Полный текст (1 331 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وَمُرَادُهُمَا بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ السَّمَكُ الْمَيِّتُ فَلَوْ بَاعَ حَيَوَانًا بِسَمَكٍ حَيٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ إنْ رَاعَيْنَا أَنَّ حَيَّ السَّمَكِ فِي حُكْمِ مَيْتِهِ فَيَكُونُ كَمَا لَوْ بَاعَ حَيَوَانًا بِلَحْمِ سَمَكٍ فَيُجْرَى فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ جَعَلْنَا السَّمَكَ الْحَيَّ كَالْحَيَوَانِ صَارَ ذَلِكَ كَبَيْعِ حَيَوَانٍ بِحَيَوَانٍ وَهُوَ جَائِزٌ وَصَوَّرَهَا الرَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي لَحْمِ السَّمَكِ بِالشَّاةِ وَهُوَ أَبْيَنُ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَوَقَّفُ اللَّحْمُ عَلَى السَّمَكَةِ الْكَامِلَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً وَالْأَقْرَبُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ الْمَذْبُوحِ وَقَالَ إنَّ الْأَصَحَّ الْبُطْلَانُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي ذَلِكَ (إنْ قُلْنَا) إنَّ السَّمَكَ يُسَمَّى لَحْمًا فَإِنْ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ راعينا المعنى يخرج على الوجهين يَعْنِي فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ (وَإِنْ قُلْنَا) السَّمَكُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا جَازَ سَوَاءٌ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ أَوْ الْمَعْنَى وَهَذَا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ أَعْنِي مَا سَلَكَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَحِينَئِذٍ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ قول ابن أبى هريرة فال لانه لا يطلق عليه لحم أي لايدخل السَّمَكُ فِي اسْمِ اللَّحْمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ والمراد بذلك والله أعلم ما قال أَبُو الطَّيِّبِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إنْ بَاعَ لَحْمًا بِسَمَكَةٍ حَيَّةٍ أَوْ لَحْمَ السَّمَكِ بِحَيَوَانٍ حَيٍّ (فَإِنْ قُلْنَا) إنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ اللُّحُومِ كَانَ كَلَحْمِ غَنَمٍ بِبَقَرٍ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ لِوُقُوعِ اسْمِ اللَّحْمِ وَالْحَيَوَانِ عَلَيْهِ.
стр. 667
(فَرْعٌ)
بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْعَظْمِ جَائِزٌ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ بِالْحَيَوَانِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَيْضًا قَالَ فِي اللُّبَابِ وَأَوْرَدَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ اللَّبَنَ يُسَمَّى لَحْمًا روى أن نبيا شكى إلَى اللَّهِ تَعَالَى الضَّعْفَ فَأَوْحَى إلَيْهِ أَنْ كُلْ اللَّحْمَ بِاللَّحْمِ يَعْنِي اللَّحْمَ بِاللَّبَنِ وَقَالَ الشَّاعِرُ يُطْعِمُهَا اللَّحْمَ إذَا عَزَّ الشَّجَرْ
* وَالْخَيْلُ فِي إطْعَامِهَا اللَّحْمَ ضَرَرْ يَعْنِي أَنَّهُ يُطْعِمُهَا اللَّبَنَ عِنْدَ عِزَّةِ الْمَرْعَى وَأَجَابَ بِأَنَّ تَسْمِيَةَ العرب اللبن لحما استعارة ومجاز لاحقيقة أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّبَنِ متفاضلا ولا يحنث باللبن إذا حاف على اللحم..
قال المصنف رحمه الله تعالى
.
(وفى بيع اللحم بحيوان لا يؤكل قولان
(أحدهما)
لا يجوز للخبر
(والثانى)
يجوز لانه ليس فيه مثله فجاز بيعه كاللحم بالثوب) .
(الشَّرْحُ) الْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ وَالْقَفَّالُ وَالْفُورَانِيُّ وَصَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِيمَا عَلَّقَ عَنْهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَنَّ قَوْلَ الْمَنْعِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الصَّرْفِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ الْقِيَاسُ الْجَوَازُ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ إنَّ قَوْلَ الْجَوَازِ قَالَهُ الرَّبِيعُ وَإِنَّ قَوْلَ الْمَنْعِ هُوَ الصَّحِيحُ وكذلك قال البغوي في التعذيب ان الاصح
стр. 668
المنصوص في أكثر الكتب لا يجوز الخبر الظاهر (قُلْتُ) قَوْلُهُ إنَّهُ الْمَنْصُوصُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ يَعْنِي كُتُبَ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ مَنْصُوصًا فِي الْأُمِّ (١) مِنْ بَيْعِ الْآجَالِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ سَوَاءٌ كَانَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْقَفَّالِ الْمَنْعُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ رَجَّحَ مِنْهُمَا الْمَنْعَ إشَارَةً إلَى تَرْجِيحِ الْقَفَّالِ وهو الذي جزم به الصميرى فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي إنَّهُ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي الصحة وجزم له فِي غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَلَا بَأْسَ مِنْ أَنْ يُبَاعَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الْأَحْيَاءِ بِاللَّحْمِ الْمَوْضُوعِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ أَيْضًا وَقَدْ قِيلَ وَلَا يُبَاعُ لَحْمٌ بِحَيَوَانٍ مِمَّا يُؤْكَلُ وَمِمَّا لَا يُؤْكَلُ دَلِيلُ تَرْجِيحِهِ وَبَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهِ الْخَبَرُ الَّذِي قَدَّمْتُهُ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ خَبَرُ سَعِيدٍ الْمُرْسَلُ عَلَى أَثَرِ أَبِي بَكْرٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَإِنَّمَا احْتَجَّ بِذَلِكَ لِاعْتِضَادِهِ بِالْأَثَرِ وَاَلَّذِي عَضَّدَهُ الْأَثَرُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ فِي بَيْعِ الْعَنَاقِ بِلَحْمِ الْجَزُورِ وَهُمَا مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُمَا فَتَبْقَى دَلَالَةُ الْمُرْسَلِ عَلَى غَيْرِ الْمَأْكُولِ مُجَرَّدَةً عَمَّا يُعَضِّدُهَا وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُتَمَسَّكَ بِدَلِيلٍ فِي بَعْضِ مَدْلُولِهِ تَعَاضُدٌ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ وَشِرَائِهِ الشَّاتَيْنِ بِدِينَارٍ وَبَيْعِهِ إحداهما بدينار وعمل فِي الْحُكْمِ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ دُونَ الْمُخَالِفِ لَهُ لِمَا كَانَ مُرْسَلًا كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الحواشي
(١) بياض
بالاصل فحررстр. 669
مَوْضِعِهِ إلَّا أَنَّا نَقُولُ إنَّ الِاعْتِضَادَ وَإِنْ امْتَنَعَ بِالْأَثَرِ فَهُوَ حَاصِلٌ بِأُمُورٍ أُخْرَى (مِنْهَا) قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَانْتِشَارُهُ فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ دَافِعٍ وَالْقِيَاسُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَلِهَذَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْخَبَرِ عَلَى مَا تَمَهَّدَ أَوَّلًا وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا ذكرته هناك فهو وارد عن الاعتضاد بالاكثر وَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَلَوْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ وَصِحَّتُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ في بيع الشاة باللحم مَأْكُولَةٌ فَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ عُمُومٌ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْمَأْكُولِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ أَثَرَ أَبِي بَكْرٍ عَضَّدَهُ فِي مَنْعِ بَيْعِهِ بِالْمَأْكُولِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَالْمَعْنَى الَّذِي قَدْ يُتَخَيَّلُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا مُنْدَفِعٌ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَلَمْ يَظْهَرْ مَعْنًى آخَرُ يُعَلَّلُ بِهِ فَكَانَ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ الْخَبَرِ أَوْلَى وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَكُونُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ حَيٌّ بِمَيِّتٍ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَأْكُولِ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ لِهَذَا الْوَصْفِ مَعْنًى مُخَيَّلٌ وَقَالَ الشَّيْخُ أبو حامد فيما علق عنه البندنيجي إن الْأَقْيَسَ الْجَوَازُ وَبِالْمَنْعِ جَزَمَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي الْعِلَّتَيْنِ وَبِمَا يَتْبَعُ حَمْلُهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ دَلِيلَ الْمَسْأَلَةِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ
(وَالثَّانِي)
قَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ دليل المسألة (وَاعْلَمْ) أَنَّ تَقْدِيرَ هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي أَشَارَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الْمُهِمَّاتِ فَعَلَيْهِ تُبْتَنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَغَيْرُهَا وَبَنَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ الْخِلَافَ فِي بَيْعِ الشَّاةِ بِلَحْمِ الْبَقَرِ إذَا قُلْنَا إنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِنَا الْأَصْلُ فِيهَا اتباع القياس أن لادليل فِي الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ الْقِيَاسِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ هَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى وَالْخَبَرُ
стр. 670
فيه على قياس أَوْ هُوَ تَعَبُّدٌ يُسْتَنَدُ فِيهِ إلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ مَعْنًى وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ أَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ تَعَبُّدًا امْتَنَعَ قياس غيره عليه والا اجاز ولابد هنا من ملاحضة أَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ النَّصَّ الْعَامَّ إذَا اُسْتُنْبِطَ مِنْهُ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ هَلْ يَجُوزُ فَإِنَّ الخبر هام فِي الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ وَالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطُ وَهُوَ مُلَاحَظَةُ الربا يقضتى تَخْصِيصُهُ بِالْمَأْكُولِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَلَهُ نَظَائِرُ (مِنْهَا) لَمْسُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي إخْرَاجُهُ وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ إنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَرْعٌ)
لَا يُبَاعُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ وَالطَّيْرِ الْمَذْبُوحِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْغَائِبِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِذَلِكَ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ فِي الْجِلْدِ مُطْلَقًا قَبْلَ السَّلْخِ وَلَا الْجِلْدِ أَيْضًا وَلَوْ بَاعَ اللَّحْمَ مَعَ الْجِلْدِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي بَابِ بَيْعِ الثِّمَارِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَالَ وَبَيْعُ الْأَكَارِعِ يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَقَاطِعَ معلومة وبيع رأسها ان كان متدليا بجلدة رَقِيقَةٍ جَازَ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ لَحْمٌ كَثِيرٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْمَقَاطِعَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
(فَرْعٌ)
بَيْعُ السَّمَكِ الْحَيِّ بِالسَّمَكِ الْحَيِّ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا (إنْ قُلْنَا) يَحِلُّ ابْتِلَاعُ السَّمَكِ حَيًّا فِي حَالِ صِغَرِهِ فَلَا يَجُوزُ (وَإِنْ قُلْنَا) لَا يَحِلُّ فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَنَمِ بِالْغَنَمِ قَالَهُ يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن أَبِي عَصْرُونٍ فِي مَجْمُوعِهِ.
(فَرْعٌ)
عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمٍ بِبَغْلٍ وَلَا بحمار ولا بعبد لافرق فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ قَالَهُ أَبُو حامد وأبو الطيب والصميرى وغيرهم.
стр. 671
(فَرْعٌ)
لَوْ بَاعَ شَحْمَ الْغَنَمِ بِحُوتٍ حَيٍّ لم يجز قالة الصميرى وَهُوَ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالْحُوتِ الْحَيِّ لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الشَّحْمَ كَاللَّحْمِ عَلَى الْأَصَحِّ.
(فَرْعٌ)
فِي بَيْعِ الشَّحْمِ وَالْأَلْيَةِ وَالطِّحَالِ وَالْقَلْبِ وَالْكَبِدِ وَالرِّئَةِ بِالْحَيَوَانِ وَبَيْعِ السَّنَامِ بِالْإِبِلِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ
(أَحَدُهُمَا)
يَجُوزُ لِأَنَّ النَّهْيَ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ هَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَجَزَمَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِالْمَنْعِ فِي السَّنَامِ وَالْأَلْيَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُمَا مُخَرَّجَانِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْ الْقِيَاسِ فَفِي الْأَوَّلِ يَجُوزُ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الشَّحْمَ وَجَمِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْحَيَوَانِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ جَوَازَ بَيْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْحَيَوَانِ لِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْمَسْأَلَةِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَصَحُّ مَنْعَ بَيْعِ اللحم غَيْرِ الْمَأْكُولِ فَالْجَمْعُ بَيْنَ تَصْحِيحِ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَالْمَنْعِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُتَضَادٌّ (قُلْتُ) تَصْحِيحُ امْتِنَاعِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِغَيْرِ الْمَأْكُولِ لَا يَدُلُّ عَلَى
كَوْنِ الصَّحِيحِ مِنْ الْمُدْرَكَيْنِ التَّعَبُّدَ بَلْ نَقُولُ إنَّ الْحُكْمَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى وَلَكِنْ فُرِّقَ بَيْنَ إلْحَاقِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ وَبَيْنَ إخْرَاجِ بَعْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ قِيَاسٌ مَحْضٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ وُجُودُ شَرَائِطِ القياس لاغير (وَأَمَّا الثَّانِي) فَهُوَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ وَقَدْ تَجِدُ مَعْنًى مُخَيَّلًا يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَالْقِيَاسُ بِهِ لَا يَنْهَضُ فِي الْقُوَّةِ إلَى حيث يخص الْعُمُومُ فَإِنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ عَلَى أَفْرَادِهِ
стр. 672
ظاهرة قوية بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا بِخِلَافِ إثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ مَسْكُوتٍ عَنْهُ لَا مُعَارِضَ لِلْمَعْنَى فيه فيتبع اللَّحْمِ بِغَيْرِ الْمَأْكُولِ تَعَارَضَ فِيهِ ظَاهِرُ الْعُمُومِ والمعنى المستنبط فتمسكنا بظاهر.
وبيع الشحم ونحوخ بِالْحَيَوَانِ وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى بِدُونِ مُعَارِضٍ فَلِذَلِكَ اعمل المعنى فيه وليس تنصيص السارع عَلَى اللَّحْمِ نَافِيًا لِغَيْرِهِ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ وَقَالَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ بَيْعُ الْجِلْدِ بِالْحَيَوَانِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَدْبُوغًا وَإِنْ كَانَ مَدْبُوغًا فلامنع وَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِجَوَازِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْجِلْدِ وَأَطْلَقَ وحكاه الرويانى عنه لانه لاربا فِي الْجِلْدِ ثُمَّ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَقِيلَ فِي غَيْرِ الْمَذْبُوحِ وَجْهَانِ وَقَالَ غَيْرُ الْحَاوِي إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْعَظْمِ أَيْضًا وَجْهًا وَاحِدًا وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ بَاعَ جِلْدَ الْمَذْبُوحِ مِنْ الشَّاةِ أَوْ الْوَبَرِ مِنْهُ بِالشَّاةِ إنْ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ يَجُوزُ وَإِنْ رَاعَيْنَا الْمَعْنَى فَوَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَالُ رِبًا
(وَالثَّانِي)
يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُبَاحُ أَكْلُهُ (قُلْتُ) هَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ (وَقَوْلُهُ) بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُبَاحُ أَكْلُهُ أَعْجَبُ (وَقَوْلُهُ) فِي الْوَبَرِ أَعْجَبُ فَإِنَّ الْجِلْدَ إنْ أَمْكَنَ تَمْشِيَةُ كَوْنِهِ رِبَوِيًّا فَفَرْضُهُ فِي جِلْدٍ يُؤْكَلُ وَالْوَبَرُ كَيْفَ يُمْكِنُ تَمْشِيَةُ ذَلِكَ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ اعْتِرَاضُ النَّوَوِيِّ على الرافعي اعتذاري عنه وذلك العذر لا يأتي ههنا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقَاضِي فَأَمَّا إذَا بَاعَ جِلْدَ الْمُذَكَّاةِ بِالشَّاةِ إنْ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ يَجُوزُ وأن راعينا المعنى فوحهان أولى بأن
стр. 673
لَا يَجُوزَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْتُ هَذَا الَّذِي قُلْتُهُ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ قَالَ إنْ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ رَاعَيْنَا الْمَعْنَى (فَإِنْ قُلْنَا) السَّمَكُ يُسَمَّى لَحْمًا وَإِنَّهُ مَعَ لُحُومِ الْبَرِّيَّةِ صِنْفٌ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ.
(فَرْعٌ)
قَالَ الرُّويَانِيُّ إنَّهُ لَوْ اشْتَرَى الْحَيَوَانَ بِالرَّأْسِ وَالْكُرَاعِ لَمْ يَجُزْ بِحَالٍ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الرَّأْسُ وَالْكُرَاعُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ اللَّحْمِ كَانَ بَيْعُهَا بِالْحَيَوَانِ كَبَيْعِ الشَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ
وَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَدْ حَكَى هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهَا وَجْهَيْنِ فَمَا وَجْهُ الْجَزْمِ فِي الرَّأْسِ وَالْكُرَاعِ إلَّا أَنْ نَقُولَ إنَّ فِيهَا لَحْمًا فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ الْبَحْثِ هُنَا فَلْيُرَاجَعْ.
وَلَوْ بَاعَ الْأَلْيَةَ بِالْمَعْزِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ الصحيح أنه يَجُوزُ وَإِنْ رَاعَيْنَا الْمَعْنَى فَهُوَ مِثْلُهُ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا يَجُوزُ (إذَا قُلْنَا) الْأَلْيَةُ مَعَ اللَّحْمِ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَإِنْ بَاعَ الْأَلْيَةَ بِالضَّأْنِ إنْ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ رَاعَيْنَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِنْ بَاعَ الْأَلْيَةَ بِالْأَلْيَةِ وَاللَّحْمِ فَيَصِيرُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ (قَاعِدَةٌ) وَهِيَ الَّتِي وَعَدْتُ بِذِكْرِهَا فِي آخِرِ الكلام قال الامام الذى يجب التنبه لَهُ فِي مَضْمُونِ هَذَا الْبَابِ وَأَمْثَالِهِ أَنَّ مِنْ الْأُصُولِ مَا يَسْتَنِدُ إلَى الْخَبَرِ أَوْ إلى ظاهر القرآن ولكن ليس القياس يتطرق إليه من طريقة الشَّرِيعَةِ فَلَا يُمْنَعُ التَّصَرُّفُ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ إذَا كَانَ التَّنْزِيلُ مُتَّسِعًا لاينبو
стр. 674
نَظَرُ الْمُنْصِفِ عَنْهُ وَالشَّرْطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ صَدْرُ الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ الْأَصْلِ الَّذِي فيه وأورد الظَّاهِرِ فَإِنْ لَمْ يَتَّجِهْ قِيَاسٌ مِنْ غَيْرِ مَوْرِدِ الظَّاهِرِ لَمْ يَجُزْ إزَالَةُ الظَّاهِرِ بِمَعْنًى يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ يَضْمَنُ تَخْصِيصَهُ وَقَصْرَهُ عَلَى بَعْضِ المسميات فأما مالا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مَعْنًى مُسْتَمِرٌّ صَائِرٌ إلَى السَّيْرِ فَالْأَصْلُ فِيهِ التَّعَلُّقُ بِالظَّاهِرِ وَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْوَصْفِ وَلَكِنْ قَدْ يَلُوحُ مَعَ هَذَا مَقْصُودُ الشَّارِعِ بِجِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ فَيَتَعَيَّنُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَهَذَا لَهُ أَمْثِلَةٌ (مِنْهَا) آيَةُ الْمُلَامَسَةِ تَرِدُ وَنَصُّ الشافعي في لمس المحارم من جهة التعليل لاجريان لَهُ فِي الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ وَمَا لَا يَجْرِي القياس فيه إثباته فلا يكاد يجرى في نفيه الشَّافِعِيُّ ﵁ إلَى اتِّبَاعِ اسْمِ النساء وأصح قولية أن الطهارة لاتنتقض لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُلَامَسَةِ الْمُضَافَةِ إلَى النِّسَاءِ مَعَ سِيَاقِ الْأَحْدَاثِ يُشْعِرُ بِلَمْسِ اللَّوَاتِي يُقْصَدْنَ بِاللَّمْسِ فان لم يتحه مَعْنًى صَحِيحٌ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى التَّخْصِيصِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ ﷺ (ليس للقاتل من الميراث شئ) فالحرمان لاسبيل فيه للتعليل كما ذكرنا في الخلاف وإذا نسند مسلك التعليل اقتضى الحال المتعلق بِاللَّفْظِ فَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ نَصَّهُ فِي الْقَتْلِ قِصَاصًا فَوَجْهُ الْحِرْمَانِ التَّعَلُّقُ بِالظَّاهِرِ مَعَ حَسْمِ التَّعْلِيلِ وَوَجْهُ التَّوْرِيثِ التَّطَلُّعُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ وَلَيْسَ يَخْفَى أَنَّ مَقْصُودَهُ مُضَادَّةُ غَرَضِ الْمُسْتَعْجِلِ وَاَلَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْقَانُونَ فَمَنْ عَمَّمَ
стр. 675
تَعَلَّقَ بِقَوْلِ الشَّارِعِ وَمَنْ فَصَّلَ تَشَوَّفَ إلَى دَرْكِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ أَنَّ فِي الْحَيَوَانِ لَحْمًا وَمَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ نَقَلَ تَرَتُّبَ كَلَامِهِ فَيُقَرِّبُ بَعْضَ الْمَرَاتِبِ وَيُبْعِدُ بَعْضَهَا فَالْقَتْلُ قِصَاصًا أَقْرَبُ قَلِيلًا وَالْقَتْلُ حَدًّا سِيَّمَا إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ بَعِيدٌ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَنْعُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْعَبْدِ وَلَوْ ادَّعَى الْعِلْمَ فِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُرَادَ الشَّارِعِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ (فائدة) قوله في بعض ألفاظ الْحَدِيثُ لَا يُبَاعُ حَيٌّ بِمَيِّتٍ الْمَيِّتُ فِي اللُّغَةِ مَنْ فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ فَيَشْمَلُ الْمَذْبُوحَ وَفِي الشَّرْعِ مَنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا قُوبِلَ بِالْحَيِّ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَيِّتَ لَا يُبَاعُ بِحَيٍّ ولا بغيره وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى
.
(ويجوز بيع اللحم بجنسه إذا تناهى جفافه ونزع منه العظم لانه يدخر على هذه الصفة فجاز بيع بعضه ببعض كالتمر وهل يجوز بيع بعضه ببعض قبل نزع العظم فيه وجهان قال أبو سعيد الاصطخري يجوزكما يجوز بيع التمر بالتمر وفيه النوى ومن أصحابنا من قال لا يجوز كما لا يجوز بيع العسل الذي فيه شمع بعضه ببعض ويخالف النوى في التمر فان فيه مصلحة له وليس في ترك العظم في اللحم مصلحة له)
стр. 676
(الشرح) تقدم الكلام في أنه يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ بِالطَّرِيِّ وَشَرَعَ الْمُصَنِّفُ الْآنَ يَذْكُرُ حُكْمَهُ إذَا جَفَّ وَجَوَازُ بَيْعِهِ جافا وأشترط التَّنَاهِي فِي الْجَفَافِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ انْتِهَاءَ جَفَافِهِ بِأَنْ يُمَلَّحَ وَيَسِيلَ مَاؤُهُ قَالَ فَذَلِكَ انْتِهَاءُ جُفُوفِهِ فَإِذَا انْتَهَى بِيعَ رِطْلٌ بِرِطْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ مِنْ صِنْفٍ وقد تقدم شئ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذَا وَجَوَازُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إذَا نُزِعَ مِنْهُ الْعَظْمُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَمِمَّنْ نَفَى الْخِلَافَ فِيهِ أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ إذَا نُزِعَ مِنْهُ النَّوَى حَيْثُ لَا يَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِأَنَّ التَّمْرَ إذَا نُزِعَ مِنْهُ النَّوَى يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّمَاثُلِ فِيهِ بِخِلَافِ اللَّحْمِ فَإِنَّ اعْتِبَارَ التَّمَاثُلِ فِيهِ إذَا نُزِعَ مِنْهُ الْعَظْمُ يَكُونُ أمكن وبأن بقاء النوى في التمر مَصْلَحَتِهِ وَبَقَاءَ الْعَظْمِ فِي اللَّحْمِ مُفْسِدٌ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِمَا فِي الْعَظْمِ مِنْ الْمُخِّ فَلَا يَصِلُ إلَيْهِ الْمِلْحُ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ الاصحاب أطلقو الْجَوَازَ فِي ذَلِكَ
وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّافِعِيُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّحْمَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ الْمِلْحِ مَا يَظْهَرُ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ كَانَا مُمَلَّحَيْنِ بِالْمِلْحِ بِأَنْ ينثر عليهما الملح أو شئ مِنْ الْكُزْبَرَةِ أَوْ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءُ الْمِلْحِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ.
أَمَّا بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ غَيْرُ مَنْزُوعِ الْعَظْمِ فَالْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ
стр. 677
وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَآخَرُونَ كَمَا حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَعَزَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الْمَنْعَ إلى أبى اسحق الْمَرْوَزِيِّ مَعَ نَقْلِهِ الْجَوَازَ عَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ وَزَعَمَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ الطَّبَرِيَّ نَسَبَ الْجَوَازَ إلَى أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ فِي تَعْلِيقِهِ فَلْيُحْمَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوَهْمِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالتَّوْجِيهُ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بَلْ بَقَاءُ الْعَظْمِ يَزِيدُهُ فَسَادًا (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَمِمَّنْ صرح بتصحيحه المارودي فِي الْحَاوِي وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَقَالُوا إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَالرَّافِعِيُّ وَقَالَ إنَّهُ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وقال الامام ان إلَيْهِ مِثْلَ الْأَكْثَرِينَ وَخَالَفَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فَقَالَ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى خِلَافِ مَا قال أبو إسحق وَلَا يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِ التَّهْذِيبِ جَزْمٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ الْمَنْزُوعِ بِغَيْرِ الْمَنْزُوعِ وَلَا بِمِثْلِهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لِخُرُوجِهِ بِالنَّزْعِ عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ وَاللَّحْمُ الْمُقَدَّدُ كَامِلٌ سَوَاءٌ نُزِعَ مِنْهُ الْعَظْمُ أَمْ لَمْ يُنْزَعْ وَمِمَّنْ وَافَقَ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ عَلَى تَصْحِيحِ الْجَوَازِ فِي ذَلِكَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشافيى وَقَاسَهُ عَلَى بَيْعِ التَّمْرِ مَعَ النَّوَى وَقَدْ فَرَّقَ بِأَنَّ بَقَاءَ النَّوَى مِنْ مَصْلَحَةِ التَّمْرِ وَلَيْسَ بَقَاءُ الْعَظْمِ مِنْ مَصْلَحَةِ اللَّحْمِ كَذَلِكَ وَهَذَا إنَّمَا جَرَّهُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ (وَأَمَّا) بَيْعُ الْجَافِّ بِالطَّرِيِّ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
стр. 678
(فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْزُوعَ الْعَظْمِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْفَخِذِ بِالْجَنْبِ وَلَا نَظَرَ إلَى تَفَاوُتِ أَقْدَارِ الْعِظَامِ كَتَفَاوُتِ النَّوَى وَقَالَ الْإِمَامُ يَجِبُ أَنْ يَمْتَنِعَ بيع العضو الذى يجئ مِنْهُ مِقْدَارٌ صَالِحٌ مِنْ اللَّحْمِ بِعُضْوٍ لَمْ يقطع من لحمه شئ فَإِنَّ الْعَظْمَ الْبَاقِي فِي الْعُضْوِ لَا يَحْتَمِلُ فَإِنْ قَلَّ الْمِقْدَارُ الْمَقْطُوعُ بِحَيْثُ لَا يُبَالَى بِهِ فَلَا بَأْسَ وَجَزَمَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُخْرِجَ الْعَظْمُ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ بِيعَ بِمَا فِيهِ الْعَظْمُ لَا يَجُوزُ.
(فَرْعٌ)
مَا ذَكَرَهُ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ شَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ جِلْدٌ أَمَّا لَوْ كَانَ عليه جلد قال المارودي إنْ كَانَ غَلِيظًا لَا يُؤْكَلُ مَعَهُ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ بِاللَّحْمِ أَيْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَيْعِ لَحْمٍ بِلَحْمٍ مَعَ جَهْلِ الْمُمَاثَلَةِ وَإِنْ كان رقيقا يؤكل كجلود الحدأ وَالدَّجَاجِ فَوَجْهَانِ كَالْعَظْمِ وَلُحُومِ الْحِيتَانِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْهَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ طَرِيًّا وَلَا نَدِيًّا وَلَا مَمْلُوحًا لِأَنَّ الْمِلْحَ يَمْنَعُ الْمُمَاثَلَةَ وَلَكِنْ يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إذَا بَلَغَ غَايَةَ يُبْسِهِ غَيْرَ مَمْلُوحٍ فَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهَا فَيَجُوزُ طَرِيًّا وَيَابِسًا وَمَمْلُوحًا.
(فَرْعٌ)
قَالَ الرُّويَانِيُّ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحُوتِ بَعْضُهُ طَرِيًّا وَلَا نَدِيًّا وَلَا مُمَلَّحًا وَلَكِنْ يَجُوزُ إذَا بَلَغَ غَايَةَ يُبْسِهِ غَيْرَ مُمَلَّحٍ.
(فَرْعٌ)
لَوْ ضَمَّ عَظْمًا مِنْ عُضْوٍ آخَرَ إلَى لحم وباعه بلحم آخر فيه عظم اولا عَظْمَ فِيهِ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ كَمَا لَوْ ضَمَّ النَّوَى إلى تمر وباع بتمر لا يجوز.
стр. 679
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
.
(وَلَا يَجُوزُ بيع بيض الدجاج بدجاجة في جوفها بيض لانه جنس فيه ربا بيع بما فيه مثله فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان) .
(الشرح) الحكم المذكور جزم فيه القاضى وأبو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَنَقَلُوهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقَالُوا إنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ وأن الربا يجري في البيض.
قال المارودي إنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنْ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْحَمْلِ هَلْ يَكُونُ تَبَعًا أَوْ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْبَيْضَ كَالْحَمْلِ (فَإِنْ قِيلَ) إنَّ الْحَمْلَ تَبَعٌ جَازَ بَيْعُ الدَّجَاجَةِ الَّتِي فِيهَا بَيْضٌ بِالْبَيْضِ (وَإِنْ قُلْنَا) إنَّ الْحَمْلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ بَيْعَ الْبَيْضِ بِالتَّبَعِ لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ عَلَّلَ وَالِدِي ﵀ القول الاول بأنه كالمستهلك مادام فِي جَوْفِهَا وَحَكَى صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَيْضًا وَجْهَيْنِ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَلَيْسَ هَذَا دَاخِلًا فِيهِ قَالَ وَيُخَالِفُ اللَّبَنُ لِأَنَّ اللبن
стр. 680
يُمْكِنُ حَلْبُهُ فِي الْحَالِ وَالْبَيْضُ لَا يُمْكِنُ فَلَا يُقَابِلُهُ بِالْعِوَضِ كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَوَافَقَ
الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ إلَّا فِي تَعْبِيرِهِ عَنْ الْخِلَافِ بِالْوَجْهَيْنِ وَسَوَّى الرَّافِعِيُّ بَيْنَ بَيْعِ الْبَيْضِ بِالدَّجَاجِ وَبَيْعِ اللَّبَنِ بِالشَّاةِ وَبَيْعُ الْبَيْضِ بِالدَّجَاجِ الْخَالِي عَنْ الْبَيْضِ جَائِزٌ وَبَيَاضُ الْبَيْضِ وَصَفَارِهِ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بيض الدجاج تنبيه على أن البيض جائو وهو الذى قاله الصميرى وَجَعَلَهُ كَالْأَلْبَانِ لِأَنَّهُ يُفَارِقُ بَائِضَهُ حَيًّا وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ بَيْضُ الطُّيُورِ أَجْنَاسٌ إنْ جَعَلْنَا اللحوم أجناسا وان جعلناها واحدا فهى أجناس أَيْضًا الْخِلَافَ كَذَلِكَ وَجَزَمَ بِأَنَّ بَيْضَ الطَّيْرِ لَيْسَ صِنْفًا مِنْ لَحْمِهِ وَحَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ بَيْضَ السَّمَكِ هَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنْ لحم السمك لانه لا يُؤْكَلُ مَعَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي أَنَّ اللُّحُومَ جِنْسٌ أَوْ أَجْنَاسٌ.
وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ فِي جَوْفِهَا بَيْضٌ يُفْهِمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي جَوْفِهَا بَيْضٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِبَيْضِ الدَّجَاجِ وَهُوَ
стр. 681
كقولك ببيع الشاه التى لالبن فيها وَكَذَلِكَ أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ بَيْعَ الْبَيْضِ بِالدَّجَاجَةِ كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِالشَّاةِ فَيُفْهَمُ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ التَّفَاصِيلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى إعَادَةِ مِثْلِهَا وَكَذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِجَوَازِ بَيْعِ الْبَيْضَةِ بِالدَّجَاجِ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ بَيْضٌ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ لَمْ تَكُنْ حَيَّةً فَارَقَهَا وَقَصَدَ بِذَلِكَ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّحْمِ حَيْثُ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ بالحيوان.
(فروع) نختم بها باب الربا الهيلج والبليج والاملج والقمونها وَسَائِرُ الْأَدْوِيَةِ رِبَوِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهَا مَطْعُومٌ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَطَعْمُهَا لِرَدِّ الصِّحَّةِ كَمَا أَنَّ طَعْمَ غَيْرِهَا لِحِفْظِ الصِّحَّةِ وَفِي التَّتِمَّةِ حِكَايَةُ وَجْهٍ فِي السَّقَمُونْيَا وَكُلِّ مَا يُهْلَكُ كَثِيرُهُ وَيُسْتَعْمَلُ قَلِيلُهُ وَالطِّينُ الْأَرْمَنِيُّ رِبَوِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِابْنِ كَجٍّ وَالْخُرَاسَانِيِّ لَيْسَ رِبَوِيًّا خِلَافًا لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ نَقَلَهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ وَحَكَمَ السِّيرَافِيُّ حُكْمَ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالطَّفْلُ الْمِصْرِيُّ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ قَالَهُ نَصْرٌ وغيره.
стр. 682
(فَرْعٌ)
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْجَوَابِ عن اعتراض المالكية وقولهم إن كل شئ له طعم قال انا لا نعتبر حاله وَإِنَّمَا نَعْتَبِرُ مَا يُطْعَمُ غَالِبًا.
وَالِاعْتِبَارُ فِي الطعم بما يعد له في حال الاعتدال والرفاهية دون سني الازم وَالْمَجَاعَةِ قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ.
(فَرْعٌ)
الرِّبَا يَجْرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ جَرَيَانَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بْنُ الْحَسَنِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ إنَّمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ فَأَمَّا بَيْنَ الْحَرْبِيِّينَ وَبَيْنَ مُسْلِمِينَ لم يهاجرا أو أحداهما فَلَا رِبَا وَقَالَ إنَّ الذِّمِّيَّيْنِ إذَا تَعَاقَدَا عَقْدَ الرِّبَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فُسِخَ عَلَيْهِمَا فَالِاعْتِبَارُ عِنْدَهُ بِالدَّارِ وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ بِالْعَاقِدِ فَإِذَا أَرْبَى الَّذِي فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَعَ الذِّمِّيِّ لَمْ يُفْسَخْ كَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ قَالَ وَهَكَذَا سَائِرُ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ بِحَدِيثِ مَكْحُولٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لاربا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ) وَبِأَنَّ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُبَاحَةٌ لِلْمُسْلِمِ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَالْعَقْدُ أَوْلَى وَدَلِيلُنَا عُمُومُ الْأَدِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ لِلرِّبَا فَلِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الشِّرْكِ كَسَائِرِ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي وَلِأَنَّهُ
стр. 683
عَقْدٌ فَاسِدٌ فَلَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الْعُقُودُ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ (قُلْتُ) وَهَذَا الِاسْتِدْلَال إنْ كَانَ أَبُو حنيفة يوافق على فساده وأما حديث (١) فَمُرْسَلٌ إنْ صَحَّ الْإِسْنَادُ إلَى مَكْحُولٍ ثُمَّ هُوَ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يَكُونَ نَهْيًا فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِهِ تَحْرِيمَ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ كَمَا بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ وَاعْتُضِدَ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِالْعُمُومَاتِ وَأَمَّا اسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِهِمْ إذَا دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَمَمْنُوعَةٌ فَكَذَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَلَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُ الْأَمَانِ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا دَخَلَ دار السلام يُسْتَبَاحُ مَالُهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا يُسْتَبَاحُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ثُمَّ لَيْسَ كُلُّ مَا اُسْتُبِيحَ بِغَيْرِ عَقْدٍ اُسْتُبِيحَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَالْفُرُوجِ تُسْتَبَاحُ بِالسَّبْيِ وَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ على أنه لاربا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ غِلَاطٍ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عِنْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَاجْتَمَعَ بِهِ فِي الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ دَلَّ كَلَامُ الْعَبَّاسِ عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ حِينَئِذٍ ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ (وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الرِّبَا الَّذِي مِنْ بَعْدِ إسْلَامِهِ إلَى فَتْحِ مَكَّةَ فَلَوْ كَانَ الرِّبَا الَّذِي بَيْنَ المسلم والحربي موضوعا الحواشي
(١) كذا بالاصل فحررстр. 684
لكان ربا العباس موضعا يَوْمَ أَسْلَمَ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ لَهُ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ قَبْلِ إسْلَامِهِ فَيَكْفِي حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ ثَمَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ اسْتَمَرَّ عَلَى الرِّبَا وَلَوْ اسلم اسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ إنْشَاءَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَتَقْرِيرَهَا مِنْ يَوْمئِذٍ.
(فَرْعٌ)
جَرَيَانُ الرِّبَا فِيمَا لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ ثَبَتَ الرِّبَا بِعِلَّةِ الْأَصْلِ أَوْ بِعِلَّةِ الِاشْتِبَاهِ فَمِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّمَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الِاشْتِبَاهِ لِأَنَّهُ قَالَ وَإِنَّمَا حَرَّمْنَا غَيْرَ مَا سُمِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ الْمَأْكُولِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَمَّى فَجَعَلَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الرِّبَا بَعْدَ الْأَصْلِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا وَمَا خَرَجَ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ فَقِيَاسُهُ عَلَى مَا يُؤْكَلُ ويكال أولى من قياسه على مالا يُكَالُ وَلَا يُؤْكَلُ فَجَعَلَهُ مُلْتَحِقًا بِالْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ الشَّبَهِ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ مَا احْتَجَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ تَرْجِيحًا لِلْعِلَّةِ (قُلْتُ) وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْآخَرُونَ هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ
стр. 685
ان شاء الله وَمَقْصُودُهُ بِذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ الْمَأْكُولَ الْمَوْزُونَ لَا يُقَاسُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِعِلَّةِ الْوَزْنِ بَلْ يُقَاسُ عَلَى الْمَأْكُولِ الْمَكِيلِ فَيَكُونُ الْوَزْنُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ مِنْ نَصِّهِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الْآجَالِ فِي الصَّرْفِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ بِأَنَّ فِي مَعْنَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ كُلَّ مَكِيلٍ وَمَشْرُوبٍ بِيعَ عَدَدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَانِ القولان حكاهما الماوردى وقال الرويانى قال الماسرخسى قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَا رَجَعَ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَنْ عِلَّتِهِ فِي الْقَدِيمِ وَإِنَّمَا أَلْحَقَ الْمَطْعُومَاتِ مِنْ الْمَعْدُودَاتِ بِهَا مِنْ طَرِيقِ عليه الشبه المسألة عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فَأَفَادَ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ أَنَّ الْأَوَّلِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِ رُجُوعِ الشَّافِعِيِّ عَنْ عِلَّتِهِ في القديم بل ألحق بها شئ آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ يَعْتَضِدُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَقِيبَ مَذْهَبِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَهَذَا صَحِيحٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْجَدِيدِ لِأَنَّ الْمُزَنِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْقَدِيمِ وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ يُشْتَرَطُ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَقَالَ ابن داود في الشرح الْمُخْتَصَرِ مُجِيبًا عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ
стр. 686
اللَّهُ عَنْهُ مَا دَامَ يَجِدُ زِيَادَةَ تَقْرِيبٍ وَاجْتِمَاعٍ فِي الْمَعَانِي بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَالَ بذلك وحيث عَدَمِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ قَالَ بِعِلَّةِ الطَّعْمِ الْعَامِّ ان وجده فِي مِثْلِ الْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ بِالطَّعْمِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ (قُلْتُ) وَهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ الْمَطْعُومَاتِ الْمَكِيلَةَ مَقِيسَةٌ عَلَى الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ نَقِيسُ الْمَطْعُومَاتِ الْمَوْزُونَةَ عَلَى الْمَطْعُومَاتِ الْمَكِيلَةِ وَالْمَوْزُونَاتِ ثُمَّ نَقِيسُ الْمَطْعُومَاتِ النَّادِرَةِ عَلَى الْمَطْعُومَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَوْزُونَةٍ وَلَا مَكِيلَةٍ وانما رتبنا هذا الترتيب لان الشئ انما يقاس بالشئ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ كَثِيرَةٌ أَوْ مُشَابَهَةٌ باخص أوصافه إذا الْقِيَاسُ تَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ فَنَقِيسُ الْمَكِيلَاتِ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ عليها لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ ثُمَّ نَقِيسُ عليها الموازنات لانها تشبهها في أن كلا منها مُقَدَّرٌ شَرْعًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ (فَإِنْ قُلْتَ) وهذا الكلام الذى نقلتموه عن الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ مِنْهُ الْمَعْنَى الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ وَيُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ (قُلْتُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي اللُّمَعِ إنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى غَيْرَ الْمَعْنَى الَّذِي قِيسَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِثْلَ قِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ بِعِلَّةِ الطَّعْمِ
стр. 687
ثُمَّ يُسْتَنْبَطُ مِنْ الْأُرْزِ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنْهُ فَيُقَاسَ عَلَيْهِ النَّيْلُوفَرُ فِيهِ وَجْهَانِ (مِنْ أَصْحَابِنَا) مَنْ قَالَ يَجُوزُ (وَمِنْهُمْ) مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَقَدْ بَصُرْتُ فِي التَّبْصِرَةِ جَوَازَ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَطْلَقَ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْخَطِيبِ الْمَنْعَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ قَالَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي يُلْحَقُ بِهَا الْأَصْلُ الْقَرِيبُ بِالْأَصْلِ الْبَعِيدِ إنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي يُلْحَقُ بِهَا الْفَرْعُ بِالْأَصْلِ الْقَرِيبِ أَمْكَنَ رَدُّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ الْبَعِيدِ فَيَصِيرُ الْقَرِيبُ لَغْوًا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا لَزِمَ تعليل الاصل القريب بعلتين (احدهما) عَدِيمَةُ الْأَثَرِ وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْأَصْلِ الْبَعِيدِ وَيَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ سَوَاءٌ جَوَّزْنَا التَّعْلِيلَ بعلتين مستنبطين أولا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا لِمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَهُوَ مِثَالُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَقَدْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ إنَّ ذِكْرَ الْقَرِيبِ يَكُونُ لَغْوًا مَمْنُوعٌ
بَلْ ذَلِكَ لِقُوَّةِ التَّقَارُبِ بَيْنَهُمَا الَّذِي هو المقصود في القياس فان مابين الْمَطْعُومِ النَّادِرِ الَّذِي لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ وبين المطعوم غالبا لمكيل أَوْ الْمَوْزُونُ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطْعُومِ الْعَامِّ الَّذِي لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى نَعَمْ مَا قَالَهُ ابْنُ الْخَطِيبِ يُقَرَّرُ فِي حَقِّ الْمُنَاظِرِ الَّذِي يَقْصِدُ دَفْعَ خَصْمِهِ بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ وَمَا قُلْنَاهُ أَقْرَبُ الطرق إلَى طَرِيقَةِ الْمُنَاظِرِ الَّذِي يَقْصِدُ تَحْقِيقَ الْأَشْيَاءِ وَتَقْرِيبَ الْمَأْخَذِ مِمَّا أَمْكَنَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ
стр. 688
وَابْنِ دَاوُد الشَّارِحِ لَهُ مَا يَقْتَضِي وُرُودَ هَذَا السُّؤَالِ عَلَيْهِ بَلْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ أَلْحَقَ الْقَرِيبَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِهِ ثُمَّ أَلْحَقَ الْبَعِيدَ بِهِمَا لَا بِالثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ وَحْدَهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَلَ لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً وَلَكِنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ وَالْمُسْتَنْبَطُ لَا يَدَّعِي الْعُبُورَ عَلَى الْعِلَّةِ قَطْعًا فَإِلْحَاقُ المطعوم المكيل بالمنصوص عليه لاشك أَنَّهُ أَقْوَى وَأَشَدُّ شَبَهًا فَيَكُونُ الظَّنُّ الْحَاصِلُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ أَتَمَّ وَالْمَطْعُومُ غَيْرُ الْمَكِيلِ قَارٌّ فِيهِ وَصْفٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَجَّحَ خِلَافُهُ فَكَذَلِكَ بَعْدُ نَعَمْ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّرْتِيبِ مَعْنًى بَلْ حَيْثُ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ أُلْحِقَ بِالْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الرُّويَانِيُّ قِيلَ حَدُّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا كُلُّ مَا يُبَاحُ تَنَاوُلُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى هَيْئَةِ مَا يُقْصَدُ تَنَاوُلُهُ تَغَذِّيًا أَوْ ائْتِدَامًا أَوْ تَفَكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعَ لِأَنَّهَا تُقْصَدُ لِنَفْعِ الْبَدَنِ.
(فَرْعٌ)
مَا يَأْكُلُهُ بَنُو آدَمَ وَالْبَهَائِمُ جَمِيعًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْوَاجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ أَغْلَبُ حَالَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَكْلَ الْآدَمِيِّينَ فَفِيهِ الرِّبَا كَالشَّعِيرِ وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَكْلَ الْبَهَائِمِ فَلَا قَالَ الرُّويَانِيُّ كَالرَّطْبَةِ وَإِنْ اسْتَوَتْ حَالَتَاهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى وجهين (الصحيح) أن فيه الربا ولاربما فيما تأكله البهائم كالقرط والنوى والحشيش.
стр. 689
(فرع)
لاربا فِي الرَّيْحَانِ وَالنَّيْلُوفَرِ وَالنِّرْجِسِ وَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ إلَّا أن يذيب شئ مِنْهَا بِالسُّكَّرِ أَوْ الْعَسَلِ وَلَا فِي الْعُودِ وَالصَّنْدَلِ وَالْكَافُورِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَلَا الْعُصْفُرِ وَالْحِنَّاءِ ولافى القرطم عند الصيمري ولافى آس واذخر والخضروات الَّتِي تُؤْكَلُ فِي الرَّبِيعِ وَيَثْبُتُ الرِّبَا فِي الْأُتْرُجِّ وَاللَّيْمُونِ وَالنَّارِنْجِ وَاللِّبَانِ وَالْعِلْكِ وَالْمَصْطَكَى وَفِيهِ وَجْهٌ فِي الْمَجْرِ قَالَ وَهُوَ الْأَقْيَسُ وَاللَّوْزُ وَالْمُرُّ وَالْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ وَالْبَلُّوطُ وَالْقِثَّاءُ وَحَبُّ
الْحَنْظَلِ والهيلج والبيلج والشراملج قاله الصيمري والدخن الجاروس والخردل والشونيز والشهرابح وَالْبُطَمُ وَالزَّنْجَبِيلُ الْمُرَبَّى وَالسَّقَمُونْيَا وَجْهٌ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرِبَوِيَّةٍ وَالطَّرِبُونَ وَالْجَزَرُ وَالثُّومُ وَالْبَصَلُ والدآه والهنسل وفى السقمويا وَنَحْوِهِ وَفِي مَاءِ الْوَرْدِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْقُرْطُمِ وَحَبِّ الْكَتَّانِ وَالصَّمْغِ وَبِزْرِ الْجَزَرِ وَالْبَصَلِ وَالْفُجْلِ وَالسَّلْجَمِ والماء والادهان المطببة وَالْبُرْدِ وَدُهْنِ السَّمَكِ وَصِغَارِ السَّمَكِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَالطِّينِ الَّذِي يُؤْكَلُ تَفَكُّهًا وَهُوَ الْأَرْمَنِيُّ وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ بَعْضُ مَيْلٍ إلَى أَنَّ دهن السَّمَكِ مَطْعُومٌ فِيهِ وَاسْتُشْكِلَ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ إنَّهُ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ رِبَوِيٌّ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى الْعَادَةِ فِي انْصِرَافِهِ عَنْ الطَّعْمِ قَالَ وَهَذَا غَامِضٌ عَلَيْهِمْ قَالَ والوجه عندنا تخريج من هَذَا الْفَرْعِ عَلَى الْخِلَافِ فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْأَصْلِ الْمَأْكُولِ وَبَيْنَ الِانْصِرَافِ عَنْ الْأَصْلِ لِغَرَضِ الْعَادَةِ قَالَ الْإِمَامُ إنْ مَنَعْنَا بَلْعَ السَّمَكَةِ حَيَّةً فَلَيْسَ السَّمَكُ مَالَ رِبًا وَإِنْ جَوَّزْنَا بلعها فقد
стр. 690
تَرَدَّدَ شَيْخِي فِيهَا قَالَ الْإِمَامُ وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بأنه لا ربا فيها لانها لاتعد لِهَذَا وَفَرَّقَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ فَإِنَّ الصِّغَارَ هِيَ الَّتِي تُبْتَلَعُ فَلِذَلِكَ قَصَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْغَايَةِ الْخِلَافَ عَلَيْهَا وَجَزَمَ فِي الْكِبَارِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرِبَوِيَّةٍ وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَجَزَمَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي السَّمَكِ الصَّغِيرِ إذَا جَوَّزْنَا ابْتِلَاعَهُ وَفِي الْجَرَادِ الْحَيِّ بِجَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ وَكَذَلِكَ جَرَادَةٌ بِجَرَادَةٍ يَعْنِي فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ وَرَأَيْتُ فِي الْحَاوِي مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي السَّمَكِ الْكِبَارِ أَيْضًا لِأَنَّ حَيَّ السَّمَكِ فِي حُكْمِ مَيِّتِهِ وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) كَمَا رَأَيْتُهُ فِي الْحَاوِي فِي الْقُرْطُمِ وَحَبِّ الْكَتَّانِ أَنَّهُ رِبَوِيٌّ وَكَذَلِكَ فِي الْبُذُورِ الْأَرْبَعَةِ وَفِي ماء الزنجيل وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ وَنُقِلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الحاوى أن الاصح لاربا فِي الْقُرْطُمِ وَحَبَّ الْكَتَّانِ وَفِي الزَّنْجَبِيلِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَعِنْدِي الْأَصَحُّ فِي حَبِّ الْكَتَّانِ جريان الربا لانه يؤكل عادة وليست (١) وَقَالَ فِي الْبَحْرِ الْأَظْهَرُ أَنَّ الصَّمْغَ رِبَوِيٌّ قال الصيمري لاربا في دهن القرطم والقرع والبان والمحلب ولآس لان أصولها لاربا فِيهَا (قُلْتُ) أَمَّا الْقُرْطُمُ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ المارودي أَنَّ الْأَصَحَّ كَوْنُهُ رِبَوِيًّا (وَأَمَّا) الْقَرْعُ فَإِنَّهُ مَأْكُولٌ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِأَنَّهُ رِبَوِيٌّ عَلَى الْجَدِيدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَدُّهُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ مَا لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ وَقَدْ جَزَمَ الصَّيْمَرِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ صَرِيحًا وَهُوَ مُشْكِلٌ وَفِي الطِّينِ الَّذِي يُؤْكَلُ
تَفَكُّهًا تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ دُهْنُ الْبَنَفْسَجِ رِبَوِيٌّ وَفِي دُهْنِ الْوَرْدِ وَجْهَانِ
стр. 691
قَالَ الْإِمَامُ وَلَسْتُ أَفْهَمُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لَعَلَّهُ لِأَنَّ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ يُتْرَكُ ضِنَةً بِخِلَافِ دُهْنِ الْوَرْدِ لَا يُتْرَكُ لِلضِّنَةِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مُرَادَهُ بِدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ الْمَعْلُوفُ الَّذِي يُطْبَقُ بِالسِّمْسِمِ وَيُعْصَرُ وَبِدُهْنِ الْوَرْدِ الَّذِي يُلْقَى فِيهِ الْوَرْدُ وَيَمْتَزِجُ بِهِ وَالْحَقُّ التَّسْوِيَةُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ قَوْلَ الْإِمَامِ وَلَسْتُ أَفْهَمُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا قَالَ لَا يَتَّجِهُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ إلَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْعَادَةِ فَلَعَلَّ الْعَادَةَ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ وَعُرْفِ النَّاسِ فِيهِ أَنَّ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ يُؤْكَلُ أَوْ يَسْتَصْلِحُونَهُ لِلْأَكْلِ ثُمَّ يَتْرُكُونَ أَكْلَهُ ضِنَةً بِهِ فَلِهَذَا كَانَ رِبَوِيًّا عِنْدَ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَالْعَادَةُ فِي دُهْنِ الْوَرْدِ مُضْطَرِبَةٌ أَوْ لَيْسَ مَأْكُولًا عِنْدَ غَالِبِ النَّاسِ فَلِهَذَا تَرَدَّدَ فِيهِ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ وَهَذَا الْخِلَافُ قَرِيبٌ مِنْ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِيمَا يَحْرُمُ على المحرم اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فَإِنَّا ذَكَرْنَا خِلَافًا فِي دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ وَدُهْنِ الْوَرْدِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَ الْخِلَافَ وفرق بعادة الناس.
قال الامام وَذَكَرَ الْإِمَامُ وَجْهَيْنِ فِي اللِّبَانِ وَدُهْنِهِ وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّ دُهْنَ اللِّبَانِ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ وَالظَّاهِرُ مَا قَالُوهُ.
(فَرْعٌ)
الْوَزْنُ عِنْدَنَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلرِّبَا فَيَجُوزُ عِنْدَنَا بَيْعُ رِطْلِ حَدِيدٍ بِرِطْلَيْنِ وَثَوْبٍ بِثَوْبَيْنِ وَرِطْلِ نُحَاسٍ بِرِطْلَيْنِ وَحَيَوَانٍ بِحَيَوَانَيْنِ نقدا ونسئا ولا يشترط أن يكون بين الْمُسْلَمِ فِيهِ وَبَيْنَ رَأْسِ السَّلَمِ تَفَاوُتٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ ثَوْبًا فِي ثَوْبٍ مِثْلِهِ قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ.
стр. 692
(فَرْعٌ)
هَلْ يَحْرُمُ أَكْلُ الطِّينِ قَالَ الرُّويَانِيُّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَحْرُمُ الطِّينُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ طَبَرِسْتَانَ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَّاطِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الزُّجَاجِيِّ وَالْإِمَامَيْنِ جَدِّي وَوَالِدِي ﵏ وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَحْرُمُ وَلَكِنْ يُكْرَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ خُرَاسَانَ وَهَذَا إذَا لَمْ يَضُرَّ لِقِلَّتِهِ فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَضُرُّ فَهُوَ حَرَامٌ وَبِهِ أُفْتِي وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ الْحَافِظَ الْبَيْهَقِيَّ بِنَيْسَابُورَ يَقُولُ لَمْ يَصِحَّ نَصٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَحْرِيمِ قَلِيلِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي انْتَهَى كَلَامُ الرُّويَانِيِّ فِي الْبَحْرِ.
وَذَكَرَ الْأَوَّلُونَ حَدِيثًا لَمْ أَسْتَحْسِنْ نَقْلَهُ لِنَكَارَتِهِ ثُمَّ بَدَا لِي
أَنْ أَقُولَهُ وَأُنَبِّهَ عَلَيْهِ قَالَ احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (أَكْلُ الطِّينِ حَرَامٌ عَلَى أُمَّتِي) وَرُوِيَ (إذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا أَلْهَمَهُ أَكْلَ الطِّينِ وَنَتْفَ اللِّحْيَةِ) (فَائِدَةٌ) أَرْبَعُ مَسَائِلَ خِلَافِيَّةٍ تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْعُ كَفِّ حِنْطَةٍ بِكَفَّيْ حِنْطَةٍ وَسَفَرْجَلَةٍ بِسَفَرْجَلَتَيْنِ وَالْجِصِّ بِالْجِصِّ مُتَفَاضِلًا وَالْحَدِيدِ بِالْحَدِيدِ متفاضلا والمسألتان الاولتان مُمْتَنِعَتَانِ عِنْدَنَا جَائِزَتَانِ عِنْدَهُ وَالْأُخْرَيَانِ بِالْعَكْسِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُ فِي النَّقْدَيْنِ قِيَمُ الْوَزْنِ وَفِي الْأَرْبَعِ الْكَيْلُ فَيَتَعَدَّى إلَى كُلِّ مَوْزُونٍ وَمَكِيلٍ وَعِنْدَنَا الْعِلَّةُ فِي النَّقْدَيْنِ كَوْنُهُمَا قِيَمَ الْأَشْيَاءِ غَالِبًا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِمَا وَفِي الاربعة (١) فَتَعَدَّتْ إلَى الْمَطْعُومِ دُونَ الْمَكِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
الشَّعِيرُ فِي سُنْبُلِهِ لَا يُقَدَّرُ فَإِذَا فرعنا على القديم الْوَجْهُ عِنْدِي مَنْعُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُقَدَّرُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى حاله هذه وليس كالجوز مادام صحيحا وهذا تفريعا الحواشي
(١) كذا بالاصل فحررстр. 693
* على القديم وأما الجديد فكل مطعوم وان كان لايقر يَمْتَنِعُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَدَدًا وَهَلْ يَجُوزُ وزنا فيه وجها
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هُمَا اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ (الْأَصَحُّ) كَمَا قَالَ الْإِمَامُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فَلَوْ خِيفَ فَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ
стр. 694
(فَوَائِدُ) قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵁ أَنَّ الْخِلَافَ فِي عِلَّةِ الرِّبَا عَلَى مَذَاهِبَ وَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْقَوْلِ فِي النَّقْدَيْنِ وَالْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ مَا هُوَ مَقْصُودٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَالْأَرْبَعَةُ مُجْتَمِعَةٌ فِي مَقْصُودِ الطَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ عِنْدَنَا وَالنَّقْدَانِ مجتمعان في جوهر النقدية لان التبرليس نقدافى عَيْنِهِ وَكَذَلِكَ الْحُلِيَّ وَالْأَوَانِي فَإِنَّ الرِّبَا جَارٍ فِيهَا لِنَصِّهِ ﷺ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهُوَ يَعُمُّ الْمَطْبُوعَ وَغَيْرَ الْمَطْبُوعِ.
وَعِبَارَةُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي ذَلِكَ أَحْسَنُ قَالَ لخصت منها عبارة جامعة للكل وهوأن الْعِلَّةَ فِي النَّقْدَيْنِ جَوْهَرٌ
يُطْبَعُ مِنْهُ قِيَمُ الْأَشْيَاءِ.
قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِي إنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لَيْسَا بِمُعَلَّلَيْنِ وَالرِّبَا فِيهِمَا لِعَيْنِهِمَا لَا لِعِلَّةٍ فِيهِمَا وَتَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ بِالثَّمَنِيَّةِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ لَا تَعْدُوهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرِّبَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ وَزَادَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ رِبًا رَابِعًا وَهُوَ كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا (فَائِدَةٌ) تَعَلَّقَ مَنْ قَالَ إنَّ الْعِلَّةَ الْوَزْنُ فِي الْمَوْزُونِ وَالْكَيْلُ فِي الْمَكِيلِ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا على خيبر فجاءهم بتمر خبيث فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ
стр. 695
وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلُ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ وكذلك التمر ان قالول أَرَادَ الْمَوْزُونَ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ اسْتِوَاءُ الْوَزْنِ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي بَيَّنَ الرِّبَا فِيهَا فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ وَكَذَلِكَ كل مايمال أَوْ يُوزَنُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ اه.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَا وُزِنَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا وَمَا كِيلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عن الربيع هكذا وهو ابن صبح هَكَذَا وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ فَرَوَوْهُ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَادَةَ وَأَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظٍ غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ.
وَالرِّبَا بِكَسْرِ الرَّاءِ مَقْصُورٌ وَعَنْ الْقَلَعِيِّ أَنَّهُ يُفْتَحُ وَيُمَدُّ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الرِّبَا فِي الشَّرْعِ أَخْذُ مَالٍ مَخْصُوصٍ بِغَيْرِ مَالٍ بِإِزَائِهِ وَلَا تَقَرُّبَ إلَى اللَّهِ وَلَا إلَى الْخَلْقِ قَالَ فَأَخْرَجْنَا بِخُصُوصِ مَا لَيْسَ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا بِلَا تَقَرُّبٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الصَّدَقَةَ وَإِلَى الْخَلْقِ الْهَدِيَّةَ وَالْهِبَةَ (قُلْتُ) وَهَذَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْقِمَارُ بَلْ هَذَا هو حد القمار فانهم ذكرو الْفَرْقَ بَيْنَ الْقِمَارِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَنَّ الْقِمَارَ (١) وَإِنَّمَا الْحَدُّ الصَّحِيحُ لِلرِّبَا فِي الشَّرْعِ مَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَقَدْ كَتَبْتُهُ فِي غير هذا.
والجاروس - بِالْجِيمِ - وَالسِّينِ - الْمُهْمَلَةِ الْحَبُّ الَّذِي يُعْصَرُ مِثْلُ الدَّخَنِ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الدَّخَنِ فِي جَمِيعِ أحواله وهو ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ وَهُوَ مُعْرَبٌ كَاوَرْسَ حَكَى ذَلِكَ عن مجمع البحرين الفرغالى (فَائِدَةٌ) اُشْتُهِرَ عَنْ مَذْهَبِنَا التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِالنَّقْدِيَّةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ إنْ كان كلام الشارع الحواشي
(١) كذا بالاصل فحررстр. 696
نَصًّا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ فَلَا يُرَى لِلْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ وَقْعًا وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ عَنْ الْحُكْمِ بِفَسَادِهَا وانما تفيد إذَا كَانَ قَوْلُ الشَّارِعِ ظَاهِرًا يَتَأَتَّى تَأْوِيلُهُ وَيُمْكِنُ تَقْدِيرُ حَمْلِهِ عَلَى الْكَثِيرِ مَثَلًا دُونَ الْقَلِيلِ فَإِذَا سُحِبَتْ عَلَيْهِ تَوَافَقَ الظَّاهِرُ عِصْمَتَهُ مِنْ التَّخْصِيصِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى لَا تَنْزِلُ مَرْتَبَتُهَا عَنْ الْمُسْتَنْبَطَةِ الْقَاصِرَةِ ثُمَّ فِيهِ رَيْبٌ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ كَانَ مُتَعَرِّضًا لِلتَّأْوِيلِ وَلَوْ أُوِّلَ لخرح بَعْضُ الْمُسَمَّيَاتِ وَلَأُزِيلَ الظَّاهِرُ إلَى مَا هُوَ نص فيه العلة فِي مَحَلِّ الظَّاهِرِ كَأَنَّهَا ثَابِتُهُ فِي مُقْتَضَى النَّصِّ مِنْهُ مُتَعَدِّيَةٌ إلَى مَا اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِيهِ عَاصِمَةٌ لَهُ عَنْ التَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيلِ فَكَانَ ذَلِكَ إفَادَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا حَقِيقِيًّا وَلَا يَتَّجِهُ غَيْرُ ذَلِكَ فِي الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ ثُمَّ قَالَ (فَإِنْ قِيلَ) قَوْلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ) الْحَدِيثُ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ نَصٌّ بَطَلَ التَّعْلِيلُ بِالنَّقْدِيَّةِ وَإِنْ كَانَ ظاهرا وان كان ظاهرا فالامة مجتمعة عَلَى إجْرَائِهِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقَدْ صَارَ بِقَرِينَةِ الْإِجْمَاعِ نَصًّا (قُلْتُ) أَمَّا الْحَظُّ الْأُصُولِيُّ فَقَدْ وَفَّيْنَا بِهِ وَالْأُصُولُ لَا تَصِحُّ عَلَى الْفُرُوعِ فَإِنْ تَخَلَّفَتْ مَسْأَلَةٌ فَلْيُمْتَحَنْ بِحَقِيقَةِ الْأُصُولِ فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَلْيُطْرَحْ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْأَنْبَارِيُّ الشَّارِحُ وَقَالَ إنَّ الْقَاصِرَةَ مُقَيَّدَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ مِنْ نَصٍّ وَقَوْلُ الْإِمَامِ يَلْزَمُ
стр. 697
مِنْهُ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّخْصِيصِ لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْقَاصِرَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ مُتَرَقِّيَةً فِي الرجحان عن رتبتها وهذا غير ما يهيؤا لَأَنْ تَكُونَ مُعَارَضَةً لِلْمُتَعَدِّيَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْقَاصِرَةَ مُقَيَّدَةٌ مُطْلَقًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ قَوَاعِدِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الْوُقُوفَ عَلَى حِكْمَةِ النَّصِّ وَكَوْنَ حكمها متعد إلَى غَيْرِهَا وَأَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ مَا يُشَارِكُهُ فِي الْمَعْنَى فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَيْهِ فَهَذِهِ ثَلَاثُ فوائذ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ فِي مَنْعِهَا التَّخْصِيصَ فِي الظَّاهِرِ فَائِدَةٌ أُخْرَى جَلِيلَةٌ لَكِنَّا نَقُولُ لَا تَنْحَصِرُ الْفَائِدَةُ فِيهَا (وَقَوْلُهُ) إنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى إجْرَائِهِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَصَارَ كَالنَّصِّ (يُمْكِنُ) أَنْ يُقَالَ إنَّ الْقَلِيلَ إذَا انْتَهَى فِي الْقِلَّةِ إلَى حَدٍّ لَا يُوزَنُ لَا تُجْمِعُ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ بَلْ أَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِيهِ كَمُخَالَفَتِهِ فِي بَيْعِ تَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ دُرَّةٍ بِدُرَّةٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَذَا قَالَ الْفَرْغَانِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مِنْ كُتُبِهِمْ فَيُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ الْعِلَّةِ وَهِيَ جِنْسُ الْأَثْمَانِ فِي ذَلِكَ وَمُنِعَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ فِيهِ وَتَحْصِيلُ الفائدة التى حاولها
الامام والا فآخر كلامه الْمَذْكُورِ فِي الْبُرْهَانِ يُشِيرُ إلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِعَدَمِ الْجَرَيَانِ عَلَى الْقَانُونِ الَّذِي مَهَّدَهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرَى أَنْ يُضِيفَ الْحُكْمَ إلَى الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَهِيَ الْوَزْنُ كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْوَزْنِ بَاطِلٌ بِوُجُوهٍ تَخُصُّهُ (مِنْهَا) أَنَّهُ طَرْدٌ لَا مُنَاسَبَةَ
стр. 698
فِيهِ (وَمِنْهَا) جَوَازُ إسْلَامِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الموزونات فَلَيْسَ بُطْلَانُ الْمُتَعَدِّيَةِ هُنَا بِمُعَارَضَةِ الْقَاصِرَةِ لَهَا (وَأَمَّا) فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ يُرَجِّحُ الْقَاصِرَةَ عَلَى الْمُتَعَدِّيَةِ لِمُعَارَضَةِ النَّصِّ لها وَالْجُمْهُورُ يُرَجِّحُونَ الْمُتَعَدِّيَةَ وَامْتَنَعَ آخَرُونَ مِنْ التَّرْجِيحِ مِنْ جِهَةِ التَّعَدِّي وَالْقُصُورِ قَالَ الْأَنْبَارِيُّ وَهُوَ الصيحيح وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ الْعِلَلُ بِقُوَّتِهَا فِي نَفْسِهَا وَاضْطَرَبَ كَلَامُ الْإِمَامِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ فَتَارَةً يَمِيلُ إلَى التَّعَبُّدِ وَإِبْطَالِ التَّعْلِيلِ وَأَخْذِ الرِّبَا فِي كُلِّ الْمَطْعُومَاتِ مِنْ قَوْلِهِ (لَا تبيعوا الطعام بالطعام) وَتَارَةً يَمِيلُ إلَى الْقِيَاسِ وَكَلَامُهُ فِي ذَلِكَ مُضْطَرِبٌ وَكَأَنَّهُ شَوَّشَ عَلَيْهِ عَدَمُ ظُهُورِ فَائِدَةِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَقَدْ أَبْدَيْنَاهُ في محل الاخلاف وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَائِدَةٌ) قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀ وَعَنْ الْأَوْدَنِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ تَابَعَ ابْنَ سِيرِينَ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ الْجِنْسِيَّةُ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ مَالٍ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ الْأَوْدَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَالٍ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَلَا يُشْتَرَطُ الطَّعْمُ انْتَهَى مَا قَالَاهُ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا فَإِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ الْأَوْدَنِيِّ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الجنسية والطعم شرطها وجعل ذلك مقابلا لم قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ الطعم والجنس محلها
стр. 699
والشرط عدم التساوى والمعلول فَسَادُ الْعَقْدِ وَلِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ الطَّعْمُ وَالشَّرْطُ عَدَمُ التَّسَاوِي وَالْمَعْلُولُ الْفَضْلُ فَلَعَلَّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَوْدَنِيِّ اقْتَصَرَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الْجِنْسَ عِلَّةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ تَوَهَّمَ مَنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ بِمُجَرَّدِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الطَّعْمُ وَأَنَّهُ موافق لابن سيرين والله تعالى أعلم.
(باب بيع الاصول والثمار) الاصول ههنا الْمُرَادُ بِهَا الْأَشْجَارُ وَكُلُّ مَا يُثْمِرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إنَّ اسْمَ الْأَصْلِ يَشْمَلُ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ مَعًا وَالثِّمَارُ.
وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْبَابِ أَمْرَانِ
(أَحَدُهُمَا)
بَيَانُ حُكْمِ الْأُصُولِ إذَا بِيعَتْ فِيمَا يَكُونُ تَابِعًا لَهَا وَفِيمَا لَا يَكُونُ وَفِي حُكْمِ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ النَّظَرُ وَقَدْ بَوَّبَ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأُمِّ بَابَ ثَمَرِ الْحَائِطِ يُبَاعُ أَصْلُهُ فَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ حَلَّهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بَيْعُ الْأُصُولِ
(وَالثَّانِي)
الْكَلَامُ فِي الثِّمَارِ إذَا بِيعَتْ وَمَا يختص بها من الشروط التى لا تشترط في غيرها من الْمَبِيعَاتِ فَإِنَّ شُرُوطَ الْمَبِيعِ (مِنْهَا) مَا هُوَ عام وهى الخمسة التى ذكرها فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (وَمِنْهَا) مَا يختص بالربوبات وَأَفْرَدَ لَهُ بَابَ الرِّبَا
стр. 700
وَقَدَّمَهُ عَلَى هَذَا الْبَابِ لِعُمُومِهِ لِإِمْكَانِهِ فِي كل وقت وشدة خطره لقيام الاجماع على (وَمِنْهَا) مَا يَخْتَصُّ بِالثِّمَارِ فَأَفْرَدَهُ فِي هَذَا الباب وبدت علة الشافعي بأن الْوَقْتُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ بَيْعُ الثِّمَارِ وَجَعَلَهُ عَقِيبَ بَابِ ثَمَرِ الْحَائِطِ يُبَاعُ أَصْلُهُ فَجَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ الْأُصُولِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ لِتَعَلُّقِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ وَقَدَّمَ الْأُصُولَ عَلَى الثِّمَارِ تَأَسِّيًا بِالشَّافِعِيِّ وَلِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ طَبْعًا وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَابِ بَيْعُ الثِّمَارِ لِبَيَانِ شَرْطِهِ فَلَعَلَّهُ قَدَّمَ بَيْعَ الْأُصُولِ فِي مُخْتَصَرِ التَّفْرِيعِ بَعْدَهُ بِمَقْصُودِ الْبَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَقَعْ الْكَلَامُ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ مُخْتَصَرًا بَلْ طَالَ أَكْثَرَ مِنْ الْكَلَامِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ بَلْ ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ تَبْوِيبِ الشَّافِعِيِّ وَهُمَا مَقْصُودَانِ وَاسْتَلْزَمَ الْكَلَامُ فِي الْأُصُولِ الْكَلَامَ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ بَيْعَ الْأُصُولِ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا وَقَدْ يَكُونُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ بَعْدَ أَنْ قَالَ دَخَلَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ قَالَ فَإِنْ كَانَ لَهُ حَمْلٌ إلَى آخِرِهِ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَبَعِيَّةَ الثِّمَارِ لِلْأُصُولِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إفْرَادُ الْأُصُولِ بِالْعَقْدِ بَلْ يَشْمَلُ صُورَةَ إفْرَادِهَا وَصُورَةَ مَا إذَا كَانَتْ تَابِعَةً لِلْأَرْضِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَتْ تَابِعَةً فَيَدُلُّ عَلَى الصُّورَةِ الْأُخْرَى بِطَرِيقٍ أَوْلَى وَاسْتُطْرِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُهَذَّبِ إلَى مَا يَتْبَعُ لَفْظَ الْأَرْضِ أَوْ نَحْوِهَا من
стр. 701
غَيْرِ الثِّمَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ الَّتِي هِيَ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الثِّمَارِ كالزروع والخوابى وَالْمَعَادِنِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ تَعَرَّضَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسَائِلِ الْبَابِ إلَيْهَا وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ فِي بَيْعِ الارض لانه مستلزم لبيع الاصول المستلزم لبيع الثِّمَارَ وَهُوَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَذْكُورٌ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ وَلَا يُسْتَنْكَرُ كَوْنُ الدَّاخِلِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ يُسَمَّى مَبِيعًا لِأَنَّهُ إنَّمَا انْتَقَلَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَأَيْتُ التَّرْجَمَةَ الْأُولَى
وَهِيَ أَنَّ بَيْعَ الْأُصُولِ لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ بِشْرِي الْمِصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمُخْتَصَرِ الْمُنَبِّهِ مِنْ عِلْمِ الشافعي.
قال المصنف ﵀.
(إذا باع أرضا وفيها بناء أو غراس نظرت فان اقل بعتك هذه الارض بحقوقها دخل فيها البناء والغراس لانه من حقوقها وان لم يقل بحقوقها فقد قال في البيع يدخل وقال في الرهن لا يدخل واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق (فمنهم) من قال لا يدخل في البيع لان الارض ليست بعبارة عن الغراس والبناء وتأول قوله في البيع عليه إذا قال بحقوقها (ومنهم) من نقل جوابه في الرهن إلى لبيع وجوابه في البيع إلى الرهن وجعلهما على قولين
(أحدهما)
لا يدخل في الجميع لان الارض اسم للعرصة
стр. 702
دون ما فيها من الغراس والبناء
(والثانى)
يدخل لانه متصل بها فدخل في العقد عليها كسائر أجزاء الارض (ومنهم) من قال في البيع يدخل وفى الرهن لا يدخل لان البيع عقد قوى يزيل الملك فدخل فيه الغراس والبناء والرهن عقد ضعيف لا يزيل الملك فلم يدخل فيه الغراس والبناء) .
(الشَّرْحُ) الْأَرْضُ مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ اسْمُ جِنْسٍ لَمْ يَأْتِ وَاحِدُهُ بِالْهَاءِ وَالْغِرَاسُ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّجَرِ يُقَالُ غَرَسْتُ الشَّجَرَ أَغْرِسُهُ وَيُقَالُ لِلنَّخْلَةِ أَوَّلَ ما تنبت غريسة اله الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ إذَا قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْعَرْصَةَ أَوْ السَّاحَةَ أَوْ الْبُقْعَةَ وَكَانَ فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَالَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ دَخَلَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ بِمَا فِيهَا أَوْ مَعَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حُدُودُهَا أَوْ حَوَتْهُ أَقْطَارُهَا وَإِنْ قَالَ بِعْتُكَهَا بِحُقُوقِهَا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَصَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِيهِ وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ إيرَادُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لَكِنَّ الْإِمَامَ حَكَى أَنَّ مِنْ أَئِمَّتِنَا مَنْ قَالَ لَا يَدْخُلُ مُحْتَجًّا بِمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ قَبْلَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِشْكَالِ أَنَّ اسْمَ الْحُقُوقِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الطَّرِيقِ وَمَجَارِي الْمَاءِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّ هَذَا أَقْيَسُ وَهُوَ كَمَا رأى الا أن يثبت عرف عا بِاسْتِتْبَاعِ الْأَرْضِ لِلشَّجَرِ أَوْ
стр. 703
بِدُخُولِهَا تَحْتَ اسْمِ الْحُقُوقِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ حَزْمٍ الظَّاهِرِيَّ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي كِتَابِهِ الْمُحَلَّى
عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَهِيَ لَهُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ قائم أو شجر ثابت وهذه دعوى مُنْكَرَةٌ وَهِيَ بِإِطْلَاقِهَا تَشْمَلُ مَا إذَا قَالَ بِحُقُوقِهَا وَلَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الثَّانِي وَالْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا سَيَأْتِي وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شئ عن العلماء المتقدمين بل مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ اسْتِتْبَاعُ الْأَرْضِ لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ صَنَعُوا كَصُنْعِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَعَلَّهُمْ تَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ كَمَا ادَّعَاهُ ابن حزم فلاشك أن للنظر فيها مجالا والا فيلغو مَا أَثْبَتَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ التَّخْرِيجِ وَلَا تَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ بِذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ كَمَا نَقُولُهُ فِيمَا بَعْدُ وَقَالَهُ الْإِمَامُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا فَقَدْ اختلف الاصحاب على طرق (احداهما) أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الرَّهْنِ لِأَنَّ اسْمَ الْأَرْضِ لَا يَشْمَلُ ذَلِكَ لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا دَلِيلَ على تبعيتها لهامن عُرْفٍ وَلَا غَيْرِهِ فَلَا وَجْهَ لِلدُّخُولِ وَهَذَا هو القياس وهى طريقة أبى العباس
стр. 704
ابن سُرَيْجٍ لَكِنَّهَا خِلَافُ ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَكُلُّ أَرْضٍ بِيعَتْ فَلِلْمُشْتَرِي جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَأَصْلٍ فَاحْتَاجَ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا إذَا قَالَ بِحُقُوقِهَا (وَقَوْلَهُ) فِي الرَّهْنِ عَلَى مَا إذَا أَطْلَقَ لَكِنْ يَتَوَجَّهُ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْإِشْكَالِ مَا أَوْرَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَدْخُلْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ينبغى أن لايدخل وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَدْخُلْ عِنْدَ الاطلاق ينبغى أن لايدخل ولو قال بحقوقهما لِأَنَّ اسْمَ الْحُقُوقِ لَا يَشْمَلُهُ وَإِنَّمَا يَشْمَلُ الممر ومسيل الماء ومطروح الْقُمَامَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَهُوَ إشْكَالٌ قَوِيٌّ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُخَالِفَةً لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَلِمَا نقلناه عن مذهبي أبى حيفة وَمَالِكٍ وَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ إنْ ثَبَتَتْ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ الغزالي فِي الْوَسِيطِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هِيَ الْأَصَحَّ وَشَذَّا فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ وَلَعَمْرِي إن لم يَثْبُتَ إجْمَاعٌ أَوْ نَصٌّ فَالْحَقُّ مَا قَالَاهُ وقد جهدت
стр. 705
فِي تَطَلُّبِ نَفْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ أَجِدْ إلَّا نَصَّهُ ﷺ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُثْمِرَةً فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ وَالْأَصْحَابُ يُفَرِّقُونَ بِأَنَّ البناء والغراس يراد للتأييد بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ وَقَدْ يَحْتَجُّونَ بِهِ لِأَنَّهُ اقْتَضَى بِمَفْهُومِهِ دُخُولَ الثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَشْمَلُهَا اسْمُ النَّخْلَةِ وَلَكِنْ لِاتِّصَالِهَا بِهَا
وَالْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ كَذَلِكَ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ نَقْلُ جَوَابِهِ مِنْ الْبَيْعِ إلَى الرَّهْنِ وَمِنْ الرَّهْنِ إلَى الْبَيْعِ وَتَخْرِيجُ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ
(أَحَدِهِمَا)
يَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ بِمَنْزِلَةِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَأَجْزَاءُ الارض تدخل عند الاطلاق فكدلك هَذِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْأَرْضَ مَبِيعَةٌ وَمَرْهُونَةٌ دُونَ مَا فِيهَا لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الِاسْمِ وَهَاتَانِ الطَّرِيقَتَانِ مُشْتَرَكَتَانِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَإِيرَادُ الْحَنَابِلَةِ فِي كُتُبِهِمْ يُوَافِقُ
следующие страницы →