← История

История · id 1020

العرب في صقلية

إحسان عباس

Полный текст (312 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كما شهد استلامه. وكان الذين استسلموا من الشعراء لهذا الحادث مشمولين بالروح الدينية أما ابن حمديس فكانت " الوطنية " في شعره أقوى من التدين. وإذا طلبت الأثر الديني في شعره الذي بكي فيه وطنه وجدته يسيراً. وليس في تلك القصائد شاعر يطلب الرحمة لقومه، وإنما فيها صورة الوطن بكل ما فيه من جمال ورجولة وذكريات عذاب. ومجمل القول أننا إذا استثنينا أشعار ابن حمديس العاطفية في البكاء على وطن ضاع، وجدنا سائر الشعر المتصل بالفتنة والفتح النورماني إما ينعي ذهاب مجد بني أبي الحسين الكلبيين كما في أشعار ابن الخياط، أو يلوم الصقليين على تماديهم في الفتنة، كما في شعر أبي محمد القاسم بن عبد الله التميمي فلهذا الشاعر قصيدة من طوال الصقليات، يؤرخ فيها حال صقلية أيام الفتنة، واقتتال الصقليين فيما بينهم، ثم كيف دخل الإفرنج الجزيرة وقاتلوا أهلها وغلبوا عليها، ومنها مصوراً حال الفتنة بعد مقدمة غزلية (١) : سقى الله هيمَ الغرب لا بعض هامه ... كما يمنع الغمضَ السليمٌ المنادم وما كنت أسقي الغرب لو كان لم تكن ... صقلية منه - وإن لام لائم وإني لمنهم واحدٌ غير أنه ... وشيء بيننا واش من البين غاشم رزينا بذات البين حتى كأننا ... نرى أن من يبغي سوى البغي آثم يغير الفتى منا على مال نفسه ... ويقتله عدواً أخوه الملائم يجورُ دليلُ القوم عن سبل رشده ... ويمضي على المكروه من هو نادم نروح ونغدو في أمور لو أنه ... رأى بعضها ما عاود النومَ حالم كأن بحاراً بالوغى وكأنما ... معاركنا طول الزمان مواسم فطوراً نذود الموتَ عنا وتارةً ... نموتُ كما ماتَ الحماةُ الأكارم فلو كان مسلماً ذلك الحرب بيننا ... ثلاثين عاماً ضامناً منه ضائم ثم يتطرق بعد ذلك إلى وصف هجوم الروم عليهم فيقول:

стр. 177

سليي عن الإفرنج إن شئت واسمعي ... حديثاً كنشر الروض والروض ناعم أتوننا ولكن بالدروع أساوراً ... ولكن أتينا والسيوفُ عزائم على كل مشكول الطريد كأنما ... قوائمه عند الطراد قوادم إذا ما علا منا على الظهر فارسٌ ... فليس بعيداً أن تطير القوائم سماءٌ وأرضٌ من جناح وحافر ... وليل وصبحٌ جحفلٌ وصوارم فلا دَجنَ الإ أن تثور عجاجة ... ولا مزن إلا أن تخر جماجم كأنهمُ قد أحجموا حين أقدموا ... فعادتْ عليهم والأنوف رواغم والشعر في هذه القصيدة ناظر إلى المتنبي في قصيدته " على قدر أهل العزم تأتي العزائم ". وحين ينهى من الوصف لحال صقلية يملأ قصيدته بالحكم فمن ذلك قوله: إذا كان لا ينجيك أنك هاربٌ ... فلم يبق حزمٌ غير أنك هاجم وقد يجهلُ الإنسان في بعض حلمه ... ويحملُ عنك الظلم أنك ظالم وما السيفُ إلا من غرارة حلية ... وإن رث منه غمدُهُ المتقادم كأنك في دنياك ما زالت جاهلاً ... إذا نتَ لم ينفعك أنك عالم فلا تتزود غير ما أنت واجدٌ ... إذا رُحتَ يقظاناً كأنك نائم

стр. 178

الفصل الثاني الشعر الصقلي بين القوة والضعف في العصر الإسلامي ١ - الشعر الصقلي والمحاكاة ٢ - أثر المدرسة النقدية الإفريقية فيه ٣ - قصور الشعر عن تصوير القلق الداخلي بصقلية ٤ - الشعر الصقلي بين حياة الزهد وحياة اللهو ٥ - الخمر في الشعر الصقلي ٦ - الغزل والغناء

стр. 179

فراغ

стр. 180

الشعر الصقلي بين القوة والضعف في العصر الإسلامي في قصر الفترة التي عاشها الشعر بصقلية وفي طبيعة الأجناس التي أنشأته، وفي ضعف الحدود الوطنية لقطر هو نقطة التقاء المهاجرين من جميع الجهات، وفي روح الاستسلام التي واجه الشعراء بها ضياع الوطن، وفي مجيء الفتح النورماني الذي أفرغ الجزيرة من علمائها وشعرائها، على أعقاب فتنة وانقسام داخلي - في كل هذه الحقائق يمكننا أن نتلمس بسهولة جوانب الضعف لا جوانب القوة في الشعر الصقلي. ومما زاد في التقليل من أصالة الشعر الصقلي وصور التجديد فيه، اعتماده المحاكاة في جميع خطواته، وخاصة محاكاة المشارقة، والمدرسة الإفريقية في القيروان. أما تأثره بالأندلس فكان اقل من تأثره بإفريقية والمشرق. وقد غذاه المشرق بالدراسات الإسلامية في الفقه واللغة، فعمق روح المحافظة فيه، فامتلأ الشعر بالروح المدرسية القائمة على وضع النصائح النظرية والإرشادات الخلقية، وأصبح الشاعر يملأ شعره باستعارات النحو والفقه، ويكثر من الألغاز ومن التلاعب اللفظي بالأسماء. والأمثلة على هذا كثيرة، وأنا اضرب عن إيرادها عامداً، وقد تغلغل هذا الأثر في شعر شاعر وافر الحظ من الأصالة كابن حمديس، وصبغ بعض شعره بصبغة تعليمية ثقيلة. بل إن شدة الاتصال بإفريقية والمشرق حرمت صقلية من التطلع إلى الأندلس. صحيح إن الأندلس استمدت كثيراً من الشرق ولكنها استطاعت أن تتميز بالموشحات والأزجال، أما صقلية فما نعثر فيها على شيء من هذين الفنين. وقد استقلت الأندلس من الناحية الغنائية، وعجزت عن ذلك صقلية فكل أغانيها واردة من المشرق، وللغناء أثره البعيد في الشعر، وعدم استقلال صقلية بأغانيها مكن لها في المحاكاة، ووسع لها

стр. 181

من مجالها. وقد حفظ لنا ابن مكي في تثقيف اللسان أمثلة مما كان يغني (١) ، فمن ذلك قول قيس بن الخطيم: أتعرف رسماً كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشاً غير موقف راكب وقول الآخر: ولما نزلنا طله الندى ... أنيقاً وبستاناً من النور حاليا أجد لنا حسن المكان وطيبه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا وقول ابن الرومي: أضحى ينغصنى النسيم نسيمه ... أفلا يهنيني النسيم نسيم وقول ذي الرمة: أقامت بها حتى ذوي العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر وغير ذلك من أبيات لسحيم وكثير وجرير وجميل. أما التأثر بإفريقية فربما كان يفوق التأثر بالمشرق، وفي إفريقية وضعت الأصول المشرقية وضعاً جديداً وتدارسها الناس، فكان التأثير المشرقي أيضاً يتسرب إلى صقلية من خلال المدرسة الإفريقية التي أنشأها ابن رشيق وابن شرف في النقد. فعلى أساس من كتب المشارقة في النقد ظهر كتاب العمدة والأنموذج وقراضة الذهب لابن رشيق، وأعلام الكلام وما أشبهها من الرسائل النقدية لابن شرف. وقد طمس هذان الناقد ان جهود من سبقهما ولخصا آراء النقاد الإفريقيين أنفسهم. وأصبحت النظرية النقدية التي يمثلها العمدة مطمح كل شاعر من شعراء القيروان، وكل شاعر أصبح يحاول أن يحذو حذو ابي تمام في الاستعارة، أو يكون وصافاً للخمر كأبي نواس أو يدندن بموسيقى البحتري، أو يمسك بريشة أبن المعتز في التصوير - ذلك هو مقياس الجودة في كل من القيروان وصقلية ومن أوضح الأمثلة على ذلك ابن رشيق نفسه وابن حمديس وهما أعظم شاعرين نشآ

стр. 182

على طرفي البحر الذي يفصل بين إفريقية وصقلية. وأما الأول فقد مهر في استخلاص أجمل المعاني عند غيره وتشكيله بأشكال جديدة (١) وأما ابن حمدييس فقد وصف أيضاً بأنه خفي الأخذ من غيره (٢) . فاللبنات الأولى في بناء ابن رشيق وابن حمديس، مجلوبة من المشرق. بل إن ابن حمديس ليس خفي الأخذ دائماً وإنما تظهر على السطح في شعره معاني أبي نواس وتعبيراته وتراه يعارض امرأ القيس والمعري وأبا تمام وينقض على بعض الصور في ديوان ذي الرمة، وعلى بعض الصور الأندلسية، ولا يتورع عن معارضة معاصريه. وأمر صقلية أضيق صدراً من القيروان لأن صقلية ترى في القيروان منارة تهتدي بأضوائها. وقد رأينا كيف كان الشعراء ينظرون إلى ابن رشيق. ونحن لا نرى فيما بقي من أشعاره ما يقدمه على متوسطي الشعراء المشارقة. وابن حمديس أبعد منه خطأ في الشاعرية، ومع ذلك فإنك تجد ابن حمديس الصقلي يتناول شعر ابن رشيق بالمعارضة أو التصرف. ويستوى تأثير المدرسة الإفريقية في صقلية والقيروان. فكثير من الشعراء في القيروان كانوا يترفعون عن الهجاء إما تجنباً للذم أو ذهاباً مع الكبر (٣) ، وهذا ما نجده عند ابن حمديس أيضاً فإنه لم يكن يهجو، وفي ديوانه عدة قصائد يفتخر فيها بتعاليه عن التورط الهجاء. وكان من مذهب الكتاب أن لا يمدحوا، وهذا قد يعلل انعدام المدح في شعر أبي عبد الله بن الطوبي وهو من أجل كتاب صقلية. والمدرسة الإفريقية كانت الفكرة تكره " المحلية " لأنها لا تكفل للشاعر سيرورة شعره في الأقطار الإسلامية " فليس من أتي بلفظ محصور يعرفه طائفة من الناس دون طائفة.. كالذي لفظه سائر في كل أرض، معروف بكل مكان " (٤)

стр. 183

وتحت هذا المبدأ لا يمكن أن ينشط الزجل، ولا يمكن للنقاد ومؤرخي الأدب أن يرعوه ويتعهدوه بالتسجيل، إن وجد، وإلى حد ما تمتاز الأندلس على إفريقية وصقلية في هذه الناحية. ولتلك المدرسة كثير من الحسنات فمن ذلك تفرقها بين الذوق الحضري والبدوي، وإقرارها بتأثير البيئة أو ما يسمى اختلاف المقامات والأزمنة والبلاد. ولكنها من ناحية أخرى خضعت خضوعاً تاماً للقواعد الكلاسيكية حتى في طريقة الخلق: كيف ننظم؟ ومتى ننظم؟ وماذا ننظم؟ وماذا نأكل ليعتدل المزاج ونصبح قادرين على النظم؟ وكانت تغلو في تطبيق المبادئ المشرقية فإذا اقر المشرقيون نشبيه واحد بثلاثة زاد على ذلك، فوجدوا تشبيهه بأربعة أوقع وأحسن، ولذلك فإنهم حيثما وصلهم قول البحتري (١) : كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاحْ جعلوه: كأنما يبسم عن لؤلؤ ... أو فضة أو برد أو أقاح وليست صورة الضعف في الشعر الصقلي محدودة بالتقليد لنماذج المشرق والقيروان، بل تتمثل في نواح أخرى منه، فنحن نفقد في ذلك الشعر صورة للصراع بين المذاهب الإسلامية، مع العلم بأن صقلية خضعت أولاً للخلافة العباسية ثم للفاطميين، وأنه كان فيها - إلى حد ما - ميلان متصارعان، غير أن هذا الصراع ضعيف باهت فيما وصلنا من شعر. والشعر كذلك قاصر عن تصوير ذلك القلق الذي كان يتمثل في كثرة التقلب. فها هنا شعب يثور ثم يعود إلى الندم والبكاء، ثم يهب ثائراً وهو لا يزال يبكي ويستعطف، شعب عاطفي سريع الغضب يقوم في طلب حقه فإذا سمع كلمة ترضيه عاد إلى الهدوء وقنع بالقليل، ثم شعر بالندم لقبوله ذلك القليل، شعب قليل الصبر شديد الجزع كلما حزبه أمر فزع إلى نصير،

стр. 184

ويؤمن بالرأي في قوة ويندفع في سبيل تحقيقه، فإذا لم يقطف الثمرة بسرعة خلاه إلى غيره. ومنذ القديم وصفه شيشرون بأنه مطبوع على التذمر، وليس الذنب ذنبه فقد عرف في كل حكومة سيطرت عليه معنى السيد المسترق، فهو يتلمس دائماً سيداً خيراً من سيده ليطمئن إلى حال من حاله. ولقد ذاق طعم العبودية في ظل ناس، فما عليه لو حاول أن يتخلص منها أو أن يتلمسها في ظل آخرين أخف وطأة وتعسفاً. وحقيقة الأمر أن تقلب الحاكمين عليه جعله مستغلا ليس له من الحياة غلا شرف الخدمة إرضاء لحاكميه. فهو طيب إذا ملأ خزائن سيده بالمال وعنابره بالقمح واسطبلاته بالخيول. فهل تخلق هذه الحال في نفسيته إلا التذمر والإذعان للبادرة الأولى والثورة كلما واتت الفرصة، والتعلق بالآمال القليلة والتغذي باليأس الكثير، والحقد على السيد الجشع. وإذا كان قد عاش ايام الحكومة الإسلامية في رخاء نسبي، فقد كان هذا الرخاء مصدر قووة جديدة في الخصام - لأنه وجد بعض حقوقه فلم لا يستكملها؟ وقد تفتحت عيناه بصورة أكبر على ما حرمه فلم لا ينال ما حرم؟ ومع كل ذلك الرخاء النسبي فقد ظل اليأس في حياته أكبر من الأمل - كان يرى الزعامة في يد جماعة غرباء عنه، وفرض عليه أن يكون جنديا، وهو يكره القتال، وألقي في روعة معنى الاستشهاد، فلم يفهمه، كان يطلب الحياة والراحة ويقاوم الجهد والفقر والفناء، ويهرب من تلك الأشباح فيتعبد أو يسلك نفسه معلما في كتاب. ولم يعبر الشعر عن شيء من هذا، وإنما عبرت عنه الأحداث والثورات، ولم يكن أسرع من الجماعة الصقلية إلى التعبير من عدم الرضى بالعمل، ولا أسرع منها إلى ارتجال الموقف الملائم وارتداء الثوب المعد تمهيداً لانتهاز الفرصة. فلم يعمق في نفسها الحزن لأنها لم تكن تتجرع مرارة الكبت الطويل، ولا كانت تستسلم إلى شيء من الفكاهة لتروح به عن نفسها المتألمة، وكانت إلى ذلك كله تنفر من الغرباء لأنها ترى فيهم نوعاً من " المستغلين " ولا تحب من الطراء إلا من يسرع الرحيل. فهي تحب الغرباء العابرين وتكره أولئك الذين يأتون أفواجاً إلى الجزيرة ليزاحموا في رزقها، وقصر الشعر أيضاً في التعبير عن هذا الصراع

стр. 185

الاقتصادي، واكتفى الرحالون الذين صدمتهم هذه المشاعر بأن يصفوا صقلية بالجفاء - وهو جفاء ينعدم فيه لطف أهل المدن وملقهم اللساني، وتبرز من خلاله صورة للطبيعة الريفية الساذجة التي لا نستطيع أن توارب كثيراً من عواطفها، وهو جفاء نحسه في الشعر نفسه فإنه قل أن يجيء ملطفاً بشيء من رقة الحضارة التي تطالعنا في الشعر الأندلسي. أوضح الصور في الشعر الصقلي وأقواها صورتان تمثلان جانبي الصراع في حياة المدينة، وهذه ميزة عامة في الشعر العربي منذ مطلع العصر العباسي، فقد انقسمت الحياة بين اليمين واليسار، بين آخذين بأسباب الدين والزهد والتقوى يدعون الناس إلى التحلي عن الدنيا ولذاتها ويخوفونهم العذاب، وبين آخذين بأسباب من الحياة المستهترة الماجنة، يرون في إشباع النفس من لذة الخمر والحب وغيرها، خير ما يسعى إليه الإنسان. وانقاد الشعر لهؤلاء وهؤلاء، ولكن رعاة التقوى والزهد هزموا في ميدان الحياة، لأن الفن صورة للحياة لا دعوة للآخرة. وكلا الاتجاهين يدلنا على اثر المدينة - لا أثر الطبيعة والريف - في حياة الشعر العربي على مر العصور. وبالاتجاه الأول يحس المرء بفساد المجتمع فينطوي على نفسه، ويبتعد عن الناس لاعتقاده أنهم آفات، وأن الشر بينهم " خضرم يزخر "، أما الخير فهو " ثمن آسن "، وينصح بالعزلة ولزوم البيت والاكتفاء بالقليل، ويعلن عن يأسه من الصلاح ومن كل ما يصله بالحياة الدنيا، من ذلك قول ابن الطوبي (١) : لو قيل لي أي شيء ... تهوى لقلتُ خلاصي الناس طرا أفاع ... فلات حين مناص نسوا الشريعة حتى ... تغامروا بالمعاصي فشرهم في ازدياد ... وخيرهم في انتقاص وقد يزداد التعقد في هذا الاتجاه حتى يلحق بالرهبنة، وتشيع فيه الدعوة إلى

стр. 186

العزوبة، كقول ابن مكي: من كان منفرداً في ذا الزمان فقد ... نجا من الذل والأحزان والقلق تزويجنا كركوب البحر ثم إذا ... صرنا إلى ولد، صرنا إلى الغرق وتصطبغ هذه الدعوة الزاهدة - عادة - بالاتكالية وذم المال، وفي التخذيل عن الكد المضني في سبيل الرزق، من ذلك قول أحدهم (١) : يا حريصاً قطع الأيام في ... بؤس عيش وعناء وتعب ليس يعدوك من الرزق الذي ... قسم الله فأجمل في الطلب أو كقول الآخر، وغالي في تهجين السعي جملة (٢) : لا تخشى في بلده ضياعاً ... حيثُ حياة فثم رزقُ قد قسم الله للبرايا ... رزقهم فالعناء حمقُ وغنى صقلية بهذا الشعر نوع من الفقر الفني في رأيي، فما نظن أن هذا الشعر إلا صورة لروح الوعظ والتذكير، وإلا تعبيراً عن تلك المدارس الفقهية التي كانت توجه حياة صقلية الثقافية. ذلك لأن هذا النوع من الشعر لا يلمح غلا الجوانب السلبية من الحياة، وأعلى درجة من هذا الدب الوعظي قول ابن الطوبي في تصوير روح التقوى (٣) : يحب بنو آدم ربهم ... ولكنهم بعدُ يعصوُنه وإبليسُ قد أشربوا بغضه ... وهمْ بعد ذاك يطيعونه فهذا التنافي فما بالهم ... يرون الضلال ويأتونه؟ وقد تقلبت الحياة بابن الطوبي، وتركته ينال من أطايبها، ويصيب من لذائذها ومتعها، وبعد فترة قضاها في الحياة السياسية خلق له أعداء ومبغضين

стр. 187

ثم تغيرت الحكومة فسقط في السياسة، فتوفر لديه شعور حاد بفساد المجتمع رمى به في أحضان الدين من جديد. ولكنه من أشد الشعراء الصقليين نقداً لبعض المظاهر الكاذبة في مجتمعه، ونسمعه ينتقد التصوف بقوله: ليس التصوفُ لبس الصوف ترقعهُ ... ولا بكاؤك إن غنى المغنونا ولا صياحٌ ولا رقصٌ ولا طربٌ ... ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا بل التصوفُ أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدينا وأن ترى خائفاً لله ذا ندم ... على ذنوبك طولَ الدهر مزونا أما الصورة الثانية فهي الإقبال على الحياة في نهم وظمأ، والعب من كؤوس لذائذها، ومع أن أهل الذمة لم يشاركوا كثيراً في إنتاج الشعر الصقلي فإنهم كانوا موضوعاً له. فأولئك الذميون هم أصحاب الدساكر والحانات، وفي أديرتهم خمر معتقة، وفي غلمانهم وجواريهم ضروب من الفتن، وأطاف الشعر بهذه الموضوعات، فكان وصف الخمر والغزل بالغلمان والجواري، ووصف الراقصات ومجالس الشراب عديل تلك الشعار التي قيلت في الزهد والقناعة والتوبة. والخمر تشتري من الباعة في الحانات ومن الأديرة، وعند ابن حمديس أن الراهبة في الدير هي التي تبيع الخمر، والساقي في الشعر الصقلي غلام جميل، إلا عند ابن حمديس فهو ساقية جميلة رخيمة اللفظ ساحرة المقلتين. وكل هم الشاعر في الوصف هو الخمر نفسها. فلا يلتفت كثيراً إلى بائع الخمر نفسه، ولا يصفِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 188

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 189

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 190

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 191

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 192

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 193

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 194

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 195

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 196

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 197

ِِِِ

стр. 198

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 199

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 200

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 201

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 202

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

стр. 203

٣ - ابن الخياط وحياة الحرب والفتن أيام الكلبيين هذا العهد الطويل الذي قضاه ابن الخياط في صقلية على أبواب أمرائها جعله شاعر بني أبي الحسين، فهو يسجل لهم حياتهم الحربية والسياسية - الحياة التي تعد أبرز شيء في تاريخ صقلية. ففي شعره وصف للمعارك كقوله من قصيدة يمدح بها انتصار الدولة: ويا ربٌ يومٍ له مسْعر ... إذا خمدت نارُهُ أوْقدا تخافُ به الرجل ممن أختها ... ولا تأمن اليدُ فيه اليدا وترمي رجالٌ بأعضائهم ... فمثنى تراهن أو موْحدا ترى السيف عُريانَ من غمدِهِ ... وتحسبهُ من دمٍ مغْمدا وهو يسجل انتصارتهم ويتحدث عن بعض الطامحين الثائرين عليهم كقصيدة قالها ظفر انتصار الدولة بخارجي خرج عليه: ظنّ الإمارة ظُلةً فإذا بها ... حْربٌ يكاد أوارها يتأجج ومهّندّات كالعقائق ماؤها ... مترَقْرِق ولهيبها متأجج لا تستقر العينُ فوقَ مُتُونها ... فكأنما هي زئبق كتدحرجُ ومداعس للخيل يرْمحُ وسطها ... من غير فارسه طمرٌّ مُسْرَج عْقْرى وسالمةً تعاثرُ في القنا ... العسْجديُْ وذو الخمار وأعوج طرحت فوارسَها على أذقانهمْ ... طرْحَ الكعاب فمفرَد أو مزوج في موطن سلب الحليم وقارَهُ ... فكأنما هو مستطارٌ أهْوَج ويصف ضيق الأرض على الفريق المنهزم الخائف ويصور ذعره وفزعه بقوله: في مثل يوم الحساب تحْسبهم ... سكرى وكالسكر بعض ما شُرِبا كأنما أرضهم قلوبهمُ ... فكلها قد أحيل فاضطربا

стр. 204

وقد عرضت هذه الأمثلة متتابعة دون أن أقف عند واحد منها لأعود إليها جملة. فهذه القطع تصور أهم جانب في حياة صقلية، وهو حياة الجهاد والفتن، ولعلك تلمح خصائص تنظيمها فكلها صاخب بالحركة، تضطرب وتهتز حسبما تضطرب المعركة وتهتز، وفيها هذه المبالغة التي لابد منها لتكبير الصورة وخاصة صورة الحرب، فالخوف يتمثل على اشده في خوف العضو من أخيه، والعيون لا تستقر على متن السسيف، لأنه كالزئبق المترجرج، والأرض في عين الخائف كقلبه اضطراباً، ونلمح في هذه الصور المنتزعة من غير قطعة واحدة أن الشاعر يجيد تصوير الاهتزاز والاضطراب، ولا تنس جمعه في السيف بين الماء والنار فهي الصورة التي تلاقينا كثيراً في الشعر الصقلي، والشاعر كغيره من الصقليين تستولي عليه حياة القتال فتتدفق صورها في شعره كقوله: واعلم بأنك إن غزوت نداهما ... بلواء مدحهما فإنك ظافر وقوله في تأييد النعمة بنعمة أخرى: فابعث وليا إلى وسميها مددا ... إن الكتائب منصور تواليها تلك كانت صلته مع الأمراء الكلبيين في المعارك والفتن، أما في حياة السلم فهو يعزى الأكحل بعد ما تألبت عليه صقلية بقوله: لا تفرحن ولا تحزنْ ... عليك بالخبر أو بالشر لم يدم في كل أمر وإن طالت نجاحته ... حكمُ التعاقب في الأنوار والظلم وتارة أخرى يقول له: أرى كل شيء له دولةٌ ... لحكم التعاقب فيها عَملْ فلا تفرحن ولا تحزننّ ... لشيء إذا ما تناهي انتقل وهذا معناه أن ابن الخياط وقف مع الأكحل خاصة لما ثار عليه الصقليون ومع بني أبي الحسين عامة، وأخلص لهم ولم يكن في حبه شاذاً، فقد كان أمراء هذه الأسرة محبوبين عند أهل صقلية، وكان فريق كبير منهم فيها يؤيدهم

стр. 205

حتى إن الصقليين لما غضبوا من سياسة الأكحل وابنه واستقدموا عبد الله بن المعز، عادوا فندموا على ما فعلوه في حقه. ولما مات مستخلص الدولة رثاه ابن الخياط وذكر أمراء من بني الحسين وعزاهم عن فقد الجزيرة بقوله: لِيُسْلكم أنّ الجزيرةَ ... كما قيلَ في الأمثال لحمٌ على وضمْ تركتم بقايا حسنكمْ في خرابها ... كما ذبَلَ النوار في خلل الحمم رجوهٌ كأنّ الله قال لمائها ... ترقرق حياةً وامزج الحسن بالكرم كأنهم فوق الأسرة أنجم ... سعودٌ وفي الهيجا ضراغمة بهمْ وهذه الأبيات لا تصور إخلاصاً فحسب، بل تصور تفانياً في الحب - في حب قوم كانوا حماة للأدب والفنون - وحسبك أن الشاعر نسي وطنه، ولم يجد في حاله البائسة ما يبكيه، فوطنه لحم على وضم، وما أدق هذه الكلمة في وصف الحال التي صارت إليها صقلية في تلك الفتنة، ولكن من العجب أن يكون هذا شيئاً يتسلى به بنو أبي الحسين. وهنا تشعر كيف أن ابن الخياط انساق مع الحزبية وتشفي بحال الجزيرة التي أصبحت أشلاء ممزقة، وأشبع في نفسه ونفس أسياده شعورهم بأن صقلية تجني لقاء ما قدمت، لا من إساءة اقترفتها في حق نفسها، ولكن من خطأ اقترفته في حق الكلبيين. وهو إخلاص شاعر عاطفي، في ساعة عاطفية، استطاع أن يقول: تركتم بقايا حسنكم في خرابها ... كما ذبل النوار في خلل الحمم فجعلنا نتناسى بهذه الإجادة في التصوير شدة نقمته على وطنه - كانت صقلية حمماً، كان بركانها السياسي يقذف بتلك الحمم كما يقذف إتنا بالحمم فيتلف المزارع والكروم ويذبل النوار. وهكذا أصبح اُلحسنُ الذي تركه بنو أبي الحسين تفاريق ذابلةً منبثةً هنا وهناك في منطقة قد اكتست بالسواد.

стр. 206

٤ - وقفته من مشكلة الغيب والغد وهناك معنى يديره ابن الخياط كثيراً في شعره، وهو يمدح الأمراء الكلبيين، وذلك هو نفاذ البصيرة وبعد النظر، حتى كأن الممدوح امرؤ يضرب بسهم في الغيب، ولديه المقدرة القادرة على تصور ما يجيء به المستقبل، من ذلك قوله في انتصار الدولة: تبدو بخاطرة الغيوب جليةً ... ويرى الضمائر إثرهن خواطر وقوله في: فطنٌ يحدّثُ بالغيوب تظنياً ... فكأنما لحظاته في الخاطر وقوله فيه وفي أبيه مستخلص الدولة: فكأنما الحدثان خلف زجاجة ... تريانه خلل الغيوب شفيفا وكأن أسرار الوجوه تصورت ... لكما بأسرار القلوب حروفا ويبدو لي أن هذا المعنى جاءه من ناحيتين: من تأثير الحالة السياسية المتقلبة التي كانت تنذر بالشر، ومن حالته النفسية التي كان يعييها التفكير في الغيب، وتحس بالعجز عن معرفة كنهه، كلما حاولت ذلك، فاقدر الناس أقدرهم بالنسبة إليه، والعظيم عظيم لأنه يستطيع ما يعجز هو منه، وهو يريد أن يشيح بوجهه عن الغيب لأنه يقلقه فيحيل الاطلاع عليه إلى غيره، والحالة النفسسية التي كان يجدها ومعنى العجز الذي كان يحسه إزاء الغيب ينقله لك بقوله: وغدٌ وبعد غد بمضمونيهما ... عدةٌ تغيبُ والغيوبُ لها نبا وحوادثُ الأيام أكثرُ عبرةً ... من أن يحيطَ بها القياس فتحسبا

стр. 207

فهو مشغول بقياس القادم على الماضي ولكن هذا القياس يخيب ظنه ويرد تأويله في نحره. ومن جراء هذه الحيرة تجده تعلق بالحاضر لا بالماضي ولا بالمستقبل، بينما قضت الظروف على ابن حمديس مثلا أن يعيش دائماً في ماضيه، ولذلك تسمع ابن الخياط يقول: ما كان أمس فقد فات الزمانُ به ... وما يكون غداً في الغيب موعودُ وبين ذينك وقتٌ أنت صاحبه ... في حالتيه فمذمومٌ ومحمود وتعلو هذه الفلسفة عنده وتكون على أشدها في قوله: تمتعْ بالمنام على شمال ... فسوف يطولُ نومكَ باليمين ومتعْ من يحبك من تلاق ... فأنت من الفراق على يقين وقد كان وصف الممدوح بنفاذ البصيرة وبعد النظر واستطلاع الغيب ديدن المداحين من شعراء صقلية، وليس لهذه الظاهرة صلة بفكرة الألوهية، ورفع الممدوح إلى مرتبة علية، ولكن فيها شيء من سخرية الواقع بالصقليين لإحساسهم بالعجز عن النفاذ في هذا الباب المغلق، وليس في حياتهم السياسية ولا في شوراهم الاجتماعية شيء من بعد النظر، لأن المصلحة العاجلة كانت تبتسر أفكارهم، وتختزل لباقتهم في حساب النتائج، أما سخرية المستقبل بآراء ابن الخياط في ممدوحيه فغنية عن التنويه بها، فقد كان من مصيبة أولئك الممدوحين ببعد النظر أن أفقدهم بعد نظرهم الجزيرة، وأما سخرية الغيب بابن الخياط نفسه فهي تلك النومة الطويلة على اليمين. بهذه الفلسفة في الغد والوقوف الحائر عند مشكلته نرانا إزاء شاعر صقلي ذي فلسفة ذات معالم بينة، وقد رأينا ابن حمديس ذا مذهب في اللذة. وهذا شاعر ذو مذهب في تأمل الحياة، وكلاهما صادق في استمداد تلك الفلسفة من واقع حياته بصقلية، وقد كانت مشكلة الغد المحجوب في حياة الصقليين واقعاً

стр. 208

اجتماعياً وسياسياً - لا قدراً فحسب - فهم على أطراف خطر دائم من جيرانهم ومن أنفسهم، فليست المشكلة هنا، كما يراها كل فرد، ولكنها قضية الجماعة التي تعيش متوجسة خائفة فإذا ثقل عليها الخوف والتوجس، تبلد إحساسها بما كان وما سيكون، وقنعت من دنياها بالحاضر تحياه إلى أن يقع بها على حدود الزمان المقبل، وهكذا أبداً. وقد كان ابن الخياط من جراء واقعه الذي خلق فيه تلك الفلسفة يعيش في انتظار الأحوال أن تنقلب إلى أحسن ليعانق انقلابها ويحييه. أرأيت إليه وهو يرتفع ببني أبي الحسين ويتحدث عن بقايا الحسن وعن ذبول النوار وعن تلك الوجوه التي مزج ماؤها بالكرم، أرأيت إليه كيف انقلب في ساعة واحدة لما استوى ابن الثمنة على غارب الأمر وراح يسير في موكبه مهللا يقول: سر حيثُ فأنتَ وحدك عسكرُ ... والناسُ بعدَكَ فضْلةٌ لا تذكرُ ولقد شهد ابن الخياط فتنة صقلية فلبس فيها عباءة الحكيم، وذهب يحذر قومه أمرها ويحدثهم عن صدور الأمر الكبير من الصغير، والنار من الشرارة، ويقول: وقلتُ تلاَفوا شجة الدهر إنها ... إذا نغلتْ أعيت مطبة آس فإذا جرت إلى الويل قال لهم: ألم أنبهكم؟ لا يهنْ عليك حقيرٌ ... رب شأن يكون منه شئون وشجة الدهر التي نغلت وأعيت كل طبيب - هذا التعبير دليل على يقظة حسية في ابن الخياط لما كان يراه في وطنه، ولعل هذه اليقظة ثم اعتقاده أنه أدى واجبه بتلك النصائح هما الأمران اللذان خففا وقع الحزن على نفسه عند ضياع ذلك الوطن فلم يرثه بشيء. ثم انتهت الفتنة بعد ما خرج ابن الثمنة من وسط اللهب فإذا ابن الخياط يطلب الحياة من جديد، ويعيش كما يريد الحاضر وينسى الماضي، لأنه خلق لحاضره وخلق حاضره له أملاً يكفيه حتى ينقضي، ولم يكن مثالياً لنقول إنه سقط دون مثله وتنكر لها.

стр. 209

٥ - الطبيعة الريفية في شعره ونظن أن ابن الخياط في حياته المدنية التي تقلبت به بين الأمراء لم يكن شاعراً يعبر عن جمال الطبيعة الصقلية، ولكن تلك الطبيعة تسربت إلى نفسه وكمنت في أعماقها. ومن ثم ترى أن غيره من الشعراء لم يقفوا عند الكروم ومروج القمح ولا عند الجبال والعيون. وابن الخياط لم يقف عندها كذلك ولكننا لأول مرة نقف عند شعر صقلي تتردد فيه مناظر العنب وقطفه، والسنابل الخضر والصخرة التي يتفجر منها الماء. فهو يصف الكرمة يقوله: وكأن أقرطةً على قضبانها ... منظومةً سبجاً بها وعقيقا وكأن قاطفها يميثُ بكفه ... من مائها بالزعفران خلوقا ويقول فيها أيضاً: ملاحيةً بيضاً وسوداً حوالكاً ... وحمراً وصفراً ملبسات مجاسدَا كأن على أيدي القواطف تحتها ... بما قنأت منها عروقاً مفاصدا وليس في هذه الأوصاف شيء يلفت النظر، وإنما الذي يستوقفنا هو موضوعها - وصف الكرمة - فإن الشعراء الآخرين تعلقوا بوصف الخمر دون العنب، أما هذا الشاعر فله التفاتة - أي التفاتة. إلى ما يملأ ربي وطنه. وهو يقول في أبيات يتنجز بها عدة من انتصار الدولة: وإن أولى نبات أن تثمرهُ ... صنيعةٌ أنت مولاها وموليها فرُبها إنها سبعٌ سنابلها ... في حبة بارك الرحمن لي فيها أودعتها في ثرى جعد فأبنتها ... مستأرضاً أرضها خضراً أعاليها فابعث ولياً وسميها مدداً ... إن الكتائب منصور تواليها

стр. 210

فهذه الصورة الريفية الجميلة التي استغلها في معنى الصنيعة والنعمة لا تجد لها مثيلا في وحدتها واكتمالها وتدرجها من بين الشعر الصقلي، وهي أول صورة ترف رفيفها وتهتز بالسنابل، ولا شك في أن الوقوع عليها لمن يعيش في صحراء الشعر الصقلي ابن الكتاتيب والكراسات، كسب يجعله يعلق بها كما يعلق الكرم بمن يدنو منه - والتشبيه لشاعر صقلي آهر. ويقول في تكرير التجربة مرة بعد مرة: كالصخرة الصماء يرجعُ معولى ... متثلماً عنها ولا يتفطر لا بل أصابرُها على نزقاتها ... إن المياه من الصفا تتفجر وتتردد هذه الصورة - صورة الماء المتفجر من الصف - في شعره. وفي البيتين السابقين تحس في ذكر المعول صقلياً من أولئك الكادحين في الأرض، وفي الأمواه المتفجرة صورة من تلك الينابيع التي تستوطن الصخر. ولا شك في أن صورة السنابل والحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عيناً مستمدتان من القرآن الكريم، ولكن الشاعر لم يقع على هذه الصور بمحض المصادفة أو لمحض ورودها في القرآن، ففيه صور أخرى كان يستطيع أن يستمدها منه ولكن هذه المعاني تحتل من نفسه مكاناً عميقاً، لأنها من البيئة الزراعية ذات السنابل أو ذات الصخور المتفجرة بالينابيع، فاستحضار هذه الصور ملائم للمعنى حقاً، وهو أيضاً دليل على اشتغال نفسه بها اشتغالا يؤكد تأثير البيئة.

стр. 211

٦ - البيئة المدنية في شعره ويمتد شعوره بالبيئة إلى الحياة المدنية، وهنا لا نجد عنده التغني بجمال الرقيق فحسب، بل شعور السيد الأرستقراطي إزاء عبيده فهو لم يصور شقاء العبيد ولكن صور شقاءه بهم، ولم يحاول أن يستشف نفسية العبد، أو أن يعتذر عنه بما أجراه عليه الرق. وفي هذا يقول: لي عبد سوء وعبد السوء منكدة ... والمسترق بعبد السوء مولاهُ كأنني كلما أنهاه آمره ... وحين آمرُهُ بالشيء أنهاه قالوا سعادةُ فأل من سعادته ... كأنهم جهلوُا اسماً ضد معناه إن الغراب أبو البيضاء كنيتهُ ... فانظر بأي سواد خصه الله وهو كغيره من شعراء صقلية فتن بالغلمان النصارى وتغزل بهم في غير تبذل: كأن على لباتهمْ وخدودهم ... وذائل ملساً من لجين وعسجد ترى كبرياءُ الحسم في لحظاتهم ... تشابُ برهبانية المتعبد إذا قبلووا صُلبانهم رشفت بهم ... حصَى برَد فيه مجاجةُ صرخد وعاقر الخمر ووجد طلبته منه الدساكر، وهو الوحيد الذي نجد عنده تصويراً لصاحب الحان وتحليلا لخلقيته. وهو أول شاعر يصرح بنوع من الحياة اجتماعية لم نسمعه عند غيره بصقلية إذ يجعل مجالا للقاء المحبوب لا للعبادة والدرس وحدهمما: يا حبذا المسجد الذي جمعت؟ ... نا فيه مقصورة إلى العصر ما ان إلا بستان تلهية ... لولا مراعاةُ حُرمة الشهر

стр. 212

أما القاعدة العامة عنده في معاملة الناس فهي الصبر حتى ينبض الماء من الحجر والرفق في القول والعمل. وما قلل النقد في شعره للحياة الاجتماعية إيمانه بقلة الاكتراث وعدم الاهتمام بالأمور التي لا تعنيه مباشرة، وعدم التعمق والتحقيق مع الناس والرضى منهم بالمجاز. وصفات الرفق واللطف والرقة تجلى في واقعه العملي أكثر من صنعته الشعرية . وإذا استنجز عدة تأخرت رايته يترفق في التذكير بها واجتلاب الانتباه إليها، كقوله سيستنجز الدولة حاجة وعده بها: وقائل قال لي أبشرْ بمنجحة ... إن الأمير كريمٌ قال فانتصرا ما حاجة هي أولى أن تفوز بها ... من حاجة منحتها عينهُ نظرا إذا ابن مستخلص الإسلام قام بها ... فاقعد فإنك قد وليتها الظفرا ألقيتها منه في سرّ يجولُ به ... إذا تناسيتها مستبطناً ذكرا وقد جعلته صلته بالملوك جباناً يفرق من نقد الحياة السياسية والاجتماعية، ومن حكمه في هذا الشأن قوله: إن سبّ الملوك من شع المو ... ت فإياك أن تسب الملوكا إن عفوا عنك بالذنوب أهانو ... ك وإن عاقبوا بها قتلوكا ٧ - صنعته الشعرية أما في صنعته الشعرية فإنه لا يحفل كثيراً باللطف والرقة، وهو أقدر على تصوير المناظر العنيفة منه على تصوير المناظر الهادئة. ومع ذلك فهو شغوف بوصف الحديث وسحره وجماله، أي هو شغوف بالرقة التي تنساب في الكلام، وأوصافه للحديث ليست بشيء لأنها تقليد الشعراء

стр. 213

معروفين كبشار وابن الرومي ولا يزيد عن وصف الحديث بأنه رطب يانع أو خمر معتقة أو فاكهة رطبه. فهل يكون شغوفاً بالرقة في الحديث لأنه يستطيع أن يسيطر على الموسيقى في الفاظه؟ استمع إليه يقول: والحديث الذي يهزل منه ... في الهوى أريحيةٌ النشوان أو يقول: ما ضرّ من قتهُ حديثك أنْ ... يحرم قوتاً بقية العمر اللحظُ راحٌ واللفظُ فاكهةٌ ... والخد رامشنةٌ من الزهر فهل هذه العبارات التي تجيء فيها " يهزل " " وقته " " ورامشنة " وهل تكرير عبد السوء في قصيدة سابقة مما يدل على كلف باللفظ الجميل؟ ومع ذلك فليست كل أشعاره تسودهها هذه الظاهرة من الإهمال في الموسيقى اللفظية ولا نستطيع أن نقول إن الخشونة هي الطابع العام في شعره. وهو في صناعته قادر على أن يخلق جواً عاماً كما رأيت في صورة السنابل وهناك قصيدة يمكن أن تتخذها مفتاحاً يقودنا إلى طريقته في تأليف الشعر وتلك القصيدة هي: ليس إلا تنفسٌ الصعداء ... وبكائي، وما غناءُ بكائي منْ رسولي إلى السماء يؤدي ... لي كتاباً إلى هلال السماء كيف يرقي إلى السماء كثيفٌ ... يسلك الجسم في ريقي الهواء عجز الإنس أن ترقى إليها ... فعسى الجن أنْ تكون شفائي أم ترى الجن تتقى شهب الرج ... م فدعني كذا أموت بدائي ليس في هذه القطعة حلاوة موسيقية، وإنما فيها وحدة وتسلسل، فالشاعر يعلن العجز ويتنفس الصعداء لعل أنفاسه تكشف عن حاله لهلال سماوي فتن به

стр. 214

ولكن أنفاسه لن تبلغ إلى هنالك لأنها أعجز من أن تقطع هذه المسافة الطويلة فأين الرسول الذي يقطعها؟ ولكن الرسول الإنسى كثيف، وكيف يمكن للكثيف أن يرقى في الهواء الرقيق - لا شك أنها محاولة مخفقة، فليلجأ الشاعر إلى الجن، إلى مادة نارية رقيقة غير كثيفة، ولكن أليس الجن قد حرمت عليهم معارج الرقى إلى السماء وشهب الرجم تتلقاهم بالموت، إذن فماذا بقي؟ لا الإنس يستطيعون ذلك ولا الجن يقدرون عليه فليبق الشاعر حيث هو يتنفس الصعداء ويرسل الدموع الحارة فذلك هو كل نصيبه في الحياة. وتسأل لم اختار الشاعر بناء هذه الصورة بهذا التدرج الذي لا تجد فيه ثغرة؟ لأن أمامه فكرة معينة لا يريد أن يتخلى عنها وهي أن حبيبه هو " هلال السماء ". وأحياناً تتميز قصيدته بالاندفاع الذي يسوق في طريقه انسجاماً عاماً في التعابير، وتفارق الشاعر خشونته إلا قليلاً، كما في هذه المقدمة الغزلية بقصيدة هنأ بها أبن ثقة الدولة بالسلامة من الجدري وفيها يقول (١) : لا يطمعنك في السلو تكهلي ... أنا من علمت على الغرام الأول إن كان غرّك ذا الوقار فإنه ... كالطيب يعبق في القميص وقد بلى نسك نصب به حباله مطعم ... متعود قنص الغزال الأكحل ولرب مأربة لبست لها الدجى ... وقضت بها زطراً لطافة مدخلي أسرى كما تسرى النجوم لحاجتي ... والناس بين مدثر ومزمل

стр. 215

فراغ
следующие страницы →