← Адаб

Адаб · id 1025

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

أبو عبيد البكري

Полный текст (530 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأخو مكارمةٍ على علاته ... فوجدت خيرهم خليل المصدق قال أبو عبيد: يقال في نحو منه: " لمثل هذا كنت أحسيك الحسا " ع: هكذا أورد أبو عبيد المثل عهذا على أنه غير موزون ولا شطر من رجز، وفسره. وقد أتى في رجز الأغلب العجلي موزوناً، قال: يذكر شأن مسيلمة الحنفي وامرأته سجاح المتنبئين (١) : كأن عرق فعله إذا ودى ... حبل عجوز ضفرت سبع قوى يمشي على قوائم خمسٍ (٢) زكا ... يرفع وسطاهن من برد الندى قالت متى كنت أبا الخير؟ متى؟ ... قال: حديثاً لم يغيرني البلى ولم أفارق خلةً لي عن قلى ... فانتفشت فيشته ذات الشوى كأن في أجيادها سبع كلى ... ما زال عنها بالحديث والمنى والخلق السفساف يردي في الردى ... قال: ألا ترينه؟ قالت: أرى قال: ألا ألحمه (٣) ؟ قالت: بلى ... فشام فيها مثل محراث الغضا تقذف عينه بمثل المصطكى ... يقول لما غاب فيها واستوى " لمثلها كنت أحسيك الحسا " ... وأنشد أبو عبيد لمسكين الدارمي (٤) : أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح

стр. 282

ع: نسبه أبو جعفر ابن النحاس في كتابه الذي عمله في أبيات كتاب سيبويه إلى ابن هرمة. ١٠٠ -؟ باب مشاركة الرجل أخاه في الرفاهية وخذلانه إياه في الشدائد قال أبو عبيد: ومن أشعارهم في هذا، قولهم (١) : " موالينا إذا افتقروا إلينا ... وإن أثروا فليس لنا موال (٢) " ع: ومثله قول الآخر (٣) : إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب وأنشد يعقوب في مثله (٤) : أبو راشد مولاي ما طل حقه ... وإن كانت الأخرى فمولى بني سهم وقال أبو بكر الخوارزمي في ضد هذه الصفة، يمدح: أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... لزاماً وإن أعسرت زرت لماما فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما

стр. 283

ووصف النبي ﷺ الأنصار بنحو هذه الصفة فقال: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ". وقال عنترة (١) : يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم قال أبو عبيد: وإذا ضيع الرجل حق أخيه في حياتهن ثم بكاه بعد موته فإن مثلهم السائر في هذا قول الشاعر: " لأعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي " ع: البيت لعبيد بن الأبرص، ويروى: لا أعرفنك. ولا زائدة مؤكدة كما قال الله تعالى لا قسم، وقرأ ابن كثير: لأقسم، ويحتمل أن يريد: لا أعرفن ندبتك لي بعد موتي ولا بكاءك علي إن فعلت ذلك، ولا يصل إليّ، وأما في حياتي فلم تصلني بل ضيعت حق إخائي وودي. وروى ابن أبي أويس: قال حدثني محمد بن طلحة قال: قال طلحة بن عبيد الله: خرجت مع عمر في بعض أسفاره، فإذا براكب على الطريق فقال: ما وراءك؟ قال: أمر جليل. قال: ويحك! ما هو؟ قال: مات خالد بن الوليد. فاسترجع عمر ﵁ استرجاعاً طويلاً. فقلت له: يا أمير المؤمنين: ألا أراك بعيد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي فقال: يا طلحة لا تؤنبني. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " من فاز بفلان فاز بالسهم

стр. 284

الأخيب " وهذا المثل يروى عن علي ﵁ في بعض ما كان يستبطئ من أصحابه. ع: ويروى: فاز بقدح الأخيب، أي الخيبة كما قال العجاج: رمى سواداً فأصاب الأخيبا ... يريد الخيبة. ١٠١ -؟ باب معاتبة الإخوان وفقدهم قال أبو عبيد: إذا استعتب الأخ فلم يعتب فإن مثلهم في هذا " لك العتبى بأن لا رضيت ". وهو محول عن موضعه لأن أصل العتبى رجوع المستعتب إلى محبة صاحبه، وهذا على ضده، يقول: أعتبك بخلاف رضاك. ومنه قول بشر ابن أبي خازم (١) : غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم ع: إنما معنى المثل: الذي يقوم لك مقام العتبى أن لا ترضى وأن يقال لك: لا رضيت أبداً، كما قال تعالى ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ (آل عمران: ٢١، والتوبة: ٣٤، والانشقاق: ٢٤) أي الذي يقوم لهم مقام البشارة للمبشرين، العذاب الأليم. وأما قول بشر وهو أسدي: فإنه كان من شأن يوم النسار (٢) ، وذلك أن أسداً وطيئاً غطفان احتلفت وغزت بني عامر يوم النسار فقتلوا بني عامر قتلاً

стр. 285

شديداً، فغضبت تميم لبني عامر، فتجمعوا معهم حتى لقوا الأحلاف أسداً وطيئاً وغطفان يوم الجفار، فقتلت تميم أشد مما قتلت عامر، فقال بشر بن أبي خازم (١) : غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصليم كانوا إذا نعروا لحربٍ نعرةً ... يشفى صداعهم برأس مصدم فقال ضمرة بن ضمرة النهشلي: الخمر علي حرام حتى يكون يوم يكافئه، فأغار ضمرة على الأحلاف يوم ذات الشقوق فقتلهم وقال يرد على بشر بن أبي خازم (٢) : الآن ساغ لي الشراب ولم أكن ... (٣) آتي التجار ولا أشد تكلمي حتى صبحت على الشقوق بغارةٍ ... (٤) كالتمر ينثر من جرين الجرم ومشت نساء بالنساء عواطلاً ... (٥) من بين عارفة النساء وأيم ذهب الرماح بزوجها فتركنه ... في صدر معتدل القناة مقوم قال أبو عبيد: (٦) ومن أمثالهم في ترك العتاب قول الشاعر: " وليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه " ع: البيت لبشار بن برد، وقبله (٧) :

стр. 286

إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرةً ومجانبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه وليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... ..................... قال أبو عبيد: وقال آخر (١) : ودع العتاب فرب شر هاج، أوله العتاب ... ع: ضمنه بعض المحدثين شعراً أوله: هبوا إلى حلب الكرو ... م مزاجها حلب السحاب ودعوا العتاب فإنه ... وقت يضيق عن العتاب ما العيش إلا في المدا ... م تحثه نعم الكعاب وقال ابن الرومي في هذا فأحسن: ترددت حتى لم أجد متردداً ... وأمللت أقلامي عتاباً مرددا كأني أستدني بك ابن حنيةٍ ... إذا النزع أدناه إلى الصدر أبعدا ١٠٢؟ باب نصيحة الرجل أخاه قال أبو عبيد: رووا (٢) عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: رحم الله رجلاً

стр. 287

أهدى إلينا عيوبنا. ع: قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا خرج من المدينة فأقام قال لأصحابه: من بدا جفا فرحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا. قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث " المؤمن مرآة أخيه ". ع: نظمه ابن الرومي فقال: أنا كالمرآة ألقى ... كل وجه بمثاله وقال منصور الفقيه: إن المرائي لا تريك خدوش وجهك في صداها ... وكذاك نفسك لا تريك عيوب نفسك في هواها ... نظم قول الحكيم: ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إذا لم يصدئها الهوى. وقال الخليل: عقل من يعقل مرآ ... ة يرى فيها فعاله فإذا أخلصها الله ... صفاءً وصقاله فهي تعطي كل حي ... ناظر فيها مثاله وأنشد أبو عبيد في (١) قول الشاعر (٢) :

стр. 288

ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل الأبيات الثلاثة (١) . ع: وهي لمعن بن أوس المزني.

стр. 289

الباب الثامن أبواب الأمثال في المعاش والأموال ١٠٣ -؟ باب المثل في الخصب والسعة [قال أبو عبيد] قال أبو عبيدة والأصمعي جميعاً: من أمثالهم في ثرة الخصب والخير قولهم " هم في عيش (١) لا يطير غرابه "، قالا: وقد يضرب هذا المثل في الشدة أيضاً. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الخير قول النابغة (٢) : " ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابها بمطار " (٣)

стр. 290

ع: يريد النابغة سعة مجدهم وتمكنه، والسورة: المنزلة الرفيعة، وكانوا إذا وصفوا المكان بالخصب وكثرة الشجر يقولون " لا يطير غرابه " يريدون أنه إذا وقع في مكان وجد ما يحسبه فلا يحتاج أن يتحول ولا يطير إلى غيره، ويكون أيضاً أن أهل ذلك الموضع المخصب لا يطيرون عما يقع عليه لكثرة الشيء عندهم وهوانه عليهم. وأما قول أبي عبيد: إن هذا المثل أيضاً يضرب في الشدة فلأن الزمان إذا اشتد والجدب إذا أفرط هلك المال وجيف فيقع الغراب منه حيث يشاء ويأكل هو وسائر سباع الطير وغيره كيف أحب، لا يطار منه شيء ولا يهاج، وعلى هذا المعنى قالوا: " نعيم كلب في بؤس أهله "، وقال الشاعر: أراني إذا ما الكلب أنكر أهله ... أفدى وحين الكلب جذلان نابح إذا أنكر الكلب أهله: إذا لبسوا السلاح للحرب لم يعرفهم الكلب، كما قال طفيل (١) : أناس إذا ما أنكر الكلب أهله ... حموا جارهم من كل شنعاءً مضلع (٢) يقول الشاعر: أفدى في ذلك الوقت لأني أقاتل عنهم، وحين الكلب جذلان في الجدب إذا موتت الإبل أكل وفرح، أفدى لأني أفضل وأطعم. قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في الخصب " وقع في سن (٣) رأسه " أي فيما شاء واحتكم.

стр. 291

قال أبو زيد: تفسير سن رأسه: عدد شعره من الخير. [ع] : قال يعقوب: يقال في سي رأسه من الخير أي فيما يغمر رأسه من الخير. وقال الكسائي: وقع فلان في سواء رأسه؟ بكسر السين؟ والناس كلهم على فتحها، والقياس ما قال الكسائي، لأنه مصدر ساوى سواء. قال أبو عبيد: ومنه قولهم " وجدت الدابة ظلفها " أي ما يوافقها، وتكون فيه إرادتها، وكذلك الإنسان. ع: هذا من قولهم: ظلف فلان نفسه عن كذا إذا نزه نفسه وكفها عنه، فهو ظلف النفس وظليفها، وكذلك قولهم: وجدت الدابة (٢) ظلفها أي ما يكفيها ويكفها عن طلب غيره. ١٠٤ -؟ باب كثرة المال والخير يقدم به الغائب قال أبو عبيد: يقال: " جاء فلان بما صأى وصمت " يعني بما نطق وسكت (٢) .

стр. 292

ع: يقال: صأى الفرخ وغيره يصأى صأياً، وصاء يصيء صيأً إذا صوت. وقال المؤلفون لكتب الفروق من اللغويين: الصأي أكثر ما يقال للفيل والجرذ. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم قولهم " عند فلان من المال عائرة عين " (١) ومعناه أنه من كثرته يملأ العين حتى يكاد يعورها أي يفقأها. ع: عبارة أبي عبيد في تفسير هذا المثل فاسدة. قبح الله كل مال يكاد يفقأ العين، وإنما معناه أن هذا المال لكثرته وحسنه صار قيد الناظر وشغل العين عن النظر إلى سواه (٢) ، فكأنه قد عارها عنه، كما قال أبو تمام في النسيب (٣) : لها منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب وقال أبو الطيب في نحوه (٤) : وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا وقالوا: معنى عائرة عين أي يعير فيه البصر هكذا وهكذا لكثرته كما تعير الدابة إذا أفلتت من صاحبها وأخذت حيث شاءت، وكذلك عار الفحل إذا ترك شوله وند.

стр. 293

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المال قولهم " لفلان كحل " و " لفلان سواد ". ع: فسر أبو عبيد لفلان سواد (١) ، ولم يفسر " لفلان كحل "، وقال أبو حنيفة: اكحالت الأرض، وذلك أول ما يبدو نبتها. قال أبو عبيد: ومن أسماء المال عندهم " النشب " يقال: " فلان ذو نشب " ع: اختلف في النشب فقيل إنه يقع على الصامت والناطق، هكذا قال ابن دريد. وقال ابن النحاس: النشب: المال الأصلي كالدار وما أشبهها، ولذلك فرق الشاعر بينهما في قوله (٢) : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب كأنه من نشب الشيء إذا احتبس، ويروى ذا مال وذا نسب؟ بالسين المهملة (٣) .

стр. 294

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في كثرة المال يأتي به الرجل " جاء فلان بالطم والرم " ع: أحسن ما قيل فيه أن الطم ما حمله الماء والرم ما حملته الريح، وقال أبو محمد: الطم البحر والرم الثرى ". وقد قال بعضهم: إن الطم إذا أفرد ولم يذكر الرم، فتح فيل: جاء بالطم، كما يقال: هنأني الطعام ومرأني، فإذا أفردوا لم يقولوا إلا أمرأني. ١٠٥ -؟ باب استصلاح المال وترك إضاعته قال أبو عبيد: من هذا قول أحيحة بن الجلاح (١) " التمرة إلى التمرة تمر والذود إلى الذود إبل " وهو القائل (٢) : استغن أو مت لا يغررك ذو نشب ... من ابن عم ولا عم ولا خال إني مقيم على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان (٣) ذو المال ع: وبعدهما وهي كلها أمثال حكيمة: يلوون ما عندهم من حق أقربهم ... ومن عشيرتهم والمال بالوالي

стр. 295

كل النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا نداي إذا ناديت يا مالي قال أبو عبيد: ومنه البيت السائر في العالم (١) : قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد ع: البيت للمتلمس، وقبله: وأعلم علم حق غير ظن ... وتقوى الله من خير العتاد لحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد قليل المال............ ... ................. (البيت) ١٠٦؟ باب عذر الرجل في إمساك ماله قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المنع: " ليس في كل حين: أحلب فاشرب "، قال: وهذا المثل يروى عن سعيد بن جبير أنه قاله في حديث سئل عنه. ع: روى أبو محمد الأصلي قال: نا النقاش، نا أبو يعلى أحمد بن علي [بن المثنى] ، نا أبو الربيع الزهراني، نا حماد بن زيد، نا أيوب قال: حدثنا سعيد بن جبير يوماً حديثاً أعجبنا، فاتبعته، فقلت: الحديث الذي حدثتناه أعده علي، فقال لي: " ما كل ما تشاء أحلب فاشرب " (٢) .

стр. 296

١٠٧ - باب الجد يعطاه الإنسان قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجدود " عارك بجد أو دع " أي من لم يكن له ذلك في شيء فليدعه. ومنه قول الشاعر: عش بجد لا يضرك النوك ما أعطيت جدا ... ع: عارك أي عارك أخدانك وزمانك من قولهم: تعارك القوم في الحرب عراكاً ومعاركةً. وأما البيت الذي أنشده فإن بعده (١) : والموت خير في ظلال العيش ممن عاش كدا ... وقال آخر في معناه (٢) : عش بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود عش بجد وكن هبنقة القي ... سي نوكاً أو شيبة بن الوليد وقال محمد بن حازم الباهلي (٣) : لا تعجبن لأحمق ... نال العلى من غير كده ولعاقل ما يستثيب ... فكلهم يسعى بجده وقال أبو تمام: ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى ... فلكن إذا من جهلهن البهائم

стр. 297

وقال أبو الطيب (١) : هو الجد حتى تفضل العين أختها ... (٢) وحتى يكون اليوم لليوم سيدا وقال الأول: والسبب المانع حظ العاقل ... هو الذي سبب رزق الجاهل قال أبو عبيد: [ومنه قولهم] " جدك لا كدك ". أي إنما تنتفع بالجد لا بالكد. ع: أول من قاله حاتم بن عميرة الهمداني، وكان بعث ابنيه: الحسل وعاجنة أخاه، في تجارة لوجهين مختلفين، فلقي الحسل قوم من بني أسد، فأخذوا ماله وأسروه، وسار أخوه أياماً حتى وقع على مال الحسل، فاتبعه حتى بلغ نجران، فنادى في قومه همدان، فانتشطه من أيدي سالبيه قبل أن يبلغ إلى موضع متجره، وكانت الإبل موسومة بسمة أبيهما، وعرفوا أن ما كان عليها من المتاع له، فأخذه ورجع إلى أهله، فقال في ذلك: كفاني الله بعد السير أني ... رأيت الخير في السفر القريب وهذا القرب نلنا فيه خيرا ... ولم نلق الخسارة في الدءوب فلما رجع تباشر به أهله، وانتظروا الحسل. فلما أبطأ عليهم رابهم أمره، وبعث (٣) أبوه أخاً له يقال له " شاكر " في طلبه والبحث عنه. فلما دنا شاكر من الأرض التي فيها الحسل، وكان الحسل عائفاً يزجر الطير، قال الحسل:

стр. 298

تخبرني بالنجاة القطاة ... وقول الغراب لها شاهد تقول ألا قد دنا نازح ... فداء له الطارف التالد أخ لم تكن أمنا أمه ... ولكن أبونا أب واحد تداركني رأفةً حاتم ... فنعم المربب والوالد تداركني بك يا شاكر ... ومن بك الملك الماجد ثم إن شاكراً سأل عنه فأخبر بمكانه فاشتراه منهم بأربعين بازلاً. فلما رجع به وأخبره بما لقي من البلاء، قال له أبوه: " اسع بجدك لا بكدك ". قال أبو عبيد: ومن هذا قول الشاعر (١) : هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها ع: بين البيتين: فمنه إذا شاء تيسيرها ... ومنه إذا شاء تعسيرها وبه يتم المعنى. والشعر للأعور الشني (٢) ، قال سيبويه: رفع، فقال: " ولا قاصر " لأنه جعل المنهي من سبب الأمور ولم يجعله من سبب المنهي. وجره قوم، فجعلوا المأمور للمنهي، والمنهي من الأمور، فهو بعضها، فأجراه كما قال جرير (٣) : إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم

стр. 299

١٠٨ -؟ باب المال يضيعه من لم يكسبه قال أبو عبيد: [المثل] في اكتساب المرء مال غيره " رب ساع لقاعد ". ع: أول من قال ذلك النابغة الذبياني، وكان وفد على النعمان بن المنذر في وفود العرب، منهم رجل من عبس يقال له " شقيق " فمات عنده، فلما حبا الوفود بعث إلى أهل شقيق بمثل ما حبا به الوفود [فقال النابغة: رب ساعٍ لقاعد] وقال النابغة للنعمان: أبقيت للعبي فضلاً ونعمةً ... ومحمدة من باقيات المحامد أتى أهله منه حياء ونعمة ... ورب امرئ يسعى لآخر قاعد وذكر أبو محمد الهمداني أن أول من قال " رب ساع لقاعد " معاوية أبي سفيان، وكان من خبر ذلك أنه قال لابنه يزيد: هل بقي في نفسك أرب من الدنيا؟ قال: نعم، أم خالد امرأة عبد الله بن عامر بن كريز. وكان عبد الله عامل معاوية على البصرة، فأمر عمرو بن العاص أن يكتب إليه يشير عليه بالوفادة على أمير المؤمنين معاوية لعله يعمل له في تزويج هند بنت معاوية. فخف لذلك ابن عامر حتى وصل إليه. فأزلفه معاوية وقربه، ثم غفل عنه، فساء ذلك عبد الله بن عامر، وشكا أمره إلى عمرو بن العاص. فقال له عمرو: إنه كره أن يدخل ابنته على ضرة فطلق أم خالد، فطلقها، وأقام أياماً؛ فقال له معاوية: غن أهل البصرة تواترت كتبهم يذكرون اضطراباً في البلد، وأمره بالعود إلى عمله، ووعده بإنفاذ ما ابتدأه، فانصرف ابن عامر. فلما انقضت عدة أم خالد بعث معاوية أبا هريرة إلى المدينة يخطبها على يزيد. فلما دخل المدينة بدأ بالمسجد فصلة، وألم بالقبر فسلم ودعا ثم مال إلى حلقة الحسن والحسين فسلم وقعد. فسألوه: فيم قدمت؟ فأخبرهم، فقال له الحسن: اذكرني لها، فمضى حتى استأذن على أم خالد، وخبرها بما بعث له، وبما أوصاه به الحسن. فقالت: بأيهم تشير يا عماه؟ قال: أرددت الأمر إليّ؟ قالت: نعم. قال: فأرى أن لا تؤثري أحداً على

стр. 300

من رأيت رسول الله ﷺ يفتح فاه ويلثم ثناياه، يعني الحسن ﵀. وبلغ الخبر معاوية فقال (١) : " رب ساعٍ لقاعد ... واسلمي أم خالد " ١٠٩؟ باب عناية الرجل بماله دون غيره قال أبو عبيد: وقال أبو عبيد في نحو هذا: لبث قليلاً يلحق الداريون ... أهل الجباب البدن المكفيون " ع: هذا الرجز لمالك بن المنتفق (٢) ، وذلك أن بسطام بن قيس أغار على إبله واستاقها، فكلما اعتاصت عليه ناقة عقرها لجده في السير بها، فقال له مالك: دعها إما لنا وإما لك ثم ارتجز: لبث قليلاً يلحق الداريون ... أهل الجباب البدن المكفيون سوف ترى إن لحقوا (٣) ما يغنون ...

стр. 301

١١٠ -؟ باب صيانة الحر نفسه عن خسيس المكاسب قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي " تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ". قال: وهذا مثل قديم. ولكن العامة ابتذلته وحولته فقالت: لا تأكل ثدييها. قال بعض العلماء: ليس هذا بشيء، وإنما هو بثدييها، ومعناه عندهم الرضاع، يقول: لا تكون ظئراً لقوم على جعل تأخذه منهم. ثم قال: وذكر بعض أهل العلم أن المثل للحارث بن السليل الأسدي، قاله لامرأته ريا (١) بنت علقمة الطائي وذكر خبره. ع: ذكر أبو محمد ابن قتيبة هذا المثل في شرح حديث النبي ﷺ أن الحجاج (٢) سأله: ما يذهب عني مذمة الرضاع. قال: غرة: عبد أو أمة. قال: يعني ذمام المرضعة برضاعها، وكانوا يستحبون أن يرضخوا للظئر شيئاً عند فصال الصبي سوى الأجر. وأما العرب فكانوا يعدون أخذ الأجر على الرضاع سبة، ولذلك قيل: تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها. وقال العلماء: بثدييها، والقولان صحيحان، لأنها إذا أكلت ثمن لبنها فكأنها قد أكلت ثدييها، كما قال الراجز (٣) : إن لنا أحمرة عجافا ... يأكلن كل ليلةٍ إكافا أي نبيع كل يوم إكافاً من آكفتها ونعلفها ثمنه، وكذلك قول الآخر في وصف إبل (٤) : نطعمها إذا شتت أولادها ...

стр. 302

أي أثمان أولادها. وريا بنت علقمة التي ذكر، هي القائلة لزوجها (١) : " مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ ". قال أبو عبيد: وقال أوس بن حارثة لابنه مالك سفينما يوصيه به: " يا مالك، المنية ولا الدنية، وشر الفقر الخضوع، وخير الغنى القنوع ". ع: الخضوع: التذلل للمسئول وهو ذد المعنى الذي أراد أبو عبيد والقنوع ": ضد القناعة. قال الشماخ (٢) : لمال المرء يصلحه فيغني ... (٣) مفاقره أعف من القنوع يعني بذلك السؤال. وإنما قال أوس لابنه: شر الفقر الضراعة، وخير الغنى القناعة. قال أبو عبيد: وقال الشاعر (٤) : فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما استغنى ويبعده الفقر قال: وهذا البيت يقول بعضهم إنه لعثمان بن عفان رضي لله عنه.

стр. 303

ع: كيف جهل أبو عبيد أن هذا البيت من شعر الأبيرد اليربوعي، وهو أشهر في الناس من أن يجهله أحد، فكيف يجهله أحد الجلة من العلماء بفنون العلم؟ يقوله الأبيرد في رثاء أحيه بريد. وبعده: فتىً لا يعد الرسل يقضي مذمةً ... إذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر وسامي جسيمات الأمور فنالها ... على العسر حتى أدرك العسرة اليسر وإنما روي عن عثمان ﵁ أنه قال البيت متمثلاً. ولله در إبراهيم ابن العباس الصولي في قوله (١) : أسد ضارٍ إذا استنجدته ... وأب بر إذا ما قدرا يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقر وقال أيضاً في هذا المعنى فأحسن (٢) : ولكن الجواد أبا هشام ... نقي الجيب مأمون المغيب بطيء عنك ما استغنيت عنه ... وطلاع عليك مع الخطوب ١١١ - باب المال يملكه من لا يستوجبه قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " عبد وخلي في يديه " ع: هكذا أورده أبو عبيد، وإنما يخرج على تقدير مضمر كأنه قال: وخلي في يديه مال أو ما يعيث فيه. ورواه غيره: " عبد وخلي في يديه " والخلى: الرطب من النبات، يكنى به عن المال.

стр. 304

١١٢ -؟ باب احتفاظ الرجل بالعلق الكريم قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة في المال الكثير يكون عند الرجل، وليس عنده من ينفقه عليه، فيقال في هذا " نرهى ولا أكولة " ومثله: " عشب ولا بعير " ع: قال الشاعر: أمرعت الأرض لو أن مالا ... لو أن نوقاً لك أو جمالا وقال آخر (١) : فجنبت الجيوش أبا زنيب ... وجاد على مسارحك السحاب دعا عليه بذهاب إبله وماله، فلا يقصد جيش ليغير عليه، فإنه لا مال له، ولا شيء يؤخذ. ثم دعا لمسارحه بالسقي لتمرع فيكون أشد لحزنه وأبلغ في أسفه، إذ لا راعية له. ويتوجه أيضاً أن يكون دعا له، والوجه الأول أبين. قال أبو عبيد: من الأمثال في الشيء يحض صاحبه على التمسك به: " أشدد يديك بغرزه ". ع: قاله أبو بكر الصديق ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁ يوم الحديبية (٢) : أيها الرجل، إنه لرسول الله فاستمسك بغرزه، فوالله إنه لعلى الحق. والغرز: ركاب الإبل (٣) . وقد غرزت رجلي في الغرز، واغترزت إذا ركبت.

стр. 305

١١٣ -؟ باب اكتساب المال والحث عليه قال أبو عبيد: من ذلك قولهم: " ألق دلوك في الدلاء " وقال الشاعر (١) : وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء تجئك بملئها طوراً، وطوراً ... تجئك بحمأة وقليل ماء ع: الشعر لأبي الأسود الدؤلي يقوله لابنه أبي حرب. وكان أبوه عذله على توكله وقلة تصرفه، فقال له: إن كان لي رزق فسيأتي، فقال البيتين، والرواية عن أبي عبيدة: ما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلاء قال أبو عبيد: من ها قولهم " كلب عس خير من كلب ربض " ع: المعروف في المثل: كلب اعتس خير من كلب ربض. ومعنى اعتس جاء وذهب. ومن هذا قيل للحراس عسس. قال أبو زيد: ويقال جيء به من عسك وبسك. والعس التطوف وجيء به من حسك وبسك، بالفتح والكسر. وحكى الفراء: جيء به من عشك وبسك؟ بالشين معجمة في عشك. قال أبو عبيد: ومنه قولهم " يا حرزا وأبتغي النوافلا " أي أدركت

стр. 306

ما أريد وأنا أبتغي الزيادة. ع: الحرز: الشيء المحروز، كالقبض وهو الشيء المقبوض. أراد يا حرزي فعوض من الياء ألفاً في النداء لخفتها. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن أبا بكر ﵁ كان يوتر من [أول] الليل (١) ، ويقول: يا حرزا وأبتغي النوافلا [وفي رواية أخرى: أحرزت نهبي وأبتغي النوافل] (٢) يريد أنه قد قضى الواجب من الوتر، وأمن فواته، وأحرز أجره فإن استيقظ من الليل تنفل، وإلا فقد خرج من ضمان الواجب وتخلص من عهدته. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المال قولهم " في وجه الما تعرف إمرته " يعني كثرته وزيادته. ع: قال يعقوب: يقال: في وجه مالك تعرف إمرته بكسر الهمزة وتثقيل الميم، وأمرته بفتجح الهمزة وتخفيف الميم، أي نماءه وكثرته.

стр. 307

الباب التاسع أبواب الأمثال في العلم والمعرفة ١١٤ -؟ باب المثل في معرفة الأخبار وصحتها قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في صحة الخبر (١) : " عند جفينة الخبر اليقين " وذكر قول الأصمعي في خبر المثل وقول ابن الكلبي (٢) إلى آخرهما. ع: قال ابن الأنباري: وذكر عن أبي عبيدة حفينة بالحاء المهملة. وقال ابن السكيت في كتاب إصلاح المنطق: جفينة اسم خمار، بالجيم والفاء. وذكر عبيد بن شرية أن هذا المثل للحمام السهمي أبي الحصين بن الحمام، وأن

стр. 308

هاشم بن حرملة أحد بني ضمرة بن مرة جمع على بني سهم بن مرة. فلما رأى ذلك الحصين سار ببني سهم، وبالحرفة، وهم حي من بني وداعة (١) بن جهينة. وإنما سموا الحرقة لأن رجلاً منهم يقال له حميس (٢) انطلق يتصيد، فرمى ظبياً وهو في يبيس على شفير واد عظيم، فأصاب سهمه مروة، فأورت ناراً في ذلك اليبيس فاحترق ذلك الوادي، فسموا الحرقة. فسار بهم الحصين حتى نزل دارة موضوع؟ وهو فضاء بين جبال (٣) - وكان الحمام شيخاً كبيراً لا يمر به أحد إلا سأله هل التقى القوم. فالتقى القوم واقتتلوا قتالاً شديداً، وظهرت سهم وأسر الحصين أسارى كثيرة، فخرج رجل من الحرقة، حتى أتى الحمام فبشره فقال: أسائل كل ركب عن حصينٍ ... وعند جهينة الخبر اليقين قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الخبر " كفى قوماً بصاحبهم خبيرا " ع: تمام البيت على ما أنشده سلمة عن الفراء (٤) : إذا لاقيت قوماً فاسأليهم ... كفى قوماً بصاحبهم خبيرا ويروى " كفى قوماص بعالمهم خبيراً ".

стр. 309

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المعرفة والعلم قولهم " هو ابن بجدتها " وأصله الرجل يكون هادياً (١) خريتاً في الأرض ثم صار ذلك مثلاً لكل عارف ماهر. ع: يقال فلان ابن بجدة هذا الأمر إذا كان عالماً به. وأصله من بجد بالمكان بجوداً إذا أقام به، والمقيم بالموضع الساكن فيه هو العالم به. وقال كراع: يقال فلان من أهل البجد إذا كان من أهل البادية. قال: ومن هذا قالوا: فلان ابن بجدتها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " على هذا دار القمقم " أي إلى هذا صار معنى الخبر. ع: إن كان يريد القمقم المستعمل فهو رومي معرب، وقد تكلمت به العرب. قال عنترة (٢) : حش الإماء به جوانب قمقم (٣) ... ولا أدري ما معنى دوران هذا القمقم (٤) . وحكى أبو حاتم عن العرب: القمقم طرف الحلقوم، وهذا المراد في المثل، والله أعلم، لأنه يدور عند الكلام ويتحرك، وخروج الصوت عليه، فمعنى المثل إلى هذا صار الكلام وعليه دار.

стр. 310

١١٥ - باب الحذق بالأمور وحسن المعاناة لها (١) قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الحذق بالأمر والترفق فيه قولهم: " أنا منه كحاقن الإهالة " والاهالة: الودك المذاب، وليسي يحقنها العالم بها حتى يعلم أنها قد بردت لئلا تحرق السقاء. ع: كل شيء جمعته من لبن أو شراب ثم شددته في سقاء فقد حقنته. ومنه المثل " أبي الحقين العذرة " أي بطل العذر مع حضور اللبن. وبذلك سمي حابس البول حاقناً والحواقن من البطن ما حقن الطعام. والعرب تقول: لا تحقن حواقنك بذواقك. والذواقن: الذقن وما تحته. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " أعط القوس باريها " أي استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق. ع: أول من نطق بهذا المثل الحطيئة. وذلك أنه دخل على سعيد بن العاص وهو يغدي الناس فأكل أكلاً جافياً. فلما فرغ الناس من طعامهم وخرجوا أقام مكانه فأتاه الحاجب ليخرجه، فامتنع وقال: أترغب بهم عن مجالستي؟ إني بنفسي عنهم لأرغب. فلما سم٧ع سعيد ذلك منه وهو لا يعرفه، قال: دعه. وتذاكروا الشعر والشعراء. فقال لهم: أصبتم جيد الشعر، ولو أعطيتم القوس باريها لوقعتم على ما تريدون. فانتبه له سعيد، ونسبه فانتسب له، فقال: حياك الله يا أبا مليكة! ألا أعلمتنا بمكانك ولم تحملنا على الجهل بك فنضيع حقك

стр. 311

ونبخسك قسطك. وأدناه وقرب مجلسه واستنشده ووصله وحباه. وقال الشاعر: يا باري القوس برياً ليس يحسنه ... لا تظلم القوس أعط القوس باريها قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: " المرء يعجز لا المحالة ". يقول: إنما يجيء الجهل متن الناس، فأما العلم والحيل فكثيرة. ع: العرب تقول: ماله حيلة ولا محالة ولا حول ولا حويل بمعنى. وقال أبو الأسود في نظم هذا المثل (١) : أعصيت أمر ذوي النهى ... وأطعت أمر ذوي الجهاله فاحتلت (٢) حين صرمتني ... والمرء يعجز لا المحاله والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله وكان من خبر هذا الشعر (٣) أن ابن عم لأبي الأسود دنيةً كان سيء الخلق، وكان بينهما باب يتطرقون منه. وكان مما يرفق بأبي الأسود ذلك الباب، وأن ابن عمه أراد سده، فقال له بعض بني عمهم: لا تشقن على ابن عمك. دع الباب، فأبى إلا سده، ثم ندم وأراد أن يفتحه لأن الباب كان يرفق بهما جميعاً، فأبى أبو الأسود إلا سده، وقال هذا الشعر، وقال أيضاً: لنا جيزة سدوا المجازة بيننا ... وإن ذكروك السد فالسد أكيس ومن خير ما ألصقت بالدار حائط ... يزل به سفع الخطاطيف أملس

стр. 312

١١٦ -؟ باب الاستخبار عن علم الشيء ومعرفته قال أبو عبيد: وإذا أخبر الرجل بالخبر من غير استخبار ولا ذكر كان لذلك، قيل: " فعل ذلك قبل عيرٍ وما جرى ". ع: قال المفضل الضبي وغيره: العير إنسان العين، وأنشد لتأبط شراً (١) : سوى تحليل راحلةٍ وعيرٍ ... أكالئه مخافة أن يناما ويروى سوى ترحيل. قال: ومنه قولهم: " قبل عير وما جرى "، أي قبل لحظة إنسان بعير عينه، وهو أحد الأقوال في بيت الحارث بن حلزة، وذلك قوله (٢) : زعموا أن كل من ضرب العير موالٍ لنا وأنى الولاء ... يعني: أن كل من أطبق جفناً على عين. وقال المفضل: العير في قولهم: " قبل عير وما جرى " المثال الذي في الحدقة، يقال له اللعبة. وما جرى: أي وجريه. يريد قبل أن يطرف الإنسان. وقال الشماخ (٣) : تعدو القبصى قبل عيرٍ وما جرى ... (٤) ولم تدر ما بالي ولم أدر بالها

стр. 313

القبصى: ضرب من العدو فيه نزو. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في قديم الدهر وحديثه: " ويأتيك بالأخبار من لم تزود ". ع: هذا يروى لطرفة، وقد أنكره بعض الرواة. قال (١) : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد قوله: لم تبع يريد لم تشتر، والبتات: الزاد. قال الأصمعي (٢) : لم يأت بهما أحد عن طرفة غير جرير بن الخطفى. ١١٧ -؟ باب الانتهاء إلى غاية العلم قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا أن يقال " بلغ فلان من العلم أطوريه " بكسر الراء. أي بلغ أقصاه. وسمعت غيره من علمائنا يقول: أطوريه بفتح الراء. ع: هكذا حكاها أبو زيد وغيره. الطور: الحد. ومنه قولهم: تعدى فلان طوره، وملكت الدار بطورها وطوارها، أي بمنتهى حدودها. ومنه قولهم

стр. 314

لا تطر حرى (١) فلان، أي لا تدخل طوار داره. وحكى اللحياني أو غيره هذه الدار أطور من هذه، أي أوسع حدوداً وساحة. فأطوريه جمع أطور. يراد بلغ من العلم أقصى حدوده. ومن قال أطوريه فإنه تثنية أطور يعني حدي الطول والعرض. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العلم " إن العالم كالحمة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء ". ع: تمام هذا الحديث ويروى عن بعض السلف (٢) : العالم كالحمة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء، قال: فبينما هم كذلك إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم، وبقي قوم يتفكنون؟ أي يتندمون؟ تفكن تفكناً إذا تندم. وقرأ أبو حزام العكلي: ﴿فظلتم تفكنون﴾ (الواقعة: ٦٥) وقال: إنما تفكهون من الفاكهة. ١١٨ -؟ باب ادعاء الرجل علماً لا يحسنه قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " لا تعطيني وتعظعظني "، أي لا توصيني وأوصي نفسك. ع: قال أبو محمد: إنما يكون التضعيف إذا كان آخره مشدداً مثل حث، يقال منه: حثحث. وكذلك رق، يقال منه: رقرق. قال: ولا أعلم لتعظعظني مثلاً. وقد وجدت أنا حروفاً مثله منها قولهم فعطعطوا به من قولهم عيط عيط.

стр. 315

ومنها قوله (١) : ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يتركرك أي لم يتحرك من قولهم لم يرم. ١١٩ -؟ باب انتحال الرجل العلم وليس عنده أداته قال أبو عبيد: ومنه قولهم " إنباض بغير توتير " يقول: إنه ينبض القوس من غير أن يوترها. ع: الانباض أن يجذب الرجل الوتر بإبهامه وسبابته ثم يرسله فتسمع لها (٢) صوتاً. وإنما هو مأخوذ من نبض العرق وهو حركته، ولا يكون النبض إلا للعرق خاصة فاستعير للوتر. ويشبه وميض البرق بنبض العرق، قال الشاعر سرى مثل نبض العرق والليل ضارب ... بأرواقه والصبح قد كاد يسطع قال الكميت في قولهم: " كالحادي وليس له بعير " فصرت كأني وامتداحي خالداً ... وأسرته (٣) حادٍ وليس له إبل

стр. 316

١٢٠ -؟ باب شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها قال أبو عبيد: منه " أراك بشر ما أحار مشفر "، يقول: قد أغناك ما ترى من ظاهر أمره عن سؤاله. ع: معنى المثل أنك ترى في بشرة البعير أو الدابة ما زد مشفره إلى جسمه من جودة أكله وخصب مرعاه أو ضده. والحور: الرجوع؟ حار يحور حوراً إذا رجع. وأحرته رجعته. قال تعالى ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ (الانشقاق: ١٤١) أي أن لن يرجع وأن لن يحشر، كما قال تعالى ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاص وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ (المؤمنون: ١١٥) . ويروى: أراك بشراً ما أحار مشفر، بالنصب، والمعنى أراك هذا المرئي في بشر ما أحار مشفر. قال أبو عبيد: ويقال في نحو هذا أو مثله (١) " نجارها نارها " والنار في هذا الموضع السمة. ع: لما كانت الإبل وغيرها لا توسم إلا بالنار سمي الوسم ناراً، قال الراجز (٢) : قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار يقولون إن هذه الإبل لعزة أهلها سقيت لما عرفت سماتها، قم ألغز فقال: والنار قد تشفي من الأوار.

стр. 317

١٢١ -؟ باب استقامة الأمور واعوجاجها قال أبو عبيد: من أمثالهم " الأمور سلكى وليست بمخلوجةٍ " قال: والسلكى: المستقيمة، والمخلوجة المعوجة، وأصله في الطعن. قال امرؤ القيس (١) : نطعنكم سلكى ومخلوجة ... (٢) لفتك لامين على نابل وحكي عن أبي عمرو بن العلاء انه ذكر هذا الشعر فقال: ذهب من يحسنه (٣) : ع: أول من قال " الأمور مخلوجة وليست بسلكى "؟ وهكذا ورد المثل لا كما ذكره أبو عبيد؟ الحارث بن عباد، وذلك أن مهلهلاً لما قتل ابن أخيه بجيراً في الحرب التي كانت بين بكر وتغلب ابني وائل، وهي حرب البسوس؟ وبلغ ذلك الحارث، وكان قد تخلف عن حربهم؟ قال: نعم القتيل قتيلاً، أصلح الله به بين ابني وائل، فقيل له: إن مهلهلاً لما قتله قال: بؤ بشسع نعل كليب، فعندها قال الحارث: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، ثم قال: قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال لم أكن من جناتها علم الله ... وإني بحرها اليوم صال

стр. 318

وتجرد لحرب تغلب فأبارهم حتى فر مهلهل، فهلك غريباً في غير دياره. وأما بيت امرئ القيس ففيه أقوال، قال الأصمعي: أراد ردك سهمين على رامي نبل. واللفت: الرد واللي، قال الشاعر: " أسرع من لفت رداء المرتدي " ... وقال غيره: أراد بقوله " لامين " الريش اللؤم، أي ردك هذين اللامين على نابل بريش سهامه. وقد ذكر أن امرأ القيس فسر بيته بهذا. وقيل: إنما هو " لفت كلامين على نابل " تثنية كلام، يريد قولهم للرامي: ارم ارم. قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة، من أمثالهم في الاستقامة قولهم " محسنة فهيلي "، وأصله أن امرأة كانت تفرغ طعاماً من وعاء في آخر، فقيل لها: ما تصنعين؟ قالت: أهيل من هذا في هذا، فقيل: محسنة فهيلي (١) . ع: قال أبو بكر ابن دريد: أصل هذا المثل للهائلة بنت منقذ من بني عمرو ابن سعد بن زيد مناة أم جساس بن مرة وأختها البسوس بنت منقذ التي كانت الحرب على رأسها بين ابني وائل أربعين سنة. وذلك أن ضيفاً نزل بالهائلة ومعه سلف فيه دقيق، فأخذت وعاء فيه دقيق كان عندها لتأخذ من دقيق الضيف، فجاء الضيف، فلما رأته جعلت تأخذ من وعائها فتهيل في وعاء الضيف، فقال لها: ما تصنعين؟ قالت: أهيل من هذا في هذا، فقال: محسنة فهيلي. فسميت الهائلة. والسلف: الجراب. وقال ابن دريد: السلف: الأديم الذي لم يحكم دباغه.

стр. 319

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الاستقامة والحذق " هو يرقم الماء " أي قد بلغ من حذقه أنه يرقم حيث لا يثبت الرقم. ع: وقال أوس بن حجر في هذا المعنى (١) : سأرقم في الماء القراح إليكم ... على نأيكم إن كان للماء راقم (٢)

стр. 320

فراغ
следующие страницы →