إنه كان ملكاً أرسله الله ليعيد الأرض ذلك العصر الذهبي القديم. وكان المسلمون منحرفين عنه بتأثير أبي القاسم بن حمود الذي كان يوزع الأموال على الناس لعله يميلهم عن أسطفان، إذ كان هذا قد صادق منافساً لابن حمود يسمى القائد (ابن السديد) وهو من أغنياء المسلمين (١) .
ومهما يكن فقد هدأت النفوس أيام غليالم الثاني حتى أصبح عهده مضرب المثل في الهدوء والسكينة. وكان يقال إن غابات صقلية في أيامه أكثر أمناً من المدن في البلاد الأخرى (٢) . وحياة المسلمين في عصره واضحة والفضل في ذلك عائد إلى ابن جبير الذي زار الجزيرة وهو عائد من الحج. ويستفاد مما ذكره هذا الرحالة القدير أن المسلمين كانوا قليلين في مسينة، وانهم فيها من ذوي المهن، أما برم فتحوي الحضريين منهم، وبها يعمرون أكثر مساجدهم، ويقيمون الصلاة بأذن مسموع، ولهم أرباض قد انفردوا بسكنها عن النصارى، والأسواق معمورة بهم، وهم التجار فيها ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم، ويصلون الأعياد بخطبة ودعاؤهم فيها للعباسي، ولهم بها قاض يرتفعون إليه في أحكامهم، وجامع يجتمعون فيه الصلاة، وأما المساجد فكثيرة لا تحصي وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن (٣) .
وقد وجد ابن جبير أن المسلمين في بلرم مقربون إلى غليالم، وأنه كثير الثقة فيهم، فلذلك استعملهم في كثير من الوظائف. وفتياته الذين هم عيون دولته وأهل عمالته في ملكه مسلمون، يصومون ويتصدقون ويفتكون الأسرى (٤) وفي جلفوذ طائفة من المسلمين (٥) ولهم في ثرمة ربض كبير آهل بالمساجد (٦) . وبين بلرم وطرابنش ضياع متصلة ومحارث ومزارع وسكانها كلهم مسلمون. وفي مدينة
стр. 142
علقمة سوق ومساجد وسكانها كذلك (١) . وفي طرابنش مسلمون ونصارى ولكلا الفريقين مساجد وكنائس وقد رأى المسلمين فيه يعيدون بالطبول والبوقات (٢) ولم ينس ابن جبير أن يسجل اللطف الذي قابله به النصارى ومبادرتهم له ولرفقائه بالسلام ومؤانستهم، ومحضهم النصح لهم إذا اقتضى ذلك، وإغضاءهم على تظاهر المسلمين عند تأديتهم بعض الشعائر الدينية (٣) . ولم يحاول ان يخفي لطف غليالم ودفعه الأجرة عن فقراء المسلمين لأصحاب المراكب التي كانت تقلهم (٤) .
ومن يقرأ كل هذه الحقائق يعجب من قصص أخرى أوردها ابن جبير عن ناس لا يشعرون بالأمن في بيئتهم، ويخافون في أداء العبادة، ولا يستطيعون أن يرفعوا أصواتهم بأنهم مسلمون، حتى ليخيل إليه أن هناك تناقضاً فيما عرفه ابن جبير بالمشاهدة أو بالسماع. والحقيقة ان لا تناقض هنالك فالمسلمون الذين كانوا يتظاهرون بدينهم كانوا قادرين على ذلك في حالتين إما في مدينة يحضر فيها الملك يقوته كبلرم، أو مدينة هم الأكثرية فيها كطرابنش. أما في مثل مسينة حيث هم أقلية بعيدون عن الحماية فمن الطبيعي أن يحذروا جيرانهم في شيء من الخوف. وقد سمع من أحد الوجوه بمسينة قوله: أنتم مدلون بإظهار الإسلام، فائزون بما قصدتم له رابحون إن شاء الله في متجركم، ونحن كاتمون إيماننا، خائفون على أنفسنا، متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سراً، معتقلون في ملكة كافر قد وضع في أعناقنا ربقة الرق (٥) . وفي هذا قدر كبير من الصحة إذا اعتبرنا المثل الأعلى في فهم الحرية الدينية، وهذا كلام رجل شهد ما مضى من اضطهاد في أيام غليالم الأول فهو يرى أن هذه الحال من الأمن لن تدوم - أما الشكوى التي سمعها ابن جبير من أبي القاسم بن حمود فلا غرابة
стр. 143
أن تسمعها من رجل طموح كان يريد الزعامة، وكان قد شقي بالمصادرة وفقد كل ثروته. والحقيقة أن هذه الشكاوي لا تعبر عن تلك الفترة الهادئة وإنما تعبر عما أصاب المسلمين قبل سنوات. ويحس من يقرأ كلمات فلقندو انه كان قد جرى على المسلمين من الأذى في أنفسهم وعقيدتهم ما يزرع الخوف في النفوس ولا يدع للهدوء طريقاً إلى القلوب، أو يبشر بنسيان الإساءة.
ومن المثالية أيضاً أن ندعي بأن المطالبات المالية كانت تجري دائماً على حسب القوانين، وتقرر عند رأى العدالة، وقد سمع ابن جبير عن فقيه اسمه ابن زرعة ضغط بالمطالبة فأظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية ومهر في حفظ الإنجيل، ومطالعة سير الروم، وحفظ قوانين شريعتهم، فعاد في جملة القسيسين في الأحكام النصرانية، وكان له مسجد بإزاء داره أعاده كنيسة (١) .
ولم يكن مما يهون على الناس يومئذ - وربما لا يهون ابداً - أن يروا مركز عبادتهم قد حول إلى مكان لعبادة قوم آخرين. ولم تكن ترتاح النفوس لذلك التظاهر الصاخب بالشعائر، فتلك الطبول والبوقات كانت تزعق في أسماء أهل الدين الآخر بأصوات التحدي، وتدوي بالكراهية المتبادلة التي تغطي بقشرة رقيقة من الهدوء.
بل لعل أدق ما اطلع عليه ابن جبير من أحوال صقلية اتخاذ مفارقة الدين سلاحاً يشهره في وجه أبيه، والزوجة في وجه زوجها، ويذهب الغاضب فينتصر ويتعمد، فهم الدهر في مداراة الأهل والولد خوف هذه الحال (٢) . ولا ننس ذلك الخوف على العرض ولذلك فلا عجب أن نرى أ؛ د الآباء وجاء يهدي ابنة له صغيرة السن إلى أحد الحجاج، لعله ينقلها معه ويتزوجها أو يزوجها ممن يرتضيه لها، رغبة منه أن يجنبها ما قد يخبئه القدر لمثيلاتها من فتيات
стр. 144
المسلمين بالجزيرة (١) . ومن هذه الحال نستطيع أن نستنتج بأن الهجرة من صقلية لم تكن سهلة ولا كانت السلطات تسمح بها إذ كان عمران صقلية يستدعي ذلك وأكثر منه، أي يتطلب استقدام سكان من الخارج وإعطاءهم بعض الامتيازات لإغرائهم على الهجرة إلى صقلية.
والخلاصة أن المسلمين كانوا في الجزيرة غرباء عن إخوانهم المسلمين في الأقطار الأخرى. وتحت ذمة غيرهم يؤدون الجزية. ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم وأبنائهم (٢) إذا ضعف السلطان عن حمايتهم بل كانت حمايته لهم تزيد من كره أصحاب الأديان الأخرى لهم. هذا حالهم في المدن، أما في القرى والأرياف، فلم يكونوا يرتفعون عن الرقيق بكثير، وكلهم رهائن في يد الملك بصقلية يهدد بهم أمراء المسلمين وملوكهم، مثال ذلك أن عبد المؤمن لما استولى على المهدية قال صاحب صقلية: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم (٣) .
وقد صدقت الأيام تلك الهواجس النفسية التي كانت تسيطر على المسلمين وأيدت مخاوف فلقندو الذي جزع لما بلغته وفاة غليالم الطيب فراح يقول في رسالة لصديقه: " إنني لأرى جموع البرابرة الغاضبين ومدننا الفسيحة وقصورها التي زهت في ظل سلام طويل تميد بالخوف، وقد جرت فيها الدماء ودنسها الشهوات، إنني لأرى بعيني بني وطني فريسة للذبح والأسر، وأرى العدوان واقعاً على العذارى والنساء. وفي مثل هذه الضائقة، أيها الصديق، ماذا ترى يفعل الصقليون؟ إنهم إن اجتمعوا على ملك شجاع مجرب احتفظوا بصقلية وقلورية. إن بلرم لا تزال مكللة بالعز وأسوارها تضم المسيحيين والمسلمين النشطاء فلو أن الشعبين أتحدا في ظل ملك واحد، من أجل سلامتهما، لا تدفعا يصدان البرابرة بأسلحة لا تثني. ولكن إن عاد المسلمون إلى الثورة لشدة ما لحقهم من
стр. 145
أذى، وما رهقهم من إساءة، وراحوا يحتلون القلاع في الجبال وعلى السواحل فليوطن المسيحيون التعساء أنفسهم على عبودية لا خلاص منها لأنهم سيكونون فريسة لهجوم مزدوج وسيقعون بين المطرقة والسندان " (١) .
ولم يكن في تلك العصور كثير من أمثال فلقندو يقدومون مصلحة الوطن على الاعتبارات المذهبية الضيقة، فلم تكد الدولة تقفر من الرجال الأكفاء بعد غليالم الثاني، حتى ثارت المعارك بين المسلمين والمسيحيين في الشوارع، وفاضت الدماء في المدينة واعتصم من نجا بين الجبال (٢) واستمرت ثورة المسلمين من نهاية ١١٨٩ إلى أكتوبر من سنة ١١٩٠ ثم اثر فيهم الإقناع فعادوا إلى بيوتهم في بلرم، وعاد الأرقاء إلى حقولهم يكدوون، ولكنهم لم يعودوا جميعاً، وكثير من الذين رجعوا لم يلبثوا طويلاً، إذ كان من السهل على التجار والصناع منهم أن يهاجروا إلى إفريقية هجرة تقطع آخر علاقتهم بوطنهم، وأما أهل الأرياف فبقوا معتصمين في الجبال وأعطيت أراضيهم للإقطاعيين المدنيين والدينيين.
стр. 146
الفصل الثالث
الحياة العقلية
مجالاتها الجديدة ونصيب المسلمين فيها
стр. 147
فراغ
стр. 148
الحياة العقلية
مجالاتها الجديدة ونصيب المسلمين فيها
كان النشاط في الميادين العلمية أثناء العصر العربي آخذاً مجاله في المسجد والقصر والكتاب، أما في العصر النورماني فقد استوى الكتاب والمسجد في حقيقة الدراسات - إلا قليلا - وأصبح القصر أو الأمير هو الكعبة الكبرى التي تحوم حولها العلوم كما تحوم الآداب. وبرزت هذه المركزية الجديدة بوضوح حتى غطت عل آفاق النشاط الأخرى وطمستها أو حجبها - على الأقل - عن أعيننا. ولا شك في أن المسجد العامر بألوان الدراسات الفقهية واللغوية والأدبية فقد تضاءل شأنه في العصر النورماني، وانهزمت الدراسات الدينية أمام الدراسات العلمية الأخرى. ولما زار ابن جبير صقلية وجد المساجد فيها محاضر لمعلمي القرآن - والقرآن فقط أي أن هذه المساجد كانت موئلا للمعلمين الذين كانوا - كما شاهدهم ابن حوقل من قبل - يلقون إلى طلبتهم أجزاء من الكتاب ليحفظوها عن ظهر قلب. وإذا كان ابن ظفر قد ألف في هذا العصر كتباً كثيرة في التفسير واللغة والمواعظ فليس هذا بدليل على أن صقلية كانت مقبلة بحماسة على هذه الدراسات لأن ابن ظفر لم يكن صقليا عند التحقيق إذ ولد في صقلية وعاش في العالم الإسلامي متنقلا، وكانت زيارته لصقلية في سن عالية، زيارة قصيرة الأمد، إلا أنا نسمع أسماء نحويين كثيرين من أواخر العصر العربي وأسماء فقهاء في صقلية نفسها عاشوا في العصر النورماني ولابد أنهم كانوا يزاولون شيئاً من هذه الدراسات، غير أن الحقل الواسع الذي نمت فيه الدراسات الدينية على أيدي الصقليين أنفسهم كان خارج صقلية.
وقد قامت الحياة العملية في هذا العصر على المشاركة في غير لغة واحدة، وكان لابد لمن يحاول الحظوة في الدولة والصدارة في دواوينها، أن يتقن لغة فأكثر ومن ثم قامت الحياة العقلية على أكتاف أناس طامحين يعملون في خدمة الدولة بعملهم ومعرفتهم. وليس من الضروري أن يكون هؤلاء صقليين أصلا. ومما يميز
стр. 149
هذه الحركة العلمية الجديدة أنها كانت بتوجيه من الملك نفسه فهو الذي يدفع العالم إلى التأليف والمترجم إلى ترجمة آثار معينة. وهذا يدل على اتجاه علمي محدد الوجهة والغاية، نضيفه إلى المشاركة الفعلية التي تروي عن رجار الثاني من بينهم خاصة. - إذ يقول فيه الإدريسي: " وأما معرفته بالعلوم والرياضيات والعمليات فلا تدرك بعد، ولا تحصر بحد، لكونه قد أخذ من كل فن منها بالحظ الأوفر، وضرب فيه بالقدح المعلى، ولقد اخترع من المخترعات العجيبة وابتدع من الابتداعات الغريبة، ما لم يسبقه أحد من الملوك إليه ولا تفرد به " (١) .
ومضت صقلية تستورد الكتب من الخارج كما كانت تفعل في العصر العربي مع اختلاف في نوع الكتب. ودخلت بلرم - وإلى درجة ما سرقوسة كتب يونانية وعربية فاستحضر رجار الكتب الجغرافية المؤلفة بالعربية أو الترجمة إليها من اليونانية، مثل كتاب العجائب للمسعودي وكتاب الجيهاني وابن خرداذبة والعذرى وابن حوقل والكيماكي وموسى بن قاسم القردي واليعقوبي وابن المنجم وقدامة وكتاب الجغرافيا لبطليموس وأرسيوس (٢) وجاءت من القسطنطينية نسخة من كتاب المحبسطي هدية من الإمبراطور إلى الملك غليالم الأول، وربما وردت منها أيضاً نسخة من كتاب ملحمي ترجمة دوكستباتر Doxtopater عن الكلدانية. ويتحدث ارستبس المترجم لصديق له إنجليزي وينصحه بأن لا يغادر صقلية لأنه لا يجد فيها حكمة اللاتين فحسب، بل مكتبة يونانية وعوناً من رجل ضليع في الأدب اليوناني، في صقلية يستطيع أن يحصل على الميكانيكا لهيرون والبصريات لإقليدس والأنالوطيقا لأرسطو وغيرها من المؤلفات الفلسفية اليونانية (٣) .
والفضل في هذه النهضة العلمية يرجع في الدرجة الأولى إلى أ، واع التشجيع التي كان يقوم بها الملك ورجاله نحو العلماء، فهم يغدقون عليهم الأموال ويكتنفونهم بالاحترام، ويرفعون مراكزهم الاجتماعية في الوظائف والألقاب، كما
стр. 150
اشتهروا بالحرص على إغراء العلماء إلى صقلية. وكان رجار يميل إلى مجالسة العلماء، وعند الصفدي أنه كان محباً لأهل العلوم الفلسفية (١) ، وأن الإدريسي كان يجيء راكباً بغلة فإذا صار عنده، تنحى له عن مجلسه، فيأتي فيجلسان معاً (٢) وكان لا يسمع بعالم شهير إلا مهد له السبيل للوفود عليه وكذلك كان ابنه غليالم الأول. ويصفه ارستبس في حديثه لصديقه الإنجليزي بأنه ملك لا نظير له (٣) ، وليس يعنى بهذا أبهة الملك، بقدر ما يعني تميزه في الاهتمام بالأمور العلمية والفلسفية، والتساؤل عن طبائع الأشياء، وقد كان وزيره مايون يشاركه الاهتمام بهذه النواحي العلمية. ولم يشذ غليالم الثاني عن سيرة من سبقه فيقول ابن جبير في وصفه: " وله الأطباء والمنجمون وهو كثير الاعتناء بهم، أمر بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسلبه عن وطنه " (٤) .
وفي أيام غليالم الأول والثاني ازدهرت حركة الترجمة إلى اللغة اللاتينية من العربية واليونانية. وكان من أشهر المترجمين عن اليونانية أرستبس الذي أصبح أيام غليالم الأول شخصية هامة وتولى الوزارة له بعد مقتل مايون، وكان ضليعاً في اليونانية فترجم الفيدون ومنيون من محاورات أفلاطون، وبأمر من الملك قام بترجمة جرجروريو النازيانزى، وبطلب من مايون ترجم ديوجين لايرتس إلى اللاتينية (٥) .
أما الأمير يوجين البلرمى الذي أكسبته استطلاعاته الفكرية لقب " فيلسوف " فكان يترجم من العربية، فترجم منها إلى اللاتينية بصريات بطليموس، وكان في متناول يده بعض كتب لإقليدس (٦) ، مما يدل على معرفه باللغات والرياضيات مع قدرة على نظم الشعر باليونانية، وله مجموعة من الشعر فيها قصيدة
стр. 151
يمدح بها غليالم وليس من أي غليالم هو المقصود بذلك المديح (١) . وترجم يوجين أيضاً كتاب كليلة ودمنة أو لعلاه ساعد في ترجمته إذ جاء في المقدمة.؟ إنها تمت بمساعدة رجال يعرفون العربية حق المعرفة وهي جملة ربما لا يقولها يوجين، لاطلاعه الواسع في العربية (٢) ، وإن كان هذا لا يمنع أنه استعان على ترجمتها ببعض المسلمين حين وجد نفسه إزاء نص أدنى. وإليه تعزى ترجمة إحدى الملاحم عن اليونانية وهي كتاب كبوءات تتحدث عن أعمال الملوك والأباطرة. ويعتقد أمارى أن نسبة هذه الملحمة إلى أصل كلداني غير صحيح، لأن فيها معلومات عن بعض الظواهر والأحداث التي وقعت في القرن الثاني عشر والثالث عشر، فنسبها إلى القرون الخوالي مقصودة، لتزيد في قيمة ما ورد من التنبؤات (٣) .
ولم يكن نصيب العلماء المسلمين في الحركة العلمية قليلا.؟ فقد كان الشريف الادريسي يرأس " الدائرة الجغرافية " في بلرم، ويشرف على جهودها وينظمها. ومن تنظيمه هذا قام في أيام رجار بعلمين: رسم صورة الأرض في دائرة من الفضة ووضع أقسام الأقاليم عليها. وألف كتاب " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " الذي اشهر باسم كتاب رجار، واستمر الإدريسي في بلرم أيام غليالم الأول وله ألف كتاباً آخر سماه " روض الأنس ونزهة النفس " (٤) وكان للشريف مشاركة في علوم أخرى كعلم النبات وفيه ألف " الجامع لأشتات النبات " ولكن ليس من الممكن أن نقطع بأنه ألفه في صقلية (٥) .
ومن المسلمين الذين اشتهروا بصقلية محمد بن عيسى بن عبد المنعم " من أصحاب العلم بعلمي الهندسة والنجوم، ماهر فيهما قيم بهما، مذكور بين الحكماء هناك بأحكامها " (٦) وذكر الحكماء في هذه العبارة يفتح المجال
стр. 152
لتصور كثير منهم بصقلية. وعلى يد العلماء المسلمين انضم إلى هذه الدراسات العلمية جهود أخرى في الدراسات الفقهية والأدبية. ففي أيام غليالم الثاني كان أبو القاسم بن الحجر موئلا للقصاد، فألف له ابن ظفر الصقلي كتاب " سلوان المطاع " وكتاب " معرفة الأشراف في الفقه المالكي " وفي مدحه صنف ابن قلاقس كتاب " الزهر الباسم في أوصاف أبى القاسم ".
وشفعت الحركة العلمية هذه بظاهرتين جعلتاها أرسخ أصولا وأبعد أثراً.؟ الظاهرة الأولى: قيامها على التجربة والمشاهدة في بعض الأحيان. ففي المجال الجغرافي لم يكتف رجار بالاعتماد على كتب الجغرافية وحدها، بل أحر الرجال العارفين وشافههم في الأمور التي يريد معرفتها، وحقق أخبا البلاد بالمعينة ووقع اختياره هو والإدريسي على أناس ألباء فطناء أذكياء، جهزهم إلى أقاليم الشرق والغرب وسفر معهم قوماً مصورين ليصوروا ما يشاهدونه عياناً، وأمرهم بالتقصي والاستيعاب لما لابد من معرفته فكان إذا حضر أحد منهم بشكل أثبته الشريف الادريسي (١) . وكان أرستبس في أيام غليالم الأول يعرض نفسه للخطر ويحاول أن يدرس عجائب إتنا ويستطلع حقيقته (٢) .
والظاهرة الثانية: الاستفادة منها في الحياة العملية وفي هذه الناحية نطلع على جهود في الهندسة المعمارية وفي عمل الآلات، وللمسلمين في هذه المجالات أثر واضح، إذ كان رجار يعتمد عليهم في صنع آلات الحصار، وهم الذين كانوا يصنعون القلاع المتحركة في حصار سالونيك سنة ١١٨٥ كانت منجنيقاتهم ذات أثر فعال في خرق الأسوار (٣) . وصنع أحد المهندسين لرجار آلة لرصد الساعات درست ولم يبق مما يدل عليها إلا كتابة باللغات الثلاث اللاتينية فاليونانية فالعربية والنص في العربية " خرج أمر الحضرة الملكية المعظمة الرجارية العلية أيد الله ايامها وأيد أعلامها، بعمل هذه الآلة لرصد الساعات،
стр. 153
بمدينة صقلية المحمية سنة ست وثلاثين وخمسمائة " (١) وربما كانت شيئاً شبيهاً بتلك الآلة التي صنعت بمالطة لملكها وهي صورة تعرف بها أوقات ساعات النهار وكانت ترمي بنادق على الصناج (٢) وفي معجم السلفي أن أحد المهندسين صنعها لقائد اسمه يحيى ليعرف أوقات النهار بالصنج (٣) وكان في المسلمين مهندسون معماريون تركوا أساليبهم في قصور بلرم، وأبو الليث مثال لهؤلاء (٤) .
هذه الحركة العلمية سواء في التشجيع عليها والتهيئة لأسبابها أو في قيامها على الترجمة من ناحية أو على الترجمة والمشاهدة من ناحية أخرى كانت أيضاً موضع اهتمام كبير من فرديك الثاني وابنه منفريد فيما بعد.
стр. 154
الكتاب الثالث
حياة الشعر العربي
في صقلية
стр. 155
فراغ
стр. 156
الفصل الأول
المكونات الكبرى في شعر صقلية الإسلامية
١ - موقع الجزيرة وطبيعتها الجغرافية
٢ - الأجناس التي أنتجت الشعر الصقلي
٣ - الفترة التي نما فيها الشعر الصقلي
٤ - الفتنة الأخيرة وأثرها في الشعر
стр. 157
فراغ
стр. 158
المكونات الكبرى في شعر صقلية الإسلامية
لا يستطيع الباحث في شعر الصقلي - عهد الحكم الإسلامي في الجزيرة - إلا أن ينظر من خلال أربع حقائق كبرى، كان لكل واحدة منها أثرها البعيد في ذلك الشعر وفي طبيعته:
الحقيقية الأولى: موقع الجزيرة وطبيعتها الجغرافية:
فموقع الجزيرة هو الذي تحكم في الهجرة ممن صقلية وإليها، وجعل الشعر الصقلي نفسه صورة من الصادر والوارد، كالحال في حياة التجارة. ولذلك نجد أنغاماً غريبة وافدةً إلى صقلية نفسها. وليس من الضروري أن ننتظر الفتح النورماني لنسمع عن شعراء هاجروا من صقلية إلى البلدان المجاورة، فهناك من الصقليين من كان ينتقل بشعره متكسباً، وخاصة بعد أن أصبحت مصر فاطمية الدولة، تجتذب إليها الشعراء من جميع أنحاء المملكة، وصقلية يومئذ ولاية تابعة للخليفة الفاطمي، وأمراؤها الكلبيون ذوو منزلة رفيعة عند ذلك الخليفة بمصر وصقلية في آن واحد، وبهؤلاء الشعراء الراحلين عرف الناس صقلية معرفة أوضح، وزادها وضوحاً أخبار البحارة والراحلين إليها.
فمن الصقليين الذين هاجروا من بلدهم في هذه الفترة المقداد بن الحسن الكلبى وأخوه ميمون، والأول منهما كان بمصر أيام العزيز نزار، وهو يصرح بأنه شاعر الخليفة، وقد قتله الحاكم سنة ٣٩٣هـ؟ لقوله في أيام العزيز (١) :
стр. 159
الحمد لله حتى الخبز أعوزني ... في بلدة أنا فيها شاعر الملك ومن هؤلاء الصقليين أيضاً أبو الحسن بن علي الصقلي النحوي ولا نعرف له من الشعر إلا قوله:
في سبيل الله ود حسن ... دام من قلبي لوجه حسن
وهوى ضيعته في سكني ... ليس حظي منه غير الحزن
يرقد الليل ويستعذبه ... وإذا ما رمت طيب الوسن
زارني منه خيال ما له ... أرب في غير أن يوقظني وقد توفي هذا الصقلي بمكة سنة ٣٩١هـ؟، بعد أن حج، ودفن هنالك (١) وكان من أظهر الأسباب التي حدث بشعراء صقلية على الهجرة ارتفاع شأن القيروان أيام المعز بن باديس في النواحي الأدبية، حتى أصبحت تنافس بلرم في نشاطها، وكان قد التف حول المعز عدد كبير من الشعراء من جهات متعددة في المغرب، حتى ليخيل لمن يقرأ ما تبقى من كتاب الأنموذج لابن رشيق أن نهضة المغرب الأدبية إنما تبلورت أيام المعز، لا قبل ذلك ولا بعده. ويقول ياقوت: وكانت القيروان في عهده وجهة العلماء والأدباء، تشد إليها الرحال من كل فج، لما يرونه من إقبال المعز على أهل العلم والأدب وعنايته بهم (٢) . ففي ظل الاستقرار السياسي بإفريقية شهدت القيروان نهضة أدبية، وفي ظل نوع من الاستقلال السياسي بصقلية عرفت بلرم حركة أدبية قوية. وكانت هاتان النهضتان متعاصرتين حتى لنستطيع أن نقول إن العنصر المغربي في البرين الأفريقي والصقلي كان يؤدي أقوى أدواره في تأريخ الأدب العربي حين تمت له وسائل النهضة الأدبية في حياته الاجتماعية والثقافية. وربما كان من استباق الحوادث أن أسجل في هذا الموطن هذه الظاهرة الثلاثية التي حدثت تباعاً على الوجه التالي:
стр. 160
(أ) خربت القيروان على يد العرب وذهب الهلالية وذهب ما أنفقه المعز من جهود، فهاجر الناس وفيهم الشعراء والعلماء إلى صقلية والأندلس.
(ب) ثم وقعت بعد وقت قصير فتشعب شعراؤها وعلماؤها الأصليون والطارئون في ثلاث شعب: واحدة ذهبت إلى الأندلس وأخرى عادت إلى إفريقية وثالثة إلى مصر، وسنقف عند هذه الهجرة في فصل تال.
(ج) ثم أخذت الأندلس تهتز تحت غارات الأسبان من جهة وأطماع المرابطين من جهة أخرى، وتشتت تلك الحلقات الأدبية التي كانت حول ملوك الطوائف - وخاصة ابن عماد - واتجه المهاجرون في الغالب إلى أفريقية، وهكذا قام كل بلد من هذا المثلث المغربي بنصيبه في الحياة الأدبية، وكانت الهجرة من واحد إلى آخر غذاء جديداً.
وتتمثل الهجرة إلى صقلية على ثلاث درجات متفاوتة: فهناك هجرة الشاعر العابر المتكسب الذي يتخذ من صقلية منتجعاً أو موطئ قدم، حتى إذا وجد طلبته، أو أخفق في العثور عليها، فارق البلد عائداً إلى وطنه. ومن أشهر هؤلاء الشعراء ابن قاضي ميلة أحد الوافدين على ثقة الدولة وقد مدحه بقصيدة فانية وصفها ابن خلكان بأنها بديعة غريبة ورواها بتمامها (١) ومنهم ابن المؤدب، وهو ممن أسرهم الروم، فلما هادنهم ثقة الدولة استرد بعض الأسرى وفيهم هذا الشاعر فمدحه بقصيدة شكره فيها على صنيعه، ورجا صلته، فلم يصله ثقة الدولة بشيء، فأخذ يتكلم بذمة وأطلق لسانه فيه غير متحرج، واختفى خوفاً على نفسه ممن الطلب، وفي إحدى الليالي خرج وهو سكران ليشتري نقلاً، فما شعر إلا وقد حمله صاحب الشرطة حتى أدخله على ثقة الدولة، فعقبه الأمير على ما كان بلغه عنه ثم أمر بمائة رباعي، وأخرجه من المدينة لئلا تتغير عليه نفسه بعد العفو، فيأخذه بالعقوبة (٢) .
واتصل بثقة الدولة شاعر مهاجر آخر اسمه محمد بن عبدون السوسي ويصفه
стр. 161
ابن رشيق بأنه شاعر وطئ وسكون جأش، لا يكاد يلغو بالشعر إلا إذا قال. ولما وفد على ثقة الدولة وامتدحه أضافه الأمير إلى ولده جعفر فأدناه وقربه، حتى كان من أكرم الناس عنده. وظل ابن عبدون في صقلية حتى هزه الحنين إلى وطنه، فرفع إلى جعفر قصيدة يتشوق فيها إلى أهله وأحبابه ومعاهدة ويقول فيها (١) :
بالله يا جبل المعسكر دع ... ريح الجنوب ترق أو تسر
كيما أسائلها فتخبرني ... ما يفعل الجيران بالقصر فلما سمعها جعفر ازداد به تعلقاً واشتد حرصه على استبقائه عنده حتى ضاق الشاعر بين منع وحنين، وكتب إلى ثقة الدولة يرجوه أن يسرحه ويمدحه بقصيدة مطلعها:
يا قصر طارق حبي فيك مأسور ... شوقي طليق وخطوي عنك مأسور ثم عاد يلجأ إلى جعفر، ويستأذنه في الرجوع إلى وطنه، فعتب عليه جعفر وحجبه، حتى عز وصوله إليه، وأخيراً تحين الشاعر الفرصة وكتب أبياتاً يتشفع فيها لدى جعفر، يقول فيها أنه أصبح عاجزاً عن لقائه وأنه رأى القمر فقام مسلماً عليه، مظهراً الخضوع لديه ثم يسأل القمر هذا أن يكون شفيعاً له عند شبيهه ابن يوسف، ويذكره بحق شاعر ساءت حاله بعد ما التهبت في صدره نار الحنين. ولقي جعفراً في بستان يتنزه، فقدم إليه الرقعة، فلما قرأها طرب لها وأمر له بمال كثير (٢) .
وفي تمسك الأمير بابن عبدون السوسي ما يدل على حرص صاحب صقلية على شاعر يشيع فضائله ويتحدث عنه ويميل غليه القلوب فهل في هذا
стр. 162
إشارة إلى حاجة صقلية للشاعر القدير وعدم توفره بين أبنائها؟ ربما استطعنا الإجابة على هذا السؤال لو كان لديننا من شعر ابن عبدون ومدائحه في بني أبى الحسين، ما يمكننا من الحكم على إجادته، بالنسبة للشعراء الصقليين أنفسهم، على ان صقلية في زمن ثقة الدولة وابنه جعفر بلغت أقصى النشاط في الشعر، وتوفر لها عدد كبير من الشعراء.
هذا نوع من المهاجرين. وهناك آخرون دخلوا صقلية فراراً بأرواحهم من أزمات حاقت بهم في أوطانهم. وأخص بالذكر حادثتين: هجرة سنة ٣٩٥ عند ما حدثت مجاعة بإفريقية اضطرت كثيراً ممن أهلها إلى اللحاق بصقلية، وهجرة سنة ٤٥٦ عند خراب القيروان على يد العرب. ومن أشهر مهاجري هذه الفترة ابن رشيق القيرواني صاحب العمدة والأنموذج، وقد استقر بمدينة مازر، ومنهم محمد بن حسين بن جبارة الفارسي (١) ، والحلواني (٢) ، وعبد الحليم الصقلي.
وإنا لندرك اثر ابن رشيق في صقلية من حقيقتين الأولى أنه درس كتاب العمدة بمدينة مازر والتف حوله جماعة من أهل الأدب والدراسين، والثانية أن ابن رشيق كان قبلة أنظار بعض الصقليين في اتجاهه الأدنى والنقدي، وكان أصدقاؤه على اتصال دائم به (٣) ويصرح أحد المعجبين به قائلاً:
" كنت ساكناً بصقلية وأشعار ابن رشيق ترد على فكنت أتمنى لقاءه حتى قدم الروم علينا، فخرجت فاراً بمهجتي تاركاً لكل ما ملكت يدي وقلت: أجتمع بأبى على، فبرقة شمائله، وطيب مشاهدته، سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن " (٤) .
ويمثل عبد الحليم الصقلي نوعاً ثالثاً من المهاجرين وهم الذين كانت صقلية مهوى أفئدتهم، يحبونها للثراء والجمال معاً، ويعشقونها أملاً حبيباً، ويجدون لاسمها
стр. 163
في آذانهم رنيناً عذباً، وقد عبر عبد الحليم عن هذا الظمأ إلى الجزيرة بقوله:
عشقتُ صقليةً يافعاً ... وكانتْ كبعض جنان الخلود
فما قدرَ الوصلُ حتى اكهلتُ ... وصارتْ جهنمَ ذاتَ الوقود وفي هذه النغمة المتألمة نحس بحقيقة ما كان يشعر به عبد الحليم من عشق - عشق اليافع الذي مضى به العمر وهو ظامئ فلما قدر له اللقاء وجد الحبيبة قد حالت عن عهدها، ولقيت آماله بضدها. فما استطاع عبد الحليم أن ينال أمنيته إلا حين أصبحت صقلية جهنماً بالفتنة، ومثل عبد الحليم شعراء آخرون كانت تدفعهم بوهيمية الآمال إلى صقلية فيخرجون. أثر حبيب هاجر إليها قبلهم (١) أو يلقيهم على ساحلها شوقهم إلى حياة الحانات ودور الرقص والغناء. ولم يكد عبد الحليم يحل صقلية حتى وجدها بركاناً تقذف بالحمم، فلجأ إلى ساحة ابن منكود، حيث لجأ ابن رشيق قبله وذهب يسخر أصالته الفنية الجميلة في المدح حتى استفرغ فيه جهده، وشعر هو بأنه قد زاد في النزع عن تلك القوس - في مدح ابن منكود - فقال معتذراً عن نفسه (٢) .
يقولون كثر عبد الحليم ... فإلا اقتصاداً وإلا اقتص
وفضلُ أبى القاسم المجْتبي ... كفاني احتجْاجاً لهمْ واعتذرا
تغارُ العلا لابن منكودها ... فلا تقبلُ المدْح فيه اختصارا لقد أحب عبد الحليم صقلية فلم يستطع أن يفارقها حين غزاها النورمان، ودالت دولة ابن منكود ممدوحه، وانتقل من بعد إلى بلرم وعاش في كنف رجار، ولكنا لا نسمع بعد ذلك شيئاً عن حياته (٣) .
стр. 164
تلك هي صورة الشعر في صقلية حين نذكر موقعها الجغرافي، فنجد حركة دائبة، منها وإليها، كحركة الموج أو المد في اندفاعه وتراجعه. أما حين تتمثل لنا طبيعتها الجغرافية في خصبها وتنوع أزهارها وكثرة بساتينها ومياهها، ونضارة الطبيعة فيها، فإنه يخيل إلينا - بادي الرأي - أن خير ما أنتجته صقلية من شعر إنما كان يدور في فلك الجمال الطبيعي، ويهيم بمحاسن الريف، ويتغنى بمناظر القطاف ومواسم الحصاد والينابيع والجداول المتدفقة، وأسراب الطيور وهدوء الحياة الرعوية. ولكن الأمر على غير لك. فأن الشاعر في صقلية هو ابن بلرم - وقلبه عالق بحاناتها وأسواقها، معقود ببركة القصر، مثلما هو معقود بعطايا الأمير، مستمع بنعومة السجاد، مذهول أمام روعة المباني. ولا تعطفه على الريف عاطفة إنسانية، أو قلب يحن إلى مناظره الجميلة، وليست لديه روح الصوفي الذي يرى الجمال الإلهي كامناً في النملة والصخرة والعشب. حتى ابن حمديس ابن صقلية الباكي على مجدها لا يذكر منها إلا الدار والدير والكأس والساقية الفاتنة، وينسى الجو الجميل الذي كان يضم هؤلاء جميعاً. ولا نجد في شعره إلا نغمات قليلة تمتزج بأنفاس العطر الطبيعي في حياة وطنه كقوله (١) :
ويا ريحُ إما مرَيت الحيا ... وروّيت منه الربوعَ الظماءَ
فسوقي إلىّ جهَام السحاب ... لأملأهنّ من الدمع ماءَ
وسقى بكائي رَبعَ الصبا ... فما زالَ في المحل يسقى البكاء
ولا تُعطشي طللاً بالحمى ... تدانى على مزْنة أو تناءَى
وإن تجهليه فعيدانه ... لظى الشمس يلذَعُ منها الكباء ولذلك فإن الأمكنة الجميلة التي يتغنى بها شعراء صقلية قليلة. ولعل من أكثرها تردداً في شعرهم " المعسكر " في بلرم، وكان مجالاً للذين يفرون من صخب الحياة في المدينة، وهو موضع اشهر بكثرة العيون، كعين الغربال وعين
стр. 165
التسع وعين أبي وعين أبي علي (١) وتدل الأوصاف التي أسبغها عليه الشعراء أنه كان حافلاً بالأشجار والأزهار، ويقول فيه ابن الأضبطي الكاتب (٢) :
أنا في المعسكر مفردٌ في جحْفَل ... من نَوْحِ قُمري وزنّة بلبل
فكأنما يلقى علىّ بصوته ... نغمات معبدَ في الثقيل الأول ويقول فيه الحسن بن أحمد الكاتب (٣) :
انظر إلى وَرْد المعسكر قد كسا ... أشجارهُ نوراً يخيل نارا
جادَ الربيع لنا به فكأنما ... سلبَ الحدودَ وألبس الأشجار وقد أوحت كلمة " المعسكر " إلى الشعراء فكرة الجحفل، والمواكب، وأنواع الأسلحة ولذلك نسمع ابا عبد الله الحسن ابن أبى علي القار يقول في وصفه (٤) :
أرى المعسكر قد صُنف مواكبه ... فجمعت كل أمحال تحارب
قضبانها الملدُ أرْماحٌ أسنها ... ثمارها، وسواقيها قواضبه وجلس ثقة الدولة مرة وسط أرض ناضرة ومعه الحسن بن محمد الطوبي الكاتب فسأله أن يصنع فيها شعراً فقال بديهاً (٥) :
روضٌ يحار الطرف في زهراته ... ويهيجُ المشتاق من زهراته
يبدى باصفره بوادىَ عاشق ... ويُرى بأحمره لظى زفراته ويقول آخر واصفاً بركة ماء (٦) :
стр. 166
بركة للماء تطردُ ... للصبا في متُها زَرَد
بات في أحشائها قمرٌ ... مثلُ قلب الصبّ يرْتعدُ ومن الأماكن الأخرى مكان سماه أبو القاسم الكلبي " البروج " وقال فيه (١) :
ألا رُبّ يوم لنا بالبروج ... بخْيلِ الضّياء جواد القِطٌار
كأن الشقيقَ بها وجنةٌ ... بآخرها مقلةٌ من عذار
كأن البنفسجَ في لونه اخ؟ ... تلاطُ الظلام بضوء النهار
وسوسنها مثلُ بِيضِ القبابِ ... بأوساطها عُمد من نضار وأبو القاسم الكلبي، صاحب هذه القطعة، من اكثر الشعراء التفاتاً إلى الطبيعة، وطريقته في الوصف قائمة على محاولة التشبيه في كل بيت، وهي طريقة ابن حمديس نفسه. وهذه القطعة وما سبقها تدل على مدى الضعف في شعر الطبيعة عند شعراء صقلية. وليس في الإكثار من الأمثلة كبير غناء.
الحقيقة الثانية: الأجناس التي أنتجت الشعر الصقلي:
يتبين لنا مما سبق أن الذين أنتجوا الشعر الصقلي ينقسمون حسب الاستقرار في ثلاث فئات (أ) صقليين أصلاً أو ولادة عاشوا أكثر حياتهم في الجزيرة (ب) صقليين هاجروا صغاراً وبقيت النسبة عالقة بهم. (ج) مهاجرين وفدوا على صقلية وتفاوتت فيها إقامتها، ولا شأن لنا بالفئتين الثانية والثالثة وإنما نوجه اهتمامنا إلى الفئة الأولى. ومن الصعب أن نتلمس في هذه الفئة شاعراً صقلياً من تلك العناصر الأصلية كالإغريق والطليان فأكثر الشعراء الذين وصلتنا أسماؤهم من أبناء العناصر التي هاجرت مع الفتح إلى صقلية واتخذتها دار إقامة. وأول حقيقة هامة في هذه العناصر أنها إفريقية، وأن حظها من التميز الأدبي كان ضئيلاً يقول ابن خلدون في أهل المغرب: " وكذلك أشعارهم، كانت بعيدة عن الملكة، نازلة عن الطبقة، ولم تزل كذلك لهذا العهد، ولهذا ما كان بإفريقية من مشاهير
стр. 167
الشعراء إلا ابن رشيق وابن شرف وأكثر ما يكون الشعراء فيها طارئين عليها " (١) زدْ على ذلك أن اكثر الذين شاركوا في الفتح إنما كانوا من الجماعات العسكرية أو من أهل التجارة والصناعة. وأننا حين درسنا حياتهم الثقافية وجدنا الاتجاه إلى الفقه من بعد أغلب عليهم من أية دراسة أخرى. وكان هذا الفقه هو طابعهم القوي الذي يريدون أن يطبعوه على بيئة مسيحية، كما كان فيما بينهم مقياساً لصحة التعامل المادي، في باب التجارة والصناعة والزراعة، وهو في الوقت نفسه النواة التي تقوم حولها فكرة الجهاد في حياتهم العسكرية. نعم إن الفتح قد حول كثيراً من السكان الأصليين إلى الإسلام، ولكن أكثر هؤلاء كانوا من العبيد، وقد كانت الملكة فيهم مقتولة بطول الاستعباد، ولا شك في أن حالهم تحسن بعد الفتح، ولكن المهاجرين كانوا ينظرون إليهم أيضاً نظرة من عل، ويحتقرونهم كما احتقرهم ابن حوقل الذي سماهم " العجم الغم الصم والبكم " ويصورهم ابن الصباغ في رسالة له بصورة الوحوش الضارية التي يتأذى منها أصحاب الأملاك وأهل الثراء. فارضُ ابن الصباغ " بين يأكلون الشجر قبل الثمر، ويرعون الأب قبل الحب، وما آمن مع ما أحدقت به من الأسوار، وخرجت في النفقة عن المقدار، أن يوجفوا إليها بالجوالق، وينقضوا فيها كالسواذق، كما يفعلون في بستان فلان الذي أنفق فيه عمره وماله، وصرف غليه همه واهتباله ن فهو في الشتاء من علوج الزبر والحفر، وأصحاب الغرس والبذر، فإذا بلغت ثمرته ووجبت غلته، حام عليه بنو حام، وبم يمتنع منهم بحارس ولا حام، وأحيط بثمره، فاصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها " (٢) وقد أخذ الإفريقيون المهاجرون منذ البدء يحسون بأنهم متميزون عن السكان الأصليين، وهذا هو ما عنته صيحة أسد بن الفرات في جيشه حين قال يحمسهم: " هؤلاء عجم الساحل، هؤلاء عبيدكم لا تهابوهم " (٣) . ومع الزمن اصبح هناك
стр. 168
عنصران متباينان: عنصر صقلي وعنصر إفريقي وهذه التفرقة مبينة في الأصل على أساس عسكري، ولكنها كانت تشمل نواحي أخرى من الحياة الاجتماعية. فالصقليون لم يكونوا أصحاب هذا الشعر وإنما كان أصحابه هم الأفريقيين من عرب وبربر.
وأكثر الشعراء إذا اعتبرنا نسبتهم، ينتسبون إلى يمن ففيهم الكلبي والمعافري واللخمي والأنصاري والزبيدي والأزدي. وهناك شعراء من قبائل أخرى كالتغلبي والتميمي والسعدي والهاشمي والربعي، وشعراء من بربر كاللواتي والقرقودي والمكلاتي وماعات تنسب إلى مواطنها كالشامي، وإفريقيون لا تعرف نسبتهم إلى عرب أو بربر كالطوبي نسسبة إلى قصر الطوب بإفريقية والود أنى نسبة إلى مدينة ودان.
وبعد أن تم شيء من الامتزاج بين الأجناس، وشعر المهاجرون بأن صقلية هي وطنهم، نشأ جيل من الناس ينتسب إليها ويشعر بالرابطة العاطفية بينه وبينها وعندئذ يلتقينا شعراء ينتسبون إلى بلدان صقلية نفسها، وأخذت النسبة القبلية تقل، وتحل محلها النسبة البلدانية فهناك الطرابنشي والصقلي (البلرمي) والبثيري والسرقوسي والبلنوبي والسمنطاري.
وفي ببلرم ملتقى العناصر من نواحي العالم القديم كله، نشأت أقوى حركة أدبية عرفها الجزيرة، ويبدو أن العناصر العربية - الإفريقية - هي التي تمت على يديها تلك النهضة، لأننا إذا نظرنا إلى بلد آخر مثر جرجنت، مجتمع الجماهير البربرية، فإننا لا نسمع عن شعراء ينسبون إليها.
ولم تنصهر هذه الأجناس المختلفة بحيث تنسى عصبياتها القبلية، ولذلك مثل الشعر هذه الروح القبلية في بعض جوانبه، وإن لم تكن الخصومات بين القبائل عنيفة مثلما كانت بالأندلس.. وتتجلى هذه الروح في شعر أمراء بلرم من الكلبيين، وتمتزج بنزعة أرستقراطية، تتسلل إلى موضوعات الفخر والغزل. فمن الفخر قول الأمير عمار بن المنصور الكلبي (١) :
стр. 169
تقولُ لقد رأيتُ رجالََ نجد ... وما أبصرتُ من يمان
ألفتَ وقائعَ الغمرات حتى ... كأنك والوقائع توأمان
وتقتحم الحروبَ رخىّ بال ... كأنك من رَدَاها في أمان
إلى كم ذا الهجوم على المنايا ... وكم هذا التعرضُ للطعان
فقلت لها لكل الناس عذٌر ... ولا عذٌر لكلبي جبان ومن أمثلة هذه الروح الأرستقراطية في الغزل قول الأمير مستخلص الدولة وهو من الكلبيين:
قلتُ يوماً لها وقد أحرجتنْي ... قولةً ما قدرْتُ أنفك عنها
أشتهي ولو ملكتُ أمرك حتى ... آمرََ الآن فيك قهراً وأنهى
فبكت ثم أعرَضَتْ ثم قالت ... خنتني في محبة لم أخنها وليس في هذا الشعر الصقلي فخر بالأجناس عامة، ليس فيه شعر يمجد العرب أو البربر وإنما فيه اعتزاز بالقبيلة، فالكلبي يفتخر بكلبيته، والقيسي بأن قومه غلبوا قيصر وفتكوا بحمير (١) حتى الفقهاء يفتخرون بقبائلهم، وهم أحق بالتخلي عن روح العصبية. من ذلك قول الفقيه عمر بن مازوز اللواتي يفتخر بقبيلته لواتة (٢) :
لمن تعزى المكارمُ والأيادي ... وردّ الخيل ذاهبةَ الهوادى
سوى قومي الذين سَمتْ نفوسٌ ... بهم شرفاً إلى السبع الشداد الحقيقة الثالثة: الفترة التي نما فيها الشعر الصقلي:
وتمتد هذه الفترة من ٢١٢هـ إلى ٤٦٤هـ وهي ليست طويلة في حياة الإنتاج الفني والعلمي. وفيها ضروب من القلاقل الداخلية وفيها إلى ذلك جهاد طويل مرير. وقد يكون هذا النوع من الحياة مهيئاً لنمو الشعر واكتماله، ولكنا إذا
стр. 170
تذكرنا طبيعة الجماعات المهاجرة المستقرة، وطبيعة الاتجاهات المدرسية فيها، لا نعجب إذا لم نجد هذه الحياة غنية بالأدب الجميل، وقد كان من الضروري قيام شعور وطني يربط الناس بهذه الأرض التي عاشوا فيها ليساعد ذلك على اشتداد ساق الأدب، وهذا لا يتم إلا بعد أن يولد جيل جديد على أرض صقلية ويحس بأنها هي، لا إفريقية، المكان الذي يقاتل عنه ويعيش من أجله، فأما المهاجرون الأوائل فإنهم يرون في صقلية رباطاً كبيراً يشنون منه الغارة لحماية الحدود الإفريقية وإعلاء شأن الدين.
ولا نسمع شعراً صقليا في مدة خمسة وثمانين عاماً طواها بنو الأغلب في فتح الجزيرة وحكمها. وهذا شيء مستغرب وإن كان تعليله سهلاً. وإذا وجد شعراء في هذه الفترة فإنهم إفريقيون يوجه عواطفهم معنى الغربة أولاً، وطبيعة الجهاد ثانياً:: أما الغربة فلابد أنها بعثت في نفوسهم الحنين إلى مواطنهم الأولى، وتمثل هذا الحنين في قصائد ورسائل شعرية بعثوا بها إلى أهلهم وأصدقائهم في الوطن، وأما الجهاد فلابد أنه أذكى روح الحماسة من ناحية وروح الحزن على من أكلتهم الحرب من ناحية ثانية. ولا يمكننا القول بخلو صقلية من كل شعر، فذلك مناف لطبيعة الأشياء في حياة الناس.
ولدينا من أمثلة هذا الشعر قصيدة لأسير أغلبى اسمه مجبر بن إبراهيم بن سفيان، ومطلعها (١) :
ألا بيت شعري ما الذي فعل الدهر ... بإخواننا يا قيروان ويا قصر وهذا الشاعر يتأسى في قصيدته بأن الفرج غنما يجيء بعد الشدة، أليس يوسف قد نجا من الحب، وأيوب زال عنه الضر، وإبراهيم خلص من النار؟ إن الله قد نجى هؤلاء، وهو قادر على أن يخلص أهل السر من ربقة إسارهم.
وأقدم الشعر الصقلي الذي وصلنا يعود إلى العصر الكلبي، وأول شعر نستطيع تأريخه وصلنا في أيام ولاية أبي القاسم الملقب بالشهيد (٣٥٩ - ٣٧٢) . ومن
стр. 171
هذا التاريخ يبدأ استقلال صقلية السياسي، وفيه يبدأ الشعر الصقلي حياته الصحيحة، وقد كان أبو القاسم يعيش حياة مثالية إذ قضى عمره في الجهاد بقلورية (كالابريا) وصدفت نفسه عن متاع الدنيا فأوقف كل ما يملك على فقراء شعبه. وبحق لقب بالشهيد لما قتل في غزاته الخامسة، وكانت له في نفوس أعدائه صورة مهيبة لرجل يزن كلامه ويحكم أجوبته (١) وربما كانت هذه السيرة الفاضلة ذات أثر في استقلال الشعر بحدود صقلية وعد انسياحه بالعواطف إلى ما وراءها. ومع ذلك فإن الشعر الذي وصلنا يتحدث عن صمصام الدولة ويشيد ببطولة وشجاعته، ويكاد ينسى أبا القاسم إلا قليلاً.
وفي الطبقة الأولى من شعراء هذه الفترة علي بن الحسن بن أبي سعيد القاضي وسهل بن مهران مادح أبي القاسم وهو يوصف بأنه من المطيلين المحسنين والمداح المجيدين (٢) وأبو إسحاق إبراهيم بن مالك المعافري القاضي.
فإذا بلغنا عهد الأمير يوسف ثقة الدولة وجدنا صقلية قد أصبحت حافلة بالشعراء من أهلها والطارئين عليها. ز فمن أهلها محمد بن أحمد أبو عبد الله الصقلي صاحب ديوان الإنشاء بصقلية، وهو الذي رثى ثقة الدولة بقصيدة مطلعها (٣) :
حنانيك ما حي على الدهر يسلم ... ومنهم الحسن بن محمد الطوبي الذي كان ملازماً لثقة الدولة (٤) ، ومحمد بن الحسين بن القرقودي (٥) والمشرف بن راشد (٦) .
وبعد ثقة الدولة نلتقي تلك الأسماء الكثيرة، وهي أسماء الشعراء الذين عاشوا
стр. 172
بين ٣٩٠ - ٤٦٠ وهم أكثر من ذكرهم ابن القطاع في الدرة الخطيرة: عندئذ نجد ثلاثة من أبناء الطوبي واثنين من ابناء الرقباني وثلاثة من بني الشامي، كما نجد ابن الصباغ والود اني وابن الخياط وابن مكي صاحب تثقيف اللسان وسليمان الصقلي وميمونا الوراق ومحمد بن قاسم بن زيد القاضي وابن الفقيه الكلاعي وابن الكموني وأبا العرب الصقلي وابن حمديس وغيرهم كثيرين.
ويلتف الشعراء في آخر عهد الكلبيين حول أعظم شخصيتين بصقلية وهما الوالي - وكان حينئذ صمصام الدولة - وصاحب الخمس وكان يومئذ إبراهيم بن محمد الشامي (١) ومن الشعراء الصمصام: ابن الخياط وابن الرقباني والمشرف ابن رشد. ومن مداح صاحب الخمس المذكور: ابن الصباغ والمشرف بن راشد والحلواني.
فإذا تمثلنا الشعر الصقلي نامياً في تلك الفترة التي حددناها، وجدنا أن موعد إثماره إنما تم في نهاية القرن الرابع وأوائل الخامس، وكان مما ساعد على ذلك، الاستقلال السياسي والهدوء النسسبي في حياة البلاد، وتمثل صقلية للمؤثرات المشرقية، والدراسات العلمية والفلسفية بعد أن ضلت عهداً طويلاً تعيش على الفقه والحديث. ومع هذا النمو نلمح شيئاً من يقظة ابنائها على الرابطة الوطنية. فقد اتضح مع تبلور الشعر الصقلي شعور الناس " بالجزيرة " وتجسد معناها في نفوسهم. ويكفي الشاعر ان يقول " رعى الله أكناف الجزيرة " أو أن يمدح صاحب الخمس بقوله: شيخ القبيلة في الجزيرة (٢) ، فيفهم الناس ما يعني ويتمثلون لهذه الجزيرة صورة واضحة في نفوسهم، وإنما جاء ذلك الشعور من سيطرة الاستقلال والوحدة السياسية على نفوس الناس.
وبدأت الأثمار الأدبية تتكور على تلك الشجرة التي طال عليها الأجل حتى ترعرعت، وقبل أن ينضج الثمر جاء الفتح النورماني يسقطه ويبدده، وفي لحظة من لحظات الفزع، هرع الشعراء والعلماء يلوذون باذيال الفرار، ويفارقون الجزيرة كأنها لم تكن ذات يوم وطناً حبيباً.
стр. 173
الحقيقة الرابعة: الفتنة الأخيرة وأثرها في الشعر:
وأعني بها الفتنة التي أسقطت بني الفتنة التي أسقطت بني أبي الحسين الكلبي، وقسمت صقلية إلى دويلات صغيرة، وجعلت في كل مدينة أميراً، كما حدث في الأندلس بعد ذهاب العامرين، وانقسام مدنها بين ملوك الطوائف، وهي الفتنة التي جرت من بعد إلى الفتح النورماني، وإلى فقدان الجزيرة وضياع الوطن.
وأول شي فعلته تلك الفتنة أنها مزقت الشعراء بعد ان كانوا يلتفون حول وال واحد، فاختص ابن الخياط بابن الثمنة يمدحه ويشيد بانتصاراته، وذهب محمد ابن قاسم بن زيد القاضي يمدح على بن نعمة المعروف بابن الحواس، والتف حول ابن منكود بمازر جماعة من الشعراء الصقليين والطارئين وفيهم عبد الحليم الصقلي ابن رشيق. ولما استدعى الصقليون المعز بن باديس ليدخل الجزيرة - كما استدعى الأندلسيون يوسف بن تاشفين - انحاز إلى المنقذ الجديد جماعة من الشعراء منهم ابن الفقيه الكلاعي.
وكان حرياً بهذا الانقسام أن يجعل خصباً كثيراً، وأن يهيء للإجادة بما يبعث من منافسة، كما حدث في الأندلس أيضاً أيام ملوك الطوائف ولكن حال دون ذلك أساب منها: قصر الفترة التي عاشها صقلية تحت حكم أمراء الطوائف - أو القواد المستقلين - ولم يجد على صقلية في هذه الفترة شيء جديد، فالشعراء هم الشعراء، وكل ما حدث أن القواد توزعوهم فيما بينهم.
وقد عملت الفتنة شيئين في آن: أسقطت البيت الكلبي وحملتهم على مغادرة الجزيرة، وجاءت بحكام جدد، فقسمت الشعراء أيضاً فريقين: فريق ذهب يبكي بني أبي الحسسين، ويعدد فضائلهم، وفريق آخر يرحب بالمنقذين وفي طليعته ابن الفقيه الكلاعي الذي رفع عقيرته يقول (١) :
الله أكبر أودي الجور وانقشعت ... سحب النفاق وزال الحادث النكر
стр. 174
وتلك الفتنة هي التي جعلت الشاعر يفف موقف الحكيم الذي يحس، ببعد نظره، ما تنطوي عليه من نتائج سيئة، فهو يحذر منها ويدعو قومه إلى الائتلاف. وفي ذلك التحذير امتداد لما قلته عن تجسم الجزيرة بحدودها الجغرافية والسياسية في النفوس، وفيه روح من الحرص على مستقبل تلك " الجزيرة " التي لها أبناء يحبونها، لا مهاجرون يرون فيها مكاناً سخيا بالسمن والعسل. غير ان هذه الروح لم تلبث ان خفتت حين اصبح الانقسام حقيقة واقعة وغلب على نفوس أصحابها حب البقاء، فآثروا الانضمام إلى هذه الفئة أو تلك، واستسلموا لحكم المقادير.
ثم كانت الفتنة سبباً في ضياع الوطن وزوال السيادة الإسلامية عنه، فأي شيء أحدثه ذلك المصاب الكبير في نفوس الشعراء؟ إننا إذا استثنينا تلك الدموع الصادقة التي ذرفها ابن حمديس على وطنه لم نجد لضياع ذلك الوطن اثراً عميقاً في النفوس الصقلية، فلم يكن تجسد " الجزيرة " واضحاً مكتملاً، هذا مع أن القيروان حين سقطت، وجدت الشعر يخلد مأساتها ويحكي حالها بعاطفة صادقة، أما حين سقطت فلم تجد إلا شاعرها الشاب ابن حمديس. ومن أهم العوامل التي أضعفت التجاوب بين الصقليين ونكبهم في وطنهم نظرتهم إلى المأساة عن طريق الاستسلام، واعتقادهم أنه لم يصبهم إلا ما كتب الله لهم، وهذه نظرة تؤسى الجازع، فيستشعر قلة الجدوى في الحزن والبكاء ويحمل نفسه على الأخذ بفلسفة الصبر. ثمة عامل آخر لعله اقوى من سابقة وهو تعليل النوازل التي تحل بالناس على أساس الخطيئة، فقد أخطأت صقلية فلتذق جزاء ما اقترفت من ذنوب، وليس ما أصابها، وخاصة في رأي المتدينين، إلا عقاب من الله صبه عليها، وهي له مستحقة. ولست أناقش قرب هذا الرأي أو بعده ن الحقيقة، ولكن الجماعة إذا انتهت إلى هذا التلاوم في تحديد المسئولية فقدت القدرة على أن تلمس طبيعة المأساة نفسها في فقد الوطن. وقد عبر أحد الفقهاء الصقليين عن هذا الاتجاه حين ربط بين نهاية صقلية وجحود أهلها للنعمة في قوله (١) :
стр. 175
(مدينة) كانت وكنا بها ... في ظل عيش ناعم رطب
مدّ عليها الأمن أستاره ... فسار ذكراها مع الركب
لم يشكروا نعمة ما خولوا ... فبدلوا الملح من العذاب ولو خفت صوت هذا التبرير، لارتفع صوت العاطفة الحزينة على ضياع الوطن. والتبرير نوع من التعزي، وهو في الوقت نفسه تهرب من مواجهة الألم ونبعه الحقيقي. أليس أبو العرب الصقلي قد فقد وطنه كما فقده ابن حمديس؟ فكيف كان وقع الشتات في نفسه؟ ذهب يفلسف ذلك التشرد على طريقة التصبر الكاذب ويقول:
إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي كل تراب بلد، وكل العالمين أقارب - صلة ميتة، لم ينفخ فيها التجاوب الشعوري شيئاً من روحه فيجعل منها وطناً.
ومن الطريف أن البارون فون شاك تنبه إلى أن أبا العرب راح يقول عند ما خرج من صقلية " إن وطنه فارقه " - لا أنه فارق وطنه، وهو ملحظ مبني على قول الشاعر:
ويا وطني إن بنت عني فإنني ... سأوطن أوكار العتاق النجائب والشاعر لم يقصد إلى هذا الفهم " الحرفي "، ولكن التعبير ذو دلالة صادقة على نفسية أبى العرب، فهو بالهفوات اللسانية أشبه، وإن كان صحيحاً مقبولاً.
ثم إن سقوط صقلية لم يتخذ في نفوس الصقليين شكل المأساة بالفتح النورماني، لأن النورمان لم يلجئوا الناس إلى فراق دينهم أو إلى الهرب عن أوطانهم بل أبقوهم حيث هم، واحتفظوا لهم بما كانوا يتمتعون به من حقوق، ولذلك لم يشعر كثير منهم أن وطنهم ضاع، كما شعر الأندلسيون. وهذه حقيقة هامة في فهم الرابطة بينهم وبين وطنهم، إلا ابن حمديس فإنه بكي ضياع الوطن، وبكي شبابه في ذلك الوطن لأنه شهد وقفة بلده أمام الغزاة
стр. 176
كما شهد استلامه. وكان الذين استسلموا من الشعراء لهذا الحادث مشمولين بالروح الدينية أما ابن حمديس فكانت " الوطنية " في شعره أقوى من التدين. وإذا طلبت الأثر الديني في شعره الذي بكي فيه وطنه وجدته يسيراً. وليس في تلك القصائد شاعر يطلب الرحمة لقومه، وإنما فيها صورة الوطن بكل ما فيه من جمال ورجولة وذكريات عذاب.
ومجمل القول أننا إذا استثنينا أشعار ابن حمديس العاطفية في البكاء على وطن ضاع، وجدنا سائر الشعر المتصل بالفتنة والفتح النورماني إما ينعي ذهاب مجد بني أبي الحسين الكلبيين كما في أشعار ابن الخياط، أو يلوم الصقليين على تماديهم في الفتنة، كما في شعر أبي محمد القاسم بن عبد الله التميمي فلهذا الشاعر قصيدة من طوال الصقليات، يؤرخ فيها حال صقلية أيام الفتنة، واقتتال الصقليين فيما بينهم، ثم كيف دخل الإفرنج الجزيرة وقاتلوا أهلها وغلبوا عليها، ومنها مصوراً حال الفتنة بعد مقدمة غزلية (١) :
سقى الله هيمَ الغرب لا بعض هامه ... كما يمنع الغمضَ السليمٌ المنادم
وما كنت أسقي الغرب لو كان لم تكن ... صقلية منه - وإن لام لائم
وإني لمنهم واحدٌ غير أنه ... وشيء بيننا واش من البين غاشم
رزينا بذات البين حتى كأننا ... نرى أن من يبغي سوى البغي آثم
يغير الفتى منا على مال نفسه ... ويقتله عدواً أخوه الملائم
يجورُ دليلُ القوم عن سبل رشده ... ويمضي على المكروه من هو نادم
نروح ونغدو في أمور لو أنه ... رأى بعضها ما عاود النومَ حالم
كأن بحاراً بالوغى وكأنما ... معاركنا طول الزمان مواسم
فطوراً نذود الموتَ عنا وتارةً ... نموتُ كما ماتَ الحماةُ الأكارم
فلو كان مسلماً ذلك الحرب بيننا ... ثلاثين عاماً ضامناً منه ضائم ثم يتطرق بعد ذلك إلى وصف هجوم الروم عليهم فيقول:
стр. 177
سليي عن الإفرنج إن شئت واسمعي ... حديثاً كنشر الروض والروض ناعم
أتوننا ولكن بالدروع أساوراً ... ولكن أتينا والسيوفُ عزائم
على كل مشكول الطريد كأنما ... قوائمه عند الطراد قوادم
إذا ما علا منا على الظهر فارسٌ ... فليس بعيداً أن تطير القوائم
سماءٌ وأرضٌ من جناح وحافر ... وليل وصبحٌ جحفلٌ وصوارم
فلا دَجنَ الإ أن تثور عجاجة ... ولا مزن إلا أن تخر جماجم
كأنهمُ قد أحجموا حين أقدموا ... فعادتْ عليهم والأنوف رواغم والشعر في هذه القصيدة ناظر إلى المتنبي في قصيدته " على قدر أهل العزم تأتي العزائم ". وحين ينهى من الوصف لحال صقلية يملأ قصيدته بالحكم فمن ذلك قوله:
إذا كان لا ينجيك أنك هاربٌ ... فلم يبق حزمٌ غير أنك هاجم
وقد يجهلُ الإنسان في بعض حلمه ... ويحملُ عنك الظلم أنك ظالم
وما السيفُ إلا من غرارة حلية ... وإن رث منه غمدُهُ المتقادم
كأنك في دنياك ما زالت جاهلاً ... إذا نتَ لم ينفعك أنك عالم
فلا تتزود غير ما أنت واجدٌ ... إذا رُحتَ يقظاناً كأنك نائم
стр. 178
الفصل الثاني
الشعر الصقلي بين القوة والضعف
في العصر الإسلامي
١ - الشعر الصقلي والمحاكاة
٢ - أثر المدرسة النقدية الإفريقية فيه
٣ - قصور الشعر عن تصوير القلق الداخلي بصقلية
٤ - الشعر الصقلي بين حياة الزهد وحياة اللهو
٥ - الخمر في الشعر الصقلي
٦ - الغزل والغناء
стр. 179
فراغ
стр. 180
الشعر الصقلي بين القوة والضعف
في العصر الإسلامي
في قصر الفترة التي عاشها الشعر بصقلية وفي طبيعة الأجناس التي أنشأته، وفي ضعف الحدود الوطنية لقطر هو نقطة التقاء المهاجرين من جميع الجهات، وفي روح الاستسلام التي واجه الشعراء بها ضياع الوطن، وفي مجيء الفتح النورماني الذي أفرغ الجزيرة من علمائها وشعرائها، على أعقاب فتنة وانقسام داخلي - في كل هذه الحقائق يمكننا أن نتلمس بسهولة جوانب الضعف لا جوانب القوة في الشعر الصقلي.
ومما زاد في التقليل من أصالة الشعر الصقلي وصور التجديد فيه، اعتماده المحاكاة في جميع خطواته، وخاصة محاكاة المشارقة، والمدرسة الإفريقية في القيروان. أما تأثره بالأندلس فكان اقل من تأثره بإفريقية والمشرق. وقد غذاه المشرق بالدراسات الإسلامية في الفقه واللغة، فعمق روح المحافظة فيه، فامتلأ الشعر بالروح المدرسية القائمة على وضع النصائح النظرية والإرشادات الخلقية، وأصبح الشاعر يملأ شعره باستعارات النحو والفقه، ويكثر من الألغاز ومن التلاعب اللفظي بالأسماء. والأمثلة على هذا كثيرة، وأنا اضرب عن إيرادها عامداً، وقد تغلغل هذا الأثر في شعر شاعر وافر الحظ من الأصالة كابن حمديس، وصبغ بعض شعره بصبغة تعليمية ثقيلة. بل إن شدة الاتصال بإفريقية والمشرق حرمت صقلية من التطلع إلى الأندلس. صحيح إن الأندلس استمدت كثيراً من الشرق ولكنها استطاعت أن تتميز بالموشحات والأزجال، أما صقلية فما نعثر فيها على شيء من هذين الفنين. وقد استقلت الأندلس من الناحية الغنائية، وعجزت عن ذلك صقلية فكل أغانيها واردة من المشرق، وللغناء أثره البعيد في الشعر، وعدم استقلال صقلية بأغانيها مكن لها في المحاكاة، ووسع لها