← Адаб

Адаб · id 1025

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

أبو عبيد البكري

Полный текст (530 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٧٩ -؟ باب رتق الفتوق وإطفاء النائرة قال أبو عبيد: " صار الأمر إلى النزعة " إذا قال بإصلاح أهل الأناة والحلم. ع: إنما هو " صار الأمر إلى الوزعة وصار الرمي إلى النزعة ". والوزعة جمع وازع وهو الذي يكف الناس عن المناكر. والوازع: الذي يتقدم الصف في الحرب فيصلحه ويرد المتقدم إلى مركزه. وفي الحديث: لا بد للحاكم من وزعة، أي من يكف الناس عنه. والنزعة جمع نازع وهو الذي ينزع في قوسه إذا جذب الوتر بالسهم، وبعيد أن يكون المثل صار الأمر إلى النزعة، لإشكال هذا اللفظ والتباسه، فإن النازع يقع على معان كثيرة، فإذا قال: صار الرمي، تخلص المعنى وانجلى. والنازع في القوس. والنازع: المقصر عن الشيء، والنازع: المشوق إلى الشيء. والنازع: الطالع، يقال: نزع النجم إذا طلع. والنازع: الذي يكون في علز الموت، وهي الحركة الشديدة، والنازع: الذي ينزع الشيء عن الشيء، يقال في جمعها نزع؟ بفتح الزاي؟ ينزع؟ بكسرها. ٨٠ -؟ باب العفو عند المقدرة قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم " المقدرة تذهب الحفيظة " وقولهم " إذا ارجحن شاصياً فارفع يدا ". ع: الحفيظة هنا الغضب، يقال: أحفظني الشيء إحفاظاً إذا أغضبك، والحفيظة أيضاً في غير هذا: الحمية. ومن أمثالهم " إن الحفائظ تنقض الأحقاد " ومعنى هذا أنه إذا كان في قلبك على ابن عمك حقد ثم رأيته يظلم، حميت له

стр. 247

ونصرته، ونسيت ما في قلبك، والحفظة نحو الحفيظة، قال العجاج (١) : وحفظة أكنها ضميري ... مع الجلاء ولائح القتير (٢) ومعنى قوله إذا ارجحن الأمر: وقع بمرة غير مستمسك (٣) ، وارجحن في غير هذا الموضع: اهتز، ومنه قولهم: شاب مرجحن. ٨١ -؟ باب مياسرة الإخوان وترك الخلاف عليهم قال أبو عبيد: قال الأصمعي وعدة من علمائنا: من أمثالهم السائرة في هذا " إذا عز أخوك فهن " وذكر خبره. ع: هكذا صحت روايته (٤) عن أبي عبيد فهن، بضم الهاء (٥) ، وكذلك رويناه في كتاب أحمد بن يحيى الذي سماه بفصيح الكلام (٦) ، وعلى هذا فسره أبو عبيد في كتابه هذا وذلك قوله: إن مياسرتك لصديقك ليس بضيم ركبك فتدخلك الحمية، والضيم: هو الهوان بعينه. وقال إبراهيم بن السري في رده على أبي العباس ثعلب: وقلت " إذا عز أخوك فهن " والكلام " فهن "؟ بكسر الهاء من هان يهين إذا لان، ومنه قيل هين لين؟ لأن هن من هان يهون من الهوان، والعرب لا تأمر بذلك، ولا معنى لهذا الكلام يصح لو قالته، ومعنى عز ليس من العزة التي هي القدرة والرفعة، وإنما

стр. 248

هي من قولك عز الشيء إذا اشتد، وكذلك تعزز واستعز ومنه العزاز من الأرض وهو الصلب الذي لا يبلغ أن يكون حجارة، ويقال: عز يعز إذا صار عزيزاً، وعز يعز عزاً إذا غلب، قال زهير (١) : تميم فلوناه (٢) فأكمل خلقه ... فتم وعزته يداه وكاهله (٣) ومعنى الكلام: إذ صلب أخوك واشتد فذل له من الذل؟ بالكسر؟ ولا معنى للذل هنا، كما تقول: إذا صعب عليك أخوك فلن له. قال الله : ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً﴾ (الفرقان: ٦٣) أي على سكون وطمأنينة. وقال ابن درستويه في تفسير المعنى الذي ذهب إليه أبو عبيد: معنى " إذا عز أخوك فهن " إذا صار عزيزاً ملكاً قوياً عليك فأطعه وتذلل له، واخضع تسلم عليه، ولا يظلمك بعزه. والحجة لهذا المذهب قول عمرو بن أحمر (٤) : وقارعة من الأيام لولا ... سبيلهم لزاحت عنك حينا دببت لها الضراء وقلت أبقى ... إذا عز ابن عمك أن تهونا هكذا صحت رواية هذا البيت، دون اختلاف بين الرواة (٥) : وقال محمد بن علي الباقر في المعنى الذي ذهب إليه ابن درستويه: بني إذا ما سامك الذل قادر ... عزيز فلن فاللين أولى وأحزر ولا تسم في كل الأمور تعززا ... فقد يورث الذل الطويل التعزز

стр. 249

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المياسرة " لولا الوئام هلك اللئام " وفسره وقال: هذا قول أبي عبيدة، قال: وأما غيره من علمائنا فإن المثل عندهم " لولا الوئام هلك الأنام " إلى آخر ما ذكره. ع: قال أبو زيد: واءمني الرجل مواءمة على مثال واعمني مواعمة إذا تبع أمرك (١) وفعل ما تفعله من خير وشر. قال: " لولا الوئام هلك الأنام "، وأنشد مرة: " لولا الوئام هلكت جذام " أي ليست لهم عقول تدلهم على شيء إنما يحكمون غيرهم، هكذا أورده على أنه رجز وفسره بما ذكرته (٢) . ٨٢ -؟ باب مداراة الناس والتودد إليهم قال أبو عبيد: قال أبو زيد في مثله " إلا حظية فلا ألية (٣) ع: فسره أبو عبيد وبقي أن أبين إعرابه (٤) ، فإنه يقال بالنصب والرفع، فمن نصب فمعناه إلا أكن عندك أيها البعل حظية فلا أكون ألية أي مقصرة فيما أتحبب من تحسين خلق وخلق، وألوت بمعنى قصرت. قال أبو زيد: ألا تحظى فإنها لا تألوا. ومن رفع فإنها تعني بالحظية غير نفسها، والمعنى الآخر (٥) : لك في

стр. 250

الناس حظية تحظى عندك فإني غير مقصرة في طلب الحظوة، هكذا فسره سيبويه وغيره. وتفسير أبي عبيد الأول على أن الحظية الحظوة (١) وأن فعلة من الحظ وفعلية بمعنى. قال أبو عبيد: قال أبو زيد في نحو هذا " سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة " يقول: لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل، وطريق الإحسان والصواب، خير من أن تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة والخرق. ع: تفسير أبي عبيد لا يقتضيه لفظ المثل ولا يصح عليه لأن الذي يعمل بوجه العمل وطريق الاستحسان ليس سيء الاستمساك كما أن العامل بالإساءة والخرق ليس بحسن الصرعة. والذي نقله أبو علي وغيره أن معناه: لأن يستمسك ولا يصرع وإن كان سيء الاستمساك، خير من أن يصرع صرعة حسنة ولا تضره. يقال في هذا المثل " خير من حسن الصرعة؟ بالفتح؟ ومن حسن الصرعة؟ بالكسر؟ أي هيئة الانصراع ". قال أبو عبيد: وفي حديث مرفوع " نصف العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ". ع: قد قال الشعراء في هذا المعنى فأكثروا، قال أبو سليمان الخطابي (٢) :

стр. 251

ما دمت حيا فدار الناس كلهم ... فإنما أنت في دار المداراة وقال آخر: بالمداراة ما تساس الأمور ... ما لحب البثور تطلى البثور ومن حكم الفرس: " من لم يلن للأمور عند التوائها، تعرض لمكروه بلائها ". ٨٣ -؟ باب مخالقة الناس بالأخلاق مع التمسك بالدين ع: المخالقة هي موافقة الناس على أخلاقهم، وخلق الإنسان هو الذي طبع عليه، وفلان كريم الخليقة والجميع الأخلاق والخلائق، فالمخالقة؟ بالقاف؟ هي ضد المخالفة؟ بالفاء؟ فحق على العاقل أن يخالق من لقيه، وأن يتزيا بزي من ساكنه، وقد قال (١) بعض الشعراء: إن جئت أرضاً أهلها كلهم ... عور فغمض عينك الواحده وقال آخر: ومن حق من يمشي مع العور أن يرى ... وإن لم تخنه عينه متعاورا قود قالوا: كل من الطعام ما تشتهي، والبس من الثياب ما يشتهي الناس. قال أبو عبيد: وفي حديث مرفوع أن رجلاً استأذن عليه ﷺ فقال: " بئس ابن العشيرة " ثم أذن له فدخل عليه، فقربه وأدناه، فلما خرج قال: " إن من شر الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه "، أو كلام هذا معناه.

стр. 252

ع: هذا الرجل هو عيينة بن حصن الفزاري، روى مالك هذا الحديث، ولم يذكر من الرجل أيضاً، قال: بلغني عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: استأذن رجل على النبي ﷺ وأنا معه في البيت، فقال رسول الله ﷺ : " بئس ابن العشيرة هو " ثم أذن له. قالت عائشة ﵂: فلم أنشب أن سمعت ضحك رسول الله ﷺ معه، فلما خرج، قلت: يا رسول الله: قلت فيه ما قلت ثم لم تنشب أن ضحكت معه، فقال: " إن من شر الناس من أتقاه الناس لشره. قال أبو عبيد: ومنه حديثه ﵇ في العباس بن مرداس يوم قال تلك الأبيات يوم حنين، فقال النبي ﵇: " اقطعوا عني (١) لسانه ". أراد أن يعطى حاجته ليسكت. ع: كان رسول الله ﷺ قد أعطى المؤلفة قلوبهم من نفل حنين مائة مائة، وأعطى العباس بن مرداس أباعر، فتسخطها (٢) وقال (٣) : أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهم ... ومن تضع اليوم لا يرفع فقال النبي ﷺ : اقطعوا عني لسانه، فزادوه حتى رضي.

стр. 253

٨٤ -؟ باب اكتساب الحمد واجتناب المذمة قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم " الحمد مغنم والمذمة مغرم " ومن هذا قول الأول (١) : بذلك أوصاني خريم بن مالك ... وإن قليل الذم غير قليل ع: الرواية عن أبي عبيد: خريم بن مالك، وهو خطأ (٢) ، والبيت لمالك ابن حريم بن مالك بن حريم؟ بالحاء المهملة والراء المهملة والحاء المفتوحة والراء المكسورة. قال ابن الدمينة الهمداني: مالك هذا شاعر همدان وفارسها، وقبل البيت: أوجد على العافي وأحذر ذمه ... إذا ضن بالمعروف كل بخيل بذلك أوصاني....... ... ................ (البيت) قال أبو عبيد (٣) ومن اجتناب الذم قولهم: " والشر أخبث ما أوعيت من زاد " وبعضهم يرويه في شعر لعبيد بن الأبرص. ع: الشعر لعبيد بإجماع من الرواة، وصلة البيت (٤) :

стр. 254

أبلغ أبا كربٍ عني وإخوته ... قولاً سيذهب غورا بعد إنجاد لا أعرفنك بعد (١) اليوم تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي إن أمامك يوماً أنت مدركه ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع، وفي مثل آخر: العلم خير (٢) ما وعيت، والشر أخبث ما أوعيت ". ٨٥ -؟ باب الصبر عند النوازل والمرازي قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " هون عليك ولا تولع بإشفاق ". ع: هو نمن شعر تأبط شراً، وصلته (٣) : إني أقول إذا ما خلة صرمت ... هون عليك ولا تولع بإشفاق ويروى: ولا أقول إذا ما خلة صرمت ... يا ويح نفسي من شوق وإشفاق (٤) لكنما عولي إن كنت ذا عول ... (٦) على أمير (٥) بكسب الحمد سباق

стр. 255

سدد خلالك من مال تجمعه ... حتى تلاقي الذي كل امرئ لاق (١) لتقرعن علي السن من ندمٍ ... إذا تذكرت يوماً بعض أخلاقي قال أبو عبيد: روي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة: " من حدث نفسه بالبقاء، فليوطن نفسه على المصائب ". ع: أبو بكرة: هو نفيع بن مسروح، كني بأبي بكرة لأنه تدلى على بكرة من سور الطائف إلى رسول الله ﷺ ، وهو معدود في مواليه. قال الشاعر فيه وفي أخويه لأمه سمية: إن زياداً ونافعاً وأبا بكر ... ة عندي من أعجب العجب ثلاثة من ثلاثة خلقوا ... في رحم أنثى مخالفي النسب ذا قرشي فيما يقول، وذا ... مولى، وهذا ابن عمه عربي ومثل قول عبد الرحمن قول الشاعر: إن تبق تفجع بالأحبة كلهم ... أو تردك الأحداث إن لم تفجع قال أبو عبيد: وقال بعض الحكاء " إن شرا من المرزئة سوء الخلف ". ع: هذا كلام لأوس في وصيته لمالك ابنه وفي معلومة، قال في آخرها: وكيف بالسلامة لمن ليست له إقامة، وشر من المصيبة سوء الخلف، وكل مجموع إلى تلف، حياك إلاهك.

стр. 256

وفي مثل آخر: " [فقد] الصبر أدهى المصيبتين ". وقال أبو الفضل الميكالي في هذا المعنى فأحسن: يصاب الفتى في أهله برزيةٍ ... وما بعدها منها أجل وأعظم فإن يصطبر فيها فاجر موفر ... وإن يك مجزاعاً فوزر مقدم قال أبو عبيد: قال الأصمعي في نحو منه " إن في الشر خياراً "، قال: ومعناه: " إن بعض الشر أهون من بعض ". ع: قال أبو خراش فنظمه (١) : حمدت الاهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض (٢) بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... (٣) نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي ٨٦؟ باب [ترك] الأسف على الفائت قال أبو عبيد: في حديث مرفوع أنه ﷺ قال لعمر " ما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه وتموله، وما لا فلا تتبعه نفسك ". ع: قوله ما لا: فمعناه ما لا يجيئك فلا تتبعه نفسك، فحذف الفعل لدلالة الأول عليه. وما: شرط، كما تقول العرب ليس إلا، أي ليس إلا ذاك.

стр. 257

الباب السادس أبواب أمثال الجود والمجد ٨٧ -؟ باب الحض على البذل والافضال قال أبو عبيد: قال الأموي " إنما سميت هانئاً لتهنأ " [قال] : ويقال " لتهنأ " أي لتفضل على الناس. والهانئ: المطعي، يقال: هنأت الرجل هناءً إذا وهبت له ورفدته، والاسم: الهنء. ع: قال يحيى بن زياد: هنأت القوم إذا علتهم، ويقال: هنأهم شهرين أي عالهم شهرين، يهنؤهم هنأً وهنأة. قال الشاعر (١) : هنأتهم حتى أعان عليهم ... سوافي السماك ذي السلاح السواجم

стр. 258

يريد الرامح. وقال الكسائي: سمعت أعرابياً يقول " إنما سميت هانئاً لتهنئ " أي لتعول وتكفي، يقال: هنأت: أهنئ واختلف في يهنأ، فأجيزت وانكرت، والهَنء والهِنء؟ بالفتح والكسر؟ العطية، وبه سمى هنأة بن مرداس (١) . قال أبو عبيد: ومنه مقالة أبي ذكر: " إن لك في مالك شريكين: الحدثان والوارث، فإن استطعت أن لا تكون أخسهما حظاً فافعل " (٢) . ع: أصل الخسيس: القليل، يقال: هذا أخس من هذا أي أقل، وخسست النصيب أخسه خساص، قللته. وأنشد أبو عبيد للحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس ع: صلته، وهو من شعر يقوله في هجاء الزبرقان (٣) : لما بدا لي منكم عيب أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكم آس أزمعت يأساً مريحاً من نوالكم ... ولن ترى طارداً للحر كالياس جار لقومٍ أطالوا هون منزله ... وغادروه مقيماً بين أرماس ملوا قراه وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنياب وأضراس

стр. 259

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس قال أبو عبيد: وروينا في حديث مرفوع: " إن الله جواد يحب الجود ومعالي الأمور ويكره سفسافها ". ع: كل عمل سفساف فهو دون الإحكام، يقال: سفسف عمله إذا لم يبالغ في إحكامه، وأسف الرجل: إذا طلب الأمور الدنية، وفي رواية: إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ". قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث: " اصطناع المعروف يقي مصارع السوء ". ع: هذا قد رفع إلى النبي ﷺ وقد روى عن أبي بكر ﵁ وقال الأوزاعي في معناه: العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، فإن صرع وجد متكأً ليناً. قال أبو عبيد: وجاءنا عن ابن عباس أنه قال: إن ابن أبي العاصي مشى القدمية، وإن ابن الزبير لوى ذنبه. ع: القدمية: يكون إما من القدوم وهو المضي أو من الإقدام والتقدم وهو التقحم، وقوله: لوى ذنبه يقوي أنه أراد المضي، لأن كل رابض من السباع يلوي ذنبه، يقال: رجل قدوم ومقدام (١) بمعنى.

стр. 260

قال أبو عبيد: وقال ابن عباس في معاوية: " لله در ابن هند كان الناس يردون منه أرجى واد رحبٍ " (١) . ع: قال عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همان بن منبه سمعت ابن عباس يقول: " ما رأيت رجلاً كان أخلق للملك من معاوية، كان الناس يردون على أرجى (٢) وادٍ رحبٍ، ليس بالضيق الحصر، العصعص المتغضب (٣) - يعني ابن الزبير؟ " قال أبو عبيد: يقال: " أعطاه بقوف رقبته " وذلك إذا أعطاه بعينه (٤) ، ولا يأخذ له ثمناً ولا أجراً. ع: الضمير في أعطاه للشيء المعطى، أي أعطاه بجملته، كما يقال: أعطاه برمته. والقوف والطوف والقاف ما سال من الشعر في (٥) نقرة القفا وأصله في الحيوان، ويريد أبو عبيد بقوله " ولم يأخذ له ثمناً ولا أجراً " يريد: عطاء جود وبر لا عطاء بيع وتعويض.

стр. 261

٨٨ -؟ باب اصطناع المعروف وإن كان يسيراً قال أبو عبيد: وروي في الحديث: " لا تحقرن شيئاً من المعروف، ولو أن تعطي صلة الحبل ". ع: " أن " في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه وعند غيره، بإضمار فعل، أي: لول كان أن تعطي. قال أبو عبيد: قال أبو زيد (١) : ومن أمثالهم في اليسير من البر: " إن الرثيئة تفثأ الغضب " وذكر معناه. ع: إنما ذكر (٢) أبو زيد: " إن الرثيئة مما تقثأ الغضبا " ... - موزوناً؟ عجز بيت. ٨٩ -؟ باب جود الرجل بما فضل عن حاجته من ماله قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا " يكفيك ما بلغك المحلا " ومنه قول الشاعر:

стр. 262

من شاء أن يكثر أو يقلا ... يكفيه ما بلغه المحلا ع: المشهور في هذا قولهم " شرعك ما بلغك المحلا " أي حسبك. وقال آخر في هذا المعنى (١) : حسب الفتى من دهره ... زاد يبلغه المحلا خبز وماء بارد ... والظل حين يريد ظلا والمحل: هي الآخرة، الدار الباقية. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " يا ابن آدم ارض من الدنيا بالقوت، والقوت كثير لمن يموت ". نظمه الخليل فقال (٢) : يكفي اللبيب خلق (٣) وقوت ... ما أكثر القوت لمن يموت قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قول الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي يقول: قد رضيت من المكارم أن لا تفضل على أحد إلا ما ينفق عليك في طعامك وكسوتك، ومثله قول الآخر (٤) : إني وجدت من المكارم حسبكم ... (٥) أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا

стр. 263

ع: البيت الأول الذي (١) للحطيئة يهجو به الزبرقان بن بدر وخبرهما مشهور، وفيه سؤال: وذلك أن ظاهره أن المكارم لا ينالها إلا من رحل في بغائها، ولا ينالها المتودع المقيم في منزله، وإنما أراد الشاعر أن المكارم قد فاته نيلها ونأى عنه شأوها فلا يدركها أبداً، وضرب لذلك الارتحال والبغاء مثلاً، كما قال الآخر: دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ... وعانق المجد من أوفى ومن صبرا وليس هناك جري ولا حركة، ولكنه مثل لنيل المجد بالجهد وامتناعه من أن يناله أكثرهم. ومثل قول الحطيئة قول ابن زيابة التيمي (٢) : إنك يا عمرو وترك الندى (٣) ... (٤) كالعبد إذ قيد أجماله فهذا ذاك، يقول: إنك متودع غير جاهد في طلب المجد، كالعبد إذ وجد موضع الكلأ والخصب فثبت به ولم يحتج إلى ارتياد مرعى. وأما قوله: إني وجدت من المكارم حسبكم ... فإنه لعبد الرحمن بن حسان،

стр. 264

وفيه محذوف مضمر، إنما يريد: إني وجدت عندكم من المكارم اكتفاءكم بلبس حر الثياب والشبع، فحذف عندكم. ٩٠ -؟ باب العادة في الجود والخير قال أبو عبيد: ومن عادة الخير قول الأعشى (١) : عودت كندة عادةً فاصبر لها ... اغفر لجاهلها ورو سجالها ع: يقوله لقيس بن معد يكرب الكندي. وقال أبو بكر ابن دريد: وفد رجل من بني ضنة (٢) ، وبنو ضنة من سعد هذيم؟ وفي العرب ضنتان: ضنة هذا، وضنة بن عبد الله بن نمير؟ فوفد هذا الضني إلى عبد الملك بن مروان، فقال: والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب فلقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب فاصبر لعادتنا التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب فقال عبد الملك: إليّ إليّ، وأمر له بألف دينار. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم المشهورة " العود أحمد ". ع: قال أبو علي: أخبرنا الحسن (٣) بن البراء، قال: حدثني أبي قال قال

стр. 265

عبد الملك بن مروان يوماً لحاجبه: هات بدرة، فجاء بها فوضعها بين يديه، وقال لمن حضره من وجوه العرب: أيكم أنشدني صدر هذا البيت " والعود أحمد " فله هذه البدرة. فلم يكن فيهم من يعرفه. فقال لحاجته: أخرج فانظر من بالباب من العرب، وقل لهم من ينشد صدر هذا البيت " والعود أحمد " فله جائزة، ففعل الحاجب، فقام شاب من العرب فقال: أنا، قال الحاجب: فأنشدني، قال: لا، إلا أن أشافعه أمير المؤمنين. فدخل الحاجب فأخبره، فقال عبد الملك: هذا رجل قد طال مقامه بالباب وله حاجة، والله لئن دخل علي ولم ينشدني لأعاقبنه، أدخله. فلما دخل وسلم، قال عبد الملك: أنشدنا صدر بيتنا، فقال: يا أمير المؤمنين، حاجتي. قال: وما هي؟ قال: بنو عم لي باعوا ضيعتهم بالسواد، فأدخلوا ضيعتي في ضيعتهم. قال له عبد الملك: فإن أمير المؤمنين قد رد عليك ضيعتك، فأنشدنا صدر بيتنا. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قالت تميم إنه بيتها، قال أوس بن حجر: جزينا بني شيبان صاعاً بصاعهم ... وعدنا بمثل البدء والعود أحمد قال: أخطأت. قال: يا أمير المؤمنين، أبلغني ريقي، قال: قد فعلت، قال: قالت اليمن إنه بيتها، قال امرؤ القيس: فإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فعودي كما نهواك فالعود أحمد قال: أخطأت، قال: يا أمير المؤمنين، قالت ربيعة إنه بيتها، قال المرقش: وأحسن فيما كان بيني وبينه ... وإن عاد بالإحسان فالعود أحمد قال: أصبت، وإنك لظريف، فمن أنت؟ قال: أنا زيد بن عمرو، قال: ممن (١) ؟ قال: من حي جانب عجرفية قيس وعنعنة تميم وكشكشة (٢) ربيعة وصأصأة اليمن وتأنيث كنانة، أنا امرؤ من عذرة، فأمر له بالبدرة.

стр. 266

قلت: البيت الذي أنشده لأوس بن حجر إنما هو لمالك بن نويرة. وقد قال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير فأحسن: بني دارم إن يفن عمري فقد مضى ... شبابي لكم مني ثناء مخلد بدأتم فأحسنتم فأثنيت جاهداً ... وإن عدتم أحسنت، والعود أحمد ٩١؟ باب الصبر على مقاساة الأمور لما في عواقبها من المحامد قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " عند الصباح يحمد القوم السرى " ع: قد فسرعه أبو عبيد (١) ، وبعده: عند الصباح يحمد القوم السرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى وهذا الرجز لخالد بن الوليد، وقيل للجليح بن شريد (٢) التغلبي وقد ذكرته بكماله وبخبره في " باب الجد في طلب الحاجة وترك التفريط فيها "، فقد تكرر هذا المثل هناك وسبق وضع خبره في ذلك الباب (٣) : ومن أمثالهم في هذا " لا تدرك الراحة إلا بالتعب " نظمه أبو تمام فقال (٤) :

стр. 267

على أنني لم أحو وفراً مجمعاً ... ففزت به إلا بشمل مبدد ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذ به إلا بنوم مشرد قال أبو عبيد: ومثله قولهم " غمرات ثم ينجلين " (١) ع: [وقال أبو حاتم] زعموا أن صبياً من العرب نظر إلى قوم يطعمون فأرادهم فجاء سيل، فحال بينه وبينهم، فألقى نفسه في الماء، فهو ينغط مرة ويرتفع أخرى (٢) ويقول " غمرات (٣) ثم ينجلين (٤) "، حتى تخلص ووصل إلى حاجته. والغمرات على هذا جمع غمرة الماء، وكذلك غمرة الدنيا: ما غمر القلب منها. قال الله ﴿بل هم في غمرة ساهون﴾ (الذاريات: ١١) وغمرات الحروب والفتن والخصومات. ويقال: فلان مغامر أي يلقي نفسه في الغمرات. قال مالك بن نويرة: أعللهم عنه (٥) لنغبن دونهم ... وأعلم؟ غير الظن؟ أني مغامر وقد ورد هذا المثل في رجز لبعضهم، قال: نقارع السنين عن بنينا ... والغمرات ثم ينجلينا

стр. 268

فراغ

стр. 269

الباب السابع أبواب أمثال الخلة والصفاء ٩٢ -؟ مثل المتخالين المتصافيين اللذين لا يفترقان ذكر أبو عبيد خبر ندماني جذيمة وأنشد بيتي متمم: وكنا كندماني جذيمة حقبة.. قال: وفي هذين النديمين يقول الشاعر في سالف الدهر: ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا (١) صفاء مالك وعقيل قال: ومن هذا، البيت السائر في العالم (٢) : وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ع: قول متمم لطول اجتماع: اللام بمعنى مع، يريد: مع طول اجتماع. ذكر ذلك القتبي. والبيت الذي قال، يقوله الشاعر في سالف الدهر لشاعر أدرك

стр. 270

الإسلام وهو أبو خراش الهذلي، قال أبو خراش يرثي أخاه عروة (١) : تقول أراه بعد عروة لاهياً ... وذلك رزء؟ لو علمت - جليل فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكن صبري يا أميم جميل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... .................. (البيت) وقوله: إلا الفرقدان: [الفرقدان] في موضع النعت لكل وإلا في موضع غير كأنه قال: غير الفرقدين. والبيت لعمرو بن معد يكرب، هكذا قال الجرمي في كتاب سيبويه. وقال أبو الحسن: هو لسوار بن المضرب (٢) وقد نسب إلى عامر الأسدي الحضرمي، ولم يقع فيما رويناه من شعر عمرو بن معد يكرب، ومثله قول الآخر (٣) : وكل أخ مفارقه أخوه ... فراق الشحط (٤) إلا ابني شمام (٥) وأصح من هذين البيتين قول الشاعر في الإسلام (٦) : ولم أر ما يدوم له بقاء ... سيفترق اجتماع الفرقدين وقال العتابي:

стр. 271

قلت للفرقدين والليل ملقٍ ... سود أكنافه على الآفاق ابقيا ما بقيتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق قال أبو عبيد: ومنه قولهم في ابني شمام وهما جبلان. ع: المثل المعروف في هذا " أطول صحبة من ابني شمام ". والأفصح فيه شمام، معدول مثل قطام، وقد أنشدنا البيت الشاهد عليه. ٩٣ -؟ باب عناية الرجل بأخيه وإيثاره إياه على نفسه قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " لك ما أبكي ولا عبرة بي " يضرب للرجل يشتد اهتمامه بشأن أخيه. ع: قال أبو زيد: معناه أبكي من أجلك، ولا حزن بي في خاصة نفسي. قال أبو عبيد: ومن الإيثار قول الشاعر (١) : أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم ع: البيت لأبي خراش الهذلي. وشجاع الجوع: أشده مأخوذ من الشجاعة، وهي شدة القلب. وقيل: يريد بشجاع الجوع: حية البطن التي تهيج على صاحبها

стр. 272

إذا جاع وهي الصفر. وقبل البيت: وإني لأطوي الجوع حتى تملني ... (١) حياتي لم تدنس ثيابي ولا جسمي أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم مخافة أن أحيا برغمٍ وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم (٢) ٩٤؟ باب صفة الأخ المستمسك (٣) بإخاء صديقه قال أبو عبيد: فإذا أرادوا به أنه لا يخالفه في شيء قالوا " هو على حبل ذراعك " (٤) والحبل: عرق في اليد. ع: قال أبو بكر وغيره: العرب تقول: الأمر على حبل ذراعك، أي ممكن لك كما تقول: هذا الأمر على طرف الثمام إذا كان ممكناً قريباً. وكل عرق غليظ يسمى حبلاً. قال الله تعالى ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ (ق: ١٦) (٥) .

стр. 273

٩٥ -؟ باب سرعة اتفاق الأخوين (١) في التحاب والمودة قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في نحو هذا: " كانت لقوة صادفت قبيساً " وقال سلمة: هي عندنا لقوة؟ مفتوحة -. ع: لقوة ولقوة؟ بالكسر والفتح؟ لغتان فاشيتان فصيحتان، حكاهما يعقوب وغيره. قال أبو عبيد: ومنه حديث عبد الله " الأرواح جنود مجندة فما تعاف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ". ع: ذكر أبو عبيد أن هذا الحديث لعبد الله؟ يعني ابن مسعود؟ وهو حديث مسند عن النبي ﷺ رواه أبو داود قال: نا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء قال: نا أبي نا جعفر بن برقان عن يزيد عن أبي هريرة يرفعه: " الأرواح جنود مجندة ". وقد أسنده البخاري في كتابه الصحيح وغيره، ولا شك أنه من حديث النبي ﷺ ، والتقاؤها حين يتوفاها الله في منامها فتلتقي حينئذ وإن لم تلتق أجسامها فتعارف وتناكر. وإلى هذا المعنى أشار أبو الطيب بقوله: أصادق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم

стр. 274

وقال آخر؟ وهو طرفة؟ في أبيات كلها حكم وشواهد (١) : وأنت امرؤ منا ولست بخيرنا ... جواد على الأقصى وأنت بخيل وأنت على الأدنى شمال عرية ... (٢) شامية تزوي الوجوه بليل وأنت على الأقصى صباً غير قوة ... (٣) تذاءب منها مرزغ ومسيل وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... (٤) إذا ذل مولى المرء فهو ذليل فإن لسان المرء ما لم تكن له ... (٥) حصاة على عوراته لدليل وإن امرءاً لم يعف يوماً فكاهةً ... (٦) لمن لم يرد سوءاً به لجهول تعارف أرواح الرجال إذا التقت ... فمنهم عدو يتقى وخليل قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو " وافق شناً طبقه " وذكر في تفسيره قولين. ع: القول الذي نسبه إلى بعض أهل العلم هو قول ابن الكلبي، زعم أنه شن بن أفصى بن عبد القيس وأن طبقاً حي من إياد، أوقعت شن بطبق ثم أوقعت طبق بشن وقعة انتصفت منها، فقال الشاعر (٧) :

стр. 275

لقيت شن إياداً بالقنا ... ولقد وافق شن طبقه وذكر فيه علي بن عبد العزيز قولاً ثالثاً قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الله الهروي (١) أن قولهم " وافق شن طبقه " كانا رجلين كاهنين في الجاهلية، سئل كل واحد منهما بغير محضر صاحبه عن شيء فاتفقا فقيل " وافق شن طبقه ". وذكر الشرقي بن القطامي فيه قولاً رابعاً: زعم أن شناً كان من دهاة العرب وعقلائها فجعل يضرب في الأرض رجاء أن يظفر بامرأة مثله في العقل والدهاء فيتزوجها، فبينما هو في مسيره وافقه رجل اتفقت نيتهما على إتيان موضع ما، فأقبل شن على الرجل في طريقه فقال له: أتحملني أم أحملك؟ فاستجهله الرجل في قوله وقال له: أنت راكب وأنا ركب فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكت شن عنه، وسارا، حتى قربا من قرية فإذا زرع قد استحصد، فقال شن لرفيقه: أأكل هذا الزرع أم لا؟ فقال له: قد جئتنا أيضاً بمحال، فسكت عنه ولم يجبه، [وسارا حتى قربا من قرية] (٢) فدخلا القرية فتلقتهما جنازة فقال شن لرفيقه: أحياً ترى من على هذا النعش أو ميتاً؟ فأمسك عن جوابه استجهالاً له، وعدل إلى منزل به، وكان للرجل بنت تسمى طبقة، فسألت أباها عن ضيفه، فقال: هو أجهل من لقيت من الناس، وقص عليها خبره فقالت: يا أبة، ما هذا إلا عالم فطن ولكل ما قاله معنى. أما قوله: أتحملني أم أحملك فإنه أراد: أتحدثني أم أحدثك حتى نميط عنا (٣) كلال السفر. وأما قوله: أأكل هذا الزرع فإنما يريد: هل باعه أصحابه فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله في الجنازة أحياً تراه أم ميتاً فإنما أراد: هل له عقب يحيا به ذكره أم لا. فخرج الرجل إلى شن وفسر له ما كان رمز له به فقال شن: ما أنت بصاحب هذه الفطنة فأنبئني من صاحبها. قال: بنت لي. فخطبها فأنكحها منه، وكانت

стр. 276

تسمى طبقة، فقال الناس: " وافق شن طبقة، وافقه فاعتنقه ". قال أبو عبيد: يقال: " وقعت عليه رخمته " إذا وافقه وأحبه. ع: الرخمة: المحبة واللين، ومنه كلام رخيم أي سهل لين، وقال الخليل: رخمت فلاناً رخمة بمعنى رحمته سواء. ٩٦ -؟ باب الإفراط في التواد وما يكره منه ويحب من الاقتصاد قال أبو عبيد: [ومنه الحديث] : " أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ". ومنه قول النمر بن تولب (١) : وأحبب حبيبك حباً رويداً ... فليس يعولك أن تصرما ع: الحديث الذي ذكره مروي عن رسول الله ﷺ ، رواه هارون بن محمد الأهوازي عن ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن علي عن النبي ﷺ . وأسقط أبو عبيد البيت الثاني الذي به يقوم معنى الحديث المتقدم، وهو:

стр. 277

وأبغض بغيضك بغضاً رويداً ... إذا أنت حاولت أن تحكما قوله: أن تحكما أي أن تكون حكيماً، يقال: حكم يحكم: إذا صار حكيماً، ومنه قول الذبياني (١) : احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد أي كن حكيماً. وروى أبو عبيد: إذا أنت حاولت أن تحكما، وقال هدبة بن خشرم (٢) : وأحبب إذا أحببت حباً مقارباً ... فإنك لا تدري متي أنت نازع وأبغض إذا أبغضت بغضاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى أنت راجع ٩٧ - باب اقتداء الرجل بخليله وقرينه قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي (٣) " من فسدت عليه بطانته كان كم غص بالماء " يعني أنه لا دواء له، من أجل أن الغاص بالطعام إنما غياثه الماء فإذا كان الماء هو الذي يغصه فلا حيلة له. قال عدي بن زيد (٤) : لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري

стр. 278

ع: يقوله عدي بن زيد في سجن النعمان بن المنذر يخاطبه، وقبله: أبلغ النعمان عني مالكاً ... أنني قد طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شرق ... ........................... يقول: لو شرقت بغير الماء أسغت شرقي الماء، فإذا غصصت بالماء فبم أسيغه؟ والاعتصار: الملجأ والحرز وهو العصر والعصرة. قال أبو زبيد (١) : ولقد كان عصرة المنجود (٢) ... يقول: فأنت ملجأي وحرزي من الناس فإذا أتيت من قبلك فإلى من ألجأ؟ ومن أمثالهم: " يا ماء لو غصصت بغيرك أجزت بك ". وقال إبراهيم بن العباس فأحسن (٣) : وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا غيره (٤) : كنت من محنتي أفر إليهم ... فهم محنتي فأين الفرار

стр. 279

٩٨ -؟ باب تخويف الرجل صديقه بالهجران قال أبو عبيد: قال الأموي: من أمثالهم في هذا قول الرجل لأخيه: " والله لئن فعلت كذا وكذا لتكونن بلدة ما بيني وبينك ". ع: البلدة هنا القطيعة، مأخوذة من بلدة الحاجبين؟ وهي فرجة ما بينهما؟ وانقطاع شعر أحدهما من الآخر. وهي البلجة، والبلدة: فرجة ما بين النعائم وسعد الذابح؟ وليس بكوكب؟ إنما هو موضع صغير خال ليس فيه كوكب، شبه بالبلدة التي بين الحاجبين. وهكذا صحت روايته عن أبي عبيد " وبينك "؟ بالنصب؟ وهو معطوف على ما، وموضعها جر، كما أنشد سيبويه (١) : فإن لم تجد من دون عدنان واحداً ... (٢) ودون معد فلتزعك الأوائل قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هجر (٣) الرجل صاحبه " تركه ترك الظبي ظله " وذلك أنه إذا نفر من شيء لم يرجع إليه أبداً. ع: نقل أبو علي عن أبي زيد " لأتركنك ترك ظبي ظلاً " يريد كما

стр. 280

استظل ظبي بخمر ثم تركه. ورأيت في كتاب الأمثال للأصمعي، أن الظبي إذا استظل بظل فنفره منه منفر أو أفزعه مفزع لم يعد إليه أبداً. قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومنه قولهم " ضرب في جهازه ". ع: العرب تقول للبعير إذا شرد، " ضرب في جهازه " فيضرب هذا المثل لمن صرف عن وجهه الذي يريده، وكذلك الشارد من الإبل يعدل عن طريقه ويركب غير الطريق. قال الأصمعي: إذا أرادوا أنه نفر فلم يعد قالوا: ضرب في جهازه. وأصله في البعير الذي يسقط عن ظهره القتب بأداته فيقع بين قوائمه فينفر منه حتى يذهب في الأرض، ذكر هذا التفسير عن الأصمعي أبو عبيد في باب الجبن، ومعناه خولف وصرف عن وجهه الذي يريده. ٩٩ -؟ باب استعانة (١) الرجل بإخوانه قال أبو عبيد: ومنه قول القطامي (٢) : وإذا يصيبك والحوادث جمة ... حدث حداك إلى أخيك الأوثق ع: وبعده: وهم الرجال وكل ذلك منهم ... تجدن في رحب وفي متضيق إن الرجال إذا طلبت إليهم ... منهم خليل ملاذةٍ وتملق

стр. 281

وأخو مكارمةٍ على علاته ... فوجدت خيرهم خليل المصدق قال أبو عبيد: يقال في نحو منه: " لمثل هذا كنت أحسيك الحسا " ع: هكذا أورد أبو عبيد المثل عهذا على أنه غير موزون ولا شطر من رجز، وفسره. وقد أتى في رجز الأغلب العجلي موزوناً، قال: يذكر شأن مسيلمة الحنفي وامرأته سجاح المتنبئين (١) : كأن عرق فعله إذا ودى ... حبل عجوز ضفرت سبع قوى يمشي على قوائم خمسٍ (٢) زكا ... يرفع وسطاهن من برد الندى قالت متى كنت أبا الخير؟ متى؟ ... قال: حديثاً لم يغيرني البلى ولم أفارق خلةً لي عن قلى ... فانتفشت فيشته ذات الشوى كأن في أجيادها سبع كلى ... ما زال عنها بالحديث والمنى والخلق السفساف يردي في الردى ... قال: ألا ترينه؟ قالت: أرى قال: ألا ألحمه (٣) ؟ قالت: بلى ... فشام فيها مثل محراث الغضا تقذف عينه بمثل المصطكى ... يقول لما غاب فيها واستوى " لمثلها كنت أحسيك الحسا " ... وأنشد أبو عبيد لمسكين الدارمي (٤) : أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح

стр. 282

ع: نسبه أبو جعفر ابن النحاس في كتابه الذي عمله في أبيات كتاب سيبويه إلى ابن هرمة. ١٠٠ -؟ باب مشاركة الرجل أخاه في الرفاهية وخذلانه إياه في الشدائد قال أبو عبيد: ومن أشعارهم في هذا، قولهم (١) : " موالينا إذا افتقروا إلينا ... وإن أثروا فليس لنا موال (٢) " ع: ومثله قول الآخر (٣) : إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب وأنشد يعقوب في مثله (٤) : أبو راشد مولاي ما طل حقه ... وإن كانت الأخرى فمولى بني سهم وقال أبو بكر الخوارزمي في ضد هذه الصفة، يمدح: أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... لزاماً وإن أعسرت زرت لماما فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما

стр. 283

ووصف النبي ﷺ الأنصار بنحو هذه الصفة فقال: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ". وقال عنترة (١) : يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم قال أبو عبيد: وإذا ضيع الرجل حق أخيه في حياتهن ثم بكاه بعد موته فإن مثلهم السائر في هذا قول الشاعر: " لأعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي " ع: البيت لعبيد بن الأبرص، ويروى: لا أعرفنك. ولا زائدة مؤكدة كما قال الله تعالى لا قسم، وقرأ ابن كثير: لأقسم، ويحتمل أن يريد: لا أعرفن ندبتك لي بعد موتي ولا بكاءك علي إن فعلت ذلك، ولا يصل إليّ، وأما في حياتي فلم تصلني بل ضيعت حق إخائي وودي. وروى ابن أبي أويس: قال حدثني محمد بن طلحة قال: قال طلحة بن عبيد الله: خرجت مع عمر في بعض أسفاره، فإذا براكب على الطريق فقال: ما وراءك؟ قال: أمر جليل. قال: ويحك! ما هو؟ قال: مات خالد بن الوليد. فاسترجع عمر ﵁ استرجاعاً طويلاً. فقلت له: يا أمير المؤمنين: ألا أراك بعيد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي فقال: يا طلحة لا تؤنبني. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " من فاز بفلان فاز بالسهم

стр. 284

الأخيب " وهذا المثل يروى عن علي ﵁ في بعض ما كان يستبطئ من أصحابه. ع: ويروى: فاز بقدح الأخيب، أي الخيبة كما قال العجاج: رمى سواداً فأصاب الأخيبا ... يريد الخيبة. ١٠١ -؟ باب معاتبة الإخوان وفقدهم قال أبو عبيد: إذا استعتب الأخ فلم يعتب فإن مثلهم في هذا " لك العتبى بأن لا رضيت ". وهو محول عن موضعه لأن أصل العتبى رجوع المستعتب إلى محبة صاحبه، وهذا على ضده، يقول: أعتبك بخلاف رضاك. ومنه قول بشر ابن أبي خازم (١) : غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم ع: إنما معنى المثل: الذي يقوم لك مقام العتبى أن لا ترضى وأن يقال لك: لا رضيت أبداً، كما قال تعالى ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ (آل عمران: ٢١، والتوبة: ٣٤، والانشقاق: ٢٤) أي الذي يقوم لهم مقام البشارة للمبشرين، العذاب الأليم. وأما قول بشر وهو أسدي: فإنه كان من شأن يوم النسار (٢) ، وذلك أن أسداً وطيئاً غطفان احتلفت وغزت بني عامر يوم النسار فقتلوا بني عامر قتلاً

стр. 285

شديداً، فغضبت تميم لبني عامر، فتجمعوا معهم حتى لقوا الأحلاف أسداً وطيئاً وغطفان يوم الجفار، فقتلت تميم أشد مما قتلت عامر، فقال بشر بن أبي خازم (١) : غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصليم كانوا إذا نعروا لحربٍ نعرةً ... يشفى صداعهم برأس مصدم فقال ضمرة بن ضمرة النهشلي: الخمر علي حرام حتى يكون يوم يكافئه، فأغار ضمرة على الأحلاف يوم ذات الشقوق فقتلهم وقال يرد على بشر بن أبي خازم (٢) : الآن ساغ لي الشراب ولم أكن ... (٣) آتي التجار ولا أشد تكلمي حتى صبحت على الشقوق بغارةٍ ... (٤) كالتمر ينثر من جرين الجرم ومشت نساء بالنساء عواطلاً ... (٥) من بين عارفة النساء وأيم ذهب الرماح بزوجها فتركنه ... في صدر معتدل القناة مقوم قال أبو عبيد: (٦) ومن أمثالهم في ترك العتاب قول الشاعر: " وليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه " ع: البيت لبشار بن برد، وقبله (٧) :
следующие страницы →