما هو مؤنث.. إلخ وتحدث عن الأغلاط التي يقع فيها العامة والخاصة معاً، وعما يصيب فيه فريق دون آخر، وقدم لنا فصولا ممتعة عن أخطاء القراء وأهل الحديث والفقه والوثائق والطب والسماع، وفي هذه الفصول خاصة استطعنا أن نستشف بعض معالم الحياة العقلية بصقلية في صحفه الخطأ اللغوي. والنتيجة التي ننهي إيها في هذا البحث أن لغة التأليف لم تكن سليمة

стр. 103

- إلى جانبه لغة الكلام - أو أنها على الأقل لم تكن ترضي أهل اللغة القائمين بالمحافظة عليها. والفقهاء على وجه الخصوص هم الواقعون تحت تهمة التهاون في لغتهم، وهي تهمة ترجع إلى ما قبل هذا العصر إذ نراها عند ابن فارس (١) وأبي حيان التوحيدي (٢) قبل ذلك. وهذه مشكلة تواجه الصحة في التعبير قبل أن تواجه الجمال فيه، وربما استطعنا أن نلتمس شيئاً منها فيما كتبه ابن حوقل، فقد حاول أن يسخر من الصقليين في بلاغتهم وتندر على رجل رآه في المسجد الجامع ببلرم وفي يده قصة مهر، وهو مقبل على قراءتها وكلما مر له فصل داوم على تقريظه لحسن ما تأتي له من المعاني الجيدة والشروط البديعة واستيفاء أسباب البلاغة (٣) . ومعنى هذا الخبر أن كتاب العهود والوثائق كانوا قد تطاولوا إلى مقام أهل الكتابة الفنية، وهو قلب للأوضاع، لأن البلاغة ليست عنصراً من العناصر التي لابد أن تستوفيها أوراق العقود وتعابير الشروط. ومن هذا نرى أن صحة التعبير التي كانت لازمة لأصحاب الوثائق، قد أهدرت وحاول القائمون عليها أن يمسحوها بمسحة من جمال ليخفوا قبح الخطأ فيما يكتبون. كان هؤلاء الوثائقيون طائفة مهمة في الحياة اليومية وكان الواحد منهم يسمى فلاناً الوثائقي، وكانت صناعتهم قد اتخذت لها أصولا، وكتبت فيها الكتب، وربما كان معلمهم فيها ابن الهندي القرطي الذي كان بصيراً بعقد الوثائق، فألف فيها ديواناً كبيراً وشحنه بالخبر والحكم والأمثال والنوادر والشعر والفوائد والحجج ليضمن لأصحاب الصناعة شيئاً من خلابة البيان، واخترع في علم الوثائق فنوناً وألفاظاً وفصولا وأصولا وعقداً عجيبة (٤) ، ولا

стр. 104

نستبعد أن يكون الوثائقيون في صقلية قد انتفعوا بهذا الكتاب وباصطلاحاته وأصوله، كما لا نستبعد أيضاً أن يكون فيهم من ألف في الوثائق كتباً تهدي المبتدئين إلى ما يريدون معرفته من هذا الفن. ولكن اللغة تقلبت على أسنة أقلامهم حتى كادت تكون عامية، ومرجعنا في تصور هذه الناحية كتاب تثقيف اللسان (١) . ٦ - الزهد والتصوف منذ أن توجه المسلمون لفتح صقلية ظهر فيهم ميل إلى الجهاد مصحوب بميل آخر إلى المرابطة والعبادة. ومن اجل ذلك بني رباط على الساحل الأفريقي التجأ إليه الزهاد والصالحون ليطمئنوا إلى الهدوء في تحنفهم، وليطمئنوا على وطنهم من الغارات الخارجية. وظل هؤلاء يحملون سلاحين أحدهما من الحديد والثاني من الدعوات حتى جاء المهدي فنوع الأول من أيديهم وبقي الثاني يدافعون به عن فرديتهم ويلوحون بع فوق رءوس أعدائهم. وفي وقت قصير أصبحت صقلية كلها رباطاً يستدعي اليقظة في الهجوم والدفاع وعاد النوعان من الميل يظهران في نفوس الناس، ففريق من الصالحين آثر الحرب والجندية، وفريق قنع بالانفراد والانقطاع عن الدنيا. وبين هذين كان فريق ثالث وجده ابن حوقل في طبقات المعلمين إذ لجأوا إلى التعليم فراراً من الجندية. وإلى الفريق المتقشف المتقلل من متاع الدنيا تنتمي تلك الطبقة من القضاة الأولين الذين دخلوا صقلية، مثل ابن أبي محرز وعمرو بن ميمون، ومنه أيضاُ بعض زهاد صقليين في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع، أوضحهم شخصية

стр. 105

أبو الحسن الصقلي الحريري الذي قضى عمره صامتاً لا ينطبق إلا بذكر الله تعالى أو بما يعنيه، فإذا أقيمت الصلاة تأوه واجبر نفسه وتواجد وقال: " واذهاب عمري في خسارة " (١) . وحين حاول الصقليون أن يفلسفوا الزهد أقاموا التصوف على الحياة الواقعية وعلى السلامة الفقهية المذهبية، وعلى اللباذ بعالم الأساطير والكرامات وبذلك اجتمع في التصوف في نشأته لمؤثرين قويين أضعفهما الاتصال بالمشرق عن طريق الحج إلى مكة ومشاهدة الصقليين للعباد المنقطعين حول البيت. أما المؤثر فهو الحياة الاجتماعية نفسها لأنا نحس أنه لازم نشأة التصوف الشعور بتغير الأحوال وسيرها من سيئ إلى أسوأ، والاستدلال بفساد الظاهر على فساد الباطن، وعدم اقتران العلم بالعمل، وطلب بعض الناس للدنيا بطريق الزهادة والنسك، فكان التصوف في واقعة ثورة نفسية على سوء الحال، ومحاولة لإصلاح الباطن في الفرد، من أجل أن تصلح الجماعة. وكان في التصوف المشرقي رد على سطحية الفقهاء، أما في صقلية فإنه اقترن بالفقه ولم ينفصل عنه فكان المتصوفة فقهاء بنوا آراءهم في التصرف على أصول فقهية، واشتهوا الوعاظ لتعلقهم بالقصص والأساطير، وجعلوا حديث الكرامات مادة مجالسهم. وكان الخضر وشعيب أهم شخصيتين في تلك الأحاديث. وربما كان عبد الرحيم الصقلي من أوائل من ألفوا في التصوف على هذه الطريقة إذ ذهب إلى القول بخرق العادات، فتصدى له الفقهية أبو محمد بن أبي زيد ونقض كتابه بتأليفه " الكشف وكتاب الاستظهار ورد كثير مما تقلده من خرق العادات على ما في كتاب شنعة المتصوفة " (٢) . وقد يبدو من هذا الخبر أن الفقه أخذ منذ البدء بمناهضة التصوف ولكن الأمر ليس كذلك فإن

стр. 106

إنكار ابن أبي زيد منصب على ناحية واحدة. ومن اقدم المتصوفة الصقليين محمد بن إبراهيم بن موسى المصري الصقلي الذي خرج إلى العراق في طلب الحديث وكان يحضر مجالس التجنيد (١) ولكن خير من يمثل التصوف الصقلي الشيخ العارف المحقق أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله البكري الصقلي " إمام الحقيقة وشيخ أهل الطريقة " (٢) فقد طلب العلم في القيروان وذهب في رحلة إلى المشرق وحج وسمع بمكة سنة ٣٥٠هـ وكان إلى جانب تصوفه محدثاً فقيها أصولياً. وألف أبو القاسم الصقلي في التصوف عدة مؤلفات منها: ١ - الأنوار في علم الأسرار ومقامات الأبرار ويسمى عادة أنوار الصقلي (٣) . ٢ - كتاب فيه الدلالة على الله تعالى. ٣ - الشرح والبيان لما شكل من كلام سهل بن عبد الله التسترى. ٤ - صفة الأولياء ومراتب أحوال الأصفياء. ٥ - كرامات الأولياء والمطيعين من الصحابة والتابعين ومن يتبعهم بإحسان. وقد حفظت الأيام كتابيه الأول والثالث وقطعه من الثاني. وهذه القطعة تشتمل على كثير من الحكايات المروية عن الصوفية وكراماتهم وكثيراً منها سمعه الشيخ الصقلي عن شيوخه، وفيها أقوال مشاهير المتصوفة، كبهلول وبشر بن الحارث وإبراهيم بن ادهم وسيفان بن عيينة وحكايات عن الحضر وشعيب، وربما كانت قطعة من كتابه الخامس مع اختلاف في التسمية. وأما كتاب الأنوار فقد بنيت قواعد التصوف فيه على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح وترك الآراء والاستحسان (٤) ولذلك تجده

стр. 107

يجعل الأصل الثاني من العلم بعد معرفة الله، معرفة دين الله من جهة الاتباع لكتابة ولسنة نبيه محمد ﷺ ، الائتساء به في أمره ونهيه وترغبيه وترهبيه وآدابه وأخلاقه، محبة بالقلب، وعملا بالجوارح (١) ونجده أيضاً يقول: " عليكم بالاتباع لما كان عليه الصدر الأول تسلموا من الحديث في الدين (٢) ويقول أيضاً (كان أخص الناس بفهم على الكتاب وشرح معرفة السنة وعمل الرسول ﵇ أهل القرن الأول؟ ثم جاء القرن الثاني فكانوا اعقل الناس وأعلمهم بعد الصحابة.. ثم جاء القرن الثالث فذهب أكثر أهل العلم وكثر الخوض والجدل والخصومة والتراد.. الخ ". ومن يسمع هذه الأقوال مجردة من الكتاب يستقر في نفسه أن الصقلي فقيه، وربما زاده اقتناعاً بهذا الرأي إذا سمع الصقلي ينص على أن الأصل الرابع من أصول العلم معرفة الدنيا وأهل الزمان، مما لابد من مباشرة مالا غناء به عنه، وما يلتزمه من الحقوق المفروضة (٣) . فأين هذا القول من الحث على العزلة والهرب من الدنيا. إن هذه الاتجاهات الدنيوية تقرب الصقلي من الفقهاء، ولكنك ما تكاد تراه في هذه الحال حتى تجده يرتفع عن الأرض وعن عالم الفقه في مثل قوله " كل وجود يظهر على الجوارح من جهة المقامات فصاحبه ضعيف معلول في الحال، وكل وجود لا يعرف المتواجد ورده من حاله الوارد عليه بتفضيل وجوده من إيجاده، فصاحبه جاهل مفتون. وهذا موضع تدليس العدو على النفس بالمغاليط، فبينما صاحبه مع الحق في ورود الحال إذ صار العدو في المداومة مع ذهاب الحال " (٤) . وتستطيع أن تجمع من عدة مواضع في الكتاب صفات تتكون مها صورة للمريد المخلص، فالمريد في رأيه لا يفلح حتى يترك ثلاثة أخلاق ويلزم ثلاثاً

стр. 108

من الأدب يترك الخب والخلابة وأعمال أهل الغباوة ويلزم العفة والتعفف وترك ما لا يعنى بالصناعة (١) . ولا بد له من الصدق فإذا تركه لم يزدد إلا طرداً وسخافة وحمقاً وأصبح لأبناء الدنيا عبداً (٢) . والمريد إذا اصل بدايته على التشوف والطمع لما في أيدي الناس لم يصح له الأخذ من يد الله تعالى، وإذا بني إرادته على مسالة غيره لم ينتقل عن دواعي نفسه (٣) . وكتاب الأنوار ستة أجزاء ولكن ليس للجزء الواحد منها موضوع مستقل فكل جزء مشتمل على أقوال متفرقة لا تجمعها وحدة موضوعية. وتغلب على اكثر الكتاب فكرة التقسيم العددي كقوله " يعرف عقل العاقل في ثلاث؟ إذا رأيت في المرء أربعاً فاعرف بها سخفه ودعواه.. ترجى الجنة لمن كانت فيه ثلاث (٤) ... العلماء ثلاثة حجة ومحجاج ومحجوج (٥) وهكذا في كثير من صفحات الكتاب ". والصقلي في كتابه مؤمن بالسير الزمني إلى ما هو أسوأ لاعتقاده أن عصر الرسول والصحابة افضل العصور وان القرون التالية تزداد سوءاً، فإذا حل القرن السابع انتهى الأمر إلى شرار الناس (٦) وفيه من هذا القبيل أمور تشبه التنبؤ بما سيكتشف عنه الزمان كقوله: " سيظهر في هذه الأمة في آخر الزمان دجالون كذابون " (٧) . وربما كان أهم ما في الكتاب من وجهة تاريخية تلك العبارات التي يستشف منها جزع الصقلي من الحياة الاجتماعية في عصره، وان كنا نتناولها منه بحذر، فهو ينتقد النساك بانهم لنما اظهروا زهدهم بالعجز عن مكاسبهم، واستعملوا

стр. 109

تواضعهم في لباسهم، وأخفوا الكبر والحرص في صدورهم (١) ، وينتقد مجالس الذكر والقران ويراها غير لازمة إن كان لا يزيد بها الإيمان وينقص الفسق (٢) ويلح كثيراً على ضرورة الربط الوثيق بين العلم والعمل (٣) ويذم في أهل عصره تآلفهم على المداهنة، وركونهم إلى الظلمة، واخذ الأجعال على قضاء الحوائج (٤) . ويقول " إذا فجر العلماء وفسق القراء وسفك السلطان الدماء واخذ على الحكم والحاجة الرشاء، وافتخرت العامة بكسب الحرام، ول يغير الخاصة منكراً، فهناك وجب الفرار ووسع المريد الصمت وكان الموت تحفة لكل مؤمن (٥) ". ونقطة هامة في الكتاب توضح لنا نظرة الصوفية إلى المرأة. فبعض الصوفية في الشرق قد حاولوا ان يبشروا بنوع من الرهبنة وعزفوا عن الزواج لأنه مشغلة. وهذه النزعة تجدها عند الصقلي ملطفة بعض الشيء، فهو يذم أهل زمانه لنهم تواطأوا على طاعة النساء، فورثهم ذلك ذهاب أموالهم في الباطل، فورثوا من ذلك ذهاب الغيرة لله ولرسوله ﵇ ولصحابة نبيه ﵃، ولأعراض المؤمنين ولحرماتهم، فما ينتظر الناس بعد هذا إذا كان موجوداً في السلطان والقاضي والعالم والخاص والعام (٦) . وهو في الجزء الرابع من كتابه يخص المرأة بأقوال كثيرة فيحذر منها وكأنك تسمع منه تحذيراً من الإقدام على الزواج حين يقول: " إذا رأيتم النساء قد اجهدن أزواجهن في أربعة فأطاعوهن فإياكم والتأهل بالحرائر فان فتنهن يومئذ عظيمة: الحرير والحلي والخروج والخمر " (٧) كذلك يرى أن سلطان الشهوة مجعول مع المرأة وأنها أقوى قوة

стр. 110

تستطيع أن تصرف العالم العارف واللبيب العاقل، ويقول: كيف يسلم دين من له زوجة لا ترحم وولد لا يعذره (١) . وفي تصوف الشيخ الصقلي إلى جانب الروح الفقهية تمسك شديد بمذهب أهل السنة وليس في كل كتابه إشارة واحدة لأهل البيت أو لعلي بن أبي طالب، يقول: " وقد اخرج الله من اليقين المحفوظ تحت العرش ثمانية مثاقيل فخص النبي بأربعة وزيد ذخيرة من الخصوصية، وأعطى أبو بكر مثقالين وزيد ذخيرة من الخصوصية، وأعطى عمر بن الخطاب مثقالا وزيد ذخيرة من الخصوصية، ثم قسم المثقال الباقي بين سائر الأمة على قدر عقولهم ". فإذا نحن خلينا الشيخ أبا القاسم الصقلي وذهبنا نساير التصوف بصقلية في القرن الخامس وجدنا الظاهرة الأولى وهي امتزاج الفقه بالتصوف لم تتغير ويمثلها في ذلك عتيق السمنطاري الفقيه المحدث. وكان السمنطاري من الزهاد السائحين في الأرض، طاف كثيراً من البلدان، وحج ولقى العباد والزهاد، وكتب عنهم ما سمع، وصنف في الرقائق وأخبار الصالحين كتاباً كبيراً يزيد على عشرة مجلدات سماه " دليل القاصدين " لم يسبق إلى مثله، في نهاية الملاحة (٢) ، وله شعر من متوسط شعر المتصوفة إلا أنه تشيع فيه روح التشاؤم وإيجاس الشر من سوء ما بلغت إليه حال الناس. ويظهر أن التصوف في هذا القرن كان قد كثر فيه الدخلاء، وأصبح المتصوفة يتظاهرون بالزهد تظاهراً ويتواجدون ويبكون عند الغناء ويرقصون ويتغاشون. وقد عبر عن هذه الحال أبو عبد الله بن الطوبي في قصيدة له (٣) وانتقد تلك التصرفات في أهل التصوف ووضح رأيه في ذلك المذهب بقوله: بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدنيا
следующие страницы →