Полный текст (220 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها.
أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي أن رسول الله قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا غربت فارقها" ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات. وروي عن إسحاق بن عبد الله عن سعيد أبي سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة.
أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله ﷺ نام عن الصبح فصلاها بعد أن طلعت الشمس ثم قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: "أقم الصلاة لذكري".
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان رسول الله
стр. 72
صلى الله عليه وسلم في سفر فعرس فقال: ألا رجل صالح يكلؤنا الليلة لا نرقد عن الصلاة فقال بلال: أنا يا رسول الله قال: قال: فاستند بلال إلى راحلته واستقبل الفجر قال: فلم يفزعوا إلا بحر الشمس في وجوههم فقال رسول الله ﷺ يا بلال، فقال بلال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك قال: فتوضأ رسول الله ثم صلى ركعتي الفجر ثم اقتادوا رواحلهم شيئاً ثم صلى الفجر.
قال الشافعي: هذا يروى عن النبي متصلاً من حديث أنس وعمران بن حصين عن النبي ويزيد أحدهما عن النبي: من نسي الصلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ويزيد الآخر: أي حين ما كانت.
حدثنا الربيع قال: أحبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان عن أبي الزبير المكي عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم أن رسول الله قال: يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئاً فلا يمنعه أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار.
стр. 73
أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج عن عطاء عن النبي مثله أو مثل معناه لا يخالفه وزاد عطاء: يا بني عبد المطلب أويا بني هاشم أويا بني عبد مناف.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد قال: سمعت أبا سلمة قال: قم معاوية المدينة فبينا هو على المنبر إذ قال: يا كثير بن الصلت إذهب إلى عائشة أم المؤمنين فسلها عن صلاة النبي ﷺ الركعتين بعد العصر فقال أبو سلمة فذهبت معه وبعث ابن عباس عبد الله بن الحرث بن نوفل معنا فقال: اذهب واستمع ما تقول أم المؤمنين قال: فجاءها فسألها فقالت له عائشة: لا علم لي ولكن إذهب إلى أم سلمة فسلها، قال: فذهبنا معه إلى أم سلمة فقالت: دخل علي رسول الله ذات يوم بعد العصر فصلى عندي ركعتين لم أكن أراه يصليهما فقلت: يا رسول الله لقد صليت صلاة لم أكن أراك تصليها قال: إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر وإنه قدم علي وفد بني تميم أو صدقة فشغلوني عنهما فهما هاتان الركعتان.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن ابن قيس عن محمد بن إبراهيم التيمي عن جده
قيس قال: رآني النبي ﷺ وأنا أصلي ركعتين بعد الصبح فقال: ما هاتان الركعتان يا قيس فقلت: إني لم أكن صليت ركعتي الفجر فسكت عني النبي ﷺ قال الشافعي: وليس بعد هذا اختلافاً في الحديث بل بعض هذه الأحاديث يدل على بعض فجماع نهي النبي ﷺ والله أعلم عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعدما تبدو حتى تبزغ وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد مغيب بعضها حتى يغيب كلها، وعن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة،
стр. 74
ليس على كل صلاة لزمت المصلي بوجه من الوجوه أو تكون الصلاة مؤكدة فأمر بها و. إن لم تكن فرضاً أو صلاة كان الرجل يصليها فأغفلها فإذا كانت واحدة من هذه الصلوات صليت في هذه الأوقات بالدلالة عن رسول الله ثم إجماع الناس في الصلاة على الجنائز بعد الصبح والعصر.
قال الشافعي: ﵀: فإن قال قائل فأين الدلالة عن رسول الله قيل في قوله من نسي صلاة أو نام عنها فليصليها إذا ذكرها فإن الله يقول: أقم الصلاة لذكري، وأمره أن لا يمنع أحد طاف بالبيت وصلى أي ساعة شاء وصلى المسلمون على جنائزهم بعد العصر والصبح.
قال الشافعي: فيما روت أم سلمة من أن النبي صلى في بيتها ركعتين بعد العصر كان يصليها بعد الظهر فشغل عنهما بالوفد فصلاهما بعد العصر لأنه كان يصليهما بعد الظهر فشغل عنهما قال وروى قيس جد يحيى بن سعيد بن قيس أن النبي رآه يصلي ركعتين بعد الصبح فسأله فأخبره بأنهما ركعتا الفجر فأقره لأن ركعتي الفجر مؤكدتان مأمور بهما فلا يجوز إلا أن يكون نهيه عن الصلاة في الساعات التي نهى عنها على ما وصفت من كل صلاة لا تلزم فأما كل صلاة كان يصليها صاحبها فأغفلها أو شغل عنها، وكل صلاة أكدت وإن لم تكن فرضاً فركعتي الفجر والكسوف فيكون نهي النبي فيما سوى هذا ثابتاً.
قال الشافعي: رحمه الله تعالى: والنهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ونصف النهار ومثله إذا غاب حجاب الشمس وبرز الإختلاف فيه لأنه نهي واحد، قال: وهذا مثل نهي النبي ﷺ عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة لأن من شأن الناس التهجير للجمعة والصلاة إلى خروج الإمام وهذا مثل الحديث في نهي النبي ﷺ عن صيام اليوم قبل رمضان إلا أن يواقق ذلك صوم رجل كان يصومه.
باب الخلاف في هذا الباب
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا وغيرهم
стр. 75
فقال: يصلى على الجنائز بعد العصر وبعد الصبح ما لم تقارب الشمس أن تطلع وما لم تتغير الشمس واحتج في ذلك بشيء رواه عن ابن عمر يشبه بعض ما قال.
قال الشافعي: وابن عمر إنما سمع من النبي النهي أن يتحرى أحد فيصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها ولم أعلمه روي عنه النهي عن الصلاة بعد العصر ولا بعد الصبح فذهب ابن عمر إلى أن النهي مطلق على كل شيء فنهى عن الصلاة على الجنائز لأنها صلاة في هذين الوقتين وصلى عليها بعد الصبح وبعد العصر لأنا لم نعلمه روى النهي عن الصلاة في هذه الساعات.
قال الشافعي: فمن علم أن الني نهى عن الصلاة بعد الصبح والعصر كما نهى عنها عند طلوع الشمس وعند غروبها لزمه أن يعلم ما قلت من أنه إنما نهى عنها فيما لا يلزم ومن روى فعلم أن النبي صلى بعد العصر ركعتين كان يصليهما بعد الظهر فشغل عنهما وأقر قيس على ركعتين بعد الصبح لزمه أن يقول نهى عنها فيما لا يلزم ولم ينه الرجل عنها فيما اعتاد من الصلاة النافلة وفيما يؤكد منها ومن ذهب هذا عليه وعلم أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس فلا يجوز له أن يقول إلا بما قلنا به أو ينهي عن الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر بكل حال.
قال الشافعي: وذهب أيضاً إلى أن لا يصلي أحد للطواف بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس واحتج بأن عمر بن الخطاب طاف بعد الصبح ثم نظر فلم ير الشمس طلعت فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى.
قال الشافعي: ﵀: فإن كان كره الصلاة في تلك الساعة فهو مثل مذهب ابن عمر وذلك أن يكون علم أن رسول الله نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر فرأى نهيه مطلقاً فترك الصلاة في تلك الساعة حتى طلعت الشمس ويلزم من قال هذا أن يقول لا صلاة في جميع الساعات التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها لطواف لا على جنازة وكذلك يلزمه أن لا يصلي فيها صلاة فائتة
стр. 76
وذلك من حتى يصلي الصبح إلى أن تبرز الشمس وحين يصلي العصر إلى أن يتتام مغيبها ونصف النهار إلى أن تزول الشمس.
قال الشافعي: وفي هذا المعنى أن أبا أيوب الأنصاري سمع النبي ينهى أن تستقبل القبلة أو بيت المقدس بحاجة الإنسان قال أبو أيوب فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد صنعت فننحرف ونستغفر الله وعجبه ابن عمر ممن يقول لا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس بحاجة الإنسان- وقال: رأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته.
قال الشافعي ﵀: علم أبو أيوب الهي فرآه مطلقاً وعلم ابن عمر استقبال النبي ﷺ بحاجته ولم يعلم النهي فرد النهي ومن علمهما معاً قال: النهي عن استقبال القبلة وبيت المقدس في الصحراء التي لا ضرورة على ذاهب فيها ولا ستر فيها الذاهب لأن الصحراء ساحة يستقبله المصلي أو يستد بره فترى عورته إن كان مقبلًا أو مدبراً وقال: لابأس بذلك في البيوت لضيقها وحاجة الناس إلى المرفق فيها وسترها وإن أحداً لا يرى من كان فيها إلا أن يدخل أو ليشرف عليه.
قال الشافعي: وفي هذا المعنى أن أسيد بن حضير وجابر بن عبد الله صليا مريضين قاعدين بقوم أصحاء فأمراهم بالقعود معهما وذلك أنهما والله أعلم علما أن رسول الله ﷺ صلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً فأمرهم بالجلوس فأخذا به وكان حقاً عليهما ولا شك أن قد عزب عليهما أن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه جالساً وأبو بكر إلى جانبه قائماً والناس من ورائه قياماً فنسخ هذا أمر النبي بالجلوس وراءه إذ صلى شاكياً جالساً وواجب على كل من علم الأمرين معاً أن يصير إلى أمر النبي الآخر إذ كان ناسخاً للأول أو إلى أمر النبي الدال بعضه على بعض.
قال الشافعي: وفي مثل هذا المعنى أن علي بن أبي طالب خطب الناس وعثمان بن عفان محصور فأخبرهم أن النبي ﷺ عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث وكان يقول به لأنه سمعه من النبي وعبد الله بن وافد قد رواه عن
стр. 77
النبي وغيرهما فلما روت عائشة أن النبي ﷺ نهى عنه عند الدافة ثم قال: "كلوا وتزودوا وادخروا وتصدقوا فروى جابر بن عبد الله عن النبي أنه نهى عن لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال: كلوا وتزودوا وتصدقوا، كان يجب على كل من علم الأمرين معاً أن يقول: نهى النبي عنه لمعنى فإذا كان مثله فهو منهي عنه وإذا لم يكن مثله لم يكن منهياً عنه أو يقول: نهى النبي عنه في وقت ثم أرخص فيه بعده والآخر من أمره ناسخ للأول.
قال الشافعي: وكل قال بما سمعه من رسول الله وكان من رسول الله ما يدل على أنه قاله على معنى دون معنى أو نسخه فعلم الأول ولم يعلم غيره فلو علم أمر رسول الله فيه صار إليه إن شاء الله.
قال الشافعي: رحمه الله تعالى: ولهذا أشباه كثيرة من الأحاديث وإنما وضعت هذه الجملة لتدل على أمور غلط
فيها بعض من نظر في العلم ليعلم من علمه أن من متقدمي الصحبة وأهل الفضل والدين والأمانة من يعزب عنه من سنن رسول الله الشيء يعلمه غيره ممن لعله لا يقاربه في تقدم صحبته وعلمه ويعلم أنه علم خاص السنن إنما هو علم خاص بمن فتح الله له علمه لا أنه عام مشهور كشهرة الصلاة وجمل الفرائض التي كلفتها العامة ولو كان مشهوراً شهرة جمل الفرائض ما كان الأمر فيما وصفت من هذا وأشباهه كما وصفت ويعلم أن الحديث إذا رواه الثقات عن رسول الله ﷺ فذلك ثبوته وأن لا نعول على حديث ليثبت أن وافقه بعض أصحاب رسول الله ولا يرد لأن عمل بعض أصحاب رسول الله عملاً يخالفه لأن بأصحاب رسول الله والمسلمين كلهم حاجة إلى أمر رسول الله وعليهم اتباعه لا أن شيئاً من أقاويلهم تبع ما روي عنه ووافقه يزيد قوله شدة ولا شيئاً خالفه من أقاويلهم يوهن ما روى عنه الثقة لأن قوله المفروض اتباعه عليهم وعلى الناس وليس هكذا قول بشر غير رسول الله ﷺ .
стр. 78
قال الشافعي: ﵀: فإن قال قائل أتهم الحديث المروي عن النبي إذا خالفه بعض أصحابه جاز له أن يتهم الحديث عن بعض أصحابه لخلافه لأن كلاً روى خاصة معاً وأن يتهما فما روي عن النبي أولى أن يصار إليه ومن قال منهم قولاً لم يروه عن النبي لم يجز لأحد أن يقول إنما قاله عن رسول الله لما وصفت من أنه يعزب عن بعضهم بعض قوله ولم يجزأن نذكره عنه إلا رأياً له ما لم يقله عن رسول الله فإذا كان هكذا لم يجزأن نعارض بقول أحد قول رسول الله ﷺ ولو قال قائل لا يجوز أن يكون إلا عن رسول الله لم يحل له خلاف من وضعه هذا الموضع وليس من الناس أحد بعد رسول الله ﷺ إلا وقد أخذ من قوله وترك بقول غيره من أصحاب رسول الله ولا يجوز في قول رسول الله أن يرد لأحد غيره فإن قال قائل: فاذكر لي في هذا ما يدل على ما وصفت فيه قيل له ما وصفت في هذا الباب وغيره مفرقاً وجملة منه أن عمر بن الخطاب إمام المسلمين والمقدم في المنزلة والفضل وقدم الصحبة والورع والفقه والثبت والمبتدئ بالعلم قبل أن يسأله والكاشف عنه لأن قوله حكم يلزم كان يقضي بين المهاجرين والأنصار أن الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً حتى أخبره أو كتب إليه الضحاك بن سفيان أن النبي كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه عمر وترك قوله وكان عمر يقضي أن في الإبهام خمس عشرة والوسطى والمسبحة عشراً عشراً وفي التي تلي الخنصر تسعا وفي الخنصر تسعاً وفي الخنصر ستاً حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم الذي كتبه له النبي ﷺ وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل فترك الناس قول عمر وصاروا إلى كتاب النبي ففعلوا في ترك أمر عمر لأمر النبي، فعل عمر في فعل نفسه في أنه ترك فعل نفسه لأمر النبي ﷺ وذلك الذي أوجب الله عليه وعليهم وعلى جميع خلقه.
قال الشافعي: رحمه الله تعالى: وفي هنا دلالة على أن حاكمهم كان يحكمبرأيه فيما لرسول الله فيه سنة لم يعلمها ولم يعلمها أكثرهم وذلك يدل على أن علم خاص على ما وصفت لا عام كعام جمل الفرائض.
قال الشافعي: رحمه الله تعالى: وقسم أبو بكر حتى لقي الله فسوى بين
стр. 79
الحر والعبد ولم يفضل بين أحد بسابقة لا نسب ثم قسم عمر فألغى العبيد وفضل بالنسب والسابقة ثم قسم علي فألغى العبيد وسوى بين الناس وهذا أعظم ما يلي الخلفاء وأعمه وأولاه أن لا يختلفوا فيه وإنما لله جل وعزفي المال ثلاثة أقسام، قسم الفيء وقسم الغنيمة، وقسم الصدقة فاختلف الأئمة فيها ولم يمتنع أحد من أخذ ما أعطاه أبو بكر ولا عمر ولا علي وفي هذا دلالة على أنهم يسلمون لحاكمهم وإن كان رأيهم خلاف رأيه وإن كان حاكمهم قد يحكم بخلاف آرائهم لا أن جميع أحكامهم من جهة الإجماع منهم وفيه ما يرد على من ادعى أن حكم حاكمهم إذا كان بين أظهرهم ولم يردوه عليه فلا يكون إلا وقد رأوا رأيه من قبل أنهم لو رأوا رأيه فيه لم يخالفوه بعده، فإن قال قائل: قد رأوه في حياته ثم رأوا خلافه بعده،
قيل له: فيدخل عليك في هذا إن كان كما قلت أن إجماعهم لا يكون حجة عندهم إذا كان لهم أن يجمعوا على قسم أبي بكر ثم يجمعوا على قسم عمر ثم يجمعوا على قسم علي وكل واحد منهم يخالف صاحبه، فإجماعهم إذا ليس بحجة عندهم أولاً ولا آخراً وكذلك لا يجوز إذا لم يكن عندهم حجة أن يكون على من بعدهم حجة فإن قال قائل: فكيف تقول قلت: لا يقال لشيء من هذا إجماع ولكن ينسب كل شيء منه إلى فاعله فينسب إلى أبي بكر فعله وإلى عمر فعله وإلى علي فعله ولا يقال لغيرهم ممن أخذ منهم موافق لهم ولا مخالف ولا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل وإنما ينسب إلى قوله وعمله وفي هذا ما يدل على أن ادعاء الإجماع في كثير من خاص الأحكام ليس كما يقول من يدعيه فإن قال قائل: أفتجد مثل هذا؟ قلنا إنما بدأنا به لأنه أشهر ما صنع الأئمة وأولى أن لا يختلفوا فيه وأن لا يجهله العامة ونحن نجد كثيراً من ذلك أن أبا بكر رأى على بعض أهل الردة فداء وسبياً وحبسهم بذلك فأطلقهم عمر وقال: لا سبي ولا فداء مع غير هذا مما سكتنا عنه ونكتفي بهذا منه.
стр. 80
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الجزء الثالث
رب أعن
قيل له أخبركم أبو الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف البغدادي بها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة أخبرنا الشيخان أبو نصر محمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا وأبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن الفرج الدودي قالا حدثنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الجوهري قراءة وهو يسمع أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن حيوية قراءة عليه وأنا أسمع.
حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن سيف السجستاني حدثنا الربيع بن سليمان قال ثنا الشافعي قال: ..
حدثنا الربيع قال: أخبرنا مسلم بن خالد عز ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه أن يحيى بن حاطب حدثه قال: توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه وصام وكانت له أمة نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه فلم ترعه إلا بحملها وكانت ثيباً فذهب إلى عمر فحدثه فقال له عمر: لأنت الرجل الذي لا يأتي بخير فأفزعه ذلك، فأرسل إليها عمر فقال: أصليت، فقالت: نعم من مر عرس بدرهمين فإذا هي تستهل بذلك ولا تكتمه، قال: وصادف علياً وعثمان وعبد الرحمن بن عوف فقال: أشيروا علي قال وكان عثمان جالساً فاضطجع فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليه الحد، فقال: أشر علي يا عثمان فقال: قد أشار عليك أخواك، فقال: أشر علي أنت،
стр. 81
قال: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه فقال عمر: صدقت، صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه فجلدها عمر مائة وغربها عاماً.
قال الشافعي: فخالف علياً وعبد الرحمن فلم يحدها حدها عندها وهو الرجم، وخالف عثمان أن لا يحدها بحال وجلدها مائة وغربها عاماً فلم يرو عن أحد منهم من خلافه بعد حده إياها حرف ولم يعلم خلافهم له إلا بقولهم المتقدم قبل فعله قال: وقال بعض من يقول ما لا ينبغي له إذا قيل: حد عمر مولاة حاطب كذا لم يكن ليجلدها إلا باجماع أصحاب رسول الله جهالة بالعلم وجرأة على قول ما لا يعلم ومن اجترأ على أن يقول: أن قول رجل أو عمله في خاص من الأحكام ما لم يحك عنه وعنهم، قال: عندنا ما لا يعلم.
قال الشافعي: وقضي عمر أن لا تباع أمهات الأولاد وخالفه علي وغيره وقضى عمر في الضرس بجمل وخالفه غيره فجعل الضرس سنا فيها خمس من الإبل.
وقال عمر وعلي وابن مسعود وأبو موسى الأشعري وغيرهم للرجل على امرأته الرجعة حتى تطهر من الحيضة
الثالثة وخالفهم غيرهم فقال: إذا طعنت في الدم من الحيضة الثالثة فقد انقطعت رجعته عنها مع أشياء أكثر مما وصفت، فدل ذلك على أن قائل السلف يقول برأيه ويخالفه غيره ويقول برأيه ولا يروي عن غيره فيما قال به شيء فلا ينسب الذي لم يرو عنه شيء إلى خلافه ولا موافقته لأنه إذا لم يقل لم يعلم قوله ولو جاز أن ينسب إلى موافقته جاز أن ينسب إلى خلافه ولكن كلاً كذب إذا لم يعلم قوله ولا الصدق فيه إلا أن يقال ما يعرف إذا لم يقل قولاً وفي هذا دليل على أن بعضهم لا يرى قول بعض حجة تلزمه إذا رأى خلافها وأنهم لا يرون اللازم إلا الكتاب والسنة وأنهم لم يذهبوا قط إن شاء الله إلى أن يكون خاص الأحكام كلها إجماعاً كإجماعهم على الكتاب والسنة وجمل الفرائض وأنهم كانوا إذا وجدوا كتاباً أو سنة اتبعوا كل واحد منهما فإذا تأولوا ما يحتمل فقد يختلفون وكذلك إذا قالوا فيما لا يعلموا فيه سنة اختلفوا.
стр. 82
قال الشافعي: ﵁: وكفى حجة على أن دعوى الإجماع في كل الأحكام ليس كما ادعى من ادعى ما وصفت من هذا ونظائر له أكثر منه وجملته أنه لم يدع الإجماع فيما سوى جمل الفرائض التي كلفها العامة أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا التابعين ولا القرن الذين من بعدهم ولا القرن الذين يلونهم ولا عالم علمته على ظهر الأرض ولا أحد نسبته العامة إلى علم إلا حيناً من الزمان فإن قائلاً قال فيه بمعنى لم أعلم أحداً من أهل العلم عرفه وقد حفظت عن عدد منهم إبطاله ومتى كانت عامة من أهل العلم في دهر بالبلدان على شيء وعامة قبلهم قبل أن يحفظ عن فلان وفلان كذا ولم نعلم لهم مخالفاً ونأخذ به ولا نزعم أنه قول الناس كلهم لأنا لا نعرف من قاله من الناس إلا من سمعناه منه أو عنه قال: وما وصفت من هذا قول من حفظت عنه من أهل العلم نصاً واستدلالاً قال الشافعي: ﵁ والعلم من وجهين اتباع واستنباط والإتباع اتباع كتاب، فإن لم يكن فسنة فإن لم تكن فقول عامة من سلفنا لا نعلم له مخالفاً فإن لم يكن فقياس على كتاب الله فإن لم يكن فقياس على سنة رسول الله ﷺ فإن لم يكن فقياس على قول عامة سلفنا لا مخالف له ولا يجوز القول إلا بالقياس وإذا قاس من له القياس فاختلفوا وسع كلا أن يقول بمبلغ اجتهاده ولم يسعه اتباع غيره فيما أدى إليه اجتهاد بخلافه، والله أعلم.
باب أكل الضب
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سئل عن الضب فقال: لست بآكله ولا محرمه.
أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي نحوه.
стр. 83
أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أبي إمامة سهل بن حنيف عن ابن عباس.
قال الشافعي: أشك، قال مالك عن ابن عباس عن خالد بن الوليد أو عن ابن عباس وخالد بن الوليد أنهما دخلا مع النبي ﷺ بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله بيده فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ما يريد أن يأكل فقالوا: هو ضب يا رسول الله فرفع رسول الله يده فقلت: أحرام هو قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قوم فأجدني أعافه، قال خالد: فأكلته ورسول الله ﷺ يتطير.
قال الشافعي: وحديث ابن عباس موافق لحديث ابن عمر أن رسول الله امتنع عن أكل الضب لأنه عافه لا لأنه حرمه وقد امتنع من أكل البقول ذوات الريح لأن جبريل يكلمه ولعله عافها لا محرماً لها، وقال ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لست بآكله يعني نفسه وقد بين ابن عباس أنه عافه، وقال ابن عمر أن النبي ﷺ قال ولا محرمه، قال: فجاء بمعنى ابن عباس بيناً وإن كان معنى ابن عمر أبين منه، قال: لست أحرمه وليس حراماً ولست آكله تفسير وأكل الضب حلال وإذا أصابه المحرم فداه لأنه صيد يؤكل.
باب المجمل والمفسر
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: قال الله : "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" وقال الله جل ثناؤه: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله،
стр. 84
فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر فيمن منع الصدقة، أليس قد قال رسول الله: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، فقال أبو بكر: هذا من حقها يعني منعهم الصدقة، وقال الله: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله". أخبرنا الثقة عن محمد بن أبان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشاً أمر عليهم أميراً وقال: فإذا لقيت عدداً من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال أو ثلاث خصال "شك علقمة" ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم وادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم إن هم فعلوا أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما عليهم، فإن اختاروا المقام في دارهم فأخبرهم أنهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله كما يجري على المسلمين وليس لهم من الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن لم يجيبوك إلى الإسلام فادعهم إلى أن يعطوا الجزية فإن فعلوا فأقبل منهم ودعهم وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
قال الشافعي: وليست واحدة من الآيتين ناسخة للأخرى ولا واحد من الحديثين ناسخاً للآخر ولا مخالفاً له ولكن أحد الحديثين والآيتين من الكلام الذي مخرجه عام يراد به الخاص ومن المجمل الذي يدل عليه المفسر فأمر الله بقتال المشركين حتى يؤمنوا والله تعالى أعلم أمره بقتال المشركين من أهل الأوثان وهم أكثر من قاتل النبي ﷺ ، وكذلك حديث أبي هريرة عن النبي وذكر أبي بكر وعمر إياهما عن النبي ﷺ في المشركين من أهل الأوثان دون أهل الكتاب وفرض الله قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إن لم
стр. 85
يؤمنوا، وكذلك حديث ابن بريدة في أهل الكتاب خاصة كما كان حديث أبي هريرة في أهل الأوثان خاصة قال: فالفرض في قتال من دان وآباؤه دين أهل الأوثان من المشركين أن يقاتلوا إذا قدر عليهم حتى يسلموا ولا يحل أن تقبل منهم جزية بكتاب الله وسنة نبيه قال: والفرض في أهل الكتاب ومن دان قبل نزول القرآن كله دينهم أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية أو يسلموا وسواء كانوا عرباً أو عجماً، قال: ولله كتب نزلت قبل نزول القرآن المعروف منها عند العامة التوراة والإنجيل، وقد أخبر الله أنه أنزل غيرهما فقال: "أم لم ينبأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفى" وليس تعرف تلاوة كتب إبراهيم وذكر زبور داود فقال: "وإنه لفي زبر الأولين" قال والمجوس أهل كتاب غير التوراة والإنجيل وقد نسوا كتابهم وبدلوه فأذن رسول الله في أخذ الجزية منهم.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع بجالة يقول ولم يكن عمر بن الخطاب أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ودان قوم من العرب دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن فأخذ رسول الله من بعضهم الجزية فدل ذلك على أن أهل الكتاب الذين أمرنا بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد أهل التوراة وأهل الإنجيل دون غيرهم فإن قال قائل: هل حفظ أحد أن المجوس كانوا أهل كتاب. قلت: نعم.
أخبرنا سفيان عن أبي سعد عن سعيد بن المرزبان عن نصر بن عاصم قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي: علام تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب؟ فقام إليه المستورد فأخذ بلببه فقال: يا عدو الله، تطعن على أبي بكر وعمر وعلي أمير المؤمنين يعني علياً وقد أخذوا منهم الجزية فذهب به إلى القصر فخرج علي عليهما فقال: إلبدا فجلسنا في ظل القصر فقال علي: أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وأن ملكهم سكر فوقع
стр. 86
على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم فدعا أهل مملكته فقال: تعلمون ديناً خيراً من دين آدم، قد كان آدم ينكح بنيه من بناته فأنا على دين آدم، ما يرغب بكم عن دينه فاتبعوه، وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم وهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله وأبو بكر وعمر منهم الجزية قال: فهل من دليل على ما وصفت غير ما ذكرت من هذا فقلت: نعم أرأيت إذا أمر الله بأخذ الجزية من الذين أوتوا الكتاب أما في ذلك دلالة على أن لا تؤخذ من الذين لم يؤتوا الكتاب فقال: بلى، لأنه إذا قيل خذ مني صنف كذا فقد منع من الصنف الذي يخالفه، قلت: أرأيت حين أمر الله أن يقاتل المشركون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وأمر: إذا انسلخ الأشهر الحرم أن يقتل المشركون حيث وجدوا ويحصروا ويقعد لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة خلي سبيلهم. أما في هذا دلالة على أنه في أمر الله أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب دون أهل الأوثان وأن الفرض من أهل الكتاب غيره في أهل الأوثان. قال: أما القرآن فيدل على ما وصفت.
قال الشافعي: وقلت له وكذلك السنة، فإن قال قائل أن حديث ابن بريدة عام بأن يدعو إلى إعطاء الجزية فقد يحتمل أن يكون عني كل مشرك وثني أو غيره، قلت له: وحديث أبي هريرة أن النبي قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله عام المخرج فإن قال جاهل بل هو على كل مشرك فلا تؤخذ الجزية من كتابي ولا غيره، ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل، هل الحجة عليه إلا كهي على من ذهب إلى جملة حديث ابن بريدة وادعى أنه حديث أبي هريرة ناسخ له قال ما لواحد منهما في الحديثين شيء إلا كما لصاحبه مثله لو لم يكن إلا الحديثان.
باب الخلاف
فيمن تؤخذ منه الجزية
وفيمن دان دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس فقال: تؤخذ
стр. 87
الجزية من أهل الكتاب وممن دان دين أهل الأوثان ما كان إلا أنها لا تؤخذ من العرب خاصة إذا دانوا دين أهل الأوثان فأما العجم فتؤخذ منهم وإن دانوا دين أهل الأوثان قال فقلت لبعض من يقول هذا القول: ومن أين قلت هذا قال: ذهبت إلى أن الذين أمر بقتالهم حتى يسلموا العرب قلت: فرأيت العرب إذا دانوا دين أهل الكتاب، أتأخذ منهم الجزية؟ قال: نعم، قلت: ويدخلون في معنى الآية التي نزلت في أهل الكتاب؟ قال: نعم، قلت: فقد تركت أصل قولك وزعمت أن الجزية على الدين لا على النسب قال: فلا أقدر أن أقول الجزية وترك الجزية وأن يقاتلوا حتى يسلموا على النسب، وقد أخذ النبي الجزية من بعض العرب، فقلت له: فلم ذهبت أولاً إلى الفرق بين العرب والعجم ولست تجد ذلك في كتاب ولا سنة، قال: فإن من أصحابك من قال: تؤخذ الجزية من كل من دعا إليها وثني أو غيره أو أعجمي أو عربي، فقلت له: أحمد قول من قال هذا؟ قال: لا، وذلك أن أكثر من قاتل رسول الله العرب فلم يأخذ الجزية إلا من عربي دان دين أهل الكتاب وسأقوم لمن خالفنا وإياك من أصحابك بقوله: فأقول أن النبي أخذ الجزية من المجوس ورأيت المسلمين لم يختلفوا في أن تؤخذ منهم الجزية ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، وروي هذا عن النبي وأهل الكتاب: تؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم وفي هذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب.
قال الشافعي: فقلت له: قلت: إن المجوس ليسوا بأهل كتاب مشهور عند العامة باق في أيديهم فهل من حجة في أن ليسوا بأهل كتاب كالعرب قال: لا إلا ما وصف من أن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم، قلت: فكيف أنكرت أن يكون النبي ﷺ دل على أن قول الله: "حتى يعطوا الجزية" من دان دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان وأن يكون إحلال نساء أهل الكتاب إحلال نساء بني إسرائيل دون أهل الكتب سواهم فيكونون مستوين في الجزية مختلفين من النساء والذبائح كما أمر الله بقتال المشركين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فسوى
стр. 88
بينهم في الشرك وخالف بينهم في القتال على الشرك فقال أو قال بعض من حضره ما في هذا ما أنكره عالم.
قال الشافعي: قلت له: لم يذهب هذا المذهب أحد له علم بكتاب الله أو السنة قال: ومن أين؟ قلت: السنة لا تكون أبداً إلا تبعاً للقرآن من مثل معناه ولا تخالفه فإذا كان القرآن نصا فهي مثله وإذا كان جملة أبانت ما أريد بالجملة ثم لا تكون إلا والقرآن محتمل ما أبانت السنة منه، قال: أجل، قلت: فمن ذكر أن الجزية تؤخذ من كل أحد خرج من الأمرين معاً من الكتاب إلى غير كتاب ومن السنة إلى غير السنة وذهب في المجوس إلى أمر جهله فقال فيهم بالجهالة قال: إنه شبه عليهم في أن لا تؤكل ذبائحهم قلت لا ولا ذبائح نصارى العرب، وتؤخذ الجزية منهم كما وصفت بأن يجتمعوا في جملة من أوتي الكتاب، والذين أمر بنكاح نسائهم من أهل الكتاب وأكل ذبائحهم أهل التوراة والإنجيل من بني إسرائيل دون غيرهم.
باب في المرور بين يدي المصلي
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: حدثنا مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: "أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام ورسول الله يصلي بالناس فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت فأرسلت حماري يرتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد".
حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان عن كثير بن كثير عن بعض أهله عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي ﷺ .
عن المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهلي عن جده أنه رأى النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة، قال سفيان، كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أخبرنا كثير عن أبيه. قال: فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته ولكن من
стр. 89
بعض أهلي عن جدي.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وليس بعد شيء من هذا مختلفاً وهو والله
стр. 90
أعلم من الأحاديث المؤداة لم يتقص المؤدي لها أسبابها وبعضها يدل على بعض
стр. 91
وأمر رسول الله المصلي أن يستتر بالدنو من السترة اختيار لا أنه إن لم يفعل
стр. 92
فسدت صلاته ولا أن شيئاً يمر بين يديه يفسد صلاته لأنه ﷺ قد صلى في المسجد الحرام والناس يطوفون بين يديه وليس بينه وبينهم سترة وهذه صلاة انفراد لا جماعة وصلى بالناس بمعنى صلاة جماعة إلى غير سترة لأن قول ابن عباس إلى غير جدار يعني والله أعلم إلى غير سترة ولو كانت صلاة تفسد بمرور شيء بين يديه لم يصل إلى غير سترة ولا أحد وراءه يعلمه وقد مر ابن عباس على أتان بين يدي بعض الصف الذي وراء رسول الله فلم ينكر ذلك عليه أحد وهكذا والله أعلم أمره بالخط في الصحراء اختيار وقوله لا يفسد الشيطان عليه صلاته أن يلهو ببعض ما يمر بين يديه فيصير إلى أن يحدث ما يفسدها لمرور ما يمر بين يديه وكذلك ما يكره للمار بين يديه، ولعل تشديده فيها إنما هو على تركهم نهيه عنه والله أعلم وقوله إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فليس عليكم جناح أن تمروا بين يديه يدل على أن ذلك لا يقطع على المصلي صلاته ولو كان يقطع عليه صلاته ما أباح لمسلم أن قطع صلاة مسلم وهكذا من معنى
стр. 93
مرور الناس بين يدي رسول الله وهو يصلي والناس في الطواف، ومن مرور ابن عباس بين يدي بعض من يصلي معه بمنى لم ينكر عليه وفيه دليل على أنه يكره أن يمر بين يدي المصلي المستتر ولا يكره أن يمر بين يدي المصلي الذي لا يستتر، وقوله ﷺ في المستتر "إذا مر بين يديه فليقاتله" يعني فليدفعه، فإن قال قائل: فقد روي أن مرور الكلب والحمار يفسد صلاة المصلي إذا مرا بين يديه قيل لا يجوز إذا روي حديث واحد أن رسول الله قال: "يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار" وكان مخالفاً لهذه الأحاديث فكان كل واحد منها أثبت منه ومعها ظاهر القرآن أن يترك إن كان ثابتاً إلا بأن يكون منسوخاً، ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر أو يرد ما يكون غير محفوظ وهو عندنا خير محفوظ لأن النبي صلى وعائشة بينه وبين القبلة وصلى وهو حامل أمامة يضعها في السجود ويرفعها في القيام ولو كان ذلك يقطع صلاته لم يفعل واحداً من الأمرين وصلى إلى غير سترة وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث لأنه حديث واحد وإن أخذت فيه أشياء فإن قيل فما يدل عليه كتاب الله من هذا قبل قضاء الله أن لا تزر وازرة وزر أخرى والله أعلم أنه لا يبطل عمل رجل عمل غيره وأن يكون سعى كل لنفسه وعليها فلما كان هذا هكذا لم يجز أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره.
باب خروج النساء إلى المسجد
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا بعض أهل العلم عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا تمنعوا إماء الله
стр. 94
مساجد الله وإذا خرجن فليخرجن تفلات". قال الربيع: "يعني لا يتطيبن". أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله قال: "إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها".
قال الشافعي: وهذا حديث كلمنا فيه جماعة من الناس بكلام قد جهدت على تقصي ما كلموني فيه فكان مما قالوا أو بعضهم ظاهر قول رسول الله النهي عن منع إماء الله مساجد الله والنهي عندك عن النبي تحريم إلا بدلالة عن رسول الله أنه أراد غير التحريم وهو عام على مساجد الله والعام عندك على عمومه إلا بدلالة عن النبي ﷺ أو عن جماعة لا يمكن فيهم جهل ما جاء عن النبي ﷺ أنه خاص فما تقول في هذا الحديث أهو عام فيكون تحريم أن يمنع أحداً إماء الله مساجد الله بحال أو خاص فيكون لهم منعهن بعض المساجد دون بعض فإنه لا يحتمل إلا واحداً من معنيين قلت بل خاص عندي والله أعلم، قال: ما دل على أنه خاص عندك قلت: الأخبار الثابتة عن النبي بما لا أعلم فيه مخالفاً قال: فاذكر ما جاء عن النبي من الدليل على ما وصفت قلت: أخبرنا مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة
стр. 95
إلا مع ذي محرم.
حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة ولا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم فقام رجل فقال يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وإن امرأتي انطلقت حاجة قال: "فانطلق فاحجج بامرأتك"، قال: فقلت: أفترى أن فرضاً على قيمها أن يمنعها أكبر مساجد الله لأن أكبرها أوجبها ومن كل سفر قال: نعم. قلت: فمن أين قلته؟ قال: قلته بالخبر عن رسول الله لأن سفرها مع غير ذي محرم معصية وفرض الله أن تمنع المعصية قلت: فقد زعمت أن فرض الله والخبر عن رسول الله أن تمنع أكبر مساجد الله، قال: ما أجد من هذا أبداً وقال غيره: أنا أكلمك بغير ما كلمك به فأقول: ليس لقيمها أن يمنعها أن تسافر إلى مسجد، قلت: ولا يمنعها الوالي ولا زوجها ولا وليها من كان قال: لا، قلت: فقد أمرت بأن لا تمنع المعصية بالسفر، قال: فإن قلت فعلى ذي محرمها أن يسافر معها لأن في تركه السفر معها ما يوجب على الوالي منعها من السفر بلا محرم قلت: فإن قيمها أخاها وهو موسر على من النفقة في السفر، أعليها أو على أخيها؟ قال: فإن قلت عليه نفقته وعليها نفقتها قلت: فقد جعلت لها أن تكلفه إخراج شيء من ماله وأنت لا تجعل عليه أن ينفق عليها موسرة، ولا معسرة صحيحة وتكلفها المسألة فأي الأمرين كان ألزم لك أن ينفق عليها معسرة صحيحة شريفة تستحي من المسألة خمسة دراهم في الشهر أو يكلف في سفر خمسمائة درهم، قال: فإن قلت فنفقته عليها، قلت: فأقول لك:
стр. 96
فكانت محجوراً عليها. أتنفق عليه من مالها؟ قال: بل لا أنفق على المحجور عليها إلا ما لا صلاح لها إلا به فكيف أنفق على آخره من مالها قلت: فقد منعتها إذاً أكثر مساجد الله قال: فكل ما قلت من هذا مخالف قول أهل العلم، قلت: أجل وقد تركت إبانة ذلك لتعرف أن ما ذهبت إليه فيه كله على غير ما ذهبت إليه وهل علمت مخالفاً في أن للرجل أن يمنع امرأته مسجد عشيرتها وإن كان على بابها والجمعة التي لا أوجب منها في المصر قال: وما علمته قلت: فلو لم يكن فيما تساءلت عنه حجة إلا ما وصفت، استدللت بأن أكثر أهل العلم يقولون إذا كان لزوج المرأة وقيمها منعها من الجمعة ومسجد عشيرتها كان معنى سنة رسول الله ﷺ .
قال الشافعي: فقال عامة من حضر هذا كما قلت فيما أدخلت على من ذهب إلى أن ليس لأحد أن يمنع امرأته شيئاً من مساجد الله وقد بقي عليك أن تسأل: ما معنى لا تمنعوا إماء الله مساجد الله؟ فقد علمنا أنه خاص فأي المساجد لا يجوز له أن يمنعه إماء الله قلت: لا يجوز له أن يمنعها مسجد الله الحرام لفريضة الحج وله أن يمنعها منه تطوعاً ومن المساجد غيره قال: فما دل على ما قلت، قلت: قال الله: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً"، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "السبيل الزاد والمركب ".
فإذا كانت المرأة ممن يجد مركباً وزاداً وتطيق السفر للحج فهي ممن عليه فرض الحج ولا يحل أن تمنع فريضة الحج كما لا تمنع فريضة الصلاة والصيام وغيرهما من الفرائض، قال: فهل على وليها أن يحجها من مالها لو كانت محجوراً عليها قلت: نعم، كما يؤدي الزكاة عنها، قال: فهل عليه أن يحج معها. قلت:
стр. 97
لا والاختيار له أن يفعل وكل مسلم يدع ذلك إن شاء الله، فإذا لم يفعل لم أجبره عليه وإذا وجدت نسوة ثقات حجت معهن وأجبرت وليها على تركها والحج مع نسوة ثقات إذا كانت طريقها آمنة من كان وليها زوجها أو غيره، قال: فما معنى نهيها عن السفر فيما لا يلزمها، قال: فما دل على ما وصفت من أنها إنما نهيت عن السفر فيما لا يلزمها، قلت: بين رسول الله عن الله أن حد الزانيين البكرين جلد مائة وتغريب عام، والتغريب سفر وقد نهى رسول الله أن يخلى بامرأة إلا مع ذي محرم وفي التغريب خلوة بها مع غير ذي محرم وسفر فدل ذلك على أنه إنما ينهي عن سفرها فيما لا يلزمها ولم أعلم مخالفاً في أن امرأة لو كانت ببلد ناء لا حاكم فيه فأحدثت حدثاً يكون عليها فيه حد أو حق لمسلم أو خصومة له جلبت إلى الحاكم فدل هذا على ما وصفت من أنها إنما نهيت عن السفر فيما لا يلزمها، فإذا قضت حجة الإسلام فلوليها من كان منعها من الحج ومن جميع المساجد إلا شيئاً سأذكره في العيدين إن شاء الله، قال: أفتجد على هذا دلالة؟ قلت: نعم ما وصفت لك من أن الله لم يفرض على أحد قط أن يسافر إلى مسجد غير المسجد الحرام للحج وأن الأسفار إلى المساجد نافلة غير السفر للحج وفي منع عمر بن الخطاب أزواج النبي الحج بقول رسول الله: "إنما هي هذه الحجة" ثم ظهور الحصر قال: وإن إتيان الجمعة فرض على الرجل إلا من عذر ولم نعلم من أمهات المؤمنين امرأة خرجت إلى جمعة ولا جماعة في مسجد وأزواج رسول الله بمكانهن من رسول الله أولى بأداء الفرائض، فإن قيل: فإنهن قد ضرب عليهن الحجاب قيل وقد كن لا حجاب عليهن ثم ضرب عليهن الحجاب فلم يرفع عنهن من الفرائض شيء ولم نعلم أحداً أوجب على النساء إتيان الجمعة، كل روى أن الجمعة على كل أحد إلا امرأة أو مسافراً أو عبداً فإذا سقط عن المرأة فرض الجمعة كان فرض غيرها من الصلوات المكتوبات والنافلة في المساجد عنهن أسقط قال: فقال وما فرض إتيان الجمعة إلا على الرجال وليس هذا على النساء بفرض وما هن في إتيان المساجد
стр. 98
للجماعات كالرجال فقلت له: إن الحجة لتقوم بأقل مما وصفت لك وعرفت بنفسك وعرف الناس معك وقد كان مع رسول الله نساء من أهل بيته وبناته وأزواجه ومولياته وخدمه وخدم أهل بيته فما علمت منهن امرأة خرجت إلى شهود جمعة والجمعة واجبة على الرجال بأكثر من وجوب الجماعة في الصلوات غيرها ولا إلى جماعة غيرها في ليل أو نهار ولا إلى مسجد قباء، فقد كان النبي يأتيه راكباً وماشياً ولا إلى غيره من المساجد وما أشك أنهن كن على الخير بمكانهن من رسول الله أحرص وبه أعلم من غيرهن وأن النبي لم يكن ليدع أن يأمرهن بما يجب عليهن وعليه فيهن وما لهن فيه من الخير وإن لم يجب عليهن كما أمرهن بالصدقات والسنن وأمر أزواجه بالحجاب وما علمت أحداً من سلف المسلمين أمر أحداً من نسائه بإتيان جمعة ولا جماعة من ليل ولا نهار ولو كان لهن في ذلك فضل أمروهن به وأذنوا لهن إليه بل قد روي والله أعلم عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في المسجد أو المساجد".
حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول: إن كان ليكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أصوم حتى يأتي شعبان وروي: "إذا استأذنت أحدكم امرأته لتشهد العشاء فلا يمنعها" فاحتمل أن يجب عليهن
стр. 99
واحتمل أن يكون على الإستحباب فلما كان ما وصفت من الإستدلال بأن لم يختلف العامة أن ليس على المرأة شهود صلاة جماعة كما هي على الرجل
وأن لوليها حبسها كان هذا اختياراً لا فرضاً على الولي أن يأذن للمرأة للعشاء فقال ما علمت أحداً من المفتين يخالف في أن ليس على الرجل الإذن لامرأته إلى جمعة ولا جماعة ولقد قال بعضهم ولا إلى حج لأنه لا يفوتها في عمرها، فقلت: ففي أن لم يختلف المفتون إن كان كما قلت دليل على أن لا يجهلوا معنى حديث رسول الله إذا كان معنى حديث رسول الله محتملاً ما قالوا قال: ولقد قال بعضهم لزوج المرأة أن يمنعها من الحج قلت أما هذا فلا لأنه إذا جاز له أن يمنعها الفريضة فقد منعها مساجد الله كلها فأباح له خلاف الحديث فإذا قلت: لا يمنعها الفريضة من الحج فلم أخالف الحديث بل هو ظاهر الحديث لا تمنعوا إماء الله مساجد الله كلها وفيه والله أعلم دلالة على أن لهم منعهن بعضها قال: وأجبر زوج امرأة ووليها من كان على أن يدعها والفريضة من الحج والعمرة في سفر ولا أجبره على ما تطوعت به منهما فإذا أذن لها إلى الحج فلم يمنعها مساجد الله لأنه قد أذن لها في الفرض إلى مسجد الله الحرام، قال: وقد روي حديث أن يترك النساء إلى العيدين فإن كان ثابتاً قلنا به.
باب غسل الجمعة
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم، وأرجلكم"، قال: فدلت السنة على أن الوضوء من الحدث وقال الله جل ثناؤه: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا" قال: فكان الوضوء عاماً في كتاب الله من الأحداث وكان أمر الله الجنب دليلاً والله أعلم أن لا يجب الغسل إلا من
стр. 100
جنابة إلا أن تدل السنة على غسل واجب فنوجبه بالسنة بطاعة الله في الأخذ بها ودلت على وجوب الغسل من الجنابة ولم أعلم دليلاً بيناً على أن يجب غسل غير الجنابة الوجوب الذي لا يجزئ غيره قال وقد روي في غسل يوم الجمعة شيء فذهب ذاهب إلى غير ما قلنا ولسان العرب واسع.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله قال: من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل.
أخبرنا مالك وسفيان عن صفوان بن مسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم.
قال الشافعي: فاحتمل واجب لا يجزئ غيره وواجب في الأخلاق وواجب في الإختيار وفي النظافة ونفي تغير الريح عند اجتماع الناس كما يقول الرجل للرجل: وجب حقك علي إذ رأيتني موضعاً لحاجتك وما أشبه هذا فكان هذا أولى معنييه لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث وخصوص الغسل من الجنابة والدلالة عن رسول الله ﷺ في غسل يوم الجمعة أيضاً فإن قال قائل: فاذكر الدلالة قلت: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله
стр. 101
قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب فقال عمر: أية ساعة هذه فقال يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت فقال عمر والوضوء أيضاً وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل قال الشافعي: فلما علمنا أن عمر وعثمان علما أن رسول الله كان يأمر بالغسل يوم الجمعة فذكر عمر علمه وعلم عثمان فذهب عنا أن نتوهم أن يكونا نسيا علمهما عن رسول الله ﷺ في غسل يوم الجمعة إذا ذكر عمر علمهما في المقام الذي توضأ فيه عثمان يوم الجمعة ولم يغتسل ولم يخرج عثمان فيغتسل ولم يأمره عمر بذلك ولا أحد ممن حضرهما من أصحاب رسول الله ﷺ ممن علم أمر رسول الله ﷺ بالغسل معهما أو بإخبار عمر عنه، دل هذا على أن عمر وعثمان قد علما أمر النبي بالغسل على الأحب لا على الإيجاب للغسل الذي لا يجزئ غيره وكذلك والله أعلم دل على أنه علم من سمع مخاطبة عمر وعثمان في مثل علم عمر وعثمان إما أن يكون علموه علماً وإما أن يكون علموه بخبر عمر كالدلالة عن عمر وعثمان وروت عائشة الأمر بالغسل يوم الجمعة.
أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: كان الناس عمال أنفسهم فكانوا يروحون بهيآتهم فقيل لهم: لو اغتسلتم.
قال وروي من حديث البصريين أن رسول الله قال: "من توضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل "، قال وقول أكثر من لقيت من المفتين اختيار الغسل يوم الجمعة وهم يرون أن الوضوء يجزئ منه وفي حديث ابن عمر عن رسول الله من جاء منكم الجمعة فليغتسل، ما يدل على أن غسل يوم الجمعة لا يجب الوجوب الذي لا يجزئ غيره لأن الغسل إذا وجب
стр. 102
الوجوب الذي لا يجزئ غيره وجب على كل مصل جاء الجمعة أو تخلف عنها لأن قول رسول الله: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" يدل على أن لا غسل على من لم يأت الجمعة.
باب نكاح البكر
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أن رسول الله قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتهما".
أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن جارية عن خنساء ابنة خذام أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت النبي فرد نكاحه.
стр. 103
أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع وبنى بي وأنا ابنة تسع وكنت ألعب بالبنات فكن جوار يأتينني فإذا رأين رسول الله تقمعن فكان رسول الله يسر بهن إلي.
قال الشافعي: والولي الذي قال رسول الله الأيم أحق بنفسها منه الأب خاصة لأنه لا يكون لأحد ولاية معه وإنما تكون الولاية لغيره إذا لم يكن أب فهو الولي المطلق وحديث ابن عباس في الأيم أحق بنفسها من وليها مثل حديث خنساء إذا كانت المرأة أيما والأيم الثيب يزوجها أبوها بغير إذنها فرد رسول الله ﷺ نكاحه.
قال الشافعي: والبكر تستأذن من نفسها والله أعلم يستأذنها أبوها في نفسها وهذا يحتمل ما ذهبنا إليه والله أعلم فقلنا أمره الآباء بالإستئذان للأبكار في الإنكاح أطيب لأنفسهن وأحرى إن كان بهن علة في أنفسهن أو لهن علة فيمن يستأمرن في إنكاحه أن يذكرنها لا على أن لهن في أنفسهن مع آبائهن أمراً إن لم يأذن أن ينكحن لم يجر أن ينكحن وذهبنا إلى ذلك أن رسول الله تزوج عائشة وهي بنت سبع سنين وأدخلها عليه وهي بنت تسع سنين وهي في حال التزويج والدخول ممن لا أمر له في نفسه فلو كان النكاح لا يجوز على البكر إلا بإذنها لم يجز أن تزوج حتى يكون لها أمر في نفسها كما قلنا في المولود يقتل أبوه يحبس قاتله حتى يبلغ الولد فيعفو أو يصالح أو يقتل لأن ذلك لا يكون إلا بأمره وهو صغير لا أمر له فوقفنا قتل قاتل أبيه حتى يكون له أمر فقلنا: إذا زوج الأب ابنته البكر بالغاً أو صغيرة بغير إذنها لزمها النكاح وإن لم يستأمرها فإن قيل فما دل على أن قول النبي تستأمر على ما قلت قيل ما وصفت من نكاحه عائشة وهي لا أمر لها ودخول النبي ﷺ بها وهي ممن لا أمر لها إذ زوجها أبوها وإنكاح الآباء الصغار قديماً وإن لم يختلف أحد أن ذلك جائز عليهن فإن قيل فهل من دلالة غير ذلك قلت نعم، قال الله لنبيه: "وشاورهم في الأمر"، ولم يجعل الله لأحد مع نبينا أمراً بل فرض عليهن طاعته فيما أحبوا أو كرهوا فإن قيل فما معنى ذلك قيل والله أعلم هو يشبه أن يكون على استطابة أنفسهم وعلى أن يستن بالمشورة من بعده من ليس له ما لرسول الله فيه فإن قيل فهل من دليل غيره؟ قيل: نعم، زوج نعيم بن النحام ابنته فكرهت ذلك أمها فأتت رسول الله فقال: آمروهن في بناتهن وكانت ابنته بكراً ولا اختلاف أن ليس للأم شيء من إنكاح ابنتها مع أبيها ولو كانت منفردة ولا من إنكاح نفسها إلا بوليها.
باب النجش
حدثنا الربيع بن سلمان قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن النجش.
стр. 104
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تناجشوا".
أخبرنا سفيان ومالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. قال الشافعي ﵀: والنجش أن يحضر الرجل السلعة تباع فيعطي بها الشيء وهو لا يريد الشراء ليقتدي به السوام فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه قال فمن نجش فهو عاص بالنجش إن كان عالماً بنهي رسول الله عنه ومن اشترى وقد نجش غيره بأمر صاحب السلعة أو غير أمره لزمه الشراء كما يلزم ممن لم ينجش عليه لأن البيع جائز لا يفسده معصية، رجل نجش عليه لأن عقده غير النجش ولو كان بأمر صاحب السلعة لأن الناجش غير فلا يفسد على المتبايعين بفعل غيرهما وأمر صاحب السلعة بالنجش معصية منه ومن الناجش معصية قال وقد بيع فيمن يزيد على عهد رسول الله ﷺ فجاز البيع وقد يجوز أن يكون زاد من لا يريد الشراء.
باب في بيع الرجل على بيع أخيه
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن
стр. 105
رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض".
أخبرنا مالك وسفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض".
أخبرنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع الرجل على بيع أخيه".
أخبرنا سفيان عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي مثله.
قال الشافعي: وبهذا نأحذ فننهي الرجل إذا اشترى من رجل سلعة ولم يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه أن يبيع المشتري سلعة تشبه السلعة التي اشترى أولاً لأنه لعله يرد السلعة التي اشترى أولاً ولأن رسول الله ﷺ جعل للمتبايعين الخيار ما لم يتفرقا فيكون البائع الآخر قد أفسد على البائع الأول بيعه ثم لعل البائع الآخر يختار نقض البيع فيفسد على البائع والمبتاع بيعه.
قال الشافعي: لا أنهي رجلين قبل أن يتبايعا ولا بعدما يتفرقان عن مكانهما الذي تبايعا فيه عن أن يبيع أي المتبايعين شاء لأن ذلك ليس بيعاً على بيع غيره فينهى عنه، قال: وهذا يوافق حديث المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا لم وصفت فإذا باع رجل رجلاً على بيع أخيه في هذه الحال فقد عصى إذا كان عالماً
стр. 106
بالحديث فيه والبيع لازم لا يفسد، فإن قال قائل: وكيف لا يفسد وقد نهي عنه؟ قيل بدلالة الحديث نفسه: أرأيت لو كان البيع يفسد هل كان ذلك يفسد على البائع الأول شيئاً إذا لم يكن للمشتري أن يأخذ البيع الآخر فيترك به الأول بل كان ينفع الأول لأنه لو كان يفسد على كل بيع بيعه كان أرغب للمشتري فيه، أفرأيت إن كان البيع الأول إذا لم يتفرق المتبايعان عن مقامهما لازماً بالكلام كلزومه لو تفرقا ما كان البيع الآخر يضر البيع الأول، أو رأيت لو تفرقا ثم باع رجل رجلاً على ذلك البيع هل يضر الأول شيئاً أو يحرم على البائع الآخر أن يبيعه رجل سلعة قد اشترى مثلها ولزمته هذا لا يضره وهذا يدل على أنه إنما ينهى عن البيع على بيع الرجل إذا تبايع الرجلان وقبل أن يتفرقا فأما في غير تلك الحال فلا.
باب بيع الحاضر للبادي
حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله قال: "لا يبع حاضر لباد".
أخبرنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
قال الشافعي: ليس في النهي عن بيع الحاضر للبادي بيان معنى والله أعلم لم نهى عنه إلا أن أهل البادية يقدمون جاهلين بالأسواق، وبحاجة الناس إلى ما
стр. 107
قدموا به ومستثقلين المقام فيكون أدنى من أن يرتخص المشترون سلعهم فإذا تولى أهل القرية لهم البيع ذهب هذا المعنى فلم يكن على أهل القرية في المقام شيء يثقل عليهم ثقله على أهل البادية فيرخصون لهم سلعهم ولم يكن فيهم الغرة بموضع حاجة الناس إلى ما يبيع الناس من سلعهم ولا بالأسواق فيرخصونها لهم فنهوا والله أعلم لئلا يكونوا سبباً لقطع ما يرجى من رزق المشتري من أهل البادية لما وصفت من ارتخاصه منهم فأي حاضر باع لباد فهو عاص إذا علم الحديث والبيع لازم غير مفسوخ بدلالة الحديث نفسه لأن البيع لو كان يكون مفسوخاً لم يكن في بيع الحاضر للبادي إلا الضرر على البادي من أن تحبس سلعته، ولا يجوز فيها بيع غيره حتى يلي هو أو باد مثله بيعها فيكون كمكسد لها وأحرى أن يرزق مشتريه منه بارتخاصه إياها بإكسادها بالأمر الأول من رد البيع وغرة البادي الآخر فلم يكن ههنا معنى يخاف يمتنع فيه أن يرزق بعض الناس من بعض فلم يجز فيه والله أعلم إلا ما قلت من أن بيع الحاضر للبادي جائز غير مردود والحاضر منهي عنه.
باب تلقي السلع
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقوا السلع".
قال الشافعي: وقد سمعت في هذا الحديث فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ إن كان ثابتاً وفي هذا دليل على أن الرجل إذا تلقى السلعة فاشتراها فالبيع جائز غير أن لصاحب السلعة بعد أن يقدم السوق الخيار لأن تلقيها حين يشتري من البدوي قبل أن يصير إلى موضع المساومين من الغرر له بوجه النقص من الثمن فإذا قدم صاحب السلعة السوق فهو بالخيار بين إنفاذ البيع ورده ولا خيار للمتلقي لأنه هو الغار لا المغرور.
стр. 108
باب عطية الرجل لولده
حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن وعن محمد بن النعمان بن بشير يحدثانه عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلت مثل هذا قال: لا، قال رسول الله ﷺ "فأرجعه ".
قال الشافعي: وقد سمعت في هذا الحديث أن رسول الله قال: "أليس يسرك أن يكونوا في البر إليك سواء" قال: بلى، قال: "فأرجعه".
حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاوس أن النبي قال: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد من ولده".
قال الشافعي: وحديث النعمان ثابت وبه نأخذ وفيه الدلالة على أمور منها حسن الأدب في أن لا يفضل رجل أحداً من ولده على بعض في نحل فيعرض في قلب المفضل عليه شيء يمنعه من بره لأن كثيراً من قلوب الآدميين جبل على الاقتصار عن بعض البر إذا أوثر عليه والدلالة على أن نحل الوالد بعض ولده دون بعض جائز من قبل أنه لو كان لا يجوز كان يقال إعطاؤك إياه وتركه سواء لأنه غير جائز فهو على أصل ملكك الأول أشبه من أن يقال أرجعه وقوله ﷺ فأرجعه دليل على أن للوالد رد ما أعطى الولد وأنه لا يحرج بارتجاعه منه فقد روي عن النبي أنه قال: أشهد غيري فهذا يدل على أنه اختيار.
стр. 109
قال الشافعي: فإذا كان هكذا فسواء ادّان الولد أو تزوج رغبة فيما أعطاه أبوه أو لم يدن أو لم يتزوج فله أن يرجع في هبته له متى شاء قال وقد حمد الله جل ثناؤه على إعطاء المال والطعام في وجوه الخير وأمر بهما فقال: "وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين" وقال: "مسكيناً ويتيماً" وقال: "ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم" وقال: "وإن تبدوا الصدقات فنعما هي" وقال: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" فإذا جاز هذا للأجنبيين وذوي القربى فلا أقرب من الولد وذلك أن الرجل إذا أعطى
ماله ذا قرابته غير ولده أو أجنبياً فقد منعه ولده وقطع ملكه عن نفسه فإذا كان محموداً على هذا كان محموداً أن يعطيه بعض ولده دون بعض ومنع بعضهم ما أخرج من ماله أقل من منعهم كلهم ويستحب له أن يسوي بينهم لئلا يقصر واحد منهم في بره فإن القرابة تنفس بعضها بعضاً ما لم تنفس البعادة "قال الربيع ": يريد البعداء وقد فضل أبو بكر عائشة بنخل وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه وفضل عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم.
قال الشافعي: لو اتصل حديث طاوس أنه لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده لزعمت أن من وهب هبة لمن يستثيبه مثله أو لا يستثيبه وقبضت الهبة لم يكن للواهب أن يرجع في هبته وإن لم يثبه الموهوب له والله أعلم.
باب بيع المكاتب
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: وأخبرنا مالك عن هشام بن عروة
стр. 110
عن أبيه عن عائشة أنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عددتها ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم ذلك فأبوا عليها فجاءت من عند أهلها ورسول الله جالس فقالت: إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع ذلك رسول الله ﷺ فسألها النبي فأخبرته عائشة فقال لها رسول الله: خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة ثم قام رسول الله في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق.
أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة.
قال الشافعي: وحديث يحيى عن عمرة عن عائشة أثبت من حديث هشام، وأحسبه غلط في قوله: واشترطي لهم الولاء، وأحسب حديث عمرة أن عائشة كانت شرطت لهم بغير أمر النبي وهي ترى ذلك يجوز فأعلمها رسول الله أنها إن اعتقتها فالولاء لها وقال: لا يمنعك منها ما تقدم فيها من شرطك ولا أرى أمرها أن تشترط لهم ما لا يجوز.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ وقد ذهب فيه قوم مذاهب سأذكر ما حضرني حفظه منها إن شاء الله.
قال الشافعي: قال لي بعض أهل العلم بالحديث والرأي يجوز بيع المكاتب قلت: نعم في حالين قال: وما هما؟ قلت: أن يحل نجم من نجوم الكتابة فيعجز عن أدائه لأنه إنما عقدت له الكتابة على الآداء فإذا لم يؤد ففي نفس الكتابة أن للمولى بيعه لأنه إذا عقدها على شيء فلم يأت به كان العبد بحاله
следующие страницы →