← Адаб

Адаб · id 1025

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

أبو عبيد البكري

Полный текст (530 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١٢٠ -؟ باب شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها قال أبو عبيد: منه " أراك بشر ما أحار مشفر "، يقول: قد أغناك ما ترى من ظاهر أمره عن سؤاله. ع: معنى المثل أنك ترى في بشرة البعير أو الدابة ما زد مشفره إلى جسمه من جودة أكله وخصب مرعاه أو ضده. والحور: الرجوع؟ حار يحور حوراً إذا رجع. وأحرته رجعته. قال تعالى ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ (الانشقاق: ١٤١) أي أن لن يرجع وأن لن يحشر، كما قال تعالى ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاص وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ (المؤمنون: ١١٥) . ويروى: أراك بشراً ما أحار مشفر، بالنصب، والمعنى أراك هذا المرئي في بشر ما أحار مشفر. قال أبو عبيد: ويقال في نحو هذا أو مثله (١) " نجارها نارها " والنار في هذا الموضع السمة. ع: لما كانت الإبل وغيرها لا توسم إلا بالنار سمي الوسم ناراً، قال الراجز (٢) : قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار يقولون إن هذه الإبل لعزة أهلها سقيت لما عرفت سماتها، قم ألغز فقال: والنار قد تشفي من الأوار.

стр. 317

١٢١ -؟ باب استقامة الأمور واعوجاجها قال أبو عبيد: من أمثالهم " الأمور سلكى وليست بمخلوجةٍ " قال: والسلكى: المستقيمة، والمخلوجة المعوجة، وأصله في الطعن. قال امرؤ القيس (١) : نطعنكم سلكى ومخلوجة ... (٢) لفتك لامين على نابل وحكي عن أبي عمرو بن العلاء انه ذكر هذا الشعر فقال: ذهب من يحسنه (٣) : ع: أول من قال " الأمور مخلوجة وليست بسلكى "؟ وهكذا ورد المثل لا كما ذكره أبو عبيد؟ الحارث بن عباد، وذلك أن مهلهلاً لما قتل ابن أخيه بجيراً في الحرب التي كانت بين بكر وتغلب ابني وائل، وهي حرب البسوس؟ وبلغ ذلك الحارث، وكان قد تخلف عن حربهم؟ قال: نعم القتيل قتيلاً، أصلح الله به بين ابني وائل، فقيل له: إن مهلهلاً لما قتله قال: بؤ بشسع نعل كليب، فعندها قال الحارث: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، ثم قال: قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال لم أكن من جناتها علم الله ... وإني بحرها اليوم صال

стр. 318

وتجرد لحرب تغلب فأبارهم حتى فر مهلهل، فهلك غريباً في غير دياره. وأما بيت امرئ القيس ففيه أقوال، قال الأصمعي: أراد ردك سهمين على رامي نبل. واللفت: الرد واللي، قال الشاعر: " أسرع من لفت رداء المرتدي " ... وقال غيره: أراد بقوله " لامين " الريش اللؤم، أي ردك هذين اللامين على نابل بريش سهامه. وقد ذكر أن امرأ القيس فسر بيته بهذا. وقيل: إنما هو " لفت كلامين على نابل " تثنية كلام، يريد قولهم للرامي: ارم ارم. قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة، من أمثالهم في الاستقامة قولهم " محسنة فهيلي "، وأصله أن امرأة كانت تفرغ طعاماً من وعاء في آخر، فقيل لها: ما تصنعين؟ قالت: أهيل من هذا في هذا، فقيل: محسنة فهيلي (١) . ع: قال أبو بكر ابن دريد: أصل هذا المثل للهائلة بنت منقذ من بني عمرو ابن سعد بن زيد مناة أم جساس بن مرة وأختها البسوس بنت منقذ التي كانت الحرب على رأسها بين ابني وائل أربعين سنة. وذلك أن ضيفاً نزل بالهائلة ومعه سلف فيه دقيق، فأخذت وعاء فيه دقيق كان عندها لتأخذ من دقيق الضيف، فجاء الضيف، فلما رأته جعلت تأخذ من وعائها فتهيل في وعاء الضيف، فقال لها: ما تصنعين؟ قالت: أهيل من هذا في هذا، فقال: محسنة فهيلي. فسميت الهائلة. والسلف: الجراب. وقال ابن دريد: السلف: الأديم الذي لم يحكم دباغه.

стр. 319

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الاستقامة والحذق " هو يرقم الماء " أي قد بلغ من حذقه أنه يرقم حيث لا يثبت الرقم. ع: وقال أوس بن حجر في هذا المعنى (١) : سأرقم في الماء القراح إليكم ... على نأيكم إن كان للماء راقم (٢)

стр. 320

فراغ

стр. 321

الباب العاشر الأمثال في أهل الألباب والحزم وفي السلامة من الزلل والجهل ١٢٢ -؟ باب الأخذ بالثقة والاحتياط في الأمور قال أبو عبيد: من أمثالهم في الاحتياط " اشتر لنفسك وللسوق " ع: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إذا اشتريت بعيراً فاجعله ضخماً، فإن أخطأك خير لم تخطئك سوق. قال أبو عبيد: (ومنه الحديث) " الإثم ما حك في الصدر وإن أفتاك الناس عنه وأفتوك " (١) . قال: ومنه قول ابن مسعود: الإثم حواز القلب.

стр. 322

ع: الأول حديث النبي ﷺ . يقال: حك في نفسي الشيء إذا لم تكن منشرح الصدر به، وكان في قلبك منه شيء. وكذلك حديث ابن مسعود: والإثم حواز القلب، يعني ما حز في القلب أي أثر فيه، فاجتنبه. يقال: حز الشيء يحز حزاً إذا ثر فيه بسكين أو غيرها، ووجد في قلبه حزحزة. وهو الألم من خوف أو حزن، وهو قريب المعنى من حك. وروى معاوية بن أبي صالح عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن أبيه عن البراء بن سمعان أنه سأله رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: " البر حسن الخلق والإثم ما حك في نفسك وكرهت أن يطلع الناس عليه ". ١٢٣ -؟ باب التقدم في الأمر والأخذ فيه بالحزم قال أبو عبيد: ومنه قول النجاشي أحد بني الحارث بن كعب يذم قوماً: ولا يردون الماء إلا عشيةً ... إذا صدر الوراد عن كل منهل ع: هجا بهذا الشعر بني العجلان، قال: إذا الله عادى أهل لؤمٍ ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقيل قبيلة لا يغدرون بذمةٍ ... ولا يظلمون الناس حبة خردل ولا يردون الماء إلا عشيةً ... إذا صدر الوراد عن كل منهل تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... ويأكلن من كعب وعوف ونهشل وما سمي العجلان إلا (١) لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل فاستعدى عليه بنو عجلان عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما قال

стр. 323

فيكم؟ فأنشدوه: إذا الله عادى أهل لؤم ودقة. فقال: إنما دعا فإن كان مظلوماً استجيب له وإن كان ظالماً لم يستجب له. قالوا: وقد قال: قبيلة لا يغدرون بذمة ... البيت، فقال عمر ﵁: ليت آل الخطاب هكذا (١) . قالوا: وقد قال: ولا يردون الماء ... البيت، فقال عمر ﵁: ذاك أقل للكاك (٢) . قالوا: وقد قال: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم.. البيت، فقال عمر ﵁: أجن القوم موتاهم ولم يضيعوهم. قالوا: وقد قال: وما سمي العجلان إلا لقيلهم (٣) ... البيت. فقال عمر ﵁: خير القوم خادمهم. وأنشد ثعلب في ضد قول النجاشي (٤) : كرام ينال الماء قبل شفاههم ... لهم عارضات الورد شم المناخر ١٢٤؟ باب الاستعداد للنوائب قبل حلولها قال أبو عبيد: ومنه قولهم " دمث لنفسك قبل النوم مضطجعا " ع: وأسير ما قيل في هذا من الشعر قول تأبط شراً (٥) : ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الأمر إلا وهو للقصد مبصر

стр. 324

قال أبو عبيد: ويروى عن عائشة أنها ذكرت عمر، فقالت: كان والله أحوذياً نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها. ع: روى محمد بن وضاح، حدثنا الأنباري، حدثنا هشام بن القاسم عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الواحد بن أبي عون عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: من رأى ابن الخطاب عرف أنه خلق غناء للإسلام؛ كان والله أحوزياً نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها. ع: قال عبد العزيز: الأحوزي الذي يحتاز الأمور برأيه فيكتفي بما عنده. وقال اللغويون: الأحوذي والأحوزي: الحسن السياسة وبما وليه، وقيل هو الجاد فيما يأخذ فيه من عمل. وقال الراجز (١) : يحوزهن وله حوزي ... كما يحوز الفئة الكمي (٢) ويروى [وله] حوذي بالذاك، كما يحوذ. قال أبو حاتم: حوزي أي حائز من قلبه، أي مزعج. قال أبو عبيد: قال الأثمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا " في بطن زهمان زاده " يقول: مع فلان عدته التي يحتاج إليها وبتاته وما يصلحه. ع: قال الرياشي: زهمان وزهمان بالفتح والضم: اسم كلب. وقال أبو بكر أيضاً: هو اسم كلب. وذكر أبو علي عن أبي زيد زَهمان وزُهمان أيضاً.

стр. 325

قال أبو زيد: وإذا قسم قوم جزوراً فأعطوا رجلاص منهم حظه ثم جاءهم بعد ذلك فقال لهم: أطعموني، قيل له: " في بطن زهمان زاده " أي قد أكلت وأخذت حظك. ١٢٥ -؟ باب الحزم في تعجيل الفرار ممن لا يدي لك به قال أبو عبيد: وقال الذي قتل محمد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل: " يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم " ع: اختلف في قائله، وقائله هو قاتل محمد بن طلحة ﵄، قتله يوم الجمل، فقيل هو عصام بن المقشعر، وقيل [بل] هو شريح بن أوفى العبسي، وقيل: هو الأشتر النخعي (١) . وقبل البيت (٢) : وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح حضني قميصه ... فخر صريعاً لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعاً ... علياً ومن لا يتبع الحق يظلم يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم وكان محمد من الخيار الصالحين، وإنما قتله وحمله على الخروج بره بأبيه لأنه رأى أن التخلف عنه عقوق. وكذلك كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: ذاك الذي قتله بره بأبيه.

стр. 326

وأنشد أبو عبيد (١) : " أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس " ع: هذا البيت لزيد الخيل، ويروى " حتى لا أرى لي مقاتلا " يعني قرناً يقاتله. ومن رواه بفتح التاء فيحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون أراد به موضع قتال. ويروى: " أقاتل ما كان القتال حزامة (٢) . وقال أوس بن حجر في مثله (٣) : وليس فرار اليوم عاراً على الفتى ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس وقال عمرو بن معدي كرب (٤) : ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور ولقد أعطفها كارهةً ... حين للقوم (٥) من الموت هرير ١٢٦؟ باب النظر في العواقب وما فيه من الأخذ بالثقة قال أبو عبيد: ومن هذا فٍعْل الطائي الذي نزل به امرؤ القيس بن حجر

стр. 327

فهم أن يغدر به فأتى الجبل وقال: إن فلاناً غدر؛ وساق الخبر محذوفاً غير منسوب. ع: كان أبو حنبل (١) جارية بن مر الطائي عزيزاً منيعاً وفياً، فنزل به امرؤ القيس بن حجر ومعه أهله وماله وسلاحه. ولأبي حنبل امرأتان جدلية وثعلية، فقالت الجدلية: رزق الله أتاك به لا ذمة له عليك ولا عقد ولا جوار، فأرى أن تأكله وتطعمه قومك. وقالت العلية: رجل تحرم بك واستجارك، فأرى أن تحفظه وتفي له، فقام أبو حنبل إلى جذعة من الغنم فاحتلبها وشرب لبنها، ثم مسح بطنه وقال: لقد آليت أغدر في جداع ... (٢) وإن منيت أمات الرباع لأن الغدر في الأقوام عار ... وأن المرء يجزأ بالكراع فقال الجدلية؛ ورأت ساقيه حمشتين: تالله ما رأيت كاليوم ساقي واف. فقال أبو حنبل: " هما ساقا غادرٍ شر " ويروى: " لم ار كاليوم قفا وافٍ ". ويقال: إن صاحب هذا الخبر عامر بن جوين الطائي، وهو الذي أتى الجبل فقال: إن فلاناً غدر، فأجابه الصدى. ١٢٧ -؟ باب التوقي من الأمور وما فيه من السلامة قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي " من سلك الجدد أمن العثار " ع: قال أبو بكر ابن دريد: من أمثالهم " من تجنب الخبار أمن العثار "

стр. 328

قال: والخبار أرض (١) تتعتع فيه الدواب. قال أبو عبيد: من أمثالهم في ذلك (٢) " جروا له الخطير ما انجر لكم " ومعناه: اتبعوه ما كان فيه موضع متبع. قال: والخطير هو زمام الناقة وجديلها. وهذا المثل يروى عن عمار بن ياسر قاله في فلان. ع: قاله عمار في عثمان ﵁ حين أنكر الناس عليه ما أنكروه. وإنما قيل لزمام الناقة خطير لاهتزازه عند مشيها كما قيل للرمح اللدن (٣) خطار للينه واهتزازه. ومنه قيل: هو يخطر في مشيته إذا تبختر. وإذا كان الحبل من جلود فهو جديل وجرير، وإذا كان من خوص فهو شريط، وإذا كان من كتان فهو مرس، وإذا كان من ليف فهو مسد. ١٢٨ -؟ باب توسط الأمور بين الغلو والتقصير قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: " لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى " أي تلفظ من المرارة. يقال: قد أعقى الشيء إذا اشتدت مرارته. ع: فسره أبو عبيد على خلاف ما أورده فقال: فتعقى أي تلفظ، ثم قال: يقال أعقى الشيء إذا اشتدت مرارته. وحده إذا كان قوله فتعقى من

стр. 329

شدة المرارة أن يكون بكسر القاف. قال أبو علي: هذه رواية أبي زيد وتفسيره. وإن كان معناه فتلفظ أن يكون فتعقى بفتح القاف وصحة تفسيره وبيان معناه أن يقال فتعقى معناه فتلفظ بالعقوة، والعقوة ساحة الدار (١) . قال أبو عبيد: ومنه قول مطرف بن الشخير: " الحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها وشر السير الحقحقة ". ع: قال مطرف يوصي ابنه: يا عبد الله إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن الحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة، وإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. ومن قوله: إن هذا الدين متين ... إلى آخر الحديث، يروى عن النبي ﵇. وأسير بيت في هذا قول الشاعر: عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولاً ولا صعبا ومن أمثالهم: " لا تكن رطباً فتعصر، ولا يابساً فتكسر ". ١٢٩ -؟ باب حذر الإنسان على نفسه قال أبو عبيد: ومنه قولهم " حلأت حالئة عن كوعها " قال: وأصله أن تحلأ المرأة الأديم وهو نزع تحلئته يعني باطنه، فإذا رفقت سلمت، وإن خرقت أخطأت، فقطعت بالشفرة كوعها (٢) .

стр. 330

ع: التحلئة، هو ما يبقى من الصفاق على باطن الجلد عند سلخه، والكوع رأس الزند الذي يلي الإبهام، والكرسوع: رأس الزند الذي يلي الخنصر. ١٣٠ -؟ باب المحاذرة للرجل من الشيء قد ابتلي بمثله قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو هذا " كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع " وأصله الرجل يمشي في الوقع؟ وهي الحجارة؟ حافياً، فيصيبه الوجى، فهو يحاذر على رجليه من كل شيء ومنه قول الشاعر (١) : يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... ع: أوله (٢) : داوية شقت على اللاعي الشكع ... (٤) وإنما (٣) النوم بها مثل الرضع يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركاً من استها لا تنقطع كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع ... الشكع: جزع الإنسان من طول المرض أو التعب. والوقع: أن يشتكي الرجل لحم رجليه من المشي. وقد وقع يوقع وقعا. هكذا صحة تفسيره، يقال

стр. 331

منه: وقع [الرجل يوقع وييقع فهو وقع] (١) ، ويقال: حفى الرجل حفاية إذا مشى بلا نعل ولا خف. وحفي حفى وحفوة وحفية إذا رقت قدماه من المشي، وحفيت بالرجل حفاوة إذا عنيت (٢) به. قال أبو عبيد: ويقال في نحو: " من يشتري سيفي وهذا أثره " يضرب للرجل الذي يقدم على الأمر الذي قد اختبر وجرب. ويقال غن المثل للأغلب العجلي (٣) . ع: روى عبيد بن شرية الجرهمي عن مالك بن جبير العامري أن أول من قال: من يشتري سيفي وهذا أثره، الحارث بن ظالم المري، وكان من شأنه أنه كان للحارث (٤) سيف لا يوضع على شيء إلا أثر فيه، وأنه كان بعاقته منه أثر، وكان قد عرضه للبيع وجعل يقول: " من يشتري سيفي وهذا أثره ". ١٣١ -؟ باب الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة من أمثالهم في هذا: " أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك " أي أطلع من يأمرك بما فيه رشادك وصلاحك وإن كان

стр. 332

يبكيك ويثقل عليك، ولا تطع أمر من يأمرك بما تهوى ويضحكك بما فيه شينك. ع: قال عبيد بن شرية: كان أصل هذا المثل أن فتاة من العرب كان لها خالات وعمات، فكانت إذا زارت عماتها ألهينها، وإذا زارت خالاتها أبكينها. فقالت لأبيها: إن عماتي يلهينني وإن خالاتي يبكينني إذا زرتهنن فقال لها أبوها: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك. فذهبت مثلاً (١) . قال أبو عبيد: ومن ذمهم الهوى قولهم " حبك الشيء يعمي ويصم " وهذا يروى عن أبي الدرداء. ع: بل هو مرفوع إلى النبي ﷺ : وقال أبو العتاهية ف معناه: ؟؟ المرء يعمى عمن يحب فإن ... أقصر شيئاً عما به أبصر وفي حديث مرفوع: " جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم ". وقال الشاعر (٢) : إذا طالبتك النفس يوماً بشهوةٍ ... وكان عليها للخلاف طريق فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواك عدو والخلاف صديق وقال آخر (٣) : وفي الحلم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك طاعات الفؤاد المتيم

стр. 333

بصائر رشدٍ للفتى مستبينة ... وأخلاق صدق علمها بالتعلم [وهذا الشعر لزياد الأعجم] . ١٣٢ -؟ باب التحذير من المعايب والشين قال أبو عبيد: قال مؤرخ: من أمثالهم في نحو هذا: " نزو الفرار استجهل الفرارا " قال: وولد بقر الوحش يقال له: فرار وفرير نحو طوال وطويل. ع: قال سيبويه: فرار جمع فرير في نظائر ذكرها نحو ظئر وظؤار، ورخل ورخال، وشاة ربى وشاء رباب. وأورد يونس هذا المثل: " فرارة قد سفهت (١) فرارا ". والفرار صنف من الضأن (٢) . وذلك أن الفرار إذا رأى الغنم قصد إليها فتبعتها البقية. ومن أراجيز العرب في الضبع: أفرعت في فراري ... كأنما ضراري أردت يا جعار والافراع: إراقة الدماء. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في كراهة المعايب " الملسى لا عهدة له " أي أنه قد خرج من الأمر سالماً لا عليه ولا له (٣) ، وفي بعض النسخ عن علي بن

стр. 334

عبد العزيز أو غيره الملسى: الشيء ينساب ويتلمس ويتسرب. ع: ومن هذا قولهم: ناقة مسلى إذا كانت تمر مراً سريعاً، والملسى أيضاً: ضرب من عدو الإبل، والعهدة: العيب، والعهدة: الدرك، فمعنى المثل: ذو الاملاس والتخلي عن الشر وأهله لا يلحقه عيب ولا درك. لمبياينته لذلك وانتزاحه منه. والملسى أيضاً: بيعة إلى أجل، فيكون المعنى على هذا: البائع إلى أجل على ما ينبغي لا درك عليه؛ ثم ضرب مثلاً. وذكره أبو عبيد أيضاً في باب الغيبة التي لا يرجى لها إياب: الملسى لا عهدة له. أي إذا انقضى الشأن فلا عليك ولا لك. وقال أبو العباس المبرد: وبيع الملسى هو بيع لا توقف فيه، وإنما هذا كالمثل أي ليست فيه عقدة تحبسه ومنه قولهم رمان إمليسي، إذا لم يكن فيه عجم، فكأنه لا تعقد فيه. ١٣٣ -؟ باب التحذير من الأمر يخاف منه العطب قال أبو عبيد: من أمثالهم في التحذير من الأمرين يخافان " الليل وأهضام الوادي " وأصله أن يسير الرجل ليلاً في بطون الأودية، فيقول: أحذر لعل هناك من لا يؤمن اغتياله (١) . ع: الاهضام من الأرض: كل مطمئن غامض، واحدها هضيم ويجمع هضيم على هضم، وهضم على أهضام (٢) ، ويقال أيضاً " الليل وأهضام

стр. 335

الوادي "؟ بالرفع؟ على تقدير: ملجؤك الليل، والنصب خير (١) . قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير مما يخاف " إن السلامة منها ترك ما فيها ". ع: هذا من شعر لسابق البربري (٢) : النفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها والله ما قنعت نفس بما رزقت ... من المعيشة إلا سوف يكفيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها قس بالتجارب أحداث الزمان كما ... تقيس نعلاً بنعل حين تحذوها والله ما غبرت في الأرض ناظرة ... إلا ومر الليالي سوف يفنيها قال أبو عبيد: والحطيئة هو القائل عند موته " ويل للشعر من الرواة السوء ". ع: حدث أبو غسان، دماذ (٣) ، عن أبي عبيدة قال: لما حضرت الحطيئة الوفاة، اجتمع إليه قومه، فقالوا: يا أبا مليكة أوص. فقال: " ويل للشعر من الرواة السوء " قالوا: أوص يرحمك الله، قال: من الذي يقول (٤) :

стр. 336

إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز قالوا: الشماخ، قال: أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب. قالوا: ويحك، أهذه وصية؟ قال: أبلغوا أهل ضابيء أنه شاعر حيث يقول (١) : لكل جديد لذة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ قالوا: اتق الله ودع عنك هذا، قال: أبلغوا الأنصار أن صاحبهم أشعر العرب حيث يقول (٢) : يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل قبل: إن هذا لا يغني عنك شيئاً، فقل غير ما أنت فيه، فقال: الشعر صعب (٣) وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه قيل: يا أبا مليكة ألك حاجة؟ قال: لا والله، ولكن أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلاً. قالوا: فمن أشعر الناس؟ فأومأ بيده إلى فيه، وقال: هذا الجحير إذا طمع، قيل له: قل لا إله إلا الله، فقال (٤) : قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر قيل له: فما تقول في عبيدك، قال: هم عبيد قن (٥) ما عاقب الليل النهار، قيل: فأوص للفقراء بشيء، قال: أوصيهم بالإلحاف في المسالة فإنها تجارة لا

стр. 337

تبور، واست المسؤول أيضق. قيل: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدي مثل حظ الذكر. قالوا: ليس هكذا قضى الله. قال: لكني هكذا قضيت. قالوا: فماذا (١) توصي لليتامي؟ قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمهاتهم. قالوا: فهل لك شيء تعهد فيه غير هذا؟ قال: نعم، تحملوني على أتان وتتركوني راكبها حتى أموت فإن الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قط. فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون حتى مات وهو يقول: لا أحد ألأم من حطيئه ... هجا بنيه وهجا المريئه من لؤمه مات على فريئه ... قال أبو عبيد: من التحذير قولهم " قد أعذر من أنذر ". ع: قال الفراء: أعذر: بلغ أقصى العذر، يقول: من أنذرك فقد بلغ أقصى العذر، قال الطائي (٢) : على أهل عذراء السلام مضاعفاً ... (٣) من الله ولتسق الغمام الكنهورا ولاقى به حجر من الله رحمة ... فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا (٤) ويقال: عذر فهو معذر إذا اعتذر ولم يأت بعذر. وكان ابن عباس يقرأ ﴿وجاء المعذرون﴾ (التوبة: ٩٠) ، ويقول: لعن الله المعذرينن وفي المعذرين

стр. 338

وجهان إذا كان من عذر فهم لا عذر لهم، وإذا كان أصله المعتذرون فألقيت فتحة التاء على العين وأبدل منها ذال وأدغمت في الذال التي بعدها، فلهم عذر. قال الفراء: قد اعتذر الرجل إذا أتى بعذر، وقد اعتذر إذا لم يأت بعذر، قال الله سبحانه: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾ (التوبة: ٩٤) ، ثم بين تعالى أنه لا عذر لهم فقال ﴿قل لا تعتذروا﴾ (التوبة: ٩٤) . وقال لبيد (١) : فقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر إلى الحول ثم اسم (٢) السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر أي أتى بعذر. ١٣٤ -؟ باب الأمر بحسن التدبير قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " وجه الحجر وجهةً ما له " ويقال: وجهة؟ بالرفع؟ وتكون " ما " مبهمة في تأويل الصفة. وفي كتاب المعاني

стр. 339

للفراء (١) قال: سمعتهم يقولون وجه جهة ما له، ووجه ما له، ومعناه وجه الحجر فله جهة. يقول: إذا رأيت الحجر في البناء لم يقع موقعه، فأدره، فإنه سيقع على جهته. قال: ولو نصبوا على قولك: وجه جهة، كان صواباً. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: " أجر الأمور على أذلالها "، يقول: على وجوهها واستقامتها. ع: قال بعض العلماء: الأذلال جمع لا واحد له، وقال أبو بكر: الذل وجمعه أذلال، من قولهم: إن أمور الله تعالى تجري على أذلالها، أي على مسالكها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم قولهم: " السعيد من وعظ بغيره "، قال: وهذا يروى عن عبد الله بن مسعود. ع: تمام المثل " والشقي من وعظ بنفسه "، وقال الشاعر (٢) : إن السعيد له في غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " ول حاترها من تولى قارها " وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب أنه قاله لعتبة بن غزوان أو لأبي مسعود الأنصاري. ع: روى ابن وهب عن أشهل بن حاتم عن ابن عون قال قال عمر رضي الله

стр. 340

عنه لأبي مسعود عقبة بن عمرو: ألم أنبأ أنك تفتي الناس، ول حارها من تولى قارها. وهذا المثل قد قاله الحسن بن علي لأبيه. وذلك أن الوليد بن عقبة لما شهد عليه عند عثمان، حمران ورجل آخر، بشرب الخمر وصلاته بالناس سكران، وهو أمير الكوفة، عزله واستحضره وأمر علياً بحده، فقال علي للحسن ابنه: تول ذلك منه غضباً لله وانتهاك محارمه، فقال له ابنه: ول حارها من تولى قارها، فأمسك، فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد، فأخذ السوط وجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: حسبك، جلد النبي ﵇ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة. قال الخطابي: معنى ول حارها من تولى قارها: ول العقوبة والضرب من تولى العمل والنفع. قال أبو عبيد: وفي بعض الآثار " الرفق يمن، والخرق شؤم ". ع: قال النابغة الذبياني، فجمع ثلاثة مثال في بيت (١) : الرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا فقوله " الرفق يمن " مثل، و " الأناة سعادة " مثل ثان، وقوله: " فاستأن في رفق " مثل ثالث، وتمم المعنى وحسنه بقول: تلاق نجاحاً، وكذلك قول زهير (٢) : وفي الحلم إدهان في العفو دربة ... وفي الصدق منجاة من الشر فاصدق (٣)

стр. 341

فهذه ثلاثة أمثال في بيت، وتمم المعنى بقوله " من الشر فاصدق " ووفى به وزن البيت، وأوقع القافية أحسن موقع. وكذلك قول صالح بن عبد القدوس (١) : كل آت لابد آت وذو الجهل معنى بالغم، والحزن فضل ... ولا يعلم بيت جمع ثلاثة أمثال إلا هذه الثلاثة الأبيات (٢) . قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير: " رب أكلة تمنع أكلات " ع: قال ابن هرمة فأحسن: وكم من طالب يسعى لأمر ... وفيه هلاكه لو كان يدري وربت أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر ١٣٥؟ باب الأخذ في الأمر بالمشورة والنظر قال أبو عبيد: يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ " الرجال ثلاثة: رجل ذو عقل ورأي، ورجل إذا حزبه أمر أتى ذا رأي فاستشاره. ورجل حائر (٣) بائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً "

стр. 342

ع: ذكر أن ملك الروم بعث إلى معاوية يسأله عن هذه المسائل: يسأله عن رجل سار به قبره، وعن رجل لا قبلة له، وعن خمسة أكلوا في الدنيا وحيوا لم يخلق واخد منهم في رحم، وعن شيء ونصف شيء ولا شيء. وبعث بوفد يسمعون الجواب عنها، فاستنظرهم معاوية وبعث إلى ابن عباس يسأله عنها، فقال ابن عباس: أما من سار به قبره فيونس حين التقمه الحوت، وأما من لا قبلة له فمن صعد فوق الكعبة فلا قبلة له حتى ينزل، وأما الخمسة الأنفس الذين أكلوا في الدنيا وعاشوا لم يخلق واحد منهم في رحم فآدم وحواء وكبش إبراهيم أخرجه الله من الجنة، وناقة ثمود أخرجها الله من صخرة صماء، وعصا موسى ألقاها من يده فانقلبت (١) حية تسعى، والتقمت ما ألقى السحرة. وأما الشيء فالرجل العاقل العالم ترد عليه الأمور فيدبرها بعقله ويمضيها بعلمه. وأما نصف الشيء فالرجل الممضي لما علم المتثبت فيما جهل ترد عليه أمور يعجز عنها علمه ويقصر فهمه فيلجأ إلى ذوي العقول فيستشيرهم فلا تنتشر قواه ولا يتبع هواه. وأما لا شيء فالرجل الذي لا علم له ولا عقل، ترد عليه الأمور فيتبع فيها هواه، فيحل به رداه، فلا تلقاه إلا حائراً، ولا تجده إلا بائراً. فأخبرهم معاوية بذلك فقالوا: ما خرج هذا إلا من أهل نبي، فقال معاوية: أجل، هذا من كلام ابن عم نبينا ﷺ . قالوا: فأذن لنا نأته، فأذن لهم فأتوه فقال: أأنتم أصحاب السائل؟ قالوا: نعم، فقال: إن صاحبكم ذكر أنكم أفضل أهل دينكم، قالوا: إن قومنا ليقولون ذلك. قال: فقد سألتمونا فأجبناكم، فهل تجيبوننا إن سألناكم؟ قالوا: سل. قال: أخبرونا عن موضعين أحدهما سهل والآخر جبل، السهل لم تطلع عليه الشمس إلا ساعة من الدهر، والجبل رفعه الله عن الأرض بلا عمد تمسكه، ولا سبب يحبسه. قالوا: ما لنا بذلك علم فأخبرنا. قال: السهل منفلق البحرين (٢) لما فرقه الله تعالى لموسى، لم تصل إليه الشمس قط إلا تلك الساعة، والجبل هو الذي نتقه الله فوق بني إسرائيل كأنه ظلة، قالوا: صدقت، وانصرفوا مغلوبين.

стр. 343

الباب الحادي عشر الحوائج وما فيها من الأمثال ١٣٦ -؟ باب المثل في الأعذار في طلب الحاجة وما يحمد عليه أهله من ذلك قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " افعل كذا وكذا وخلاك ذم " يقول: إنما عليك أن تجتهد في الطلب وتعذر لكيلا تذم، وإن لم تنقض الحاجة. ع: قال يعقوب: المعنى خلا منك الذم، أي لا تذم، فأسقط حرف الصفة وعدى الفعل، كما قال سبحانه ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلاً﴾ (الأعراف: ١٥٥) أي من قومه.

стр. 344

١٣٧ -؟ با الجد في طلب الحاجة (وترك التفريط فيها) (١) قال أبو عبيد: من مثالهم إذا أمروا الرجل بالجد قولهم " جمع له جراميزك ". قال أبو زيد: ويقال في مثل هذا: " قرب ضرب عليه جروته " أي قد وطن عليه نفسه، قال الأصمعي وكذلك قولهم " شد له حزيمه " أي تشدد له واستعد، ومنه الحديث الذي يروى عن علي ﵁: " أشدد حيازمك للموت فإن الموت آتيك ". قال ومثله قولهم: " قرع له ساقه " يعني إذا قامت الحرب على ساقها (٢) . ع: أما قولهم جمع جراميزك، فإن الجراميز: القوائم، اليدان والرجلان، ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ بيده اليمني أذنه (٣) اليسرى ثم يجمع جراميزه ويثب (٤) كأنما خلق على ظهر فرسه. وأما قولهم: قد ضرب له جروته، فقال اللغويون: ألقى الرجل جروته إذا ربط جأشه وصبر على الأمر وجد فيه؛ وأما قولهم شد له حزيمه فإن الحزيم الصدر وهو الحيزوم أيضاً، تقول: شددت لهذا حزيمي وحيزومي ويحازيمي أي وطنت عليه نفسي. وأما ما ذكره عن علي ﵁ فإنه بيت موزون، روي عنه أنه قال: حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا

стр. 345

وقد روي أنه كان ينشده بزيادة جزء، وهو (١) : أشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا [وهذا هو الخزم] . وأما قوله: قرع له ساقه، فإن المثل المحفوظ عن العلماء " قرع للأمر ظنبوبه " إذا جد فيه ولم يعثر، والظنبوب: مقدم عظم الساق؛ قال سلامة بن جندل (٢) : كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب وقيل إن الظنبوب هنا مسمار الرمح، أي أصلحت الرماح وشدت أسنتها للإغاثة، وقيل إنه أراد بالظنابيب الإبل تقرع سوقها لتبرك وتشد عليها الأكوار فيركبونها ويجنبون الخيل، ويقوي هذا قوله بعد البيت: وشد كورٍ على وجناء ناجيةٍ ... وشد سرجٍ على جرداء سرحوب (٣) وقيل: إن معنى قرع الظنابيب: الازدحام، فيقرع بعض أسؤقهم بعضاً من ازدحامهم وتتابعهم للإغاثة، كما قال أبو الطيب (٤) : يدمي بعض أيدي الخيل بعضاً ... (٥) وما بعجايةٍ أثر ارتهاش يعني من ازدحامهم. قال أبو عبيد: ويقولون " اتخذ الليل جملاً " قالوا: ولهذا قالوا

стр. 346

" عند الصباح يحمد القوم السرى ". ع: ذكر أبو عبيد أن هذا المثل للأغلب العجلي، وقال محمد بن حبيب وغيره من علماء البصريين: إن أول من قال ذلك خالد بن الوليد لما بعث إليه أبو بكر ﵀ وهو باليمامة أن صر (١) إلى العراق فأراد سلوك المفازة، فقال له رافع بن عمير الطائي: قد سلكتها في الجاهلية، وهي خمس للإبل الواردة، وما أظنك تقدر عليها، إلا أن تحمل الماء، فتحمل الماء واشترى مائة شارف (٢) فعطشها ثم سقاها الماء حتى رويت ثم كعم أفواهها لئلا ترعى، ثم سلك المفازة، حتى إذا مضى يومان وخاف العطش على الناس والخيل نحرها وسقى الإبل والخيل فظوظها (٣) ، فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع: انظروا هل ترون سدراً عظاماً، فإن رأيتموها وإلا فهو الهلاك، فنظر الناس فرأوا السدر، فكبر وكبر الناس معه، ثم تجمعوا (٤) على الماء، فقال خالد (٥) : لله در رافع أنى اهتدى ... فوز من قراقر إلى سوى خمساً إذا صار بها الجيش (٦) بكى ... ما سارها من قبله إنس يرى " ند الصباح يحمد القوم السرى ... (٧) وتنجلي عنهم غيايات الكرى "

стр. 347

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " خذ كذا وكذا ولو بقرطي مارية " وهي أم ولد جفنة. ع: [قال أبو عبيدة: هي مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة] وقال ابن الكلبي: هي مارية بنت ظالم وهي أم ملك غسان الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن عمرو بن عدي بن حجر، وهو الذي يقول فيه النابغة (١) : والحارث الأعرج خير الأنام ... وإياها عنى حسان بقوله (٢) : أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل ١٣٨؟ باب التأني في طلب الحاجة (وترك الخرق فيها) (٣) قال أبو عبيد: من أمثالهم في ذلك " رب عجلة تهب ريثاً " يضرب للرجل يشتد حرصه على حاجته ويخرق فيها حتى تذهب كلها. ع: أول من نطق بها المثل مالك بن عوف بن أبي عمرو بن عوف بن محلم الشيباني، وكان سنان بن مالك بن أبي عمرو بن عوف بن محلم شام غيثاً، فأراد أن يرحل بامرأته خماعة (٤) بنت عوف بن أبي عمرو. وقال ابن السكيت في

стр. 348

الأمثال: إن ليث بن عمرو بن عوف بن محلم تزوج ابنة عمه خماعة بنت عوف، فأراد أن يرحل بها، فقال له مالك بن عوف بن محلم: أين تظعن بأختي؟ قال: أطلب موقع هذه السحابة، قال: لا تفعل فإنه ربما خليت ولم تمطر، وأنا أخف عليك بعض مقانب العرب (١) ، قال: لكني لست أخاف ذلك، فمضى وعرض له مروان القرظ بن زنباع بن جذيمة، فأخذ خماعة وانطلق بها وجعلها بين بناته وأخواته، ولم يكشف لها ستراً، فقال مالك بن عوف لليث: ما فعلت أختي؟ قال: نفتني عنه الرماح، قال مالك: " رب عجلة تهب ريثاً، ورب فروقة يدعى (٢) ليثاً، ورب غيث لم يكن غيثاً " فذهبت كلماته أمثالاً. ثم إن مروان بعث بها إلى أبيها عوف بن محلم (٣) ، وأتى على ذلك ما شاء أن يأتي، ثم إن مروان أغار على بكر بن وائل فأسره زهير بن أمية بن جشم من بني تيم الله بن ثعلبة، فلما أتى به أهله، قالت له امرأته: لكأنما جئت بمروان القرظ. فقال لها مروان: وما تريدين منه؟ قالت: أريد منه مائة من الإبل. قال: لك مائة من الإبل على أن تذهبي بي إلى خماعة بنت عوف، فقالت: ومن لي بالإبل؟ فأخذ عوداً فرهنه إياها على مائة من الإبل وأتت به خماعة فأرسلت إلى أبيها، فأعلمته بمكان مروان عندها، وضمته إلى صدرها، وكان المنذر يطلبه بذحل، فبلغه أن زهير بن أمية أسره، فأرسل إليه فيه، فلم يجده عنده، وأخبروه بمكانه فأرسل المنذر فيه إلى عوف فأبى عوف أن يدفعه إليه حتى أمنه المنذر، فجاء به عوف حتى وضع يده في يد المنذر، وبينهما يد عوف، فقال المنذر " لا حر بوادي عوف "، فأرسلها مثلاً. وأخطأ أبو عبيد في سياقة خبر هذا المثل وهو قولهم " لا حر بوادي عوف " وقد تقدم ذكر ذلك (٤) .

стр. 349

قال أبو عبيد: وروي في الحديث " إذا أراد أحدكم أمراص فعليه بالتؤدة ". ع: التؤدة: الرفق، واصله من وأدت الشيء إذا أثقلته، والتاء بدل من واو، مثل تكأة ونظائرها. قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " ضح رويداً " أي لا تعجل في الأمر. ع: يقال: ضحيت الإبل إذا أخذت في رعيها من أول النهار، ويقال للراعي ضحها: أي ارعها في الضحى، وهو أول النهار عند الشروق، فيراد بهذا المثل التمهل في الأمر والتؤدة، كما يؤمر الراعي أن يضحي إبله رويداً مترفقاً. قال أبو عبيد: ومنه قول زيد الخيل (١) : فلو أن نصراً أصلحت ذات بينها ... لضحت رويداً عن مطالبها عمرو قال: وهما حيان من بني أسد: نصر وعمرو ابنا قعين. ع: وبعد البيت: ولكن نصراً (٢) أدهنت وتخاذلت ... وكانت قديماً من خلائفها الغفر (٣) أي النكس، هكذا أنشده ابن الأعرابي وفسره. وسبب الشعر أن مكنف بن

стр. 350

زيد الخيل كانت قد أسرته بنو أسد، فأجاره لزيدٍ أبو شريح بن أوفى بن الأغر النصري فاستبطأه زيد فقال الشعر، وهي أبيات. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التأني قولهم " الرشف أنقع " يعني (١) أن الشراب الذي يرتشف رويداً أقطع للعطش وأجع وإن كان فيه بطء، قال: وقال الصمعي: قولهم أنقع يعني أروى، يقال: شرب حتى نقع، ونقعته أنا أيضاً أي أرويته، وأنشد للجعدي: فقلت له انقع لي صداي بشربةٍ ... تدارك بها منا علي وأفضل ع: هكذا في النسخ، وهو خطأ والشعر قافيته ميم، وصواب إنشاده (٢) : فقلت له انقع لي صداي بشربةٍ ... تدارك بها منا علي وأنعم فقال تجاوزت الأحص وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو مترسم قال أبو عبيد: ومنه قولهم " رويد الغزو يتمرق (٣) " وهو مثل امرأة كانت تغزو، فحبلت، فذكر لها الغزو فقالت هذه المقالة، أي انتظر الولادة. ع: يقال: مرق السهم إذا خرج، ورده ابن السراج " يتمزق "؟ بالزاي؟ وبالراء أصح من قولهم مرق السهم إذا خرج.

стр. 351

وقال محمد بن حبيب: كانت امرأة من طيء يقال لها رقاش كاهنة تغزو ويتيمنون برأيها، فأغارت طيء على إياد بن نزار بن معد فظفرت بهم وغنمت وسبت، فكان فيمن أصيب من إياد فتى شاب جميل، فاتخذته رقاش خادماً، فأعجبها فدعته إلى نفسها، فوقع عليها فحملت، فأتيت في إبان الغزو لتغزو بهم، فقالت: " رويد الغزو يتمرق "؟ فذهبت مثلاً -. ثم جاءوا لعادتهم فوجدوها نفساء قد ولدت (١) غلاماً، فقال بعض شعراء طيء (٢) : نبئت أن رقاش بعد شماسها ... (٣) حبلت وقد ولدت غلاماً أطحلا فالله (٤) يحظيها ويرفع بضعها ... (٥) والله يلقحها كشافاص مقبلا كانت رقاش تقود جيشاً جحفلا ... فصبت وحق لمن صبا أن يحبلا وقول أبي عبيد: رقاش الكنانية، وهم أو تصحيف، أراد الكاهنة وإنما هي طائية. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " إن الليل طويل وأنت مقمر " وذكر خبره عن المفضل (٦) ، وأنه لسليك بن السلكة إلى قوله: الليل طويل. ع: وحذف باقي الخبر: فأخرج السليك يده فضمه إليه ضمة أضرطته فقال " أضرطاً وأنت الأعلى "؟ فأرسلها مثلاً. ثم قال له السليك: من أنت؟

стр. 352

قال: رجل افتقرتن فخرجت أطلب الرزق. قال: انطلق معي، فلقيا ثالثاً في مثل حالهما. فاصطحبوا حتى أتوا جوف مراد، فرأوا نعماً ملء الأرض، فهابوا أن يغيروا فيلحقهم الطلب، فقال سليك: كونا قريباص حتى آتي الرعاء، فأعلم لكما علم الحي، وألحن لكما به، ثم أتى الرعاء فلم يزل يتسقطهم حتى أخبروه ببعد الحي عنهم، فقال لهم سليك: ألا أغنيكم؟ قالوا: بلى. فتغنى ورفع صوته (١) : يا صاحبي ألا لا حي بالوادي ... (٢) إلا عبيد وآم بين أذواد أتنظران قليلاً ريث غفلتهم ... أم تغدوان فإن الربح للغادي فلما سمعا ذلك أتياه، فاطردوا الإبل، فذهبوا بها. ١٣٩ -؟ باب مطلب الحاجة المتعذرة قال أبو عبيد: من أمثالهم، إذا طلب الرجل من صاحبه حاجة عسيرة " تسألني برامتين سلجما " واصله أن امرأة تشهت هناك على زوجها السلجم (٣) وهي ببلاد السباسب المقفرة فعندها قال هذا. ع: قال أبو حنيفة: هو الشلجم، بالشين معجمة، عرب فقيل: سلجم، قال الراجز (٤) : تسألني برامتين سلجما ... يا مي لو سألت شيئاً أمما

стр. 353

جاء به الكري (١) أو تجشما ... وقال الأصمعي (٢) : قيل لرجل من أهل رامة: إن أرضكم هذه لطيبة (٣) فلو زرعتموها، قال: قد زرعناها سلجماً، قال: فما حداكم (٤) على ذلك؟ قال: معاندة لقول القائل " تسألني برامتين سلجماً " والسلجم هو البوسار (٥) بالفراسية. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحوه " شر ما رام امرؤ ما لم ينل " ع: هذا مقلوب من قول امرئ القيس (٦) : وخير ما رمت ما ينال ... وقال عمر بن معد يكرب (٧) : إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وقال القطامي في نحوه (٨) : وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا

стр. 354

قال أبو عبيد: ومنه المثل السائر (في العامة) (١) : " من سأل صاحبه فوق طاقته فقد استوجب الحرمان " ع: المثل المنظوم في هذا المعنى قول الشاعر: أنك إن كلفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرك مني من خلق ١٤٠؟ باب قناعة الرجل ببعض حاجته قال أبو عبيد: قال أبو زيد: ومثله قولهم: " قد تبلغ القطوف الوساع " وكذلك قولهم: " قد يبلغ الخضم القضم ". ع: القطوف: من الدواب المتقارب الخطو، والوساع: الواسع الخطو، ولذلك قالوا في المثل: " لألحقن قطوفها بالمعناق "؟ وقد تقدم ذكر ذلك. وأما قولهم: قد يبلغ الخضم القضم، فإن الخضم: أكل الرطب، والقضم: أكل اليابس، خضمت الدابة الرطب تخضم، وقضمت الشعير تقضم، وقيل: القضم بمقدم الأسنان، والخضم بجميعها، ومن حديث أبي ذر ﵀: نرعى الخطائط، ونرد المطائط (٢) ، ونأكل قضماً، وتأكلون خضماً، والموعد الله. قال أبو عبيد: [من أمثالهم] " الثيب عجالة الراكب "

стр. 355

ع: هذا حديث عمر بن الخطاب ﵁: الثيب عجالة الراكب تمر أو سويق (١) ، والعجالة ما يتعجله الراكب مما لا يتعب آكله نحو التمر والسويق وشبههما. قال أبو عبيد: وكان الكسائي يحكي عنهم " خذ ما طف لك واستطف لك " أي ارض بما أمكنك منه. ع: ليس طف من أمكن، إنما معنى طف وأطف واستطف، دنا وقرب، يقال: ما يطف له شيء إلا أخذه، قال علقمة (٢) : وما استطف من التنوم مخذوم ... ويقال: خذ ما طف لك واستطف أي ما دنا، ويقال: أخذت من متاعي ما خف وأطف، وكل شيء أدنيته من شيء فقد أطففته منه، قال عدي بن زيد (٣) : أطف لأنفه الموسى قصير ... وكان بأنفه حجناً ضنينا قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " خذ من جذع ما أعطاك " ع: قد أتى أبو عبيد بخبره كاملاً في باب الاغتنام لأخذ الشيء من البخيل وإن كان نزراً.
следующие страницы →