٦ - البيئة المدنية في شعره
ويمتد شعوره بالبيئة إلى الحياة المدنية، وهنا لا نجد عنده التغني بجمال الرقيق فحسب، بل شعور السيد الأرستقراطي إزاء عبيده فهو لم يصور شقاء العبيد ولكن صور شقاءه بهم، ولم يحاول أن يستشف نفسية العبد، أو أن يعتذر عنه بما أجراه عليه الرق. وفي هذا يقول:
لي عبد سوء وعبد السوء منكدة ... والمسترق بعبد السوء مولاهُ
كأنني كلما أنهاه آمره ... وحين آمرُهُ بالشيء أنهاه
قالوا سعادةُ فأل من سعادته ... كأنهم جهلوُا اسماً ضد معناه
إن الغراب أبو البيضاء كنيتهُ ... فانظر بأي سواد خصه الله وهو كغيره من شعراء صقلية فتن بالغلمان النصارى وتغزل بهم في غير تبذل:
كأن على لباتهمْ وخدودهم ... وذائل ملساً من لجين وعسجد
ترى كبرياءُ الحسم في لحظاتهم ... تشابُ برهبانية المتعبد
إذا قبلووا صُلبانهم رشفت بهم ... حصَى برَد فيه مجاجةُ صرخد وعاقر الخمر ووجد طلبته منه الدساكر، وهو الوحيد الذي نجد عنده تصويراً لصاحب الحان وتحليلا لخلقيته.
وهو أول شاعر يصرح بنوع من الحياة اجتماعية لم نسمعه عند غيره بصقلية إذ يجعل مجالا للقاء المحبوب لا للعبادة والدرس وحدهمما:
يا حبذا المسجد الذي جمعت؟ ... نا فيه مقصورة إلى العصر
ما ان إلا بستان تلهية ... لولا مراعاةُ حُرمة الشهر
стр. 212
أما القاعدة العامة عنده في معاملة الناس فهي الصبر حتى ينبض الماء من الحجر والرفق في القول والعمل. وما قلل النقد في شعره للحياة الاجتماعية إيمانه بقلة الاكتراث وعدم الاهتمام بالأمور التي لا تعنيه مباشرة، وعدم التعمق والتحقيق مع الناس والرضى منهم بالمجاز. وصفات الرفق واللطف والرقة تجلى في واقعه العملي أكثر من صنعته الشعرية .
وإذا استنجز عدة تأخرت رايته يترفق في التذكير بها واجتلاب الانتباه إليها، كقوله سيستنجز الدولة حاجة وعده بها:
وقائل قال لي أبشرْ بمنجحة ... إن الأمير كريمٌ قال فانتصرا
ما حاجة هي أولى أن تفوز بها ... من حاجة منحتها عينهُ نظرا
إذا ابن مستخلص الإسلام قام بها ... فاقعد فإنك قد وليتها الظفرا
ألقيتها منه في سرّ يجولُ به ... إذا تناسيتها مستبطناً ذكرا وقد جعلته صلته بالملوك جباناً يفرق من نقد الحياة السياسية والاجتماعية، ومن حكمه في هذا الشأن قوله:
إن سبّ الملوك من شع المو ... ت فإياك أن تسب الملوكا
إن عفوا عنك بالذنوب أهانو ... ك وإن عاقبوا بها قتلوكا
٧
- صنعته الشعرية
أما في صنعته الشعرية فإنه لا يحفل كثيراً باللطف والرقة، وهو أقدر على تصوير المناظر العنيفة منه على تصوير المناظر الهادئة.
ومع ذلك فهو شغوف بوصف الحديث وسحره وجماله، أي هو شغوف بالرقة التي تنساب في الكلام، وأوصافه للحديث ليست بشيء لأنها تقليد الشعراء
стр. 213
معروفين كبشار وابن الرومي ولا يزيد عن وصف الحديث بأنه رطب يانع أو خمر معتقة أو فاكهة رطبه.
فهل يكون شغوفاً بالرقة في الحديث لأنه يستطيع أن يسيطر على الموسيقى في الفاظه؟ استمع إليه يقول:
والحديث الذي يهزل منه ... في الهوى أريحيةٌ النشوان أو يقول:
ما ضرّ من قتهُ حديثك أنْ ... يحرم قوتاً بقية العمر
اللحظُ راحٌ واللفظُ فاكهةٌ ... والخد رامشنةٌ من الزهر فهل هذه العبارات التي تجيء فيها " يهزل " " وقته " " ورامشنة " وهل تكرير عبد السوء في قصيدة سابقة مما يدل على كلف باللفظ الجميل؟ ومع ذلك فليست كل أشعاره تسودهها هذه الظاهرة من الإهمال في الموسيقى اللفظية ولا نستطيع أن نقول إن الخشونة هي الطابع العام في شعره.
وهو في صناعته قادر على أن يخلق جواً عاماً كما رأيت في صورة السنابل وهناك قصيدة يمكن أن تتخذها مفتاحاً يقودنا إلى طريقته في تأليف الشعر وتلك القصيدة هي:
ليس إلا تنفسٌ الصعداء ... وبكائي، وما غناءُ بكائي
منْ رسولي إلى السماء يؤدي ... لي كتاباً إلى هلال السماء
كيف يرقي إلى السماء كثيفٌ ... يسلك الجسم في ريقي الهواء
عجز الإنس أن ترقى إليها ... فعسى الجن أنْ تكون شفائي
أم ترى الجن تتقى شهب الرج ... م فدعني كذا أموت بدائي ليس في هذه القطعة حلاوة موسيقية، وإنما فيها وحدة وتسلسل، فالشاعر يعلن العجز ويتنفس الصعداء لعل أنفاسه تكشف عن حاله لهلال سماوي فتن به
стр. 214
ولكن أنفاسه لن تبلغ إلى هنالك لأنها أعجز من أن تقطع هذه المسافة الطويلة فأين الرسول الذي يقطعها؟ ولكن الرسول الإنسى كثيف، وكيف يمكن للكثيف أن يرقى في الهواء الرقيق - لا شك أنها محاولة مخفقة، فليلجأ الشاعر إلى الجن، إلى مادة نارية رقيقة غير كثيفة، ولكن أليس الجن قد حرمت عليهم معارج الرقى إلى السماء وشهب الرجم تتلقاهم بالموت، إذن فماذا بقي؟ لا الإنس يستطيعون ذلك ولا الجن يقدرون عليه فليبق الشاعر حيث هو يتنفس الصعداء ويرسل الدموع الحارة فذلك هو كل نصيبه في الحياة.
وتسأل لم اختار الشاعر بناء هذه الصورة بهذا التدرج الذي لا تجد فيه ثغرة؟ لأن أمامه فكرة معينة لا يريد أن يتخلى عنها وهي أن حبيبه هو " هلال السماء ".
وأحياناً تتميز قصيدته بالاندفاع الذي يسوق في طريقه انسجاماً عاماً في التعابير، وتفارق الشاعر خشونته إلا قليلاً، كما في هذه المقدمة الغزلية بقصيدة هنأ بها أبن ثقة الدولة بالسلامة من الجدري وفيها يقول (١) :
لا يطمعنك في السلو تكهلي ... أنا من علمت على الغرام الأول
إن كان غرّك ذا الوقار فإنه ... كالطيب يعبق في القميص وقد بلى
نسك نصب به حباله مطعم ... متعود قنص الغزال الأكحل
ولرب مأربة لبست لها الدجى ... وقضت بها زطراً لطافة مدخلي
أسرى كما تسرى النجوم لحاجتي ... والناس بين مدثر ومزمل
стр. 215
فراغ
стр. 216
الفصل الرابع
هجرة الشعر من صقلية
١ - هجرة العلم والشعر إجمالا
стр. 217
فراغ
стр. 218
هجرة العلم والشعر إجمالاً
في خلال السنوات الثلاثين التي تم فيها الفتح حدث أول أثر مباشر في الحياة العقلية والأدبية بالجزيرة فإن عدداً كبيراً من العلماء والأدباء والصالحين غادر الجزيرة على دفعات - بعضهم فر فزعاً من أول هجوم، فخرجوا كما خرج ابن الصفار " فارين بمهجهم تاركين لكل ما ملكت أيديهم "، وبعضهم هاجر حين رجع أسطول ابني تميم ويئسوا من صلاح الأمر بعد فساده، وبعضهم تسلل من بعدُ، حين سنحت له الفرصة. ولا شك في أن الحرب نفسها قد قضت على بعضهم فقتلوا أو ماتوا وخاصة لما انتشر الوباء في بلرم، وفريق منهم آثر الإقامة في بلده (١) .
واختلفت وجهات المهاجرين فذهب جماعة إلى الأندلس ولكن أكثرهم حل في شمال إفريقية ووصل كثيرون إلى مصر. ولا شك في أن كثيراً من الذين توجهوا إلى المشرق كانوا يضعون نصب أعيهم حقيقتين بارزتين، أولهما أن صقلية كانت ذات يوم ولاية تدين بالتبعية لمصر، وثانيهما أن مكة كانت مهوى أفئدتهم، ولا يستغرب أن تكون الدوافع الدينية هي التي دفعت بكثير منهم في ذلك الاتجاه، حتى لقد جاور بعضهم في مكة في ظل الدين الذي كان يفيء على حياة المسلمين جميعاً، وتمحي في رحابه الحدود الجغرافية. وعاش الصقليون في خارج بلدهم يتابعون تلك الدراسات التي كانوا قد قطعوا فيها مرحلة طويلة، وأنشأوا لهم مدارس أدبية وفقهية ولغوية أينما حلوا (٢) ، فامتاز الصقليون في مصر بجهودهم في النحو واللغة والقراءات في كل من الإسكندرية والقاهرة، وتمتاز هذه
стр. 219
الحركة بما خلفوه من مؤلفات وخاصة ابن القطاع في اللغة والنحو والعروض (١) وابن الفحام في القراءات وأبو الحسن الصقلي في النحو والعروض. ولم تذكر المصادر مؤلفاً معيناً لأبي الحسن ولكني أظن أنه ترك في اللغة كتاباً أو كتباً ينقل عنها ابن منظور في اللسان (٢) . كما أن آراء ابن القطاع اللغوية مبثوثة في تاج العروس وهي فيما يظهر من كتابه في الأفعال.
أما ابن الفحام فألف في القراءات كتاب التجريد في بغية المريد (٣) حتى قال فيه بعض معاصريه " ما رأيت أعلم بالقراءات منه لا بالمغرب ولا بالمشرق وإنه ليحفظ القراءات كما نحفظ نحن القرآن " (٤) . وعند السلفي صورة واضحة عن هؤلاء الصقليين بمصر وعن ألوان نشاطهم الثقافي قد لا نجدها في مصدر آخر.
وفي إفريقية أتم المازري عمل المدرسة الصقلية في الفقه والحديث واشتهر في التدريس حتى قصده الطلبه من نواح كثيرة في الأندلس وإفريقية (٥) ودخلت تعاليمه وكتبه بلاد الأندلس مع تلامذته منها، وكاتبه بعضهم يستجيزه كتبه، وممن أجازهم القاضي عياض، وتخرج عليه من أهل إفريقية جماعة أصبحوا أعلاماً في المذاهب، وقصدوا للتدريس في المهدية وقابس وتونس وغيرها. وشهد له بالتفوق والذكاء رجال من غير مذهبه قال السبكي فيه " أما المازري.. فكان من أذكى المغاربة قريحة وأحدهم ذهناً، بحيث أجترأ على شرح البرهان لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة الذي لا يحوم حول حماه ولا يدندن حول مغزاه
стр. 220
إلا غواص على المعاني ثاقب الذهن مبرز في العلم " (١) .
وكان المازري على وجه الإجمال مالكياً أشعرياً متشدداً " مصمماً على مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري رضى الله عنه - جليلها وحقيرها كبيرها وصغيرها لا يتعداها ويبد من خالفه ولو في النزر اليسير والشيء الحقير " (٢) . وقد خالف الجويني أبا الحسن في مسالة ليست من القواعد المعتبرة فقال عنه في شرح البرهان من خطأ شيخ السنة أبا الحسن الأشعري فهو المخطئ (٣) . وخير ما يصور روحه في الدرس والبحث وقفته من الجويني في شرح البرهان ونقده للإمام الغزالي في الاحياء، ولا ندري إن كانت هذه الروح الشديدة المحافظة هي روح المازري وحده أو هي طابع مغربي صقلي، وعلى أي حال فقد رأينا المحافظة والتشدد يغلبان على مدرسة الفقه والحديث بصقلية (٤) .
أما الذين هاجروا الأندلس فكانت تغلب عليهم صبغة الشعر، وليس ذلك لتقارب بين البلدين في المذهب الشعري، وإنما هو بتأثير من بعض الأمراء الأندلسيين وخاصة ابن عباد، ممن كانوا يجزلون الهبات للشعراء.
ولابد من ان نجمع في الذهن صورة عن تلك التقلبات في الحوض الغربي من البحر المتوسط ونستعيد الأحداث التي وقعت على أثر النهضة الأدبية في الأقطار الثلاثة: إفريقية؟ صقلية - الأندلس. ففي بلاط المعز بن باديس كان الشعر الإفريقي في أقوى أحواله نشاطاً وحركة ولكن لم يمض وقت طويل حتى خربت القيروان وتفرق شعراؤها فغدوا الحياة الأدبية في كل من صقلية والأندلس - وقت أن كان حظ الشعر في هذين القطرين آخذاً بالصعود ولم يمض إلا سنوات حتى سقطت صقلية فإذا بكثير من شعرائها ينتقلون إلى الأندلس
стр. 221
ويزيدون فيها من نشاط الحياة الأدبية. وهذه الصورة من التنقل هي القاعدة التي تفسر الشعر في المغرب أثناء القرن الخامس. وعلى هذا الاعتبار تكون صقلية الأدبية حلقة في سلسلة كبرى. أما مادة هذه الحلقة - حديدية كانت تلك المادة أو ذهبية - ففيها أثر من الصياغة المشرقية، والشيء الغامض في هذه الحياة الأدبية بصقلية هو مدى تأثرها بالأندلس نفسها.
أما أشهر الشعراء المهاجرين من وجهة عامة فهم ابن حمديس وأبو العرب الصقلي وابن أبي البشر البلنوبي الصقلي، والثالث بين هؤلاء توجه إلى المشرق وقد تقدمت الإشارة إليه بين من نزلوا مصر وزالوا فيها الدراسات اللغوية والنحوية. ولكنه كان إلى ذلك شاعراً وإذا استثنينا ابن حمديس كان شعره أكثر ما وصلنا لشاعر صقلي إذ يشمل الجزء المتبقي من ديوانه وجزءاً آخر اختاره العماد في الخريدة وجزءاً ثالثاً في مختصر الدرة وغيره، ولكن في دراسة هذا الشعر على أنه صقلي حيفاً على دقة البحث، إذ لا نلمح فيه أي ذكر أو إشارة لصقلية من ناحية، كما أن الطابع الفني العام فيه مفارق لسائر الشعر الصقلي، من ناحية أخرى. إنما من الطبيعي أن يدرس البلنوبي في ظل بيئات جديدة عاش فيها، وفي ظل ثقافته اللغوية النحوية العروضية. والشعر الذي بقى له كله في المدح والغزل وقصيدة واحدة في رثاء أمه التي توفيت بمصر. وممدوحوه كبني الموقفى واليازوري وعز الدولة وابن المدبر ورئيس الرؤساء كلهم من المشارقة. ومن المظاهر البارزة في شعره الرقة في الأسلوب إذا قورن بالشعر الصقلي عامة، واعتماد بعض أنواع من البديع. ومن المؤثرات التي تركها فيه تدريس العروض اعتماده أحياناً بناء القصيدة لتقرأ على عدة اوزان وهو الصقلي الوحيد الذي يحاول ذلك. أما دراسة اللغة والنحو فجعلته يوجه اهتمامه إلى محاولات تافهة من مثل الألغاز بالأسماء، وجمع حروف المعجم في بيت واحد. ولكن شعره عامة غير خاضع لنظرة عامة كونية وقد نستخلص منه وحدة تقع تحت عنوان اللذة تتبدد بها النزاعات المتضاربة وتمسخ منها، فهي حيناً لذة الفاتك وحيناً لذة العفيف
стр. 222
ومن هذه الحيرة بين ما تمليه الشهوة وبين ما تحد منه قلة التجربة يقع الشاعر في التناقض البين. فقد يصور لك قصيدة من شعره أنه عَفّ وغضّ طرفه وقبل الكأس محمولاً على التشبيه والتمثيل (١) :
قبلت خد لكاس محمولا على ال؟ ... تشبيه أو ضرباً من التأويل
بالرغم مني أن أصادف بغيتي ... وأعود منها راضياً ببديل
وغضضت من بصري ولو أطلقته ... لعلمت أين مواقع التقبيل ثم ينسى هذا التعفف الذي دفع غليه دفعاً بعد بيت واحد أو بيتين وإذا هو ينال كل ما اشتهاه، فيقبل الحبيب ويعانقه بعد ما أظهر الندم على ما حرمه. وبين هذا الحرمان الواقعي والنيل المتخيل يقع الشاعر في التناقض، لأنه يبني من الأحوال التي يعالجها غيره واقعاً لنفسه لم يتحقق.
ولكن صقلية تتجسم في شعر أبي العرب - بعض الشيء، وإن كنا حرمنا الشعر الذي قاله هذا الشاعر في صقلية إذ لم يصلنا إلا بعض القصائد التي قالها في الأندلس وهي على قلتها ترسم لأبى العرب حدود شخصية واضحة - شخصية الشاعر الجاد الذي تسيطر عليه الفخامة والقوة. وهو في هذه الناحية وفي إيمانه بالخمر يشبه ابن حمديس ولكنه يفارقه في النظرة الوطنية. فكلا الرجلين تلقى ضياع الوطن تلقياً يتفق مع نفسيته. فقد اجتمعت عوامل كثيرة على أن تحرم ابن حمديس كل عزاء بعد ما غلبه اليأس من العودة إلى وطنه. أما أبو العرب فإنه أظهر التجلد وتعزى عن هذا الوطن، وأغلق باب التصريح دون حزنه فلم يبد إلا في فلتات قليلة نتبينها في مثل قوله (٢) :
وهل في ضمير الدهر للقرب عودة ... فنغني كما كنا أم الصبر أعود
ليالي ترضينا الليالي كأنها ... إلينا بإهداء المنى تتودد
стр. 223
وذهب يقنع نفسه - كما سبق أن أشرت - أن الأرض كلها وطن ما دام أصله من تراب، وشغل نفسه حيناً بالتدريس، فكان في كل تلك المحاولات ما يسليه قليلا.
ولكن سقوط صقلية بعد إخفاق ابن عباد في سرقوسة ونوطس ووقوع الجزيرة في يد النورمان خلق ابن حمديس خلقاً جديداً، ولم تستطع تلك الهجرة أن تنسيه صقلية، فظل يحن إليها طوال حياته، فإلى ابن حمديس شاعر صقلية أوجه الاهتمام في الفصل التالي.
стр. 224
الفصل الخامس
ابن حمديس أثر من آثار الفتح
١ - مجمل حياته
٢ - العشر الصقلي في ديوانه
٣ - تحليل قصيدتين صقليتين له
٤ - أثر صقلية في نفسه وشعره
стр. 225
فراغ
стр. 226
١ - مجمل حياته
كان ابن حمديس سرقوسي الأصل، وربما لم يكن يزيد عمره، حين سقطت بلرم، عن سبعة عشر عاماً. وفي هذه السن الباكرة شهد صقلية تضيع من أيدي المسلمين بلداً آخر، وشهد ما هو ابعد اثراً من ذلك في نفسه، فقد حضر طرفاً من وقفة وطنه وعناده للنورمان مع ابن عباد، واشترك هو نفسه في الدفاع عن ذلك الوطن، فهو يحدثنا عن المعارك البحرية التي كان يخوضها أهل بلده فيقول في إغراقهم لسفن الأعداء (١) :
صَببنا عليها ضربنا من صَوَارم ... فغاضت بها من أسرها القلب أنفس
ونحن بنو الثغر الذين سيوفهمْ ... ذكورٌ بأبكار المنايا تعرسُ
فمن عزمنا هنديةُ الضرب تنتضى ... ومن زَندنا ناريةُ البأس تقبسُ وفي سرقوسة وهب شبابه للحب والحرب والتمتع والحرب والتمتع بالحياة ولذائذها، فكان يخرج مع صحبه إلى الحانات او الأديرة ليشرب الخمر ويسمع الغناء وينعم بمناظر الرقص، وترك هذا اللون من حياة الفروسية أثره العميق في نفسه وخاصة وأنه لم يرو غليله منه. وفي أثناء هذه الفترة من حياته ببلده توفي جده وهو يرسم حياة مناقضة نقيضاً مفارقاً لشبابه العارم، إذ توفي عن ثمانين عاماً قضاها في النسك، وكان هو الشخص الوحيد من أقربائه الذي استطاع أن يودعه قبل ان ينزل (٢) :
تنسك في برّ ثمانين حجة ... فيا طول عُمر فر فيه إلى الرب
ضممتُ إلى صدري بكفي صَدره ... وأسندت مخضر الجناب إلى الجنب
стр. 227
تبركت الأيدي بتسوية الثرى ... على جبل راسي الأناة على هضب ولم يكن قد تجاوز الرابعة والعشرين حين غادر صقلية وذهب يصحب العرب في الصحراء الإفريقية سنة ٤٧١، ولعله في هذه الفترة من حياته اتصل بالأمير تميم ومدحه، وربما كان يشير إلى ذلك بقوله فيما بعد يخاطب الحسن بن علي (١) :
ومدحت غلاماً جد أبي؟ ... ك وها أنا ذا شيخاً يفنا ونحن نجهل كل شيء عن سبب هذه الرحلة أما ما ظنه أمارى من حادثة غرامية أخرجته عن وطنه مستمداً ذلك الظن من إحدى قصائده (٢) فقد صححه فيه البارون فون شاك إذ ليس في القصيدة المشار إليها أي تلميح إلى مثل ذلك الحادث.
وإذا صدقت الروايات فإنه في العام نفسه انتقل من إفريقية إلى الأندلس ودخلها سنة ٤٧١هـ؟ أيضاً. وفي التكملة (٣) أنه لما دخل الأندلس امتدح جماعة من ملوكها ثم صار من بعد إلى إشبيلة حيث المعتمد بن عباد، وهذا يفيد أنه مدح جماعة آخرين قبل اتصاله بالمعتمد، مع أن ديوانه يكاد يقطع بأنه قصد المعتمد دون أن يعرج على غيره. وهو يحدثنا أن المعتمد أقام مدة لا يلتفت إليه ولا يعبأ به، حتى كاد يستولي عليه اليأس وهم بالنكوص على عقبه. وهذه نقطة هامة لأنها تدلنا على أن المعتمد لم يستدعه أبا العرب وابن رشيق والحصري وغيرهم. وبينما كان اليأس قد أخذ يدب نفسه، جاءه غلام يحمل شمعاً ومركوباً ويدعوه لمقابلة المعتمد، فلما وصل إليه أجليه على مرتبة فنك، وأراه منظراً وامتحن به قدرته على إجازة الشعر ومنحه جائزة سنية والزمه خدمته (٤) .
стр. 228
وفي هذه الفترة التي استمرت ما لا يقل عن ثلاثة عشر عاماً ذهب ابن حمديس يطيل قصائده في المعتمد، ويذكر جهاده وانتصاراته على الفرنجة، ويصف المعارك التي كان يخوضها، ويشارك في حياة الأندلس اللاهية فيحضر الدعوات ويخرج إلى المتنزهات ويشرب الخمر ويلهو مع اللاهين ويتبارى مع المتبارين في صياغة الشعر.
وكانت سرسوقة التي خلفها وراءه لا تزال تجاهد، وابن عباد الصقلي يغزو قلورية ويكسب نصراً بعد نصر، وكل شيء من أحداث الوطن يزيد في الأمل ويجعل أوبه المغترب أمراً ممكناً، وابن حمديس في المجالس وبين الناس يضحك للحياة وينال من طيباتها، فإذا خلا إلى نفسه تذكر صقلية ورجح الشك عنده على اليقين، وكان يعكر عليه صفاء الحياة ما يرد عليه من أنباء أصحابه الذين قتلوا ولداته الذين خطفهم المنية، وأقربائه الذين صرعتهم الحروب، وفي غمرة من تلك الغمرات اللاهية وصلته رسالة من وطنه تحمل إليه النبأ بوفاة أبيه وبأنه قبل وفاته كتب له رسالة يوصيه فيها بالبر ويحضه عليه. وفزع ابن حمديس للنبأ وزاد في حزنه إحساسه بأنه غريب، واجتمعت في نفسه عواطف الغريب الذي فقد شخصاً من أحب الناس إلى قلبه، فرثى والده باكية كانت أول الغيث من تلك الدموع التي ظل يبكي بها الوطن طوال حياته:
أتاني بدار النوى نعيه ... فيا روعةَ السمع بالداهيهْ
فحمر ما ابيض من عبرتي ... وبيضَ لمتىَ الداجيه
بدار اغتراب كأن الحياة ... لذكر الغريب بها ناسيه
فمثلتُ في خلدي شخصهُ ... وقربت تربته القاصية
ونحتُ كثكلى على ماجد ... ولا مسعدٌ لي سوى القافيه
وما أنس لا أنس يوم الفراق ... وأسرارُ أعيننا فاشيه
ورحتُ إلى غربة مرة ... وراح إلى غربة ساجيه
مضى وهو منى أخو حسرة ... تمازج أنفاسه الراقية
стр. 229
فلم يبك في القصيدة أباه بمقدار ما بكى نفسه، ولم يتأثر لموت أبيه بمقدار ما أثر في نفسه أنه لم ير أباه قبل الموت. وفي هذا الحزن الجارف تمثل تلك الصورة المحبوبة لديه، وتذكر يوم الفراق، وحسرة أبيه وهو يودعه، كأنما كان يحس من يومئذ أنه يودعه إلى الأبد.
ولكن ابن حمديس لم يغادر الأندلس بل ظل يمدح ابن عباد متكئاً في مدحه على ما كان أكبر حقيقة لديه، إذ اخذ يذكره أن تعلقه به شديد وأن حبله به وثيق لم يقطعه موت أقربائه في الوطن، ولم يجذه موت أبيه، وكان حقيقاً به أن يرجع ولكن لطف ابن عباد قيده (١) :
وكم حوى الترب دونى من ذوي رحمى ... وما مقلتُ لبعدي منهم أحداً
ولم يسرني ممن مثواكَ موتُ أبي ... وقد يقلقلُ موتُ الوالد الولدا
وما سددت سبيلي عن لقائهم ... لكن جعلتَ صفادي عنهم الصفدا
وحسن برّ فاضَتْ حلاوته ... على فؤاديَ من حر الأسى بردا في هذه الفترة من حياته كان يشيد بانتصارات قومه ويمدحهم ويحضهم على مواصلة القتال ويحذرهم الغربة، وينصحهم بالاعتماد على أنفسهم، فإنه لن يغنيهم تطلعهم إلى الناس. ولكن صقلية سقطت فهز سقوطها قلبه، ولم يكد يفيق من هول الصدمة حتى رأى نفسه يقف إلى جانب ابن عباد الأسير في أغمات، وكأنما شعر بصقلية تسقط مرتين، وربما كان في المرة الأخيرة حادث انكسار المركب به أثناء خروجه من الأندلس وغرق جارية له تسمى جوهرة. وهو يشير إليها في كتاب كتبه إلى ابن عمته أبي الحسن بعد أن كتبت له السلامة (٢) :
ألمْ أكُ في الغرقي مشيراً براحتي ... فلم أنجُ إلا من لقاء حمامي
ألم افقد الشمس التي كان ضوءها ... يجلّي عن الأجفان كل ظلام
стр. 230
طمعت بهذا كله في لقائكم ... لتغرم نفسٌ اتلفتْ بغرام وأقام في أغمات مدة قريباً من المعتمد واتصل بأبي القاسم قاضي سلا (١) ومدحه، ولكن مقامه لم يطل وعاد إلى المهدية - إلى الأمير تميم فمدحه ومدح بيجاية المنصور بن الناصر بن علناس، ثم اختص بمدائحه بعد تميم ابنه يحيى وعلي بن يحيى والحسن بن علي. وفي هذه الفترة الطويلة يجد الدارس قصائد تصور العلاقة بين صقلية النورمانية وشمال إفريقية ويستشف منها كيف وقفت الأيام بابن حمديس وقفة من يهاجم أعداء بلده لا بالسيف والرمح ولكن بالشعر.
وطال به العهد في إفريقية في ظل بني باديس وغيرهم، وظل يتردد ما بقي من عمره الطويل بين المهدية وبونة وبجاية وميورقة وفقد بصره في أواخر حياته (٢) وأصبحت العصا ضرورة لازمة له، ومرة نراه يدخل على كرامة بن المنصور صاحب بونة، وهو كفيف البصر، فيقول له كرامة: كيف حال الشيخ فيجيبه كيف حال من كان صاحب عينين فصارتا غينين فقال له كرامة: " خذ هذه العصا وتعكز عليها " فمد يده لاماً باعه بعد ذلك بثلاثين ديناراً (٣) . ومع ذلك فإنه لم يشر إلى فقدان بصره في شعره، وفي الثمانين من عمره كان نشاطه الفني لا يزال قوياً - على ضعفه وشيخوخته - فكم رئى من أناس ماتوا وهو في تلك السن، وكم نظر إلى الثمانين وهو لايصدق أنه بلغها، وكأن رثاءه للناس كان رثاء يمهد به للبكاء على نفسه، زكأن توقد الشعلة في ذلك العام كان إيذاناً بانطفائها وفناء ذلك " العنصر " الحساس. وفي شهر رمضان عام ٥٢٧ توفي ودفن بيجاية. أما القول بأنه دفن في ميورقة بجانب ابن اللبانة (٤) فخلط بينه وبين أبي العرب الصقلي، لأن ابا العرب هو الذي دفن بميورقة إلى جانب الشاعر المذكور (٥)
стр. 231
٢ - الشعر الصقلي في ديوانه
أربعة وعشرون عاماً في صقلية - تلك هي كل الفترة التي عاشها ابن حمديس في وطنه، على تحقيق، أما إذا شئنا المجاز قلنا إنه عاش كل حياته في ذلك الوطن - أي في ظل الأعوام التي وعي ذكرياتها وأحداثها. وقد كانت تلك السنون هي عصر الشباب، وفي ذلك العهد تكونت النواة الأولى لشاعريته فشعره في صقلية إبان الصبا هو شعر الفارس المحارب الذي يلتفت إلى آلات الحرب والسفن الحربية ويعتز بالقوة ويحب فيكون حبه عارماً وشهواته فاتكة، ويتردد بين عنف الحرب، ورقة الحب. وهذا ما نلمسه في قصيدة له من ذلك العهد مطلعها (١) :
ليَ قلب من جامد الصخر أقسى ... وهو من رقة النسيم أرق وفي هذا الشعر الذي قاله في الصبا فخر بالضرب والطعن وبالفتك الشهواني، وهي نشأة عارمة تمثلها لك القصيدة التالية (٢) :
وذات ذوائب بالمسك ذابت ... بلغتُ بها المنى وهي التمنى
منعمة لها إعزاز نفس ... يصرفُ دلها في كل فن
شموسٌ من ملوك الروم قامت ... تدافع فاتكاً عن فتح حصن
بخد لاح فيه الوردُ غصناً ... وغصنٌ ماسَ بالرومان لدن
فطالت بيننا حربٌ زبون ... بلا سيف هناك ولا مجنّ
وفاضت نفسها الحمراء منها ... وفاضت نفسي البيضاء منى
стр. 232
ففي هذا الشعر - والشعر الذي قاله في صباه عامة - قوة الشباب واندفاعه وحرارته وحدة شهواته وصوره المستمدة من حياة القتال ومن دفاع الروم ومن مهاجمة الحصون. وقد ظل ابن حمديس عاكفاً على هذه الصور يحبها لأنها كانت جزءاً من شبابه، وبعد أن خفت صوت الشباب عنده، ظل قوي الشهور جارف الرغبات، يكلف بوصف المعارك البحرية خاصة.
وقد بقي ثماني سنوات بعد خروجه من صقلية وهو يعلق أملا كبيراً على جهاد ابن عباد الصقلي وبني حمود بقصريانة وجرجننت، ويتوقع أن يكلل جهادهم بالنصر في النهاية. وكانت هذه الفترة كلها في الأندلس وفيها نظم قصائده " الصقليات " وهو في طور مزهر بالآمال، وفها أيضاً نظم القصائد التي يبكي فيها صقلية إثر سقوطها مباشرة (١) .
وفي القصائد التي كانت في عهد الرجاء نجده يفتخر بقومه " بني الثغر " الذين يغذي فطيمهم من حلب الأوداج، ويثنى على شجاعتهم وحربهم للروم في البر والبحر، ونكاية سفنهم ونفطها المحرق في أعدائهم، ويقر لعدوه بالقوة شأن الفارس الذي لا يفخر فخراً كاذباً:
ومتخذي قمص الحديد ملابساً ... إذا نكل الأبطال في الحرب اقدموا (٢)
كأنهم خاضوا سراباً بقعة ... ترى للدبا فيها عيوناً عليهم
صبرنا بهم صبر الكرام ولم يسغ ... لنا الشهد غلا بعد ما ساغ علقم وفي كل قصيدة من هذه القصائد " خاتمة حنين " إلى الوطن هي اضعف في القصيدة من حيث النفسية:
أحن إلى أرضى التي في ترابها ... مفاصلُ من أهلي بلين وأعظمُ
كما حن في قيد الدجى بمضلة ... إلى وطن عوْدٌ من الشوق يرزمُ
стр. 233
ونراه في قصيدة أخرى يحرض " بني الثغر " على الجهاد، ويدعوهم إلى أن يتركوا النوم، وأن يردوا وجوه الخيل نحو معركة تتكشف للروم عن ثكل ويتم، ويصولوا عليهم بالسيوف، وينفذ من ذلك إلى تذكيرهم بحق الوطن وعلوه على كل بلد آخر (١) :
ولله أرض إن عدمتم هواءها ... فأهواؤكم في الأرض منثورة النظم
وعزكمُ يفضي إلى الذل والنوى ... من البين ترمي الشمل منكم بما ترى
فإن بلاد الناس بلادكم ... ولا جارها والحلم كالجار والحلم
أعن أرضكم يغنيكم ارض غيركم ... وكم خالة جداء لم تغن عن أم
أخلى الذي ودى بود وصلته ... لدى كما نيط الولي إلى الوسمى
تقيد من القطر العزيز بموطن ... ومنْ عند ربع من ربوعك أو رسم
وإياك يوماً أن تجرب غربة ... فلن يستجيز العقلُ تجربةَ السّمّ وفي هذه القصيدة يتكىء ابن حمديس على قوته الخطابية، ويستفيد من تجربته التي عرفها في الحياة - تلك الغربة أو ذلك السم الذي ذاقه - ولا يريد لغيره أن يجربه، ولذلك يحرض أخاه في الوطن أن يموت مدافعاً عن وطنه، فذلك أجدى عليه من الضرب في بلاد الناس. ولا ندري أي روح أشاعتها هذه النصائح في نفوس السرقوسيين، وأي قوة بعثتها في دمائهم، ولكن الذي ندريه حقاً أن هذه النغمة لم تطل، فلم تلبث سرقوسة أن سقطت، وغرق ابن عباد الذي كان يحيي الأمل في نفس الشاعر، وسقطت قصريانة وعرقت الأحلام التي كانت تراوح ابن حمديس وتغاديه في كأس من الياس، وسقطت دمعة كان يحبسها وتحدثه نفسه أن اليوم الذي يذرفها فيه لم يحن بعد (٢) :
أعاذل دعني أطلق العبرة التي ... عدمتُ لها من أجمل الصبر حابسا
стр. 234
لقدرتُ أن تعودَ لقومها ... فساءت ظنوني ثم أصبحت يائسا
وعزّيتُ فيها النفس لما رأيتها ... تكابد داءً قاتل السمّ ناحسا
وكيف وقد سيمتْ هواناً وصيرتْ ... مساجدها أيدي النصارى كنائسا
إذا شاءت الرهبنُ بالضرب أنطقتْ ... مع الصبح والإمساء فيها النواقسا
صقليةٌ كاد الزمانُ بلادها ... وكانت على أهل الزمان محارسا
فكم أعين بالخوف أمستْ سواهراً ... وكانت بطيب الأمن منهم نواعسا
أرى بلدي قد سامه الروم ذلة ... وكان بقومي عزه متقاعسا
وكانت بلادُ الكفر تلبس خوفه ... فأضحى لذاك الخوف منهن لابسا ومن حقنا هنا أن نسجل لابن حمديس هذه الروح الدينية التي شاعت في هذه القصيدة، إذ لم نلمسها من قبل إلا في كلمة الجهاد المبهمة، أما هنا فإن المسجد قد احتل مكانته من نفس الشاعر، والغيظ على تلك النواقيس التي كان يدقها الرهبان دق في صدره - كان ابن حمديس يحب الوطن سواء اقترن بشعور ديني خاص أو لم يقترن، كانت ذكرياته من ذلك الوطن سيفاً وكأساً وقينة، فلو أنه كان يمس الوتر الديني في قصائده لكان كاذباً مع حياته ومشاعره. لقد كان يقدم الوطن على كل اعتبار آخر لأنه " الدين " الأول الذي يؤمن به، أما في هذه القصيدة فإن الدين لا يذكر إلا سمة من سمات التغير التي جرت على الوطن وأهله. وحسبك أن لا تلمح في ذكر الدين هذا استنفاراً أو طلباً للنجدة، فكل ما هناك صورة من تغير حال الوطن بعدما فقد حماته الأبطال، ولذلك ذهب ابن حمديس يثني على بطولتهم ويشيد بانتصاراتهم في قلورية، ويعرج على قصريانة فيبكي دروس الإسلام منها، ويتذكر سرقوسة وكيف أصبحت دار منعة لأعدائها، ولا عجب فقد أصبح أهلها الأبطال تحت الثرى، ولم يكن للأعداء حيلة فيها وهم فوقه، والذئب يتبخر في الغيل حين يغيب الأسد.
стр. 235
ومن المصادفات أن المعتمد سجن وسيم الذل سنة ٤٨٤ وتم للنورمان احتلال صقلية كلها في هذا العام، وفقد ابن حمديس صقلية والأندلس معاً، وعادت المقادير فطرحته إلى إفريقية. فوجد نفسه من جديد في بلاط تميم. واجتمعت كل المآسي في نفسه تذكره بالفردوس المفقود - ذكر صقلية وفتنتها وشبابه في وطنه وصحبته للعرب متبطلا يضيع عمره سدى. وافتخر بنفسه واستشعر اليأس من العودة إلى الوطن، ووصف بطولة قومه ورث موتاهم، ومدح تميما لأنه حاول ذات يوم أن ينقذ وطنه فاخفق. وتمثل الحال التي هو عليها فبكى جازعاً لما حل به، ومن يومئذ الفت الدموع مجاري عينيه. وفي قصيدة أو ملحمة من تلك الملاحم جمع ابن حمديس كل تلك الخواطر، فمثل فيها فنه الشعري كله، وكأنها البرزخ بين ما قبلها وما بعدها وسأقف عندها لأن فيها صورة ابن حمديس - ابن صقلية -.
٣
- تحليل قصيدتين صقليتين
لم تكن السابقة من حديثي عن ابن حمديس أكثر من عرض وترتيب زمني مقارب لنماذج من الشعر قالها منذ أول عهده بالقريض، حتى وقف عند ذلك البناء المتهاوي. يتحدث عند حديث الذي يحس صلته الطبيعة بالحياة انقطعت. لأنه دفن تحت الأنقاض كثيراً من الأحباب، وأصبح التشرد في حياته هو قانون تلك الحياة، وفقد الوطن أي عصر الشباب، أي الأمل، وغدا يحيا الحياة كما تجيء، لا كما يريدها، ويتعلل بأشياء من تفاهاتها فيمدح هذا وذاك، وحيناً يصفق للانتصار - وحيناً يعزى بالانكسار، ولكن نفسه كانت غائبة عن كل تلك المشاهد تحوم فيربوع سرقوسة والقصر القديم ونوطس.
فالقصائد التي قالها في صباه، أو التي في الأندلس وهو يرجو الأوبة، أو التي قالها بعد سقوط وطنه حتى تلك الوقفة عند تميم بن المعز هي التي تهمنا في
стр. 236
هذه الدراسة لأنها هي القصائد الصقلية من حيث الروح والموضوع والزمن. وربما كان عددها لا يزيد عن تسع قصائد.
وليس معنى ذلك أنه نسي صقلية فلم يعد يحن إليها ولكن معناه أن تقلب الحياة به قد باعد بينه وبين تلك المشأة، وحكمت عليه السن بالنضج، واستولى له قدر من التجربة، وقدر من الضعف الجسماني، وكان لهذا كله أثر في تلوين فنه بلون جديد غير ذلك اللون الذي سنسميه صقلياً، وكان له أثره في تغير فلسفته ونظرته إلى وجوده، وإن لم تتغير نظرته إلى صقلية. وقبل أن أنتقل إلى تحليل قصيدته التي يمدح بها تميم بن المعز أود أن أقف عند هذه القصائد الصقلية وأجمل خصائصها العامة لتكون أساساً لما بعدها من نظرات.
هذه القصائد الصقلية من اصدق شعر ابن حمديس عاطفة، وسمتها العامة القوة، لقوة الموضوع، ولذلك نحس أن الشاعر يتدفق فيها بكلام متحمس لا يحتاج إلى تلوين أو تصوير، فليس فيه سند من صنعة، وليس فيه وقوف عند التشبيه وعبادة له. وتغلب عليها روح الجندي الفارس الذي يغرق في الحب والحرب، وفيها النواة الأولى لما سيكون موضوعاً رئيسياً للشاعر - أعني وصف السفن والمعارك البحرية، إلا أن القصائد التي قالها قبل أن يغادر صقلية تدل على أنه كان يعني باللذة أكثر من أي شي آخر، وإذا كان لنا أن نحكم منها على مستقبل شعره، قلنا: إنه كان يصبح شاعر حب وخمر، وإن سواهما من الموضوعات كان يكون ثانوياً بالنسبة إليه. وهذه القصائد الصقلية الخالصة فيها ذهاب بالنفس شديد، ولكن الرحلة إلى الأندلس ثم ضياع الوطن غيرا كثيراً من ذلك الاتجاه، والتأثير الأندلسي يتضح في بعض المظاهر السطحية والمعاني العامة أكثر مما هو فر الروح. ولكن الأثر الصحيح هو الذي أحدثه ضياع الوطن: فنغمة الحزن الجديدة، وتغير نظرته إلى اللذة، والإحساس بالغربة كاملة، كلها تتصل بفقده لوطنه وكلها صبغت شعره بلون آخر غير قوة الشباب.
والقصيدة التي أشرت إليها تمثل هذا الطور من حياته، ففي تحليلها بيان
стр. 237
لمذاهبه في الشعر ولبعض خصائصه ويزيد هذا المذهب وضوحاً مقارنة هذه القصيدة بأخرى قالها بعد ثلاثين عاماً من نظمه للأولى، والموضوع في الثانية تشوقه وحنينه إلى صقلية، وبالمقابلة بين القصيدتين يظهر الأثر الذي أحدثه الزمن في شعر ابن حمديس.
أما القصيدة الأولى فمطلعها:
تدرعت صبري جنة للنوائب ... فإن لم تسالم يا زمان فحارب وفي هذه القصيدة يخلق ابن حمديس الفارس الذي فقد قرنه شخوصاً كثيرة ليبارزها، ويصب عليها نقمة يعجز أن يوجهها إلى عدالة السماء أو إلى القدر، فهو يطالعنا بالتحدي أو يطالع به الزمان الذي أودع عنده ثأراً لا يموت، ليقبل الزمن محارباً إن يشأ السلم، فإنه قد عجم من ابن حمديس حصاه لا تلين لعاجم، وهذه الفكرة الحربية تستولي على نفسه فيظن أنه في المعركة حقاً، فإذا به يتحدث عن السيف ومآربه فيه، ثم يشفق من هذه الثورة لأنه يحس ان غدره قليل إذا قيس بغدر الصاحب:
أتحسبني أنسى وما زلتُ ذاكراً ... خيانة دهري أو خيانة صاحبي
تغذى بأخلاقي صغيراً ولم تكن ... ضرائبه غلا خلافَ ضرائبي
ويا رب نبت تعتريه مرارةٌ ... وقد كان يسقى عذب ماء السحائب
علمتُ بتجريبي أموراً جهلتها ... وقد تجهلُ الأشياء قبل التجارب فمن هو ذلك الصاحب الخائن؟ أترانا وقعنا على السر الذي فارق الشاعر أجله صقلية وذهب يجوب في الأرض؟
وابن حمديس شاعر عاهد نفسه على أن لا يهجو ولكن أي ثورة هذه التي يعلنها في قصيدته؟ إنه يتحدى الزمن ويهجو الصحراء الإفريقية التي عوض بها عن وطنه:
بلادٌ جرى فوق البلادة ماؤها ... فأصبح منه ناهلاً كل شارب
стр. 238
فطمتُ بها عن كل كأس ولذة ... وأنفقت كنز العمر في غير واجب
يبيت رئاس السيف في ثني ساعدي ... عارضةٌ من جيد غيداء كاعب وإنه ليمقت هذه الصحراء التي لا تجمع له بين الحب والحرب، لأنها ليبست عوضاً صالحاً عن ذلك الوطن، ولأنها لم تحقق له أمنية كان يطلبها:
بصادق عزم في الأماني يحلني ... على أمل من همة النفس كاذب فما هي تلك الأمنية التي طلبها في غير وكنه؟ أتراه طلب العلا كما يقول في بعض قصائده؟ وما العلا؟ أم تراه ذهب يطلب المال؟ لست أدري وإن كنت أقف عند التعابير " المالية " الكثيرة في ديوانه، وعد طلبه الصريح أحياناً للمال من ممدوحيه، وأحسن أحياناً بأني لم أستطع أن أقول إن المال كان غاية له. فهل هناك رابطة بين رحلته وبين الذهب وهو يقول لابن عباد في الأندلس (١) .
بالله يا سمرات الحي هل هجعتْ ... في ظل أغصانك الغزلانُ عن سهري
وهل يراجعُ وكراُ فيك مغتربٌ ... عزت جناحيه أشراكٌ من الغدر
ففيك قلبي ولو استطيع من وله ... طارتْ إليك بجسمي لمحةُ البصر
قولي لمنزلة الشوق التي نقلتْ ... عنها الليالي إلى دار النوى أثري
نلتُ المنى يابن عباد فقيدني ... عن البدور التي لي فيك بالبدر وهل تلك البدرُ هي التي انتزعته من أحضان الوطن؟ ليس من السهل أن يجيب الإنسان على ذلك إن كان يتحدث عن ابن حمديس، لأن مسألة الفقر والغنى غير واضحة في شعره ولن تكون واضحة عند شخص متحفظ في بعض أمور تتصل بنفسه وبيته، متحرج يعرف مواقع القوة ويتحراها، ويعرف مواطن الضعف ويتجنبه، وحسبك مفتاحاً لشخصيته أنه حين رثى امرأته جعل ذلك على لسان ولديه، ولكنه حين رثى جاريته تفجع عليها وتغنى بجمالها، وفي هذه
стр. 239
اللمحة دلالة نفسيته حيت تتصل الأمور بحياته اتصالا وثيقاً.
إذن فهو ثائر في قصيدته ناقم مغيظ يتهجم على الزمن ويتمرر بذكر الخيانة ويهجو الصحراء وسكانها، ويأسى على غبن ناله بها بعد وطنه، ويعلن أنه لا يجد من يأنس إليه بل لعله أحس أنه أصبح منبوذاً يضيق الناس به، شريداً غريباً لا وطن له، حتى طيف كان يزوره في المنام أصبح يصد عنه مزوراً:
ولا سكنٌ إلا مناجاةُ فكرة ... كأني بها مستحضرٌ كل غائب
ولما رأيت الناس يرْهبُ ... تجنبهم واخترتُ وحدةَ راهب
أحي خيالٌ كنت أحظي بزوره ... له في الكرى عن مضجعي صدَ عاتب
فهل حالَ من شكلي عليه فلم يزُرْ ... قضافة جسمي وابيضاض ذوائبي وسكن قليلا حين ذكر الطيف واستحضر كل غائب - كل ما عرفه بصقلية، فإذا به يذكر الوطن أو السماء التي كان يطلع فيها كوكباً، وعرج على صداقاته ونداماه، ووقف عند الخمر ولم يستطع أن يخفي علينا السبب النفسي الذي حمله على تلك الثورة المستطيرة، وانقلب السكون من جديد إلى صيحة تطير في أذيالها النقمة والأسى، إن سبب تلك الثورة الحانقة معروف لنا حتى ولو لم يصرح به، إنه عجزه عن أن يعود إلى وطنه:
ولو أن أرضى حرةٌ لأتيتها ... بعزم يعد السير ضربة لازب
ولكن أرضى لي بفكاكها ... من الأسر في أيدي العلوج الغواصب
لئن ظفرت تلك الكلاب بأكلها ... فبعد سكون للعروق الضوارب ولقد عرفنا ابن حمديس من قبل يثنى على أعدائه ويصفهم بالشجاعة والقوة، ولكنه في هذه الفورة من الغيظ نسي كل ذلك وأقذع في السب، وهو عفيف اللسان، وعذره العجز وقلة الحيلة التي يصورها قوله " كيف لي بفكاكها من الأسر " - كلمة أسير مقيد في الأصفاد يريد أن يبلغ وطنه فلا يستطيع.
стр. 240
وهذه الأصفاد هي التي تغل روحه الشاعرة في هذه القصيدة وتشد فيجيء شعره صيحات من الغضب والنقمة والسخط والتحدي.
وابن حمديس يخفي تحت السخط والنقمة حزناً مكبوتاً مكفوفاً ليس له مسرب يتصعد فيه أو ينحدر. وكيف يكون له مسرب وهو قد بدأ قصيدته بالتجلد وادراع الصبر. وهذا الكبت في الحزن آت من حقيقة واحدة لو وجدت في القصيدة لاتخذت شكلا آخر. وتلك الحقيقة هي فقدان صوت " الصارخ الفزع " - إنه يتفجع على وطنه ليستصرخ لناس ويستنجدهم ويهيب بهم العمل من أجل وطنه باسم الدين أو باسم الجهاد، ولا يتحدث عن وطنه ليستمد منهم عطفهم ودموعهم، هو ناقم حقاً ولكن على من؟ إنه مع إعلانه في القصيدة بمسؤلية بني وطنه، لأنهم تفانوا في فتنة وحصلوا وحطبوا لنارها - مع ذلك كان شعره الداخلي يحدثه أن هنالك مسئولية أكبر تقع على عاتق المسلمين الذين تخلوا عن صقلية حين كانت في حاجة إلى نصير، ولكن عوامل نفسية من القوة لم تخل بينه وبن الإفصاح عن هذا الشعور، فذهب يتحدث عن غدر الصاحب وخيانته. وأكبر الظن أنه ليس هناك صاحب معين، وإنما ذلك رمز إلى كل المسلمين الذين تجاهلوا الأخوة الإسلامية والقرابة الدينية، وتركوا صقلية تعاني الموت وحدهها، وهو مندهش مستغرب من السلبية المطلقة التي واجه المسلمون بها ضياع وطنه، حيران في أمره وأمر المسلمين معه، وأقوى شيء يصور هذه الحيرة تساؤله الجازع " كيف لي بفكاكها من الأسر ".
لم يكن ابن حمديس يحمل بني وطنه مسئولية ضياعه، كما فعل بعض الشعراء الصقليين، لأنه كان يقدر دور الجهاد الذي قامت به سرقوسة ونوطس وقصريانة، فهو إذا تحدث عن الفتن بين قومه مر بها مروراً سريعاً لأنه موضوع يكرهه ويراه مناقضاً لما يحس به حقيقة، ولعل الذي حمله على التعرض له في هذه القصيدة وقفته أمام تميم الذي حاول إنقاذ صقلية، وكانت فتنة صقليين من أسباب الإخفاق الذي منى به جيشه، وأحب من هذا الموضوع إليه أن يتحدث
стр. 241
عن بطولة قومه في الحرب البرية والبحرية وعن بلائهم في الروم، ليكون هو واحداً منهم وليعيد من أبطالهم ويتحقق وجوده النفسي في وجودهم، ولكن تلك البطولة قذفت بهم في هوة الفناء فغاروا كما تأفل النجوم " وأبقوا على الدنيا سواد الغياهب " ولم تكن الدنيا التي أبقوا عليها ذلك السواد إلا التي كانت تراها عيناه، ومن خلل السواد أخذ يتطلع في حسرة إلى المعاهد والديار، وبعد أن كان يتحدى الكون، تحدته شعلة الحنين في صدره فإذا به يبكي كالضعيف:
ألا في ضمان الله دارٌ بنوطس ... ودرت عليها معصرات الهواضب
أمثلها في خاطري كل ساعة ... وأمري لها قطر الدموع السواكب
أحن حنين النيب (١) للموطن الذي ... مغاني غوانيه إليه جواذبي
ومن سار عن أرض ثوى قلبهُ بها ... تمنى له بالجسم أوبة آيب وفي كل تحية وداع أو خاتمة قصيدة يغلب الحزن ذلك الرجل القوي فتتساقط الدموع من عينيه.
هذه القصيدة بناء شاهق وأكثر قصائد ابن حمديس أبنية شاهقة فيها أجزاء كثيرة تجعل منها في النتيجة كلاً ضخماً كبيراً - كما تمتاز قصائده العاطفية الأخرى التي نظمها في هذه الفترة - بعد ضياع صقلية مباشرة - بوشيجة تنظم أجزاءها وتضمن لها الاتساق والانسجام، فهي بناء ضخم من حيث النغم وتراكب الأجزاء وتسلسلها، ومما يلفت الانتباه أن أكثر قصائده في هذه الفترة بخلاف المقطوعات التي نظمها وهو في صقلية جاءت على البحر الطويل.
وإذا كانت صقلية هي موضوع القصيدة لم يحس الإنسان هذه التجزئة في القصيدة ولكن ابن حمديس، حين كان يفقد التعطف بينه وبين الأشياء التي يتحدث عنها، كان يرقص نظره بين أجزائها ويسافر فيها مستقصياً ليتكلم عن كل جزء على حدة - ذلك اصبح شأنه إذا وصف قصراً أو أسداً أو سفينة أو أي
стр. 242
شيء آخر، يحضر الأشياء المبعثرة كلا على حدة ويسلم نفسه إلى التشبيه ولا يعنيه من بعد أن يكون منها صورة مغمورة بالانسجام، ولست أدعي أن الوحدة مفقودة في قصائده - وقد تكون - ولكني أحس بالفرق بين القصائد التي تزخر بالعاطفة والحنين إلى صقلية وبين غيرها من القصائد. فابن حمديس الشاعر الصادق، لا الشاعر الصانع، هو ابن هذه الفترة الغارقة في أحلام صقلية. أما القصيدة الثانية فمطلعها (١) :
قضت في الصبا النفس أوطارها ... وأبلغها السيب إنذارها وفي هذه القصيدة يريد ابن حمديس أن يجمع أمامنا أجزاء ذكريات قديمة فليس من الغريب إذا جمعها مبعثرة، لأن ذا ذاكرته تقفز من منظر إلى آخر. وإنما يوحدُ بين هذه المناظر أنهها مستمدة من الماضي ومن صقلية، وتنبسط صورة الخمر - التي أصبح محروماً منها - على كل منظر وتصرف الشاعر عن إطالة النظر إلى المناظر الأخرى. وتركه للخمر حين نظم هذه القصيدة حقيقة هامة تفسر هذا الاضطراب في ذكر الخمر ثم الانصراف عنها والعودة إليها وهكذا، والدليل التاريخي على هذه التوبة تصريح ابن حمديس نفسه في غير قصيدة أنه تارك ما ارتآه في الصبا وقوله في قصيدة كتبها إلى ابن عمته أبي الحسن وهو في سن الستين (٢) :
فرغتُ من الشباب فلستُ أرنْو ... إلى لهو فيشغلني الرحيقُ
ولا أنا في صقلية غلاماً ... فتلزمني لكل هوى حقوق
ليالي تعمل الأفراح كاسي ... فمالي غير ريق الكأس ريق
تجنبتُ الغواية عن رشاد ... كما يتجنب الكذبَ الصدوق
وإن كانت صبابات التضابي ... يلوحُ لها على كلمي بروق
стр. 243
وقد نظم هذه القصيدة في الستين أيضاً ففيها اعتراف الفنان لنفسه لا للناس بأن الخمر هي محبوبته الجميلة، وإن يكن انصرف عنها، وللسن حكمها ومن ثم لن تسمع ذلك النغم الصاخب الثائر الذي سمعته في القصيدة السابقة، ولا تلك القوة التي تتحدى الناس أجمعين، فلا السيف من آلاته، ولا الغضب من أدواته - إنه أفنى آلات الحرب ووقع في عمر مسالم هادىء، خمدت فيه الجذوه القديمة ولم تبق غلا ذكراها - لا وطن ولا شباب، هذه هي الغربة الكاملة التي أحسسها ابن حمديس حينما كبر ولذلك نسمعه في بعض قصائده إذا ذكر الوطن صدر قصيدته بذكر الشيب - وهو غربة عن الزمان الجميل - ثم ثنى الكلام إلى الوطن - وهو غربة عن المكان الجميل - وأصبحت تلك النقلة في الزمان والمكان هي المؤثر الوحيد في نفسه وشعره، ولو كانت ذات طرف واحد لما كان حزنه بهذه الحدة.
وفي هذه القصيدة غاب الوجود كله من حوله وانعدمت صور الأشياء من ذاكرته إلا صورة ليلة ساهرة قضاها في صقلية. كانت ليلة ذات أشباه، رأى فيها شيئاً واحداً تعددت له الآسباب، رأى الخمر فذكرته بالساقية، ثم رأى الندامي فعاد يتحدث عن الخمر، ثم تذكر ليلة في دير فرجع إلى الخمر؟ رأى الخمر في عدة أوضاع وأحس بها هنا وهناك كأنما تخيلها تتسرب كالروح في جسم الوجود، رآها في يد الساقية ليلحظ اختلاط لونها بخضاب كف الساقية كأنه رأى المعجزة أو اتحاد العنصرين، وهو كلف بالعناصر فإذا تغزل خاطب حبيبته بقوله (١) :
عذبتني بالعنصرين ... بلظى حشاى وماء عيني فللعنصرين في شعره سيطرة بعيدة المدى. ورأى الخمر بين الندامى تبعث الضياء وتنسج شبكاً من الحباب تصيد به ما يحاول منها أن يطير، ورآها في الدير
стр. 244
واهتدى إليها برائحتها الجميلة، وإلى جانبه نديم متفرس عارف بالخمر يستطيع أن يحسب عمرها من رائحتها.
في كل حين وقفة عند الخمر، تتردد فيها المعاني الخمرية التي اشرت إليها من قبل نى الخمر الصقلي عامة، وهي اجتماع العنصرين، وفكرة الشبكة والصيد، واستمداد بعض الصور الحربية في قتل الخمر للهموم أو شنها الغارة عليها. وليست هنا وقفة عند الخمار أو الساقية أو الندامى أو لون الخمر وأثرها بقدر الوقوف عند رائحتها، فهي التي هدت الشاربين إلى نفسها بما أذاعته من سر لأنوفهم، وهي عديل المسك في دراين، والمتفرس فيها يزكيها برائحتها وشم طيبها.
وتمام ذلك المجلس الخمري صورة القيان والمغنيات والراقصة، والقاعة مضاءة بالشموع التي تحمل الدجى على رأسها، وتحاول أن تهتك أستار الظلام بالنور، وكأن الآجال مسلطة على أعمارها فهي تنمحق ولا تفنى في يسر. ولم يقل ابن حمديس إن هذه الشموع مثله تسعى إلى الفناء مع أنه كان يحس بمر الزمن ويعد عمره عدا. ولم يتعز بمنظرها وهي تموت فقد كان يريد أن يبعد فكرة الموت عن نفسه لأن الموت لا يتفق والشباب، وهو في هذه القصيدة يصور الشباب. ولكنه في واقع أمره كتلك الشموع - حمل مسئولية الأسى على رأسه طيلة عمره، من شدة أسفه على وطنه وشبابه فيه، حتى ليقول لنا إن الناس قد بكوا الشباب ولم ينصفوه، وجاء هو يستدرك ما فات الناس جميعاً (١) :
بكى الناس قبلي فقد الشباب ... بدمع القلوب فما أنصفوه
وإني عليه لمستدرك ... من البث والحزن ما أهملوه وهو كتلك الشموع صهر نفسه شعراً حزيناً منيراً بصدق العاطفة، وهو الذي ينمحق عمره بما سلطه عليه من أجل.
وقد اختلفت هذه القصيدة في النغمة عن سابقتها فليس لها ذلك الشكل
стр. 245
" القوطى " الضخم، ولكنها حزينة ذابت في أثنائها وطواياها تلك الفحولة التي كانت تملى قصائد الشباب، وخفقت تلك الفروسية التي كانت تشيع القوة في النفس، وفيها أوتي ابن حمديس القدرة على التعبير الجميل - لا التعبير القوي كما في أختها السابقة - إذ كان الحزن قد مسح شعره بهذه المسحة المحببة، وكان نضجه في السن قد صرفه عن القوة إلى محاولات أخرين يزين بها شعره. فالقهوة تذيع لأنفك أسرارها، وفي التردد بين الحركة والسكون جمال عجب يتمثل في قوله:
وقد سكنت حركات الأسى ... قيان تحرك أوتارها وتكاد القصيدة كلها تكون نموذجاً لجمال التعبير، وفيها القدرة على التصوير الجميل. وكصورة الشموع التي تقل الدجى على رأسها:
تقل الدياجي على هامها ... وتهتك بالنور أستارها وفيها صورة بارعة الراقصة وخفة حركتها. ومع ذلك فإن الشاعر لا يزال في بعض صوره يذهب مع تلك المبالغات التافهة المحلية، وهي أمور تسربت إلى شعره منذ البدء فلم يسلم منها من بعد، فالدن مضمار للكوب، والدموع أنهار صقلية لولا ملوحتها - مبالغات فيها الاستجلاب المتكلف لصورة بعيدة أو حقيقة مستحيلة، واجتمع إلى القدرة على التعبير الجميل تلك الحركة التي تنبض بها كل صورة وكل لفظ..
وربما كان يستعين على التصوير بالتحريك لأنه يحس بسكون القوى الطبيعية في جسمه، وتأمل كيف يخونه الضعف الجنسي الذي صار إليه فيعلن عن نفسه بقوله في القيان:
فهذى تعانق لي عودها ... وتلك تقبل مزمارها وكلمة " لي " في هذا البيت، التي تدل على الملكية والتخصيص إنما
стр. 246
تؤكد ضياع لك الملك الذي كان - ضياع قوة الشباب، ولكن الشاعر قد نسى واقعه وهو يخلق هذه القصيدة، وعاش في فترة الشباب يوم كانت تلك الملكية من أدواته.
وسواء أحس الشاعر أم لم يحس بضعفه فإنه لجأ إلى أمور يخفى بها وجه ذلك الضعف، فاستمد من روح الفتك القديمة بعض تعابيره:
خطبنا بنات لها أربعا ... ليفترع اللهو أبكارها وتلاعب تلاعباً جميلاً - لفظياً كان أو معنوياً - ليزين الصورة:
طرحت بميزاتها درهمي ... فأجرت من الدن دينارها أو جانس في اللفظ أو اتكأ عليه - كما كانت تضغط يده على العصا - وهو يشد على الحروف شداً يخيل إليك معه أنه يفتعل القوة افتعالا.
فالساقية " زرّرَت " أزرارها والقيان " سكَّنت حركات الأسى، وواحدة منهن " تقبل " مزمارها والشمع عمد " صفَّفت " وهي " تقلّ " الدجى على هامها وكأنها " تسلط " عليها آجالها " فتمحق " أعمارها والأسى " يهيج " التذكار وهكذا في كل قصيدة حتى لتستطيع أن تصلح بعض الروايات في قراءة أبيات معنية منها فابن حمديس لا يقول في هذه القصيدة " وراهبة أغلقت ديرها " ولكن يقول " غلقت " ولا يقول تثور فيقتل ثوراها وإنما يقول " فإن ثرن قتل ثوارها " حتى إذا انتهى الوصف في هذه القصيدة ووقفت الحركات، وقف ابن حمديس - كما يفعل دائماً - وقفة الحزين الذي يجر لحنه الأخير جرا ليشعرنا بأنه قارب النهاية فقال:
ذكرت صقلية والأسى ... يهيج للنفس تذكارها
ومنزلة للصبا قد خلت ... وكان بنو اللهو عُمارها
فإن كنتُ أخرجت من جنة ... فإني أحدث أخبارها وعند هذه الغاية نشهد آدم القديم يتحدث عن نفسه وعن لجنة التي أخرج
стр. 247
منها. غير أن آدم أخرج من الجنة حقا فهل خرج ابن حمديس من جنته مختارا أو وجد من أخرجه؟ ويعود هذا التساؤل يثير الحيرة في غربة مختارة أو غير مختارة، وحسبنا أن حمديس يقول إنه أخرج من هذه الجنة دون أن يذكر لنا الخطيئة التي أخرجته أو الثمرة المحرمة التي أكل منها. ولكن من تتبع ابن حمديس في ديوانه يجد " الذنب " شبحاً يلاحقه كقوله في غربته (١) :
ألم ترَ أنا في نوىً مستمرة ... نروح ونغدو كالمصر على الذنب وقوله في الصحراء (٢) :
كأنك في ذنب عظيم بقطعها ... فأنت إلى الرحمن منه تتوب وتتردد صورة آدم في نفسه فيقول (٣) :
قد كنت في عهد النصيح كآدم ... لكن ذكرتُ هوى الدمى فنسيت ولست أرى بأساً من اعتبار ابن حمديس تحت ظل ذنب معين بهذه الأبيات وغييرها.
نعم إنه آمن بأن حياة اللهو كانت ذنوباً، وأظهر الندم عليها في آخر عمره، وكانت صورة جده الشيخ الناسك الذي ضمه إلى صدره تتعرض من وراء السنين لتنظر إليه نظرة لوم على حياته اللاهية، ولكن لعل الخطيئة الكبرى كانت تشغل حاله، والخطيئة الكبرى في حياته أنه قصر حتى في حق وطنه، وإذا كان آدم قد نسى فأكل من الثمرة فإن ابن حمديس نسي الثمرة حين كانت في حاجة إلى رعايته. لقد رأيناه يحرض الصديق على أن يموت دفاعاً عن وطنه فلم لم يقل هذا لنفسه؟ ورأيناه دائماً يتمدح ببطولة قومه ليمدح نفسه فيهم، ويتستر وراء حادثة أن اثنتين باشر فيهما العمل فعلاً من أجل وطنه، ولكن ضميره كان يحدثه
стр. 248
بالذنب الذي ارتكبه، ومن ذلك الذنب نجمت طائفة كبيرة من الحزن الذي ظل يصبغ حياته حتى لقي الأجل، وقد كنا نتساءل خرج من صقلية فدعنا نسأل لم لم غليها، ففي الجواب على هذا السؤال تفسير لفكرة الذنب. لقد قال لنا إنه يعيش في ظل مثل معنية ولا يطيق أن يرجع إلى بلد فقد حريته:
ولو أن أرضي حرةٌ ... بعزم يعدٌ السير ضريه لازب
ولكن أرضي كيف لي بفكاكها ... من الأسر في أيدي العلوج الغواصب وحدثنا أنه يطلب العلا وتكلم عن ذلك كلاماً مبهماً. أما في الحقيقة فإنه لم يرجع لأنه كان يتمثل وطنه عاتباً عليه، وكان ذا حس مرهف بمرارة ذلك العتاب، فآثر الغربة ليغسل بدموعه ما كان يعده ذنباً. لم تكن عودته مستحيلة حتى أيام الحكم النورماني، وكان أهله يكاتبونه لعله يعود، فكان يقول لهم: كيف أعود إليكم وأمري بيد القضاء وبأي عين أراكم شيوخاً بعد أن عرفتكم شباباً، وتروني شيخاً بعد أن عرفتموني غلاماً، ولم تغربت؟ ألا تذكرون أنني أطلب العلا (١) :
وكيف أرى لي قْصدَ وجهي إليكمُ ... إذا كان في كف القضاء زمامي
وما هي إلا غربة مستعمرةٌ ... أرى الشيخ فيها بعد سن غلام
كأن قذالي بالقتير معوضٌ ... قبيلة سام من قبيلة حام
وما شيبَ الإنسان مثلُ تغربُ ... يمرّ عليه اليوم منه كعام
وهل رحتُ إلا طالباً بالنوى علاً ... كأني منها للنجوم مسام لم يكن ابن حمديس كاذباً في حزنه على وطنه وما صار إليه قومه، ولكنه كان مغلوباً بطمع واحد صرف قوته في وجهة أخرى - ذهب يطلب العلا - ولا أستطيع أن أفهم من هذه العلا إلا أنه ذهب يطلب الشهرة بالشعر. كان ذلك هو حلمه منذ أن أصبحت تطيعه القوافي - وإن لم يصرح لنا بهذا - ولم تكن
стр. 249
صقلية المحدودة تسع أطماعه المترامية، وخرج وهو يقدر أن يعود، ثم أرادت له الأقدار شيئاً آخر فلم يعد يستطيع أن يرجع إلى صقلية ليعيش مادحاً لقوم أعلن عليهم سخطه، ورآهم سبب المصيبة التي حلت بوطنه، ورضى بالغربة ليبكى تقصيره في حق الوطن، ولم تطمئن به حاله حيث وقع، لولا أملٌ كان يراوده بأنه سيكون شاعراً كبيراً في بلاط أمير كبير.
٤
- الآثار التي تركتها صقلية في نفسه وشعره
كثرت المؤثرات في حياة ابن حمديس وفي شعره بعد صقلية - زادت تجاربه في الحياة، واتسعت ثقافته، وأخذت وقدة الشباب تخمد في كيانه، واحتضنته بيئة أو بيئات جديدة تغاير صقلية في مؤثراتها ومظاهرها، فاصبح في شعره مجال للتجربة التي تهيئها السن، ومجال آخر للثقافة التي يزوده بهها الدرس. وبعد أن كانت صقلية تريد لشعره أن يسلم من وصف الناقة والرحلة للمدوح، ووصف الأطلال عادت البيئة الإفريقية فأمدته بهذا اللون، وأملت عليه الحروب المتتالية بين إفريقية وصقلية أن يفسح للدين والجهاد في سبيل الإسلام - بدلا من الجهاد في سبيل الوطن - موضعاً في شعره.
ولكن هذه الحياة بما فيها من ألوان لم تستطع أن تنسيه صقلية إذ لم يكن لها قبل بمحو الشباب وذكرياته، بل لعل صقلية ظلت أقوى من كل مؤثر جديد إذا كان صدق الشعور دليلنا على قيمة كل مؤثر، جديداً كان أو قديماً. وما كان ابن حمديس يتحدث عن شعوره ببساطة صادقة مزودة بشعلة عاطفية، إلا حين كان يذكر صقلية أو شيئاً يتعلق بها، وما كان يصحو إلى حقيقة وجوده المنطوي على مأساة، إلا حين كان يبلغه كتاب من قريب أو صديق أو
стр. 250
يصلى نعي قريب صقلي أو صديق - وكانت أكثر ذكرياته من وطنه تتصل بمتعة الشباب وصداقاته، أي تتصل بالأشخاص، وفي إحدى القصائد نراه يذكر الوطن بأزهاره فقد رأى النيلوفر مرة وقال:
هو ابن بلادي كاغترابي اغترابه ... كلانا عن الأوطان أزعجه الدهر وهذه العلاقة بالناس وذلك الحب لهم يفسران لنا جانباً هاماً من شخصية ابن حمديس الشاعر الذي كان يحب الجماعة ولا يقوى على العزلة، آما النقمة التي قد تصادفنا في ديوانه على الناس وأهل الدهر فنقمة عارضة تمليها حوادث عارضة.
ولما كان هذا البحث لا يتحمل دراسة الآثار التي تركتها صقلية في نفسه وشعره بالتفصيل - لأن شعره أثناءها بغير صقلية - فإني أجمل تلك الآثار إجمالا:
١ - قضى ضياع الوطن بتغير فلسفته في اللذة - كما أشرت من قبل - وبعد أن كانت الخمر غاية في نفسها أصبحت عوناً له على نسيان الهموم. ولقوة همومه أصبحت الخمر أداة تحركها بدلا من أن تخمدها، وقد لمح هو هذه الظاهرة في حياته، في قصيدة لعلها من القصائد التي قالها بعد سقوط صقلية فقال:
يجر على شرب الراح هما ... ويورثُ قلبي الشدوُ اكتئابا
وفي خلق الزمان طباع خلف ... تمررُ في فمي النغب العذابا ٢ - ومن ثم اتصل الحزن بقلبه وبحياته، فقضي طول عمره يبكي مصائب الناس ويشاركهم في أتراحهم. نعم إن نصيبه من الشعور الإنساني كان وافراً ولكنه كان في كل مصيبة جديدة يبكي صقلية القديمة، وكانت الجزيرة تحضر